النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 495-534
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَحَرَكَة السَنّ إِن قَلَت .... فَكَصَحِيحَة، وَإِنَّ بَطَّلتَ المَنْفَعَة .... فَحُكُومَة، وَإِنَّ نَقَّصَت ... فَالأَصَحّ: كَصَحِيحَة.
ولوقلع سَنّ صَبِّي لِمَ يثغر فَلَم تُعِد وَبانَ فَسادَ المَنْبَت .... وَجَّبَ الأَرْش،  قال: (وحركة السن إن قلت .... فكصحيحة، وإن بطلت المنفعة .... فحكومة).
هذا ب ان لقيد الثالث؛ فإن كانت حركتها يسيرة لا تنقص المنافع .... لم يؤثر ذلك في قصاص ولا دية؛ لبقاء الجمال والمنفعة، وإن بطلت منفعتها ... ففيها الحكومة؛ للشين الحاصل بزوال المنفعة.
والظاهر: أن مرادهم منفعة المضغ لا كل منفعة؛ فإن من المنافع ما هو باق، وهو: الجمال، وحبس اللسان والطعام.
قال: (وإن نقصت ... فالأصح: كصحيحة)، فيجب الأرش؛ لوجود أصل المنفعة من المضغ، وحفظ الطعام، ورد الريق، ولا أثر لضعفها كضعف البطش.
والثاني: تجب الحكومة كما في اليد الشلاء.
وتعبيره ب (الأصح) الصواب: إبداله بالأظهر؛ فإن المسألة ذات قولين شهيرين في (الأم).
قال الإمام: ومحلها: إذا غلب على الظن سقوط الأسنان، فإن غلب على الظن ثباتها ... كمل أرشها قطعا.
وإذا اصفرت السن أو اخضرت بجناية ... وجبت الحكومة.
وحكومة الأخضرار أقل من الاسوداد، وحكومة الاصرار اقل من الأخضرار.
قال: (ولو قلع سن صبي لم يثغر فلم تعد وبان فساد المنبت ... وجب الأرش) هذا بيان للقيد الرابع؛ فإذا قلع سن صبي لم يثغر .... فقد سبق في الجنايات: أنه لا يستوفي في الحال قصاص ولادية وتجب الحكومة إن بقي شين، وإن مضت المدة التي يتوقع فيها عودها؛ فإن عادت .... فلا قصاص ولا دية وتجب الحكومة إن بقي شين، وإن مضت المدة التي يتوقع فيها عودها فلم تعد وفسد المنبت .... استوفي القصاص أو الدية؛ إقامة لحدود الله تعالى.

وَالأَظْهُر: أَنَّهُ إِن ماتَ قَبِلَ البَيان ... فَلًّا شيء، وَأَنَّهُ لُو قِلْع سَنّ مثغو فَعادَت .... لا يُسْقِط الأَرْش، وَلُو قَلَعتُ الأَسَنّانِ فَبِحِسابهُ،  وقوله: (لم يثغر هو بمثناة تحت مضمومة ثم مثلثة ساكنة ثم غين معجمة مفتوحة، معناه: لم تسقط أسنانه التي هي رواضعه.
قال: (والأظهر: أنه إن مات قبل البيان ... فلاشيء)؛ لأن الأصل برءة الذمة، والظاهر: أنه لو عاش لعادت.
والثاني: يجب الأرش؛ لأن الجناية قد تحققت، والأصل: عدم العود.
والخلاف وجهان، وقيل: قولان، فكان ينبغي أن يعبر بالأصح، عكس التي قبلها.
وظاهر قوله: (لم يجبشيء): نفي الأرش والحكومة، وليس كذلك، بل الخلاف في الأرش وحده، وإذا قلنا: لا يجب ... وجبت الحكومة كما جزم به في (الشرح) (الروضة) ونص عليه في (الأم).
وحكي في (المطلب) وجهًا: أن الحكومة لا تجب، فاجتمع ثلاثة وجه قال: (وأنه لو قلع سن مثغور فعادت ..... لا يسقط الأرش)؛ لأن العود نعمة جديدة كالموضحة إذا التحمت.
والثاني: يسقط؛ لأن العائد قام مقام الأول فكأنه لم يفت.
قال: (ولو قلعت الأسنان ... فبحسابه)؛ فيجب في كل سن خمس من الإبل؛ للحديث المتقدم.
وهي في غالب الفطرة: اثنان وثلاثون، منها أربع ثنايا، وهي: التي في مقدم الفم ثنتان من أعلي وثنتان نت أسفل، وتليها أربع من أعلى وأسفل يقال لها: الرباعيات بفتح الراء وتخفيف الباء، ثم أربع ضواحك، ثم أربعة أنياب، وأربعة نواجذ بالذال المعجمة، واثنا عشر ضرسا ً، ويقال لها: الطواحين، كذا قاله

وَفِي قَوْل: لا يُزَيِّد عَلِيّ دِيَة إِن أَتَحَدّ جان وَجِنايَة  الشيخان تبعا لصاحب (البحر)، وهو يقتضي: أن النواجز في أثناء الأضراس، وليس كذلك، بل هى آخرها، وهي من جملة الأضراس.
قال الجوهري: ويسمى الناجذ ضرس الحلم، أي: العقل؛ لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل.
وأما الحديث: (أنه صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه) .... فالمراد: الضواحك، وهي الأسنان؛ لأن ضحكه صلى الله عليه وسلم كان تبسمًا.
فإذا قلع عددًا من الأسنان .... وجب ما يقتضيه الحساب ما لم يجاوز عشرين، فإن جاوز عشرين ... فقولان: أصحهما: أنه يجب لكل واحدة خمس، حتى إذا كانت اثنين وثلاثين .... وجب فيها مئة وستون من الأبل، وعن أبي حفص ابن الوكيل وغيره القطع بهذا.
ويروى عن عمر: أنه كان يقول: (في الضرس بعيران ونصف، وفي السن خمسة)، فلما وقعت أضراس معاوية قال: (أنا أعلم بالأضراس من عمر) فجعلها سواء، وإنما قال ذلك؛ لأنه بان له حين فقدا منفعتها.
قال: (وفي قول: لا يزيد علة دية إن اتحد جام وجناية) كما إذا سقاه شيئًا فسقطت، أو أزال الجميع بضربة أو نحوها؛ لأن الأسنان جنس متعدد فأشبهت الأصابع ونحوها وسائر الأعضاء.
فأما إذا تعدد الجاني؛ كما إذا قلع واحد عشرين سنًا وقلع آخر ما بقي ... فعلى كل واحد أرش ما قلعه.
ولو اتحد الجاني وتعددت الجناية ... نظر؛ إن تخلل الاندمال بأن قلع سنًا وتركه حتى شفي ثم قلع أخرى .... وهكذا إلى استيعاب الأسانا ... فعليه أرش كامل لكل سن، وإن لم يتخلل الاندمال ... فلى القولين، وقيل: يتعدد قطعًا.
وإذا زادت الأسنان على اثنين وثلاثين ..... فهل يجب لكل سن خمس أو لا تجب في الزائد على ذلك إلا الحكومة كالإصبع الزائدة؟ فيه في (الشرح) و (الروضة) وجهان من غير ترجيح، وصحح في (الجواهر) الأول.

وَكُلِّ لَحْيٍ نِصْفُ دِيَة، وَلا يَدْخُل أَرِش الأَسَنّانِ في دِيَة اللِحْيَتَيْنِ في الأَصَحّ  فائدتان: الأولى: جزم في (الجواهر) تبعًا لابن سيده بأن من لا لحية له والكوسج لا تكمل أسنانه العدة المتقدمة.
الثانية: عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس الأمير مات بأسنانه التي ولد بها ولم يثغر، وكانت قطعة واحدة من الأعلى وقطعة من الأسفل، وعاش نحوًا من ثمانين سنة، وروى عن أبيه حديث: (أكرموا الشهود).
قال في (الميزان) [2/ 620]: وليس هو بحجة، ولل الحافظ إنما سكتوا عنه مداراة للدولة.
فإذا جُني على مثل عبد الصمد ... هل يجب على الجاني دية كامل الأسان، وهي مئة وستون بعيرا أو مئة وخمسون حملًا على الناقص، أو لا يزاد فيه على دية على القول الأخر؛ لأن منفعتها واحدة وقد أزيلت؟ فيه نظر، والأقرب: الأخير.
قال: (وكل لحي نصف دية)؛ لما فيهما من كمال المنفعة والجمال.
و (اللحيان) بفتح اللم: العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلي، وملتقاهما الذقن، وعليهما تنبت اللحية، وآخرهما من الأعلى يحاذي الأذنين.
واستشكل المتولى إيجاب الدية فيهما؛ لأنه لم يرد فيه خبر، والقياس لا يقتضيه؛ لأنهما من العظام الداخلة، فيشبهان الترقوة والضلع وعظم الساعد والساق والفخذ، ولا دية في شيءمن ذلك.
وصورة مسألة الكتاب: ألا يكون عليهما أسنان كالطفل، ومن سقطت أسنانه بهرم ونحوه.
قال:) ولا يدخل أرش الأسنان في دية اللحيين في الأصح)؛ يعني: إذا كان ععلى اللحيين أسنان كما هو الغالب .... فإن أروشها لا تدخل في دية اللحيين؛ لأن كل واحد منهما مستقل وله بدل مقدر، فلا يدخل أحدهما في الآخر، والمبلغ إذا كانت الأسنان ست عشرة على الغالب مئة وثمانون من الإبل.

وَفِي كُلّ يَد نَصُفّ دُبَّة إِن قَطَّعَ مَن الكَفّ، فَإِنَّ قَطَّعَ فَوْقَهُ ... فَحُكُومَة أُخْرى  والثاني: أنه لا تجب إلا دية اللحيين وتدخل فيهما أرش الأسنان إتباعا للأقل الأكثر، كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع.
والفرق على الأصح: أن اسم اليد يصدق على الكف والأصابع، بخلاف اللحيين؛ فإن خلفتهما تتكامل بدون أسنان.
وأما الأسنان العليا .. فمنبتها عظم الرأس، فلو قطع معها من العظم شيئًا ... فعليه الحكومة مع الأرش.
قال: (وفي كل يد نصف دية إن قطع من الكف) بالنص والإجماع، ففي كتاب عمرو بن حزم: (في اليد الواحدة نصف الدية).
وفي (سنن أبي داوود) [4553] وغيره عن عمرو بن شعيب: (وفي اليد إذا قطعت نصف العقل).
وإذا وجب في الواحدة النصف ... كملت فيهما الدية.
والمراد ب (اليد): الكف مع الأصابع الخمس؛ لأنها المعبر عنها باليد شرعًا.
وعن أبي عبيد ابن حربوية: أن نهاية اليد التي تجب فيها الدية الإبط والمنكب، ويجب فيمت دون ذلك قسطه من الدية.
واحتج الأصحاب بأن الله تعالى أمر بقطع يد السارق، وقطعها النبي صلى الله عليه وسلم من الكوع، وبان الأصابع لو انفردت بالقطع ... لو وجبت الدية الكاملة فلأن تجنب إذا قطع معها غيرها أولى.
قال (فإن قطع فوقه ... فحكومة أخري)؛ لأنه ليس بتابع، بخلاف الكف مع الأصابع.
ومحل ما ذكره المصنف: إذا كانت الجناية واحدة، فإن قطع واحد الأصابع وآخر الكف، أو قطع الأصابع ثم الكف .... فعلى ما سبق في الأسنان.
فإن قيل: هل لنا صورة يجب فيها في قطع يد الرجل الحر ثلث الدية.

وَفِي كُلّ إِصْبَع عِشْرَة أَبْعِرَة،  فالجواب: أن ذلك في (باب الصيال).
وصورته: أن يقطع الدافع يد الصائل اليمني، ثم يتبعه فيقطع يساره عدوانًا، ثم يعود الصائل بعد قطع يديه، فيدفعه المصول عليه بقطع إحدى رجليه، ثم يموت، فيلزمه ثلث الدية ليده اليسرى.
وقد يجب في قطع اليدين بعض الدية.
وصورته: إذا سلخ جلد رجل، فبادر آخر والحياة مستقرة فيه فقطع يديه ... فإن السالخ تلزمه دية كاملة، وقاطع اليدين يسقط عنه من الدية ما يخص الجلد الذي كان عليهما، ويجب عليه الباقي، مع أنه لو قتله في هذه الحالة .... لأوجبنا عليه القود، كذا نقله الرافعي عن الشيخ أبي علي من غير مخالفة، وسيأتي ذكره في السلخ حيث ذكره الرافعي.
قال: (وفي كل إصبع عشرة أبعرة) يستوي في ذلك جميع الأصابع.
ففي كتاب عمرو بن حزم: (في كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل.
وروى أحمد [2/ 179] وأبو داوود [4544] والنسائي [8/ 56]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأصابع سواء عشرعشر من الأبل).
وفي (البخاري) [6896] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هذه وهذه سواء)؛ يعني: الخنصر والإبهام.
وفي (سنن البيهقي) [8/ 93]: أن عمر كان يرى في الإبهام ثلاثة عشر، وفي التي تليها اثنتي عشرة، وفي الوسطي عشرة، وفي البنصر تسعًا، وفي الخنصر ستة، ثم رجع عن ذلك.
قال: وكتب مروان إلى ابن عباس / أتفتي في الأصابع بعشر عشر وقد بلغك عن عمر ما قال؟! فقال ابن عباس: (رحم الله عمر! قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع من قول عمر).
ولا يخفي أن هذا والذي بعده في الرجل الكامل.

وَأَنْمَلهُ ثُلُثُ العَشَرَة، وَأَنْمَلهُ إِبْهام نُصَفّها، وَالرِجْلانِ كَاليَدَيْنِ.
وَفِيَّ حَلَمَتَيْها دِيتها،  قال: (وأنملة العشرة، وأنملة إبهام نصفها)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسط دية اليد على أصابعها ... وجب تقسيط دية الإصبع على أناملها، حتي ل كان لرجل في إبهامه ثلاثة أنامل ... ففي كل منها ثلاثة أبعرة وثلث، ولو كان له في غيرها أربعى ... ففي كل بعيران وصنف أوأنلتان ففي كل منهما خمس وهكذا، بخلاف ما لو كانت إصبع زائدة حيث لا تسقط دية اليد عليها؛ لأن الأنامل لما اختلفت في أصل الخلقة الغالبة بالزيادة والنقصان .... كانت كذلك في الخلقة النادرة، بخلاف الإصبع.
فلو كان على معصمه كفان أة على عضده ذراعان وكفان أو على منكبه عضدان وذراعان وكفان مع الأصابع، فإن لم يبطش بواحدة منهما .... فليس فيهما قصاص ولادية، وإنما الواجب فيهما الحكومة كاليد الشلاء.
وإن كان فيهما بطش، فإن كانت إحداهما أصلية والأخري زائدة ... ففي الأصلية القصاص، وفي الزائدة الحكومة.
قال الجوهري: الإبهام الإصبع العظمى، وهي مؤنثة، والجمع: أباهيم.
قال: (والرجلان كاليدين) شمل ثلاثة أمور: أحدها: أن في الرجلين دية، وفي الرجل الواحدة نصفها، وهو إجماع، ولا فرق بين العرجاء والسليمة؛ لأن العيب ليس في نفس العضو، وإنما العرج نقص في الفخذ.
الثاني: أن في كل إصبع منها عشرة؛ لحديث ابن عباس: (أصابع اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل لكل إصبع).
الثالث: أن أناملها كأنامل اليد، وهو كذلك، والقدم كالكف، والساق كالساعد، والفخذ كالعضد.
قال: (وفي حلمتيها ديتها)؛ لما فيهما من الجمال والمنفعة؛ لأن الثدي لا تستوفي منفعته إلا بهما، وفي إحداهما نصفها.

وَحَلَمَتيه حُكُومَة، وَفِيَّ نَزْل: دِيَة، وَفِيَّ الأُنْثَيَيْنِ دِيَة، وَكَذا ذِكْر  و (الحلمة): المجتمع الناتئ من رأس الثدي يلتقمه المرتضع من المرأة، ولونها مخالف لون الثدي غالبًا، وحواليها دائرة على لونها وهي من الثدي لا من الحلمة، وسواء كانتا من صغيرة أو كبيرة، نزل فيهما اللبن أم لا.
فلو قطع الثدي مع الحلمة .... لم تجب إلا الدية، وتدخل فيها حكومة الثدي.
فإن قطع مع الثدي جلدة الصدر ... وجبت حكومة الجلدة مع الثدي قطعًا فإن وصلت الجراحة إلة الباطن ... وجب مع دية الجلدة أرش الجائفة.
فلو جني على الثديين فأيبسهما ... فدية، أو قطع لبنهما .... وجبت حكومة.
ولو جني عليهما وهما ناهدتان فاسترسلتا ... فعليه حكومة؛ لأن الفائت مجرد الجمال.
ط قال: (وحلمتيه حكومة)؛ لأنه إتلاف جمال فقط.
قال: (وفي قول: دية) أي: دية رجل؛ تسوية بين الرجل والمرأة، كاليد والرجل.
ومقتضي كلام المصنف: إلحاق الخنثي بالمرأة، كما ألحقه بها في أصل الدية.
وقال الأصحاب: الواجب في ثدييه أقل الأمرين: من دية المرأة أو الحكومة؛ لأنه المحقق.
قال: (وفي الأنثيين دية) ولو من عنين أو محبوب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن حزم: (وفي الأنثيين الدية).
ويروي: (وفي البيضتين الدية) رواه النسائي [8/ 57]. ولأن فيهما منفعة التناسل؛ لانعقاد المبين إذا نزل فيهما، وهما من تمام الخلقة.
وفي إحداهما نصف الدية كاليد، فلو قطعها فذخب منيه ... لزمه ديتان.
قال: (وكذا ذكر)؛ ففي كتاب عمرو بن حزم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي الذكر الدية)، ولأن فيه منفعة التناسل، وهو من أعظم المنافع، فأشبه الأنف.

وَلَو لَصَغِير وَشَيْخ وَعَنَّينَ.
وَحَشَفَة كَذِكْر، وَبَعْضها بِقَسَطهُ مِنها، وَقَيْل: مَن كُلّ الذِكْر، وَكَذا حَكَم بِعَضّ مارن وَحَلَمَة، وَفِي الأليين الدِيَة،  وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في الذكر الدية.
وعن قتادة أنه قال: في ذكر الذي لا يأتي النساء ثلث ما في ذكر الذي يأتيهن.
وذكر الخصي عند الجمهور كذكر الفحل.
وقال مالك والثوري وأحمد وأصحاب الرأي: فيه حكومة.
قال قتادة وإسحاق: فيه ثلث الدية.
وفي قطع الذكر الأشل حكومة.
ولو ضرب ذكرا فشل .... فعليه كمال الدية، ولو قطع معه شيئًا من العانة ... وجبت الحكومة أيضًا.
و (الذكر) جمعه: مذاكير، على غير قياس، كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو الفحل وبين العضو في الجمع.
قال: وحشفة كذكر) فيجب فيها وحدها الدية؛ لأن ما عداها من الذكر تابع لها، كالكف مع الأصابع، بل هي أعظم منافعه؛ إذ تتعلق بها لذة المباشرة وأحكام الوطء تدور على تغيببها.
قال: (وبعضها بقسطه منها)؛ لأن الدية تكمل بقطعها فقسطت على أبعاضها.
قال: (وقيل: من كل الذكر)؛ لأنه الأصل المقصود بكمال الدية, قال المتولي والبندنيجي: هذا إذا لم يختل مجرى البول، فإن اختل ... فالأكثر من قسط الدية وحكومةفساد المجري.
قال: وكذا حكم بعض مارن وحلمة)، فيجب القسط من الدية موزعة على المارن وحده أو الحلمة وحدها على الصحيح.
قال: (وفي الأليين الدية)؛ لما فيهما من الجمال والمنفعة في الركوب والقعود، وسواء في ذلك الرجل والمرأة، فيجب فيهما إذا استوعبا القصاص، خلافًا للمزني وبعض أصحابنا.

وَكَذا شَفْراها، وَكَذا سَلْخ جَلْد إِن بَقَّيْ حَياة مُسْتَقِرَّة وَحَزَّ غَيْر السالخ رَقَبتَهُ  قال: (وكذا شفراها)؛ لما فيهما من الجمال والمنفعة، وبهما يقع الالتذاذ بالجماع، وهما: اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتيم بالفم.
ولا فرق بين السمينة والهزيلة، والبكر والثيب، والرقاء والقرناء؛ فإن النقصان والخلل في غيرهما، وسواء المختونة وغيرهما.
ولو صرب شفريها فشلا ... وجب كمال الدية.
ولو قطع مع الشفرين (الرَكَّب) بفتح الراء والكاف، وهو عانة المرأة ... وجب حكومة مع الدية.
ولو قطع شفري بكر وأزال بالجناية بكاراها ... وجب مع دية الشفرتين أرش البكارة.
ولو قطع شفريها فجرح موضعًا آخر بقطع لحم أو غيره ... لزم للثاني حكومة.
قال: (وكذا سلخ إن بقي حياة مستقرة وحز غير السالخ رقبته)؛ لأن سلخ الجلد كالجنس الواحد من الأعضاء من حيث إنه معد لغرض واحد؛ فتجنب في سلخه الدية.
قال الأئمة: وسلخ جمعيه قاتل، لكن قد تعرض حياة مستقرة بعه فتظهر فائدة الدية.
قال الأئمة: وسلخ جمعية قاتل، لكن قد تعرض حياة مستقرة بعده فتظهر فائدة إيجاب الدية فيه كما لو حز غيره رقبته.
ونقل الرافعي عن الشيخ أبي على وجهًا: أنه لو قطعت يداه بعد سبخ الجلد توزع مساحة الجلد على جميع البدن، فما يخص اليدين يحط من دينهما، ويجب الباقي، وقد تقدم في دية اليدين الإشارة إلى هذا الوجه، وعلى قياسه: لو سلخ جلد مقطوع اليدين ... لزمه دية إلا قسط اليدين من الجلد.
وقال في (الحاوي): في سلخ الجلد حكومة لا تبلغ دية نفس، والمذهب: الأول، وهذه المسألة ليست في (التنبيه) لكن ذكر بدلها: اللحم الناتئ على الظهر من جانبي السلسة، وقال: إن فيه الدية، ولا تعرف لغيره، وذكرها الجرجاني في (الشافي) و (التحرير) تبعًا له.
وقوله: (وحز غير السالخ رقبته) تابع فيه الرافعي؛ أنه لا يتصور إلا في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك، وهو ممنوع، فقد يتصور في السالخ أيضًا؛ بأن تكون إحدي الجناحين عمدًا والأخرى خطأ وقلنا بالأصح: إنهما لا تتدخلان.
تتمة: نص في (الأم) على أن في كسر الترقوة حكومة، ونص في (اختلاف الحديث) على أن فيها جملًا، فقيل: قولان: التقديم: جمل؛ لما روى مالك [2/ 861] والشافعي [1/ 225] بإسناد صحيح: أن عمر قضي بذلك، وبه قال أحمد.
والجديد: حكومة، وقطع المتولي وغيره بالحكومة كسائر العظام، وحملوا قضاء عمر على أن الحكومة كانت في الواقعة قدر جمل.
و (الترقوة) بفتح التاء: العظم المتصل بين المنكب وثغرة النحر.
قال الجوهري: ولا تقل: ترقوة بالضم، ولكل أحد ترقوتان، والجمع: تراقي، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ ذكرهم بموطن من مواطن الهول، وأمر من أمره الذي لا محيد لبشر عنه، وهي حالة الموت والمنازعة التي كتبها الله على كل حيوان.
والضمير في (بَلَغَتِ) للنفس وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن الكلام يدل عليها، كما قال حاتم (من الطويل): لعمرك ما يغني الثراء عن الفتي .... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر روى: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما احتضر جلست ابنته عائشة عند رأسه تبكيه وتكرر هذا البيت، ففتح عينيه وقال: لا تقولي هكذا، وقولي: (وجائت سكره الحق بالموت ذلك ما كنت منه تحيد).
وكذلك كان يقرأ بالأية، وهي كذلك في مصحف ابن مسعود بإضافة السكرة إلى الحق؛ لأن الموت يعقبها، فكأنها جاءت به، ويجوز أن تكون سكرة الحق سكرة الله أضيفت إليه تعظيما لشأنها وتوهيلًا.

فَرعَ: في العَقْل دِيَة،  قال: (فرع) ضمنه حكم إزالة المنافع، وذكر في الفصل الذي قبله الجروح والأعضاء، فذكر فيه ستة عشر عضوًا، وفي هذا اثني عشر شيئًا، ويجوز أن يجتمع في شخص ديات كثيرة؛ بأن تزال منه أعضاء ومنافع ولا تسري إلى النفس بل تندمل.
قال: (في العقل دية) قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على ذلك.
وفي كتاب عمر بن حزم: (وفي العقل مئة من الإبل).ولأنه أشرف الحواس فكان أحق بكمال الدية، ولذلك قمه المنص، ولأن به يتميز الإنسان عن البهيمة ولا ينتفع بشيء انتفاعه به.
ولا يجب في إذهابه قصاص على المذهب؛ لاختلاف الناس في محله: فقيل: القلب، وهو الصحيح عند أصحابنا وأكثر المتكلمين.
وقيل: الدماغ، وإليه ذهب أبو حنيفة وجماعة من الأطباء.
وقيل: مشترك بينهما.
وهوضد الحمق؛ لأنه صفة يميز بها بين الحسن والقبيح، سمى عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، وجمعه: عقول، والمراد به هنا: الغريزي الذي يترتب عليه التكليف.
وأما العقل المكتسب الذي به حسن التصرف ... ففيه حكومة فقط، وظاهر كلام الشافعي والأصحاب: أنه يتبعض.
وقال الماوردي: لا يتبعض في ذاته، فلا يصح أن يذهب بعضه ويبقي بعضه، ولكن قد يتبعض زمانه؛ فيعقل يومًا ويجن يومًا، فإن كان كذلك .... وجبت الدية بحسب تجزئة الزماني.
قال الرافعي: وقد تتأتي معرفة التفاوت بغير الزمان؛ بأن يقابل صواب قوله

فَإِنْ زالَ بِجُرْح لَهُ أَرِش أَو حُكُومَة وَجُبّا، وَفِيَّ قَوْل: يَدْخُل الأَقَلّ في الأَكْثَر،  ومنظوم فعله بالخطأ منهما، ويجب قسط ما بينهما، وهو الذي ذكره في (التهذيب).
وذكر المتولي: أن الدية إنما تجب عند تحقق الزوال بقول أهل الخبرة، فإن توقفوا في زواله ... توقفن في الدية، فإن مات قبل الاستقامة ... ففي الدية وجان، كما لو قلع سن غير مثغور فمات قبل عودها.
قال: (فإن زال بجرح له أرش أو حكومة ..... وجبا) أي: وجب الأرش المقدر أو الحكومة مع دية العقل، ولا ين\رج الأرش في دية العقل كما لو أوضحه فذهب سمعه أو بصره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (في الموضحة خمس من الإبل، وفي العقل الدية، وفي اليد خمسون من الإبل) فنص على ذلك، فلم يجز إسقاطه.
ولأن العقل عرض مختص بمحل مخصوص، فلم يدخل فيه أرش الجناية كالسمع، وهذا هو الجديد، وإليه ذهب مالك وأحمد.
وعلى هذا: لو قط يديه ورجليه فزال عقله .. لزمه ثلاث ديات.
واحترز ب (ما له أرش مقدر) عما إذا زال بلطمة؛ فإن أرش الجناية يدخل في دية العقل.
قال: (وفي قول: يدخل الأقل في الأكثر) هذا القول قديم، وإليه ذهب أبو حنيفه، ووجه بأن العقل يشبه الروح من حيث إن زواله كزوال الروح في سقوط التكليف، فيدخل أرش الجناية في ديته إذا كان الأرش أقل.
فإن كانت دية العقل أكثر كما لو أوضح رأسه فزال عقله .... ز دخل فيها أرش الموضحة.
وإن كان أرش الجناية أكثر كما إذا قطع يديه مع بعض الذراع أو يده ورجليه فزال عقله ... تدخل في دية العقل، وضعف هذا القول بأن مقتذاه دخول الأرةش فيه وإن

وَلَو أُدْعَى زَوالهُ، فَإِنَّ لِمَ يَنْتَظِم قَوْلهُ في خَلَواتهُ، فَلَّهُ دِيَة بَلًّا يَمِين.
وَفِيَّ السَمْع دِيَة،  كثرت، وأن لا يجب بقطع يده شيءكالميت قال: (ولو ادعي زواله فإن لم ينتظم قوله وفلعه في خلواته .... فلخ دية بلا يمين) لأن يمينه تثبت جنونه، والمجنون لا يحلف كالصبي إذا ادعي البلوغ، كذا أطلقه الشيخان، وهو في مطبق الجنون ظاهر.
أما إذا كان الإختلاف مع تقطع الجنون .... فإنه يحلف زمن إفاقته كما صرح به ابن الرفعة.
وقوله: (ادعي زواله) فيه نظر؛ لأن المجنون لا تصح دعواه وعبارة (الشرح) و (الروضة): أنكر الجاني زوال العقل ونسة إلة التجانن، فيحمل ما في الكتاب على دعوى وليه أو منصوب الحاكم.
وعلى هذا: يقرأ لفظ المصنف بضم الهمزة ولم يذكروا للمراقبة حدا وغاية، والظاهر: أن غايتها أن تتكرر بحيث يغلب علي الظن صدقه أو كذبه من غير ضبط بمدة مقدرة.
قال: (وفي السمع دية) كذا رواه البيهقي [8/ 86] عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إسناده غير قوي، وهو من أشرف الحواس فأشبه البصر، بل هو أشرف منه عند أكثر الفقهاء؛ لأنه يدرك به من الجهات الست وفي النور والظلمة، ولا يدرك باالبصر إلا من جهة المقابلة وبواسطة من ضياء أو شعاع.
وقال أكثر المتكلمين بتفصيل البصرعليه؛ لأن السمع لا تدرك به إلا الأصوات، والبصر تدرك به الأجسام والألوان والهيئات، فلما كانت تعلقاته أكثر .... كان أفضل.
وفي (سنن البيهقي) [8/ 68]: أن رجلًا رمى رأس رجل فذهب سمعه ولسانه ومعقله وذكره، فلم يعرف النساء، ففقضي فيه عمر بأربع ديات وهو حي، ولا مخالف له.

وَمِن أُذُنٍ نِصْف، وَقَيْل: قِسْط النُقَّص، وَلُو أَزالَ أُذُنَيْهُ وَسَمِعَهُ .... فَدِيَتانِ، وَلُو أَدَّعِي زَوالهُ وَأَنْزَعِج بصياج في نُوَّم وَغَفْلَة .... فَكاذِب،  وإنما تجب الدية في السمع إذا زال بالكلية، فإن لم يزل ولكن أرتق داخل الأذن بالجناية ارتتاقا لا وصول إلى زواله .... فالأصح: وجوب حكومة.
وقيل: تجب دية.
قال: (ومن أذن نصف)؛ لأنه من المثاني، فكان كذهاب الضوء من إحدي العينين؛ لأن لكل أذن خرتا يجرى فيه الصوت إلى منتهاه، كما قيل (من الطويل): وكيف ترى ليلي بعين ترى بها .... سواها وما طهرتها بالمدامع وتلتذ منها بالحديث وقد جرى .... حديث سواها في خروت المسامع قال: (وقيل: قسط النقص) أي: من الدية، وهذا قياس قولنا: إن السمع ليس من المثاني، ولكن اعتبار النظر إلى الأذن أقرب.
قال الرافعي: وقد يقال: تجب الحكومة؛ لأن السمع واحد، وإنما التعدد في المنفذ، بخلاف ضوء البصر؛ فإن لطيفته متعددة ومحلها الحدقة.
قال: (ولو أزال أذنيه وسمعه .... فديتان)؛ لقطعة عضوا وإذهابه منفعة حالة في غيره، فلم يدخل أرش المنفعة في دية العضو كما لو أوضحه فعمي.
قال: (ولو ادعي زواله وانزعج بصياح في نوم وغفلة .... فكاذب)؛ لظهور ما يدل عليه.
ومقتضي تعبيره ب (كاذب): أن الجاني لا يحلف، وليس كذلك؛ فقد صرح الماوردي بأنه يجب ان يحلف أن سمعه لم يذهب بجناية.
وخص المصنف الانزعاج بالصياح وهو لا يختص به، بل الرعد وطرح شيء له صوت من علو كذلك.

وإلاَّ فيحلف ويأخذُ ديَة، وإِنَ نَقَصَ فقسطُهُ إنْ عُرِفَ، وَإِلّا .... فَحُكُومَة بِاجْتِهاد قاضَ، وَقَيْل: يُعْتَبَر سَماع قَرَننَهُ في صِحتِهُ، وَيَضْبِط التَفاوُت  وقيد الماوردي (الصياح) بصوت مزعج مهول يتضمن إنذارًا أو تحذيرًا، قال: ولا بد من تكرر ذلك من جهات وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوالسمع بها.
قال: (وإلا ..... فيحلف ويأخذ دية)؛ لأن الظاهر صدقه، والتحليف لاحتمال التجلد.
ثم إذا ثبت زوال سمعه إما بإقرار الجاني أو بالطريق المذكور .... قال الماوردي: يراجع عدول الأطباء، فإن نفوا عوده ... وجبت الدية في الحال، وإن جوزوا عوده إلى مدة معينة ... انتظرت: فإن عاد فيها ..... سقطت، وإلا .... ثبتت.
قال: (وإن نقص .. فقسطه إن عُرف)؛ بأن كان يسمع من موضع فصار يسمع من دونه، ويؤخذ ذلك من الدية كنظائرة.
وطريق معرفته: أن يحدثه شخص ويتباعدإلى أن يقول: لا أسمع، فيعلي الصوت قليلًا ، فإن قال: أسمع .... عرف صدقه، ثم يعمل كذلك من جهة أخرى، فإّا اتفقت المسافتان .... عرف صدقه، ثم ينسب ذلك من مسافة سماعه قبل الجناية إن عرفت، ويجب بقدره من الدية.
قال: (وإلا ... فحكومة باجتهاد قاض) أي: وإن لم يعرف ولكن ساء سمعه وثقلت أذنه ... فالذي أورده الأكثرون وعليه جرى صاحب (التهذيب) وغيره: أنه لا سبيل إلى تقديره، وتجب حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده.
قال: (وقيل: يعتبر سماع قرنه في صحته) هذا رأى الإمام وطائفتة، وهو أن عتبر بسمع (قرنه) وهو: المماثل له في السن والصحة، وهو بفتح القاف كما ضبطه المصنف بخطه، والجمع: أقران.
وكيفية ذلك: أن يجلس إلى جنبه (ويضبط) نهاية سمع السليم ونهاية سمع المجني عليه، ويجب بنسبة ما بينهما من (التفاوت) من الدية.
فلو قال: أنا أعلم قدر ما ذهب من سمعي .... قال الماوردي: صدق بيمينه؛ لأنه لا يعرف إلا من جهته، كما تصدق المرأة في حيضها.

وَإِنْ نَقَصَ مِن أُذُنٍ .... سُدَّتْ وَضُبِط مُنْتَهَى سَماع الأُخْرى ثُمَّ عُكِس وَوَجَبَ قِسْطُ التَفاوُت.
وَفِي ضَوْء كُلّ عَيْن نِصْفُ دِيَة، فَلَو فَقَأَها ... لِمَ يَزِد، وَإِن ادَّعَى زَوالهُ ... سُئِلَ أَهْلُ الخِبْرَة، أَو يَمْتَحِن بِتَقْرِيب عَقْرَب أَو حَدِيدَة مَن عينهُ بَغْتَة، وَنَظَر هَل يَنْزَعِج؟  قال: (وإن نقص من أذن ... سدت وضبط منتهي سماع الأخري ثم عكس ووجب قسط التفاوت)؛ طلبا للعدل، فإن لم ينضبط ..... فالحكومة.
قال: (وفي ضوء كل عين نصف دية)؛ لأن منفعتها النظر فذهابه كالشلل، وفي كتب الفقه عن معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي البصر الدية) وليس بمعروف في كتب الحديث، وسواء الصغيرة والكبيرة، وعين الطفل والشيخ والشاب، والحادة والكليلة / والصحيحة والعليلة، والعشيلء والعمشاء، والحولاء إذا كان النظر سليمًا.
فإن أخذت دية البصر ثم عاد .... استردت قطعًا.
قال: (فلو فقأها ..... لم يزد) كما لو قطع يديه، بخلاف ما لو قطع أذنية فبطل سمعه؛ لأن السمع ليس في جر الأذن.
ولو أزال الضوء ثم فقأهما .... وجب مع الدية حكومة.
قال: (وإن ادعى زواله .... سئل أهل الخبرة)؛ فإنهم إذا أوقفوا الشخص في مقابلة الشمس ونظروا في عينيه .... عرفوا هل الضوء ذاهب أو موجود؟ بخلاف السمع؛ فإنهم لا يراجعون فيه؛ إذ لا طريق لهم إلى معرفته.
فإن كانت الجناية عمدًا .. اشترط رجلان من أهل الخبرة، وإلا ..... كفي رجل وامرأتان.
ثم إذا روجع أهل الخبرة فشهدوا بذهاب البصر .... لم يحلف وتؤخذ الدية، بخلاف الامتحان؛ فإنه لا بد من تحليفه.
قال: (أو يمتحن بتقريب عقرب أو حديدة من عينه بغتة، ونظر هل ينزعج؟) فإن

وَإِنَّ نَقُصّ ..... فَكَالسَمْع  انزعج .... فالقول قول الجاني بيمينه، وإن لم ينزعج .... فالقول قول المجني عليه بيمينه، والأول هو المنقول عن (الأم)، والثاني - وهو الامتحان بما تقرر - قاله آخرون، وعليه جرى الغزالي.
وقال المتولي: الأمر إلى خبرة الحاكم، وهو الذي في الكتاب تبعًا ل (المحرر).
وجعل في (الروضة) ذلك خلافًا لم يصحح منه شيئًا.
قال: (وإن نقص ... فكالسمع)، فيجب من الدية قسط الذاهب إن عرفت نسبته.
وإن لم يعرف مدى بصره قبل الجناية .... وجب حكومة؛ لتعذر إيجاب قسط من الأرش المقدر.
وقيل: يعتبر بمثله في السن والصحة كما سبق في السمع.
وإن نقص ضوء إحدى العينين ... عصبت العليلة وضبط قدر ما يبصر بالصحيحة، فإن اختلف كلامه .... عمل بالأقل، ثم تعصب الصحيحة ويضبط قدر ما يبصر بالعليلة، ويجب قسط الناقص بالمساحة؛ لاختلاف الناس في البصر، فعن الماسرجسي أنه قال: رأيت صائدا يرى الصيد من فرسخين.
حادثة: سئل ابن الصلاح عن رجل أرمد بالبايدة تدعى الطب لتداوي عينه، فكحلته، فتلفت عينه: هل يلزمها ضمانها؟ فأجاب: إن ثبت أن ذهاب عينه بدوائها .... فعلى عاقلتها ضمانها، وإن لم يكن ... فعلى بيت المال، وإن تعذر .. فعليها في مالها، إلا أن يكون الأرمد أذن لها في المداواة بهذا الدواء المعين ..... فلا تضمن.
قال: ونظيره: ما إذا البالغ العاقل في قطع سلعته أو فصده فمات .... لا يضمن، أنا إذا لم ينص عليه ... فلا يتناول إذنه ما يكون سببًا في إتلافه.

وَفِيَّ الشَمّ دِيَة عَلَى الصَحِيح، وَفِيَّ الكَلام دِيَة،  قال: (وفي الشم دية على الصحيح) بالقياس علي البصر، واستدل له الرافعي وابن الرفعة بأن ذلك ورد في كتاب عمرو بن حزم، ولا يعرف ذلك فيه.
والثاني: ليس فيه إلا حكومة؛ لأنه ضعيف النفع، فإن منفعته إدراك الروائح وما يتأذي برائحته أكثر مما يتلذذ به.
ولو أذهب شم أحد المنخرين ... وجب نصف الدية.
قال الرافعي: ويشبه أن يجئفيه الوجه المذكور في إبطال سمع إحدى الأذنين.
وإن انتقص الشم ... نظر: إن علم قدر الذاهب ... وجب القسط، وإلا ... فالحكومة، ويمتحن المجني عليه بتقريب ما له رائحة طيبة أو خبيثة، فإن هش للطيبة وعبس للخبيثة .... صدق الجاني بيمينه، وإلا .... صدق المجني عليه بيمينه بعد أن يكرر ذلك عليه.
وقيل: يشم الخردل المدقوق، فإن دمعت عيناه ... فكاذب، وإلا .... فلا.
قال بقية بن الوليد لشعبة - وهو من شيوخة -: ما تقول في رجل ضرب فادعى زوال شمة؟ فقال: سمعت المشيخة يقولون: يشم الخردل، فإن دمعت عيناه ... فهو كاذب، وإن لم تدمع ... أعطي الدية.
فإن اختلفا في نفس النقصان .... صدق المجني عليه؛ إذ لا يعرف من جهته ولو أخذ المجني عليه الدية ثم عاد الشم ... وجب ردها.
قال: (وفي الكلام دية) قال الشافي: لا أحفظ عن أحد لقيته من أهل العلم فيه خلافا، ونقله ابن المنذر عن أكثر أهل العلم ومنهم الأئمة الثلاثة، ولم تثبت فيه سنة.
وقول الرافعي، وغيره عن زيد بن أسلم: مضت السنة بالدية فيه غريب، إنما رواه البيهقي عنه في الصوت.

وَفِيَّ بِعَضّ الحُرُوف قَسَطهُ، وَالمُوَزَّع عَلِيّها ثَمانِيَة وَعِشْرُونَ حِرَفًا في لُغَة العَرَب وَقَيْل: لا يُوَزِّع عَلِيّ الشَفَهِيَّة وَالخُلْقِيَّة،  ثم إنما تجب الدية إذا حكم أهل الخبرة بان نطقه لا يعود، فإن عاد ..... استردت فلو ادعاه ... امتحن في الخلوة بما يفرغ، فإن لم يظهرشيء ... حلف.
قاال: (وفي بعض الحروفقسطه) لكل حرف ربع سبع الدية؛ فإن الكلام يتركب منها، وسواء ما خف منها على اللسان وما ثقل.
قال: (والموزع عليها ثمانية وعشرون حرفًا في لغة العرب)؛ لأن اللسان يعبر عن جمعيها، ولهذا لا ينطق الأخرس بشيء منها وعدها الجمهور كما عدها المصنف، وأسقطوا لا؛ لأنها لام وألف وهما معدودان.
والماوردي والإصطخري وجمهور النحاة عدوها تسعًا وعشرين، وأسقط المبرد (الهمزة) فجعلها ثمانية وعشرين.
ولا شك أن حروف اللغات مختفلة، فبعضها أحد وعشرون، وبعضها ستة وعشرون، وبعضها أحد وثلاثون، فكل من تكلم بلغة فبطل كلامه ... وزعت ديته على حروف تلك اللغة وقد انفردت العرب بحرف الضاد، فلا يوجد في غيرها كما تقدم في (صفة الصلاة).
وفي بعض اللغات حروف ليست في لغة العرب، كالحرف المتولد بين الجيم والشين.
فلو كان أعجمي اللسان .... اعتبر عدد حروف لغته.
قال: (وقيل: لا يوزع علي الشفهية والحلقية) هذا رأي الإصطخري وابن أبي هريرة؛ فإنهما خصا التوزيع بحروف اللسان وهي ثمانية عشر؛ لأنها متعلقة به دون (الشفهية) وهي ستة: الهمزة والهاء والحاء والخاءش والعين والغين، وبهذا قال مالك.
واستدل للأول بأن الحروف وإن كانت مختلفة المخارج إلا أن الاعتماد في جمعها على اللسان؛ إذ لا يستقيم إلا به.

وَلُو عَجَّزَ عَن بِعَضّها خَلَقَة أَو بِآفَة سَماوِيَّة ..... فدة، وَقَيْل: قِسْط، أَو بِجِنايَة .... فَالمُذَهَّب: لا تَكْمَل دِيَة،  هذا إذا ذهب بعض الحروف وبقي كلام مفهوم، فإذا لم يبق كلام مفعوم ... فوجهان: أحدهما: يجب كمال الدية، وبه جزم البغوي، وقال الروياني: إنه المذهب.
والثاني: لا يلزمه إلا قسط الحروف الفائتة، قال المتولي: وهو المشهور المنصوص.
ولو ضرب شفته فاذهب الحروف الشفهية، أو رقبته فأذهب الحروف الحلقية قال المتولي: إن قلنا بقول الإصطخري ... وجبت الحكومة فقط، وإن قلنا بقول الأكثرين ... وجب قسط الدية من جميع الحروف.
ولو جتى على لسانه فصار يبدل حرفًا بحرف .... وجب قسط الحرف الذي أبطله، ولو ثقل لسانه بالجناية، أو حدث في كلامه عجلة، أو تتمته، أو فأفأة، أو كان ألثغ فزادت لثغته .... فالواجب الحكومة؛ لبقاء المنفعة.
وتعبيره ب (الشفهية) هو الصواب؛ لأنها منسوبة إلى الشفة، وأصلها: شفهة.
وأما تعبير (المحرر) بالشفوية ... فلا وجه له إلا على قول ضعيف: إن المحذوف منها الواو.
قال: (ولو عجز عن بعضها خلقة أو بآفة سماوية ... فدية)؛ لأن ضف منفعة العضو لا يخل بكمال ديته كضعف البطش، فإذا أذهب بعض الحروف .... وزعت على ما يحسنه لا على الجميع.
قال: (وقيل: قسط) أي: من جميع الحروف؛ لأن النطق مقدر بالحروف، بخلاف البطش.
فعلى هذا: لو كان يقدر على التعبير عن جميع مقاصده بما يحسنه بذكائه .... لم تكمل الدية علة الأصح.
قال: (أو بجناية) أي عجز عن بعضها بجناية (فالمذهب: لا تكمل دية)؛ لئلا يتضاعف الغرم في القدر الذي أبطله الجاني الأول، والخلاف في هذه مرتب على الخلاف في التي قبلها.

وَلُو قَطَّعَ نَصُفّ لِسانهُ فَذَهَبَ رُبْع كَلامهُ أَو عَكْس ... فَنَصِف دِيَة.
وَفِيَّ الصَوْت دِيَة، فَإِنَّ أُبَطَّل مَعَهُ حَرَكَة لِسان فَعَجْز عَن التَقْطِيع وَالتَرْدِيد فَدِيَتانِ، وَقَيْل: دِيَة.
وَفِيَّ الذَوْق الدِيَة،  قال: (ولو قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه أو العكس ... فنصف دية)؛ لأن منفعة العضو إذا ضمنت بديته ... اعتبر فيه الأكثر من العضو والمنفعة، كما لو قطع الخنصر فشلت اليد ... وجب دية يد، وإن لم تشل .... وجب عشر من الإبل وهو خمس ديتها وإن كان الذاهب دون خمس المنفعة.
قال: (وفي الصوت دية)؛ لما تقدم من راوية البيهقي له عن زيد بن أسلم من قوله: مضت السنة أن في الصوت الدية، وقول الصحابي: (من السنة كذا) في حكم المرفوع، ولأنه من المنافع المقصودة.
قال في (المطلب): وصورة المسألة: أن يزول الصوت ويبقي اللسان على اعتداله وتمكنه من التقطيع والترديد.
قال: (فإن أبطل معه حركة لسان فعجز عن التقطيع والترديد .... فديتتان)؛ لأنهما منفعتان مختلفتان في كل واحد منهما إذا انفردت الدية، فإذا فوتنا .... وجب ديتان.
قال: (وقيل: دية)؛ لأن المقصود الكلام، لكنه يفوت تارة ببطلان الصوت وأخرى بعجز اللسان عن الحركة.
قال: (وفي الذوق الدية) كباقي الحواس، بل هو أنفع من الشم، وقد يبطل الذوق بجنايته على اللسان أو الرقبة أو غيرهما.
وصورة الجمهور بأن يجنى عليه فيفقد لذة الطعام والتمييز بين الطعوم الخمسة الآتية، واستشكله ابن الصباغ بأن النص: أن في لسان الأخرس الحكومة مع أن الذوق يذهب بقطعة، فدل على أن في الذوق الحكومة, وهو متوجه.

وَتُدْرِك بِهِ حَلاوَة وَحُمُوضَة وَمَرارَة وَمُلَوِّحَة وَعُذُوبَة، وَتُوَزِّع عَلِيّهُنَّ، فَإِنَّ نَقُصّ .... فَحُكُومَة.
وَتَجَنَّبَ الدِيَة في المُضَغ وَقُوَّة إِمْناء بِكَسْر صَلَبَ،  فإذا ادعي ذهابه جرب بالأشياء المرة أو الحامضة أو الحادة، فإن ظهرمنه تعبيس وكراهة ... صدقنا الجاني بيمينه، وإلا .... فالمجني عليه.
ولو ضربه ضربة زال بها ذوقه ونطقه ... وجبت ديتان؛ لأن محلها مختلف، والنفع بهما قد ألأف، فليست ديتهما تأتلف.
قال: (وتدرك به حلاوة وحموضة ومرارة وملوحة وعذوبة، وتوزع عليهن)، فإذا أبطب إدراك واحد .... وجب خمس الدية.
قال الماوردي: وربما أوصل الأطباء الطعوم إلة ثمانية، وذلك لا نعتبره في الأحكام؛ لدخول بعضها في بعض.
قال: (فإن نقص ..... فحكومة) أى: فإن نقص الإحساس فلم تدرك الطعوم على كمالها .... فالواجب الحكومة.
قال: (وتجب الدية في المضغ)؛لأنه المنفعة العظمي للأسنان، والأسنان مضمونة بالدية، فكذا منافعها، كالبصر مع العين، والبطش مع اليد، فتكمل الدية في إبطاله، ولإبطاله طريقان:

أحدهما: أن يجني على اللحيين فييبسا حتى لم ينقتحا ولم ينطبقا فلا يضمن دية الأسنان حيئنذ منافعها؛ لأنه لم يجن عليها.
والثاني: أن يجني على الأسنان فيصيبها خدر فتبطل صلاحيتها للمضغ، وهذا الحكم لم يرد فيه خبر ولا أثر، ولم يتعرض له الشافعي والجمهور، وإنما قاله الفوراني والإمام، فتبعها الناس.
قال: (وقوة إمناء بكسر صلب)؛ لأن فيه منفعة النسل فتكمل فيه الدية، بخلاف انقطاع اللبن بالجناية على الثدي؛ فإن فيه حكومة فقط؛ لأن الرضاع يطرأ ويزول، واستعداد الطبيعة للإمناء صفة لازمة للفحول.
وإذا قطع أنثييه فذهب ماؤه ... لزمه مع دية الأنثيين دية أخرى؛ لذهاب الماء.

وَقُوَّة حَبَلَ وَذَهاب جِماع، وَفِيَّ إِفْضائها مَن الزَوْج وَغَيَّرَهُ دِيَة - وَهُوَ: رَفَعَ ما بَيَّننَ مُدْخَل ذِكْر وَدَبَرَ،  و (الصلب): العظم المتصل من بين الكتفين إلى عجب الذنب، وفيه خمس لغات: صلب وصُلب وصَلَب وصُلَب وصالِب، وهي قليلة الأستعمال، لم تسمع إلا في قول العباس رضي الله عنه: (تنقل من صالب إلى رحم).
قال: (وقوة حبل)، فتكمل فيه الدية إذا أبطله من المرأة؛ لانقطاع النسل.
قال: (وذهاب جماع)، فإذا جنى على صلبه فذهب جماعه .... لزمه دية؛ لأن ذلك من المنافع المقصودة، وقد ورد به الأثر عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم، ولا مخالف لهم.
ولو ادعى زواله فأنكر الجاني .... صدق المجني عليه؛ لأنه لا يعرف إلا من جهته.
وصوره بما إذا لم ينقطع ماؤه وبقي ذكره سليمًا، فكأنهم أرادوا بذهابه: بطلان الالتذاذ والرغبة فيه، ولذلك صوره الإمام والغزالي بإبطال شهوته، واستبعد الإمام إبطالها مع بقاء المني.
قال: (وفي إفضائها من الزوج وغيره دية)؛ لفوات منفعة الاستمتاع أو اختلاله، سواء استمسك مع ذلك بولها أم لا، وسواء أفضاها بذكر أم بغيره وإن كانتزانية.
وفي كلام بعضهم ما يفهم الإهدار فيها، وفيه نظر إلا أن تكون عالمة بأنه يفضيها، فيكون إذنها في ذلك كالإهدار.
وقد روى عن زيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز في الإفضاء الدية، وعلله الماوردي بأنه يقطع التناسل؛ لأن النطفة لا تستقر في محل العلوق لامتزاجها بالبول، فأشبه قطع الذكر.
وأصل الإفضاء من الفضاء، وهى البرية الواسعة.
ويستقر المهر على الزوج بالوطء.
قال: (وهو رفع ما بين مدخل ذكر ودبر)؛ إذ به تفوت المنفعة بالكلية بصيرورة سبيل الجماع والغائط واحدًا.

وَقَيْل: ذِكْر وَبُول - فَإِنَّ لِمَ يُمَكِّن وَطْء إِلّا بِإِفْضاء .... فَلَيْسَ لِلزَوْج،  قال: (وقيل: ذكر وبول) وهذا عليه الأكثرون؛ لأن ما بين القبل والدبر عظم لا يتأتى كسره إلا بحديدة أو نحوها، ولذلك لم يفصح الرافعي فيه بترجيح، بل نقل كلا عن طائفة، إلا أنه رجح الأول في (المحور) و (الشرح الصغير)، فتابعه المصنف عليه هنا وفي (الروضة)، ثم خالفا ذلك فجزما بالثاني في (باب الخيار في النكاح)، وهو الأوجه.
وفي وجه ثالث صححه المتولي: أن كلا منهما إفضاء موجب للدية؛ لأن الاستمتاع يختل بكل منهما.
فعلى هذا: لو أزال الحاجزين .... لزمه ديتان، ومحل إيجاب الدية إذا لم يلتحم، فإن التحم وعاد الحاجز إلى ما كان ... لم تجب إلا الحكومة، كما لو عاد ضوء البصر.
وفي وجه: أن الدية تستقر، كما لو التحمت الجائفة.
والفرق علي الصحيح: أن هناك يلزم الأرش بالاسم، وهنا بفوات العضو وهو الحاجز، فإذا عاد ..... فلا معنى للدية.
ثم إن الدية الواجبة بالإفضاء تختلف: فقد يكون عمدًا محضًا بأن كانت نحيفة والوطء يفضيها غالبًا، وقد يكون شبه عمد بأن يحتما الإفضاء وعدمه، وقد يكون خطأ بأن يجدها في فراشه فيظنها زوجته.
وخرج يقول المصنف: (إفضائها) الخنثي المشكل؛ فلا دية في إفضائه على التفسير الثاني، فإن قلنا بالتفسير الأول ... فوجهان.
ولو أزيلت البكارة من فرجه .... وجبت حكومة جراحة، ولا تعتبر البكارة؛ لأنا لا نتحقق كونه فرجًا، كذا نقله الشيخان عن المتولي، وناقشهما في (المهمات).
قال: (فإن لم يمكن وطء إلا بإفضاء .... فليس للزوج)؛ لإفضائه إلى الإفضاء المحرم، وليس لها تمكينه في هذه الحالة.
وقال الغزالي: إن كان سببه ضيق المنفذ بحيث يخالف العادة .... فللزوج خيار

وَمَن لا يَسْتَحِقّ افْتِضاضها فَأُزال البَكارَة بِغَيْر ذِكْر ... فَأَرِشها، أَو بِذَكَر لَشَبَّة أَو مَكْرَهَة ... فَمَهْر مَثَل ثييا وَأَرِش البَكارَة،  الفسخ كالرتق، وإن كان سببه كبر آلته بحيث يخالف العادة .... فلها خيار الفسخ كما في الجب.
وقد تقدم في (النكاح): أنه لا خيار بذلك على المذهب.
قال الرافعي: ويشبه أن يفصل.
فإن كانت الزوجة تحتمل وطء نحيف مثلها .... فلا فسخ وإن كان ضيق المنفذ بحيث يفضي مثلها من أي شخص فرض ..... فهو كالرتق، وينزل ما قاله الأصحاب على الأول، وما قاله الغزالي على الثاني.
قال: (ومن لا يستحق افتضاضها فأزال البكارة بغير ذكر ... فأرشها) المراد: الحكومة المأخوذة من تقدير الرق كما سيأتي في بيان الحكومة إن شاء الله تعالى، ويكون الواجب من جنس الإبل على الأصح، وقيل: من نقد البلد.
قال: (أو بذكر لشبهة أو مكرهة .... فمهر مثل ثيبًا وأرش البكارة)، ولا يندرج أرشها في المهر؛ لأن المهر يجب لاستيفاء منفعة البضع، والأرش يجب لإزالة تلك الجلدة، فالجهتان ومختلفتان.
وإن أزالها بالذكر، فإن طاوعته ... فلا أرش كما لا مهر.
والمراد ب (المطاوعة): أن تصرح بالإذن، فإن سكتت ... ففي وجوب المهر لها وجهان، ذكرهما الرافعي في آخر (باب استيفاء القصاص)، ومقتضاه: ترجيح الوجوب.
وجزم في (الروضة) في (باب البيوع المنهي عنها) بوجوب مهر بكر وأرش بكارة فيما إذا وطئ الجارية في الشراء الفاسد.
وإن كانت مكرهة أو نكح فاسدا ... فوجهان: أصحهما: يجب مهر مثلها ثيبًا وأرش البكارة كما قاله المصنف.
واحترز ب (المكرهة) عن المطاوعة، فلا أرش لها ولا مهر.

وقيل: مهر بكر، ومستحقه لا شيء عليه، وقيل: إن أزال بغير ذكر .. فأزش.
وفى البطش ديه، وكذا المشى، ونقصهما حكومه، ......

 وأغرب ابن القطان فقال: إذا لف على ذكره خرقه أفضاها .. كذلك لا مهر لها وأنما يلزمه الأرش كما لو أزال بكارتها بأصبعه.
قال) وقيل: مهر بكر) لأن القصد الاستماع، والجلده زالت فى ضمنه، وهذا صححه فى (الروضه) فى (باب خيار النقص).
والصغيرة والمجنونه يظهر أنهما كالمكرهه.
ومن لزمه أرش البكاره لوحصل معه إفضاء .. دخل أرش فى ديه الأفضاء فى الأصح لأنهما يجبان بالأتلاف فدخل الأقل فى الأكثر، بخلاف المهر فهو للأستماع فلا يندرج فى الأتلاف، كما لو تحامل عليها حال الوطء فكسر رجلها .. لا يدخل المهر فى ديه الرجل قال: (ومستحقه) وهو الزوج (لا شيء عليه) لأنه مأذون له فيه شرعا فلا يضره الخطأ فى طريق الاستيفاء.
قال: (وقيل: إن أزال بغير ذكر .. فأرش) لعدوله عن الطريق المستحق له، فيكون حينئذ كالأجنبى، وفيما رجحوه نظر لأن الزوج قد يطلق قبل الدخول فيصير مهرها مهر ثيب بعد أن كان مهر بكر فيحصل لها الضرر.
قال: (وفى البطش ديه، وكذا المشى) لأنهما من المنافع المقصوده، فإذا ضرب يديه فأشلهما .. لزمت الديه، ولو ضربت إصبعه فشلت .. لزمه ديه إصبع، ولا تؤخذ الديه حتى يندمل فإن شفى وعاد مشيه وبطشه .. فلا ديه، ولكن عليه الحكومه إن بقى عليه أثر شين قال: (ونقضهما حكومه) لأجل ما فات، والمراد: نقص كل منهما.

ولو كسر صلبه فذهب مشيه وجماعه أو ومنيه .. فديتان، وقيل دية.
فرع: أزال أطرافا ولطائف تقضى ديات فمات سرايه .. فديه، وكذا لو حزه الجانى قبل أندماله فى الأصح،  قال: (ولو كسر صلبه فذهب مشيه وجماعه أوومنيه .. فديتان) لأن كل واحد منهمامضمون بالديه عند الانفراد فكذا عند الاجتماع.
قال: (وقيل: ديه) لأن الصلب محل المنى ومنه يبتدئ المشى، والماء ليس له محل مخصوص فى البدن وإنما يتولد من الأغذيه الصحيحه إذا أخذ منها البدن.
تنميه: اختلف الجانى والمجنى عليه فى زوال المشى .. امتحن المجنى عليه بأن يقصد بالسيف فى غفله منه، فأن مشى .. بان كذبه، وإلا .. حلف وأخذ الديه.
قال: (فرغ) هذا ذكره لاجتماع ديات فى الأنسان.
قال الغزالى: وهى تقرب من عشرين، وعدها الشيخان سبعه وعشرين فى رجل، وستة وعشرين فى المرأه، فأذا أضيف إليها موجبات الحكومه والشجاج والجوائف .. اجتمع من ذلك مال كثيرلا ينحصر.
قال: (أزال أطرافا ولطائف تقتضى ديات فما سرايه .. فديه) لأنها صارت نفسا.
فالأطراف كاليد والرجل، واللطائف كالسمع والبصر، فلو سرى بعضا واندمل بعض .. وجب فى المندمل أرشه، ورجعت ديه السارى إلى النفس.
قال: (وكذا لو حزه الجانى قبل اندماله فى الأصح) .. فلا تجب إلا ديه النفس

فإن حَزَّ عمدا والجنايات خطأ أو عكسه .. فلا تداخل فى الأصح، ولو حز غيره .. تعددت ......

 لأنهما وجبت قبل استقرار بدل الأطراف، فيدخل فيها بدل الأطراف كما لو سرت.
والثانى – وخرجه ابن سريج، وبه قالالإصطخرى، واختاره الإمام -: تجب ديه الأطراف مع ديه النفس ولا تداخل، كما لو حز بعد الأندمال، وكما لوكان الحاز غيره.
واحترز بقوله: (فبل الاندمال) عما بعده فأنه تجب ديه الأطراف وديه النفس قطعا لاسقرار ديه الأطراف بالاندمال، وهذا بخلاف ما إذا قطع أعضاء بهيمه فسرت الجنايه إلى النفس أو عاد فقتلها فأنه تجب قيمتها يوم موتها، ولا يندرج فيها قيمة الأطراف لأن الغالب على جنايات الإنسان التعبد الذى لا يتوقف على معناه.
قال: (فأن حز عمدا والجنايات خطأ أو عكسه .. فلا تداخل فى الأصح) لأن التداخل يليق بالمتفقات دون المختلفات، وهذا عكس الأصح فى نظيره من العده.
والثانى: يتداخلان كما لو كانا عمدين أوخطأين.
قال: (لو حز غيره .. تعددت قولا واحدا لأن ماحصل بفعل الثانى جنايه أخرى لا تعلق لها بما فعل الأول، فلا تداخل، بل على كل واحد منهما موجب ماجنى.
تنميه: قطع يده خطأ ثم حز رقبته قبل الاندمال عمدا .. فللولى قتله قصاصا وليس قطع يده.
فإن قتله قصاصا وقلنا بالتداخل وجعلنا الحكم للنفس .. فلا شيء له من ديه.
وإن قلنا: لا تداخل أخذ نصف الديه من العاقله لليد.
وإن عفا عن القصاص وقلنا بالتداخل .. فالأصح: تجب ديه مغلظه على الجانى

فصل: تَجِبْ الحُكُومَة فِيمَا لَا مَقْدِر فِيهِ- وَهِى جُزْء نِسْبَتِه إِلَى دِيَّة النَّفْسِ، وَقِيلَ: إِلَى عُضْو الجِنَايَة –نِسْبَتَهُ نَقُصَّهَا مِنْ قِيمَتُه لَوْكاَنَ رَفِيقًا بِصِفَاتِهِ،  لأن معنى التداخل: إسقاط بدل الطرف والاقتصار على بدل النفس.
وإن قلنا: لاتداخل .. وجب نصف ديه مخففه على العاقله لليد وديه مغلظه عليه للنفس.
قال: (فضل: تجب الحكومه فيما لا مقدر فيه، وهى جزء نسبته إلى ديه النفس – وقيل: إلى عضو الجنايه – نسبته نقصها من قمته لو كان رفيقا بصفاته) لما انتهى الكلام فى الديه .. عقبه بذكر الحكومه لتأخرها عنها لأنها لا تجب إلا فيما لا مقدر فيه، والغزالى ذكرها فى أوائل الباب.
قال الرافعى: وذكرها هنا أحسن ليتم الكلام على الانتظام صنع فى (الروضه) فذكرها هنا.
مثاله: جرح يده، فيقال: كم قيمه المجنى عليه بصفاته التى هو عليها بغير جنايه لوكان عبدا؟ فإذا قيل: مئه .. فيقال: كم قيمته بعد الجنايه؟ فإذا قيل: تسعون فالتفاوت العشر، فيجب عشر ديه النفس لأن الجمله مضمونه بالديه فتضمن الأجزاء بجزء منها، وهذا هو الصواب الذى قطع به الجمهور.
والوجه الثانى: أنه يناسب إلى العضو الجنايه لا إلى ديه النفس فيجب عشر ديه اليد وهو خمس من الأبل، فإن كانت الجنايه على إصبع بطولها .. وجب بعير، أو على أنمله .. وجب ثلث بعير ويقاس على ذلك ما أشبه.
والمنصف أطلق الخلاف، ومحله: إذا كانت الجنايه على عضو له أرش مقدر، فأن كانت على الصدر أو الفخذ مما لا تقدير فيه .. اعتبرت من ديه النفس بلا خلاف كما سيأتى.

فَإِنْ كَانَتْ لِطَرَفٍ لَهُ مَقْدِرْ .. اشْتَرَطَ أَنْ لَا تَبْلُغْ مَقْدِرَه، فَإِنْ بَلَغَهُ .. نَقْص القَاضِى شَيْئًا بِاجْتِهَادِه

 لكن يستثنى من النسبه: ما إذا قطع أنمله لها طرفان فإن الواجب فيها ديه الأنمله وحكومه، وهذه الحكومه لا تعتبر بالنسبه، بل يوجب الحاكم فيها مايؤدى إليه اجتهاده، وهذاالتقدير مختص بالحاكم، فلو فعله غيره .. لم يكن له أثر فى ذلك قال الماوردى: ولهذا سميت حكومه، قال: وإذا تقدرت باجتهاد الحاكم .. لم يصر ذلك حكما مقدرا فى كل أحد، بخلاف ماورد فى تقدير جزاء الصيد فأنه لازم لكل أحد والفرق: القصور رتبه الاجتهاد عن النص.
فرغ: إزالة الشعر من الرأس وغيره بحلق أوغيره من غير أفساد المنبت لا تجب لها حكومه أصلا بلا خوف لأن الشعور تعود ‘كذا فى (الروضه) وفيه في (الكفايه) وجهان آخران: أحدهما: تجب فيه حكومه دون حكومه ما لم يعد.
الثانى: إن حصل للمجنى عليه ألم بالإزاله وجب، وإلا.:فلا.
وأما إزاله الشعور التى ليس فى بقائها جمال كشعر لحيه المرأه الإبط والعانه .. ففيه وجهان: أحدهما: لا ضمان فيه.
والثانى: فيه الحكومه ولو أزال شعر لحيه خنثى وأفسد منبتها، فإن قلنا: نباتها يدل على ذكورته .. لزمه حكومه قطعا، وإن قلنا: لايدل، وهو الأصح .. ففى لزومها الوجهان فى لحية المرأه.
فال: (فإن كانت لطرف له مقدر .. اشترط أن لا تبلغ مقدره، فأن بلغته .. نقص القاضى شيئا باجتهاده) لأن العضو مضمون بالأرش لوفات فلا يجوز ان تكون

أَو لَا تَقْدِيرِ فِيهِ كَفَخْذِ .. فَإِنْ لَا تَبْلُغْ دِيَّة النَّفْسِ وَيَقُوم بَعْدَ انْدِمَالَهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَّقِ نَقَصْ .. اعْتَبَرَ أَقْرَبْ نَقْصٍ إِلَى الاِنْدِمَال، وَقِيلَ: يَقْدُرَهُ قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ، ..

 الجناية عليه مضمونه به مع بقائه، كالجراحه على الأنمله العليا، وقلع الظفر ينقص حكومتها عن أرش الأنمله.
قال الماوردى: وأقل النقص ما يجوز أن يكون ثمنا.
وقالالإمام: لايكفى حط أقل متمول، فإذا كانت على رأس .. فلا تبلغ حكومتها أرش الموضحه، وعلى البطن .. لا تبلغ أرش الجفائفه، وحكومه أرش الكف لاتبلغ ديه الأصابع الخمس.
ويجوز ان تبلغ حكومه الكف ديه أصبع على الأشبه فى (الشرح) والأصح فى (الروضه) وصحح فى (الكفايه) تبعا للإمام مقابله، وعلل الأول بأن منفعتها تزيد عل منفعه إصبع، ونظير اعتبار نقص الحكومه عن المقدر نقص التعزيز عن المحد، والرضخ عن السهم، والمتعه عن نصف المهر.
قال: (أولا تقدير فيه فأن لاتبلغ ديه نفس)، بل يجوز أن تبلغ حكومتها ديه عضو مقدر كاليد والرجل، وأن يزاد عليه، وجعل المتولى والبغوى الساعدوالعضد من هذا القبيل، وهو الأصح فى (الشرح) و (الروضه) وسوى الغزالى بينهما وبين الكف، وهو منصوص (الام) وهوالمتعمد، لارجحه الشيخان، وليست فى (المهمات).
قال: (فإن لم يتق نقص)، كما إذا قلع سنا أوقطع أصبعا زائدتين) .. اعتبر أقرب نقص الى الأندمال) فينظر الى ماقبل الاندمال من الحالات التى تؤثر فى نقص القيمه، ويعتبر أقربها الى الاندمال كما قلنا فى ولد المغرور: إنه يقوم أول حال إمكان تقويمه، وهو حاله الوضع.
قال: (وقيل يقدره قاض باجتهاده) لئلا تذهب الجنايه هدرا، فينظر الى خفه الجنايه، وفحشها فى المنظر سعه وعرضها، وقدر الألام المتولده.

وَقِيلَ: لَا غَرَمْ وَالجَرْح المُقَدَّرْ كَمُوَضِحَهُ يَتْبَعَهُ الشَّنِينَ حَوَالَيْهِ، وَمَا لَا يَتَقَدَّرْ يِفَرْدِ بِحِكُومِه فِى الأَصَّحْ.
وَفِى نَفْسِ الرَّفِيقْ قِيمَتَهُ ...

 قال: (وقيل: لاغرم)، بل يعزر فاعل ذلك، كما إذا لطمه أوضربه بمثقل فزال الألم ولم ينقص منفعه ولا جمالا، وأختاره ابن سريج وقال الإمام: انه القياس قال: (والجرح المقدر كموضحه بتبعه الشين حواليه) لأنه لو أستوعب الإيضاح جميع موضع الشين .. لم يكن فيه إلا أرش الموضحه.
هذا إذاكان الشين فى محل الإيضاح، أما أوضحرأسه فاتسع الشين حتى انتهى الى القفا .. فوجهان من غير ترجيح.
قال: (ومالاينقدر يفرد بحكومه فى الأصح) فتنجب حكومتان حكومه له وأخرى لشينه لأن الحكومه ضعيفه عن الاستتباع، بخلاف الديه.
والثانى: يجب أكثرهما حكومه وتتبعه حكومه الأقل لأن الجرح هو الأصل، والشين كالمتولد منه أو التابع، وعلى هذا: فإناستويا .. فوجهان.
وفائده الخلاف تظهر فى عفوه عن إحدى الحكومتين .. فتجب الأخرى.
ويرد على إطلاق المصنف المتلاحمه فإنها ليست مقدره دائما، وهى كالموضحه فى استتباع فى الأصح.
تنميه: أوضح جبينه وأزال حاجبه .. فعليه الأكثر من أرش الموضحه وحكومه الشين وإزاله الحاجب ، قاله المتولى، وأقره عليه الشيخان.
قال: (وفى نفس الرقيق قيمته) لما انتهى الكلام من الحكومه .. عقبها بذكر الجنايه على الرقيق لاشتراكهما فى الأمر التقديرى ولذلك قال الأئمه: إن العبد أصل الحر فى الجنايات التى لايتقدر أرشها، كما أن الحر أصل العبد فى الجنايات التى يتقدر أرشها، حيث تجعل جراح العبد من قيمته كجراح الحرمن دينه.

وفى غيرها مَا نَقَصَ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّرْ مِنْ الحُرِّ، وَإِلَّا .. فَنِسْبَتَهُ مِنْ قِيْمَهِ، وَفِى قَوْلِ مَا نَقَصَ، ...

 وقد استوفى المصنف فى (كتاب الغضب) حكم الجنايه على الرقيق وغيره من الحيوان، وإنما أعاده هنا لأن الجنايه عليه تاره تكون من غير إثبات يد عاديه وهو المذكور هنا، وتاره تكون بأثبات اليد وهو المذكور (الغضب) وهما وأن استويا فى حكم النفس لكن يختلفان فى الطرف ونحوه.
فإذا كانت الجنايه على نفس الرقيق .. وجبت قيمته بالانفاق كسائر الأموال المتلفه، لكن تختلف بالفضائل والرذائل دون الذكوره والأنوثه والأديان، ولامدخل فيها للتغليظ، ولايختلف الخطأ والعمد فى ضمانه، ويستوى فيه القن والمكاتب والمدبر وأم الولد، فلو كانت مزوحه .. وحبث قيمتها علىلصفه التى كانت عليها حالة الإتلاف قال: (وفى غيرها) أى: فى غير النفس (ما نقص إن لم يتدر من الحر) بلا خلاف لأنا نشبه الحرفى الحكومه بالعبد، ليعرف التفاوت فيرجع به، ففى المشبه به أولى قال: (وإلا فنسيتهمن قيمته) وإن تقدر من الحر كالموضحه وقطع الأطراف، فيجب جزء من قيمته، نسبته إلى كنسبه ال الواجب من الحر الى الديه.
روى عن عمر وعلى رضى الله عنهما أنهما قالا (جراح العبد قيمته كجراح الحر فى دينه).وروى الشافعى والبيهقى عن بن سعيد بن المسيب أيضا، وبه قال أبو حنيفه.
وقال مالك: الواجب قدر النقصان، إلا فى الموضحه ومنقله والمأمومه والجائفه ففيها المقدر.
قال: (وفى قول: مانقص) أى قيمته، كما أن الواجب فى الجمله قدر القيمه لأنه كالبهيمه، لأنه مملوك وبهذا قال المزبى وابن سريج ونسبته المصنف فى (الغضب) الى القديم وهو منصوص (الألم) فى هذا الباب.
وخرج ب (الرقيق):المبعض، فقال الماوردى: فى طرفه نصف ما فى طرف

فَلَوْ قُطِعَ ذكره وَأنْثِيَاه .. فَفِي الأَظْهَرْ: قِيمَتَانِ، وَالثَّانِى: مَا نَقَصَ، فَإِنْ لَمْ يَنْقِصْ .. لَا يَجِبْ شَيْءِ

 العبد ونصف ما في طرف الحر، ففي يده ربع الدية وربع القيمة، وفي إصبعه نصف عشر الدية ونصف عشر القيمة، وعلى هذا القياس فيما زاد في الجراحات أو نقص.
قال: (فلو قطع ذكره وانثياه .. ففى الأظهر: قيمتان) كما يجب فيهما ديتان من الحر.
قال: (والثانى: مانقص) أى: من قيمته بالجرح كالبهيمه (فأن لم ينقص) شيء، وقيل: حكومه يقدرها الحاكم باجتهاده.
فلو قطع عبدا قيمته ألف فرجعت الى مئتين .. فعلى الأصح: لا يلزمه إلا خمس مئه وعلى الأخر ثمان مئه، ولو رجعت إلى ثمان مئه فعلى الأصح: لا تلزمه إلاخمس مئه وعلى الأخر تلزمه مئتان.
تتمه: محل ماذكره المصنف إذا لم يقطع يده غاصب ونحوه، فإن كان كذلك ونقص به مئلا ثلثا قيمه .. لزمه أكثر الأمرين من نصف القيمه والأرش بسبب اليد العاديه كما تقدم فى بابه خاتمه جنى على العيد اثنان قطع أحدهما يده والأخر اليدالأخرى .. فعلى الأصح: إن وقعت الجنايتان معا .. فعليهما قيمته، وإن تعاقبتا وكانت القيمه عند قطع الثانى ناقصه بسبب القطع الأول، فأن مات منهما .. ففى الواجب عليهما أوجه تأتى فى (كتاب الصيد) وأن اندملا، فأن وقع الثانى بعد الأول .. فعلى كل منهما نصف

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قيمته قبل جنايته، وإن وقع قبل اندمال الأول .. فعلى الثاني نصف ما أوجبناه على الأول.
وعلى الوجه الثاني: يجب على كل قاطع ما نقص بجنايته، فإذا قطعت أطراف عبد ثم حز رقبته آخر .. لزمه قيمة العبد ذاهب الأطراف.

بَابُ مُوجِبَاتِ الدِّيِةِ وًالْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةِ

صَاحَ عَلَى صَبِيِّ لاَ يُمَيِّزُ عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ بِذَلِكَ فَمَاتَ .. فَدِيَةٌ مُغَلِّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ،  باب موجبات الدية والعاقلة والكفارة غرض الباب بيان: أن الواجب في إهلاك النفس وما دون النفس كما يجب بمباشرة الإهلاك يجب باتسبب إليه، وقد سبق أن مراتب الشيء الذي له أثر في ذلك ثلاث، وهي: العلة والسبب والشرط.
ثم أضاف إلى ذلك حكم العاقلة والكفارة، وكان ينبغي أن يقول: وجناية العبد؛ فإنه من فصول الباب، وكذا الغرة، لكن يمكن إدراجهما في العاقلة؛ لأنها تتحملها على الأصح، ولم يبوب في (المحرر) على هذه، بل جعلها فصولا في (الديات).
و (العاقلة) جمع: عقل، والعواقل جمع الجمع، سميت عاقلة؛ لأنهم كانوا يعقلون الإبل بفناء دار القتيل، وقيل: لمنعهم إياه، وقيل: لإعطائهم العقل، وهو: الدية.
وقيل: لدفعهم الإبل بالعقل، وهي: الحبال التي تثمى بها أيدي الإبل إلى ركبها.
قال: (صاح علي صبي لا يميز على طرف سطح فوقع بذلك فمات .. فدية مغلطة على العاقلة)؛ لأنه يتأثر بالصيحة الشديدة كثيرا فأحيل الهلاك عليها، وكذلك الحكم لو صاح على ضعيف التمييز كلمجنون والمعتوه والنائم والمرأة الضعيفة.
والمصنف تبع الرافعي في التقييد بطرف السطح، وهو يقتضي: أن وسطه كالأرض فلا يضمن، وعبارة (التنبيه): (سطح)، وهو أعم، وعبارة

وَفِي قَوْلٍ: قِصَاصٌ.
وَلَوْ كَانَ بأَرْضٍ، أَوْ صَاحَ عَلَى بَالِغٍ بِطَرَفِ سَطْحٍ .. فَلاَ دِيَةَ فِي الأَصَحِّ.
وَشَهْرُ سِلاَحٍ كَصِيَاحٍ،  (الروضة): (فمات منه)، وهي أحسن من عبارته هنا؛ فإنه لو بقي مدة متألمًا ثم مات منه .. ضمنه، كما لو مات عقبة.
ويلتحق بالموت ما لو تلف بعض أعضائه .. فإنه يضمنه بأرشه، ولو زال عقله .. وجبت الدية، كما جزم به الإمام، ونص عليه في (الأم).
وخرج بـ (الصياح عليه): ما لو صاح على غيره فوقع هو من الصياح .. فهل يكون هدرًا أو كما لو صاح على صيد؟ الأقرب: الثاني.
قال: (وفي قول: قصاص)؛ لأن التأثر بها غالب، وعن أبي حنيفة: لا ضمان في ذلك.
قال الرافعي: وقياس من يوجب القصاص: أن تكون الدية مغلظة غلى الجاني، وما قاله بحثًا صرح بنقله البندنيجي.
ومثل طرف السطح: النهر والبئر نحوها، ووقع في (الشرح) و (الروضة) و (المحرر) و (الحاوي الصغير): (فارتعد)، فجعلوا الارتعاد شرطًا؛ ليظهر به أن السقوط من خوف الصيحة، وحذفه المصنف؛ لأن الجمهور لم يتعرضوا له، لكنه تعرض له فيما إذا صاح على صيد فاضطرب صبي وسقط، وهو يقتضي اشتراطه هنا أيضًا، وقد يفرق بينهما.
قال: (ولو كان بأرض، أو صاح على بالغ بطرف سطح .. فلا دية في الأصح)؛ لأن الموت بذلك بعيد.
والثاني: يجب كالسقوط من السطح.
وفي البالغ وجه ثالث: أنه إن غافصه من وراثه .. وجب الضمان لغفلته، وهو حسن.
قال: (وشهر سلاحٍ كصياحٍ)؛ لأن في معناه، وربما زاد عليه.

وَمُرَاهقٌ مُتَيَقِّظٌ كَبَالِغٍ.
وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَيْدٍ فَاضْطَرَبَ صَبِيٌ وَسَقَطَ .. فَدِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَلَوْ طَلَبَ سُلْطَانٌ مَنْ ذُكِرَتْ بِسُوءٍ فَأَجْهَضَتْ .. ضُمِنِ الْجَنِينُ .....

 قال: (ومراهقٌ متيقظٌ كبالغ)؛ لمشاركته له في عدم التأثر، فلا دية في الأصح.
وقوله: (كبالغ) يفهم: أن المميز غير المراهق، وليس كذلك، وقل من تعرض له، لكن عموم قول (التنبيه): (وإن صاح على صبي فوقع من سطح ومات .. وجبت ديته) يشمل ذلك.
قال: (ولو صاح على صيد فاضطرب صبي وسقط .. فدية مخففة على العاقلة)؛ لأنه لا يتأثر بها غالبًا، فهو خطأ.
وفي وجه غريب عن صاحب (التلخيص): أن الصائح إن كان محرمًا أو في الحرم .. تعلق بصيحته الضمان؛ لتعديه بذلك، وقد صرح المصنف هنا بالاضطراب كما تقدمت الإشارة إليه.
قال: (ولو طلب سلطانٌ من دُكرت بسوء فأجهضت .. ضُمن الجنين) خلافا لأبي حنيفة.
لنا: ما روى البيهقي [6/ 123] عن الحسن البصري: أن عمر أرسل إلى امرأة من نساء الأجناد يغشاها الرجل بالليل يدعوها وكانت ترقى في درج ففزعت، فألقت حملها، فاستشار عمر الصحابة فيها، فقال عبد الرحمن بن عوف: (إنك مؤدب ولا شيء عليك)، وقال علي: (إن اجتهد .. فقد أخطأ، وإن لم يجتهد .. فقد غشّك، عليك الدية)، فقال عمر لعلي: (عزمت عليك لتقسمنها على قومك) - قيل: أراد: قوم عمر، وأضافهم إلى علي إكرامًا- لكن الأثر منقطع؛ فإن الحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر.
واحترز بقوله: (أجهضت) عما لو مات فزعا بالطلب .. فلا ضمان؛ لأن مثله لا يفضي إلى الموت.
نعم؛ لو ماتت بالإجهاض .. ضمن عاقلته ديتها؛ لأن الإجهاض قد يحصل منه موت الأم، وعلم منه: أنه لو طلب رجلًا ذُكر عنده بسوء وهدده فمات .. لا ضمان أيضًا؛ لندرة ذلك، وإنما هو موافقة قدر، كذا نص عليه (الأم).

وَلَوْ وَضَعَ صَبيًّا فِي مُسْبَعَةٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ .. فَلاَ ضَمَانَ، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الاِنْتِقَالُ .. ضَمِنَ  وفي (النهاية): يجب الضمان؛ لأنه من الأسباب المؤدية إلى الهلاك.
وذكر (السلطان) ليس بقيد في الضمان، فلو هدد غيره حاملًا وأجهضت فزعا .. فظذلك الحكم على ما بحثه الرافعي؛ لأن إكراه غير الإمام كإكراه الإمام.
ولو أتي رجل إلأى امرأة وهددها عن الإمام ولم يكن الإمام أمر بذلك فأجهضت جنينًا .. ضمنته عاقلة الرجل.
ولو فزع إنسان فأحدث في ثوبه .. لا ضمان؛ لأنه لم ينقص جمالًا ولا منفعة.
(الإجهاض): إلقاء الولد قبل تمامه، واستعمله المصنف من الآدميات، والمعروف تخصيصه بالإبل، قاله ابن سيدة وغيره.
وقال أبو عبيد: يقال: أجهضت الناقة، وأزلقت الرمكة، وأسقطت النعجة: إذا ألقت ولدها قبل تمامه، وهو ظاهر كلام الجوهري؛ فإنه ذكر الإجهاض في الناقة وحدها، وذكر أن الإسقاط يستعمل فيها وفي غيرها.
قال: (ولو وضع صبيًا في مسبعة فأكله سبع .. فلا ضمان)؛ لأن الموجود تضييع وليس بإهلاك، ولأنه لم يُلجئ السبع إليه، بل الغالب من حال السبع الفرار من الإنسان.
قال: (وقيل: إن لم يمكنه الانتقال .. ضمن)؛ لأنه إهلاك عرفي، وإن أمكنه الانتقال من موضع الهلاك فلم يفعل .. فلا ضمان على الواضع قطعًا، كما لو فتح عرقه فلم يعصبه حتى مات، فإن كان الموضوع بالغًا فلا ضمان قطعًا.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل