وَلُو أُكَلّ بالأجتهاد أَوَّلا أَو آخِرًا وَبانَ الغَلَط .... بَطُلَ صَوْمهُ، أَو بَلًّا ظَنّ وَلَم يُبَن الحال .... صَحَّ إِن وَقَعَ ِفي أُولَه، وَبَطَلَ ِفي آخِرهُ.
وَلُو طَلَعَ الفَجْر وَفِيَّ فَمهُ طعا فَلَفْظهُ ... صَحَّ صَوْمهُ، وَكَذا إِن كانَ مجامعا فَنَزْع في الحال،
تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
قال: (ولو أكل بالاجتهاد أولا أو آخرا وبان الغلط .... بطل صومه)؛ لأنه تبين له خطأ ظنه، ولا عبرة بالظن البين خطؤه، وروى البيهقي (4/ 217): أن الناس أفطروا في زمن عمر رضى الله عنه، ثم انكشف السحاب فظهرت الشمس فقال: (الخطب يسير) وقضى يومًا مكانه وأمر بذلك، وفي (البخاري) (1959) عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس) قيل لهشام بن عروة: فأمروا بالقضاء؟ قال: وبد من القضاء.
وقال المزني وابن خزيمة: لا يبطل فيهما؛ لأنه معذور.
وقيل: لا يبطل في الأولى؛ لأن الأصل بقاء الليل فهو معذور، ويفطر في الثانية؛ لأن
قال: (أو بلا ظن ولم يبن الحال .... صح وإن وقع في أوله، وبطل في آخره) عملًا بالأصل في الموضعين، فإن بان الغلط ... بطل صومه فيهما، وإن بان الصواب ... صح فيهما، والفرق بينه وبين القبلة إذا ترك الاجتهاد فأصابها: أن هنا (ك) شك في شرط انعقاد العبادة وهنا شك في فسادها بعد انعقادها.
قال: (ولو طلع الفجر وفي فمه طعام فلفظه .... صح صومه)؛ لأ نه لو وضعه في فيه نهارا ولم يصل إلى جوفه .... لم يفطر، فأولي إذا كان الوضع ليلا.
واحترز بقوله: (فلفظه) عما إذا ابتلع منه شيئا باختياره فإنه يفطر، فإن سبقه .... فالأصح في زوائد (الروضة): لا فطر به.
وعبارة المصنف توهم أن لفظة شرط وليس كذلك؛ فإنه لو أمسكه في فيه ...... صح أيضا، فكان الصواب التعبير ب (لم يبتلعه).
قال: (وكذا إن كان مجامعا فنزع في الحال) أي: حال علمه؛ لأن النزع ترك
فَإِنَّ مَكْث
بَطُلَ
الجماع، فأشبه ما لو حلف لا يلبس ثوبا وهو لابسه فنزعه.
وقال ابن سريج: يشترط أن يقصد بالنزع الترك، فإن لم يقصده .... لم يصح.
وقال المزني: يبطل صومه بالنزع؛ لأنه يلتذ بالإخراج كما يلتذ بالإيلاج.
وجوابه: أن الالتذاذ لا يتعلق الفساد به بل بالوطء، وهذا ليس بوطء.
فإن قيل: كيف يعلم الفجر وطلوعه الحقيقي متقدم على علمنا؟ ..... فالجواب: أنا لم نتعبد بما في نفس الأمر، بل بما نطلع عليه، والعارف بالأوقات إذا رصد ..... عرف أول الطلوع الذي يتعلق به التكليف.
قال: (فإن مكث ..... بطل) لتحقق الجماع منه قصدًا، وفي هذه الحالة تلزمه الكفارة على المذهب.
تتمة:
ظاهر كلام المصنف: أن صومه انعقد ثم فسد، وكذا عبارة (المحرر) حيث قال: (فسد)، وإلى هذا ذهب القاضي حسين وشرذمة من الأصحاب، والصحيح عند الجمهور خلافه.
قال الشيخ: ويتلخص في مسألة المكث ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه لا انعقاد ولا كفارة، وهو قول المزني.
والثاني: لا انعقاد ولكن تجب الكفارة، وهو المشهور.
والثالث: ينعقد ثم يفسد وتجب الكفارة، وهو المختار.
قال الرافعي: والخلاف جار فيما إذا جامع ناسيًا، ثم ذكر الصوم واستدام.
ولو مكث بعد طلوع الفجر ظانا أن صومه قد فسد .... وجب القضاء ولا كفارة؛ لأنه غير قاصد لهتك الحرمة، قال الماوري.
فَصَّلَ: شَرْط الصَوْم: الإِسْلام وَالعُقُل وَالنِقاء عَن الحَيْض وَالنِفاس جَمِيع النَهار.
ونظير المسألة: ما إذا أحرم بالحج مجامعًا، وفيه ثلاثة أوجه، أصحهما: لا ينعقد صحيحًا ولا فاسدًا كما سيأتي في موضعه.
والفرق بينه وبين الصوم: أن الصوم يخرج منه بالإفساد فلا يصح دخوله فيه مع المفسد بخلاف الحج.
قال: (
فصل: شرط الصوم
: الإسلام) المراد: شرط صحته، فلا يصح صوم الكافر بالإجماع سواء كان كافرًا أصليا أم مرتدًا، وعبارة (المحرر): يشترط في الصائم، وهي أحسن.
فلو صام الكافر ثم أسلم ..... لم يحكم بصحة صومه الماضي ولا يثاب عليه، بخلاف ما إذا تصدق ثم أسلم؛ فإنه يثاب على الصدقة الماضية على الأصح.
قال: (والعقل) مرادهم ب (العقل) هنا: التمييز، فلا يصح صوم غير المميز كالمجنون والسكران والطفل والمغمى عليه دائمًا، ويصح صوم الصبي المميز بالاتفاق.
والذي يعرض للعقل أربع مراتب: أعلاها: الجنون يسلب خاصية الإنسان ويكاد يلحقه البهائم، فهذا يبطل إذا استغرق باتفاق الجمهور، وإذا عرض في أثناء النهار علي الصحيح، وأدناها: الغفلة يصح الصوم معها في جميع النهاربالأتفاق، وبين الرتبتين: النوم والإغماء وسيأتي حكمها.
قال: (والنقاء عن الحيض والنفاس) بالإجماع، فلو لدت في أثناء النهار ولم تر دمًا، فإن قلنا: لا غسل ... لم يبطل صوما، وإلا ... بطل على الأشهر، ولم يبطل في الآخر، قال: المصنف: وهو الراجح دليلًا.
قال: (جميع النهار) هذا قيد في الأربعة، فلو طرأ في أثناء النهار جنون أو حيض أو نفاس ... بطل كما لو جن في خلال صلاته.
وَلا يُضَرّ النَوْم المُسْتَغْرِق عَلَى الصَحِيح.
وَالأَظْهُر: أَن الإِغْماء لا يُضَرّ إِذا أَفّاق لَحْظَة مَن نَهارهُ
وقيل: لا يبطل طران الجنون، بل قال القاضي حسين: لا يضر المستغرق أيضًا.
فرع:
قال القاضي أبو الطيب: هل يبطل صوم الإنسان بالموت كما تبطل صلاته، أو لا كما لا يبطل حجه بل يبقي حكمه حتى يبعث يوم القيامة ملبيًا؟ فيه وجهان.
قال المصنف: أصحهما: أولهما، ووجه المنع بأنه روى الحاكم (3/ 103): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان رضي الله عنه في المنام: (أنت تفطر عندنا الليلة) وسيأتي في (باب التفليس) عنه ذكر السراويل.
قال: (ولا يضر النوم المستغرق علي الصحيح)؛ لبقاء أهلية الخطاب، فهو أقرب إلى رتبة الغفلة.
والثاني: يضر كالإغماء إذا استغرق، وبه قال ابن سريج وأبو الطيب بن سلمة والإصطخري.
واحترز ب (المستغرق) عما لو استيقظ في لحظة؛ فإنه يصح بالاتفاق.
قال: (والأظهر: أن الإغماء لا يضر إذا أفاق لخظة من نهاره)؛ لأن الإغماء في الاستيلاء على العقل فوق النوم ودون الجنون، فلو قنا: إن المستغرق منه لا يضر كالنوم ... ألحقنا الأقوى بالأضعف، ولو قلنا: إن اللحظة منه تضر كالجنون ... ألحقنا الأضعف بالأقوى، فتوسطنا وقلنا: إن الإفاقه في لحظة كافية.
والثاني: يضر مطلقًا كالجنون.
والثالث: لا يضر مطلقا كالنوم.
والرابع: لا يضر إذا حصلت الإفاقة في أوله؛ لأنا نغتفر في الدوام ما لا نغتفر في الابتداء.
والخامس: لا يضر إذا أفاق في طرفيه؛ لأن الوسط يكون تابعًا فلا يضر.
وَلا يَصِح صُوَّم يَوْم العِيد، وَكَذا التَشْرِيق ِفي الجَدِيد.
وَلا يَحْل تُطَوِّع يَوْم الشِكّ بَلًّا سَبَّبَ،
وقال المتولي: سكر بعض النهار كإغماء بعضه، كذا نقله عنه الرافعي وأقره.
ويعلم منه: الصحة في الدواء، ويتعين حمله علي المستغرق.
قال: (ولا يصح صوم يوم العيد) هذا شرط رابع وهو: الوقت القابل للصوم، فلا يصح صود العيدين بالإجماع، وفي (الصحيحين) (خ 1990 - م 1137) عن جماعة من الصحابة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صومها)، وأجمع العلماء على تحريم صومهما.
وعندنا وعند أكثر العلماء: لا يصح ولا ينعقد نذره كأيام الحيض.
وقال أو حنيفة: ينعقد نذره ويلزمه صوم غيرهما، فإن صامها ... أجزاه مع التحريم.
قال: (وكذا التشريق في الجديد)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيامها، رواه أبو داوود (2410) بإسناد صحيح، وفي (صحيح مسلم) (1141) عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله تعالي).
وفي القديم: يجوز صومها للمتمتع إذا عدم الهدي عن الأيام الثلاثة الواجبة في الحج، واختار المصنف؛ لما روى البخاري (1997 - 1998) عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أنهما قالا: (لم يرخص في أيام التشريق أن يضمن إلا لمن لم يجد الهدي)، وصرح باختياره أيضا البيهقي وابن الصلاح.
وأيام التشريق: ثلاثة بعد يوم النحر، سميت بذلك؛ لأن الناس يشرقون فيها لحوم الأضاحى والهدايا، أي: ينشرونها، وهي: الأيام المعدودات التي أمر الله عز وجل فيها بذكره.
قال: (ولا يحل تطوع يوم الشك بلا سبب) باتفاق الأصحاب خلافًا لأبي حنيفة ومالك.
فَإِنَّ صامَهُ ... لِمَ يَصِح ِفي الأَصَحّ، وَلِهَ صَوْمهُ عَن القَضاء وَالنُذُر، وَكَذا إِن وَأُفُق عادَةً تُطَوِّعهُ،
لنا: ما روى ابن حبان (3585) والترمذي (686 مسندا ً، والبخاري تعليقا، عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما أنه قال: (من صام يوم الشك ..... فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم).
قال في (المهمات): والمعروف في صومه الكراهة، فهو المنصوص الذي عليه أكثر الأصحاب، والقاتل بالتحريم هم الأقلون.
قال: (فإن صامه ...... لم يصح في الأصح) كيوم العيد.
والثاني: يصح؛ لأنه قابل للصوم في الجملة.
والوجهان كالوجهين في الصلاة في الأوقات المكروهة.
قال: (وله صومه عن القضاء والنذر) أى: مستقر عليه؛ مبادرة إلى براءة الذمة، ولأن له سببًا فجاز كنظيره من الصلوات في الأوقات المكروهة.
ولا خاتف أنه لا يجوز صومه احتياطيًا لرمضان.
وعبارة المصنف تشمل قضاء الواجب والمستحب، كما قالوه في الأوقات المكروهة أنه يقضي فيها الواجب والمستحب، ومن صوره: أن يشرع في صوم نقل ثم يفسده، فإنه يستحب له قضاؤه.
وكلامه يشعر بأمرين:
أحدهما: عدم الكراهة، وهو الصحيح على ما يشعر به كلام (الشرحين) و (الروضة) وهو مقتضى كلام الجمهور.
والثاني: أن صوم القضاء لا يجب، وهو واضح في قضاء المنذور وقضاء رمضان لمن قام به عذر من مرض أو سفر وأراد أن يصوم مع العذر، فأما من لا عذر له .... فلا يجوز له أن يؤخر القضاء إلى رمضان آخر.
قال: (وكذا إن وافق عادة تطوعه)؛ بأن كان يسرد الصوم أو يصوم يوما ويفطر
وَهُوَ: يَوْم الثَلاثِيْنَ مَن شَعْبان إِذا تَحَدَّثَ الناس بِرُؤْيتهُ، أَو شَهِدَ بِها صَبِيّانِ، أَو عَبِيد، أَو فَسَقَة.
وَلَيِسَ إِطْباق الغَيْم بِشِكّ
يومًا، أو يصوم يومًا معينا كالإثنين والخميس فوافق صومه يوم الشك ... فله صيامه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه) رواه الشيخان (خ 1914 - م 1082)، ولا كراهة في ذلك بلا خلاف.
وأما القضاء والنذر إذا صامهما فيه ... ففي كراهة ذلك وجهان:
الأصح: لا يكره.
والثاني: نعم؛ ولا ثواب له.
قال: (وهو: يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس برؤيته) أي: ووقع في الألسن أنه رئي ولم يقل عدل: أنا رأيته، أو قاله ولم يقبل الواحد فيه.
قال: (أو شهد بها صبيان، أو عبيد، أو فسقة) ولو ظن صدقهم.
أما إذا لم يكن شئ من ذلك، أو شهد به عبد واحد أو امرأة أو صبي ... فليس بشك، وقد تقدم ما فيه من الإشكال.
قال: (وليس إطباق الغيم بشك)؛ لأنا تعبدنا فيه بإكمال العدد، ولا عبرة بظننا الرؤية لولا الغين.
فلو يتحدث برؤيته أحد ... فعن الشيخ أبي محمد هو يوم الشك، والأصح خلافه.
تتمة:
في الصوم بعد نصف شعبان غير يوم الشك أربعة أوجه:
أصحهما: لا يجوز؛ لما روى الأربعة وابن حبان (3589) - بإسناد صحيح - عن
وَيُسِنّ تَعْجِيل الفِطْر عَلِيّ تُمَر، وَإِلّا فَماء،
أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا انتصف شعبان ..... فلا تصوموا).
والثاني: يجوز ولا يكره، وبه قطع المتولي، وأشار في (التنبيه) إلى اختياره.
والثالث: يكره كراهة تنزيه، وهو اختيار الروياني.
والوجهان ضعيفان وكل من المتولي والروياني لم يثبن عنده الحديث.
والوجه الرابع: لا يتقدم الشهر بصوم يوم ولا يومين ويجوز بأكثر، وهو مقتضى كلام البندنيجي وابن الصباغ لمفهوم: (لا تقدموا رمضان يوم أو يومين).
وجوابه: أن منطوق النهي عن الصوم بعد النصف تقدم.
قال: ويسن تعجيل الفطر)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) متفق عليه (خ 1957 - م 1098) وإنما يسن بعد تحقق الغروب.
ويكره تأخير الفطر قصدًا، وأن يتمضمض بماء ويمجه، وأن يشرب ماء ويتقيأه إلا لضرورة؛ لأن ذلك يزيل الخلوف.
ومن هذا يؤخذ أن كراهة السواك لا تزول بالغروب ما لم يفطر.
قال: (على تمر، وإلا فماء)؛ لقوله صلى الله عليه ةسلم: (إذا كان ~أحدكم صائما ... فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر .... فعلى الماء؛ فإن الماء طهور) رواه الأربعة وابن حبان (3515) والحاكم (1/ 432) عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه، قال مسلم: لم يكن في الصحابة ضبي غيره.
وَتَاخِيرُ السُّحُورِ
وفي (الترمذي) (696) عن أنس رضى الله عنه: (أن البي صلى الله عليه وسلم كان يفطر على رطبات، فإن لم يجد .. فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء.
وظاهر الحديث: أنه لا بد من ثلاث تمرات، بذلك صرح القاضي أبو الطيب ونقله عن النص.
وقال الشيخ محب الين الطبري: القصد أن لا يدخل جوفه شيئا قبله، قال: ومن كان بمكة ..... استحب له الفطر على ماء زمزم لبركته، فإن جمع بينه ووبين التمر .... فحسن.
والحكمة في التمر: أن الصوم يفرق البصر والتمر يجمعه، ولهذا قال الرياناي إن لم يجد التمر .... فعلي حلاوة أخري، فإن لم يجد ... فعلى الماء.
قال القاضى حسين: والأولى في زماننا: أن يفطر على ماء يأخذه بكفنه من النهر؛ فإن الشبهات قد كثرت فيما في ايدي الناس.
قال المصنف: وما قاله القاضي والروياني شاذان، والصواب: التمر ثم الماء كما في الحديث.
وقال الحليمي: الأولى: أن لا يفطر على شئ مسته النار، وذكر فيه حديثا.
قال: (وتأخير السحور)؛ لأنه أرفق وأقوي عن العبادة، وفي (صحيح ابن حبان) (1770) عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنه من سنن المرسلين)، وفي (مسند أحمد) (5/ 147) عن أي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور)
واستحباب السحور متفق عليه، ويحصل بقليل الأكل وكثيره وبالماء؛ لما روي عن ابن حبان (3476) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسحروا ولو بجرعة ماء).
ما لِمَ يُقْع ِفي شَكَّ، وَلِيَصُن لِسانهُ عَن الكِذْب وَالغَيْبَة،
و (السحور) بفتح السين: اسم للمأكول وقت السحر، وبالضم: اسم (لتناول) المأكول.
ووقته: من نصف الليل إلى طلوع الفجر، قاله في (شرح المهذب)، وذكره الرافعي كذلك في (كتاب الإيمان).
قال الشيخ: وفي هذا نظر؛ لأن السحر في اللغه قبل الفجر كما قاله الجوهري وابن فارس.
والزمخشري وابن الصيف اليمني خصاه بالسدس السادس من الليل.
وقال الحليمي: إنما يستحب السحور لغير الشبعان، فإن كان شبعانًا .... فلا؛ لأن الأكل الوائد على الشبع حرام أو مكروه، فكيف يكون سنة؟
قال: (ما لم يقع في شك) أي: في التعجيل والتأخير، فحينذ يكون تركه أولى.
وقيل: لا يجوز فعله.
قال: وليصن لسنه عن الكذب والغيبة) هذا واجب على كل أحد، ويتأكد للصائم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به ... فليس لله حاجة في آن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري (1903) وفي (المستدرك) (1/ 431): (رب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، وفي (الصحيحين) (خ 1904 - م 1151): (إذا كان يوم صوم أحدكم ..... فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه ... فليقل: (إني صائم).
و (الرفث): الفحش في القول.
ومعني شاتمه: شتمه متعرضا لشتمه.
وقوله: (فليقل: إني صائم) قيل: بلسانه، وقيل: بقلبه فيتذكر أنه لا تليق به المشاتمة، والمعنيان حسنان، ولو جمعهما كان أحسن، واستحين الروياني وجها ثالثا: أنه يقول بلسانه في صوم رمضان، وفي نفسه في صوم التطوع.
وأما حديث: (خمس يفطرن الصائم: الغيبة والنميمة والكذب والقبلة واليميمن الفاجرة) فرواه الأزدي في (الضعفاء) عن جابان عن أنس رضي الله عنه مرفوعا، ووقع في (الإحياء) عن جابر رضي الله عنه وهو تصحيف، وإن صح ... قال الماوردي: فالمراد: بطلان الثواب لا الصوم.
وقال سفيان الثوري ومجاهد والأوزاعي: يبطل الصوم بالغيبة والكذب ويجب قضاؤه.
وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ
وفي (الإحياء) و (الأذكار): أن الغيبة قد تكون بالقلب.
وتعبير المصنف ب (اللسان) يخرج ذلك على أن الغيبة قد تجوز لحاجة التظلم ونجوه، وكذلك الغيبة كا لإخبار عن مساوئ الخاطب وعيوب المبيع، لكن المصنف جرى على الغالب، وما أحسن قول المتولي: يجب على الصائم أن يصوم بعينه فلا ينظر إلى ما لا يحل، وبسمعه فلا يسمع ما لا يحل، وبلسانه فلا ينطق بفحش ولا شتم ولا كذب ولا غيبة.
وهذة الأشياء وإن حرمت مطلقًا فهى في رمضان أشد تحريما.
فائدة:
قال المصنف في (الأذكار): بلغنا أن قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من عيب؟ فقال: هى أكثر من أن تحصى، والذى أحصيته منها ثمانية آلاف عيب، ووجدت خلصة إذا استعملها ... سترت العيوب كلها، قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان.
نقل فيه عن النحاس عن بعض السلف: أنه كره أن يقول الصائم: وحق الخاتم الذي على فمى، واحتج له بأنه يختم على أفواه الكفار.
قال المصنف: وفي الاحتجاج نظر، وإنما حجته: أنه حلف بغير الله تعالى فهو مكروه لذلك لا لما قاله.
قال: (ونفسه عن الشهوات) المسموعات والمبصرات والمشمومات ولو كانت مباحة؛ لأن ذلك سر الصوم والمقصود الأعظم منه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (الصوم جنة) أي: بقي موارد الهوى والهلكات، ومن هنا تؤخذ كراهة شم الريحان والطيب للصائم، وبه صرح المتولى.
وقال: المحاملي والجرجاني: يكره للصائم دخول الحمام، يعني: من غير حاجة، وكأنه لإضعافه عن العبادة
وَيَسْتَحِبُّ: أَن يَغْتَسِل مَنَ الْجَنابَة قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَنْ يَحْتَرِز عَن الحِجامَة
قال في (الدقائق): (ونفسه عن الشهوات) مستحب، ولا يمنع هذا العطف؛ لأن النوعين اشتركا في الأمر بهما، لكن الأول إيجاب والثاني أمر ندب، عكس: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ﴾.
قال: (ويستحب: أن يغتسل من الجنابة قبل الفجر)، وكذلك من الحيض والنفاس؛ ليؤدي العبادة على طهارة.
ويجوز تأخيره؛ أما في الاحتلام ... فبالإجماع، وأما عن الجماع ... فلما في (الصحيحين) (خ 1932 - م 1109) عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبًا من جما غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم)، وبهذ قال جمهور العلماء.
وقال سالم بن عبد الله بن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم: (لا يصح صومه)، وقيل إن أبا هريرة رضي الله عنه رجع عنه.
وقال النخعي: لا يصح صوم منقطعة الحيض حتي تغتسل.
واحتج أبو هريرة رضي الله عنه ومن وافقه بحديث: (من أصبح جنبا ... فلا صوم له)، وهو في (صحيح البخاري).
قال ابن المنذر: وأحسن ما سمعت فيه: أنه منسوخ؛ لأن الجماع كان في أول الإسلام محرما على الصائم بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله تعالى الجماع إلى طلوع الفجر .... جاز للجنب إذا أصبح قبل الاغتسال أن يصوم.
قال: (وأن يحترز عن الحجامة) وكذلك الفصد؛ للاختلاف فيهما كما تقدم.
وَالقِبْلَة وَذَوْق الطَعام وَالعِلْك، وَإِن يَقُول عَنِدَ فِطَرهُ: (اللَهْم؛ لَكّ صَمَتتَ، وَعَلَى رِزْقكَ أَفْطَرتِ)،
قال: (والقبلة) أي ندبًا لا تحريمًا؛ خشية الإفساد، وهذه مكررة في الكتاب.
وحكم النظر بشهوة حكم القبلة، وصرح الروياني في (الحلية) بأنه يأثم به.
قال: (وذوق الطعام) خوفًا من وصوله إلى حلقه، ولو قال: (والذوق) كان أعم.
ويكره مضغ الخبز وغيره إلا أن يحتاج إلى ذلك لطفل ونحوه.
قال: (والعلك)؛ لأنه يجمع الريق، وقد سبق الخلاف في الإفطار به، وهو مضغه، و (العلك)؛ لأنه يجمع الريق، وقد سبق الخلاف في الإفطار به، وهو بفتح العين مصدر معاناه: المضغ، تقول: علك الشئ يعلكه بالضم علكًا: إذا مضغه، و (العلك) بالكسر: الشئ المعلوك، وكذلك ضبطه المصنف بخطه بالوجهين.
كل هذا إذا لم يصل من العلك شئ إلى الجوف، فإن كان يتناثر منه شئ .... فلا يجوز علكه.
وقال القاضي حسين: إن كان جديدا .... فلا محالة أنه يصل منه شئ إلى جوفه، فلا يجوز له مضغه، قال: واللبان الأبيض ضرب منه، إذا أصابه الماء ... اشتد.
قال المصنف: إن وصل شئ منه عمدا ً ..... أفطر، وإن شك ...... فلا، وإن ابتلع ريقه وفيه طعمه أو ريحه ...... لم يفطر خلافا لابن القطان.
قال: (وأن يقول عند فطره: (اللهم؛ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت) كذا رواه داوود أبو داوود (2350) عن معاذ بن زهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ومعاذ بن زهرة تابعي، ورواه الدارقطني (2/ 185) من رواية ابن عباس رضي الله عنهما متصلا ً، وزاد في آخره: (فتقبل مني إنك أنت السميع العليم) لكن في إسناده: عبد الملك بن هارون وهو دجال كذاب.
وَإِنْ يُكْثِر الصَّدَقَة وَتِلاَوَةَ القُرْآنِ ِفي رَمَضانَ، وَأَنْ يَعْتَكِفَ لاَ سِيَّمَا ِفي العُشْر الأَواخِر مِنهُ
وفي (ابن ماجه) (1753) عن ابن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للصائم عند فطره دعوة مجابة)، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول عند فطره: (اللهم؛ ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله، اللهم؛ يا واسع المغفرة اغفر لي)، وفهم من الدعاء المذكور: أنه يقوله بعد فطره وهو واضح.
قال: (وأن يكثر الصدقة وتلاوة القرآن في رمضان) أما الصدقة ...... فلقوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة صدقة في رمضان) رواه الترمذي (663)، وسيأتي في (صدقة التطوع) بيان ذلك.
وأما تلاوة القرآن ... ففي (الصحيحين) (خ 6 - م 2308): (أن جبريل عليه السلام كان يلقى النبي صلى الله عليه وسلم كل سنة في رضمان فيعارضه القرآن)، ولأنه الشهر الذي نزل فيه القرآن إلى السماء الدنيا.
قال: (وأن يعتكف)؛ لأنه أقرب إلى صيانة النفس وتمام الصيام.
قال: (لا سيما في العشر الأواخر منه، ففي (الصحيحين) (خ2026 - م 1171). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، وفي (البخاري) (2024): (كان إذا دخل العشر .... أحيي الليل كله، وأيقظ أهله، وشد منزره)، وفي مسلم (1175): (كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره).
وقوله: (العشر الأواخر) هو الصواب؛ لأن المقصود: التأخير الوجودي، فهو جمع آخرة، وفاعله تجمع على فواعل قياسا.
قال الشيخ: وقوله: (لا سيما) كلمة منبهة على ان ما بعدها أولى بالحكم مما قبلها لا مستشني بها علي الأصح.
وقال الجوهري: يستثني بها.
وأصلها (سي) ضم إليه (ما)، وهى بمنزلة (مثل) وزنا الجوهري: يستثني بها.
وأصلها (سي) ضم إليه (ما)، وهي بمنزلةة (مثل) وزنًا ومعني، والأشهر فيها: تشديد الياء، ويجوز في الاسم الذى بعدها الجر والرفع والنصب، وقد روى بهن قول امرئ القيس (من الطويل):
ولا سيما يوم بدارة جلجل
والجر أرجحها وهو على الإضافة، و (ما) زائدة، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقول: جاءني القوم لاسيما أخوك، أي: الذي هو أخوك، والنصب على التمييز.
تتمة:
يستحب أن يفطر الصائم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من فطر صائما فله مثل أجره) صححه الترمذي (807).
فَصْلٌ:
شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَإِطَاقَتْهُ
قال المتولي: فإن لم يقدر على عَشائه .. فطَّره على تمرة أو شَربة ماء أو مذقة لبن، وذكر فيه حديثًا أنه يعطى ذلك الثواب.
ويكره للصائم وغيره صمت يوم إلى الليل من غير حاجة.
قال الشيخ: ينبغي أن تكون كراهة تحريم؛ لما روى البخاري [3834]: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل على امرأة من أحمس، فرآها لا تتكلم، فقال: (ما لها لا تتكلم؟!) قالوا: حجت مصمتة! فقال لها: (تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية!) فتكلمت.
ويستحب أن يوسع على عياله في شهر رمضان، ويحسن إلى أرحامه وجيرانه.
قال: (
فصل
:
شرط وجوب صوم رمضان: العقل، والبلوغ) فلا يجب على المجنون والمغمى عليه والصبي بلا خلاف وإن ترددنا في وجوب القضاء كما سيأتي، ويجب على السكران ولا يصح منه.
قال: (وإطاقته) فالعاجز بكبر أو مرض لا يلزمه الصوم، بمعنى: أنه لا يتحتم على، وأما أنه هل يخاطب به ثم ينتقل إلى الفدية، أو يخاطب بالفدية ابتداء، أو لا يخاطب بشيء منها؟ فيه خلاف سيأتي.
والمريض الذي لا يرجى برؤه كالشيخ الكبير في عدم وجوب الصوم.
وأما الحائض .. فهي مخاطبة به، والقضاء بأمر جديد على الصحيح فيمكن إخراجها بقيد الإطاقة، فإنها عاجزة عنه شرعًا.
والنفساء كالحائض.
وَيُؤْمَرُ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ إِذَا أَطَاقَ.
وَيُبَاحُ تَرْكُهُ: لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا،
ولم يذكر الشيخ الإسلام؛ لأن الكفار مخاطبون بالفروع على الأصح، لكنه قد ذكره في الصلاة وهما سواء.
قال: (ويؤمر به الصبي لسبع إذا أطاق)، ويضرب على تركه لعشر، قياسًا على الصلاة، إلا أنه يشترط هنا الإطاقة كما قاله المصنف لما فيه من المشقة بخلاف الصلاة، وهذا الأمر واجب على الولي نص عليه الشافعي رضي الله عنه هنا صريحًا، وفي (الصلاة) ظاهرًا.
والصبية في معنى الصبي.
وإذا صام الصبي .. كان صومه شرعيًا خلافًا لأبي حنيفة.
قال: (ويباح تركه: للمريض) بالإجماع المستند إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية.
ولا فرق بين أن يكون قد تعدى بسبب المرض أم لا.
قال: (إذا وجد به ضررًا شديدًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
ولا يشترط أن ينتهي الضرر إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم، بل المعتبر أن يشق احتماله على ما فصل في (التيمم).
وضبطه الإمام والغزالي بكل مرض يمنع من التصرف مع الصوم
وما ذكره المصنف من الإباحة محله: إذا لم يخش الهلاك من الصوم، فإن خشي .. وجب عليه الفطر.
وحكم غلبة الجوع والعطش حكم المرض وإن كان صحيحًا مقيمًا.
ومن يأتيه المرض في وقت دون وقت، إن كان وقت الشروع فيه .. فله ترك النية، وإلا .. فعليه أن ينوي من الليل، فإن عاد واحتاج إلى الفطر .. أفطر.
ومن شرب شيئًا قصدًا منه إلى المرض قبل الفجر فأصبح مريضًا .. قال والد الروياني: عندي يحل له الفطر؛ لأن المرض فعل الله تعالى وإن كان سببه معصية، والصوم لا يسقط بل يتأخر.
وَلِلْمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا.
وَلَو أَصْبَحَ صَائِمًا فَمَرَضَ .. أَفْطَرَ، وَإِنْ سَافَرَ .. فَلَا
قال: (وللمسافر سفرًا طويلًا مباحًا) بالإجماع، فلو كان يديم السفر أبدًا .. ففي تجويز ترك الصوم دائمًا له نظر؛ فإنه يزيل حقيقة الوجوب، بخلاف القصر، وإنما يظهر الجواز لمن يرجو إقامة يقضي فيها، قاله الشيخ وغيره.
قال: (ولو أصبح صائمًا فمرض .. أفطر)؛ لأن ضرورته قائمة، لكن لا يجوز له الفطر حتى ينوي الخروج من الصوم؛ لأنه عبادة أبيح الخروج منها قبل كمالها، فوجبت نية الخروج كالمحصر يريد التحلل.
وفائدة اقتران النية بالفطر: أن يتميز الفطر المباح من غيره، وسيأتي نظير هذا في الجماع.
قال: (وإن سافر .. فلا) كالصلاة إذا شرع فيها في الحضر ثم سافر، ولأنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر فغلّب جانب الحضر.
وفي وجه: يجوز له الفطر، وبه يقال المزني محتجًا بأنه عليه الصلاة والسلام خرج عام الفتح إلى مكة صائمًا في رمضان، فلما بلغ كراع الغميم .. أفطر، رواه مسلم [1114] من حديث جابر رضي الله عنه.
ظن المزني أن ذلك في يوم واحد وغلطه الأصحاب فيه؛ فإن بين المدينة وبين كراع الغميم نحو ثمانية أيام.
والمراد بالحديث: أنه صام أيامًا في سفره ثم أفطر.
وقيل: إن المزني تبين له ذلك فرجع عن هذا الاحتجاج لا عن مذهبه، ووافقه على هذا أحمد وإسحاق، لكن المزني غير منفرد بذلك فقد قال البويطي ذلك أيضًا.
وصورة المسألة: أن يفارق العمران بعد الفجر، فإن فارقها قبله .. أفطر بلا خلاف.
ولو نوى الصائم بالليل ثم سافر، ولم يعلم: أسافر قبل الفجر أم بعده؟ فليس له أن يفطر؛ لأن الشك لا يبيح الترخص.
وَلَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ صَائِمَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ الْفِطْرَ .. جَازَ، فَلَوْ أَقَامَ وَشُفِيَ .. حَرُمَ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِذَا أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ .. قَضَيَا، وَكَذَا الْحَائِضُ،
قال: (ولو أصبح المسافر والمريض صائمين ثم أراد الفطر .. جاز).
أما المريض .. فبلا خلاف، وأما المسافر .. فهو المنصوص الذي عليه الأكثر؛ لأن المقتضي للترخص قائم.
وفيه احتمال حكاه صاحب (المهذب)، وغيره وجهًا، ونص عليه في (البويطي (: أنه لا يجوز كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام ثم أراد القصر.
والفرق: أنه بالقصر تارك الإتمام الذي التزمه لا إلى بدل، والصوم له بدل وهو القضاء، فجاز مع دوام العذر، لا جرم كان الصحيح الجواز.
وعلى هذا: في كراهته وجهان، أصحهما في (شرح المهذب (: لا، واختار الشيخ أنه لا يكره إذا كان لحاجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في كراع الغميم قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام! وإنما ينتظرون ما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب، رواه مسلم [1114]، قال: أما إذا كان بغير حاجة .. فينبغي أن يكره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
لو أصبح المسافر صائمًا، فنذر الإتمام .. قال صاحب (البحر) عن والده: لا يلزمه الإتمام؛ لأن الإيجاب شرعًا أقوى من الإيجاب نذرًا، وكما لو نذر المسافر أن يقصر الصلاة أو يتمها لا يتغير الحكم بهذا النذر.
قال: (فلو أقام وشفي .. حرم الفطر على الصحيح)؛ لزوال علة الإباحة.
والثاني: لا يحرم اعتبارًا بأول اليوم.
قال: (وإذا أفطر المسافر والمريض .. قضيا)؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر.
قال: (وكذا الحائض)؛ لقول عائشة رضي الله عنها: (كنا نؤمر بقضاء الصوم) وهذه تقدمت في بابها.
وَالْمُفْطِرُ بِلَا عُذْرٍ، وَتَارِكُ النِّيَّةِ.
وَيَجِبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِالإِغْمَاءِ وَالرِّدَّةِ دُونَ الْكُفْرِ الأَصْلِيِّ وَالصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ
قال: (والمفطر بلا عذر)؛ لأنه أولى بذلك من المعذور.
وهذا لا خلاف فيه في الجماع كما سيأتي، ويكفيه في إفطار يوم قضاء يوم.
وقال ربيعة: يقضي عن كل يوم ثلاثين يومًا.
وقال ابن المسيب: يصوم عن اليوم اثني عشر يومًا.
وقال النخعي: ثلاثة أيام.
وقال علي وابن مسعود رضي الله عنهما: (لا يقضيه الدهر كله وإن صامه)
وسيأتي في (كتاب الشهادات): أن الإفطار في شهر رمضان من غير عذر من الكبائر.
قال: (وتارك النية)؛ لأنه لا عمل إلا بها.
وسواء في ذلك العامد والناسي، بخلاف الأكل ناسيًا فإنه لا يبطل صومه؛ لأن النية من باب المأمورات، والأكل من باب المنهيات، والنسيان يؤثر في الثاني دون الأول.
قال: (ويجب قضاء ما فات بالإغماء)؛ لأنه مرض يغشى العقل بخلاف الجنون، وإنما لم يجب قضاء الصلاة لتكررها، والإغماء قد يمتد فيشق القضاء سواء استغرق الإغماء الشهر أم لا.
وعن ابن سريج: إن استغرق الشهر .. لم يقض، وعنه: إذا استغرق يومًا .. لم يقض، وإذا أغمي عليه الليل كله .. دخل في قسم تارك النية.
قال: (والردة)؛ لالتزامه بالإسلام.
قال: (دون الكفر الأصلي)؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
قال: (والصبي والمجنون)؛ لارتفاع القلم عنهما.
وَلَوْ بَلَغَ بِالنَّهَارِ صَائِمًا .. وَجَبَ إِتْمَامُهُ بِلَا قَضَاءٍ.
وَلَوْ بَلَغَ فِيهِ مُفْطِرًا أَوْ أَفَاقَ أَوْ أَسْلَمَ .. فَلَا قَضَاءَ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ فِي الأَصَحِّ، وَيَلْزَمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ
وفي المجنون قول: إنه إن أفاق في أثناء الشهر .. لزمه قضاء ما مضى منه.
وفي ثالث: يلزمه القضاء مطلقًا كالمغمى عليه، وبه قال مالك، سواء استغرق الشهر أم لا.
أما إذا ارتد أو سكر ثم جن .. فالأصح في الردة: يجب قضاء الجميع، وفي السكران: أيام السكر فقط.
قال: (ولو بلغ بالنهار صائمًا .. وجب إتمامه بلا قضاء)؛ لأنه صار من أهل الوجوب، وعلى هذا: لو جامع بعد البلوغ .. لزمته الكفارة.
وقيل: يستحب إتمامه ويجب القضاء؛ لأنه لم ينو الفرض.
وفي (البحر) وجه: أنهما مستحبان، وفي (الكفاية) وجه: أنهما واجبان.
قال: (ولو بلغ فيه مفطرًا أو أفاق أو أسلم .. فلا قضاء في الأصح)؛ لأن ما بقي من الوقت لا يمكن تكميله؛ لأن الليل لا يقبل الصوم، فصار كمان أدرك من أول وقت الصلاة قدر ركعة ثم طرأ له مانع من حيض أو جنون أو غيرهما.
والثاني: يجب؛ لأنهم أدركوا جزءًا من وقت الفرض، ولا يمكن فعله إلا بيومٍ، فكملناه كما يصوم في جزاء الصيد عن بعض كد يومًا.
قال: (ولا يلزمهم) أي: الثلاثة المذكورين (إمساك بقية النهار في الأصح) –وهو مذهب مالك- لأنهم أفطروا بعذر فأشبهوا المسافر والمريض.
والثاني: يلزمهم –وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد- لأنهم أدركوا وقت الإمساك.
والثالث: يلزم الكافر دون الصبي والمجنون؛ لأنهما معذوران.
والرابع: يلزم الكافر والصبي؛ لأنه متمكن مأمور به أمر تدريب بخلاف المجنون.
قال: (ويلزم) أي: الإمساك (من تعدى بالفطر) بأي شيء كان حتى بنية الخروج إذا جعلناها مبطلة، والردة عقوبة له ومعارضة لقصده.
أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، لَا مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا زَالَ عُذْرُهُما بَعْدَ الْفِطْرِ، وَلَوْ زَالَ قَبْلَ أَنْ يَاكُلَا وَلَمْ يَنْوِيَا لَيْلًا .. فَكَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ
قال: (أو نسي النية) أي: لم يبيتها ليلًا؛ لأن نسيانه يشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة.
قال: (ولا مسافرًا أو مريضًا زال عذرهما بعد الفطر)؛ لأن زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر، كما لو قَصَر المسافر ثم أقام والوقت باق، لكن يستحب لحرمة الوقت وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يجب.
وإذا أكلا .. فليخفياه؛ لئلا يتعرضا للتهمة والتعزير.
ولهما في الجماع في هذه الحالة إذا لم تكن المرأة صائمة، بأن كانت صغيرة، أو طهرت من الحيض ذلك اليوم، أو ذمية، أو قدمت أيضًا من سفر.
قال: (ولو زال قبل أن يأكلا ولم ينويا ليلًا .. فكذا على المذهب)؛ لأن تارك النية مفطر حقيقة.
والطريق الثاني: فيه وجهان، أصحهما: هذا.
والثاني: يلزمهما كما لو لم يُصَلِّ المسافر حتى أقام؛ فإنه لا يجوز له القصر.
وإذا طهرت الحائض والنفساء في أثناء النهار .. فالصحيح: أنه لا يلزمها الإمساك، ونقل الإمام الاتفاق عليه.
قال: (والأظهر: أنه يلزم من أكل يوم الشك ثم ثبت كونه من رمضان)؛ لأن صومه كان واجبًا عليه إلا أنه جهله.
والثاني: لا؛ لأنه أفطر بعذر فكان كالمسافر إذا قدم بعد الإفطار.
وأجاب الأول بأن المسافر يباح له الأكل مع العلم بأنه من رمضان، بخلاف يوم الشك؛ فإنه إنما أبيح للجهل بكونه منه وقد بان ذلك فلزمه إمساكه.
وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ، بِخِلَافِ النَّذْرِ والْقَضَاءِ.
فَصْلٌ:
مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ
قال: (وإمساك بقية اليوم من خواص رمضان، بخلاف النذر والقضاء)؛ لأن وجوب الصوم في رمضان بطريق الأصالة ولهذا لا يقبل غيره، ووجوب غيره بطريق العرض.
وأفاد الشيخ: أن البويطي نص على وجوب الإمساك في الجميع.
تتمة:
حيث أوجبنا الإمساك ففي حقيقته وأثره أربعة أوجه:
أصحهما: أنه ليس بصوم شرعي، لكنه إمساك على سبيل التشبيه ويثاب عليه، ولا يقال: إن الممسك في صوم، بخلاف المحرم إذا أفسد إحرامه، وأثر هذا: أن المحرم إذا ارتكب محظورًا .. لزمته الفدية، والممسك إذا ارتكب شيئًا من محظورات الصوم .. لا يترتب عليه غير الإثم، قال المصنف: بلا خلاف.
والثاني: أنه كذلك، إلا أنه لا يثاب عليه.
والثالث: يثاب، إلا أن يكون متعديًا بفطره.
والرابع: أنه يسمى صومًا شرعيًا، وهذا لعله خلاف لفظي.
فإن قيل: الصحيح فيمن لم يجد ماء ولا ترابًا وصلى: أنه في صلاة .. فالجواب: أن التارك للنية، أو المتعدي بالفطر ترك ركنًا من أركان الصوم، بخلاف فاقد الطهورين فإنه تارك لشرط فقط، ولذلك صححوا أنه إذا فقد السترة .. صلى ولا قضاء عليه، وأيضًا تارك النية مقصر، بخلاف فاقد الطهورين.
قال: (
فصل
: من فاته شيء من رمضان، فمات قبل إمكان القضاء) بأن مات في رمضان، أو استمر المرض أو السفر أو الحيض أو النفاس أو الإغماء من أول شوال إلى موته.
فَلَا تَدَارُكَ لَهُ وَلَا إِثْمَ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ .. لَمْ يَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي الْجَدِيدِ، بَلْ يُخْرَجُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدُّ طَعَامٍ،
قال: (.. فلا تدرك له ولا إثم) أي: لا يجب تداركه لا بالفدية ولا بالقضاء ولا يأثم أيضًا ولو استمر سنين ومضت عليه رمضانات، كما لو تلف المال بعد الحول وقبل التمكن من الأداء .. فإنه لا يضمن ولا يأثم.
وقال طاووس: يطعم عنه لكل يوم مسكين.
واستدل الأصحاب بأنه فرض لم يتمكن منه فسقط حكمه كالحج، وفيه نظر؛ لأن الحج لم يجب إذا مات قبل الإمكان إلا أن يقال هنا بمثله: أنا بدوام العذر إلى الموت نتبين عدم الوجوب، وهو بعيد لا سيما في السفر الذي هو إلى اختيار المكلف.
كل هذا إذا كان الفوات بعذر، فأما من فاته بغير عذر .. فإنه يأثم ويُتدارك عنه بالفدية كما جزم به الرافعي في (باب النذر) وأسقطه من (الروضة (.
قال: (وإن مات بعد التمكن .. لم يصم عنه وليه في الجديد)؛ لأن الصوم عبادة بدنية لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك بعد الموت كالصلاة.
ولا فرق في هذا القسم بين فواته بعذر أو غيره.
قال: (بل يخرَجُ من تركته لكل يوم مد طعام)؛ لما روى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من مات وعليه صيام شهر .. فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا) رواه الترمذي [718] وقال: الصحيح وقفه على ابن عمر رضي الله عنهما، وكذا قال البيهقي [4/ 254] والدارقطني.
وإنما رفعه ابن أبي ليلى، وهو لا يحتج به وإن كان إمامًا في الفقة.
ووافقنا على أنه لا يصام عنه أبو حنيفة ومالك والثوري مطلقًا، وأحمد في النذر.
و (المد): ربع صاع كما تقدم، وهو نصف قدح بالمصري.
والقديم: لا يتعين الإطعام، بل يجوز للولي أن يصوم عنه، بل يستحب له ذلك، ففي (الصحيحين) [خ1952 –م 1147] عن عائشة رضي الله عنها: (من مات وعليه صيام .. صام عنه وليه).
وَكَذَا النَّذْرُ وَالْكَفَّارَةُ.
قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ –وَالْوَلِيُّ: كُلُّ قَرِيبٍ عَلَى الْمُخْتَارِ-
قال: (وكذا النذر والكفارة) فيجري فيهما القولان، وكذا جميع أنواع الصوم الواجب؛ لإطلاق الأدلة.
وقيد (الحاوي الصغير) الكفارة بكفارة القتل؛ لأنها لا إطعام فيها، فالفائت فيها إنما هو الصوم خاصة، فيخرج على عدد الأيام أمدادًا.
وأما غيرها من الكفارات ككفارة الظهار والجماع في رمضان .. فإن صومها يخلفه عند العجز إطعام فبالموت تنتقل إليه.
قال: (قلت: القديم هنا أظهر) وقال في (الروضة): إنه الصواب الذي ينبغي الجزم به لصحة الأحاديث فيه، وليس للجديد حجة.
وتعبيره بـ (الأظهر) يقتضي: أنه صحيح من حيث المذهب وليس كذلك، بل هو من حيث الدليل، ولذلك عبر في (التصحيح) بالمختار.
أما الصحيح في المذهب .. فالجديد؛ لأن الشافعي رضي الله عنه قال فيه: وحديث المرأة لنا عنه جواب، أشار إلى ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ إن أمي ماتت وعليها صوم نذر! أفأصوم عنها؟ قال: (أرأيتِ لو كان على أمكِ دين فقضيتهِ أكان يؤدي ذلك عنها؟ قال: نعم، قال: (فصومي عن أمك) رواه مسلم [1148].
كل هذا فيمن مات مسلمًا، أما من ارتد ومات .. فلا يصام عنه جزمًا.
قال: (والولي: كل قريب على المختار)؛ لأنه مشتق من الوَلْي بإسكان اللام، وهو القرب، فيحمل عليه ما لم يدل دليل على خلافه.
والمصنف تابع في هذا الاختيار ابن الصلاح وابن الأستاذ، وسبقهما إليه صاحب (الذخائر).
والثاني: الوارث، وبه جزم الماوردي في آخر (كتاب الوصايا)، وفي (التهذيب) نحوه.
وعلى هذا: لا فرق بين المستغرق وغيره، قال الرافعي: وهذا هو الأشبه، وفي (شرح المهذب): أنه ليس ببعيد.
وَلَوْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ .. صَحَّ، لَا مُسْتَقِلًا فِي الأَصَحِّ
والثالث: العاصب.
والرابع: من له ولاية المال.
وهذان القولان يردهما قوله صلى الله عليه وسلم للمرأة: (صومي عن أمك).
قال: (ولو صام أجنبي بإذن الولي .. صح) أي: على القول المختار، سواء كان بأجرة أو دونها كالحج، وتكون الأجرة من رأس المال.
قال الشيخ: كذا أطلقوه، وهو محمول على ما إذا كانت الأجرة لا تزيد على الفدية، فإن زادت .. لم تجب إلا برضا الورثة؛ لأنها غير متعينة، بل يتخير بينها وبين الفدية، فالزائد لا يُلزم بقية الورثة بإخراجه.
قال: (لا مستقلًا في الأصح)؛ لأنه ليس في معنى ما ورد به النص.
والثاني: يصح كما يوفى دينه بغير إذنه.
فروع:
أوصى إلى أجنبي أن يصوم عنه .. كان كالولي، قاله الرافعي في آخر (الوصية).
ولو اتفق الورثة على أن يصوم واحد منهم .. جاز، وإن تنازعوا .. ففي (فوائد المهذب) للفارقي: أنه يقسم بينهم على قدر مواريثهم.
ولو صام عنه ثلاثون إنسانًا في يوم واحد عن شهر .. ففي (صحيح البخاري) عن الحسن البصري: أنه يجزئ، قال في (شرح المهذب): وهذا هو الظاهر الذي أعتقده، ولكن لم أر لأصحابنا فيه كلامًا.
اهـ
وقد أشار إليه ابن الأستاذ والقاضي شرف الدين البارزي تفقهًا، ويشهد له نظيره من الحج كما صرحوا به فيما إذا استؤجر عنه بعد موته من يحج عنه فرض الإسلام، وآخر يحج عن قضائه، وآخر عن نذره في سنة واحدة، فإنه يجوز.
وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوِ اعْتِكَافٌ .. لَمْ يُفْعَلْ عَنْهُ وَلَا فِدْيَةَ، وَفِي الاِعْتِكَافِ قَوْلٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمُدِّ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ لِكِبَرٍ
قال: (ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف .. لم يفعل عنه ولا فدية)؛ لعدم ورودهما، بل نقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يصلى عنه.
وأشار الرافعي في (الوصية) إلى وجه فيه، اختاره ابن أبي عصرون والشيخ؛ لأنه ليس في الحديث ما يدل على أن ثوابها لا يصل إليه، ولا في القياس ما يمنع منه، وقد روى البخاري في (باب من مات وعليه نذر) أن ابن عمر رضي الله عنهما أمر من ماتت أمها وعليها صلاة أن تصلي عنها.
قال: (وفي الاعتكاف قول والله أعلم)؛ قياسًا على الصوم؛ لأن كلا منهما كف ومنع، ولم يبين المصنف هل القول في فعله، أو في إخراج الفدية عنه، أو فيهما معًا، وحاصل كلام الرافعي: أنه يعود إليهما.
ثم منع الاعتكاف عن الميت ليس على إطلاقه؛ فإن لو نذر أن يعتكف يومًا صائمًا .. ففي (التهذيب): إن قلنا: لا يفرد الصوم عن الاعتكاف وهو الصحيح، وقلنا: يصوم الولي .. فهنا يعتكف عنه صائمًا، وإن كانت النيابة لا تجزئ في الاعتكاف .. فهنا تجوز تبعًا كركعتي الطواف في الحج.
قال: (والأظهر: وجوب المُدِّ على من أفطر لكبر) المراد: من تلحقه بالصوم مشقة شديدة رجلًا كان أو امرأة، فلا يجب عليه الصوم بالإجماع، وفي الفدية قولان، أظهرهما: تجب لما روى البيهقي [4/ 271] عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (من أدركه الكبر فلم يستطع صيام رمضان .. فعليه لكل يوم مد من قمح)، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة ولا مخالف لهم، ويدل له أيضًا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ فإن كلمة (لا) مقدرة، أي: لا يطيقونه.
وقيل: لا تقدير في الآية بل كانوا مخيرين في أول الإسلام بين الصوم والفدية فنسخ ذلك.
ووافقنا على وجوب الفدية أبو حنيفة وأحمد، إلا أن أبا حنيفة قال: إنها لكل يوم صاع تمر أو نصف صاع حنطة، وأحمد قال: مد حنطة أو مدان من تمر أو شعير.
وَأَمَّا الحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ: فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى نَفْسِيْهِمَا .. وَجَبَ الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ، ..
والقول الثاني: لا يجب عليه شيء –وبه قال مالك- لأنه سقط عنه فرض الصوم فأشبه الصبي، واختاره أبو ثور وابن المنذر.
وحيث أوجبنا الفدية .. لا يجوز تعجيلها قبل رمضان، ويجوز بعد فجر كل يوم.
وقطع الدارمي بالجواز قبل الفجر، وقال المصنف: إنه الصواب.
وإطلاق المصنف يقتضي: أنه لا فرق بين الفقير والغني، وفائدته: استقرارها في ذمة الفقير، وهو الأصح في (الشرح) و (الروضة).
وقال في (شرح المهذب (: ينبغي تصحيح عكسه؛ لأنه عاجز ولم تجب بجناية.
وسواء في ذلك ما وجب في رمضان أو نذر أو كفارة أو قضاء.
واتفقوا على أنه لو تكلف الصوم وأتى به .. جاز ولا فدية؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
وإذا أفطر العبد بعذر الكبر ثم مات رقيقًا .. لا شيء عليه، فليقيد إطلاق المصنف بالحر.
ولو نذر الحر في حال العجز صومًا .. ففي انعقاد نذره وجهان، أصحهما في زوائد (الروضة): لا ينعقد بناء على أنه مخاطب بالفدية ابتداء على الراجح.
ولو قدر الشيخ على الصوم بعد ما أفطر .. فهل يلزمه قضاء الصوم؟ فيه وجهان، الأكثرون على عدم اللزوم؛ لأنه لم يكن مخاطبًا به، بل بالفدية، بخلاف المعضوب إذا حُجَّ عنه ثم استطاع، يلزمه الحج؛ فإنه كان مخاطبًا بالحج أولًا.
قال: (وأما الحامل والمرضع: فإن أفطرتا خوفًا على نفسيهما .. وجب القضاء بلا فدية) كالمريض الذي يرجى برؤه.
قال الروياني: ويجوز للحامل تقديم فديتها على الفطر، غير أنها لا تقدم إلا فدية يوم واحد.
وسواء تضرر الولد معها أم لا، قاله القاضي حسين.
أَوْ عَلَى الْوَلَدِ .. لَزِمَهُمَا الْقَضَاءُ، وَكَذَا الْفِدْيَةُ فِي الأَظْهَرِ
قال: (أو على الولد .. لزمهما القضاء)؛ لأنه إذا وجب لأجل الفطر خوفًا على نفسه، فعلى غيره أولى.
قال: (وكذا الفدية في الأظهر)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إنها منسوخة إلا في حق الحامل والمرضع، إذا خافتا .. أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا) رواه البيهقي [4/ 230].
والثاني: لا تلزمهما كالمسافر والمريض؛ لأن فطرهما لعذر، واختاره ابن المنذر.
والثالث: تجب على المرض؛ لأنها آمنة في نفسها دون الحامل؛ لأن الحمل جزء منها فهي كالمريض.
فروع:
فالأصح في زوائد (الروضة) في (باب الحيض): أنه لا فدية على المتحيرة إذا أفطرت للإرضاع إذا أوجبناه على غيرها؛ لأنا لم نتيقن إيجاب الصوم عليها وإنما أوجبناه احتياطًا.
ولا فرق بين أن ترضع ولدها، أو ولد غيرها، حتى لو كانت مستأجرة .. وجب عليها الفطر لإتمام العقد.
وفيمن تجب عليه الفدية تردد كالتردد في أن دم التمتع على المستأجر أو على المؤجر، كذا في زوائد (الروضة).
وقال في (شرح المهذب): لعل الأصح: أنها على المرضع بخلاف الحج، ولا تتعدد الفدية بتعدد الرضعاء على الأصح.
ولو كانت الحامل أو المرضع مسافرة أو مريضة، فأفطرت بنية الترخص بالسفر أو المرض .. فلا فدية عليها، وإن لم تقصد الترخص .. ففي وجوب الفدية وجهان، أصحهما: لا فدية.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمُرْضِعِ مَنْ أَفْطَرَ لإِنْقَاذِ مُشْرِفٍ عَلَى هَلَاكٍ، لَا الْمُتَعَدِّيْ بِفِطْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ.
وَمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مَعَ إِمْكَانِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ
قال: (والأصح: أنه يُلحق بالمرضع) أي: في إيجاب القضاء والفدية (من أفطر لإنقاذ مشرف على هلاك)؛ لأنه فطر واجب بسبب الغير.
والثاني: لا يلحق بها حتى لا تجب الفدية جزمًا؛ لأن إيجاب القضاء مع الفدية بعيد عن القياس، وإنما وجب في الحامل والمرضع بالنص.
قال الأصحاب: والفطر في هذه الحالة واجب، وقول الغزالي: (له الفطر) تساهل في العبارة.
وقيده أبو الفضل المقدسي بما إذا تعين عليه، قال الشيخ: وفيه نظر؛ لأنه يؤدي إلى التواكل.
قال: (لا المتعدي بفطر رمضان بغير جماع) فلا يلحق بالحامل والمرض؛ لأنه لم يرد فيه نص والأصل عدمه.
والثاني: أنها تجب عليه؛ لأنها إذا وجبت على المعذور .. فعلى غيره أولى.
وقربهما الإمام من الوجهين في أن من تعمد ترك الأبعاض .. هل يسجد للسهو؟ لكن التصحيح مختلف فيحتاج إلى الفرق، وهنا وجهان آخران:
أحدهما: وجوب كفارة الجماع.
والثاني: دونهما وفوق الفدية.
ونص الشافعي رضي الله عنه والأصحاب على أنه يجب عليه التعزير.
قال: (ومن أخر قضاء رمضان مع إمكانه حتى دخل رمضان آخر .. لزمه مع القضاء لكل يوم مد)؛ لأن ستة من الصحابة أفتوا بذلك ولا مخالف لهم، وبه قال الإمام الأعظم مالك بن أنس وأحمد، ومع ذلك يأثم أيضًا بخلاف الصلاة.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا يجب المد؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وَالأَصَحُّ: تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ، وَأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ مَعَ إِمْكانِهِ فَمَاتَ .. أُخْرِجَ مِنْ تَركَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ: مُدٌّ لِلْفَوَاتِ وَمُدٌّ لِلتَّاخِيرِ
والجواب: أن المد ما وجب بالفطر بل بالتأخير.
والمراد بـ (الإمكان) هنا: عدم العذر، فإن كان مريضًا أو مسافرًا .. فلا فدية عليه بهذا التأخير؛ لأن تأخير الأداء بهذا العذر جائز، فتأخير القضاء أولى.
وهذه الفدية للتأخير، وفدي الشيخ الهرم لأجل الصوم، وفدية الحامل والمرضع لفضيلة الوقت.
وفارق قضاء رمضان حيث تأقت إلى رمضان آخر قضاء سائر العبادات حيث لا يتأقت؛ لأن تأخير الصوم إلى رمضان آخر تأخير له إلى زمن لا يقبل صوم القضاء ولا يصح فيه، فهو كتأخيره إلى الموت فلم يجز بخلاف الصلاة؛ لأنها تصح في جميع الأوقات.
وقد يقال: من جملة الأوقات يوم الأضحى وأيام التشريق وهي ليست قابلة للصوم، فكان ينبغي وجوب المُدِّ من يوم العيد؛ لأنه دخل عليه وقت لا يقبل الصوم فصار كالميت، وذلك أغلط الأحوال ولم يقولوه.
قال: (والأصح: تكرره بتكرر السنين)؛ لأن الحقوق المالية لا تتداخل.
والثاني: لا يتكرر كالحدود، وبه قال ابن سريج، وصححه البندنيجي والماوردي والروياني ونقله عن عامة الأصحاب.
وموضع الخلاف: إذا لم يكن قد أخرج الفدية، فإن أخرجها ثم لم يقض حتى دخل رمضان آخر .. وجبت ثانيًا بلا خلاف، وهكذا حكم العام الثالث والرابع فصاعدًا؛ لأن الحدود بعد إقامتها تقتضي التكرر عند فعلها ثانيًا بالاتفاق مع أنها أخف من هذا.
ولا يخفى أن محل تكرر المُدِّ بالتأخير إذا كان عامدًا عالمًا، فإن كان جاهلًا أو غير متعمد .. فالظاهر: عدم تكرره.
قال: (وأنه لو أخر القضاء مع إمكانه فمات .. أُخرج من تركته لكل يوم مدان: مد للفوات ومد للتأخير)؛ لأن كلًا منهما موجب عند الانفراد فكذلك عند الاجتماع.
وَمَصْرَفُ الْفِدْيَةِ: الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وَلَهُ صَرْفُ أَمْدَادٍ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ.
وَجِنْسُهَا: جِنْسُ الْفِطْرَةِ
والثاني: يكفي مد واحد؛ لأن الصوم قد فات والفوات يقتضي مدًا واحدًا، كالشيخ الهرم إذا لم يخرج بدل الصوم أعوامًا.
ومحل وجهي الكتاب: إذا قلنا بالجديد، أما على القديم –وهو صوم الولي- فإذا صام .. حصل تدارك أصل الصوم، وتجب فدية للتأخير.
ولو تعدى بفطر يوم وأوجبنا به الفدية وأخر حتى دخل رمضان آخر ومات قبل القضاء .. فعلى الأصح: عليه لكل يوم فديتان؛ واحدة للإفطار وأخرى للتأخير، فتجب ثلاثة أمداد، فإن تكررت السنون .. زادت الأمداد.
قال: (ومصرف الفدية: الفقراء والمساكين) فلا تصرف لغيرهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، ولأنهما مصرف الزكاة غالبًا.
قال: (وله صرف أمداد إلى شخص واحد) كما يأخذ الإنسان من زكوات متعددة؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة، فالأمداد بمنزلة الكفارات، بخلاف صرف مد إلى شخصين فإنه لا يجوز.
قال: (وجنسها: جنس الفطرة) فيعتبر على الأصح غالب قوت البلد؛ لأنه طعام واجب شرعًا فحمل على الغالب، وكذلك يعتبر في المد الواجب هنا وفي الكفارات: أن يكون فاضلًا عن قوته كما في الفطرة.
تتمة:
لو أراد أن يجعل فدية التأخير قبل رمضان الثاني ليؤخِّر القضاء مع الإمكان .. ففي جوازه وجهان كالوجهين في تعجيل الكفارة على الحنث المحظور، وإن أراد أن يصوم بدل المد .. ففيه جوابان:
أحدهما: نعم، فيقضي لكل يوم يومين؛ يوم قضاء، ويوم بدل عن التأخير.
فَصْلٌ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، ....
والثاني: لا؛ لأن هذا الإطعام أصل في نفسه، كالإطعام في كفارة اليمين لا يجوز الصوم بدله من غير عجز عنه.
فرع:
إذا قلنا بالأصح -وهو التكرر- فكان عليه عشرة أيام فمات قبل أن يقضيها ولم يبق من شعبان إلا خمسة أيام .. أخرج من تركته خمسة عشر مدًا؛ عشرة لأصل الصوم، وخمسة للتأخير؛ لأنه لو عاش .. لم يمكنه إلا قضاء خمسة أيام.
وإذا لم يبق بينه وبين رمضان الثاني ما يتأتى فيه قضاء جميع الفائت .. فهل تلزمه الفدية في الحال عما لا يسعه الوقت، أو لا تلزمه إلا بعد دخول رمضان؟ فيه وجهان كالوجهين فيمن حلف ليأكلن هذا الرغيف غدًا فتلف قبل الغد .. هل يحنث في الحال أم بعد مجيء الغد؟ قال المتولي: وتظهر فائدتهما فيما لو مات قبل إدراك رمضان الثاني.
قال: (
فصل
:
تجب الكفارة بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع أثم به بسبب الصوم)؛ لما روى الشيخان [خ 1936 - م 1111] عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله! قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعت على امرأتي في رمضان! قال: (فهل تجد ما تعتق رقبة؟) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا، قال: (فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟) قال: لا، ثم جلس، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر فقال: (تصدق بهذا) قال: أعلى أفقر مني! فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (اذهب فأطعمه أهلك).
وأجمع الناس على هذا إلا الشعبي؛ فإنه قال: لا كفارة عليه كم أفسد الصلاة، وزعم: أن الحديث إنما ورد في حق رجل ظاهر من امرأته في رمضان، فوطئها ليلًا، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفارة الظهار.
فَلَا كَفَّارَةَ: عَلَى نَاسٍ، وَلَا مُفْسِدِ غَيْرِ رَمَضَانَ، أَوْ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ،
والرجل المذكور: سلمة بن صخر البياضي.
وقال ابن بشكوال: هو المظاهر أيضًا، واستبعده الشيخ.
وأجاب الأصحاب عن الصلاة بأن المال لا يتعلق بجبرانها، ويتعلق بجبران الصوم في الشيخ الهرم، ومن أخّر قضاء رمضان، والحامل والمرضع.
واحترز المصنف بالقيود المذكورة في الضابط عن الناسي، ومفسد غير رمضان أو بغير جماع، أو بجماع لم يأثم به، أو أثم لا بسبب الصوم وسنبين ذلك.
وكذلك يخرج عنه من أصبح في رمضان غير ناو وجامع .. فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يفسد صومًا.
وأهمل المصنف قيد التمام، والغزالي قال: بجماع تام للاحتراز عن المرأة؛ فإن الكفارة لا تجب عليها وإن فسد صومها بالجماع؛ لأن فساده حصل قبل تمامه؛ فإنها أفطرت بإدخال بعض الحشفة، وبهذا علل عدم وجوب الكفارة عليها.
ورُدَّ بأن الجماع شرعًا لا يصدق عليه، فلا يحتاج إلى قيد التمام.
وكما تجب الكفارة على المجامع يجب عليه التعزير أيضًا كما سيأتي في بابه.
قال: (فلا كفارة: على ناسٍ)، وكذا الجاهل بالتحريم إذا عذرناه؛ لأن جماعهما لا يفسد على الصحيح ولا إثم عليه ولا كفارة؛ لأنها تتبع الإثم.
أما لو علم التحريم وجهل وجوب الكفارة .. فقال المصنف: تلزمه بلا خلاف، ونازعه الشيخ في ذلك.
وأما المكره على الجماع، فإن قلنا: يفطر به .. وجبت عليه الكفارة، ويخالفه الناسي؛ فإنه يُنْسَبُ إلى تقصيرٍ ما، ولا تقصير من جهة المكره.
قال: (ولا مفسد غير رمضان) كالتطوع والنذر والقضاء والكفارة؛ لأن النص ورد في رمضان وهو مخصوص بفضائل لا يشارك فيها، وهذا ما احترز عنه بقوله: (من رمضان).
قال: (أو بغير الجماع) كالأكل والشرب والاستمناء والإنزال بالمباشرة فيما دون
وَلَا مُسَافِرٍ جَامَعَ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ، وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الأَصَحِّ، وَلَا عَلَى مَنْ ظَنَّ اللَّيْلَ فَبَانَ نَهَارًا، وَلَا مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الأَكْلِ نَاسِيًا وَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الأَصَحُّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ،
الفرج؛ لأن النص ورد في الجماع وما عداه ليس في معناه في هتك الحرمة، كما أن الحج يفسد بالجماع دون غيره، وهذا الذي احترز عنه بقوله: (بجماع).
وعن أبي خلف الطبري تلميذ القفال: أنه اختار وجوب الكفارة بكل ما يأثم بالإفطار به، قال المصنف: وهو غلط.
قال: (ولا مسافر جامع بنية الترخص)؛ لأنه أفطر قصدًا بفعل مباح له.
وقال أحمد: لا يجوز له الفطر إلا بالأكل والشرب للحاجة إليه.
قال: (وكذا بغيرها في الأصح)؛ لأن الإفطار مباح له فيصير شبهة في درء الكفارة.
والثاني: تلزمه؛ لأن الرخصة لا تحصل بدون قصدها.
والمريض الذي يباح له الفطر كالمسافر.
قال: (ولا على من ظن الليل فبان نهارًا)؛ لانتفاء الإثم عنه.
ولا فرق بين أول النهار وآخره، لكن إذا قلنا: لا يجوز الإفطار بالاجتهاد .. وجبت الكفارة.
قال: (ولا من جامع بعد الأكل ناسيًا وظن أنه أفطر به)؛ لأنه يعتقد أنه غير صائم.
قال: (وإن كان الأصح بطلان صومه) بهذا الجماع، كما لو جامع على ظن أن الصبح لم يطلع فبان خلافه.
والثاني: لا يبطل كما لو سلم من ركعتين من الظهر ناسيًا وتكلم عامدًا .. لا تبطل صلاته.
أما إذا علم أنه لا يفطر به ثم جامع في يومه .. فيفطر وتجب الكفارة قطعًا.
وَلَا مَنْ زَنَى نَاسِيًا، وَلَا مُسَافِرٍ أَفْطَرَ بِالزِّنَا مُتَرَخِّصًا.
وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ عَنْهُ، وَفِي قَوْلٍ: عَنْهُ وَعَنْهَا،
قال: (ولا) على (من زنى ناسيًا) هذا قيد ذكره الغزالي فتبعه (المحرر)، ولا حاجة إليه؛ لأنه دخل في قوله: (فلا كفارة على ناس).
قال: (ولا مسافر أفطر بالزنا مترخصًا)؛ لأن الفطر جائز له، وإثمه بسبب الزنا لا بالصوم.
واستشكل بأن الإفطار جائز له من حيث الجملة، وأما بهذا .. فممنوع.
وأورد على الضابط المذكور:
إذا أفطر المسلم غير ناو للترخص؛ فإنه يأثم ولا كفارة عليه كما سبق.
وإذا فسد صوم المرأة بالجماع؛ فلا كفارة عليها.
وإذا جامعها وبه عذر يبيح الفطر دونها؛ فلا كفارة عليه بإفساد صومها.
وإذا جامع شاكًا في غروب الشمس؛ فلا كفارة كما جزم به البغوي.
وإذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام.
وصوم الصبي يفسد بالجماع، والأصح: أنه لا كفارة عليه؛ لأن حرمة الصوم في حقه ناقصة لعدم تكليفه به، وخرج في وجوبها وجه من قولنا: إن عمده عمد.
قال: (والكفارة على الزوج عنه)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم بأمر بها زوجة الأعرابي مع مشاركتها له في السبب، ولو وجبت عليها .. لبينه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بعث ليبين للناس ما نزل إليهم، ولأن صوم المرأة ناقص معرض للبطلان بالحيض، فلم يكن كامل الحرمة فلم تتعلق به كفارة، وأيضًا فقد أفطرت بدخول أول الحشفة إلى باطنها، فلا يتصور فساد صومها بالجماع، كذا علله الروياني، وزيفوه وقالوا: يتصور فطرها بالجماع بأن يولج وهي نائمة أو ناسية أو مكرهة ثم تستيقظ أو تتذكر أو تطاوع بعد الإيلاج وتستديمه.
واستدل قوم بأن الكفارة تشتمل على مال فاختص به الزوج كالمهر.
قال: (وفي قول: عنه وعنها)؛ لأن المجامع لمّا ذكر القصة ومشاركتها له في
وَفِي قَوْلٍ: عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَى
السبب .. أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة، دل على وجوبها بسبب مجموع ما ذكره.
وعلى هذا: قيل: يجب على كل منهما النصف، ثم يتحمل ما وجب عليها.
وقيل: يجب على كل منهما كفارة تامة، ثم يتحمل عنها، ثم يتداخلان.
(وفي قول: عليها كفارة أخرى)؛ قياسًا على الرجل، وبهذا قال القاضي أبو الطيب، وهو مروي عن الأئمة الثلاثة؛ لأنها عقوبة فاشتركا فيها كحد الزنا.
فإذا قلنا بهذا فكان الزوج مفطرًا أو ناسيًا وهي ذاكرة .. وجبت عليها.
ومحل هذا القول: إذا وطئت في قبلها، فإن وطئت في دبرها .. فلا كفارة عليها كما نقله في (الكفاية).
وحكى الماوردي وغيره: أنه تجب على الزوج في ماله كفارتان؛ كفارة عنه وكفارة عنها، وهو مردود بالحديث؛ لأنه لم يأمره إلا بكفارة واحدة.
ومن فوائد الخلاف:
ما لو أفطرت بزنا أو وطء شبهة، فإن قلنا: الوجوب لا يلاقيها .. فلا شيء عليها، وإلا .. فعليها الكفارة؛ لأن التحمل بالزوجية.
وقيل: تلزمها قطعًا.
ولو كان الزوج مجنونًا .. فعلى الأول: لا شيء عليها، وعلى الثاني: تلزمها في الأصح.
ومنها: أنا نعتبر على الأول حاله في اليسار والإعسار، وعلى الثاني حالها، وعلى الثالث حالهما.
هذا كله إذا مكنت المرأة طائعة صائمة، فإن كانت مفطرة، أو صائمة ولم يبطل صومها لكونها نائمة مثلًا .. فلا كفارة عليها قولًا واحدًا.
وتجب الكفارة بالزنا وجماع أمته واللواط وإتيان البهيمة سواء أنزل أم لا، وفي البهيمة والإتيان في الدبر وجه شاذ.
وَتَلْزَمُ مَنِ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَجَامَعَ فِي يَوْمِهِ.
وَمَنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ .. لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ.
وَحُدُوثُ السَّفَرِ بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ، وَكَذَا الْمَرَضُ عَلَى المَذْهَبِ
قال: (وتلزم من انفرد برؤية الهلال وجامع في يومه)؛ لأنه هتك حرمة يوم من رمضان في حقه بإفساد صومه بالجماع فأشبه سائر الأيام.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الصوم دون الكفارة.
وقال أبو ثور: لا يلزمه الصوم.
أما من رأى هلال شوال وحد، فعندنا: يلزمه الفطر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته).
وقال مالك وأحمد: لا يجوز له الأكل فيه.
قال: (ومن جامع في يومين .. لزمه كفارتان) سواء كفَّر عن الأول قبل الجماع الثاني أم لا؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة فلا تتداخل كفارتاهما كحجتين جامع فيهما، بخلاف الحدود المبينة على الإسقاط، وعنه احترز بقوله: (صوم يوم).
فلو جامع في جميع أيام رمضان .. لزمه بعددها.
فإن جامع في يوم زوجة واحدة مرارًا .. لزمه كفارة واحدة بلا خلاف؛ لأنه خرج بالأول من الصوم، بخلاف تكراره في الحج فإنه يتكرر؛ لأنه لا يخرج منه بالوطء.
ولو جامع أربع زوجات وقلنا: الكفارة عليها ويتحملها .. لزمه أربع كفارات.
قال: (وحدوث السفر بعد الإجماع لا يسقط الكفارة)؛ لأن السفر الحادث في أثناء النهار لا يبيح الفطر فيه، سواء كان طويلًا أو قصيرًا.
وقيل: هو كما لو طرأ المرض.
قال: (وكذا المرض على المذهب)؛ لأنه هتك حرمة الصوم.
وَيَجِبُ مَعَهَا قَضَاءُ يَوْمِ الإِفْسَادِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهِيَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ .. فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ .. فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، ....
والثاني: يسقطهما؛ لأن حدوث المرض يبيح الفطر، فيتبين به أن الصوم لم يقع واجبًا.
أما حدوث الردة .. فلا يسقطهما قطعًا.
فإن طرأ جنون أو موت أو حيض بعد الجماع .. فالأظهر السقوط.
قال: (ويجب معها) أي: مع الكفارة (قضاء يوم الإفساد على الصحيح)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به الأعرابي، كما رواه أبو داوود [2385] والدارقطني [2/ 190]، فقال له: (وصم يومًا) لكن في إسناده رجل ضعيف، إلا أن مسلمًا روى له.
ووقع في: الوسيط (: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعرابي بالقضاء) وهو مُعْتَرَضٌ.
والثاني: لا يجب قضاؤه؛ لأن الخلل الحاصل قد انجبر بالكفارة.
والثالث: إن كفر بالصوم .. دخل فيه القضاء.
وإلا .. فلا؛ لاختلاف الجنس.
ولا خلاف أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكفارة ولا يتحمله الزوج.
قال: (وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد .. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع .. فإطعام ستين مسكينًا)؛ للحديث المتقدم.
وهذه الخصال الثلاثة صفتها مذكورة في (كتاب الظهار).
وفي (سنن أبي داوود) [2385]: (أتي بعَرَق فيه خمسة عشر صاعًا) قال البيهقي: وهي أصح من رواية من روى عشرون صاعًا.
فلو شرع في الصوم ثم وجد الرقبة .. ندب عتقها ولا يجب في الأصح.
ولو فقد الرقبة ثم وجدها قبل الشروع في الصوم .. ففيه الخلاف في أن الاعتبار بوقت الوجوب أو الأداء، والأصح: الثاني.