لفظها مأخوذ من الإنفاق والإخراج، وجمعت لاختلاف أنواعها، وهي قسمان:
نفقة تجب للإنسان على نفسه إذا قدر عليها، وعليه أن يقدمها على نفقة غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول).
ولوجوبها ثلاثة أسباب: ملك النكاح وملك اليمن والقرابة.
فالأولان يوجبان النفقة للملوك على المالك ولا عكس، والثالث يوجبها لكل واحد من القريبين على الآخر؛ لشمول البعضية والشفقة.
وإنما بدأ المصنف بنفقة الزوجات لأنها واجبة بالنص والإجماع بطريق المعاوضة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولا تسقط بمضي الزمان، فهي أقوى من غيرها.
والأصل في وجوبها: قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ والقيم على الغير: هو المتكفل بأمره.
قوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ يقول: إن خفتم أن لا تعدلوا بين النساء .. فاقتصروا على واحدة أو ما ملكت أيمانكم؛ فذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ولا تلزمكم المؤن الكثيرة، فدل على وجوب مؤنة العيال.
واعترض على تفسير الشافعي بأن معنى: ﴿أَلاَّ تَعُولُوا﴾: لا تجوروا، لا أن تكثر عيالكم، يقال: عال إذا جار، وأعال إذا كثر عياله.
وأجيب عنه بأن ما ذكره الشافعي رحمه الله منقول من جهة الأثر عن زيد بن
عَلَى الْمُوسِرِ لِزَوْجَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ: مُدَّا طَعَامٍ، وَمُعْسِرٍ مُدٌّ، وَمُتَوَسِّطٍ مُدٌّ وَنِصْفٌ ......
أسلم، ومن جهة اللغة عن الكسائي وإن كان أعال في كثرة العيال أكثر.
واستنبط بعضهم وجوب النفقة من قوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ولم يقل: (فتشقيان) فدل على أن آدم يتعب لنفقته ونفقتها، وبنوهما على سننهما.
وروى مسلم [1218/ 147] عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: (فاتقوا الله في النساء - إلى أن قال-: ولهن عليهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف).
وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف).
وقال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ أنفق .. أنفق عليك).
وقال: (اللهم؛ أعط منفقًا خلفًا).
وقال رجل من الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالًا، فقال: (بذلك أمرت).
ولما أباح الله تعالى للزوج أن يضر المرأة بثلاث ضرائر ويطلقها ثلاثًا .. جعل لها عليه ثلاث حقوق مؤكدات: النفقة والكسوة والإسكان، وهو يتكلفها غالبًا، فكان له عليها ضعف ما لها عليه من الحقوق؛ لضعف عقلها.
والحقوق الواجبة بالزوجية سبعة: الطعام، والإدام، والكسوة، والسكنى، وآلة التنظيف، ومتاع البيت، وخادم إن كانت ممن يخدم، وكذلك رتبها المصنف.
قال: (على الموسر لزوجته كل يوم: مدا طعام، ومعسر مد، ومتوسط مد ونصف) هذا هو الواجب الأول وهو الطعام، وقدره يختلف باختلاف حال الزوج في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليسار والإعسار، ولا تعتبر فيه الكفاية، ولا ينظر إلى حال المرأة في الزهادة والرغبة، ولا في منصبها وشرفها، وتستوي المسلمة والذمية والحرة والأمة.
واحتج الأصحاب رحمهم الله لأصل التفاوت بقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
فأما اعتبار مدين للموسر .. فلأنها مقدرة بالاجتهاد؛ لأنها لو اعتبرت بقدر الحاجة .. لسقطت نفقة المريضة ومن هي مستغنية بالشبع في بعض الأيام، فألحقت بما يشبهها وهي الكفارة؛ لأنها طعام وجب بالشرع لسد الجوعة، ولهذا اعتبر الله تعالى طعام الكفارة بنفقة الأهل بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وأكثر ما في الكفارة للواحد مدان في كفارة الحلق ونحوه، وأقله مد في اليمين وغيرها، فهنا كذلك، والمتوسط لو ألزم المدين .. لضره، ولو اكتفى منه بمد .. لضرها فلزمه مد ونصف.
ووراء ما ذكره المصنف قولان ووجه:
أحد القولين - وهو مذهب أبي حنيفة -: أن الواجب الكفاية من غير تقدير كنفقة القريب؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لهند: (خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك)، ولأنها في مقابلة التمكين، وهو مقدر بكفاية الزوج، فكذلك النفقة.
والثاني: أن القاضي يقدرها باجتهاده.
والوجه محكي عن ابن خيران: أنها لا تتقدر بالمقادير المذكورة، بل يتبع فيها عرف البلد، وقد تقدم عنها في (الكفارة) ما يوافق ذلك.
واعتبر مالك أبو حنيفة حال المرأة، فيختلف القدر بحبسها.
ونظر أحمد إلى حال الزوجين جميعًا، فأوجب على الموسر للفقيرة.
نفقة متوسط.
ويستثنى من إطلاق المصنف المكاتب؛ فالمنقول إلحاقه بالمعسر.
وفي المبعض وجهان: أصحهما: أنه كذلك وإن كثر ماله ببعضه الحر، كذا صححه الشيخان هنا، وألحقاه في
(الكفارة) بالموسر فأوجبا عليه التكفير بما عدا العتق، وذكرا في نفقة الأقارب مثله فأوجبا عليه نفقة كاملة كما سيأتي
واَلْمُدُّ: مِئَةٌ وَثَلاَثَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ.
قُلْتُ: اَلأَصَحُّ: مِئَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثَلاَثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَمِسْكِينُ اَلزَّكَاةِ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَوْقَهُ إِنْ كَانَ لَوْ كُلِّفَ مُدَّيْنِ رَجَعَ مِسْكِينًا .. فَمُتَوَسِّطٌ، وَإِلاَّ .. فَمُوسِرٌ.
وَاَلْوَاجِبُ: غَالِبُ قُوتِ اَلْبَلَدِ
وإطلاقهم هنا (اليوم) مرادهم مع ليلته كما صرح به الرافعي في الفسخ بالإعسار؛ لأن النفقة بمضيها تستقر، ويؤيده قولهم: إنها تجب بطلوع الفجر.
قال: (والمد: مئة وثلاثة وسبعون درهمًا وثلث درهم) هذا تفريع على أن رطل بغداد مئة وثلاثون درهمًا.
قال: (قلت: الأصح: مئة وأحد وسبعون درهمًا وثلاثة أسباع درهم والله أعلم)؛ لأن الأصح عنده أن رطل بغداد تسعون مثقالًا كما تقرر في (زكاة النبات)، ولو حذف المصنف ذلك .. لاستغنى عنه بما قرره هناك.
قال: (ومسكين الزكاة معسر) ففقير من باب أولى، ومراده الكلام فيما يعتبر به اليسار والإعسار والتوسط، وفي ذلك أوجه: أشهرها: أنه يرجع فيه إلى العادة، ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأحوال.
وقال القاضي وغيره: الموسر: من يزيد دخله على خرجه، والمعسر: عكسه، والمتوسط: من استوى أمراه.
قال: (ومن فوقه إن كان لو كلف مدين رجع مسكينًا .. فمتوسط، وإلا .. فموسر) قال الرافعي: وهذا أحسن الحدود، ولابد مع ذلك من النظر إلى الرخص والغلاء، وقلة العيال وكثرتها، حتى إن الشخص قد تجب عليه لزوجة واحدة نفقة الموسر، ولا تجب عليه لو كان ذا زوجتين أو أكثر إلا نفقة المتوسط أو المعسر.
والقدرة على الكسب الواسع لا تخرجه عن حد الإعسار في النفقة، وإن أخرجته عن استحقاق سهم المساكين، قاله الغزالي، وتبعه الرافعي، وفي (التهذيب): أن القدرة بالكسب كالقدرة بالمال.
قال: (والواجب: غالب قوت البلد) من حنطة أو شعير أو أرز أو ذرة أو تمر أو
قُلْتُ: فَإِنِ اَخْتَلَفَ .. وَجَبَ لاَئِقٌ بِهِ، وَيُعْتَبَرُ اَلْيَسَارُ وَغَيْرُهُ بِطُلُوعِ اَلْفَجْرِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ .....
غيرها، حتى الأقط في أهل البادية الذين يقتاتونه؛ لأن الله تعالى أوجبها بالمعروف، ومن المعروف أن يطعمها من غالب ما يقتاته أهل بلدها، ولأنه يشبه الفطرة وهي معتبرة بذلك.
وذهب ابن سريج إلى أنه لا نظر إلى غالب قوت البلد، بل الاعتبار بما يليق بحال الزوج؛ إلحاقًا للجنس بالقدر.
قال: (قلت: فإن اختلف) أي: قوت البلد ولم يكن فيها غالب) .. وجب لائق به) كما أنه المعتبر.
وفي (الحاوي) وجه: أنه عند الاختلاف يجب لها غالب قوت مثلها، فإن كان مختلفًا .. خير الزوج.
وإذا اختلف الزوجان في اليسار، فادعته المرأة وأنكره الزوج .. فالقول قوله ما لم يتحقق له مال.
قال: (ويعتبر اليسار وغيره بطلوع الفجر والله أعلم) فإن كان موسرًا حينئذ .. فعليه نفقة الموسرين، وإن كان متوسطًا أو فقيرًا .. فكهما.
وإنما تسلم النفقة أول النهار لأن الواجب الحب، فتحتاج إلى طحنه وخبزه ولو لم يسلم إليها أول النهار .. لحصل لها الضرر.
واعتبر في (المهذب) طلوع الشمس، وهو الذي جزم به الرافعي في (كتاب الضمان).
وقال الماوردي: أول النهار، وظاهره يقتضي طلوع شمسه.
قال في (البسيط): ومعناه أنها تجب بذلك وجوبًا موسعًا كالصلاة، أو معناه أنه وجب تسليمها، وإن ترك .. عصى، لكنه لا يحبس ولا يخاصم، قال الإمام: ولا يلازم ولا يوكل به، فإن قدر على إجابتها .. فهو حتم عليه لا يجوز تأخيره.
هذا في الممكنة قبل الفجر، وأما الممكنة بعده .. فيعتبر الحال عقب تمكينها، لكن يستثنى من ذلك ما إذا سافر سفرًا طويلًا، قال البغوي في (فتاويه): لها أن
وَعَلَيْهِ تَمْلِيكُهَا حَبًّا، وَكَذَا طَحْنُهُ وَخَبْزُهُ فِي الأَصَحَّ
تطالبه قبل سفره بنفقة جميع المدة للذهاب والإياب، كما لم يخرج إلى الحج حتى يترك لها هذا القدر.
اهـ
والفرعان غريبان أعني: مطالبتها قبل السفر بذلك وإلزامه في الحج به، والأصح: جواز سفر من عليه دين مؤجل يعلم أنه يحل قبل رجوعه وإن لم يستأذن غريمه ولم يترك له وفاء.
قال: (وعليه تمليكها حبًا)؛ لأنه أكمل في النفع لتتصرف فيه كيف شاءت قياسًا على الكفارات وزكاة الفطر، وهذا إذا كان الحب غالب قوتهم، فإن غلب التمر أو اللحم أو الأقط .. فهو الواجب لا غير؛ لأنه يؤكل كذلك.
واستشكل الشيخ عز الدين تقدير الحب؛ فإن ما يضم إليه من مؤنة إصلاحه مجهول، وهو إذا ضم إلى معلوم .. صار كله مجهولًا، قال: ولم يعهد في السلف والخلف أن أحدًا أنفق على زوجته حبًا مع مؤنة إصلاحه، بل الإنفاق مما يأكلون في عادتهم.
والذي قاله الشافعي يؤدي إلى أن يموت الشخص، ونفقة زوجته في ذمته؛ لأن المعاوضة عنها لا تصح بما يطعمها من التمر واللحم، ولو جاز أن يكون عوضًا .. لم تبرأ ذمته منها؛ لأنهما لم يتعاقدا عليه، ولا يخفى أن المراد: الحب السليم، فلا تجبر على قبول المعيب منه.
وفي (أدب القضاء) للإصطخري: لا يجب من الخبز إلا الخشكار وإن كان ملكًا.
وتعبيره بـ (التمليك) يقتضي اعتبار الإيجاب والقبول، وليس مرادًا، بل الواجب الدفع، ويكفي الوضع على قياس الخلع، وأنها تملك التصرف فيه بإبدال وهبة وغير ذلك، لكن تستثنى من ذلك الزوجة الأمة؛ فإن الدفع لمالكها لا لها.
قال: (وكذا طحنه وخبزه في الأصح) أي: مؤنة الطحن والخبز ببذل مال، أو يتولى ذلك بنفسه أو بغيره.
وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا بَدَلَ الحَبَّ .. لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ، فَإِنِ اعْتَاضَتْ .. جَازَ فِي اَلأَصَحَّ،
والثاني: لا يلزمه ذلك كالكفارات.
والثالث: إن كانت ممن عادتهم الطحن والخبز بأيديهم .. لم يجب، وإلا .. وجب، وبهذا جزم ابن الرفعة في (الكفاية)، وقال في (المطلب): ينبغي أن يجب عليه تحصيل آلة الطبخ والخبز من الوقود وغيره، فلو باعت الحب أو أتلفته .. ففي استحقاقها مؤنة طحنه وخبزه تردد للإمام ميل الغزالي إلى وجوبه والرافعي إلى عدمه.
قال: (ولو طلب أحدهما بدل الحب .. لم يجبر الممتنع)؛ لأنه خلاف الواجب، والاعتياض شرطه التراضي.
قال: (فإن اعتاضت .. جاز في الأصح)؛ لأنه طعام مستقر في الذمة لمعين، فكان لها أخذ العوض عنه كالقرض، هذا إذا اعتاضت نقدًا أو ثيابًا ونحوها من العروض.
والثاني: لا يجوز كالمسلم فيه وطعام الكفارة.
وقيل: يجوز الاعتياض عن النفقة المستقرة الثابتة في الذمة دون المستقبلة، وكأن المراد بالمستقبلة: نفقة اليوم قبل مضيه؛ فإنها معرضة للسقوط، قاله ابن الرفعة.
وقال الرافعي: لا يفرض للزوجة في القوت دراهم.
ونقل في (الجواهر) عن ابن كج: أنه يجوز للقاضي أن يفرض لها دراهم عن الخبز والإدام وتوابعها.
وفي (إيضاح الصيمري): أنه لا يمتنع فرض الدراهم عن الأدم والكسوة، وهذا الذي اصطلح عليه الحكام في زماننا، قال: ولو أن حاكمًا فرض ذلك .. لم ينقض حكمه؛ لأنها مسألة اجتهادية، ووافقه الشيخ نجم الدين البالسي على ذلك.
قال: ومن هنا يؤخذ أن الحاكم إذا خالف نص إمامه .. لا ينقض حكمه.
إِلًا خُبْزًا وَدَقِيقًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَوْ أَكَلَتْ مَعَهُ عَلَى الْعَادَةِ .. سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي الأصَحِّ
قال الزبيلي: وحيث جوزنا .. فلا يفترقان إلا عن قبض؛ لئلا يصير دينًا بدين.
وشمل إطلاق المصنف الأخذ من غير الزوج، قال في: (الروضة): ولا يجوز قطعًا.
قال: (إلا خبزًا ودقيقًا على المذهب)؛ فرارًا من الربا.
والثاني: يجوز رفقًا ومسامحة، وعليه العمل خلفًا وسلفًا، والراجح طريقة الخلاف لا طريقة القولين، وهذا إذا كان العوض من جنس المعوض كخبز الحنطة عنها، فإن كان عن شعير وذرة .. جاز؛ لاختلاف الجنس كما يجوز بيعه به.
قال: (ولو أكلت معه على العادة .. سقطت نفقتها في الأصح) إذا أكلت المرأة مع الزوج مختارة على العادة .. ففي سقوطها نفقتها وجهان:
أصحهما: أنها تسقط؛ لجريان الناس عليه في الأمصار، واكتفاء الزوجات به في أشرف الأعصار وهو زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، ولم ينقل أن امرأة طالبت بنفقة بعده، ولو كانت لا تسقط مع علم النبي صلى الله عليه وسلم بإطباقهم عليه .. لأعلمهم بذلك، ولقضاه من تركاتهم، وهذا أدل دليل على أن الواجب لها الكفاية بالمعروف بحسب الحال، لا التقدير بالأمداد ونحوها.
والثاني - وهو الأقيس -: أنها لا تسقط ولو أقاما على ذلك أعوامًا؛ لأنه لم يعط الواجب وتطوع بغيره.
وبني بعضهم الوجهين على الخلاف في المعاطاة، إن جعلناها بيعًا .. برئت ذمته، وإلا .. فلا، وغرمت ما أكلت.
قال الرافعي: وليكن هذا مفرعًا على جواز اعتياض الخبز عن النفقة.
ومحل الوجهين إذا لم ترض بذلك عوضًا، فإن رضيت به .. سقط قطعًا، كذا قاله في (الذخائر)، وغلط فيه.
وقول المصنف: (معه) ليس بقيد، فلو أرسل إليها الطعام أو أحضرته وأكلته
قُلْتُ: إِلاَّ أَنْ تَكْونَ غَيْرَ رَشِيدَةٍ وَلَمْ يَاذَنْ وَلِيُّهَا، وَاللهُ أَعَلَمُ.
وَيَجِبُ أُدْمُ غَالِبِ الْبَلَدَ كَزَيْتٍ وَسَمْنٍ وَجُبْنٍ وَتَمْرٍ، .....
وحدها .. فكذلك الحكم، ويبقى النظر فيما لو أضافها رجل فأكلت عنده .. هل تسقط؟ والظاهر: لا، إلا أن يكون المقصود إكرام الزوج .. فتسقط.
وتعبيره بـ (الأصح) مخالف لتعبير (الروضة) بـ (الصحيح).
قال: (قلت: إلا أن تكون غير رشيدة ولم يأذن وليها والله أعلم)؛ لأن الزوج في هذه الحالة متطوع، كذا قاله المصنف.
والصواب المفتى به: السقوط، ولا عبرة بما في (المنهاج)، فلو طرأ سفه الزوجة بعد رشدها ولم يعد الحجر عليها .. لم يفتقر السقوط بالأكل مع الزوج إلى إذن الولي على المذهب؛ لنفوذ تصرفها ما لم يتصل بها حجر الحاكم.
كل هذا في الحرة، أما الأمة إذا وجبت نفقتها .. فالمعتبر فيها رضا السيد المطلق التصرف.
وظاهر عبارة المصنف أنها بالإذن تصير كالرشيدة، وهو مشكل في الصغيرة؛ لأن قبضها غير معتد به وإن أذن الولي، اللهم إلا أن يجعل الزوج كالوكيل في إنفاقه عليها، ويشهد له ما لو خالعها على إرضاع ولده منها وعلى طعام في ذمتها، وإن أذن لها في إنفاقه على الصغير .. فإنه يبرأ على المذهب.
قال: (ويجب أدم غالب البلد كزيت وسمن وجبن وتمر) هذا هو الواجب الثاني.
ودليله قوله تعالى: ﴿وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وليس من المعروف ان يدفع إليها الحب بلا أدم؛ لأن الخبز لا ينساغ غالبًا إلا به.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: (الخبز والزيت).
وقال ابن عمر: (الخبز والسمن، أو الخبز والتمر) وأما كونه من غالب أدم
وَيَخْتَلِفُ بِالْفُصُولِ، وَيُقَدِّرُهُ قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ، وَيُفَاوِتُ بَيْنَ مُوسِرٍ وَغَيْرِهِ، وَلَحْمٌ يَلِيقُ بِيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ كَعَادَةِ الْبَلدِ،
البلد .. فالعرف يقضي بذلك، فإن كان بالعراق .. فالأدم الشيرج، وإن كاتن بخراسان أو الحجاز .. فالسمن، وإن كان بمصر والشام .. فالزيت.
وروى الخطيب وابن عبد البر عن أبي أُسيد الأنصاري وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلوا الزيت وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة).
ذوما نقل عن الشافعي من أنه مكيلة زيت أوسمن .. فقال ذلك تقريبًا لا تقديرًا.
والمراد بالمكيلة: أربعون درهمًا، وإنما فرض الشافعي الدهن لأنه أكمل ما يؤتدم به وأخف مؤنة؛ لاستغنائها عن طبخ وكلفة.
قال: (ويختلف بالفصول) فيفرض لها في كل فصل ما يليق به ويعتاده الناس، فق تغلب الفواكه في أوقاتها، فيجب الرطب في وقته واليابس في وقته، قال الرافعي: والمعتبر في جنس القوت والأدم عادة الزوج.
قال: (ويقدره قاض باجتهاده) أي: عند التنازع (ويفاوت بين موسر وغيره) فيفرضه على الموسر قدره وعلى المقتر قدره.
قال: (ولحم يليق بيساره وإعساره كعادة البلد) قدرًا ووقتًا، فإن أكلوه في كل أسبوع مرة .. فلها كذلك، ويوم الجمعة أولى؛ فإنه أولى بالتوسع فيه، أو مرتين .. فمرتين، والجمعة والثلاثاء أولى؛ ففي (شعب البيهقي) [5662] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للقلب فرحة عند أكل اللحم، وما دام الفرح بأمر .. إلا أشر وبطر، فمرة ومرة).
قال: وقال عمر: (إياكم واللحم؛ فإن له ضراوة كضراوة الخمر).
قال الأصحاب: وقول الشافعي: يطعمها في كل أسبوع رطل لحم ذكره على عادة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أهل مصر؛ لعزة اللحم عندهم يومئذ، فأما حيث يكثر اللحم .. فيزداد بحسب عادة البلد.
وحملة الرافعي على المعسر، وعلى الموسر رطلان، والمتوسط رتل ونصف.
وقال البغوي: يجب في وقت الرخص على الموسر في كل يوم رطل، وعلى المتوسط في كل يومين أو ثلاثة، وعلى المعسر في كل أسبوع، وفي وقت الغلاء يجب في أيام مرة على ما يراه الحاكم.
وقال آخرون – منهم القفل-: لا مزيد على ما قاله الشافعي في جميع البلاد؛ لأن فيه كفاية لمن قنع.
قال الرافعي: ويشبه أن يقال: لا يجب الأدم في اليوم الذي يعطيها فيه اللحم، ولم يتعرضوا له.
ويحتمل أن يقال: إذا أوجبنا على الموسر اللحم كل يوم .. يلزمه الآدم أيضا؛ ليكون أحدهما غداء والآخر عشاء على العادة، لكن في (سنن ابن ماجه) [3305]: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى اللحم إدامًا فقال: (سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحمُ).
لو تبرمت بالجنس الواحد من الأدم .. فوجهان.
أحدهما: يلزم الزوج إبداله؛ إذ لا مشقة عليه.
وأصحهما: لا يلزمه، وتبدل هي إن شاءت، كذا قاله الشيخان، وفيه نظر؛ لأنه ليس من المعاشرة بالمعروف، والعرف لا يساعد عليه.
وفي (أمالي السرسخي): أنها لو صرفت شيئا من الأدم، إلى القوت أو عكسه .. جاز ولا اعتراض للزوج.
وقيل: له المنع من إبدال الأشرف بالأخس.
قال الرافعي: والقائل به يقول: له منعها من ترك التأدم بطريق الأولى.
وَلَوْ كَانَتْ تَاكُلُ اَلْخُبْزَ وَحْدَهُ .. وَجَبَ اَلأُدْمُ.
وَكِسْوَةٌ تَكْفِيهاَ؛
ويجب لها على الزوج الملح والحطب وأجرة الطبخ إن لم تعتد فعل ذلك بنفسها.
قال: (ولو كانت تأكل الخبز وحده .. وجب الأدم) ولم يسقط حقها بعدم الأكل كما لو كانت تأكل بعضض الطعام الواجب لها.
فإن قيل: لم سكت المصنف عن المشروب ولا شك في وجوبه؟ فالجواب: أنه يؤخذ من قوله فيما بعد: (تجب ألات أكل وشرب)، فإذا وجب الظرف .. فكذا المظروف.
وأما تقديره .. فالظاهر أنه الكفاية، ويكون إمتاعا لا تمايكًا، حتى لو مضت عليخ مدة ولم تشربه .. لم تملكه.
وإذا شرب غالب أهل البلد ماء ملحًا وخواصها عذبًا .. وجب ما يليق بالزوج.
قال: (وكسوة تكفيها) هذا هو الواجب الثالث، فيجب على الزوج كسوة زوجته على ما قال تعالى (وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
وفي (سنن أبي داوود) [2135] و (النسائي) [سك 9126] و (ابن ماجه) [1850] و (الحاكم) [2/ 187 - 188] عن معاوية بن حيدة: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حق الزوجة على الزوج فقال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت).
ولأن الكسوة كالقوت في أن البدن لا يقوم إلا بها، فتجب كسوتها على قدر الكفاية، وتختلف بطول المرأة وقصرها، وهزالها وسمنها، وباختلاف البلاد في الحر والبرد، ولا يختلف عدد الكسوة بيسار الزوج وإعساره، ولكنهما يؤثران في الجودة والرداءة، ولا يكفي ما يقع عليه الاسم بالإجماع، بخلاف الكفارة.
ووجهه البغوي بأن استمتاعه يقع بجميع البدن فعمه بالكسوة.
ونقل الرافعي عن السرخسي والمروروذي: أنه يعتبر في الكسوة حال الزوجين جميعا، فيجب عليه ما يلبس مثله مثلها.
وحكي صاحب (الذخائر) عن بعضهم: أنه ينظر فيها إلى حال الزوجة، فلا يفرض لها ما يجاوز حد مثلها.
فَيَجِبُ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَخِمَارٌ وِمُكْعَبٌ،
فإن قيل: لم اتعبرتم الكفاية في الكسوة دون القوت؟ قلنا: لأن الكفاية في الكسوة محققة بالمشاهدة، وفي القوت غير مشاهدة ولا محققة.
و (الكسوة) بضم الكاف وكسرها، و (تكفيها) بفتح أوله.
قال: (فيجب قميص وسراويل وخمار ومكعب)؛ لحصول الكفاية بذلك، فإن القميص يستر ظاهر البدن، والسراويل أسفله ويصون العورة، والخمار يستر الرأس، والمكعب يقي قدميها الحر والبرد.
قال ابن الرفعة: وكذلك القبقاب إن اقتضاه العرف.
وظاهر عبارته: وجوب كون القميص والسراويل مخيطين؛ إذ لا يصدقان إلا بذلك، وبه صرح صاحب (المعاياه) لكن قال الرافعي: قبيل (باب نفقة الأٌقارب): يجب تسليم الثياب وعليه مؤنة الخياطة، وينبغي أن يختلف ذلك باختلاف العادة.
وهل يجب الجديد؟ قال ابن الصلاح: يتبع في المغسول القوي عادة البلد.
وإيجاب السراويل مخصوص بمن عادتهن لبسه، فلو كانت تلبس فوطة أو مئزرًا .. فهو الواجب، قال الماوردي، قال: ولو كانت عادتهن عدم لبس شيء أصلًا .. ففي تركه هتك عورة فيؤخذان بذلك لحق الله تعالى، بخلاف ما لو اعتاد بعض سكان القرى الحفاء في المنازل، فإنه لا يجب لهن مداس.
وعن الشيخ أبي محمد: أن السراويل تجب في الشتاء دون الصيف، وفي (الحاوي) خلافه.
وتقدم في (باب الفلس) الكلام على لفظ السراويل.
وسكتوا عن تكته، والظاهر وجوبها، وظاهر إطلاقهم أنها تستوي في ذلك لالحرة والأمة إذا وجبت نفقتها.
قال الرافعي: أراد الغزالي بالخمار: المقنعة، وقد يخص اسم الخمار بما يجعل فوقها، ولذلك قال في (الأم) و (المختصر): خمار ومقنعة.
وَتُزَادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةً، وَجِنْسُهِا قُطْنٌ، فَإِنْ جِرِتْ عِادِةُ الْبِلِدِ لِمِثْلِهِ بِكَتَّانٍ أِوْ حِرِيرٍ .. وَجَبَ فِي الأِصَحِّ.
ويَجِبُ مِا تِقْعُدُ عَلَيْهِ كِزِلِّيَّةً أَوْ لِبْدٍ أِوْ حَصِيرٍ،
و (المكعب): مداس الرجل، وجمع في (الروضة) بين المداس والمكعب والنعل.
وقال: (وتزداد في الشتاء جبة) أي: محشوة قطنا لدفع البرد، فلو لم تكف الجبة الواحدة لشدة البرد .. فقياس الباب الزيادة، وقد يقوم الفرو مقام الجبة إذا اعتادت لبسها.
وقال السرسخي: وإذا لم يستغن في البلاد الباردة بالثياب عن الوقود .. وجب من الفحم والحطب بقدر الحاجة، وظاهر كلامه تكرر الجبة كل سنة.
ونص في (الأم) على أنها لا تكرر، وسواء فيما ذكرناه الحضرية والبدوية على المذهب.
وفي (الحاوي): يعتبر في الكسوة والطعام موضع إقامتها، فلو نكح حضري بدوية وأقاما في البادية .. وجب عرفهم، أو في الحاضرة، ويقاس عليه عكسه.
قال: (وجنسها) أي: جنس الكسوة (قطن)؛ لأنها لباس أهل الدين.
قال: (فإن جرت عادة البلد لمثله بكتان أو حرير .. وجب في الأصح)؛ اتباعًا للعادة.
والثاني: لا يلزم ذلك، ويقتصر على القطن، وهو ظاهر النص.
والأولون حملوا النص على عادة زمنهم، وتفاوت بين الموسر والمعسر في مراتب ذلك الجنس من اللين والخشونة.
فإن اعتيد لبس الثياب الرقيقة التي لا تستر ولا تصح فيها الصلاة .. لم يعطها منه، لكن مما يقرب منها في الجودة.
و (الكتان) بفتح الكاف وكسرها، لغتان شهيرتان.
قال: (ويجب ما تقعد عليه كزلية أو لبد أو حصير) هذا هو الواجب الرابع،
وَكَذَا فِرَاشٌ لِلنَّوْمِ فِي الأَصَحِّ،
وهو متاع البيت وهو ينقسم إلي فرش وغيره، فأما الفرش .. فعلى الزوج أن يعطيها ما تفرشه على الأرض للقعود عليه، والمتبع في ذلك العادة، فعلى الموسر قطيفة في الشتاء ونطع في الصيف، وعلى المتوسط زلية، وعلى الفقير حصير في الصيف ولبد في الشتاء.
قال الرافعي: ويشبه أن الطنفسة والنطع لا يبسطان وحدهما.
وقوله: (زلية أو لبد أو حصير) ليس المراد التخيير، بل التنويع فالزلية على الموسر، واللبد على المتوسط، والحصير على المعسر، ويختلف ذلك باختلاف حال الزوج.
و (الزلية) بكسر الزاي وتشديد اللام، جمعها زلالي، وهي القطيفة، وقيل: بساط صغير.
و (اللبد) بكسر اللام، جمعه لبود، وهو معروف.
و (الحصير): ما يبسط في البيت، قال في (العباب): سألني والدي عن قولهم: أثر حصيرُ الحصيرِ في حصير الحصير فلم أعلم، فقال: (الحصير): الملك؛ أي: أثرت حصير الحبس في جنب الملك.
قال: (وكذا فراش للنوم في الأصح)؛ للعادة الغالبة، فيجب ما اقتضاه العرف من ذلك.
واستدل له الخطابي بما روى أبو داوود [4139] وغيره عن جابر قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرش فقال: (فراش للرجل، وفراش للمرأة، وفراش للضيف، والرابع للشيطان).
قال: وفيه من السنة أن يبيت الرجل على فراش وحده وزوجته على فراش آخر، ولو كان المستحب لهما أن يبيتا على فراش .. لكان لا يرخص له في اتخاذ فراشين لنفسه ولزوجته، وهو إنما يأمره بالاقتصار على أقل ما تدعو إليه الحاجة.
والوجه الثاني: لا يجب عليه ذلك، وينام على ما يفرشه نهارًا.
وَمِخَدَّةٌ وَلِحَافٌ فِي الشِّتَاءِ.
وَآلةُ تَنْظِيفٍ كَمُشْطٍ، وَدُهْنٍ، ومَا يَغْسِلُ بِهِ الرَّاسَ،
والثالث: يجب ذلك لامرأة الموسر دون امرأة المعسر.
قال: (ومخدة)؛ لقضاء العرف بذلك، وهي بكسر الميم، ويقال لها: الوسادة، وكان لسيد المرسلين وسادة من أدم حشوها ليف.
قال: (ولحاف في الشتاء) ويقوم مقامه الكساء، وخص الشافعي والجمهور وجوبه بالبلاد الباردة، وأوجب الغزالي مع ذلك الشعار، والأكثرون سكتوا عنه.
قال الرافعي: ويمكن تخصيص الشعار بالصيف كما يخصص اللحاف بالشتاء، ويمكن أن يقال: في الشتاء الشعار مع اللحاف كما يجب القميص مع الجبة، والحكم في جميع ذلك على العادة.
قال: (وآلة تنظيف كمشط، ودهن، وما يغسل به الرأس) من سدر أو خطمي أو طيب على عادة البقعة، هذا هو الواجب الخامس، والمرجع فيه إلى عادة الناحية، وإنما وجب ذلك لأنها تحتاج إليه لإصلاح شعرها فلزمه كنفقة بدنها، ويفاوت في ذلك بين الموسر والمتوسط والمعسر كأصل النفقة.
ويلتحق بما ذكرناه الصابون والأشنان والقلي للثياب كما صرح به في (المهذب)، زاد في (الكافي): في كل أسبوع أو عشرة أيام.
والمشط فيه ثلاث لغات تقدمت في (الجنائز).
وقال في (الكفاية): المراد بـ (المشط) هنا: الآلة المستعملة في ترجيل الشعر إذا كان ذلك من عرف بلادهم، ولذلك ضبطه في (البحر) بفتح الميم.
ويعتبر في الدهن العادة، ففي بلاد يدهن بالزيت كالشام ومصر، وفي بعضها بالشيرخ كالعراق، وفي بعضها بالسمن كالحجاز، وفي بعضها بالمطيب بالورد والبنفسج.
وَمَرْتُكٌ وَنَحْوُهُ لِدَفْعِ صُنَانٍ، لاَ كُحْلٌ وَخِصَابٌ، وَمّا يُزَيِّنُ، وَدَوَاءُ مَرَضٍ، وَأُجْرَةُ طَبِيبٍ وَحَاجِمٍ.
وَلَهَا طَعَامُ أَيِّامِ الْمَرَضِ وإِدَامُهَا.
وَالأَصَحُ: وُجُوبُ أُجْرَةِ حَمِّامٍ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَثَمَنِ مَاءِ غُسْلِ جِمَاعٍ وَنِفَاسٍ،
ووقته كل أسبوع مرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدهن في الأسبوع يذهب البؤس).
قال: (ومرتك ونحوه لدفع صنان) لتأذيها بالرائحة الكريهة وتنفيره من الاستمتاع، هذا إذا لم يندفع بالماء ونحوه.
و (المرتك) بفتح الميم وكسرها أصله من الرصاص يقطع رائحة الإبط؛ لأنه يحبس العرق، وإن طرح في الخل أبدل حموضته حلازة.
قال: (لا كحل وخضاب، وما يزين)؛ لأنه يراد للتلذذ والاستمتاع، وذلك حق له فلا يجب عليه، وفي معناه: الطيب، لكن لو دفع إليها ذلك .. لزمها استعماله.
قال: (ودواء مرض، وأجره طبيب وحاجم)، وكذلك الفاصد والخاتن؛ لأنه لحفظ الأصل فلا يجب على مستحق المنفعة كعمارة الدار المستأجرة، وخالف مؤنة النتظيف؛ لأنه في معنى كنس الدار.
قال: (ولها طعام أيام المرض وإدامها)؛ لأنها محبوسة له، ولها صرف ما تأخذه إلى الدواء ونحوه.
قال: (والأصح: وجوب أجرة حمام بحسب العادة)؛ لأنه يراد للتنظيف، وهذا صريح في أن لها ذلك مطلقا، لكن يكون بحسب العادة وهو خلاف ما في (الشرحين) و (الروضة) فالأصح فيهما: الوجوب إذا كانت من قوم يعتادون دخوله كأهل القرى، قال الماوردي: وإنما يجب في الشهر مرة؛ ليخرجن من دنس الحيض الذي يكون في كل شهر مرة في الغالب.
والثاني: لا يجب إلا إذا اشتد البرد وعسر الغسل في غير الحمام، واختاره الغزالي، وتبعه صاحب (الحاوي الصغير).
قال: (وثمن ماء غسل جماع ونفاس)؛ لأنه بسببه.
لاَ حَيْضٍ وَاحْتِلاَمٍ فِي الأَصَحِّ.
ولَهَا آلَةُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وطَبْخٍ، كَقِدْرٍ وَقَطْعَةٍ وَكُوزٍ وَجَرَّةٍ وَإِبْرِيقٍ وَنَحْوِهَا
والثاني: لا؛ لأنه تولد من مستحق، ويؤيده: أنها إذا ماتت من الطلق .. لا يجب عليه ضمانها كما قاله الرافعي في (كتاب الرهن) وعلله بهذا.
وعبر بـ (ثمن الماء) والمراد: إيجاب الماء أو ثمنه.
ولو احتاج إلأى تسخين لبرد ونحوه .. فيشبه أن تلزمه مؤنته، والظاهر: أن الواجب من ذلك ما يكفي المفروض خاصة.
وأفتى القفال بأنه لو وطئ امرأة بشبهة .. لا يجب عليه من مهمرها ثمن ماء غسلها.
قال: (لا حيض واحتلام في الأصح)؛ إذا لا صنع منه.
والثاني: يجب لها؛ لكثرة وقوع الحيض، وفي عدم إيجابة إجحاف بها، والخلاف في الحيض مشهور، وأما في الاحتلام .. فقطع الرافعي فيه بالمنع.
وقال في (الروضة): لا يلزم قطعا، وكذا الحيض على الأصح، وهو عجيب حيث نفى الخلاف في (المبسوط)، وأثبته في (المختصر) وجعله قويا، والذي في (المنهاج) هو الصواب.
قال الرافعي: وينظر على هذا القياس في ماء الوضوء إلى كون السبب منه كالمس أم لا، وفيه بحث في (المهمات) في وطء الشبهو والزنا، وسيأتي أنه لا يلزمه أن يضحي عنها نذرت ذلك أم لا.
قال: (ولها آلة أكل وشرب وطبخ، كقدر وقطعة وكوز وجرة وإبريق ونحوها) مما لا غنى له عنه كالمغرفة وما تغسل فيه ثيابها وما أشبه ذلك؛ للعرف، سواء كان ذلك من خشب أو حجر أو خزف، ولم يذكروا السراج وإبريق الوضوء، والظاهر وجوبهما، وكذلك لم يتعرضوا لدهن السراج أول الليل، والعرف جار به في القرى والأمصار، فالظاهر وجوبه لمن يعتاده.
قال الإمام: وينبغي أن يجب للشريفة الظروف النفسية للعادة.
و (الشرب) بالضم والفتح بمعنى، والفتح أقل.
وَمَسْكَنٌ يَلِيقُ بِهَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِلْكَهُ.
وَعَلَيْهِ لِمَنْ لاَ يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا إِخْدَامُهَا
و (القدر) بكسر القاف، و (القصعة) بفتحها لا غير.
و (الكوز) جمعه كيزان وأكواز وكوزة، مثل: عود وأعواد وعودة وعيدان.
و (الجرة) بالفتح: من الخزف، جمعها جَرٌ وجرار.
و (الإبريق) فارسي معرب، جمعة أباريق.
قال: (ومسكن يليق بها)، هذا هو الواجب السادس، فيجب على الزوج إسكانها في مسكن يليق بها؛ لأن المعتدة تستحق ذلك بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ فالزوجة أولى.
والمعتبر: كونه لائقا بحالها فقط؛ لأنها لا تملك الانتقال منه فروعي فيه جانبها، والنفقة والكسوة تملك إبدالها فروعي فيهما جانب الزوج، وأيضا فهي تتعير بالمنزل دونهما.
وفي (المهذب) الاعتبار فيه بحال الزوج كالكسوة والنفقة، وذكر المارودي نحوه في (باب العدد)، واعتبر المارودي حالهما معا كالنفقة.
روى أحمد [3/ 407] عن نافع بن عبد الحارث أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من سعادة المرء المسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء).
قال: (ولا يشترط كونه ملكه)، بل يجوز في موقوف ومستأجر ومعار ونحوها؛ لحصول الإيواء، وقد تقدم في (آخر العدد) الحكم فيما لو سكنت معه في منزلها.
قال: (وعليه لمن لا يليق بها خدمة نفسها إخدامها)، هذا هو الواجب السابع؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، وقيل: في وجوب الخادم قولان، وقطع الجمهور بالوجوب، والاعتبار في ذلك بحال المرأة في بيت أبيها، فلو ارتفعت بالانتقال إلى الزوج بحيث صار يليق بحالها الإخدام .. لم يجب على الصحيح، وقال الإمام: يجب إذا كانت من أهل الأمصار دون البوادي.
والواجب: خادم واحد ولو كان الزوج موسرًا على الصحيح؛ لحصول المقصود
بحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لَهُ أَوْ مُسْتَاجَرَةٍ، أَوْ بِالإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ صَحِبَهَا مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لِخِدْمَةٍ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ وَعَبْدٌ
به، ومذهب الأئمة الثلاثة: أنها إذا كانت تخدم في بيت أبيها بخادمين أو أكثر .. وجب ذلك العدد، ولا يجب أن يملكها خادما، بل الواجب الإخدام.
قال: (بحرة أو أمة له أو مستأجرة، أو بالإنفاق على من صحبها من حرة أة أمة لخدمة)؛ لحصول المقصود لكل من ذلك، إلا أنه يشترط كون الخادم امرأة أو صبيًا أو محرمًا، وفي مملوكها والشيخ الهم اختلاف، وفي الذمية وجهان: جوزه أبو إسحاق؛ لأنهم أذل نفوسا وأسرع إلى الخدمة، ومنعه غيره؛ لأن النفس تعاف استخدامها، ولا تؤمن عداوتها الدينية.
ولا يجوز إخدام الزوجة الكتابية بالمسلمة حرة كانت الخادمة أو أمة؛ للإذلال، لا سيما فيما فيه مهنة.
قال الروياني: ولو قيل: يجوز أن تقوم بالخدمة الخارجية دون الداخلية .. كان وجهًا.
والأصح في الممسوح: أن نظره كنظر المحارم، فيجوز إخدامها إياه، وأ، الصبي المراهق كالبالغ على الأصح فلا بد من استثنائه.
والمرجع في تعين الخادم ابتداء: إليه في الأصح، وقيل: إليها، وأما في الدوام إذا اتفقنا على خادم .. فإليها إلا إذا ظهرت ريبة أو خيانة.
وله منع ما زاد على خادم من الدخول قطعا، وكذلك إذا استصحبت من لا يخدم خادما، وله منعها من دخول أبويها عليها، ومن الخروج إلى زيارتهما، لكن الأولى أن لا يفعل.
وله أيضا أن يخرج ولدها من عنده إذا استصحبه معمها.
ولو أرادت من لا خادم لها أن تتخذ خادمًا وتنفق عليه هي من مالها .. لم يكن لها ذلك إلا بإذن الزوج، لأن الدار ملكه فلا يجوز أن يدخل فيها بغير إذنه، كذا في (الروضة) وغيرها، وفي ذلك نظر؛ لأنه ليس من المعاشرة بالمعروف.
قال: (وسواء في هذا) أي: في وجوب الإخدام (موسر ومعسر وعبد) كسائر
فَإِنْ أَخْدَمَهَا بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ بِأُجْرَةٍ .. فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا، أَوْ بِأَمَةٍ .. أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِالْمِلْك، أَوْ بِمَنْ يَصحَبُهَا .. لَزِمَهُ نَفَقَتُهَا، وَجِنْسُ طَعَامِهَا جِنْسُ طَعَامِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ مُدُّ عَلَى مُعْسِرٍ وَكَذَا مُتَوَسَّطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمُوسِرٌ: مُدٌ وَثُلُثٌ
المؤن، وتثبت في ذمته إلى أن يوسر، وفي أول هذا الباب من (الشامل) الجزم بأنه إنما يجب الإخدام على الموسر، وتبعه المتولي والبندنيجي والروياني مستدلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب لفاطمة على علي خادما؛ لأنه كان معسرًا.
قال: (فإن أخدمها بحرة أو أمة بأجرة .. فليس عليه غيرها) أي: غير الأجرة (أو بأمة .. أنفق عليها بالملك، أو بمن يصحبها .. لزمه نفقتها)؛ لأنه من المعاشر بالمعروف، وقد تقدم في (زكاة الفطر) أنه تلزمه فطرة الخادم.
قال: (وجنس طعامها جنس طعام الزوجة)؛ إذ من المعروف أن لا تخصص عن خادمتها.
وسكت المصنف عن النوع وذكر الرافعي في الكلام على الأدم أنه يطرد فيه الوجهان، والأصح: أنه يجعل نوع المخدومة أجود للعادة.
قال: (وهو مد على معسر)؛ لأن البلاغ لا يحصل بدونه، فلذلك سارت فيه الخادمة المخدومة.
وفي وجه حكاه الإمام عن رواية صاحب (التقريب): أنه يرجع في نفقة الخادم إلى رأي الحاكم؛ إذ لا أصل لتقديرها في الشرع.
قال: (وكذا متوسط على الصحيح)؛ قياسا على المعسر.
والثاني: عليه مد وثلث كالموسر.
قال في (البحر): وهو غلط، ولهذا عبر المصنف بـ (الصحيح).
والثالث: مد وسدس؛ لتفاوت المراتب في حق الخادمة والمخدومة.
قال: (وموسر: مد وثلث)؛ لأن نفقة المخدومة مدان، وهذه تابعة لها فلا تساويها، ولا يمكن إيجاب مد ونصف؛ لئلا يساوي بينها وبين نفقة المتوسط،
وَلَهَا كِسْوَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهَا، وَكَذَا أُدْمٌ عَلَى الصَّحِيح، لاَ آلَةُ تَنْظِيفٍ، فَإِنْ كَثُرَ وَسَخٌ وَتَأَذَّتْ بِقَمْلٍ .. وَجَبَ أَنْ تُرَفَّهَ، وَمَنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا فِي الْعَادَةِ إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى خِدْمَةٍ لِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ .. وَجَبَ إِخْدَامٌ
فاقتصر فيه على مد وثلث، وهو ثلثا نفقة المخدومة.
قال: (ولها كسوة تليق بحالها) كالنفقة، فلا بد من قميص، وفي السراويل وجهان: أرجحهما في (الشرح الكبير): أنه لا يجب، وأما المقنعة .. فالمنصوص: أنها تجب مطلقا، سواء كانت حرة أو أمة.
وتجب لها في الشتاء جبة أو فرو وما تلتحف به عند الخروج، وقال ابن الصباغ والروياني: لا يجب لها فراش، وقال لمتولي: لا بد من شيء تجلس عليه كحصير في الصيف وقطعة لبد في الشتاء، وقال المارودي: لا يستغنى الخادم عن دثار في الشتاء ووسادة وبساط.
قل: (وكذا أدم على الصحيح)؛ لأن العيش لا يتم إلا به، وعلى هذا، جنسه دون جنس أدم لمخدومة، والأصح: أن نوعه دون نوعه.
والثاني: لا يجب، وتكتفي بما فضل عن المخدومة.
وفي وجوب اللحم له وجهان، وقدر الإدام بحسب الطعام.
قال: (لا آلة تنظيف)؛ لأنها تراد للتزيين، والخادم لا تتزين، بل اللائق بحالها عكس ذلك؛ لئلا تمتد إليها الأعين.
قال: (ومن تخدم نفسها في العادة إن احتاجت إلى خدمة لمرض أو زمانة .. وجب إخدام) سواء كانت الزوجة حرة أو أمة؛ لأنه لا صلاح لبدنه إلا به، كذا أطلقه الجمهور.
ومنهم من فصل فقال إن كان المرض دائما .. وجب الإخدام، وإلا .. فلا، وجرى عليه الآخذون عن الإمام، وهذا القسم يخالف ما قبله في أمرين:
وَلاَ إِخْدَامَ لِرَقِيقَةٍ، وَفِي الْجَمِيلَةِ وَجْهٌ.
وَيَجِبُ فِي الْمَسْكَنِ إِمْتَاعٌ، .....
أحدهما: أن الاعتبار في الإخدام هنا بالكفاية، حتى لو لم تحصل إلا بأكثر من واحدة .. وجب، بخلاف ما تقدم؛ فإنه لا يزداد على واحدة.
والثاني: أنه لا فرق بين الأمة ولحرة، بخلاف ما تقدم؛ فإنه خاص بالحرة.
قال: (ولا إخدام لرقيقة) أي: لزوجة رقيقة في حال صحتها؛ لأن العرف في حقها أن تخدم نفسها؛ لنقصها عن رتبة الحرائر.
قال: (وفي الجملة وجه)؛ لجريان العادة به، ورجحه في (في الوجيز)، والمبعضة كالقنة.
قال ابن الرفعة: ومقتضى هذا أن يجري فيمن لم تكن تخدم في بيت أبيها، ولكن جملها يقتضي أن تخدم، بل هي أولى من الأمة؛ لكمالها بالحرية.
فروع:
لو قالت: أنا أخدم نفسي وآخذ نفقة الخادم .. لم تلزمه الإجابة إلى ذلك.
ولو قال: أنا أخدمها بنفسي .. فالأصح: المنع؛ لأنها تتغير بذلك.
والثاني: يجاوب؛ لأن الخدمة حق عليه، فله أن يوفيه بنفسه ويغيره.
والثالث- وهو الراجح في (الوجيز) وتبعه (الحاوي الصغير) -: تجاب فيما لا يستحي منه كغسل الثوب والطبخ، بخلاف ما يرجع إلى خدمة نفسها كحمل الماء إلى المستحم وصبه على بدنها ونحو ذلك.
ولو أتبرع أجنبي بخدمتها عنه أو عنها .. سقطت خدمتها عنه، قاله المارودي.
قال في (المطلب): لعل هذا إذا وافقت، أما إذا امتنعت .. فيظهر أن يقال: لها الامتناع؛ لما فيه من المنة.
قال: (ويجب في المسكن: إمتاع)؛ لأنه مجرد انتفاع كالخادم، قال في (المحرر): بلا خلاف، وليس كذلك، بل فيه قول حكاه الرافعي قبيل (باب الاستبراء) عند الكلام في مسكن المعتدة، وصرح به أبو الفرج الزاز في (تعليقه) هنا، وهذه المسألة تفهم من قوله (ولا يشترط كونه ملكه).
وَمَا يُسْتَهْلَكُ كَطَعَامٍ تَمْليكٌ، وَتَتَصَرِّفُ فِيهِ، فَلَوْ قَتَّرَتْ بِمَا يَضُرُّهَا .. مَنَعَهَا، وَمَا دَامَ نَفْعُهُ كَكِسْوَةٍ وَظُرُوُفِ طَعَامٍ وَمُشْطٍ تَمْليكٌ، وَقِيلَ: إِمْتَاعٌ.
وَتُعْطَي الْكِسْوَةَ أَوَّلَ شِتَاءٍ وَصَيْفٍ
قال: (وما يستهلك كطعام تمليك) كما في الكفارة.
قال: (وتتصرف فيه) بالبيع وغيره؛ لأن ذلك شأن المالك فيما ملك، وكان الأحسن أن يأتي بالفاء بدل الواو، ولا يخفى أن هذا في الحرة، أما الأمة .. فالمتصرف فيه سيدها.
قال: (فلو قترت بما يضرها .. منعها)؛ لحق الاستمتاع.
قال: (وما دام نفعه ككسوة وظروف الطعام والمشط، فكل هذه الوجبات ليست كالمسكن؛ فإن الكسوة تدفع إليها والمسكن يسكنه الزوج، فلو باعت الكسوة ونحوها بعد قبضها من الزوج .. صح البيع وملكت الثمن.
وقال ابن الحداد لا يجوز لها بيعها ولا استبدالها.
فلو أرادت أن تبيعها وتشتري ما هو دونها .. لم يكن لها ذلك، إلا بإذنه على الصحيح؛ لأن للزوج في ذلك حق الاستمتاع بخلاف الأدم.
قال: (وقيل: إمتاع) كالمسكن والخادم، وهو الذي صححه (الحاوي الصغير) في اللحاف والفرش نحوهما، وهو الظاهر؛ إذ لو كانت تمليكا .. لما جاز له استعمال شيء منها إلا بإذنها ورضاها، ولم ينقل ذلك عن أحد من السلف.
قال: (وتعطي الكسوة أول شتاء وصيف)؛ لقضاء العرف بذلك، ولأنه وقت الحاجة إليها.
هذا في كسوة البدن، أما ما يبقى منه كالفرش والبسط .. فتجدد في وقتها، وذلك كل ما جرت العادة بتجديده، والمعتبر في الأولية العادة، والظاهر أن هذا التقدير في غالب البلاد التي تبقى فيها الكسوة هذه المدة، فلو كانوا في بلاد لا تبقى فيها هذه المدة لفرط الحرارة أو لرداءة ثيابها وقلة بقاؤها .. اتبعت عادتهم، وكذا إن
فَلَوْ تَلِفَتْ فِيهِ بِلاَ تَقْصِيرٍ .. لَمْ تُبْدَلْ إِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، فَإِنْ مَاتَتْ فِيهِ .. لَم ْتُرَدَّ، وَلَوْ لَمْ يَكْسُ مُدَّةً .. فَدَيْنٌ
كانوا من قوم يعتادون ما يبقى سنة مثلا كالأكسية الوثيقة ولجلود كأهل السراة- بالسين المهملة- فالأشبه اعتبار عادتهم.
قال: (فلو تلفت فيه بلا تقصير .. لم تبدل إن قلن: تمليك) كما إذا سلمها النفقة فتلفت في يدها، وفي وجه ضعيف: يلزمه البدل؛ لان المقصود الكفاية.
وقوله: (بلا تقصير) ليس شرطا لعدم الإبدال؛ فإنها مع التقصير أولى أن لا تبدل، ولكنه يشترط لمفهوم قوله (إن قلنا: تمليك) فإنه يفهم الإبدال، إن قلنا: إمتاع .. يشترط عدم التقصير، وحاصله: أنها إن لم تقصر إن قلنا: إمتاع .. أبدلت، أو تمليك .. فلا.
قال: (فإن ماتت فيه .. لم ترد)، وكذا إن مات الزوج أو أبانها، وهذا على القول بالتمليك كما إذا سلمها نفقة اليوم فماتت فيه.
والثاني: له الاسترداد؛ لأن الكسوة مدفوعة إليها للزمن المستقبل، فأشبه ما إذا أعطه نفقة أيام، أما إذا قلنا: إمتاع .. فسترد جزما.
فلو أعطاها كسوة سنة فماتت أثناء الفصل الأول .. استرد كسوة الفصل الثاني على الأصح كما لو عجل نفقة أيام.
قال: (ولو لم يكن مدة .. فدين) هذا أيضا تفريغ على التمليك، أما إذا قلنا إنها إمتاع .. فلا.
ولو أراد الزوج أن يسترد منها ما أعطاها ويعطيها ثوبا آخر، إن قلنا: تمليك .. امتنع ذلك إلا برضاها وإن قلنا: إمتاع .. كان له ذلك.
ولو ألبسها ثيابا مستأجرة أو مستعارة .. فعلى قول التمليك: لا يلزمها الرضا بذلك، وعلى الإمتاع: يلزمها، فلو تلف المستعار .. فالضمان على الزوج دونها.
تتمة:
حصل الموت أو البينونة بالطلاق في أثناء فصل قبل قبضها الكسوة، هل يكون كما
فَصْلٌ:
الْجَدِيدُ: أَنَهَا يِجِبُ بِالتَّمكِينِ لاَ بِالْعَقْدِ،
لو وقع بعد قبضها فتستحق الجميع، أو تستحق بالقسط؟ توقف فيها الشيخ نجم الدين البالسي والشيخ نجم الدين ابن الرفعة وقالا: لم يصرح بها أحد الأصحاب، وهي كثيرة الوقوع، والأقرب: أنه تجب بالقسط وتوزع على أيام الفصل؛ لأنه يبعد أن يتزوج ثم يطلق في يومه وتجب عليه كسوة فصل كامل، وكذلك نقله الشيخ نجم الدين القمولي عن شرح (الإفصاح) للصيمرى، وفي (فتاوى المصنف) ما يقتضي أنها تستحق كسوة كاملة، وفي (تجربة الروياني) ما يؤيده، لكن عمل الحكام على التقسيط.
قال: (فصل:
الجديد: أنها تجب بالتمكين)؛ لأنها لا تعد مسلمة بدونه، فإذا سلمت .. وجبت لها النفقة؛ لأنها سلمت ما ملك عليها فاستحقت ما يقابله بالأجرة.
وهل التمكين سبب أو شرط؟ فيه وجهان، والمراد: التمكين التام، فلو قالت: أسلم نفسي ليلا لا نهارا أو عكسه، أو في البلد الفلاني دون غيره .. لم تجب لا نفقة بذلك.
قال: (لا بالعقد)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة ودخل بها بعد سنين، ولم يقل أنه أنفق عليها قبل الدخول، ولو كان حقا لها .. لساقه إليها، وأيضا النفقة مجهولة والعقد لا يوجب مالا مجهولا.
والقديم- ونقل عن (الإملاء) -: أن نفقة مدة النكاح جميعها يجب بالعقد كالمهر، بدليل استحقاقها للمريضة والرتقاء، لكنها إذا نشرت .. سقطت، فيكون التمكين شرطا لاستقراره، كما تجب الأجرة الحالة بالعقد، ولا يستقر وجوبها إلا بالتسليم، لكن الأجرة يجب تسليمها بالعقد جملة؛ للعلم بها، وجملة النفقة غير معلومة.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ .. صُدَّقَ.
فَإِنْ لَمْ تَعْرِضْ عَلَيْهِ مُدَّةً .. فَلاَ نَفَقَةَ فِيهَا، وَإِنْ عَرَضَتْ .. وَجَبَتْ مِنْ بُلُوغِ الْخَبَرِ.
فَإِنْ غَابَ .. كَتَبَ الْحَاكِمُ لِحَاكِمِ بَلَدِةِ لِيُعْلِمَهُ فَيَجِيء أَوْ يُوَكِّلَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ وَمَضَى زَمَنُ وُصُولِهِ .. فَرَضَهَا الْقَاضِي.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي مَجْنُونَةٍ وَمُرَاهِقَةٍ عَرْضُ وَلِيِّ
ومن فروع القديم: لو ضمن شخص عنه نفقة مدة معلومة .. جاز؛ لأن التقديم يصحح ضمن ما لم يجب ولم يوجد سبب وجوبه، فكيف وقد وجد؟! ولا يضمن إلا نفقة المعسرين وإن كان موسرًا؛ لأنها المتيقن.
وعلى الجديد: لا يصح ضمان نفقة لمدة مستقبلية.
قال: (فإن اختلفا فيه .. صدق)؛ لأن الأصل عدم التمكين، وعليها البينة، وهذا تفريع على الجديد، فإن قلنا بالقديم .. فالقول قولها؛ لأن الأصل استمرار ما وجب بالعقد، وهو يدعي السقوط فعليه البيان.
قال: (فإن لم تعرض عليه مدة .. فلا نفقة فيها)؛ لعدم التمكين.
وعلى الثاني: لها النفقة بشرطها.
قال: (وإن عرضت .. وجبت من بلوغ الخبر)؛ لأنه حينئذ مقصر.
قال: (فإن غاب .. كتب الحاكم لحاكم بلده ليعلمه فيجيء أو يوكل) وكيلا ليستلمها (فإن لم يفعل ومضى زمن وصوله .. فرضها القاضي).وصورة الفرض: أن تمضي إلى لحاكم وتظهر له التسليم والطاعة بعد ثبوت الزوجية عنده، فيكتب إلى حاكم بلد الزوج بذلك، فإذا أعلمه .. فقد حصل الغرض.
هذا إذا عرف مكانه، فإن لم يعرف .. كتب الحاكم إلى حكام البلاد التي تردها القوافل من تلك البلدة في العادة؛ وأخذ منها كفيلا بما تصرفه؛ لاحتمال وفاته أو طلاقه.
قال: (والمعتبر في مجنونة ومراهقة عرض ولى)؛ لأنه المخاطب بذلك؛ فلا اعتبار بعرضهما وبذلهما الطاعة، وإذا سلمت المرأة نفسها إلى الزوج المراهق بغير إذن.
وَتَسْقُطُ بِنُشُوزٍ
وليه .. وجبت النفقة، بخلاف تسليم المبيع من المراهق؛ لأن المقصود هناك أن تصير اليد للمشتري، واليد في عقد المراهق للولي لا له.
وكان الأحسن يعبر المصنف بالمعصر؛ لأن المراهقة وصف خاص بالغلام، يقال: غلام مراهق وجارية معصر، ولا يقال: مراهقة.
قال: (وتسقط بنشوز) فلا نفقة لناشز وإن قدر الزوج على ردها للطاعة قهرا، ولم يخالف في ذلك إلا الحكم بن عتيبة فإن قال: لا تسقط بالنشوز المهر؛ لأنه وجب بالعقد.
ونشوز المعصر والمجنونة كنشوز البالغة؛ لاستواء الفعلين في التفويت على الزوج.
والمراد (بالسقوط): منع الوجوب، وإلا ... فالسقوط حقيقة غنما يكون بعد الوجوب، فلو نشزت بعض النهار,, فوجهان:
أحداهما: تستحق بقسطه، وبه قطع السر سخي.
وأصحهما عند الرافعي- به قطع المصنف في آخر (كتاب النكاح) من (الروضة):- أنه لا شيء لها، إلا أن تسلم وتنشز نهارا أو بالعكس .. فهلا نصف النفقة، ولا نظر إلى طول الليل وقصره.
وَلَوْ بِمَنْعِ لَمْسٍ بِلاَ عُذْرٍ.
وَعَبَالَةُ زَوْجٍ أَوْ مَرَضٌ يَضُرُّ مَعَهُ الْوَطْءُ عُذْرٌ
قال: (ولو بمنع لمس بلا عذر) إلحاقا للمقدمات بالمقاصد.
واحترز عما إذا كان لها عذر كالمضناة التي لا تحتمل الجماع وعلمت أنه متى لامسها واقعها، فتكون حينئذ معذورة.
فلو مكنت من الجماع ومنعت من سائر الاستمتاعات .. فهي ناشز على الأصح في زوائد (الروضة) في (باب القسم والنشوز).
ونبه المصنف ب (اللمس) على أدنى درجات الاستمتاع؛ فليفهم أن ما فوقه من بابا أولى كقوله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا ولو بظلف محرق).
قال: (وعبالة زوج أو مرض يضر معه الوطء عذر) فلتلزمه نفقتها إذا كانت عنده ويمنع من وطئها.
و (العبالة) بفتح العين: كبر الذكر بحيث لا تحتمله، وكذلك لو كانت مريضة أو كان بها قرح يضرها الوطء معه .. فهي معذورة في الامتناع منه، وعليه النفقة إذا كانت عنده، فإن أنكر الزوج القرح المانع من الوطء أو أننكر الضرر بسبب العبالة .. فلها إثباته بقول النسوة، وهل يشترط أربع لأنه شهادة يسقط بها حق الزوج، أو تكفي امرأة ويجعل إخبارا؟ وجهان: أصحهما: الأول.
لا بأس ينظرهن إليه عند اجتماعهما ليشهدن، وليس لها الامتناع من الزفاف بعذر عبالته، ولها الامتناع بعذر المرض؛ لأنه متوقع الزوال.
ولو قالت المرأة: لا أمكن إلا في بيتي أو في موضع كذا أو بلد كذا .. في نشزة.
ولو حبست ظلما أو بحق .. سقطت نفقتها كما لو وطئت بشبهة فاعتدت، كذا في.
وَالْخُرُوجُ مِنْ بَيْتِهِ بِلاَ إِذْنٍ نُشُوزٌ إِلاَّ أَنْ يُشْرِفَ عَلَى انْهِدَامٍ.
وَسَفَرُهَا بِإِذْنِهِ مَعَهُ أَوْ لِحَاجَتِهِ .. لاَ يُسْقِطُ، وَلِحَاجَتِهَا .. يُسْقِطُ فِي الأَظْهَرِ.
وَلَوْ نَشَزَتْ فَغَابَ فَأَطَاعَتْ .. لَمْ تَجِبْ فِي الأَصَحِّ،
زوائد (الروضة) هنا، وفي (باب الفلس) أنه لا فرق في حبسها بين أن يكون بإقرارها أو بالبينة، وذكر ذلك في ذلك ف (فتاويه) أيضا وعبر المختار.
فلو حبسها الزوج في دينه .. احتمل أن لا تسقط؛ لأن المنع من قبله، والأقرب أنها إن منعته الدين لددا وعنادا .. سقطت نفقتها وإن علم إعسارها .. لم تسقط قطعا، ولو غصبت منه .. فلا نفقة وإن كانت معذورة؛ لفوات الاستمتاع جملة؛ بخلاف الحائض والنفساء والمريضة، ولا أثر لزناها وإن حبلت؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع.
قال: (والخروج من بيته بلا إذن نشوز) سواء كان الزوج حاضرا أم غائبا، وسواء إن لسفر عبادة كالحجج أو للاعتكاف أو غيرهما؛ لمخالفتها الواجب عليها.
قال: (إلا أن يشرف على انهدام) فليس بنشوز؛ للعذر، وكذا لو كان المنزل لغير الزوج فأخرجت منه، أو أكرهت على الخروج من بيته ظلما، أو تخربت المحلة بغرق أو حرق وبقى البيت مفردا، أو خافت على نفسها، وغير ذلك مما يعد الخروج به عذرا.
قال: (وسفرها بإذنه معه أو لحاجته .. لا يسقط)؛ لأنها ممكنة في الأولى وفي غرضه في الثانية، فهو المسقط لحقه.
قال: (ولحاجتها .. يسقط في الأظهر)؛ لأنها استبدلت عن تمكينها شغلا لها، وقيل: يسقط قطعا، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد.
والثاني: يجب؛ لأنها سافرت بإذنه فأشبه سفرها في حاجته، وبه قال مالك، فلو سافرت معه بغير إذنه .. عصت واستحقت النفقة كما قال الرافعي في (أول قسم الصدقات).
قال: (ولو نشزت فغاب فأطاعت .. لم تجب في الأصح)؛ لأنها خرجت عن قبضته فلا بد من تسليم وتسلم وهما لا يحصلان بمجرد عودها إلى مسكنه، وهذا.
وَطَرِيقُهَا: أَنْ يَكْتُبَ الْحَاكِمُ كَمَا سَبَقَ.
وَلَوْ خَرَجَتْ فِي غَيُبَتِهِ لِزِيَارَةٍ وَنَحْوِهَا .. لَمْ تَسْقُطْ.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لاَ نَفَقَةَ لِصَغِيرَةٍ، وَأَنَّهَا تَجِبُ لِكَبِيرَةٍ عَلَى صَغِيرٍ
بخلاف ما لو ارتد فغاب الزوج فأسلمت في العدة وهو غائب .. فالأصح فيها: عود النفقة؛ لأن المرتدة لما عادت إلى الإسلام .. ارتفع المسقط، فعمل الموجب عمله، والناشزة سقطت نفقتها بخروجها عن يد الزوج وقبضته، وإنما تعود إذا عادت إلى قبضته، وذلك لا يحصل في غيبته.
وخص الشيخ إبراهيم المروروذي الخلاف بما إذا علم الزوج بعودها إلى الطاعة، فإن لم يعلم .. لم يجب قطعا، وهذه المسألة غير التي تقدمت قبيل (باب الخيار والإعفاف).
والوجه الثاني: تجب لها النفقة؛ لأن الاستحقاق زال بعارض الخروج عن الطاعة، فإذا زال العارض .. عاد الاستحقاق.
وقال: (وطريقها: أن يكتب الحاكم كما سبق) فترفع الأمر إليه؛ ليقضي بطاعتها ويخبر الزوج بذلك، فإذا عاد إليها أو بعث وكيله فاستأنف تسليمها .. عادت الثقة، وإن مضى زمن إمكان العود ولم يعد ولا بعث وكيله .. عادت النفقة أيضا.
قال: (ولو خرجت في غيبته لزيارة ونحوها .. لم تسقط) المراد: خرجت في غيبة الزوج إلى بيت أبيها أو أقاربها وجيرانها لزيارة أو عيادة أو تعزية لا على وجه النشوز .. لم تسقط نفقتها؛ لأنها لا تعد بذلك نشزة.
قال: (والأظهر: أنه لا نفقة صغيرة) وإن سلمت إليه؛ لأنها لا تصلح للاستمتاع، وبهذا قال الأئمة الثلاثة، وليست كالمريضة؛ لأن المرض يطرأ ويزول فلا يفوت الأنس وجميع الاستمتاعات.
والثاني: لها النفقة؛ لأنها حبست عنده، وفوات الاستمتاع بسبب هي معذورة فيه فأشبهت المريضة والرتقاء، وهذا مبني على إنها تجب بالعقد.
قال: (وأنها تجب لكبيرة على صغير) إذا سلمت أو عرضت على وليه؛ لأن التسليم لمستحق عليها وجد فاستحقت المقابل كما لو تعذر الاستيفاء على المستأجر بعد تسليم العين.
وَإِحْرَامُهَا بِحَجًّ أَوْ عُمْرَةٍ بِلاَ إِذْنٍ نُشُوزٌ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا، وَإِنْ مَلَكَ .. فَلاَ حَتَّى تَخْرُجَ فَمُسَافِرَةٌ لِحَاجَتِهَا، أَوْ بِإِذْنٍ .. فَفِي الأَصَحِّ: لَهَا النَّفَقَةُ مَا لَمْ تَخْرُجْ.
والثاني: لا يجب؛ لأنها لا يستمتع بها بسبب هو معذور فيه فلا يلزمه غرم.
وعن أحمد روايتان كالقولين، وقيل: يجب قطعاً، وقيل: إن جهلت صغره .. وجب، وإن علمته .. فقولان، فإن كانا صغيرين .. لم يجب في الأظهر.
ملغزة:
صغير مسلم يجب عليه مهور مئة امرأة ونفقتهن بسبب نكاح صحيح سبق له عليهن، وهو ولد الكافر إذا زوجه أبوه إياهن ثم أسلم أحد أصوله ثم مات .. فتجب مهورهن بالموت، فإن لم يمت واندفع نكاح الزائد على الأربع .. فليس للولي أن يختار، بل ينتظر بلوغ الصبي؛ فإنه خيار شهوة، وتجب نفقتهن في ماله، قاله الرافعي في (نكاح المشرك).
قال: (وإحرامها بحج أو عمرة بلا إذن نشوز إن لم يملك تحليلها)؛ لأنها منعته نفسها بذلك، فتكون ناشزة من وقت الإحرام، سواء كان الزوج حلالاً أو محرماً كما صرح به الماوردي وغيره، وكان الأخصر أن يقول: وإحرامها نشوز؛ ليدخل الإحرام المطلق.
قال: (وإن ملك .. فلا) وذلك في النفل، وكذا في الفرض على الأظهر فتستحق النفقة؛ لأنها في قبضته وهو قادر على التحلل والاستمتاع، فإذا لم يفعل .. فهو المفوت على نفسه.
وفيه وجه: أنها لا تستحق؛ لأنها ناشزة بالإحرام، والناشز لا تستحق النفقة وإن قدر الزوج على ردها إلى الطاعة قهراً كما تقدم.
قال: (حتى تخرج فمسافرة لحاجتها) فحينئذ إن خرجت بغير إذنه .. فناشزة، أو بإذنه معه .. استحقت، أو وحدها .. فلا.
قال: (أو بإذن) أي: أحرمت بإذنه (.. ففي الأصح: لها النفقة ما لم تخرج)؛ لأنها في قبضته، وفوات الاستمتاع تولد من إذنه.
وَيَمْنَعُهَا صَوْمَ نَفْلٍ، فَإِنْ أَبَتْ .. فَنَاشِزَةٌ فِي الأَظْهَرِ
والثاني: لا تجب؛ لفوات الاستمتاع، لكن يرد على إطلاقه ما لو فسد حجها المأذون فيه بجماع .. فإنها تقضيه على الفور، ولها الإحرام بغير إذن.
قال: (ويمنعها صوم نفل)؛ لأنه ليس بواجب عليها، وحقه عليها متحتم، وعلله في زوائد (الروضة) في (باب الكفارة) بأنه يمنعه من الوطء، واستشكل بأن لكل من الزوجين الخروج من التطوع بالجماع وغيره، وأجاب عنه في (شرح مسلم) بأن صومها يمنعه من الاستمتاع عادة؛ لأنه يهاب انتهاك حرمة الصوم بالإفساد، وقياس تجويز منع الزوجة الصوم أن تكون الأمة الموطوءة كذلك.
وعلم من التقييد بـ (النفل) أنه لا يمنعها صوم رمضان، ولا تسقط يه النفقة، وهو كذلك بالاتفاق.
فلو كان الزوج متلبساً بصوم أو اعتكاف واجبين، أو كان محرماً أو ممسوحاً أو غنيناً، أو كانت متحيرة أو رتقاء .. فالمتجه: الإباحة.
قال: (فإن أبت .. فناشزة في الأظهر)؛ لامتناعها من التمكين الواجب عليها، وصومها في هذه الحالة حرام كما صرح به في صوم التطوع من (الروضة) و (شرح مسلم)، وبه جزم ابن حبان؛ لما روى هو [3573] وأبو داوود [2450] والترمذي [782] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصومن امرأة يوماً سوى شهر رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه).
وفي (صحيح مسلم) [1026]: (لا تصومن المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه).
والثاني: لا تكون ناشزاً بذلك؛ لأنها في قبضته.
وفي ثالث: إن دعاها للأكل فأبت .. لم تسقط، أو للجماع فأبت .. سقطت، والخلاف أوجه لا أقوال، فكان الصواب التعبير بالأصح.
وقال الماوردي: إن دعاها إلى الجماع في أول النهار فأبت .. سقطت، أو في آخره .. فلا؛ لقرب الزمان، واستحسنه الروياني.
فلو تزوجها وهي صائمة .. قال المروروذي: لا يجبرها على الإفطار، وفي سقوط نفقتها وجهان كما في نشوز بعض اليوم، وحيث سقطت بالصوم هل يسقط
وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَضَاءً لاَ يَتَضَيَّقُ كَنَفْلٍ فَيَمْنَعُهَا، وَأَنَّهُ لاَ مَنْعَ مِنْ تَعْجِيلِ مَكْتُوبَةٍ أَوَّلَ وَقْتٍ، وَسُنَنٍ رَاتِبَةٍ
الكل أو النصف؟ فيه وجهان: صحح المصنف سقوط الجميع.
ومراده بـ (نفل الصوم) النفل المطلق كصوم الإثنين والخميس، أما رواتبه كعرفة وعاشوراء .. فليس له المنع منه على الصحيح، ولا تسقط به نفقتها كرواتب الصلاة، وأما النذر .. فيمنعها من مطلقه؛ لأنه موسع، وأما المعين فإن نذرته في نكاحه بغير إذنه .. فكذلك، وإلا .. فلا.
قال: (والأصح: أن قضاء لا يتضيق كنفل فيمنعها) كما إذا أفطرت بعذر والوقت متسع؛ لأنه على التراخي وحق الزوج على الفور، وقيل: في جوازه وجهان، وكان ينبغي أن يعبر بـ (المذهب) كما في (الروضة).
واحترز عما يتضيق كالفطر تعدياً أو بعذر ولم يبق من شعبان إلا قدره .. فليس له المنع منه، والنفقة فيه واجبة على الأصح في (الروضة)، وكلام الرافعي مشعر بترجيح السقوط، وأما صوم الكفارة .. فعلى التراخي، فله المنع منه.
قال: (وأنه لا منع من تعجيل مكتوبة أول وقت)؛ لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ وليس من المعروف حرمانها الفضائل مع قصر الزمن.
والثاني: له المنع؛ لاتساع وقت المكتوبة ووجوب حقه على الفور، وأفهم أنه لا منع آخر الوقت وهو كذلك بالاتفاق؛ لخروج وقتها عن حق استمتاعه، ولا يسقط بسببها شيء من النفقة كما لا يسقط شيء من الأجرة إذا صلى الأجير، لكن تقدم في آخر (الإجازة) عن (فتاوى القفال) أنه لو صلى مرة ثم قال: كنت محدثاً .. ليس للمستأجر منعه، ويسقط من أجرته بقدر زمان الصلاة الثانية، والظاهر أن ذلك لا يتأتى هنا؛ لضيق زمان الإجازة واتساع هذا.
قال: (وسنن راتبة) هذا معطوف على الأصح، فليس له المنع منها؛ لأنها مكملة للفرائض.
والثاني: له المنع كالنفل المطلق.
نعم؛ له منعها من تطويلها.
وَتَجِبُ لِرَجْعِيَّةٍ الْمُؤَنُ إِلاَّ مُؤْنَةَ تَنْظِيفٍ، فَلَوْ ظُنَّتْ حَامِلاً فَأَنْفَقَ فَبَانَتْ حَائِلاً .. اسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ بَعْدَ عِدَّتِهَا
ويرد على تخصيصه الراتبة: العيدان والكسوفان؛ فليس له منعها من فعلهما في المنزل، والعجب أن المصنف أورده على عبارة (التنبيه) في تعيين النية فقال: والصواب أن النافلة التي ليست راتبة ولها سبب كالكسوف والاستسقاء لا تصح إلا بتعيين النية، لكن ذكر الرافعي في (صلاة التطوع) أن الراتبة في اصطلاح القدماء ما لها وقت، سواء توابع الفرائض وغيرها، وحينئذ فعبارة المصنف شاملة لذلك.
فرع:
كانت المرأة آجرت نفسها قبل النكاح إجارة عين .. لم يكن للزوج منعها من العمل، إلا أنها لا تستحق النفقة عليه، قال الماوردي: وله الخيار إن كان جاهلاً بالحال؛ لفوات الاستمتاع بالنهار، ولا يسقط خياره برضا المستأجر بالاستمتاع بها نهاراً؛ لأنه متبرع.
قال: (وتجب لرجعية المؤن) من النفقة والكسوة وسائر حقوق الزوجية؛ لبقاء جنس النكاح وسلطنته، وحكى الماوردي فيه الإجماع، وسواء في ذلك الحرة والأمة والحامل والحائل، ولا تسقط نفقتها إلا بما تسقط به نفقة الزوجة، وتستمر إلى انقضاء العدة بوضع الحمل وغيره، ولو ظهر بها أمارات الحمل بعد الطلاق .. لزم الزوج الإنفاق عليها.
قال: (إلا مؤنة تنظيف)؛ لانتقاء المعنى الذي وجبت لأجله، وهذا الاستثناء ذكره الإمام، وتبعه الشيخان، ولم يتعرض له الجمهور.
قال: (فلو ظنت حاملاً فأنفق فبانت حائلاً .. استرجع ما دفع بعد عدتها)؛ لأنه تبين أن ذلك ليس عليه، ويرجع إليها في الأقراء، فإن ادعت تباعد الحيض وامتداد الطهر .. فالصحيح: أنها تصدق في استمرار النفقة إلى أن تقر بمضي العدة كما تصدق في ثبوت الرجعة، وقيل: لا تصدق في ثبوت النفقة؛ فإنها حقها بخلاف الرجعة.
وَالْحَائَلُ الْبَائِنُ بِخُلْعٍ أَوْ ثَلاَثٍ لاَ نَفَقَةَ لَهَا وَلاَ كِسْوَةَ،
قال: (والحائل البائن بخلع أو ثلاث لا نفقة ولا كسوة)، اختلف العلماء في نفقة هذه وسكناها، فقال عمر بن الخطاب وأبو حنيفة: لها السكنى والنفقة، وقال ابن عباس وأحمد: ليس لها سكنى ولا نفقة، وقال مالك والشافعي: لها السكنى ولا نفقة.
احتج من أوجبهما بقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾، وبأنها محبوسة عليه، وبقول عمر في حديث فاطمة بنت قيس: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة جهلت أو علمت).
واحتج من لم يوجبهما بحديثها ولفظه: أن زوجها أبا عمرو بن حفص- واسمه عبد الحميد- طلقها البتة، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ليس لك عليه نفقة) متفق عليه [خ 5324 - م 1480/ 36]. ولمسلم [1480/ 37]: (ولا سكنى).
واحتج الشافعي ومالك بظاهر حديثها مع قوله تعالى: ﴿وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن﴾ فمفهومها: أنهن إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن.
وأجيب عن حديث فاطمة بأن في رواية أبي داوود [2284]: (لا نفقة لك عليه إلا أن تكوني حاملاً)، وأما إنكار عمر .. فمنقطع، قال الدارقطني: لا تقوم به الحجة، ولو اتصل .. لكان حديثها أولى؛ لأنها صاحبة الواقعة، ولأن الزوجية زالت فأشبهت المتوفى عنها.
ولو ادعت البينونة فأنكر .. صدق ولا نفقة لها، قاله الرافعي في (القسم والنشوز)، والمسألة مقيدة بما إذا لم تمكنه من نفسها، فإن عادت ومكنت .. استحقت، نص عليه في (الأم) كذلك.
واحترز بـ (البينونة بالخلع أو الثلاث) عن البائن بالفسخ بالعيب وغيره، والأصح: إن كان لمقارن العقد .. فلا نفقة كما تقدم في (باب الخيار)؛ لأنه رفع
وَتَجِبَانِ لِحَامِلٍ لَهَا، وَفِي قَوْلٍ: لِلْحَمْلِ.
فَعَلَى الأَوَّلِ: لاَ تَجِبُ لِحَامِلٍ عَنْ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ
العقد من أصله، وإن كان بسبب عارض كالردة والرضاع .. وجب؛ لأنه قطع للنكاح.
وأما السكنى .. فسبق في آخر (العدد) وجوبها، والفرق بينها وبين النفقة: أن السكنى لتحصين مائة فاستوى فيها حالة الزوجية وعدمها، والنفقة للتمكين وهو خاص بالزوجية.
قال: (وتجبان لحامل)؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾، والمعنى فيه أنها مشغولة بمائة فهو مستمتع برحمها، فصار كالاستمتاع في حال الزوجية؛ إذ النسل مقصود بالنكاح كما أن الوطء مقصود به، قاله القاضي حسين، ولذلك قال: يجب لها الإدام أيضاً، وفي زوائد (الروضة) نقل ذلك عن المتولي وحده وأقره.
وفي (البيان) عن أبي إسحاق المروزي: لا تجب لها الكسوة وإن وجبت لها النفقة، ومحل الوجوب إذا وافقت على الحمل أو شهد به أربع نسوة، وإلا .. فالقول قوله مع يمينه.
قال: (لها) أي: النفقة للحامل بسبب الحمل على الصحيح؛ لأنها تجب مقدرة، ولا تسقط بمضي الزمان، ولو كانت للحمل .. لم يكن كذلك.
قال: (وفي قول: للحمل)؛ لأنها لما لزمت بوجوده وسقطت بعدمه .. دل على أنها له، وإنما صرفت لها؛ لأن غذاءه بغذائها.
كل هذا في الزوجة، أما الأمة، فإذا كانت لشخص وحملها لآخر .. فنفقتها على مالك الأمة دون مالك الحمل، سواء قلنا: تجب النفقة للحامل أو لحملها، قاله الماوردي في (باب التفليس)، وحكاه عنه في زوائد (الروضة) هناك.
قال: (فعلى الأول: لا تجب لحامل عن شبهة أو نكاح فاسد)؛ لأن النكاح الفاسد لا يوجب النفقة فعدته أولى، وعلى الثاني: تجب كما تلزمه نفقته بعد الانفصال.
قُلْتُ: وَلاَ نَفَقَةَ لِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَنَفَقَةٌ الْعِدَّةِ مُقَدَّرَةٌ كَزَمَنِ النِّكَاحِ، وَقِيلَ: تَجبُ الْكِفَايَةُ، وَلاَ يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ ظُهُورِ حَمْلٍ،
هذا إذا كانت الموطوءة بشبهة غير منكوحة، فإن كانت منكوحة وأوجبنا نفقتها على الواطئ .. سقطت عن الزوج قطعاً؛ إذ لا تجتمع نفقتان، وإن لم نوجبها عليه .. ففي سقوطها عن الزوج وجهان: أصحهما أيضاً: السقوط.
واستحسن في (الوسيط) أنها إن وطئت وهي نائمة أو مكرهة .. فلها النفقة، وإن مكنت على ظن أنه زوجها .. فلا نفقة؛ لأن الظن لا يؤثر في الغرامات.
قال: (قلت: ولا نفقة لمعتدة وفاة وإن كانت حاملاً والله اعلم)؛ لما روى الدارقطني [4/ 21] بإسناد صحيح عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس للحامل المتوفى عنها زوجها نفقة).
قال الشافعي رضي الله عنه: ولا أعلم مخالفاً في ذلك، ولأنها إن كانت حائلاً .. فقد بانت بالموت، والبائن الحائل لا نفقة لها على الزوج في حياته فبعد موته أولى.
وإن كانت حاملاً فإن قلنا: النفقة للحمل .. سقطت؛ لأن نفقة القريب تسقط بالموت، وغن قلنا: للحامل .. فوجهان: أصحهما: تسقط أيضاً؛ لأنها كالحاضنة للولد، ولا تجب نفقة الحاضنة بعد الموت.
وعن الإصطخري أنه أجاب فيها بالاستحقاق فقيل له: ليس هذا مذهب الشافعي، فلم يرجع وقال: وإن لم يكن .. فهو مذهب علي وابن عباس، فعيره ابن سريج بذلك في مجلس النظر وقال: كثرة أكل الباقلاء ذهبت بدماغك، فقال له الإصطخري: وأنت كثرة أكل الخل والمري ذهبت بدينك، عفا الله عنا وعنهما.
وأما إسكانها .. فتقدم في (العدد) أن الأظهر وجوبه.
قال: (ونفقة العدة مقدرة كزمن النكاح)؛ لأنها من توابعه.
قال: (وقيل: تجب الكفاية) فيزاد وينقص بحسب الحاجة، فمن اعتبر الكفاية .. نظر إلى الحمل، ومن نظر إلى الزوجية .. جعلها مقدرة.
قال: (ولا يجب دفعها قبل ظهور حمل) سواء جعلناها للحمل أم للحامل؛ لأنا لم نتحقق سبب الوجوب.
فَإِذَا ظَهَرَ .. وَجَبَ يَوْماً بِيَوْمٍ، وَقِيلَ: حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ
قال: (فإذا ظهر .. وجب يوماً بيوم)؛ لقوله تعالى: ﴿فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾، ولأنها لو أخرت إلى الوضع .. لتضررت.
قال: (وقيل: حتى تضع)؛ لأن الأصل البراءة حتى يتيقن السبب، والخلاف مبني على أن الحمل يعلم أم لا، والأصح: نعم، وهو في (الشرح) و (الروضة) قولان، وهو الصواب؛ فإنهما منصوصان في (المختصر) وهما في (المحرر) وجهان.
وقال: (ولا تسقط بمضي الزمان على المذهب) فلو لم ينفق حتى وضعت لزمه أن يدفع إليها نفقة ما مضى على القولين؛ لأنها هي التي تنتفع بها، وقيل: إن قلنا: إنها لها .. لم تسقط، أو للحمل .. سقطت؛ لأنها نفقة قريب.
تتمة:
لو كان زوج الحامل البائن رقيقاً، إن قلنا النفقة للحامل .. لزمته، وإلا .. فلا؛ لأنه لا تلزمه نفقة القريب، ولو كان الحمل رقيقاً .. ففي وجوب النفقة على الزوج حرًا كان أو عبدًا قولان: إن قلنا: للحمل .. لم تجب بل هي على المالك، وإلا .. فتجب.
وإذا اختلفا فقالت: وضعت اليوم، وطالبت بنفقة شهر قبله، وقال: بل وضعت شهر قبله .. فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم الوضع وبقاء النفقة.
وإذا أبرأت الزوج من النفقة .. قال المتولي: إن قلنا: إنها للحامل ... سقطت، وإن قلنا: للحمل .. فلا، ولها المطالبة بعد الإبراء.
قال الرافعي: ولك أن تقول: إن كان الإبراء عن نفقة الزمن المستقبل .. فقد سبق حكمه، وإن كان عما مضى .. فالنفقة مصروفة إليها على القولين، وقد سبق أنها تصير ديناً لها حتى تصرف إليها بعد الوضع، فينبغي أن يصح إبراؤها على القولين.
قال ابن الرفعة: يظهر أن تكون صورته إذا أبرأته عن نفقة اليوم بعد الفجر أو
فَصْلٌ: أَعْسَرَ بِهَا؛ فَإِنْ صَبَرَتْ .. صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ .. فَلَهَا الْفَسْخُ فِي الأَظْهَرِ.
الشمس، وبهذا يندفع ما أورده عليه من السؤال.
وذكر المتولي أيضاً: أنه لو أعتق أم ولده وهي حامل منه .. لزمه نفقتها إن قلنا: إنها للحمل، وإن قلنا: إنها للحامل .. فلا، وأنه لو مات وترك امرأته حبلى .. لها مطالبة الجد بالنفقة إن قلنا: النفقة للحمل، وإن قلنا: للحامل .. فلا، وقطع البغوي بأنها لا تطالب الجد، ويقرب منه كلام الشيخ أبي علي.
وإذا مات الزوج قبل أن تضع البائن حملها، فإن قلنا: للحمل .. سقطت؛ لأنها نفقة قريب، وإن قلنا: للحامل .. فالأصح: عدم السقوط، وهو المعروف كما جزم به في (الشرحين) في (كتاب العدد)، وجزم المصنف في (فتاويه) بالسقوط، وهو مقتضى كلام (الروضة).
قال: (فصل:
أعسر بها؛ فإن صبرت .. صارت ديناً عليه)، الذي نص عليه الشافعي أن الزوج إذا عجز عن القيام بمؤن زوجته الموظفة عليه .. كانت زوجته بالخيار، إن شاءت .. صبرت وأنفقت من مالها، أو اقترضت وأنفقت على نفسها، ونفقتها في ذمته إلى أن يوسر لا تسقط بمضي الزمان كسائر الديون المستقرة.
وفي (سنن البيهقي) [7/ 469]: أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد فيمن غابوا عن نسائهم: إما أن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا .. بعثوا نفقة ما حبسوا، ولم يخالفه أحد.
وفي (طبقات العبادي): أن المزني قال في (المنثور): إذا أعسر الزوج .. لا نفقة عليه كما لا يجب على المتوسط تمام نفقة الموسر.
وكلام المصنف محمول على ما إذا لم تمنع نفسها منه، فإن منعت .. لم تصر ديناً عليه كما صرح به الرافعي في الكلام على الإمهال.
قال: (وإلا .. فلها الفسخ في الأظهر)، وبه قال مالك وأحمد؛ لقوله تعالى: