النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 87-126
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَأَنَّهُ يَصِحُّ الأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ.
وَالنَّفْلُ ذُو الْوَقْتِ أَوِ السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ،  قال: (وأنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه)؛ لاستعمال كل بمعنى الآخر، تقول: قضيت الدين وأديته، وقال تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلوة﴾ أي: أديتموها.
والثاني: يشترطان؛ ليتميز كل منهما عن الآخر.
والثالث: يشترط التعرض لنية القضاء دون الأداء، لأن الأداء يتميز بالوقت بخلاف القضاء.
والرابع: إن كان عليه فائتة مثلها .. اشترط التعرض لنية الأداء، وإلا .. فلا، وبه قطع الماوردي والقفال.
قال الرافعي: هذا الخلاف ليس بظاهر؛ لأنه إن جرت هذه النية على لسانه أو في قلبه، ولم يقصد حقيقة معناها .. فينبغي أن يصح قطعًا، وإن قصد حقيقة معناها .. ينبغي أن لا تصح قطعًا؛ لتلاعبه.
وأجاب المصنف بأن مراد الأصحاب من نوى ذلك جاهلًا بالوقت لغيم ونحوه، فصلى بنية الأداء ثم تبين أنه صلى في غير الوقت .. فنص الشافعي على صحتها، وكذا لو ظن خروج الوقت فصلى بنية القضاء، ثم بان أنه باق .. فإنه تجزئه بلا خلاف، وكذا لو لم ينو شيئًا منهما؛ لأن الوقت يغني عن تعيين الأداء والقضاء.
ومن عليه فائتة أو فوائت .. لا خلاف أنه لا يشترط أن ينوي ظهر يوم الخميس مثلًا، بل تكفيه نية الظهر، أو الظهر الفائتة إذا شرطنا نية القضاء.
قال: (والنفل ذو الوقت أو السبب كالفرض فيما سبق) أي: من اشتراط نية فعل الصلاة والتعيين، فينوي في ذي السبب صلاة الاستسقاء مثلًا أو الخسوف.
وأما ذو الوقت .. فينقسم إلى راتب وهو: التابع للفرائض كسنة الظهر، وإلى غيره كصلاة العيد.
فغير الراتب يعينه بما اشتهر به كالتراويح والضحى وصلاة العيد.
وقال الشيخ عز الدين: لا يجب التعرض لكونه فطرًا أو نحرًا.

وَفِي نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلاَةِ.
وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ،  والرواتب يعينها بالإضافة، فيقول مثلًا: أصلي ركعتي الفجر، أو سنة العشاء، أو راتبة الظهر.
وقال في (شرح المهذب): التي قبلها أو بعدها وفيه نظر.
والوتر صلاة مستقلة فلا يضيفها لصلاة العشاء، فإن أوتر بواحدة أو بما زاد ووصل .. نوى الوتر، وإن فصل .. نوى بالواحدة الوتر، وفيما قبلها أوجه: أصحها: ينوي الوتر أيضًا.
والثاني: صلاة الليل.
والثالث: سنة الوتر.
والرابع: مقدمة الوتر.
قال الرافعي: وهذه الأوجه تشبه أن تكون في الأولوية لا في الاشتراط.
قال: (وفي نية النفلية وجهان)، كما في اشتراط الفرضية في الفرض.
ولو عبر بالتعريف كما عبر في (المحرر) و (الروضة) .. كان أولى، وكانت في أصل المصنف كذلك، لكنه كشط الألف واللام وصحح عليه.
قال: (قلت: الصحيح: لا يشترط نية النفلية والله أعلم)؛ لأن النفلية ملائمة للفعل، بخلاف الظهر ونحوها.
قال: (ويكفي في النفل المطلق) وهو: الذي ليس له وقت ولا سبب (نية فعل الصلاة)؛ لأن بها تتحقق القربة، ولا خصوصية لها تفتقر إلى قصدها.
قال: (والنية بالقلب)؛ لأنها القصد، فلا يكفي النطق مع غفلة القلب بالإجماع، ونبه به هنا على جميع الأبواب فإنه لم يذكره إلا هنا.

وَيُنْدَبُ النُّطْقُ قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ.
الثَّاني: تَكْبِيرةُ الإِحْرَامِ  قال: (ويندب النطق قبيل التكبير)؛ ليساعد اللسان القلب، ولأن ذلك أبعد عن الوسواس، وتقدم أن الزبيري أوجب التلفظ بالنية في كل عبادة وهو بعيد، بل لم يقم دليل على الندبية.
ولا يجب استصحاب النية بعد التكبير، ولكن يشترط أن لا يأتي بمناقض لها.
فلو نوى في أثناء الصلاة الخروج منها .. بطلت، وإن تردد في أن يخرج أو يستمر .. بطلت.
ولو نوى في الركعة الأولى الخروج في الثانية، أو علق الخروج بشيء يوجد في صلاته .. بطلت في الحال على الصحيح، كما لو علق به الخروج من الإسلام .. فإنه يكفر في الحال كما سيأتي في بابه.
ولو تردد في الخروج من صومه، أو علقه على وجود شيء .. لم يبطل على المذهب كالحج.
فالعبادات في قطع النية أربعة أضرب: الأول: الإيمان والصلاة، يبطلان بنية الخروج وبالتردد.
الثاني: الحج والعمرة لا يبطلان.
الثالث: الصوم والاعتكاف، الأصح: أنهما لا يبطلان.
الرابع: الوضوء فلا يبطل بنية الخروج بعد الفراغ على المذهب، ولا بالتردد فيه قطعًا.
ولو عقب النية بإن شاء الله بلسانه أو قلبه تبركًا .. لم يضر، وإن علق أو شك .. ضر.
ولو قيل له: صل الظهر لنفسك ولك دينار، فصلى بهذه النية .. صحت ولا دينار.
قال: (الثاني: تكبيرة الإحرام)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة .. فكبر).

وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَادِرِ: (اللهُ أَكْبَرْ)،  وروى الشافعي [1/ 100] وأبو داوود [62] والحاكم [1/ 223] عن محمد ابن الحنفية عن أبيه علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، وقال الترمذي [3]: هو أصح شيء في الباب وأحسن.
وسميت تكبيرة الإحرام؛ لأنه يحرم بها عليه ما كان حلالًا قبلها من مفسدات الصلاة، كالأكل والكلام ونحوهما.
وعند أبي حنيفة: التكبير شرط لا يدخل في الصلاة إلا بعد فراغه.
وعندنا وجه كمذهبه، والمذهب: أنا نتبين بفراغه منه دخوله فيها بأوله.
وفائدة الخلاف: فيما لو افتتح التكبير بمانع ما من نجاسة أو غيرها.
قال: (ويتعين على القادر: (الله أكبر))؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل به في الصلاة، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري [631]. وروى أبو حميد الساعدي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فتتح الصلاة .. استقبل القبلة ورفع يديه وقال: (الله أكبر) رواه ابن ماجه [862]، وصححه ابن حبان [1870]،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلا تنعقد بقوله: الله الكبير؛ لفوات مدلول أفعل التفضيل، وفي وجه شاذ: يجزئ الرحمن الرحيم أكبر.
ومعنى (الله أكبر) أي: من كل شيء.
ويشترط في التكبير جزم الراء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (التكبير جزم)، فلو ضم الراء من أكبر .. لم تصح صلاته كما قاله ابن يونس في (شرح التنبيه)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهو صلى الله عليه وسلم لم ينطق بالتكبير إلا مجزومًا.
ولو قال: أللهو أكبر بزيادة واو ساكنة أو محركة .. لم تصح.
ولو قال: الله هو أكبر .. لم تصح كما قال في (الكفاية).
ولو شدد الباء من أكبر .. ففي (فتاوى ابن رزين): أنها لا تنعقد.

وَلاَ تَضُرُّ زِيَادَةٌ لاَ تَمْنَعُ الاِسْمَ كَـ (اللهُ الأَكْبَرْ)، وَكَذَا (اللهُ الْجَلِيلُ أَكْبَرْ) فِي الأَصَحِّ، لاَ (أَكْبَرُ اللهُ) عَلَى الصَّحِيحِ  ولو قال: أصلي الظهر مأمومًا أو إمامًا الله أكبر .. فالأولى أن يقطع الهمزة من قوله: الله أكبر وليحققها، فإن وصلها .. خلاف الأولى، ولكن تصح صلاته، كذا في (شرح المهذب) و (التحقيق)، وأفتى به ابن الصلاح وابن عبد السلام.
والحكمة في استفتاح الصلاة بالتكبير: استحضار المصلي عظمة من تهيأ لخدمته والوقوف بين يديه؛ ليمتلئ هيبة فيحضر قلبه ويخشع ولا يغيب.
قال: (ولا تضر زيادة لا تمنع الاسم كـ (الله أكبر))؛ لأنه أتى به وبزيادة لا تخل بالمعنى.
قال: (وكذا (الله الجليل أكبر) في الأصح)؛ قياسًا على الله أكبر، والله عز وجل أكبر، ونحو ذلك من الصفات التي لا يطول بها الفصل؛ لما سبق.
والثاني: يضر؛ لأن هذه زيادة مستقلة تغير النظم، بخلاف تلك.
وصورة المسألة: أن يكون الفاصل يسيرًا كما مثله المصنف، فإن طال كقوله: الله الذي لا إله هو الرحمن الرحيم الملك القدوس أكبر .. ضر بلا خلاف، كذا في (الروضة).
وفي (الكفاية) وجه: أنه لا يضر، وهو اختيار الشاشي.
قال: (لا (أكبر الله) على الصحيح)؛ لأنه لا يسمى تكبيرًا، هذا هو المنصوص هنا، ونص على أنه: لو قال في آخر الصلاة عليكم السلام .. أجزأه، فقيل قولان بالنقل والتخريج، والأصح تقرير النصين.
والفرق: أن ذلك يسمى تسليمًا، وهذا لا يسمى تكبيرًا.
والثاني: لا يضر؛ لأن تقديم الخبر جائز.
فائدة: قال الإمام فخر الدين في تفسير قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ أجمع

وَمَنْ عَجَزَ .. تَرْجَمَ، وَوَجَبَ التَّعَلُّمُ إِنْ قَدَرَ  المتكلمون على أن: من عبد الله ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع في الثواب .. لا تصح عبادته، وجزم في أوائل تفسير (سورة الفاتحة) بأن لو قال: أصلي لثواب الله أو للهرب من عقابه .. فسدت صلاته.
قال: (ومن عجز) أي: عن النطق بالعربية، ولم يقدر على التعلم (.. ترجم) أي: بدل التكبير؛ ولا يعدل إلى ذكر آخر؛ لأنه لا إعجاز فيه، والأصح: أنه يتخير، فيأتي بأي لسان كان.
وقيل: إن عرف السريانية أو العبرانية .. تعينت؛ لشرفها بإنزال الكتاب بهما، وبعدهما الفارسية أولى من التركية والهندية.
وانفرد أبو حنيفة بجواز الترجمة للقادر.
أما العاجز لخرس أو نحوه .. فسيأتي حكمه في القراءة.
قال: (ووجب التعلم إن قدر)؛ لأن: (ما لا يتم الواجب إلا به .. فهو واجب).
فلو كان في موضع لا يجد من يعلمه .. لزمه السير إليه في الأصح.
وقيل: لا يجب السفر، كما لا يلزمه ذلك عند عدم الماء ليتوضأ.
والفرق: أن هذا تعلم كلمة واحدة ينتفع بها طول عمره، بخلاف الماء.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يجوز الاقتصار على الترجمة في أول الوقت إذا قدر على التعلم والإتيان بها في آخره، فلو أخر مع القدرة وضاق الوقت فلم يتعلم .. صلى بالترجمة لحرمة الوقت، ثم يقضي لتقصيره، وفي وجه: لا يجب القضاء.
فروع: يلزم السيد أن يعلم غلامه العربية لأجل التكبير، أو يخليه ليكتسب أجرة المعلم، فلو لم يعلمه واستكسبه .. عصى بذلك.
ويجب الاحتراز في التكبير عن وقفة بين كلمتيه، وعن زيادة تغير المعنى كمد الهمزة من الله، أو إشباع حركة الباء من أكبر فتحدث بعدها ألف.
والواجب فيه وفي سائر الأقوال الواجبة: أن يسمع نفسه إن كان صحيح السمع، ولا مانع من لغط وغيره.
ويستحب للإمام أن يجهر بالتكبير فيسمع من خلفه، ورفع المرأة إذا أمت دون رفع الرجل.
أما المأموم .. فيكره له الجهر؛ لئلا يشوش على غيره.
والأخرس يجب عليه أن يحرك لسانه وشفتيه بحسب الإمكان.
ويستحب على المشهور أن يأتي بتكبيرة الإحرام بسرعة، ولا يمدها؛ لئلا تزول النية.
ويجب أن يكبر قائمًا حيث يجب القيام، فلو وقع حرف من تكبيرته في غير القيام .. لم يصح مسبوقًا كان أو غيره.
فلو كبر المسبوق تكبيرة واحدة نوى بها التحريم والهوي .. فالأصح: لا تنعقد.

وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرِهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ،  ولو كبر للإحرام أربع تكبيرات أو أكثر .. دخل في الصلاة بالأوتار، وبطلت بالأشفاع.
وصورته: أن ينوي بكل تكبيرة افتتاح الصلاة، ولم ينو الخروج منها، فبالأولى دخل، وبالثانية خرج، وبالثالثة دخل، وبالرابعة خرج، وبالخامسة دخل، وبالسادسة خرج وهكذا أبدًا، هكذا في زوائد (الروضة)، والمسألة في (الشرح) كذلك في الباب الثاني من (أبواب الشفعة).
قال: (ويسن رفع يديه في تكبيره)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة .. رفع يديه حذو منكبيه، متفق عليه [خ735 - م930]، وأجمعت الأمة عليه.
وقال أبو الحسن أحمد بن سيار المروزي- من متقدمي أصحابنا، أصحاب الوجوه في طبقة المزني-: رفعهما واجب، لا تصح الصلاة إلا به.
وهو قول الأوزاعي والحسن وداوود وآخرين، وسواء فيه من صلى قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، والمفترض والمتنفل، والرجل والمرأة، والإمام والمأموم.
قال: (حذو منكبيه)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إذا افتتح الصلاة كما تقدم.
فلو كان بيديه ما يمنع من ذلك .. رفع إلى حيث يمكنه.
ولو كان بإحدى يديه علة .. رفع الصحيحة كما سبق، والعليلة إلى حيث أمكن.
ويستحب كشف يديه، وأن تكون إلى القبلة، وتفريق أصابعهما تفريقًا وسطًا.
و (حذو) بالذال المعجمة معناه: مقابل.
و (المنكب): مجمع عظم العضد والكتف.
والمراد بـ (اليدين) هنا: الكفان.

وَالأَصَحُّ: رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ.
وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ، وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلِهِ  ولو قطعت يده من الكوع .. رفع الساعد، أو من المرفق .. رفع العضد في الأصح.
قال: (والأصح: رفعه مع ابتدائه)؛ لما روى الشيخان [خ735 - م930] عن ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر)، فيكون ابتداؤه مع ابتدائه، ولا استحباب في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس .. أتم الآخر، وإن فرغ منهما .. حط يديه ولم يستدم الرفع.
والثاني: يرفع يديه غير مكبر، ثم يكبر ويداه قارتان، فإذا فرغ .. أرسلهما؛ لأن أبا داوود [725] رواه كذلك بإسناد حسن، وصحح هذا البغوي، واختاره الشيخ، ودليله في (مسلم) [390] من رواية ابن عمر.
والثالث: يرفع مع ابتداء التكبير، ويكون انتهاؤه مع انتهائه، ويحطهما بعد فراغ التكبير لا قبل فراغه؛ لأن الرفع للتكبير فكان معه، وصححه المصنف ونسبه إلى الجمهور.
ولو نسي الرفع ثم ذكره بعد فراغ التكبير .. لم يأت به، ولو ذكره في أثنائه .. أتى به.
قال: (ويجب قرن النية بالتكبير)؛ لأنه أول فرض، وجميعه بالنسبة إلى الصلاة كالجزء الواحد.
ومعنى مقارنتها للتكبير: أن تقارن جميعه.
وفي كيفية المقارنة وجهان: أحدهما: يجب أن يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان، ويفرغ منها مع فراغه منه، واستبعده الشيخ؛ لأن النية عرض لا ينقسم فلا أول لها ولا آخر.
وأصحهما- وهو مراد المصنف-: أن توجد النية مع أول التكبير وتستمر إلى آخره.
قال: (وقيل: يكفي بأوله)؛ لأن ما بعد التكبير في حكم الاستدامة، وهذا الوجه صححه الرافعي في (الطلاق).

الثَّالِثُ: الْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ  وقال الإمام: لم يكن السلف الصالحون يرون المؤاخذة بهذه التفاصيل، إنما المعتبر انتفاء الغفلة بذكر النية حالة التكبير مع بذل المجهود، ومن لم يقل بذلك .. وقع في الوسواس المذموم.
واختار في شرحي (المهذب) و (الوسيط) تبعًا للإمام، والغزالي في (الإحياء): أن المراد المقارنة العرفية العامة بحيث يعد مستحضرًا للصلاة غير غافل عنها، قال الشيخ: وهو الصواب.
قال: (الثالث: القيام في فرض القادر)؛ لقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قنتين﴾.
وقال عمران بن حصين: كان بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: (صل قائمًا، فإن لم تستطع .. فقاعدًا، فإن لم تستطع .. فعلى جنب) رواه البخاري [371]. زاد النسائي: (فإن لم تستطع .. فمستلقيًا ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾.
وأجمع الأمة على ذلك، وهو معلوم من الدين بالضرورة، من استحله من غير عذر .. كفر، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام.
وكلام المصنف يقتضي: أن المعادة في جماعة، إذا قلنا بالمذهب: إنها نافلة .. يجوز فعلها قاعدًا، وكذلك ظهر الصبي، وفيهما نظر.
وصحح في (البحر): أن الصبي لا يصح ظهره قاعدًا مع القدرة على القيام.
لكن يستثنى لحاجة أو ضرورة مسائل: منها: إذا كان للغزاة رقيب يرقب العدو، ولو قام لرآه العدو، أو جلس الغزاة في مكمن، ولو قاموا لرآهم العدو، وفسد تدبير الحرب .. فلهم الصلاة قعودًا، والمذهب: وجوب الإعادة.
ومنها: إذا خاف راكب السفينة الغرق، أو دوران الرأس .. صلى قاعدًا ولا يعيد.

وَشَرْطُهُ: نَصْبُ فَقَارِهِ، فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِيًا أَوْ مَائِلاً بِحَيْثُ لاَ يُسَمَّى قَائِمًا .. لَمْ يَصِحَّ  ومنها: المريض إذا أمكنه القيام منفردًا ولو صلى جماعة قعد في بعضها .. نص الشافعي على جواز الأمرين، وقعوده أفضل.
والسلس الذي إذا قام استرسل بوله .. يصلي قاعدًا على الصحيح ولا إعادة عليه، وقال القفال: يصلي قائمًا محافظة على الركن كما يصلي العاري.
ومنها: إذا قال طبيب ثقة لمن بعينيه ماء: إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك .. فله ترك القيام على الأصح.
والثاني: لا يجوز، قال في (الوسيط): لأن ابن عباس استفتى عائشة وأبا هريرة، فليم يرخصا له فيه، وهذا لا يصح إنما روي: أنه كره ذلك.
وفي (المهذب): أن عبد الملك بن مروان حمل إليه الأطباء على البرد، فنعتوا له ذلك، فاستفتى عائشة وأم سلمة فنهتاه.
وإنما تولى عبد الملك الخلافة بعد موتهما وموت أبي هريرة بسنين عديدة.
أما إذا قال: إن صليت قاعدًا أمكن مداواتك .. فقال الإمام: يجوز القعود قطعًا، ونازعه الرافعي في ذلك.
قال: (وشرطه: نصب فقاره)؛ لأنه لا يسمى قائمًا بدون ذلك، ولا يضر إطراق الرأس بغير انحناء بلا خلاف، بل صرح في (الخلاصة) باستحبابه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله.
لكن يكره أن يلصق قدميه، وأن يقدم إحداهما على الأخرى.
و (الفقار) بفتح الفاء: خرزات الظهر، وفي حديث زيد بن ثابت: ما بين عجب الذنب إلى فقار القفا ثنتان وثلاثون فقارة.
قال: (فإن وقف منحنيًا أو مائلًا بحيث لا يسمى قائمًا .. لم يصح)؛ لتركه الواجب بلا عذر.

فَإِنْ لَمْ يُطِقِ انْتِصَابًا وَصَارَ كَرَاكِعٍ .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَقِفُ كَذَلِكَ، وَيَزِيدُ انْحِنَاءَهُ لِرُكُوعِهِ إِنْ قَدَرَ.
وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقَيَامُ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسَّجُودِ قَامَ وَفَعَلَهُمَا بِقَدْرِ إِمْكَانِهِ  ولو استند مع الانتصاب المشروط إلى جدار أو إلى إنسان استنادًا لا يسلب اسم القيام .. صح في الأصح، وقيل: لا، وقيل: إن كان بحيث لو رفع السناد لم يسقط .. صح، وإلا .. فلا.
ولو لم يقدر على النهوض للقيام إلا بمعين .. لزمه أن يستعين بمن يقيمه، فإن لم يجد متبرعًا .. لزمه الاستئجار بأجرة المثل إن وجدها، أو أن يعتمد على شيء.
قال القاضي حسين: لم يلزمه ذلك، وصرح الإمام والمتولي بخلافه.
وإذا عجز عن القيام في الفاتحة فجلس .. وجب عليه إدامة القراءة في هوية، وقال المتولي: تجوز القراءة في هذه الحالة.
وفي (مرشد ابن أبي عصرون): لا تجزئه القراءة فيها، فحصلت ثلاثة آراء، وبالأول جزم الشيخان.
قال: (فإن لم يطق انتصابًا وصار كراكع .. فالصحيح: أنه يقف كذلك) أي: وجوبًا؛ لأنه أقرب إلى الواجب.
والثاني- قاله الإمام استنباطًا من كلام الأئمة، وتبعه عليه الغزالي-: أنه يلزمه أن يقعد؛ لأن حد الركوع يخالف حد القيام، فلا يتأدى أحدهما بالآخر.
ويشكل على الإمام: أنه رجح فيمن لا يمكنه القيام على قدميه، وأمكنه النهوض على ركبتيه .. أنه يلزمه- كما نقله الغزالي في تدريسه عنه، وهو أحد الوجهين- مع أنه لا يسمى قائمًا.
قال: (ويزيد انحناءه لركوعه إن قدر)؛ ليتميز الواجب عن غيره، وظاهر عبارة المصنف وغيره أن ذلك على سبيل الوجوب.
قال: (ولو أمكنه القيام دون الركوع والسجود .. قام وفعلهما بقدر إمكانه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر .. فأتوا منه ما استطعتم)، فيحني

وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ .. قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ، وَافْتِرَاشُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ فِي الأَظْهَرِ.

 صلبه ما أمكنه، فإن عجز .. حتى رقبته ورأسه، فإن عجز .. أومأ إليهما؛ لأن: (الميسور لا يسقط بالمعسور).
قال: (ولو عجز عن القيام .. قعد)؛ لما روى الشيخان [خ805 - م411] عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سقط عن فرس، فجحش شقه الأيمن، فدخلتا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى قاعدًا)، ولإطلاق حديث عمران والإجماع، ولا إعادة عليه.
قال في (التهذيب): قال في (المهذب): ولا ينقص بذلك ثوابه؛ لأنه معذور.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى قائمًا .. فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا .. فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا .. فله نصف أجر القاعد) كما أخرجه البخاري في (التاريخ) عن عمران بن حصين .. فمحمول على النفل عند القدرة على القيام، وضبط الإمام العجز في هذا الباب بأن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه.
والمذهب: أنه لا يكفي ذلك، بل خوف الهلاك، أو زيادة المرض، أو مشقة شديدة.
قال: (كيف شاء) لا خلاف في ذلك، إنما الخلاف في الأفضل.
قال: (وافتراشه أفضل من تربعه في الأظهر) أي: في موضع قيامه؛ لأنها هيئة مشروعة في الصلاة، فكانت أولى من التربع؛ لأنه لا يليق بالخضوع، وهذا هو الصحيح، وخصه في (الحاوي) بالرجل وقال: الأولى للمرأة التربع؛ لأنه أستر.
والثاني: تربعه أفضل، وهو نصه في (البويطي)، واختاره الشيخ؛ لما رورى النسائي [3/ 224] عن عائشة رضي الله عنه قالت: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعًا)، وكان أنس وابن عمر يفعلانه.

وَيُكْرَهُ الإقْعَاءُ بِأَنْ يَجْلِسَ عَلَى وَرِكَيْهِ نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ  والفرض عند العجز كالنفل، والمعنى فيه: أنه بدل عن القيام فاستحب مخالفة صورته لصورة القعود كصلاة الصحيح، ولأنه أبعد عن السهو.
وقيل: التورك؛ لأنه أعون للمصلي.
وقيل: يجلس على رجله اليسرى، وينصب ركبته اليمنى كالجلوس بين يدي المقرئ؛ لأنه أكثر أدبًا، فهي قولان ووجهان.
قال: (ويكره الإقعاء)؛ لما روى الحسن عن سمرة قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم عن الإقعاء في الصلاة) رواه الحاكم [1/ 272] وقال: [صحيح] على شرط البخاري؛ لأن البخاري روى أنه سمعه من سمرة.
قال: (بأن يجلس على وركيه ناصبًا ركبتيه)، هكذا فسره أبو عبيد القاسم بن سلام عن شيخه أبي عبيدة معمر بن المثنى بزيادة: وضع يديه على الأرض.
والمراد بـ (الورك): أصل الفخذ.
ومعنى ذلك: أن يلصق أليته بالأرض، وينصب فخذيه وساقيه كهيئة المستوفز.
وإنما نهى عن ذلك؛ لتشبهه بالكلاب والقردة.
وهذا الإقعاء منهي عنه في جميع الصلاة.
ومن الإقعاء نوع مستحب عند المصنف وابن الصلاح والبيهقي، ونص عليه في (البويطي)، وصوبه الشيخ وهو: أن يفرش رجليه، ويضع أليتيه على عقبيه، كما ثبت في (صحيح مسلم) [536] عن طاووس قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: (هي سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم)، وروي ذلك عن العبادلة، وجعله الرافعي أحد الأوجه في الإقعاء المكروه، وليس المراد بكونه سنة أنه أفضل من غيره، بل الافتراش أفضل منه؛ لكثرة رواته ولمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكره أيضًا أن يقعد مادًا رجليه.

ثُمَّ يَنْحَنِي لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ، وَالأَكْمَلُ: أَنْ تُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ .. صَلَّى لِجَنْبِهِ الأَيْمَنِ،  قال: (ثم ينحني لركوعه بحيث تحاذي جبهته ما قدام ركبتيه) أي: من الأرض؛ وهذا أقل ركوع القاعد.
قال: (والأكمل: أن تحاذي موضع سجوده)؛ لأنه يضاهي أكمل ركوع القائم.
أما سجوده فكسجود القائم، فإن عجز عن الركوع والسجود على ما تقرر .. أتى بالممكن، وإذا لم يقدر من السجود على وضع الجبهة، وقدر على زيادة أكمل الركوع .. وجب الاقتصار من الركوع على أكمله ليتميز عن السجود؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمريض عاده، فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عيه فرمى به، وقال عليه الصلاة والسلام: (صل على الأرض إن استطعت، وإلا .. فأومئ إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك) رواه البيهقي [2/ 306]. قال: (فإن عجز عن القعود .. صلى لجنبه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن لم تستطع .. فعلى جنب).
والمعتبر في العجز هنا: ما يعتبر في القيام، وقال الإمام هنا: لابد من عدم تأتي القعود، أو خيفة الهلاك، أو المرض الطويل، كالتيمم.
قال: (الأيمن)؛ لفضله.
ويجب استقبال القبلة بوجهه ومقدم بدنه، كالميت في لحده؛ لأنه روي: (فإن لم تستطع .. فعلى جنبك الأيمن مستقبل القبلة).
فعلى هذا، لو اضطجع على يساره .. جاز؛ لإطلاق الحديث.
وقيل: على قفاه ورجلاه إلى القبلة، ويضع تحت رأسه شيئًا ليرتفع ويصير وجهه إلى القبلة لا إلى السماء، والخلاف في الوجوب لا الأولوية، بخلاف الكلام في هيئة القاعد.
والخلاف فيمن قدر على الاضطجاع والاستلقاء، أما من لم يقدر على كيفية واحدة .. فإنها تجزئه جزمًا.

فَإِنْ عَجَزَ .. فَمُسْتَلْقِيًا.
وَلِلْقَادِرِ التَّنَفُّلُ قَاعِدًا،  قال: (فإن عجز .. فمستلقيًا) - أي: على قفاه- ويجعل رجليه إلى القبلة، كذا رواه الدارقطني [2/ 42] بمعناه، لكن ضعفه عبد الخالق.
ويجب عليه في هذه الحالة أن يأتي بالركوع والسجود إذا قدر عليهما، وإلا .. أومأ بهما وقرب الجبهة من الأرض بحسب الإمكان، ويجب عليه أيضًا أن يضع تحت رأسه شيئًا ليقبل بوجهه إلى القبلة كما تقدم، وهذا الوجه الثاني في المسألة قبلها، فإن عجز عن الإيماء برأسه .. أومأ بجفونه، فإن عجز عن الإيماء .. أجرى أفعال الصلاة على قلبه، بأن يمثل نفسه قائمًا وراكعًا وساجدًا، ويأتي بالقراءة والأذكار في محالها، فإن اعتقل لسانه .. وجب أن يجري القراءة والأذكار على قلبه، والمذهب: أنها لا تسقط ما دام عقله باقيًا ولا يعيد، وفيه وجه: أنه يعيد، ووجه آخر: أنه لا يصلي وتسقط عنه الصلاة في هذه الحالة، وحيث تغيرت حاله في الصلاة بقدرة أو عجز .. أتى بما يمكنه إلا إذا قدر على ركوع القائم بعد أن اطمأن في ركوعه .. فلا؛ لئلا يزيد ركوعًا.
كل هذا إذا صلى خارج الكعبة، أما إذا صلى فيها مضطجعًا لمرض أو نفلًا .. فالمتجه: أنه يجوز أن يصلي مستلقيًا على ظهره أو على وجهه؛ لأنه كيفما توجه مستقبل لجزء من أجزاء البيت، فإن لم يكن للكعبة سقف، أو كان على سطحها .. امتنع الاستلقاء على الظهر.
والمصلوب يلزمه أن يصلي، ثم إن كان مستقبل القبلة .. فلا إعادة عليه، وإلا .. أعاد، وكذلك الغريق على لوح.
قال: (وللقادر التنفل قاعدًا) بالإجماع، سواء فيه الرواتب وغيرها.
وفي صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء وجه: أنها لا تجوز، ويدل لعموم الجواز أنه صلى الله عليه وسلم في حديث عمران المتقدم جعل للقاعد نصف أجر القائم، وللنائم نصف أجر القاعد، والمراد: حالة القدرة، وإلا .. لم ينقص الأجر بذلك، ولأن النوافل تكثر فاشتراط القيام فيها يؤدي إلى المشقة والحرج.

وَكَذَا مُضْطَجِعًا فِي الأَصَحِّ.
الرَّابِعُ: الْقِرَاءَةُ  قال: (وكذا مضطجعًا في الأصح)؛ للحديث المتقدم.
وعلى هذا: يلزمه أن يقعد للركوع والسجود، وقيل: يومئ بهما أيضًا.
والوجه الثاني: لا يجوز لانمحاق صورة الصلاة، وصاحب هذا الوجه يحمل الحديث على الفرض ويقول: المراد به: المريض الذي لا يستطيع إلا ذلك، وأجره على النصف مما قبله، فإن تحمل المشقة وأتى بالزائد .. تم أجره؛ لأن الخطاب في الحديث كان لعمران، ومعلوم من حاله أنه كان مريضًا.
وأجيب بأن كونه جوابًا لعمران .. لا يدل لاحتمال أن يكون عمران سأله عن الفرض مرة وعن النفل أخرى، لكن نقل السهيلي قبيل غزوة ودان عن الخطابي وابن عبد البر: أنهما نقلا إجماع الأمة على أن: المضطجع لا يصلي في حال الصحة نافلة ولا غيرها، ثم قال: وليست مسألة إجماع كما زعما، بل كان في السلف من يجيز ذلك كالحسن وغيره.
فائدة: سئل الشيخ عز الدين عن رجل يتقي الشبهات، ويقتصر على مأكول يسد الرمق من نبات الأرض ونحوه، فضعف بسبب ذلك عن الجماعة والجمعة والقيام في الفرائض: هل هو مصيب؟ فأجاب: بأنه لا خير في ورع يؤدي إلى إسقاط فرائض الله تعالى.
قال: (الرابع: القراءة) حفظًا أو تلقينًا أو نظرًا في المصحف؛ لقوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾.
وبينه صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وقوله: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج) أي: ناقصة.
وفي قول: لا تجب على المأموم في الصلاة الجهرية؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له وأنصتوا﴾.

وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ دُعَاءُ الاِفْتِتَاحِ،  وروى مسلم [404] عن أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وليؤمكم أحدكم، فإذا كبر .. فكبروا، وإذا قرأ .. فأنصتوا)، وهذا نصه في القديم، وبعض الجديد.
وأجاب القائل بالأول بأن الآية المراد بها: الخطبة، وأما الخبر .. فمحمول على السورة جمعًا بين الأحاديث.
أما السرية .. فيلزمه فيها القراءة وجهًا واحدًا.
ولو أسر الإمام في الجهرية، أو جهر في السرية، فهل الاعتبار بصفة الصلاة في الأصل، أو بفعل الإمام الآن؟ فيه وجهان، صحح المصنف الثاني.
قال: (ويسن بعد التحرم دعاء الافتتاح) أشار بذلك إلى أن لقراءة الفاتحة سنتين سابقتين، وسنتين لاحقتين: دعاء الاستفتاح والتعوذ، والتأمين وقراءة السورة.
فأما دعاء الاستفتاح .. فهو: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم؛ أنت الملك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعها؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)، رواه مسلم [771] من حديث علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (وأنا أول المسلمين)؛ لأنه أول مسلمي هذه الأمة، وغيره إنما يقول: وأنا من المسلمين.
وورد في الاستفتاح أحاديث أخر اختار الشافعي منها هذا؛ لما فيه من موافقة ألفاظ القرآن، ولو دعا بغيره .. كان آتيًا بالسنة.
فإن كان إمامًا، ولم يعلم من حال المأمومين أنهم يؤثرون التطويل .. لم تستحب له الزيادة على قوله: من المسلمين، وكذلك المأموم فيما ينصت فيه لقراءة إمامه.
وغيرهما يستحب له إكماله، ويزيد عليه ما في (الصحيحين) [خ744 - م598] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم؛ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.
اللهم؛ نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم؛ اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) أي: طهرني من

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الذنوب.
وذكر هذه الأشياء مبالغة في التطهير.
وروت عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة .. قال: (سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) خرجه أصحاب السنن، لكن انفرد به طق بن غنام وليس بالقوي، فاستحب القاضي حسين والقاضي أبو حامد وغيرهما: أنه يبدأ به، ثم يقول: وجهت وجهي ... إلى آخره.
وعن الطبري: يندب أن يقول: الله أكبر كبيرًا، والحمد له كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وجهت وجهي .. إلى آخره.
فلو ترك دعاء الاستفتاح عمدًا أو سهوًا .. لم يعد إليه، ولا يأتي به في باقي الركعات.
ويستثنى من إطلاق المصنف صلاة الجنازة على الأصح، والمسبوق إذا أدرك الإمام في غير القيام، أو فيه وخاف فوت الفاتحة، حتى لو أدركه في الاعتدال .. لم يأت به، بل يأتي بالتسميع والتحميد.
تنبيه: لا فرق في التعبير بقوله: من المسلمين، ومن المشركين، بين الرجل والمرأة؛ لما روى الحاكم [4/ 222] عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك؛ فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)، قال عمران: قلت يا رسول الله؛ هذا لك ولأهل بيتك خاصة، أم للناس عامة؟ قال: (بل للمسلمين عامة).
فائدة: معنى (وجهت وجهي): قصدت بعبادتي.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و (فطر السماوات): ابتدأ خلقها من غير مثال سبق، وجمعت السماوات ووحدت الأرض في جميع الآيات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به إليها، ووطئها بقدميه فتشرفت بذلك فجمعت، وأما الأرض فلم يطأ بقدميه الشريفتين سوى العليا منها، ولأن السماوات محل الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ولم يثبت في الأرض مثل ذلك، فجمعت السماوات حينئذ لشرفها، ولذلك كان المختار أنها أفضل من الأرض.
وروينا عن كعب الأحبار أنه قال: خلق الله سماء الدنيا من موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابقة ياقوت.
وروى البيهقي عن أبي الضحى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ قال: (سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى)، ثم قال: إسناد هذا الحديث عن ابن عباس صحيح، غير أني لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا.
والحنيف): المائل إلى الخير والصلاح.
وقوله: (وما أنا من المشركين) بيان للحنيفي وإيضاح لمعناه.
و (النسك): العبادة، وجمع بين الصلاة والنسك، وإن كانت داخلة فيه تنبيهًا على شرفها وعظم مرتبتها، وهو من باب ذكر العام بعد الخاص.
و (رب العالمين) معناه: ملك الجن والإنس.
وأما قوله: (والشر ليس إليك) .. فقال المزني: معناه لا ينسب إليك وإن

ثُمَّ التَّعَوُّذُ،  كنت فاعله، كما لا يقال: يا خالق القردة والخنازير.
وقال ابن خزيمة وغيره: معناه لا يتقرب به إليك، وقيل: لا يصعد إليك.
قال: (ثم التعوذ)، لقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ أي: أردت القراءة، كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم﴾ أي: أردتم القيام.
وصيغته المحبوبة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقيل: بزيادة السميع العليم.
ومعنى (أعوذ بالله): ألتجئ إليه وأعتصم به.
و (الشيطان): كل متمرد من الجن والإنس، وهو من: شاط يشيط إذا هلك، أو من: شطن بمعنى بعد.
و (الرجيم): بمعنى مرجوم بالطرد واللعن، وقيل: يرجم به غيره بالإغواء.
ويحصل التعوذ بكل لفظ حصل معناه.
وقيل: يستحب ما رواه الحاكم [1/ 235] وابن حبان [1779] عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا افتتح الصلاة: (أعوذ بك من الشيطان وَيُسِرُّهُمَا، وَيَتَعَوَّذُ كُلَّ رَكْعَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالأُولَى آكَدُ.
وَتَتَعَيَّنُ (الْفَاتِحَةُ)

 الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه).
(همزه): الجنون، و (نفخه): الكبر، و (نفثه): الشعر.
ويستثنى المسبوق إذا علم عدم إدراك الفاتحة، وحيث لا يقرأ المأموم لا يستحب له التعوذ في الأصح.
وقياسه عدم الاستحباب فيمن لا يحسن القراءة، إذا قلنا: التعوذ لها، فإن قلنا: التعوذ للصلاة .. تعوذ في الأولى.
قال: (ويسرهما) كسائر الأذكار المستحبة، وفي قول: يستحب الجهر بالتعوذ في الجهرية؛ لأنه تابع للقراءة فأشبه التأمين، وقيل: يستحب الإسرار قطعًا، وقيل: يتخير بين الجهر والإسرار.
قال: (ويتعوذ كل ركعة على المذهب)؛ لحصول الفصل بين القراءتين بالركوع وغيره.
والثاني: يختص بالأولى، كما لو سجد لتلاوة ثم عاد للتلاوة .. فإنه لا يعيد التعوذ.
وعلى هذا، إذا تركه في الأولى عمدًا أو سهوًا .. أتى به في الثانية بخلاف دعاء الاستفتاح.
قال: (والأولى آكد)؛ للاتفاق عليها، ولأن افتتاح القراءة في الصلاة فيها.
ويتعوذ في صلاة الجنازة، وفي قراءة خارج الصلاة، وكلما قطع بكلام أو سكوت طويل، لا سجدة تلاوة كما تقدم.
قال: (وتتعين (الفاتحة)) حتى لو قرأ القرآن كله في ركعة ولم يقرأها .. لم تصح صلاته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة لكتاب) متفق عليه [خ756 - م394] من رواية عبادة بن الصامت.
وفي رواية: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) رواه ابن خزيمة [490]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وابن حبان [1794] من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح، والدارقطني [1/ 322] من رواية عبادة وقال: رجاله كلهم ثقات.
وأفهم قوله: (تعيين) أنها لا تسقط بالنسيان، وهو كذلك على الصحيح، كالركوع والسجود.
وفي القديم: تسقط به؛ لما روي أن عمر صلى المغرب، فترك قراءة الفاتحة، فقيل له ذلك، فقال: (كيف كان الركوع والسجود؟) قالوا: حسنًا، قال: (فلا بأس إذاً).
والقائلون بالأول أجابوا عن هذا: بأنه ترك الجهر بالقراءة، أو أنه منقطع؛ فإن الشافعي رواه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه، وأبو سلمة لم يدرك عمر.
فائدة: سميت (فاتحة الكتاب)؛ لافتتاح القرآن بها.
وسميت (أم الكتاب)؛ لأنها أوله وأصله، ولذلك سميت مكة أم القرى؛ لأنها أول الأرض وأصلها ومنها دحيت.
وحكى في (التحرير): لها عشرة أسماء: الحمد، وفاتحة الكتاب، وأم الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني- لأنها سبع آيات، وتثنى في كل ركعة- والصلاة، والوافية، والكافية، والشفاء، والأساس، زاد الكاشغري في (غريبه): الكنز.

كُلَّ رَكْعَةٍ، إِلاَّ رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ،  قال في (الإكمال): وكره قوم منهم ابن سيرين تسميتها بأم الكتاب، ولا وجه له لصحة الأحاديث به.
وفي (تفسير بقي بن مخلد): أن إبليس رن أربع رنات: رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد النبي صلى الله عليه وسلم، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب.
قال: (كل ركعة)؛ لما روى أحمد [4/ 304] والبيهقي [2/ 374] وابن حبان [1787]- بسند صحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخلاد بن رافع الزرقي حين أساء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة .. فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن) إلى أن قال: (ثم اصنع ذلك في كل ركعة).
ولأنه صلى الله عليه وسلم (كان يقرأ في كل ركعة) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه الشيخان [خ631 - م674]. قال: (إلا ركعة مسبوق)؛ لأنه إذا أدرك الركوع .. فقد أدرك الركعة؛ لحديث أبي بكرة: (أنه دخل والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فركع معه، ثم دخل في الصف) رواه البخاري [783]. وعبارة المصنف تفهم: أن (الفاتحة) لا تجب عليه وهو وجه.
والأصح: أنها تجب عليه، ثم يتحملها الإمام عنه، فيكون مراده: نفي الوجوب المستقر.
وذهب ابن خزيمة وأبو بكر الصبغي من أصحابنا إلى أنه لا يكون مدركًا للركعة بإدراك الركوع.
أما إذا أدركه قائمًا وقرأ بعضها من غير اشتغال بشيء فركع .. فإنه يركع معه في الأصح.
وتسقط (الفاتحة) أيضًا في الركعات كلها حيث حصل له عذر تخلف بسببه عن الإمام

وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا،  بأربعة أركان طويلة، وزال عذره والإمام راكع، وذلك في صور: منها: لو كان الإمام بطيء القراءة.
ومنها: لو نسي أنه في الصلاة.
ومنها: لو امتنع من السجود بسبب الزحمة.
ومن الأعذار أيضًا: ما إذا شك بعد ركوع إمامه في قراءة الفاتحة .. ففي الجميع يتحمل عنه.
قال: (والبسملة منها)؛ لما روي: (أنه صلى الله عليه وسلم عد الفاتحة سبع آيات، وعد ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية منها)، وعزاه الإمام والغزالي إلى البخاري، وليس في (صحيحه)، بل في (تاريخه).
وروى الدارقطني [1/ 312] عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قرأتم: الحمد لله .. فاقرؤوا: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؛ إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، و ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ إحدى آياتها)).
وروى ابن خزيمة [1/ 248]- بإسناد صحيح- عن أم سلمة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عد ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية، و (الحمد لله رب العالمين) ست آيات)، وبه قال علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير.
وقال أبو نصر المؤذن: اتفق قراء الكوفة وفقهاء المدينة على أنها آية منها.
وقال قراءة المدينة وفقهاء الكوفة: إنها ليست آية منها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولأنها ثبتت بإجماع الصحابة في المصحف مع تحريهم في تجريده مما ليس بقرآن، وأجمعوا على كتابتها بخط القرآن، وأما ما أثبت فيه من أسماء السور والأعشار .. فذلك شيء ابتدعه الحجاج في زمنه فلا اعتبار به، وأيضًا هي بعير خط المصحف.
وسواء قلنا: هي من أول كل سورة قطعًا أو ظنًا، فمن تركها .. لم يكن قرأ السورة كلها، فلا يخرج عن نذره ولا تبر يمينه إذا كان قد حلف على قراءة سورة كذا، ولا تصح صلاته إذا تركه من الفاتحة، لكن إن قلنا: هي قرآن ظنًا .. لم يكفر جاحدها، وإن قلنا قطعًا .. فالمذهب: القطع بعدم تكفيره أيضًا؛ لشبهة الخلاف فيها من الجانبين.
وفي (الكفاية): أن صاحب (الفروع) قال: يكفر جاحدها، ويفسق تاركها.
ثم هي آية كاملة من أول الفاتحة بلا خلاف، وكذا فيما عدا براءة من أوائل السور.
وفي قول: بعض آية.
ويجهر بها فيما يجهر فيه بـ (الفاتحة)، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أحد وعشرين صحابيًا.
وقال ابن أبي هريرة: لا يجهر بها؛ لأن ذلك صار من شعار الرافضة.
وحجة المخالفين حديث أنس.
وجوابه: أنه محمول على سورة (الحمد)، أو أن المراد عدم المبالغة في الجهر.
وروى أحمد [3/ 166] وابن خزيمة والدارقطني [1/ 316]- بسند صحيح- أن أنسًا سئل: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بـ ﴿الحمد لله رب العلمين﴾، أو بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؟ فقال للسائل: (هذا شيء لم أعرفه، ولم يسألني عنه أحد قبلك).
وروى الدارقطني [1/ 311] والحاكم [1/ 233] عن أنس أنه قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة فقرأ البسملة في (أم القرآن)، ولم يقرأها في السورة، فلما سلم .. ناداه من شهد ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية؛ أسرقت الصلاة

وَتَشْدِيدَاتُهَا.
وَلَوْ أَبْدَلَ ضَادًا بِظَاءٍ .. لَمْ تَصِحَّ فِي الأَصَحِّ  أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك .. قرأها.
قال: (وتشديداتها)؛ لأن المشدد حرفان أولهما ساكن، وفيها أربع عشرة شدة، وجملة حروفها مئة وأحد وأربعون حرفًا دون التشديدات، وبها مئة وخمسة وخمسون إلا لمن أدغم، أو قرأ: ﴿ملك﴾، فإنه يزيد حرفًا وينقص حرفًا.
والحكم على التشديد بكونه من الفاتحة فيه تجوز.
وقد أحسن (المحرر) في قوله: وتجب رعاية تشديداتها.
وقال في (البحر): لو ترك التشديد من قوله: ﴿إياك﴾ وخففها، فإن تعمد وعرف معناه .. كفر؛ لأن (الإيا): ضوء الشمس، فكأنه قال: نعبد ضوء الشمس، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا .. سجد للسهو.
قال: ولو شدد حرفًا مخففًا منها .. أساء وأجزأه، وفيه نظر.
قال: (ولو أبدل ضادًا بظاء .. لم تصح في الأصح)؛ لاختلاف المعنى؛ لأن الضاد من الضلال، والظاء من قولهم: ظل فعل كذا ظلولًا إذا فعله نهارًا، وقياسًا على باقي الحروف.
والثاني: يصح لقرب المخرج، وعسر التمييز بينهما، والخلاف مخصوص بالقادر.
وأما العاجز .. فيجزئه قطعًا، وعبارة المصنف كعبارة (الشرح) و (الروضة) و (المحرر) وغيرها من كتب الأصحاب، وصوابه: بالعكس؛ لأن الباء تدخل على المتروك، فإذا ترك الظاء إلى الضاد .. فقد أصاب، وإنما الممتنع على الأصح العكس، كقوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾.
وقال: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾.
وقال: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾.
لكن حكى الواحدي عن ثعلب عن الفراء في قوله تعالى: ﴿بدلنهم جلودًا غيرها﴾ ما يدل على صحة عبارة المصنف.
ويشهد لذلك قول الطفيل بن عمرو الدوسي لما أسلم في وصف النبي صلى الله عليه وسلم [من الوافر]:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فألهمني هداي الله عنه .... وبدل طالعي نحسي بسعدي وأيضًا (الإبدال) في اللغة: الإزالة، فيكون المعنى أزال ضادًا بظاء.
وسيأتي في (الديات): أن لغة الغرب انفردت بحرف الضاد، فلا يوجد في لغة غيرها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أفصح من نطق بالضاد، بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد).
وكذلك الحكم إذا أبدل حرفًا بحرف من (الفاتحة) غير الضاد، كالذال المعجمة إذا أتى بها مهملة، إلا أن تكون قراءة شاذة مثل: (إنا أنطيناك الكوثر) .. فإنها لا تبطل.
فرع: تشرع القراءة بما ورد في السبع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف كاف).
قال المتولي: المراد: أنزل بلغة سبع قبائل من فصحاء العرب.
قال: وأما القراءة بالشواذ، فإن لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه .. فتجوز ولا تبطل الصلاة- كاللحن الذي لا يغير المعنى- وإن كان فيها زيادة حرف أو تغيير معنى .. امتنع وتبطل الصلاة به إذا تعمده، كقوله: (ثلاثة أيام متتابعات)، وقوله: (فاقطعوا أيمانهم)، وقوله: (وأقيموا الحج والعمرة لله)، و (إنما يخشى الله من عباده العلماء) برفع (الله) وبنصب (العلماء)، وإن كان ساهيًا .. سجد للسهو، وإن لم يغير المعنى ولم يزد في الكلام .. لم تبطل.

وَيَجِبُ تَرْتِيبُهَا وَمُوَالاَتُهَا، فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ .. قَطَعَ الْمُوَالاَةَ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلاَةِ كَتَامِينِهِ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ  وجزم المصنف في كتبه بتحريم القراءة بالشاذ من غير تفصيل.
وحكى البغوي في أول (تفسيره) الاتفاق على جواز القراءة بما قرأ به يعقوب وأبو جعفر لاستفاضتها، وصوبه الشيخ واختاره.
وفي (فتاوى) قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزري: أن القراءة بالشواذ جائزة مطلقًا، إلا في الفاتحة للمصلي.
ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه: لا تجوز القراءة بالشاذ، ولا الصلاة خلف من يقرأ بها.
وقال العجلي: وتكره القراءة بها وتجزئ الصلاة.
قال: (ويجب ترتيبها) بأن يأتي بالآية بعد الآية؛ لأن نظم القرآن معجز، وترك الترتيب يزيل إعجازه.
فإن قدم وأخر عمدًا .. بطلت قراءته دون صلات واستأنف القراءة، وإن كان سهوًا .. لم يعتد بالمؤخر.
واستشكل الشيخ وجوب الاستئناف عند التعمد على الوضوء والأذان والطواف والسعي وغيرها، قال: ولو قيل: إنه يبني .. لكان له وجه.
قال: (وموالاتها) وهي: أن يصل الكلمات بعضها ببعض، ولا يفصل إلا بقدر التنفس؛ لأنها القراءة المأثورة.
قال: (فإن تخلل ذكر .. قطع الموالاة) سواء كثر أم قل، وسواء كان قرآنًا أم غيره: كالتحميد عند العطاس، وإجابة المؤذن، والتسبيح للداخل، ونحو ذلك؛ لأن الاشتغال به يوهم الإعراض عن القراءة فيستأنفها.
هذا إذا تعمد.
فإن كان سهوًا .. فالصحيح المنصوص: لا يقطع فيبني، وقيل: إن طال الذكر .. قطع القراءة، وإلا .. فلا.
قال: (فإن تعلق بالصلاة كتأمينه لقراءة إمامه وفتحه عليه)، وكذلك إذا قرأ

فَلاَ فِي الأَصَحِّ، وَيَقْطَعُ السُّكُوتُ الطَّوِيلُ، وَكَذَا يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الأَصَحِّ.
فَإِنْ جَهِلَ (الْفَاتِحَةَ)  الإمام آية رحمة فسألها المأموم، أو آية عذاب فاستعاذ، أو آية سجدة فسجد.
و (الفتح): تلقين الآية عند التوقف فيها.
قال: (.. فلا في الأصح) أي: لا يقطع القراءة؛ لأن المأموم مندوب إلى هذه الأمور على المشهور.
أما التأمين .. فلما سيأتي.
وأما الفتح عليه .. فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصلاة، فترك شيئًا لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله؛ آية كذا وكذا، فقال صلى الله عليه وسلم لأبي: (أصليت معنا؟) قال: نعم، قال: (فما منعك؟).
وأما باقيها .. فواضح، لكن عبارة المصنف تقتضي: أنه لا فرق بين أن يطول الذكر الفاصل أو يقصر، وفيه إذا طال نظر.
والوجه الثاني: تبطل الموالاة كالذكر الأجنبي.
والثالث: تبطل الصلاة.
ومحل الخلاف: في العامد، فإن كان ساهيًا .. لم يقطع جزمًا.
قال: (ويقطع السكوت الطويل) وهو: المشعر بإعراضه عن القراءة، مختارًا كان أو لعائق؛ لإخلاله بالموالاة المعتبرة.
وقيل: لا لوجود القراءة المأمور بها.
كل ذلك في المعتمد، أما الناسي .. فلا يضره على الصحيح.
قال: (وكذا يسير قصد به قطع القراءة في الأصح)؛ لاجتماع السكوت والقصد.
والثاني: لا يقطع؛ لأن كلًا منهما لا يؤثر بمفرده، فكذلك إذا اجتمعا.
و (اليسير): ما جرت به العادة لتنفس أو استراحة.
قال: (فإن جهل (الفاتحة)) أي: كلها بالعربية.
وعجز عن قراءتها أو تعلمها أو

فَسَبْعُ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ .. فَمُتَفَرَّقَةٍ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ.
تلقنها أو قراءتها في المصحف- بإجارة أو إعارة- أو عدم الضوء وهو في ظلمة وضاق الوقت عن التعلم.
قال: (.. فسبع آيات)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة .. فتوضأ كما أمرك الله، فإن كان معك قرآن .. فاقرأ، وإلا .. فاحمد الله وهلل وكبر) رواه الترمذي [302] وقال: حسن.
والمعنى فيه: أن القرآن بالقرآن أشبه.
وإنما أوجبنا سبع آيات؛ لأن هذا العدد مرعي في (الفاتحة)؛ لأنها السبع المثاني.
ولا تجزئ الآية الواحدة وإن طالت كآية الدين.
قال الشافعي: وأحب أن يقرأ ثماني آيات؛ لتكون الآية الثامنة بدلًا عن السورة.
وحكى المحب الطبري وجهين: في أن البدل هل يشترط أن يكون مشتملًا على ثناء ودعاء؟ قال: (متوالية)؛ لأنها أشبه بـ (الفاتحة).
قال: (فإن عجز) أي: عنها (.. فمتفرقة)؛ لأنه المقدور.
قال: (قلت: الأصح المنصوص: جواز المتفرقة) أي: من سورة أو سور (مع حفظه متوالية والله أعلم) كما في قضاء رمضان.
وقال في (المهمات): المعتمد في الفتوى ما ذهب إليه الرافعي، لكن قال الإمام: إذا كانت الآية المنفردة لا تفيد معنى منظومًا كـ ﴿ثم نظر﴾ .. لم يؤمر بقراءتها.
وحكى صاحب (التنبيه) وغيره الخلاف قولين، وهو الصواب؛ لأنهما منصوصان في (الأم).

فَإِنْ عَجَزَ .. أَتَى بِذِكْرٍ،  قال: (فإن عجز) أي: عن المتوالية والمتفرقة.
قال: (.. أتى بذكر)؛ لما روى أبو داوود [828] والنسائي [2/ 143] وابن حبان [1808] أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله؛ إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن، فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال عليه الصلاة والسلام: (قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
وأشار المصنف بقوله: (بذكر) منكرًا إلى أنه: لا يتعين ما في الحديث، وهو المرجح.
وهل يشترط أن يأتي بسبعة أنواع منه؟ فيه وجهان، قال الرافعي: أقربهما: نعم، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لقن العاجز عقب الذكر المتقدم: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن).
والثاني: لا تلزمه الإضافة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على الكلمات الخمس لما سئل عما يجزئ، ولأنه بدل من غير الجنس، فجاز أن ينقص عن أصله كالتيمم، بخلاف القرآن فإنه بدل من الجنس.
تنبيهات: أحدها: ادعى ابن الرفعة أنه لا خلاف أن معرفة بعض آية كالعدم، وفي إطلاقه نظر ظاهر؛ فإن بعض الآية قد يفيد معنى منتظمًا كآية الدين، وكقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ إلى قبيل آخرها، بل هو أولى بالاعتبار من آية كاملة قصيرة، وكقوله سبحانه: ﴿ثم نظر﴾.
الثاني: الدعاء المحض، في إغنائه عن الذكر تردد للشيخ أبي محمد، والمختار في (النهاية) و (البسيط)، ورجحه في (التحقيق): أنه إن تعلق بأمور الآخرة .. أجزأ، وإلا .. فلا.
قال الشيخ: وفي هذا خروج عن الحديث بالكلية، والمختار: أنه لا يقوم مقام الذكر.

وَلاَ يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ الْبَدَلِ عَنِ (الْفَاتِحَةِ) فِي الأَصَحِّ  الثالث: يشترط في الذكر المأتي به أن لا يقصد به غير البدلية.
وفي اشتراط قصد البدلية وجهان، أصحهما: لا يشترط، فلو أتى بدعاء الاستفتاح والتعوذ وقصد به البدلية .. أجزأه عن (الفاتحة)، وإن قصد الاستفتاح والتعوذ .. فلا، وإن لم يقصد شيئًا .. أجزأه على الأصح.
قال: (ولا يجوز نقص حروف البدل عن (الفاتحة) في الأصح) سواء كان البدل قرآنًا أو ذكرًا، كما لا يجوز النقص عن آياتها.
والمراد: أن لا ينقص المجموع عن المجموع، لا أن كل آية أو نوع ذكر قدر آية من (الفاتحة)، حتى يجوز جعل آيتين مقام آية من (الفاتحة).
وقيل: يشترط أن تعدل حروف كل آية حروف آية من (الفاتحة) أو أطول وهو بعيد، ولم يشترطوه في الذكر.
ومقابل كلام المصنف: أنه لا يشترط عدد حروف الآية أصلًا، بل يكفي سبع آيات قصارًا كن أو طوالاً، كما يكفي أن يصوم يومًا قصيرًا عن يوم طويل.
فإن عجز عن الذكر بالعربية .. ترجمه كما سيأتي.
هذا كله إذا عجز عن (الفاتحة) بجملتها، فلو كان يحسن بعضها: فإن لم يحسن للباقي بدلًا .. كرر ما يحسنه مرة أو مرات حتى يبلغ قدر (الفاتحة)، وإن أحسن .. فقولان أو وجهان: أحدهما: هذا؛ لأنه أقرب إليها.
وأصحهما: أنه يأتي به ويضيف إليه من الذكر قدر ما تتم به (الفاتحة)؛ لأن الشيء لا يكون أصلًا وبدلًا.
ويجب رعاية الترتيب، فإن كان الذي يحفظه الأول .. بدأ به وختم بالذكر، وإن كان غير الأول .. بدأ بالذكر وأتى بالذي يحفظه في محله.
ولا يأتي بالذكر إلا إذا كان عاجزًا عن جميع القرآن.

فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا .. وَقَفَ قَدْرَ (الْفَاتِحَةِ).
وَيُسَنُّ عَقِبَ (الْفَاتِحَةِ): آمِينَ،  قال: (فإن لم يحسن شيئًا .. وقف قدر (الفاتحة))؛ لأنه كان يلزمه عند القدرة على القراءة قيام وقراءة، فإذا فات أحدهما .. بقي الآخر.
ومثل هذا من لا يحسن التشهد والقنوت .. فإنه يمكث بقدرهما، ولهذا عد القنوت وقيامه، والتشهد الأول وقعوده مما يسجد لكل منهما عند السهو.
فإن قيل: القيام إنما وجب للقراءة فيسقط بسقوطها .. قلنا: القيام وجب عندنا؛ لنفسه على الأصح.
وهل يندب أن يزيد في القيام قدر سورة؟ لا نقل في ذلك، ولا يبعد القول به.
وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن القرآن .. قام ساكتًا، ولا يجب الذكر.
وقال مالك: لا يجب الذكر ولا القيام.
فرع: الأخرس يجب عليه أن يحرك لسانه بالتكبير والتشهد؛ لأن ذلك يتضمن نطقًا وتحريك لسان، فالقدر الذي تعذر .. جعلناه عفوًا، وما يقدر عليه لابد من الإتيان به، قاله الجمهور ولو لم يرتضه الإمام والغزالي.
ويشكل عليه أن من لا يشعر برأسه .. يستحب إمرار الموسى عليه ولا يجب، وكذلك المريض إذا اعتقل لسانه .. يجري الأفعال على قلبه ولم يأمروه بتحريك اللسان.
قال: (ويسن عقب (الفاتحة): آمين) سواء كان في الصلاة أم خارجها، وهو في الصلاة أشد استحبابًا.
روى أبو داوود [929] والترمذي [248] والدارقطني [1/ 335] وابن حبان [1805] عن وائل بن حجر قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قال: (﴿ولا الضالين﴾) .. قال: (آمين)، ومذ بها صوته.
وروى الدارقطني [1/ 335] والحاكم [1/ 223] وابن حبان [1806] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إا فرغ من قراءة (أم القرآن) .. رفع صوته، وقال: (آمين).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وروى البخاري [782] عن أبي هريرة: (إذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ .. فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة .. غفر له ما تقدم من ذنبه).
وقوله: (عقب) بفتح العين وكسر القاف بعدها باء موحدة، ويجوز ضم العين وإسكان القاف.
وأما قول كثير من الناس: عقيب بياء بعد القاف .. فهي لغة قليلة.
والمعنى في ذلك كله: أن يكون بعده غير متراخ عنه، وإن كان يتسحب بين قوله: ﴿ولا الضالين﴾ و (آمين) سكتة قليلة لطيفة؛ ليعلم أن (آمين) ليست بقرآن، فمراد المصنف بـ (العقب): هذا.
ولا يفوت التأمين إلا بالشروع في السورة أو الركوع.
و (آمين): اسم فعل بمعنى استجب، وهي مبنية على الفتح مثل: كيف وأين.

خَفِيفَةَ الْمِيمِ بِالْمَدِّ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ، وَيُؤَمِّنُ مَعَ تَامِينِ إِمَامِهِ، وَيَجْهَرُ بِهِ فِي الأَظْهَرِ  قال: (خفيفة الميم بالمد) هذه اللغة الفصيحة المشهورة.
قال الشاعر [من البسيط]: آمين آمين لا أرضى بواحدة .... حتى أبلغها ألفين آمينا قال: (ويجوز القصر)؛ لأنه لا يخل بالمعنى، وحكى الواحدي مع المد لغة ثالثة وهي: الإمالة، ورابعة وهي: التشديد؛ أي: قاصدين، والمشهور: أنها لحن هنا.
واختلفوا في بطلان الصلاة بها، فذهب المتولي والروياني إلى ذلك.
وقال الشيخان أبو محمد ونصر المقدسي: لا تبطل بذلك وإن تعمد، ورجحه المصنف.
قال في (الأم): ولو قال: آمين رب العالمين، وغير ذلك من الذكر .. كان حسنًا.
قال: (ويؤمن مع تأمين إمامه)؛ ليوافق تأمين الملائكة المقتضية: مغفرة ما تقدم من الذنوب.
قال الشيخ: والظاهر أن المراد: الموافقة في الزمان لا في الصفات من الإخلاص وغيره، وفي ذلك مزية عظيمة ودرجة رفيعة للإمام تقتضي: التهالك على الإمامة لينال هذا الأجر العظيم.
فإن لم تتفق موافقته .. أمن عقبه، فإن لم يؤمن الإمام أو لم يسمعه أو لم يدر: هل أمن أو لا؟ .. أمن هو.
ولو أخر الإمام التأمين عن الوقت المستحب فيه .. أمن المأموم.
قال: (ويجهر به في الأظهر) المراد: أن الإمام والمأموم والمنفرد يجهرون بالتأمين في الصلوات الجهرية؛ للأحاديث المتقدمة.
قال البخاري: قال عطاء: أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد

وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ)،  للجة، وتقدم أن تعليقات البخاري بصيغة الجزم كهذا صحيحة عنده وعند غيره.
وقال عطاء: أدركت مئتين من الصحابة في هذا المسجد- يعني: المسجد الحرام- إذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ .. رفعوا أصواتهم بآمين، رواه ابن حبان في (ثقاته) [6/ 265]. وهذا هو القديم، والمسألة مما يفتى به على القديم، ولأن تأمين المأموم ليس هو لقراءة نفسه، إنما هو لقراءة الإمام، فيتبعه في الجهر كما يتبعه في التأمين.
والثاني- وهو الجديد-: لا يجهر المأموم كما لا يجهر بالتكبير، أما المنفرد والإمام .. فيجهران قطعًا.
والسرية فيها جميعهم كالقراءة.
والثالث: إن جهر الإمام .. أسر بالقياس على التكبير، وإلا .. فيجهر.
وهذه الأقوال محلها: إذا أمن الإمام، فإن لم يؤمن .. استحب للمأموم التأمين جهرًا بلا خلاف؛ ليسمعه الإمام فيأتي به.
وينبغي أن يستثنى من ذلك المرأة والخنثى، فيأتي في تأمينهما ما في جهرهما بالقراءة كما سيأتي.
قال: (وتسن سورة بعد (الفاتحة))؛ لما روى الشيخان [خ776 - م451] عن أبي قتادة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بـ (أم الكتاب) وسورتين، وفي الأخريين بـ (أم الكتاب)، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية، وكذا في العصر).
وإنما لم تجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أم القرآن عوض عن غيرها، وليس غيرها منها عوضًا) رواه الحاكم [1/ 238] وقال: على شرط الشيخين.
وأصل السنة يتأدى بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة القصيرة أولى من قدرها من الطويلة، هذه عبارة (الشرح) و (الروضة) و (شرح المهذب).
وفي (الشرح الصغير): أفضل من بعض طويلة وإن طال، وهذا هو الصواب،

إِلاَّ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فِي الأَظْهَرِ  وهو قضية إطلاق الأكثرين، ونقله ابن الأستاذ صريحًا عن البغوي.
ويجوز أن يجمع بين سورتين فأكثر في ركعة واحدة، والسنة أن يقرأ على ترتيب المصحف، فإن خالف ذلك .. خالف السنة ولا شيء عليه.
لكن يستثنى صلاة فاقد الطهورين، وصلاة الجنازة.
وقول المصنف: (بعد (الفاتحة)) يفهم: أنه لو قرأها قبلها .. لم يعتد بها، وهو كذلك على الصحيح.
ويجوز في السورة الهمز، وتركه وهو أشهر.
فرع: لو كرر (الفاتحة) وقلنا: لا تبطل صلاته .. لم تحسب المرة الثانية عن السورة بلا خلاف؛ لأن الشيء الواحد لا يؤدى به فرض ونفل في محل واحد، كذا قاله في (شرح المهذب).
ويرد عليه: أنا عهدنا ذلك فيما إذا اغتسل للجنابة والجمعة، ولهذا صرح شارح (التعجيز) بأنها تحسب، خلافًا للمتولي.
ولو فرق بين من يحسن السورة فلا تجزئ، ومن لا يحسن إلا (الفاتحة) فتحسب .. لكان له وجه.
قال: (إلا في الثالثة والرابعة في الأظهر) وهو القديم، وأفتى به الأكثرون، ويدل له حديث أبي قتادة المتقدم.
والثاني- وهو نص (الأم)، وصححه أكثر العراقيين والبيضاوي في (شرح التبصرة)، واختاره الشيخ-: أنها تسن فيهما أيضًا، إلا أنها تكون أقصر؛ لما روى مسلم [452]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية- أو قال- قدر نصف ذلك).
وثبت في (الموطأ) [1/ 79] عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بسورتين من قصار المفصل، ثم قام في

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل