النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 247-267
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَالثَّالِثُ: يَمْنَعُ فِي المَالِ البَاطِنِ, وَهُوَ النَّقْدُ والْعَرْضُ.
فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِدَيْنٍ, فَحَالَ الْحَوْلُ فِي الْحَجْرِ .. فَكَمَغْصُوبِ  فلو زاد المال على قدر الدين وكان الزائد نصابًا .. وجبت زكاته قطعًا, أو دونه .. فالجميع على الخلاف.
قال: (والثالث: يمنع في المال الباطن, وهو النقد والعرض) وكذا زكاة الفطر أيضًا, ولا تمنعها الأموال الظاهرة وهى: المواشي والزروع والثمار والمعادن, والفرق: إن الظاهرة تنمو بنفسها أو هى نماء في نفسها, والباطنة ليس كذلك.
لكن التعبير بـ (النقد) يخرج غير المضروب فكان الصواب: التعبير بـ (الذهب والفضة).
ومحل الخلاف: إذا لم يكن له من المال الزكوى ما يقضى به الدين, فإن كان .. وجبت قطعًا.
قال: (فعلي الأول: لو حجر عليه لدين, فحال الحول في الحجر .. فكمغصوب)؛ لأنه حيل بينه وبين ماله الحجر المانع من التصرف.
ولا شك أن للمحجور عليه أحوالًا: احدهما: أن يفرق الحاكم أمواله بين غرمائه, ويقبضونه.
الثاني: أن يبيعه منهم, ولا زكاة عليه في الحالين.
الثالث: أن يعين لكل غريم قدر دينه ويأذن له في قبضه ويحول الحول قبل قبضه .. فملك المحجوز باق حتى يقبضه الغريم.
والمذهب: انه لا زكاة على المفلس في هذه الحالة, لضعف الملك, وهو مشكل, فكيف يمكنهم من أخذه من غير بيع أو تعويض؟ لا جرم صوّرها في (السلسة) بما إذا كان ماله من جنس الدين.
فروع: ملك نصابًا, فنذر التصدق به أو بكذا منه, فمضى الحول قبل التصدق .. فالأصح: القطع بمنع الزكاة لتعلق النذر بعينه, وقيل: على الخلاف في الدين.

وَلَوِ اجْتَمَعَ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ فِي تَرِكَةٍ .. قُدِّمَتْ,  ولو قال: جعلت هذا المال صدقة, أو هذا الغنام ضحايا, أو على أن أضحى بهذه الشاه .. فلا زكاة.
وإذا دفع دراهم إلى رجل ليصرفها إلى فقير, أو فى جهة من جهات البر, فتم الحول قبل صرفها .. لزمه زكاتها؛ لبقائها في ملكه, بخلاف ما لو دفعها إلى الأمام ليصرفها في ذلك.
ولو أوصى بدراهم للفقراء, فحال الحول عليها بعد موته قبل أن تصرف .. فلا زكاة.
قال: (ولو اجتمع زكاة ودين آدمي في تركة) أي: وضاقت التركة عنهما (.. قدمت) سواء كانت زكاة مال او زكاة فطر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فدين الله أحق أن يقضى) متفق عليه [خ 1953 - م1148]. والحديث ورد في الحج والصوم, ولا شك أن الزكاة أحق بالتقديم منهما.
وقوله: (زكاة) على سبيل التمثيل, وإلا .. فكل حق من حقوق الله تعالى كالكفارة تجرى فيها الأقوال عند الاجتماع مع الدين, وكذلك الزكاة مع الحج كما صرح به في (الكفاية) وسيأتي في (الوصية) أيضا.
واحترز بقوله: (في تركة) عما إذا اجتمعوا على حي وضاق ماله عنهما .. فإن الأقوال لا تجرى فيه, بل إن لم يكن محجورًا عليه .. قدمت الزكاة جزمًا, وان كان محجورًا عليه .. قدم حق الآدمي جزمًا.
ويؤخر حق الله تعالى ما دام حيًا كما صرح به الرافعي في (الباب الثالث) من (الإيمان) , لكن صرح القاضي أبو الطيب فيها بجريان الأقوال, وسيأتي في (كتاب الجزية): انه يسوى بينها وبين دين الآدمي على المذهب مع أنها حق الله تعالى.
وصورة مسألة الكتاب: إذا كانت الزكاة في الذمة أن تلف المال بعد الوجوب والتمكن, فأما إذا كان ما وجبت فيه الزكاة موجودًا .. فهي مقدمة قطعًا, قاله جماعة منهم القاضيان: الحسين وابن كج, وهو مقتضى النص, وهذا متعين إذا قلنا: إنها تتعلق بالمال تعلق الشركة.
ووقع في (الشرح) و (الروضة) في هذا اضطراب.

وَفِى قَوْلٍ: الدَّيْنُ, وَفِى قَوْلٍ: يَسْتَوِيَانِ.
وَالْغَنِيمَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِنِ اخْتَارَ الْغَانِمُونَ تَمَلُّكَهَا وَمَضَى بَعْدَهُ حَوْلٌ, وَالْجَمِيعُ صِنْفٌ زَكَوِىٌ, وَبَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ شَخْصٍ نِصَابًا, أَوْ بَلَغَهُ الْمَجْمُوعُ فِي مَوْضِعِ ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ .. وَجَبَتْ زَكَاتُهَا,  قال: (وفى قول: الدين)؛ لأن صاحبه محتاج وحقوق الآدميين مبنية على المضايقة, وكما يقدم القصاص على القطع في السرقة.
وجوابه: إن الحدود ومبناها على الرديء.
قال: (وفى قول: يستويان)؛ لعدم الترجيح, فيوزع المال عليهما كما إذا كان عليه دينان لرجلين وضاق ماله .. فإنه يقسم بينهما.
وفى قول رابع: يقدم الأسبق منهما وجوبًا.
قال: (والغنيمة قبل القسمة أن اختار الغانمون تملكها ومضى بعد حول, والجميع صنف زكوى, وبلغ نصيب كل شخص نصابًا, أو بلغه المجموع في موضع ثبوت الخُلطة .. وجبت زكاتها) كسائر الأموال.
واحترز بـ (واختار الغانمون تملكها) عما إذا أعرضوا أو سكتوا .. فلا زكاة؛ لأنها لا تملك إلا بالقسمة أو اختيار التملك ولم يوجد واحد منهما.
ولو فرعنا على القول بـ (أنها تملك بمجرد الاستيلاء) فهو ملك ضعيف بدليل سقوطه بمجرد الأعراض.
وان اختاروا ولم يمض بعده حول .. فلا زكاة.
وان وجد الاختيار والحول ولكنها كانت أصنافا كسائمة ونقود .. فلا زكاة أيضا؛ لأن كل واحد من الغانمين لا يدرى الصنف الذي يحصل له ولا مقداره.
والمراد بـ (بلغه المجموع): غير الخمس.
وموضع ثبوت الخُلطة بالنسبة إلى المالك, وذلك في السائمة جزمًا, وفى غيرها

وَإِلاَّ .. فَلاَ.
وَلَوْ أَصْدَقَهَا نِصَابَ سَائِمَةٍ مُعيّنًا .. لَزِمَهَا زَكَاتُهُ إِذَا تَمّ حَوْلٌ مِنَ الإِصْدَاقِ.
وَلَوْ أَكْرَي دَارًا أَرْبَعَ سِنِينَ بِثَمَانِينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ إِلاَّ زَكَاةَ مَا اسْتَقَرَّ,  على الأصح بالنسبة إلى من تصح الخلطة معه, لا كأهل الخمس؛ فإن الخلطة لا تثبت معهم.
فإذا اجتمعت الشروط .. وجبت الزكاة وان لم يُفرز الخمس.
وقيل: لا زكاة قبل إفرازه.
وقوله: (زكوى) هو الصواب, ووقع في (المهذب): (زكائى) وهو مُعترض.
قال: (وإلا .. فلا) أي: إذا لم يختاروا التملك, ولم يمض حول, أو مضى وهى أصناف أو صنف غير زكوى كقماش, أو لم يبلغ الجميع نِصابًا كمئة درهم, أو بلغه في غير موضع ثبوت الخلطة .. فلا زكاة في جميع ذلك؛ لانتفاء الشروط.
قال: (ولو أصدقها نصاب سائمة معينًا .. لزمها زكاته إذا تم حول من الإصداق) سواء استقر بالدخول والقبض أم لا؛ لأنها ملكته بالعقد.
واحترز بـ (المعيّن) عما إذا كان في الذمة .. فلا زكاة فيه؛ لأن وصف السوم لا يثبت في الذمة كما تقدم, خلاف أصداق الدراهم والدنانير؛ فإن الزكاة تجب فيها ناء على وجوها في الدين, فلم يذكر السائمة لاختصاص الزكاة بها بل لاختصاصها باشتراط التعيين.
والصلح عن دم العمد كالصداق وألحق بهما أن الرفعة بحثًا مال الجُعالة.
ولو أصدقها عض نصا سائمة معين .. اعتبرت شروط الخلطة.
ولو طالبته المرأة فامتنع .. كان كالمغصوب, قاله المتولي.
قال: (ولو اكري دارًا ارع سنين ثمانين دينارًا وقبضها .. فالأظهر: انه لا يلزمه أن يخرج إلا زكاة ما استقر)؛ لأنها قل الاستقرار معرضة للسقوط الانهدام.

فَيُخْرِجُ عِنْدَ تَمَامٍ السَّنَةِ الأُولَى زَكَاةَ عِشْرِينَ, وَلِتَمَامِ الثَّانِيَةِ زَكَاةَ عِشْرِينَ لسَّنَةِ وعِشْرِينَ لسَنَتَيْنِ, وَلِتَمَامِ الثَّالِثَةِ زَكَاةَ أَرْبَعِينَ لسَّنَةِ وعِشْرِينَ لثَلاَثِ سِنِينَ, وَلِتَمَامِ الرابعة زَكَاةَ سِتِّينَ لِسَنَةِ وَعِشْرِينَ لأَرْبَعٍ, وَالثَّانِي: يُخْرِجُ لِتَمَامِ الأُولَى زَكَاةَ الثَّمَانِينَ  والفرق بينه وبين الصداق: إن الأجرة تجب في مقابلة المنافع فينفسخ العقد فواتها, والصداق ليس في مقابلتها دليل: استقراره بموتها قبل الدخول, والتشطير الطلاق.
واحترز بـ (قبضها) عما إذا كانت معينة ولم يقبضها .. فهي كالمبيع قل القبض.
و (المحرر) مثّل المسألة مئة دينار فعدل المصنف إلى ثمانين؛ لأن حسابها أسهل.
قال: (فيخرج عند تمام السنة الأولى زكاة عشرين) لسنة؛ لأنه الذي استقر ملكه عليه وهذا لا خلاف فيه.
قال: (ولتمام الثانية زكاة عشرين لسنة وعشرين لسنتين) وهو: دينار ونصف؛ لأنه ملكه قد استقر على أربعين دينارًا وكانت في ملكه سنتين وواجها ديناران, ولم يخرج إلا واجب عشرين عن سنة واحد وهو نصف دينار, فيبقى عليه دينا ونصف.
إما الدينار .. فعن العشرين التي هي أجرة السنة الثانية؛ فإنها أقامت في ملكه سنتين ولم يخرج عنها شيئًا: وإما النصف .. فزكاة السنة الثانية عن العشرين التي هي أجرة السنة الأولى.
قال: (ولتمام الثالثة زكاة أربعين لسنة وعشرين لثلاث سنين)؛ لأنه استقر ملكه على ستين دينارًا وكانت في ملكه ثلاث سنين, فعليه زكاتها لثلاث سنين وهى: أربعة دنانير ونصف, أدى دينارين ويخرج الباقي.
قال: (ولتمام الرابعة زكاة ستين لسنة وعشرين لأربع)؛ لأنها استقرت الآن وقد مضى عليها في ملكه أربع سنين, وواجب ثمانين في أربع سنين ثمانية دنانير, أدى منها أربعة ونصفًا فيخرج الباقي وهو ثلاثة ونصف.
قال: (والثاني: يخرج لتمام الأولى زكاة الثمانين) هذا قسيم لقوله:

فَصْلٌ: تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا تَمَكَّنَ, وَذَلِكَ بِحُضُورِ الْمَالِ وَالأَصْنَافِ  (فالأظهر) , ودليله: انه ملك الثمانين ملكًا تامًا, ولهذا لو كانت الأجرة أمة .. حل له وطؤها.
تتمة: محل الخلاف: في الإخراج فقط, إما الوجوب .. فثابت قطعًا.
وصورة المسألة: أن يخرج من غيرها فإن أخرج من عينها .. نقص بحسابه, وهذا يعلم: إن ما في الكتاب و (الروضة) ليس مفرعًا على المذهب- وهو: تعلقها بالعين تعلق شركة- كذا نبه عليه الرافعي, وحذفه من (الروضة) ولابد منه, ولا يخفى أن الصورة فيما إذا كانت السنين متساوية, فإن كانت متفاوتة .. زاد القدر المستقر في بعض السنين ونقص في بعض.
قال: (

فصل

: تجب الزكاة على الفور)؛ لأنه حق يجب صرفه إلى الآدمى إذا طولب به, فلم يجز له التأخير كالوديعة إذا طلبها صاحبها.
وقال أبو حنيفة: تجب على التراخي, وأوجب الحج على الفور.
والكلام هنا في زكاة المال, إما زكاة الفطر .. فتقدم أنها موسعة إلى أخر نهار العيد.
قال: (إذا تمكن)؛ لأن التكليف بدونه تكليف بما لا يطاق, فإن آخر .. إثم وضمن.
قال: (وذلك) أي: التمكن (بحضور المال والأصناف) , فلا يجب الإخراج عن الغائب- وان جوزنا نقل الزكاة- لاحتمال تلفه قبل وصوله إليه.
لكن يستثنى ما إذا أخر لطلب الأفضل أو انتظار قريب أو جار أو أحوج أو أصلح .. فالأصح: جواز التأخير ويكون ضامنًا على الأصح.

وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّىَ بِنَفْسِهِ زَكَاةَ الْمَالِ الْبَاطِنِ, وَكَذَا الظَّاهِرِ فِي الْجدِيدِ, ......

 وعبارة (المحرر): (وجود المصروف إليه) , وهى أحسن؛ لشمولها الأصناف والإمام ونائبه, وأيضا التعبير بـ (الأصناف) يوهم: انه لو وجد بعضهم .. لا يكون متمكنًا, والمنقول: انه متمكن من أداء حصة الموجودين فقط حتى لو تلف المال .. ضمن حصتهم.
قال: (وله أن يؤدى بنفسه زكاة المال الباطن)؛ لقوله تعالى: ﴿إن تُبدُوا الصدقات فنعمّا هي وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم﴾ , وادعى المحاملي فيه الإجماع.
لكن نقل الرفعة عن أبى الطيب: انه ليس له أن يفرقها بنفسه؛ لأنه مال للإمام فيه حق فأشبه الخراج والجزية.
وعلى الأول: ليس للإمام طلبها, فإن بذلها صاحبها طوعًا .. قبلها.
وأورد شيخنا على المصنف: إن مقتضى عبارته: أن السفيه له إن يفرق بين الزكاة نفسه, وسيأتي في (الوكالة): انه لا يجوز إلا بإذن وليه.
وفى الإيراد نظر لا يخفى.
و (المال الباطن) تقدم بيانه قريبًا.
قال: (وكذا الظاهر في الجديد) وهى: المواشي والمعشرات والمعادن؛ قياسًا على الباطن.
والقديم: يجب صرفها إلى الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقة﴾ , وإذا لزم الإمام الأخذ .. لزم الأرباب الأموال الدفع.
وموضع الخلاف: إذا لم يطلب الإمام, فإن طلب .. وجب الدفع بلا خلاف؛ بذلًا للطاعة كذا في (الروضة) , واعترضه في (المهمات) بحكاية خلاف ضعيف فيه.
ولا فرق في جريان القولين بين الإمام الجائر والعادل.
وفى وجه: يجوز الدفع إلى الجائر ولا يجب, وفى وجه آخر: لا يجوز الدفع إليه.

وَلَهُ التَّوْكِيلُ, وَالصَّرْفُ إِلَى الإِمَامِ, وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الصَّرْفَ إِلَى الإِمَامِ أَفْضَلُ, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جَائِرًا  قال: (وله التوكيل)؛ لأنه حق مالي فكان كديون الآدميين.
وقيل: إن زكاة الفطر لا تدخلها النية مع القدرة على أدائها بنفسه.
ولا فرق بين الجواز بين أن يكون المال من جهة الوكيل أو المُوكّل, ولا بين أن يكون من أهل الزكاة أم لا, فيوكل الفاسق والرقيق والصبي؛ قياسًا على ذبح الأضحية, لكن يشترط في الكافر والصبي تعيين المدفوع إليه كما نص البغوي والرويانى عليه.
قال: (والصرف إلى الأمام)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يبعثون السعادة لأخذ الزكوات.
قال: (والأظهر: أن الصرف إلى الأمام أفضل)؛ لأنه اعرف بالمستحقين واقدر على التفرقة.
والثاني: تفريقه نفسه أفضل لينال اجر الدفع, وليخص الأقارب والجيران والأحق.
قال: (إلا أن يكون جائرًا) .. فالأفضل: أن يفرق بنفسه؛ لأنه ليس على يقين من البراءة بالدفع إليه (2). والثاني: الأفضل اصرف إليه مطلقًا؛ لعموم: (خُذ من أموالهم) , وصححه في (شرح المهذب).
والثالث: الأفضل: أن يفرق بنفسه مطلقًا.
والمراد بالجائر والعادل في (باب الزكاة) فقط.

وتجِبُ النّيّةُ, فَيَنْوِى: هَذَا فَرْضُ زَكَاةِ مَالِي, أَوْ فَرْضُ صَدَقَةِ مَالِي وَنَحْوَهُمَا, وَلاَ يَكْفِى: فَرْضُ مَالِي, وَكَذَا الصَّدَقَةُ فِي الأَصَحِّ  والمصنف تبع (المحرر) في تعبيره بـ (الأظهر) , والصواب: التعبير بـ (الأصح)؛ لأن المسألة ذات أوجه لا أقوال.
ومحل الخلاف: في الأموال الباطنة, أما الظاهرة .. فدفعها إلى الأمام أفضل قطعًا, وكل من التفرقة نفسه والدفع إلى الأمام اقل من التوكيل جزمًا؛ لأنه (1) قد يجور فلا يسقط الفر عن الموكل.
قال: (وتجب النية)؛ لعموم حديث: (الأعمال بالنيات).
ومقصوده: إن النية هنا ركن- كالصلاة- ومحلها: القلب على الأصح كما تقدم, وقيل: يكفى هنا الاقتصار على اللسان؛ لأن هذا يشبه المعاوضة.
فلو تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة .. لم تسقط عنه الزكاة عندنا.
قال: (فينوى: هذا فرض زكاة مالي, أو فرض زكاة مالي ونحوهما) كزكاة مالي المفروضة, أو الصدقة المفروضة؛ لدلالة كل واحد من هذه على المقصود.
لكن عبارته تشعر باشتراط التعرض للفرضية مع الزكاة, والصحيح: القطع بعدم اشتراطها؛ لأن الزكاة لا تكون إلا فرضًا, وبهذا خالفت الصلاة, فلو قال: هذا فرضي .. لم يجزئه بلا خلاف.
قال: (ولا يكفى: فرض مالي)؛ لأنه قد يكون نذرًا أو كفارة.
قال: (وكذا الصدقة في الأصح)؛ لأنها قد تكون نافلة.
والثاني: يكفى؛ لأنه ظاهر في الزكاة مستعمل في الكتاب والسنة.
وعبارة المصنف كعبارة (الشرحين) و (الروضة) و (الكفاية) , والذي في (شرح المهذب): انه إن نوى الصدقة فقط .. لم يجزئه لا خلاف؛ لأن الصدقة   أي: الوكيل.
في هامش (ج): (نسخة: يخون).

وَلاَ يَجِبُ تَعيِينُ المَال, وَلَو عَيَّنَ .. لَم يَقَع عَن غَيرِهِ.
وَتَلزَمُ الوَليَّ النِّيَةُ إذَا أَخرَجَ زكَاةَ الصَّبِيَّ والمَجنُونِ.
وتَكفِي نِيَّةُ المُوكِلِ عِندَ الصَّرفِ إِلَى الوَكِيلِ فِي الأَصَحَّ,  تطلق على غير المال, قال صلى الله عليه وسلم: (كل تكبيرة صدقة, وكل تحميدة صدقة).
وإن نوى صدقة ماله أو صدقة المال .. فوجهان: أصحهما: لا يجزئ, وكلام المصنف محمول على هذه الصورة.
قال: (ولا يجب تعيين المال)؛ لأن الفرض لا يختلف به كالكفارات, فإذا ملك أربعين شاة وخمسة أبعرة, فأخرج شاة ناويًا الزكاة ولم يعين بقلبه أحد النوعين .. جاز ويعين ما شاء, فإن تلف أحدهما بعد الأداء أو بان تالفًا .. فله جعله عن الباقي.
قال: (ولو عين .. لم يقع عن غيره)؛ لأنه لم ينو ذلك الغير, فإن أراد: إن كان تالفًا فعن الحاضر .. وقع عن الحاضر على المذهب.
قال: (وتلزم الولي النية إذا أخرج زكاة الصبي أو المجنون)؛ لأن المؤدى عنه ليس أهلا لها فقام الولي مقامه.
ومقتضى عبارته: أنه لا ينوي عن السفيه مع أنه ملحق بهما في النية عنه كما صرح به الجرجاني, وجزم به في (شرح المهذب) وادعى الاتفاق عليه, وتوقف ابن الرفعة في المسألة؛ لعدم وقوفه على نقل فيها, وهذا يدفع اعتراض شيخنا المتقدم في قول المصنف: (وله أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن).
قال: (وتكفي نية الموكل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح)؛ لوجودها من المخاطب بها.
والثاني: لا بد من نية الوكيل عند التفرقة أيضًا كالحج.
وفرق الأول بأن الحج يقع بأفعال النائب فاعتبرت نيته, ولزكاة تقع بمال المستنيب فاعتبرت نيته.

الأَفضَلُ أَن يَنوِيَ الوَكِيلُ عِندَ التَّفرِيقِ أَيضًا.
وَلَو دَفَعَ إلَى السُّلطَانِ .. كَفَتِ الِّنيَة عِندَهُ, فَإن لَم يَنوِ .. لَم يُجِزئ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِن نَوَى السُّلطَانُ.
وَالأصَحُّ: أَنَّهُ يَلزَمُ السُّلطَانَ النِّيَةُ إِذَا أَخرَجَ زَكَاةَ المُمتَنِعِ, وَأَنَّ نِيَّتَهُ تَكفِي  والوجهان مبنيان على أن المالك إذا فرق بنفسه .. جاز أن يقدم النية على الدفع وهو الأصح؛ لعسر المقارنة كما في الصوم.
فإن نوى قبل العزل .. لم يجز قطعًا؛ لأنه قصد لا نية كذا قاله الماوردي, وكلام القفال ينازع فيه.
قال: (والأفضل: أن ينوي الوكيل عند التفريق أيضًا)؛ خروجًا من الخلاف.
قال: (ولو دفع إلى السلطان .. كفت النية عنده)؛ لأنه نائب المستحقين.
ولا تشترط نية السلطان عند الدفع إلى الأصناف؛ لأن يده كيدهم.
وحكم الساعي في ذلك كالإمام.
قال: (فإن لم ينو) أي: المالك عند الدفع إلى السلطان (.. لم يجزئ على الصحيح وإن نوى السلطان) كما لو دفع إلى الأصناف بغير نبة؛ فإن السلطان نائبهم.
والثاني: يجزئ؛ لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض, فاكتفى بهذا الظاهر عن النية.
قال: (والأصح: أنه يلزم السلطان النية إذا أخرج زكاة الممتنع, وأن نيته تكفي) أي: نية السلطان تكفي في السقوط باطنًا؛ لأنه في ذلك كولي الطفل.
والثاني: لا تلزم السلطان النية ولا تكفي؛ لئلا يتهاون المالك فيما هو متعبد به.
أما السقوط ظاهرًا إذا نوى الإمام .. فلا خلاف عليه.
وإن لم ينو .. لم تسقط في الباطن, وكذا في الظاهر في الأصح, فإن نوى الممتنع حالة الأخذ منه .. برئت ذمته جزمًا.

فَصلٌ: لا يَصِحُّ تَعجِيلُ الزَّكَاةِ عَلى مِلكِ النِّصَابِ, وَيَجُوزُ قَبلَ الحَولِ, تتمة: من استقر عليه فرض زكاة, ثم مرض ولا مال له .. قال العبادي: ينبغي أن ينوي أنه يؤدي الزكاة إن قدر, ولا يقترض؛ لأنه دين.
وقال شاضان بن إبراهيم: يقترض؛ لأنه دين لله تعالى وهو أحق بالقضاء, قال: فإن اقترض ودفع الزكاة ونوى الوفاء إذا تمكن .. فههو معذور بالاتفاق.
قال الشيخ: وما قال شاذان أولى مما قاله العباديح لأنه عصى بتأخير الزكاة, فإذا وجد من يقرضه ورضي بذمته .. نعين ذلك طريقًا للتوبة.
قال: (

فصل

: لا يصح تعجيل الزكاة على ملك النصاب).
تعجيل الزكاة جائز في الجملة خلافًا لمالك وابن المنذر وابن خزيمة.
لنا: ما روى أبو داوود [1621] والترمذي [678] والحاكم [3/ 332]: (أن العباس رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعجل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك) , ولأنه أجل رفقًا فجاز تقديمه على أجله كالدين, كما إذا ملك مئة درهم فجعل خمسة دراهم, أو خمسة وثلاثين شاة فعجل منها واحدة؛ لأن الزكاة وجبت بسببين: ملك النصاب والحول, فجاز تقديمها على أحدهما كتقديم الكفارة اليمين على الحنث, ولا يجوز تقديمها على اليمين والحنث جميعًا؛ فإن المخالفين قد وافقوا عليها.
هذا في الزكوات العينية, أما زكاة التجارة كما إذا اشترى عرضًا قيمته مئة فعجل زكاة مئتين, أو قيمته مئتان فعجل زكاة مئة, وحال الحول وهو يساوي ذلك .. فإنه يجوز على الصحيح؛ لأن النصاب في التجارة معتبر بآخر الحول كما تقدم.
قال: (ويجوز قبل الحول) أي: بعد انعقاده تمامه خلافًا لابن المنذر وابن حربوية.

وَلاَ تُعَجَّلُ لِعَامَينِ فِي الأَصَحَّ  استدل الأصحاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر رضي الله عنه على الصدقة, فقيل: منع جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال: (ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله, وأما خالد .. فإنكم تظلمون خالدًا ..) الحديث, رواه الشيخان [خ 1468 _ م 983]. وابن جميل يعز الوقوف على اسمه, ففي (تعليق القاضي حسين) و (البحر): أن اسمه عبد الله, وفي (غريب الحديث) لأبي عبيد: كنيته أبو جهم, وفي (تعليق القاضب (: أنه الذي نزل فيه: ﴿ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ , والمعروف: أن تلك القصة لثعلبة بن حاطب.
قال: (ولا تعجل لعامين في الأصح)؛ لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها فهو كالتعجيل قبل ملك النصاب.
والثاني: يجوز كدية الخطأ, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تسلف من العباس رضي الله عنه صدقة عامين, رواه أبو داوود [1621] وابن ماجه [1795] والترمذي [678] في موضعين من كتابه وقال في أخدهما: إنه حسن, وخرج مسلم في (صحيحه) [983] معناه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, لكن أجاب البيهقي [4/ 111] بأنه مرسل, أو محمول على أنه استلف منه صدقة عامين مرتين, أو صدقة مالين لكل واحد حول منفرد.
وصحح هذا الوجه البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي والشيخ أبو محمد والمتولي والغزالي والجرجاني والشاشي والعبدري والروياني وسليم وابن الصلاح, وقال في (المهمات): إنه المنصوص في (الأم) والمعتمد في الفتوى لا ما صححه الشيخلن.
وما عدا العامين حكمه حكم العامين.
وموضع الخلاف: إذا كان المال زائدًا على النصاب, فإن كان قدره بلا زيادة .. لم يجز في حق السنة الثانية قطعًا؛ لأنه إذا تم الحول الأول .. زال الملك - على التحقيق - فيما أخرجه فينقص النصاب, فإذا لم يبق نصاب كامل بأن ملك إحدى وأربعين شاة, فعجل منها شاتين .. فالأصح: المنع.

وَلَهُ تَعجِيلُ الفِطرَةِ مِن أَوَّلِ رَمَضَانَ, وَالصَحِيحُ: مَنعُهُ قَبلَهُ, وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخرَاجُ زَكَاةِ الثَّمَرِ قَبلَ بُدُوِّ صَلاَحِهِ, ولاَ الحَّبِّ قَبلَ اشتِدَادِهِ, وَيجَوزُ بَعدَهُمَا.

 قال: (وله تعجيل الفطرة من أول رمضان) خلافًا لمالك؛ فإنه منع التعجيل إلا بيوم أو يومين؛ لما روى هو [1/ 285] والشافعي أأم 2/ 69] وابن حين [3299] عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يخرجها قبل الفطر بيومين, وألحق الجمهور جميع الشهر بذلك قياسًا, ولأنها وجبت بسببين: الصوم والفطر وقد وجد أحدهما, فجاز تقديمه على الآخر كزكاة المال.
وفي وجه: لا يجوز في الليلة الأولى من الشهر, ويجوز بعد طلوع فجرها إلى آخر الشهر؛ لأنه قبل الفجر لم يشرع في الصوم.
قال: (والصحيح: منعه قبله)؛ أنه تقديم على السببين.
والثاني: يجوز في جميع السنة؛ لأن وجود المخرج عنه نفسه سبب.
وأجاب القاضي أبو الطيب بأن ما له ثلاثة أسباب لا يجوز تقديمه على سببين منها, ككفارة الظهار والعود, ومع ذلك لا يقدم على الآخرين.
قال: (وأنه لا يجوز إخراج زكاة الثمر قبل بدو صلاحه, ولا الحب قبل اشتداده)؛ لأنه لا سبب للوجوب إلا ذلك, وما وجب بسبب واحد يمتنع تقديمه عليه, ولأنه قبل ذلك لا يعرف مقداره تحقيقًا ولا تخمينًا فصار كتقديم الزكاة على النصاب.
والثاني: يجوز كزكاة المزاشي والنقود بعد الحول.
قال: (ويجوز بعدهما) أي: بعد بدو الصلاح واشتداد الحب؛ لثبوت الوجوب وإن لم يلزم الإخراج.
والثاني: لا يجوز بل لا بد من جفاف الثمر وتصفية الحبوب, فلو كان الرطب لا يجيء منه تمر والعنب لا يجيء منه زبيب .. فلا يأتي خلاف كما لو أخرج بعد جفاف الثمرة ولا يسمى ذلك تعجيلًا.

وَشَرطُ إِجزَاءِ المُعَجَّلِ: بَقَاءُ المَالِكِ أَهلًا لِلوُجُوبِ إلَى آخِرِ الحَولِ, وَكَونُ القَابِضِ فِي آخِرِ الحَولِ مُستَحَقًا, وَقِيلَ: إن خَرَجَ عَنِ الِاستِحقَاقِ فِي أَثنَاءِ الحَولِ .. لَم يُجِزئهُ, وَلاَ يَضُرُّ غِنَاهُ بِالزَّكَاةِ, ......

 قال: (وشرط إجزاء المعجل: بقاء المالك أهلًا للوجوب إلى آخر الحول)؛ لأنه لو لم يبق كذلك .. لا يبقى شرط الوجوب.
ويشترط أيضًا: بقاء المال, فلو أتلفه المالك أو تلف أو نقص .. خرج المعجل عم كونه زكاة, وقد يبقى المال وأهلية المالك, وتتغير صفة الواجب, كما لو عجل بنت مخاض عن خمس وعشرين من الإبل فبلغت بالتوالد ستًا وثلاثين قبل الحول .. فإن بنت مخاض المعجلة لا تجزئه وإن صارتبنت لبون في يد القابض, بل يستردها ثم يخرجها ثانيًا أو يخرج بنت لبون أخرى.
قال: (وقيل: إن خرج عن الاستحقاق في أثناء الحول .. لم يجزئه) كما لو لم يكن عند الأخذ أهلًا ثم صار عند تمام الحول من أهله.
والأصح: الإجزاء؛ اكتفاء بالأهلية في طرفي الأداء والوجوب.
فرع: غاب الآخذ عند الحول ولم تعلم حياته أو احتياجه .. أفتى الشيخ بالإجزاء وفقًا للحناطي وصاحب (البحر).
قال: (ولا يضر غناء بالزكاة)؛ لأن المقصود من صرف الزكاة إليه غناه بها, لكن يرد عليه ما ذكره الفارقي في (فوائد المهذب (: أنه لو استغنى بزكاة أخرى واجبة أو معجلة .. فإنه يكون كما لو استغنى بغير الزكاة, واستشكله الشيخ بماإذا كانتا معجلتين واتفق حولهما؛ إذ ليس استرجاع إحداهما بأولى من الأخرى.

وَإذَا لَم يَقَع المُعَجَّلُ زَكَاةً .. استَرَدَّ إن كَانَ شَرطَ الاستِردَادَ إن عَرَضَ مَانِعٌ.
وَالأصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: هذِهِ زَكَّاتِي المُعَجَّلَةُ فَقَط .. استَرَدَّ, وَأنَّهُ إن لَم يَتَعَرَّض لِلتَعجِيلِ ولَم يَعلُمُهُ القَابِض ُ .. لَم يَستَرِدَّ, ......

 ثم قال: والثانية أولى بالاسترجاع, وكلام الفارقي يشعر بأن الأولى هي التي تسترجع.
ولو كانت الثانية واجبة .. فلأولى هي المسترجعة وعكسه بالعكس.
قال: (وإذا لم يقع المعجل زكاة .. استرد إن كان شرط الاسترداد إن عرض مانع)؛ لأنه مال دفعه إلى مستحق قبضه في المستقبل, فإذا عرض مانع .. استرد كما لو دفع الأجرة معجلًا ثم انهدمت الدار قبل انقضاء المدة.
قال: (والأصح: أنه إذا قال: هذه زكات المعجلة فقط .. استرد)؛ لأنه عين الجهة فإذا بطلت .. رجع كما فلنا في تعجيل الأجرو.
والثاني: لا يسترد؛ لأن العادة الجارية بأن المدفوع إلى فقير لا يسترد.
والوجهان جاريان فيما لم يصرح بالتعجيل ولكن علم به القابض.
هذا في العلم المقارن للقبض, فإن وجد بعده .. قال الشيخ: لم أر فيه تصريحًا, قال: والأقرب الأول.
هذا إذا علم مع بفاء المقبوض, فإن كان بعد تلفه أو إتلافه .. فلا.
وأشار المصنف بقوله: (هذه زكاتي) إلى أن محل الوجهين: إذا دفعها المالك, فإن دفعها الإمام .. لم يحتج إلى اشتراط الاسترداد؛ فكأنه ملكه بالجهة المعينة إن وجد شرطها, وإلا .. فهو صدقة تطوع.
قال: (وأنه إن لم يتعرض للتعجيل ولم يعلمه القابض .. لم يسترد)؛ لتفريطه بترك الإعلام عند الأخذ.
والثاني: يسترد؛ لأنه لم يقع الموقع.
والثالث –وهو المنصوص, وصححه في (الكفاية) , واقتضى كلام الرافعي أن الأكثرين عليه-: إن كان المعطي الإمام .. رجع, وإن كان المالك .. فلا؛ لأن

وَأنَهُمَا لَوِ اختَلَفَا في مُثبِتِ الاستِردَادِ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
وَمَتَى ثَبَتَ والمُعَجَّلُ تَالِفٌ .. وَجَبَ ضَمَانُهُ, والأَصَحُّ: اعتِبَارُ قِيمَتَهِ يَومَ القَبضِ,  الإمام يعطي مال الغير فلا يمكن وقوعه تطوعًا, ولا تهمة أيضًا في استرداده, بخلاف المالك.
قال: (وأنهما لو اختلفا في مثبت الاسترداد) كما لو اختلف في ذكر التعجيل, أو في التصريح بالرجوع إن شرطناه.
قال: (.. صدق القابض بيمينه) وكذلك وارثه؛ لأن الأصل عدم اشتراطه, والغالب كون الأداء في الوقت.
والثاني: المصدق الدافع سواء كان هو المالك أو الساعي؛ لأنه أعرف بقصده, ولهذا لو أعطى ثوبًا لغيره وتنازعا في أنه عارية أو هبة .. صدق الدافع.
ووقع في (شرح المهذب) تصحيح هذا الوجه وكأنه سبق قلم.
وقد سبق: أن علم القابض بالتعجيل يثبت الاسترداد, فإذا تنازعا فيه .. صدق القابض بلا خلاف؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته, وإذا حلف القابض .. بحلف على البت.
قال: (ومتى ثبت) أي: الاسترداد (والمعجل تالف .. وجب ضمانه)؛ لأنه قبضه لغرض نفسه, فيضمنه بالمثل إن كان مثليًا, وإن كان تقومًا .. فبالقيمة على الأصح.
وقيل: يضمن الحيوان بالمثل الصوري؛ لأن المقصود بتعجيل الزكاة: الرفق المواساة, فجرى مجرى فرض الحيوان.
قال: (والأصح: اعتبار قيمته يوم القبض)؛ لأن الزيادة حصلت في ملك القابض, فلا يضمنها كما لو تلف الصداق في يد المرأة ثم ارتدت قبل الدخول أو طلقها .. فإن الزوج يرجع بقمة يوم القبض.
والثاني: قيمة يوم التلف؛ لأنه وقت انتقال الحق إلى القيمة كالعارية.
والثالث: أقصى القيم؛ لأنه بان أن اليد يد ضمان.

وَأنَّهُ لَو وَجَدَهُ نَاقِصًا .. فلاَ أَرشَ, وَأَنَّهُ لاَ يَستَرِدُّ زِيَادَةً مُنفَصِلَةً.
وَتَأخِيرُ الزَّكَاةِ بَعدَ التَّمَكُّنِ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
وَإن تَلِفَ المَالُ  وعن البندنيجي: اعتبار قيمة يوم الرجوع, وغلطه المصنف.
وإذا لم يقع المعجل زكاة .. وجب إخراجها ثانيًا, لكن يستثنى ما لو عجل شا عن أرعين فتلفت عن\ الفقير .. فلا يجب التجديد على المذهب؛ لأن الواجب على القابض القيمة ولا يكمل بها نصاب السائمة.
قال: (وأنه لو وجده ناقصًا .. فلا أرش)؛ لأنه حدث في ملكه, فلا يضمنه كالأب إذا رجع في الموهوب ناقصًا.
والثاني: له الأرش؛ لأن جملته مضمونة فكذلك جزؤه, ولي كالهبة؛ لأن جملتها غير مضمونة فجزؤها أولى.
واحترز بقوله: (وجده) عما إذا عجل شاتين فلم يجد إلا واحدة؛ فإنه يرجع بقيمة الأخرى بلا خلاف.
قال: (وأنه لا يسترد زيادة منفصلة) كما لا يرجع فيها الأب إذا رجع في هبته.
والثاني: يأخذها مع الأصل؛ لأنا تبينا بما طرأ آخر أنه لم يملك المقبوض.
واحترز ب (المنفصلة) عن المتصلة كالسمن ونحوه؛ فإنها تتبع الأصل.
قال: (وتأخير الزكاة بعد التمكن يوجب الضمان وإن تلف المال) سواء طولب به أم لا؛ لأنه قصر بحبسه الحق عن مستحقه فيلزمه أن يؤدي ما كان يؤديه قبل التلف.
هذا هو المراد ب (الضمان) لا أنه يضمنه ضمان المتلفات, فإذا كان عنده خمس من الإبل فأتلفها .. لزمه شاة ويؤخذ منه الحكم في إتلاف من باب أولى.
وهذه المسألة وما بعدها لا تعلق لها بفصل تعجيل الزكاة, فكان ينبغي إفرادها بفصل كما في (المحرر) , وحكمها مبنى على أن التمكن شرط في الوجوب أو في الضمان, وقد تقدم: أن الأصح: الثاني, وتظهر فائدتها في نقص النصاب بعد الحول وقبل التمكن كما سيأتي.

فَإن تَلِفَ قَبلَ التَّمَكُّنِ .. فَلاَ , وَلَو تَلِفَ بَعضُهُ .. فَالأظهَرُ: أَنَّهُ يَغرَمُ قِسطَ مَا بَقِيَ.
وإن أتلَفَهُ بَعدَ الحَّولِ وقَبلَ التَّمَكُّنِ .. لَم تَسقُطِ الزَّكَاةُ.
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ باِلماَل ِتعَلُّقَ الشَّركَةِ  قال: (فإن تلف قبل التمكن .. فلا) كما لو ملك زادًا وراحلة ولم يتمكن من فعل الحج ثم مات.
وقال أحمد: يضمن.
قال: (ولو تلف بعضه .. فالأظهر: أنه يغرم قسك ما بقي) فيه مسألتان: إحداهما: إذا كان المال نصايًا بغير زيادة - كخمس من الإبل تلف منها واحد قبل التمكن وبعد الحول - سقط ما يقابل التالف ويغرم الباقي, فيغرم في المثال المذكور أربعة أخماس شاة على قولنا: إن التمكن شرط في الضمان دون الوجوب, وإن قلنا: شرط في الوجوب .. لم يجب شيء كما لو نقص النصاب قبل الحول.
الثانية: إذا كان أكثر النصاب كتسع من الإبل, فإن قلنا: الوقص عفو وهو الأظهر .. وجب شاة, وإن علقنا الفرض بالجميع .. فالأصح: تجب خمسة أتساعها.
ولو عبر المصنف ب (اللزوم) ونحوه تحاشيًا من لفظ (الغرم) .. كان أحسن.
قال: (وإن أتلفه بعد الحول وقبل التمكن .. لم تسقط الزكاة)؛ لأنه معتد.
وفي) شرح الجيلي) وجه: أنها تسقط.
كل هذا في زكاة المال, ويدل له تقسيمه التلف إلى ما بعد الحول وقبله, أما زكاة الفطر .. فتستقر في الذمة بإتلاف الن=مال قبل التمكن وبعده, وكذا بتلفه بعد التمكن, وفيما قبله وجهان, أصحهما في (شرح المهذب): أنها لا تستقر' وجزم في (الكفاية) بأنها تستقر أيضًا.
قال: (وهي تتعلق بالمال تعلق الشركة)؛ لقوله تعالى: ﴿وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ , ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكر رضي الله عنه المتقدم: (في خمس من الإبل شاة, وفي خمس وعشرين كذا, وفي ست وثلاثين كذا ..) ,

وفِي قَولٍ: تَعَلُّقِ الرَّهنِ, وَفِي قَولٍ: بِالذِّمَّةِ -  وإليه يشير قوله صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مال من صدقة)؛ لأن ماله استقر بعد الحول على ما عدا الواجب, فلم ينقص ماله بذلك كالمال المشترك إذا أخذ شريكه حصته منه.
وإنما جاز الإخراج من غيره؛ لأن الزكاة مبنية على المساهلة فاحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها من الأموال المشتركة.
قال: (وفي قول: تعلق الرهن) فيكون الواجب في ذمة المالك والنصاب مرهون به, لكن هل المرهون كله أو قدر الزكاة فقط فيه؟ وجهان: أصحهما: الثاني.
قال: (وفي قول: بالذمة) ولا تعلق لها بالعين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (أعلمهم: أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم) وكلمة (على) للإلزام في الذمة, وبالقياس على زكاة الفطر, ولأنها لو وجبت في العين .. لامتنع الإخراج من غيرها بغير رضا من هي له كأحد الشريكين.
وهذا أضعف الأقوال.
وفي المسألة قول رابع: إنها تتعلق بالمال تعلق أرش الجناية برقبة العبد الجاني؛ لأنها تسقط بهلاك النصاب كما يسقط الأرش بموت العبد وصححه الغزالي.
وخامس: إنه موقوف, فإن أدى من عين المال .. تبينا أن أهل السهمان استحقوا عند الوجوب جزءًا من المال, وإن أدى من غيره .. تبينا أنهم لم يستحقوا من عينه شيئًا.
ويتفرع على الخلاف: لو ملك نصابًا فقط ولم يزكه أحوالًا, فعلى قول الذمة .. يزكه لجميعها, وعلى قول الشركة .. للحول الأول فقط؛ لأن الأصناف ملكوا قدر الزكاة فنقص النصاب, وعلى قول الأرش والرهن .. هو كقول الذمة في الأصح, وقيل: كقول الشركة.

فَلَو بَاعَهُ قَبلَ إِخرَاجِهَا .. فَالأظهَرُ: بُطلانُهُ فِي قَدرِهَا وصِحَّتُهُ فِي البَاقِي.

 قال: (فلو باعه) أي: باع جميع النصاب الزكوي بعد وجوب الزكاة و (قبل إخراجها .. فالأظهر: بطلانه في قدرها)؛ لأنه باع ملكه وملك غيره.
والثاني: يصح في الجميع بناء على التعلق بالذمة.
والثالث: يبطل في الجميع؛ للجمع بين ما يملكه وما لا يملكه فغلب جانب البطلان.
قال: (وصحته في الباقي)؛ لأنه ملكه.
وهذا هو الخلاف في تفريق الصفقة.
فرع: رهن نصاب الزكاة بعد وجوبها جائز على الأصح, وكذا قبل وجوبها, فإذا أخذت الزكاة من المرهون, ثم أيسر الراهن .. فقيل: يؤخذ منه قدرها؛ ليكون رهنًا.
والأصح: لا؛ لتعلقها بالمال بغير اختياره.
تتمة: جميع ما سبق محله: إذا باع الجميع, وإليه أشار بقوله: (فو باعه).
فأما إذا باع البعض, فإن لم يبق قدر الزكاة .. فهو كما لو باع الجميع , وإن أبقى قدرها .. فلأصح: البطلان بناء على الأصح: أنها تعلق شركة.
كل هذا في الزكوات العينية, أما زكاة التجارة بعد وجوب زكاتها .. فالبيع فيها جائو على الأصح؛ لأنها متعلقة بالقيمة وهي لا تفوت بالبيع.

خاتمة إذا علم المشتري أن الزكاة وجبت على البائع ولم يخرجها .. ثبت له الخيار بسبب أن ملكه في بعض ما اشتراه لم يكمل؛ لأن للساعي انتزاعه من يده بغير اختياره, فلو أدى الزكاة من موضع آخر .. سقط خياره؛ لأن الخلل قد زال.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل