هي بفتح القاف على المشهور عند اللغويين الشيء الملتقط، وادعى الأزهري: أنه الذي سُمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة ورواة الأخبار، وقال الخليل هي بفتح القاف: الرجل الملتقِط، وبإسكانها: الشيء الملتقَط؛ لأن فُعَلَة - مثل ضُحكة ولحفة (للفاعل)، وفُعلَة للمفعول، وسوى ابن سيده بين اللغتين، ويقال لها أيضًا: لقاطة ولقط بفتح اللام والقاف بلا هاء.
قال الأزهري: وهي مخصوصة بغير الحيوان؛ فإنه يسمى: ضالة.
وافتتح الباب في (التلخيص) بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
والالتقاط: أخذ شيء ضائع ليحفظه أو ليختص به بعد التعريف، واعترضه في (المهمات) بأن اللقطة قد لا تكون شيئًا ضائعًا كولد اللقطة والركاز الإسلامي.
وجزم في (شرح المهذب) في (زكاة المعدن) بأن الثوب لقطة، ويرد عليهما: أن اللقطة قد لا تكون شيئًا ضائعًا كولد اللقطة، وكذلك الركاز الذي هو دفين الإسلام، ثم إن التقييد بالملك يرد عليه لقطة الكلب والخمرة غير المحترمة .. فالأصح: صحة التقاطهما، وكذلك الهدي الأظهر: صحة التقاطه.
وفائدته: جواز التصرف فيه بالنحو بعد التعريف، وكذلك الموقوف يجوز التقاطه لتملك منافعه.
قال القاضي: الالتقاط أمانة مشوبة بولاية، أو ولاية مشوبة بأمانة، وهل المغلب عليهما حكم الامانة أو الاكتساب؟ فيه قولان.
يُسْتَحَبُّ الاِلْتِقَاطُ لِوَاثِقٍ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ
والفرق بين اللقطة والمال الضائع: أن اللقطة الشيء الضائع من مالكه بسقوط أو غفلة ونحوهما وليس بمحرز، فإن كان محرزًا كما إذا ألقت الريح ثوبًا في حجره، أو ألقى إليه هارب كيسًا ولم يعرف من هو، أو مات مورثه عن ودائع وهو لا يعرف ملاكها .. فهو ضائع يحفظ ولا يتملك.
والأصل في اللقطة: ما رواه الأئمة الستة وغيرهم عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن اللقطة فقال: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة ...) الحديث.
وأجمع المسلمون عليها في الجملة.
وعن مالك وأحمد أنهما كرها الالتقاط لحديث: «لا يؤوي الضالة إلا ضال» وروي أيضًا: (ضالة المؤمن حرق النار).
والجواب: أن الضالة الحيوان يضل بنفسه، واللقطة ما سواه من الأموال كالدراهم والدنانير ونحوها، وقد تطلق اللقطة على الضالة مجازًا، والفرق بين اللقطة والمال الضائع سيأتي.
قال: (يستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه).
لأنه معاونة على البر والتقوى، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
والالتقاط: أن يعثر على الشيء من غير قصد وطلب ليعرفه من يأخذه، ثم يتملكه إن لم يظهر مالكه، وفي وجه: أنه لا يستحب في هذه الحالة، حكاه الرافعي وغيره، وعلى الأصح: يكره تركها؛ لئلا تقع في يد خائن، ولا يجب عليه ذلك كما
- وَقِيلَ: يَجِبُ - وَلاَ يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ وَاثِقٍ، وَيَجُوزُ فِي الأَصَحِّ، وَيُكْرَهُ لِفَاسِقٍ
لا يجب قبول الوديعة، وهذا القول ظاهر نص (المختصر).
قال: (وقيل: يجب)؛ لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، وهذا منصوص (الأم)، وحمل ابن سريج وأبو إسحاق النصين على حالين: إن كان في موضع يغلب على الظن ضياعها .. وجب، وإلا .. لم يجب؛ لأن غيره يأخذها فيحفظها أو يجدها صاحبها، قال الشيخ: وأنا أختار هذه الطريقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في ضالة الغنم: (خذها)، وللنهي عن إضاعة المال.
وقال في (الإحياء): الحق أن يقال: إن كانت اللقطة في موضع لو تركها فيه لم تضع كرباط لا يدخله إلا أمناء .. لم يجب، وإن كانت في موضع مخوف، فإن كان عليه تعب في حفظها كالدابة .. لم يلزمه، وإن لم يكن كذهب وثوب .. فهو محل الخلاف.
هذا في لقطة دار الإسلام، أما لقطة المسلم في دار الحرب .. فالأصح: أنها تخمس إن دخلها بلا أمان، فإن دخل بأمان .. فهي كلقطة دار الإسلام في الأحكام.
قال: (ولا يستحب لغير واثق)؛ لما يخاف من الخيانة.
قال: (ويجوز في الأصح)؛ لأن خيانته لم تتحقق.
وصورة المسألة: أن يكون أمينًا في الحال ولكنه يخشى على نفسه بعد ذلك الخيانة.
والثاني: المنع خشية استهلاكها، وسواء قلنا بوجوب الالتقاط أو باستحبابه، وحيث قلنا بالوجوب فتركه حتى تلفت العين .. أثم ولا ضمان عليه كمن معه طعام وآخر يموت جوعًا فلم يطعمه حتى مات، وكمن رأى مال شخص يغرق أو يحترق وقدر على خلاصه .. وجب عليه، فإن لم يفعل حتى تلف .. أثم ولم يضمن.
قال: (ويكره لفاسق)؛ لأنه قد تدعوه نفسه إلى كتمانها، قال الرافعي: هذا الذي قطع به الجمهور، وما وقع في كلام الغزالي من التحريم شاذ أو مؤول، والذي
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الإِشْهَادُ عَلَى الاِلْتِقَاطِ،
أنكره الرافعي على الغزالي هو ظاهر الكلام كثير من العراقيين، وفي (تهذيب نصر المقدسي): ليس له الأخذ، فإن أخذ .. لم يضمن.
قال: (والمذهب: أنه لا يجب الإشهاد على الالتقاط)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به في حديث زيد بن خالد، ولا في حديث أبي بن كعب، وبهذا قال مالك وأحمد.
والقول الثاني: يجب الإشهاد؛ لحديث عياض بن حمار: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من التقط لقطة .. فليشهد ذوى عدل أو ذا عدل، فإن وجد صاحبها .. فليردها إليه، وإلا .. فهو مال الله يؤتيه من يشاء) رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح، وأجاب الأول عنه بحمله على الندب جمعًا بين الأحاديث، ولهذا خير بين العدل والعدلين.
والطريق الثاني: القطع بالاستحباب.
قال المصنف في (نكت التنبيه): وللإشهاد فائدتان:
إحداهما: أنه ربما طمع فيها بعد ذلك، فإذا أشهد .. لم يقدر على ذلك.
والثانية: أنه قد يموت قبل مجيء صاحبها فيأخذها الوارث، فإذا أشهد .. أمن.
قال: هذا إذا لم يكن سلطان البلد ظالمًا بحيث يعلم أو يغلب على ظنه أنه إذا عرفها .. أخذها، وإلا .. امتنع عليه الإشهاد.
وفي كيفية الإشهاد أوجه:
أحدها: يشهد على أصلها دون صفاتها فيقول: وجدت لقطة؛ لئلا يتوصل الكاذب إليها.
والثاني: يشهد عليها وعلى صفاتها، حتى إنه إذا مات لا يتملكها القريب.
وأشار الإمام إلى توسط بين الوجهين صححه في زوائد (الروضة) وهو: أنه
وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ
لا يستوعب الأوصاف، بل يذكر بعضها، ولم يبين ذلك البعض.
وقال صاحب (الوافي): يشهد على الذي يذكره في التعريف، وهو الذي نقله القاضي حسين عن الأكثرين.
قال: ولا تجب الكتابة عليها بلا خوف، وفي (شرح الكفاية) للصيمري الجزم بوجوبها.
قال الإمام: وما ذكرناه من المنع من ذكر تمام الأوصاف لا نراه ينتهي إلى التحريم، وإذا ترك الإشهاد وقلنا: إنه مستحب .. لم يضمن، وإن قلنا: إنه واجب .. ضمن، قاله القاضي وغيره، وقال ابن داوود: لا يضمن، بل يقتصر على الإثم.
قال: (وأنه يصح التقاط الفاسق والصبي والذمي في دار الإسلام) كاحتطابهم واصطيادهم.
والطريق الثاني: تخريج ذلك على أن المغلب في اللقطة الأمانة والولاية فلا يصح، أو الاكتساب فيصح، فإذا اجتمع في شخص أربع صفات: الإسلام والحرية والأمانة والتكليف .. فله أن يلتقط ويعرف ويتملك، وإلا .. فيتخرج على الخلاف.
والمراد بـ (الفاسق): الذي لا يوجب فسقه حجرًا عليه في ماله، فإن قيل: هذه مكررة؛ فإنه قال قبل هذا: (ويكره لفاسق) .. فالجواب: أن المراد بالصحة هنا: ترتيب أحكام اللقطة وإن منعناه الالتقاط.
والمجنون كالصبي، نص عليه في (المختصر)، وكذلك السفيه، بل هو أولى منهما بالصحة.
قال الرافعي: وربما شرط في جواز التقاط الذمي في دار الإسلام كونه عدلاً في دينه، فإن قلنا: ليس له الالتقاط فالتقط .. أخذه الإمام منه وحفظه إلى ظهور مالكه، فإن جوزناه .. قال البغوي: فهو كالتقاط الفاسق.
قال: والمرتد إن قلنا: بزوال ملكه .. انتزعت اللقطة منه، كما لو احتطب ينزع
ثُمَّ الأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنَ الْفَاسِقِ، وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ، وَأَنَّهُ لاَ يُعْتَمَدُ تَعْرِيفُهُ، بَلْ يُضَمُّ إِلَيْهِ رَقِيبٌ.
وَيَنْزِعُ الْوَلِيُّ لُقَطَةَ الصَّبِيِّ وَيُعَرِّفُ وَيَتَمَلَّكُهَا لِلصَّبِيِّ إِنْ رَأَى ذَلِكَ حَيْثُ يَجُوزُ الاِقْتِرَاضُ لَهُ،
من يده، وإن قلنا: لا يزول .. فكالفاسق يلتقط، وقال المتولي: هو بالذمي أشبه منه بالفاسق.
قال: (ثم الأظهر: أنه ينزع من الفاسق، ويوضع عند عدل)؛ لأن مال ولده لا يقر في يده، فمال الأجنبي أولى.
والثاني: يقر لحق الملك، وعلى هذا: الأصح: أنه يضم إليه مشرف، وهما جاريان في الذمي، أما إذا قلنا: لا يلتقط فالتقط .. فإنه غاصب.
قال: (وأنه لا يعتمد تعريفه، بل يضم إليه رقيب)؛ لأنه ربما يخون فيه.
والثاني: يكتفى بتعريفه؛ لأن له حق الملك وهو خاص حقه، والظاهر: أن هذا في لقطة التملك، أما في لقطة الحفظ .. فإنها تقر عند المسلم الأمين، فلو كان الملم الملتقط أمينًا لكنه يضعف عن القيام بها .. لم تنزع منه، بل يعضده الحاكم بأمين.
قال: (وينزع الولي لقطة الصبي) وكذلك لقطة المجنون والسفيه كما ينزع منهم أموالهم، وهذا النزع واجب عليه؛ صونًا لها عن الضياع، وتكون يد الولي نائبة عنهم.
قال: (ويعرف) أي: الولي؛ لأن تعريف الصبي والمجنون لا اعتبار به، فإن احتاج التعريف إلى مؤنة .. لم يعطها من مالهما، بل يراجع الحاكم ليبيع جزءًا منه.
قال: (ويتملكها للصبي إن رأى ذلك حيث يجوز الاقتراض له)؛ لأن تملك
وَيَضْمَنُ الْوَلِيُّ فِي قَصَّرَ فِي انْتِزَاعِهِ حَتَّى تَلِفَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ.
وَالأَظْهَرُ: بُطْلاَنُ الْتِقَاطِ الْعَبْدِ،
اللقطة كالاستقراض، قال ابن الصباغ: وعندي يجوز تملك اللقطة لهما وإن لم يجز الاقتراض؛ لأنه اكتساب وضعف، هذا في (الروضة)، وجعله شاذًا، وقواه ابن الرفعة وأيده بإطلاق كثير من الأصحاب ذلك من غير تقييد.
قال: (ويضمن الولي إن قصر في انتزاعه حتى تلف في يد الصبي) كما لو ترك شيئًا من ماله في يده حتى تلف أو أتلف، فإن تلف قبل انتزاعه بغير تفريط .. فلا ضمان عليه بذلك، ولو لم يعلم بها الولي حتى بلغ الصبي فاستأذن الحاكم فأقرها في يده .. أقرت، وكان حكمها كما لو وجدها بعد زوال الحجر.
قال: (والأظهر: بطلان التقاط العبد)؛ لأن مقصود اللقطة حفظها لمالكها في مدة التعريف وجعلها في ذمة مرضية، وليس العبد صالحًا لذلك؛ لاشتغاله بخدمة السيد، وذمته غير مرضية؛ لأن مطالبته تتأخر إلى بعد العتق.
والثاني: يصح التقاطه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لأن يده يد سيده، فكأن سيده هو الملتقط، وصححه الغزالي وغيره، وهما راجعان إلى القولين المتقدمين في أن المغلب على اللقطة الولاية والأمانة أو الاكتساب.
وعن ابن سريج مفرعان على أن العبد يملك، فإن قلنا: لا يملك .. لم يكن له الالتقاط، واستشكله الرافعي.
ومحل الخلاف إذا لم يأمره السيد ولم ينهه، فإن أمره .. صح قطعًا.
وقيل: هما إذا نوى نفسه، فإن نوى الأخذ للسيد .. صح قطعًا.
وقيل: عكسه.
وإن نهاه السيد عنها .. قطع الإصطخري بالمنع، وقواه المصنف، وطرد الجمهور القولين غير أنه تستثنى صحة التقاطه نثار الوليمة، ويملكه سيده كما صرح به في (الروضة) في آخر بابها، وكذلك يلتقط الشيء الحقير كالتمرة والزبيبة؛ لأن ذلك لا يعرف.
وَلاَ يُعْتَدُّ بِتَعْرِيِفِهِ، فَلَوْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ مِنْهُ .. كَانَ الْتِقَاطًا
قال: (ولا يعتد بتعريفه)؛ لأنه غير ملتقط، فإن صححنا التقاطه .. صح تعريفه ولو بغير إذن السيد في الأصح، ويملكه السيد.
والمدبر ومعلق العتق وأم الولد كالقن، لكن الضمان يتعلق بذمة السيد دون رقبتها، سواء علم السيد أم لا.
وفي «الأم» إن علم .. ضمن، وإلا .. ففي ذمتها، وغلطوا ناقله، وقوم أولوه على ما إذا أذن سيدها.
قال: (فلو أخذه سيده منه .. كان التقاطًا) فيعرفه السيد ويتملكه؛ لأن يد العبد إذا لم تكن للالتقاط .. كان الحاصل في يده ضائعًا، كذا قاله معظم الأصحاب.
وقيل: لا يكون أخذ السيد التقاطًا، ورجحه الإمام؛ لأن العبد ضامن بالأخذ، ولو كان أخذ السيد التقاطًا .. لسقط الضمان عنه فيتضرر به المالك.
وفي معنى الأخذ إقرارها بيده إن كان أمينًا؛ لأن السيد لا يجب عليه انتزاعها من العبد الأمين، وقياس كلامهم: سقوط الضمان في هذه الحالة.
ولو أخذها أجنبي من العبد .. فجواب الأكثرين: أنه كأخذ السيد، فيكون التقاطًا على المذهب، وإن أهمل السيد أمره وأعرض عنه وهي في يده .. فالأظهر: تعلق الضمان بالعبد.
وإن أقره السيد في يد العبد واستحفظه عليه ليعرفه، فإن لم يكن العبد أمينًا .. فالسيد متعد وكأنه أخذه منه ورده إليه، وإن كان أمينًا .. جاز كما لو استعان به في تعريف اللقطة بنفسه.
وإذا التقط العبد ثم أعتقه السيد، فإن صححنا التقاطه .. فهي كسب عبده يأخذها السيد ويعرفها ويتملكها، فإن كان العبد عرف .. اعتد به.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: صِحَّةُ الْتِقَاطِ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً صَحِيحَةً وَمَنْ بَعْضُهُ حُرُّ، وَهِيَ لَهُ وَلِسَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَتُ مُهَايَأَةً .. فَلِصَاحِبِ النَّوْبَةِ فِي الأَظْهَرِ،
قال: (قلت: المذهب: صحة التقاط المكاتب كتابة صحيحة)؛ لأنه يملك ما بيده ويصح تصرفه فيه، وله ذمة صحيحة، والالتقاط اكتساب يستعين به على أداء النجوم.
والقول الثاني: لا يصح؛ لأنه يحتاج إلى التعريف وإلى مؤنته، وذلك تبرع ناجز، وتملكها موهوم، وعلى هذا: لا يأخذها السيد؛ لأنه لا ولاية له عليه، بل يأخذها الحاكم ويحفظها.
والطريقة الثانية: القطع بالصحة كالحر.
والثالثة: القطع بالبطلان كالعبد، وأما المكاتب كتابة فاسدة .. فكالقن، وقيل: تطرد الطرق.
قال: (ومن بعضه حر) أي: يصح التقاطه على المذهب؛ لأنه كالحر في الملك والتصرف والذمة، فيعرف البعض من اللقطة بنسبة ما فيه من الحرية ويتملكه، وقيل: كالقن؛ لأن التقاطه ببعضه الحر محال.
وقيل: يصح التقاطه بقدر الحرية قطعًا، وفي الباقي الطريقان.
قال: (وهي له ولسيده) فيعرفان ويتملكان بحسب الرق والحرية كحرين التقطا مالاً، وقيل: يختص بها السيد كلقطة القن تغليبًا للولاية.
قال: (فإن كانت مهايأة .. فلصاحب النوبة في الأظهر)؛ بناء على دخول الأكساب النادرة فيها.
والثاني: تكون بينهما؛ بناء على عدم دخولها، والاعتبار بوقت الالتقاط، وقيل: بوقت التملك، والخلاف شبيه بالخلاف في أن العبرة بوقت التعليق أو بوجود الصفة في كون العتق محسوبًا من الثلث أو من رأس المال.
و (المهايأة) بالهمز: المناوبة.
وإذا تنازعا فقال السيد: وجدتها في يومي، وقال العبد: في يومي ..
وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ النَّادِرِ مِنَ الأَكْسَابِ وَالْمُؤَنِ إِلاَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
فالمنصوص: أن القول قول العبد؛ لأنها في يده.
قال: (وكذا حكم سائر النادر من الأكساب) كالهبة والوصية والصدقة والصيد، وكذا صدقة الفطر في الأصح؛ لأن الشيء الذي لا يكون في السنة إلا مرة نادر.
وجه الدخول: أن مقصود الدخول: التفاضل، وأن يختص كل واحد بما يقع في نوبته.
ووجه المنع - واختاره ابن أبي عصرون -: أن النوادر مجهولة وربما لا تخطر بالبال عند التهايؤ، ولا ضرورة إلى إدخالها، ويشبه بناؤه على الخلاف الأصولي في دخول الصور النادرة في العموم، والراجح: طرد الخلاف مطلقًا ولو صرحا بإدخال النادر في المهايأة.
قال: (والمؤن) أي: النادر منها كذلك كأجرة الطبيب والحجام إلحاقًا للغنم بالغرم.
قال: (إلا أرش الجناية والله أعلم» فإنه لا يدخل في المهايأة فلو جنى المبعض في نوبة أحدهما لم يختص بوجوب الأرش؛ لأنه لا يتعلق بالرقبة وهي مشتركة، وادعى الإمام في (باب صدقة الفطر) اتفاق العلماء عليه.
هذا إذا جنى المبعض على غيره، فإن جني عليه .. فالظاهر: أن حكم أرشه كذلك للعلة السابقة، فينزل كلام المصنف على الصورتين.
تتمة:
قال المتولي وغيره: المدبر ومعلق العتق بصفة كالقن، وأما أم الولد .. فكالقن إلا في شيء واحد وهو: إذا تلف المال في يدها وقلنا في القن: يتعلق برقبته .. ففي أم الولد يتعلق بذمة السيد، سواء علم التقاطها أم لا؛ لأن جنايتها على السيد، وعن نص (الأم): أنه إن علم .. فالضمان في ذمته، وإلا .. ففي ذمتها، ولم يثبته
فَصْلٌ:
الْحَيَوَانُ الْمَمْلُوكُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بِقُوَّةٍ كَبَعِيرٍ وَفَرَسٍ، أَوْ بِعَدْوٍ كَأَرْنَبٍ وَظَبْيٍ، أَوْ بِطَيَرَانٍ كَحَمَامٍ؛ إِنْ وُجِدَ بِمَفَازَةٍ .. فَلِلْقَاضِي الْتِقَاطُهُ لِلْحِفْظِ،
الأصحاب قولاً، بل جعلوه سهوًا من كاتبه أو غلطًا من ناقله، وأوله بعضهم على ما إذا أرادت سيدها دون نفسها.
قال: (
فصل
:
الحيوان المملوك الممتنع من صغار السباع بقوة كبعير وفرس، أو بعدو كأرنب وظبي، أو بطيران كحمام) وفي معناه: القبج والدراج وصغار السباع وهي: صغار الثعالب وأولاد الأرانب ونحوها.
وتعبيره بـ (المملوك) يخرج البعير المقلد بعلامة الهدي؛ فإنه خرج عن ملك مالكه ويجوز التقاطه، والموقوف وينبغي جواز التقاطه لملك منافعه.
ويخرج الكلب والأصح: جواز التقاطه ويعرف سنة.
والظاهر: أنه عند انقضاء مدة التعريف يختار نقل الاختصاص الذي كان للأول، فلو حذف المصنف لفظ (المملوك) .. كان أولى.
قال: (إن وجد بمفازة .. فللقاضي التقاطه للحفظ) شرع يتكلم في الركن الثالث وهو: الملتقط، فإن كان حيوانًا يمتنع من صغار السباع بفضل قوته كالإبل والخيل والبغال والحمير أو بشدة عدوه كالأرانب والظبي المملوكة أو بطيرانه كالحمام، فإن
وَكَذَا لِغَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ، وَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ
وجدت في مفازة .. فللحاكم ونوابه أخذه للحفظ؛ لأن لهم ولاية على أموال الغائبين، وكان لعمر رضي الله عنه حظيرة يحفظ فيها الضوال، رواه مالك والشافعي.
وفي معنى (القاضي) أمينه.
قال الشيخ: وإطلاق الأصحاب أن القاضي يأخذها للحفظ ينبغي أن يكون عند خوف الضياع، أما عند الأمن .. فلا يتعرض لها.
ويعرف كونه مملوكًا بآثار الملك من وسم أو قرط، ويلتحق بالفرس الحمار.
و (المفازة): واحدة المفاوز المهلكة، قال ابن الأعرابي: سميت بذلك تفاؤلاً بالسلامة والنجاة والظفر بالخير، وهي من الأضداد.
و (الحمام) قال الشافعي: هو كل ما عب وهدر وإن تفرقت أسماؤه، فهو: الحمام واليمام والقمري والفواخت وغيرها، وقال الكسائي: الحمام هو الذي لا يألف البيوت، والذي يألفها اليمام، والحمامة تقع على الذكر والأنثى، وجمعها حمام وحمامات وحمائم.
قال: (وكذا لغيره في الأصح) أي: من الآحاد صيانة لها عن الخونة، وهذا نص عليه في (الأم) أيضًا.
والثاني: لا؛ لأنها يد عادية إذ لا ولاية للآحاد على مال الغائب.
ومحل الخلاف في زمن الأمن، أما زمن النهب فيجوز التقاطها قطعًا، سواء وجدت في صحراء أو عمران كالذي لا يمتنع منها، وألحق به الماوردي ما إذا عرف مالكها فأخذها ليردها عليه، وتكون في يده أمانة، وجعل محل الخلاف إذا لم يعرفه.
قال: (ويحرم التقاطه للتملك)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالد في الإبل: (مالك ولها؟! دعها) وقيس الباقي عليه بجامع إمكان عيشه في البر بلا راع، فلو آخذه للتملك .. ضمنه قطعًا؛ لتعديه، ولا يبرأ عن ضمانه برده إلى
فَإِنْ وُجِدَ بِقَرْيَةٍ .. فَالأَصَحُّ: جَوَازُ الْتِقَاطِهِ لِلتَّمَلُّكِ.
ومَا لاَ يَمْتَنِعُ مِنْهَا كَشَاةٍ يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ فِي الْقَرْيَةِ وَالْمَفَازَةِ ....
موضعه ورفع يده عنه كما في المسروق، ولو رده إلى الحاكم .. براء على الصحيح، والخلاف كالخلاف في براءة الغاصب بدفع المغصوب إلى الحاكم.
كل هذا إذا وجد البعير نادًا، فلو وجده وعليه أمتعة ولا يمكن أخذ الأمتعة إلا بأخذه .. فالظاهر: أنه في هذه الحالة يأخذه للتملك تبعًا للأمتعة، ولأن وجود الأمتعة الثقيلة عليه يمنعه من ورود الماء والشجر ومن الفرار من السباع، وقد يفرق بين الأمتعة الكثيرة والقليلة وهو الأوجه.
واستثنى صاحب (التلخيص) من إطلاق القول بأن الإبل ونحوها لا تؤخذ في الصحراء: ما إذا وجد بعيرًا في أيام منى أو قبلها مقلدًا كما يقلد الهدي، فإن الشافعي نص على أنه يأخذه ويعرفه أيام منى، فإن خاف فوت وقت النحر .. نحره.
قال الرافعي: واستثناء هذه الصورة غير مسلم؛ لأن الأخذ الممنوع منه إنما هو الأخذ للتملك، وهذا ليس كذلك، وقال المصنف: فائدة الاستثناء: جواز التصرف.
قال: (فإن وجد بقرية .. فالأصح: جواز التقاطه للتملك)؛ لأنها في العمران تضيع بامتداد الأيدي الخائنة إليها، بخلاف المفازة فإن طروق الناس بها لا يعم، ولأنها لا تجد من يكفيها.
والثاني: أنها كالمفازة؛ لإطلاق الحديث، والحكم لا يختص بالقرية، بل الموضع القريب منها كهي.
قال: (وما لا يمتنع منها كشاة يجوز التقاطه للتملك في القرية والمفازة)؛ لقوله
وَيَتَخَيَّرُ آخِذُهُ مِنْ مَفَازَة: فَإِنْ شَاءَ .. عَرَّفَهُ وَتَمَلَّكَهُ، أَوْ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ تَمَلَّكَهُ، أَوْ أَكَلَهُ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ ظَهَرَ مَالِكُهُ
صلى الله عليه وسلم: (هي لك أو لأخيك أو للذئب) يعني: إن أخذتها .. فهي لك أو لأخيك، وإن تركتها .. أخذها الذئب، ويدخل في هذا النوع العجاجيل والفصلان والكسير من الإبل والخيل وكل ما إذا لم يلتقط يضيع إما بكاسر من السباع، وإما بخائن من الناس.
وفي وجه: لا يؤخذ ما يوجد في العمران؛ لأن الحيوان لا يكاد يضيع فيه، والحديث محمول على الصحراء بدليل قوله: (أو للذئب) والذئب إنما يكون في غير القرى، قاله ابن المنذر، والصحيح المعروف: أنه لا فرق.
قال: (ويتخير آخذه من مفازة: فإن شاء .. عرفه وتملكه، أو باعه وحفظ ثمنه وعرفها ثم تملكه، أو أكله وغرم قيمته إن ظهر مالكه) فيتخير بين ثلاث خصال: إن شاء .. عرف اللقطة وتملكها، وإن شاء .. باعها وحفظ ثمنها وعرفها، أي: عرف اللقطة؛ فإن التعريف لا يكون للثمن وإنما يكون للقطة، ولذلك صحح المصنف بخطه على قوله: (عرفها)، وإن شاء .. أكلها، أي: أكل اللقطة إن كانت مأكولة وغرم قيمتها.
وكان ينبغي للمصنف أن يأتي بضمير المؤنث في الجميع، على أن الإتيان بضمير المذكر في الجميع عائد للموجود وهو مذكر، وإنما أنث (عرفها) حتى لا يلتبس باحتمال عوده إلى الثمن.
وعن مالك وداوود: أن له أكلها مجانًا من غير ضمان أكل إباحة؛ لظاهر الحديث، ودليلنا: أنه مال لغيره فلا يجوز له تملكه من غير عوض إلا برضاه كما لو كان في البلد، والخبر محمول على جواز الأخذ دون الغرم.
ثم الخصلة الأولى أولى من الثانية، والثانية أولى من الثالثة.
فَإِنْ أَخَذَ مِنَ الْعُمْرَانِ .. فَلَهُ الْخَصْلَتَانِ الأُولَيَانِ لاَ الثَّالِثَةُ فِي الأَصَحِّ
وقول المصنف: (باعه) يفهم: أنه يستقل بذلك، وهذا حيث لا حاكم، فإن كان .. فلابد من استئذانه على الصحيح، ورجح الماوردي والشيخ: أنه لا حاجة إلى استئذانه؛ فإنه نائب المالك في الحفظ فكذا في البيع.
هذا كله في المأكول، أما غيره كالجحش الصغير .. فهل: له تملكه في الحال كما يجوز أكل المأكول؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع حتى يعرفه سنة.
وسكت المصنف عن إفراز القيمة، والأصح: أن ذلك لا يجب.
قال: (فإن أخذ من العمران .. فله الخصلتان الأوليان لا الثالثة في الأصح)؛ لسهولة البيع في العمران .. دون المفازة.
والثاني: له الأكل أيضًا كما في المفازة، والمصنف تبع (المحرر) في حكاية الخلاف وجهين، وهو في (الشرح) و (الروضة) قولان.
واختلفوا هل يجوز بيع جزء منها لنفقة باقيها؟ قال الإمام: نعم كما يباع جميعها، وحكى عن شيخه احتمالاً: أنه لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى أن تأكل نفسها، وبهذا قطع أبو الفرج الزاز.
قال: ولا يستقرض على المالك أيضًا لهذا المعنى، قال الرافعي: وهو مخالف ما سبق في هرب الجمال ونحوه، وفرق المصنف بينهما بأن هناك لا يمكن البيع؛ لتعلق حق المستأجر، وهنا يمكن فلا يجوز الإضرار بمالكها من غير ضرورة.
ومتى حصلت الضالة في يد الحاكم، فإن كان هناك حمى .. سرحها فيه ووسمها بِسمَة الضوال، ويسم نتاجها أيضًا، وإن لم يكن .. فالقول في بيع كلها أو بعضها للنفقة على ما سبق، لكن إن توقع مجيء المالك على قرب بأن عرف أنها من نعم بني فلان .. تأنى أيامًا.
وَيَجُوزُ: أَنْ يَلْتَقِطَ عَبْدًا لاَ يُمَيِّزُ،
فرع:
ترك دابة أو بعيرًا كسيرًا في الصحراء لعجزه عن السير، وعجز المالك عن القيام به، فمر به رجل فأحياه بالقيام عليه ومراعاته حتى عاد إلى حاله في السير والعمل .. حكى الماوردي والروياني عن الليث بن سعد والحسن بن صالح أنه يكون لمحييه دون تاركه، إلا أن يكون المالك تركه ليعود إليه فيكون أحق به.
وقال أحمد وابن إسحاق: المحيي أحق به بكل حال؛ لما روى أبو داوود مرسلاً عن عامر الشعبي: (من وجد دابة قد عجز عنها أهلها وسيبوها فأخذها فأحياها .. فهي له) ومرفوعًا: (من ترك دابة بمهلكة فأحياها رجل .. فهي لمن أحياها).
وقال مالك هو باق على ملك مالكه، ولكن لآخذه الرجوع بما أنفق، ومذهب الشافعي: أنه على ملك تاركه، وليس لمحييه الرجوع بنفقته كما لو عالج عبدًا أشرف على الهلاك حتى شفي، أو أخرج متاعًا غرق في البحر.
وحكى عن الحسن البصري أن من أخرج متاعًا غرق في البحر ملكه على صاحبه، وهذا شاذ مخالف للإجماع.
ولو وجد في البحر قطعة عنبر في الموضع الذي يجوز أن يوجد فيه .. كانت ملكًا لواجدها؛ لأن أصلها مباح، ولو وجدها في البر .. كانت لقطة، إلا أن تكون بقعة من الساحل قد نضب الماء عنها فتكون لواجدها، وهكذا لو صيدت سمكة في البحر فوجد في جوفها قطعة عنبر .. كانت ملكًا للصائد إذا كان بحرًا يمكن أن يوجد فيه العنبر، أما الأنهار وما لا يكون معدنًا للعنبر من البحار .. فإنه يكون لقطة، وهكذا الياقوت والمرجان، إلا أن يكون مصنوعًا أو مثقوبًا فيكون لقطة، وأما اللؤلؤ .. فلا يكون في البحر إلا في صدف، فإن وجد فيه .. كان ملكًا لواجده، وإن وجد خارج صدفه .. كان لقطة.
قال: (ويجوز: أن يلتقط عبدًا لا يميز)؛ لأنه يضيع بتركه فأشبه الشاة، بل قد
وَيَلْتَقِطَ غَيْرَ الْحَيَوَانِ؛
يقال بالوجوب إذا تعين طريقًا لحفظ روحه، فإن كان مميزًا والزمن زمن نهب .. جاز، وإنما يمتنع في الأمن؛ إذ يصل إلى مالكه بالدلالة.
تنبيهان:
أحدهما: احترز بالعبد عن الأمة فإنها إن كانت تحل له .. لم يجز أن يلتقطها للتملك؛ لأن التملك هنا كالتملك بالقرض، واقتراضها لا يجوز، بل يأخذها للحفظ كما يجوز استيداعها، وإن كانت لا تحل له كالمجوسية .. جاز التقاطها للتملك كما يجوز اقتراضها.
هذا كله إذا كانت غير مميزة، فإن كانت مميزة .. لم يجز جزمًا.
الثاني: يعرف كون غير المميز رقيقًا بعلامات الرق كالحبوش والزنوج، وينفق على الرقيق مدة حفظه من كسبه، وما بقي من كسبه يحفظ معه، فإن لم يكن له كسب .. فالحكم كما سيأتي في البهائم.
وإذا بيع فظهر المالك وقال كنت أعتقته قبل البيع .. فأظهر القولين قبول قوله، ويحكم بفساد البيع.
والثاني: المنع كما لو باع بنفسه، والنص أنه إذا وكل وكيلاً ببيع عبد فباعه الوكيل ثم قال الموكل: كنت أعتقته .. أنه لا يقبل، وهو كما لو باع قيم الطفل عبدًا ثم بلغ وقال: إن مورثي كان أعتقه .. قبل قوله وبطل البيع، وكما لو زوجت البكر بغير إذنها ثم أدعت أن بينهما رضاعًا محرمًا .. يقبل قولها، بخلاف إذا زوجت بإذنها؛ فإنه لا يقبل قولها ولها تحليفه على نفي العلم به.
قال: (ويلتقط غير الحيوان) وهو الجماد، وينقسم إلى ما يبقى بمعالجة كالرطب أو بغيرها كالذهب والفضة والثياب، وإلى ما لا يبقى ويتسارع إليه الفساد، وكل ذلك لقطة يؤخذ ويتملك.
فَإِنْ كَانَ يَسْرُعُ فَسَادُهُ كَهَرِيسَةٍ: فَإِنْ شَاءَ .. بَاعَهُ وَعَرَّفَهُ لِيَتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ، وَإِنْ شَاءَ .. تَمَلَّكَهُ فِي الْحَالِ وَأَكَلَهُ، وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَهُ فِي عُمْرَانٍ .. وَجَبَ الْبَيْعُ .. وَإِنْ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ بِعِلاَجٍ كَرُطَبٍ يَتَجَفَّفُ: فَإِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي بَيْعِهِ .. بِيعَ، أَوْ فِي تَجْفَيفِهِ وَتَبَرَّعَ بِهِ الْوَاجِدُ .. جَفَّفَهُ، وَإِلاَّ .. بِيعَ بَعْضُهُ لِتَجْفِيفِ الْبَاقِي
قال: (فإن كان يسرع فساده كهريسة) وكذلك البقول الرطبة والشواء والرطب الذي لا يتتمر.
قال: (فإن شاء .. باعه وعرفه ليتملك ثمنه، وإن شاء .. تملكه في الحال وأكله)؛ لأنه معرض للهلاك فيتخير فيه كالشاة، واتفق عليه الأصحاب، واستدل له الرافعي وغيره بحديث: (من التقط طعامًا .. فليأكله ولا يعرفه) وهو غير معروف، والمعرف هنا المبيع لا الثمن، والبيع هنا أولى بالاتفاق.
قال: (وقيل: إن وجده في عمران .. وجب البيع)؛ لأنه متيسر فيه فلا يجوز الأكل في هذه الحالة، بل يتعين البيع، وقال الإصطخري: إن كان الواجد فقيرًا .. أكل، أو غنيًا .. فلا، وخص الخلاف بغير المضطر، وقطع في المضطر بأنه يأكل ويغرم قيمته، وحيث أكل .. وجب بعده التعريف في الأصح إن كان في البلد، وإلا .. فالظاهر عند الإمام: عدمه، ولا يجب إفراز القيمة، ولابد من إذن الإمام في البيع كما تقدم.
قال: (وإن أمكن بقاؤه بعلاج كرطب يتجفف: فإن كانت الغبطة في بيعه .. بيع، أو في تجفيفه وتبرع به الواجد .. جففه، وإلا .. بيع بعضه لتجفيف الباقي)؛ لأنه مال غيره فروعي فيه المصلحة كولي اليتيم، والفرق بينه وبين الحيوان حيث يباع جميعه: أن نفقة الحيوان تتكرر فيؤدي إلى أن يأكل نفسه.
والمراد بـ (البعض): ما يساوي مؤنة التجفيف.
وَمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً لِلْحِفْظِ .. فَهِيَ أَمَانةٌ،
فرع:
وجد كلبًا يقتنى .. قال الأكثرون: له أن يلتقطه ثم يختص وينتفع به, فإن ظهر صاحبه بعد ذلك .. رده عليه, وإن تلف .. لم يضمنه, وفي لزوم أجره تلك المدة وجهان: أصحهما: لا تجب.
قال ابن الرفعة: والظاهر: أنه لابد عند انقضاء مدة التعريف من اختيار نقل الاختصاص الذي كان للأول كما في نقل الملك.
ولو ضاعت الخمرة المحترمة من صاحبها فالتقطها ملتقط رجاء أن تتخلل بنفسها فتخللت .. ملكها الملتقط إذا عرفها.
فرع:
لقطة دار الحرب, إن كان فيها مسلم .. كلقطة دار الإسلام, فإن لم يكن فيها مسلم .. فما وجد فيها غنيمة خمسها لأهل الخمس والباقى للواجد, ذكره البغوى وغيره, وحكم الغزالي في (كتاب السير) بأن اللقطة التي وجدت في دار الحرب لآخذها مطلقًا, وكذلك قاله القاضي هنا, وسيأتي في كلام المصنف في (كتاب السير).
قال: (ومن أخذ لقطة للحفظ) أي: وهو أهل لها (.. فهي أمانة)؛ لأنه يحفظها لمالكها فكان كالمودع, وكذا درها ونسلها, وعلى هذا: لا يجب عليه الإشهاد ولا إعلام الحاكم بها, وحكي وجه: أنها مضمونة؛ لأنه لا ولاية له على صاحبها.
قال الشيخ: ومقتضى هذا الوجه تحريم الأخذ وهو بعيد؛ لمخالفته الأحاديث
فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الَقَاضِي .. لَزِمَهُ الْقَبُولُ, وَلَمْ يُوجِبِ الأَكْثَرُونَ التَّعْرِيفَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ, فَلَوْ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ خِيَانَةً .. لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا فِي الأَصَحِّ,
الصحيحة, وفي هذه الحالة إذا لم يعرفها .. كانت مضمونة عليه, ولا تصير أمانة بالتعريف بعد ذلك.
قال: (فإن دفعها إلى القاضي .. لزمه القبول)؛ حفظاً لها على صاحبها؛ لأنه ينقلها من أمانة إلى أمانة هي أوثق منها, وهذا بخلاف الوديعة؛ فإنه لا يلزمه قبولها على الأصح, لأنه قادر على الرد على المالك وقد التزم الحفظ له, واللزوم لا يختص بهذه الحالة, بل من أخذ للتملك ثم بدا له فدفعها إلى الحاكم .. لزمه القبول.
هذا في القاضي الأمين, أما غيره .. فدفعها إليه إضاعة لها.
ويشكل على لزوم القبول ما رواه مالك عن ثابت بن الضحاك: أنه وجد بعيرًا ضالاً فأخبر به عمر فأمره أن يعرفه ثلاث مرات, فقال له ثابت: إنه قد شغلني عن ضيعتي, فقال عمر: (أرسله حيث وجدته) لكن حمله بعضهم على الضالة التي لا يحل التقاطها.
قال: (ولم يوجب الأكثرون التعريف والحالة هذه) أي: إذا قصد الحفظ, لأن التعريف إنما يجب لتحقق شرط التملك, وقال الإمام والغزالى: أظهر الوجهين وجوبه؛ لئلا يفوت الحق بالكتمان, وصحح في (شرح مسلم) مقالة الإمام, وقال في (الروضة): إنها الأقوى المختار.
نعم؛ يستثنى من ذلك لقطة الحرم؛ فلا يجري فيها هذا الخلاف, بل يجب تعريفها جزمًا كما سيأتى.
هذا إذا استدامها للحفظ, فإن بدا له أن يتملك .. فجزم الرافعي في أول الباب بأنه لابد من استئناف التعريف.
قال: (فلو قصد بعد ذلك خيانة .. لم يصر ضامنًا في الأصح) كما لا يصير المودع بذلك ضامنًا على المذهب.
فَإِنْ أَخَذَ بِقَصْدِ الْخِيَانَةِ .. فَضَامِنٌ, وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَهُ أَنْ يُعَرِّفْ وَيَتَمَلَّكَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ أَخَذَ لِيُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ .. فَأَمَانَةُ مُدَّة الْتَعْرِيفِ, وَكَذَا بَعْدَهَا مَا لَمْ يَخْتَرِ الْتَمَلُّكَ فِي الأَصَحِّ
والثاني: يصير ضامنًا؛ لأنه لم يسلطه المالك, ومعها صار الملتقط ضامنًا في الدوام بحقيقة الخيانة أو بقصدها, فلو تاب ثم أقلع وأراد أن يعرف ويتملك .. فله ذلك على الأصح عند القاضي والبغوي.
وإيراد الغزالي يقتضي ترجيح مقابله, قال الرافعي: والخلاف شبيه بالخلاف فيما لو أراد سفرًا مباحًا ثم جعله معصية .. فإن الأصح فيه: أنه لا يترخص.
قال: (فإن أخذ بقصد الخيانة .. فضامن)؛ لأن الأصل في الإستيلاء على مال الغير الضمان, خرج عنه حالة قصد التملك بإذن الشارع ففي ما عداها على مقتضى الأصل, وفي براءته بالدفع إلى الحاكم الوجهان في الغاصب, ولو لم يقصد شيئًا أو قصد ونسي .. فله التملك ولا ضمان؛ لأن صورة الأخذ مأذون فيها شرعًا.
قال: (وليس له بعده أن يعرف ويتملك على المذهب) كما أن الغاصب ليس له ذلك, وقيل: فيه وجهان: ثانيهما: له ذلك؛ لوجود صورة الالتقاط والتعريف.
ولو طرأت الخيانة ثم أقلع وقصد التملك .. فله ذلك في الأصح.
قال: (وإن أخذ ليعرف ويتملك .. فأمانة مدة التعريف) هذا لا خلاف فيه؛ لأن الشارع أذن فيه.
قال: (وكذا بعدها ما لم يختر التملك في الأصح) كما قبل الحول, ومقابله قول الإمام والغزالى: إنها تكون مضمونة عليه وإن لم يتملكها؛ لأنه صار ممسكًا لنفسه, وإن أخذها لا يقصد خيانة ولا أمانة أو يقصد أحدهما وينساه .. لم تكن مضمونة عليه, وله التملك بشرطه.
وَيَعْرِفُ جِنْسَهَا وَصِفَتَهَا وَقَدْرَهَا وَعِفَاصَهَا وَوَكَاءَهَا, ثُمَّ يُعَرِّفُهَا
قال: (ويعرف جنسها وصفتها وقدرها وعفاصها ووكاءها)؛ للحديث, لئلا تختلط بماله, وليستدل بها على صدق الطالب, وذلك مستحب على المشهور, وفي (الكافى): أنه واجب, وكذلك يعرف موضع التقاطها سواء كان المال قليلاً أو كثيرًا, سواء وجب التعريف أم لا, وكذلك يعرف كيل المكيل وطول الثوب وعرضه ودقته وصفاقته, ويستحب تقييد ذلك بالكتابة ليأمن النسيان.
وقوله: (يعرف) بفتح الياء من المعرفة, وهي: العلم.
قال الشافعي: وإنما أمره بمعرفة العفاص والوكاء تنبيهًا على أنه يردها مع ما فيها ونبه باليسير على حفظ الكثير كما قال: (أدوا المَخيط والمِخيَط؛ فإن الغلول نار).
فـ (العفاص): الوعاء من جلد وغيره.
و (الوكاء): بالمد: الذي يربط به من خيط وغيره.
قال: (ثم يعرفها) هذا بضم الياء, وهذا واجب إذا قصد التملك قطعًا, اللهم إلا أن يخشى من ظالم يأخذها إذا عرفها, فحينئذ لا يجوز التعريف, بل تكون أمانة في يده كما جزم به المصنف في (نكت التنبيه) , ومقتضاه: أنه لا يتملكها بعد السنة, وبه أفتى الغزالي, وفي (فتاوى ابن الصباغ): أنه بعد الحول يتملكها, وهو القياس.
وتعبيره بـ (ثم) يقتضي أنه لا تجب المبادرة إلى التعريف عقب الالتقاط وهو الأصح؛ لإطلاق الحديث, وخالف القاضي أبو الطيب فأوجبه على الفور؛ لأنه أقرب إلى لقي صاحبها.
ومقتضى ما صححه الشيخان: أنه لو كتمها عشرين سنة ثم عرفها .. يكفي, وهو
فِي الأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا
في غاية البعد, وسيأتي عن الرافعي تصحيح: أنه لا يكفي تعريف سنة متفرقة, والظاهر: أن مرادهما بذلك: عدم الفورية المتصلة بالالتقاط, لا جرم صحح في (البسيط) مقالة القاضي أبي الطيب, وهو الظاهر إذا لم يكن عذر.
قال: (في الأسواق وأبواب المساجد)؛ لأنها مظنة اجتماع الناس.
والمراد بـ (الأسواق): حال قيامها, و (أبواب المساجد): عند خروج الناس منها ووجود الجماعات فيها, ولا يعرف في المساجد, كما لا يطلب الضالة فيها.
واستثنى بعضهم من ذلك المسجد الحرام, وصححه الماوردي والشاشي, ولعل ذلك مخصوص بأيام الحج, أما في سائر السنة .. فكغيره من المساجد, وينبغي استثناء مسجد منى في أيام التشريق, ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبيت المقدس أيام زيارتهما.
وظاهر كلام الشيخين وابن الرفعة: أن التعريف في المسجد حرام, ونقل الماوردي الاتفاق عليه, والمنقول فيه: الكراهة كما جزم به في (شرح المهذب) في آخر (باب الجناية).
لكن حكى الماوردي الاتفاق على تحريمه.
قال: (ونحوها) المراد بذلك: كل موضع يجتمع فيه الناس كالمجامع والمحافل ومناخ الأسفار لما ذكرناه؛ إذ لا فائدة للتعريف في الأماكن الخالية.
ثم إذا التقط في بلد أو قرية .. فلا بد من التعريف فيها, وليكن أكثر تعريفه في البقعة التي وجدها بها؛ لأن طلب الشيء في موضع ضياعه أكثر, فإن حضره سفر ..
سَنَةٌ
فوض التعريف إلى غيره, ولا يسافر بها, وإن التقط في الصحراء .. عرفها بأقرب البلاد إليها, والأصح: أنه لا يكلف العدول إلى غير مقصده.
وليس للملتقط تسليم المال إلى غيره ليعرفه إلا بإذن الحاكم, فإن فعل .. ضمن.
ويشترط كون المعرف عاقلاً غير مشهور بالخلاعة والمجون, وإلا .. فلا يعتمد قوله ولا تحصل فائدة التعريف, وقال ابن الرفعة: لا تشترط فيه الأمانة إذا حصل الوثوق بقوله.
قال: (سنة) أي: تحديدًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (عرفها سنة, فإن لم تعرف .. فاستنفقها, ولتكن وديعة عندك) رواه الشيخان من حديث زيد بن خالد.
وأما ما رواه من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل أن أبي بن كعب قال: وجدت صرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها مئة دينار, فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (عرفها حولاً) فعرفتها حولاً فلم أجد أحدًا يعرفها, فعدت إليه فقال: (عرفها حولاً) فعرفتها حولاً فأتيته فقال: (عرفها حولاً) فعرفتها ثم أتيته فقال: (احفظ عددها ووكاءها ووعاءها, فإن جاء صاحبها وإلا .. فاستمتع بها) فأخذ به بعض الناس فقال: يجب التعريف ثلاثة أحوال, ونقله الخُبُشاني في (شرح الوسيط) عن عمر بن الخطاب, ولعله لم يثبت عنه.
والجواب: أن الحديث له علة؛ فإن راويه سلمة بن كهيل, فقد قال شعبة: لقيته بعد ذلك بمكة فسألته فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً, وفي رواية: قال شعبة: سمعته بعد عشرين سنة يقول: عرفتها عامًا واحدًا, فبان لنا أن سلمة شك فلم يبق في
عَلَى الْعَادَةِ؛ يُعَرِّفُ أَوَّلاً كُلَّ يَوْمٍ طَرَفَىِ الْنَهَارِ, ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً, ثُمَّ كُلَّ أُسْبُوعٍ، ثُمَّ كُلَّ شَهْرٍ,
ذكر الثلاثة قبل ذلك حجة, وأشار البخاري إلى هذه العلة في (صحيحه) , وعلى تقدير صحته .. فهو محمول على الورع وزيادة الاحتياط.
وقد أجمع العلماء على الاكتفاء بتعريف سنة, وحكى الماوردي عن أحمد أنه يعرفها شهرًا واحدًا, وعن غيره ثلاثة أيام.
وقد يتصور تعريف سنتين فيما إذا قصد الحفظ وقلنا: لا يجب التعريف فعرفه, ثم اختار التملك .. فإنه لابد من تعريفه سنة من حين اختيار التملك.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه إنما يجب التعربف حولاً واحدًا.
فرع:
التقاط اثنان لقطة .. اشتركا في التعريف, وملكاها بعده نصفين, قاله القاضي حسين والشيخ نصر وغيرهما, وقال ابن الرفعة: الأشبه: أن يعرف كل منهما سنة؛ لأنه في النصف كملتقط كامل.
وقال الشيخ: الأشبه أن يعرف أحدهما نصفها والآخر نصفها؛ لأنها لقطة واحدة والتعريف من كل منهما لكلها لا لنصفها, وإنما تقسم بينهما عند التملك, قال: وليس لأحدهما انفراد باليد لا على الجميع ولا على النصف في السنة الأولى كالوكيلين والوصيين إذا لم ينص لهما على الانفراد, وليس لأحدهما نقل حقه إلى صاحبه.
قال: (على العادة) فلا يشترط استيعابها كلها, ولا يعرف ليلاً ولا وقت القيلولة.
قال: (يعرف أولاً كل يوم طرفي النهار, ثم كل يوم مرة, ثم كل أسبوع، مرة ثم كل شهر) وذلك على سبيل التقريب, ولا يكفي القدر اليسير من السنة؛ لأنه لا يفيد
وَلاَ تَكْفِي سَنَةٌ مٌتَفَرَّقَةٌ فِي الأَصَحِّ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَكْفِي, وَاللهُ أَعْلَمُ
المقصود, ولا يكفي التعريف في أوقات الخلوات, بل يراعي التعريف المعتاد, فيعرف في الابتداء في كل يوم مرتين طرفي النهار, ثم في كل يوم مرة, ثم في كل أسبوع مرة أو مرتين, ثم في كل شهر بحيث لا ينسى أنه تكرار للأول.
وقال القاضي والخوارزمي يعرف في الأسبوع الأول كل يوم طرفي النهار, وفي الثاني كل يوم مرة, ثم في كل أسبوع مرتين, ثم في كل عشرة مرة.
وقال المزني: يكون أكثر تعريفه في الجمعة التي وجدها فيها.
قال: (ولا تكفي سنة متفرقة في الأصح) بأن يعرف شهرين مثلاً ويترك شهرين, أو اثني عشر شهرًا من اثنتي عشرة سنة؛ لأنه إذا فعل ذلك .. لا تظهر فائدة التعريف, ولأن المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم: (عرفها سنة) التوالي كما لو حلف لا أكلم زيدًا سنة.
فعلى هذا: إذا قطع مدة .. وجب الاستئناف, وقد تقدم أن هذا يشكل على ما تقدم عن الرافعي من تصحيح عدم وجوب الفور في التعريف.
قال: (قلت: الأصح: تكفي والله أعلم)؛ لأنه عرف سنة, وكما لو نذر صوم سنة .. فإنه يجوز تفريقها, ولم يصحح الرافعي في (الشرحين) شيئًا منهما, وعبر في (المحرر) عن الأول بالأحسن لا بالأصح.
قال الإمام: وللقول بالاكتفاء شرط وهو: أن يبين في التعريف زمان الوجدان, ويسنده إلى الوقت الذي وجدت فيه, حتى يكون ذلك في مقابلة ما جرى من التأخير المنسي.
ولو مات الملتقط في أثناء مدة التعريف .. صرح القاضي أبو الطيب بأن وارثه يبني على ذلك ويقوم مقامه.
وَيَذْكُرُ بَعْضَ أَوْصَافِهَا وَلاَ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الْتَعْرِّيِف إِنْ أَخَذَ لِحِفْظٍ, بَلْ يُرَّتِّبُهَا الْقَاضِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ اوْ يَقْتَرِضُ عَلَى الْمَالِكِ, وَإِنْ أَخَذَ لِتَمَلُّكٍ .. لَزِمَتْهُ, وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَمَلَّكَ .. فَعَلَى الْمَالِكِ
قال: (ويذكر بعد أوصافها) لأنه أقرب إلى الظفر بالمالك, والأصح: أن هذا على جهة الاستحباب.
ولم يبين المصنف البعض, وقال: في (التنبيه): يقول: من ضاع منه شيء, أو من ضاع منه دنانير, قال ابن الرفعة: وهي صريحة في التخبير, وبه صرح جماعة, ويجوز أن يكون إشارة إلى خلاف الأصحاب في وجوب ذكر شيء من الصفات, فإن شرطناه .. فهل يكفي ذكر الجنس بأن يقول: من ضاع منه دراهم؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجب, بل يكفي أن يتعرض للعفاص والوكاء ومكان الالتقاط وتاريخه, ولا يستوعب الصفات ولا يبالغ؛ لئلا يعتمدها الكاذب, فإن بالغ .. ففي صيرورته ضامنًا وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا يلزمه الدفع إلا ببينة.
وأصحهما في زوائد (الروضة): أنه يضمن؛ لأنه قد يرفعه إلى من يلزمه الدفع بالصفات.
قال: (ولا تلزمه مؤنة التعريف إن أخذ لحفظ, بل يرتبها القاضي من بيت المال أو يقترض على المالك)؛ لأن القصد بأخذها رعاية مصلحة المالك, ويجوز أن يأمر الملتقط به ليرجع كما في هرب الجمال, وإن رأى القاضي بيع بعضها فيه .. فله ذلك, فهذه أربعة أشياء يجتهد القاضي فيها, فإن لم يوجب التعريف .. فهو متبرع بما أنفقه.
قال: (وإن أخذ لتملك .. لزمته)؛ لأنه قبض العين لغرض نفسه.
قال: (وقيل: إن لم يمتلك .. فعلى المالك)؛ لعود الفائدة إليه, فلو قصد الأمانة أولاً ثم قصد التملك .. ففيه الوجهان؛ نظرًا: إلى منتهى الأمر ومستقره.
هذا في مطلق التصرف, أما الصبي إذا رأى وليه التملك .. لم يصرف مؤنة التعريف من ماله, بل يرفع الأمر إلى الحاكم ليبيع جزءًا من اللقطه لذلك.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْحَقِيرَ لاَ يُعَرَّفُ سَنَةً، بَلْ زَمَنًا يُظَنُّ أَنَّ فَاقِدَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا
فرع:
ليس للملتقط تسليم المال إلى غيره ليعرفه إلا بإذن الحاكم، فإن فعل .. ضمن.
قال: (والأصح: أن الحقير لا يعرف سنة، بل زمنًا يظن أن فاقده يعرض عنه غالبًا) أشار بذلك إلى تعريف اللقطة إنما يجب إذا جمعت وصفين:
أحدهما: أن يكون شيئًا لا يفسد في مدة التعريف، فإن كان يفسد كالهريسة والرطب .. فقد تقدم حكمه.
والثاني: كون الملتقط كثيرًا، فإن كان قليلاً .. ينظر، إن انتهت قلته إلى حد يسقط تموله كحبة الحنطة والزبيبة .. فلا يعرف، ولواجده الاستبداد به؛ لأن عمر رأى رجلاً يعرف زبيبة فضربه بالدرة وقال: (إن من الورع ما يمقته الله) وإن كان متمولاً مع قلته .. وجب تعريفه؛ لأن فاقده يطلبه، خلافًا لأبي حنيفة ومالك، وفيه وجه منقول في (الإستذكار).
نعم؛ يستثنى من التعريف: ما لو التقط بالصحراء ما يسرع فساده كرطب وهريسة؛ فإنه لا يجب تعريفه على الظاهر؛ إذ لا فائدة له بالصحراء، وإذا تأخر .. بَعُدَ العثور على المستحقين.
وكم يعرف؟ فيه وجهان:
أحدهما: سنة؛ لإطلاق الأخبار، وهو ظاهر نص (المختصر)، واختاره العراقيون والقاضي حسين والشيخ، وشذ الغزالي في (البسيط) فزعم: أنه لم يقل به أحد.
والثاني: المنع؛ لأن الشيء الحقير لا يدوم فاقده على طلبه، بخلاف الخطير، (و) لأن عمر رضي الله عنه رأى جرابًا فيه سويق تطؤه الإبل، فأخذه فعرفه، فلم يعرفه أحد، فأمر بقدح فشرب منه وسقى أصحابه وقال: (هذا خير من أن تطؤه الإبل) ولم ينكر عليه، وهذا أشبه باختيار المعظم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعلى هذا: فأوجه:
أحدها - ويروى عن الإصطخري ورجحه في (التنبيه) -: يكفي منه التعريف مرة؛ ليخرج بها عن حد الكاتم، وليس بعدها ضبط يعتمد.
والثاني: ثلاثة أيام؛ لما روى أحمد والطبراني والبيهقي عن أبي حكيم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من التقط لقطة يسيرة .. فليعرفها ثلاثة أيام) والجواب: أنه ضعيف، وقال ابن حزم: في إسناده من إسرائيل إلى أبي حكيم ظلمات بعضها فوق بعض.
والثالث - وهو الأصح -: أنه يعرف مدة يغلب على الظن في مثلها طلب الفاقد له، فإذا غلب على الظن إعراضه .. سقط الطلب، وكان الصواب أن يقول المصنف: يظن أن فاقده لا يعرض عنه غالبًا، ويختلف ذلك باختلاف قدر المال، قال الروياني: فدانق الفضة يعرف في الحال، ودانق الذهب يعرف يومًا أو يومين أو ثلاثة.
وأما الفرق بين القليل والكثير .. ففيه أوجه:
أصحها: لا يقدر، بل ما يغلب على الظن أن فاقده لا يكثر أسفه عليه، ولا يطول طلبه له غالبًا.
والثاني: القليل ما دون نصاب السرقة؛ لقول عائشة: (ما كانت الأيدي تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه) رواه ابن أبي شيبة في (مسنده)، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة.
والثالث: عن رواية الماسرجسي وغيره: أن الدينار فما دونه قليل؛ لما روى أبو داوود: أن عليًا وجد دينارًا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (هذا رزق الله فاشتر به دقيقًا ولحمًا) ففعل وأكل هو والنبي صلى الله عليه وسلم منه وفاطمة، ثم جاء صاحب الدينار ينشده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا علي؛ أد الدينار).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والرابع: أن ما دون الدرهم قليل، والدرهم فما فوقه كثير؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: (لا بأس بما دون الدرهم أن ينتفع به) كذا استدل به الرافعي وهو غريب.
فائدة:
قال الشيخ: استدل لعدم وجوب التعريف في الحقير بما روى الشيخان عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بتمرة في الطريق مطروحة فقال: (لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة .. لأكلتها) ومر ابن عمر بتمرة مطروحة في الطريق فأكلها.
وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأدخل بيتي فاجد التمرة مطروحة على فراشي ولا أدري من تمر الصدقة أو من تمر أهلي فأدعها) رواه أبو داوود، وهذا ليس بلقطة، والأول هو الذي تكلم عليه الفقهاء، والاستدلال به جيد من جهة أن المانع من أكلها احتمال كونها صدقة وهو لا يأكل الصدقة، وإذا تأملناها .. وجدناها ليست لقطة؛ لأن اللقطة ما تؤخذ لتتملك بعوض، أو لتحفظ لصاحبها بسبب تطلعه إليه، وهذه ليست كذلك.
قال: وبهذا يندفع سؤال سمعته من شيخنا الحافظ شرف الدين الدمياطي عن قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز أنه قال: كيف لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم التمرة والإمام يأخذ المال الضائع للحفظ؟
فأجاب بعض الناس بأنه إن ما في الحديث نفي الأكل، وقد يكون أخذها، وأنا أقول: إنما يأخذ المال الضائع الذي صاحبه متطلع إليه، أما ما هو معرض عنه .. فيترك لكل أحد يريد أخذه.
فَصْلٌ:
إِذَا عَرَّفَ سَنَةً .. لَمْ يَمْلِكْهَا حَتَّى يَخْتَارَهُ
تتمة:
قال المتولي: جرت العادة بالتقاط ما يقع من أيدي الحصادين من السنابل، فإن كان المالك أذن فيه .. فهو حلال، وإن لم يكن أذن فيه صريحًا إلا أن المالك لا يلتقطه في العادة ولا يشق عليه التقاط الناس .. فإنه يحل ووقع في عبارة (الروضة) فيه بعض تحريف.
وروى البيهقي عن أم الدرداء قال: (قال لي أبو الدرداء: لا تسألي أحدًا شيئًا، قلت: فإن احتجت؟ قال: تتبعي الحصادين فانظري ما يسقط منهم، فخذيه واطحنيه ثم اعجنيه وكليه ولا تسألي أحدًا شيئًا) وقال الأوزاعي: ما أخطأت يد الحاصد أو جنت يد القاطف فليس لصاحب الزرع عليه سبيل، إنما هو للمارة وأبناء السبيل.
قال: (
فصل
:
إذا عرف سنة .. لم يمكلها حتى يختاره)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالد: (فإن جاء صاحبها وإلا .. فشأنك بها) فوض الأمر إلى خيرته، وشمل إطلاق المصنف أنه لا فرق بين أن يكون الملتقط غنيًا أو فقيرًا، ولا خلاف عندنا في ذلك.
وعند أبي حنيفة: من لا تحل له الصدقة لا يجوز له التملك والارتفاق باللقطة، ولكنه إن شاء .. حفظها للمالك، وإن شاء .. تصدق بها ومن تحل له الصدقة إن شاء .. تملكها، وإن شاء .. تصدق بها على غيره، ثم إذا جاء المالك .. فهو بالخيار، إن شاء .. أجاز الصدقة، وإن شاء .. غرمه، ويكون ثواب الصدقة للملتقط.
وعن مالك: أن الغني تجوز له اللقطة ولا تجوز للفقير؛ لأنها تضيع عنده.
بِلَفْظٍ كَتَمَلَّكْتُ، وَقِيلَ: تَكْفِي النّيةُ، وَقِيلَ: يَمْلِكُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ
واستدل الشافعي بلقطة أبي بن كعب وهو من مياسير الصحابة، وعلي بن أبي طالب وكان هاشميًا لا تحل له الصدقة.
قال: (بلفظ كتملكت)؛ لأنه تملك مال ببدل فافتقر إلى اللفظ بالتملك كالشراء والشفعة، هذا فيما يملك، أما غيره كالكلب والخمر المحترمة .. فيظهر كما تقدم عن ابن الرفعة أنه لابد من اختياره نقل الاختصاص الذي كان لغيره لنفسه.
وإشارة الأخرس في ذلك كعبارته، وقيل: يشترط مع اللفظ التصرف كما قيل بمثله في القرض، ويأتي فيه الخلاف في أي تصرف هو، وأثر الخلاف يظهر في الزوائد والزكاة.
قال: (وقيل: تكفي النية) فإذا قصد التملك بعد الحول كفى ولا حاجة إلى اللفظ؛ لأنه إنما يعتبر حيث يكون هناك إيجاب وقبول، وهذا قول أبي إسحاق المروزي.
قال: (وقيل: يملك بمضي السنة) وهو قول أبي حفص بن الوكيل، وهو ظاهر نص (الأم) و (المختصر)، ويدل له ما في (الصحيحين) من قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن جاء صاحبها، وإلا .. فهي لك) وهذا الوجه محله: إذا قصد بالأخذ في الابتداء التملك بعد المدة، فإن أخذ لا على قصد التملك واستمر حتى انقضت المدة .. لم يملك به قطعًا.
هذا فيما يملك، فأما غيره كالكلب والخمرة المحترمة .. فيظهر كما تقدم عن ابن الرفعة: أنه لابد من اختياره نقل الاختصاص الذي كان لغيره لنفسه.
وتستثنى صور يمتنع فيها التملك:
منها: لقطة مكة كما سيأتي، والجارية التي تحل له كما تقدم.
ومنها: إذا أخذ للخيانة .. فإنه لا يتملك على الصحيح كالغاصب.
فَإِنْ تَمَلَّكَ فَظَهَرَ الْمَالِكُ وَاتَّفَقَا عَلَى رَدِّ عَيْنِهَا .. فَذَاكَ، فَإِنْ أَرَادَهَا الْمَالِكُ وَأَرَادَ الْمُلْتَقِطُ الْعُدُولَ إِلَى بَدَلِهَا .. أُجِيبَ الْمَالِكُ فِي الأَصَحِّ،
ومنها: إذا سلمها للحاكم ثم ندم وأراد أخذها وتعريفها ويتملك .. فالمختار في زوائد (الروضة) أنه ليس له ذلك كما سيأتي في تتمة الباب.
ولو تملكها ثم نوى إسقاط التملك وأنه يحفظها على صاحبها .. لم يسقط الضمان عنه بذلك، وفي زوال ملكه عنها وجهان كالوجهين فيما لو اصطاد صيدًا ثم أرسله هل يزول ملكه عنه؟
تذنيب:
ولد اللقطة يملك بعد السنة بتعريف الأم، ولو مات الملتقط قبل التملك وله وارث صغير أو لا وارث له إلا بيت المال .. انتقل حق التملك إليهم كحق التحجر، هكذا كان الشيخ يقول ذلك بحثًا وهو صحيح.
قال: (فإن تملك فظهر المالك واتفقا على رد عينها .. فذاك)؛ إذ ألحق لهما لا يعدوهما، ويجب على الملتقط ردها إليه قبل الطلب على الأصح، قاله الرافعي في (الوديعة).
والمراد هنا بـ (الرد): التخلية، ومؤنة الرد بعد التملك على الملتقط؛ لأنه قبض العين لغرض نفسه، وقبله على المالك.
قال: (فإن أرادها المالك وأراد الملتقط العدول إلى بدلها .. أجيب المالك في الأصح) كالقرض بل أولى؛ لأن المالك هنا سلطنة شرعية ليست للمقترض لأنه لم يرض بتملكها عليه.
والثاني: المجاب الملتقط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر .. فأدها إليه) ولا خلاف أن الملتقط لو ردها .. وجب على المالك
فَإِنْ تَلِفَتْ .. غَرِمَ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّمَلُّكِ
القبول، وبمجرد ظهور المالك لا يرتفع ملك الملتقط عنها حتى يردها بخلاف الشاة المعجلة، والفرق أن في الشاة يتبين فساد سبب الملك، وهنا لم يتبين فساده، ولابد من اشتراط أن لا يتعلق بالعين حق رهن ولا كتابة ولا جناية كما في القرض؛ فإنها تمنع رجوع المالك، وقياسه هنا كذلك.
قال: (فإن التفت) أي: بعد التملك (.. غرم مثلها) أي: إن كانت مثلية (أو قيمتها) أي: إن كانت متقومة؛ لأنه ملك تعلق به العوض فأشبه البيع، وجاء في رواية في (سنن أبي داوود): (ثم كلها، فإن جاء صاحبها .. فأدها إليه) ولم يجعلوه كالقرض حتى يرد المثل الصوري.
قال ابن الرفعة: وقضية قولهم: (إن ملك اللقطة كملك القرض) أنه يكون كذلك.
هذا في عين اللقطة، فلو عزل الملتقط البدل عند إباحة إتلاف اللقطة فتلف .. فحكى الرافعي في الكلام على الطعام عن الأصحاب أنهم نصوا على سقوط حقه بهلاك القيمة للضرورة.
وصورة المسألة: إذا تلفت بعد التملك، فإن تلفت قبله من غير تفريط .. لم يضمنها الملتقط كالمودع.
قال: (يوم التملك)؛ لأنه وقت انتقالها إليه ودخولها في ضمانه، وقيل: يوم المطالبة بها، والأصح: ثبوت الضمان في ذمته من حين التلف.
وعن الشيخ أبي إسحاق إنما يثبت البدل عند مطالبة المالك، واختاره الشيخ، وله شبه بمن يقول: إن شطر الصداق لا يرجع بمجرد الطلاق، بل يتوقف على اختيار الزوج.
وأغرب الكرابيسي فقال: لا يطالب بالقيمة، ولا يرد العين عند بقائها؛ لأنه ملكها.
وَإِنْ نَقَصَتْ بِعَيْبٍ .. فَلَهُ أَخْذُهَا مَعَ الأَرْشِ فِي الأَصَحُ.
وَإِذَا ادَّعَاهَا رَجُلٌ وَلَمْ يَصِفْهَا وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُ .. لَمْ تُدْفَعْ إِلَيْهِ، .....
وأشار بقوله: (يوم التملك) إلى أن الكلب إذا جوزنا التقاطه وظهر صاحبه وقد هلك .. لا يضمن؛ إذ لا يملك، وهل يضمن قيمة منفعته بعد الحول؟ فيه في (البيان) وجهان بناء على جواز إجارته.
قال: (وإن نقصت بعيب) أي: طرأ بعد التملك (.. فله أخذها مع الأرش في الأصح)؛ لأن ما ضمن كله ضمن بعضه، إلا الشاة المعجلة في الزكاة كما تقدم فإنها تضمن بالتلف، فلو نقصت .. لم يجب أرشها.
والثاني: يقنع بها بلا أرش؛ لأن النقصان حصل في ملكه فلا يضمنه كالشاة المعجلة.
ولو أراد المالك الرجوع إلى بدلها سليمة، وقال الملتقط: أضم الأرش إليها وأردها .. فالأصح: أن على المالك القبول؛ لأن العين الناقصة مع الأرش كغير الناقصة فصار كالغاصب.
واحترز بـ (النقصان) عما إذا وجدها زائدة، فإن كان ذلك قبل التملك .. أخذها بالزيادتين، وإن كان بعده .. أخذها بالمتصلة فقط.
وكسب الرقيق .. جزم الرافعي بأنه ينفق عليه منه ويحفظ باقيه معه، والذي في (التتمة) أنه لقطة كالأصل.
قال: (وإذا ادعاها رجل ولم يصفها ولا بينة له .. لم تدفع إليه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى الناس بداعواهم ...) الحديث، اللهم إلا أن يعلم الملتقط أنها له .. فيلزمه الدفع إليه.
والبينة هنا: ما يثبت به المال، واختار الغزالي الاكتفاء بالرجل الواحد، وكأنه سلك به مسلك الإخبار، فإن حلف مع الشاهد .. اكتفي به.
وَإِنْ وَصَفهَا وَظُنَّ صِدْقُهُ .. جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَإِنْ دَفَعَ فَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً بِهَا .. حُوِّلَتْ إِلَيْهِ، .....
قال: (وإن وصفها وظن صدقه .. جاز الدفع إليه)؛ عملاً بظنه، وهذا لا خلاف فيه لكنه يضمنها، أما إذا لم يغلب على الظن صدقه .. فلا خلاف أنه لا يجب الدفع إليه، والمشهور: أنه لا يجوز أيضًا.
والتعبير بـ (الظن) ظاهر في الظرف الراجح، فلو تساوى الأمران عنده .. لم يجز الدفع، ونقل الإمام فيه ترددًا، وفي (الحاوي): أنه يسعه إذا لم يقع في قلبه كذبه.
وتعبيره بـ (الجواز) يقتضي: أنه لا يستحب، ونص الشافعي على استحبابه.
قال: (ولا يجب على المذهب)؛ لأنه مدع فيحتاج إلى بينة كغيره، وقياسًا على ما لو وصف واصف الوديعة التي لا يعرف لها صاحب، وبهذا قال أبو حنيفة، ولأنا أجمعنا على أنها لا تسلم لجماعة إذا وصفوها.
والثاني - وهو قول مالك وأحمد وداوود وابن المنذر -: يجب؛ لأن إقامة البينة عليها قد تعسر، (و) لما روى أبو داوود من حديث زيد بن خالد: (فإن جاء صاحبها فعرف الصفة .. فأعطه إياها)، لكن قال أبو داوود: إن هذه الزيادة زادها حماد بن سلمة وليست بمحفوظة، ووافقه على ذلك البيهقي، وأنكر ابن حزم قول أبي داوود، ووافق أصحابه الظاهرية على وجوب الدفع بالوصف.
أما إذا لم يغلب على الظن صدقه .. فلا خلاف أنه لا يجب الدفع إليه، والمشهور: أنه لا يجوز أيضًا.
وتعبيره بـ (المذهب) راجع إلى الثانية، ولم يحكيا في الأولى خلافًا.
هذا إذا وصفها له واحد، فإن وصفها جماعة .. قال القاضي أبو الطيب: لا تسلم لهم اتفاقًا، وبه جزم الصيمري.
ولو تلفت اللقطة فشهدت البينة على وصفها .. قبلت ودفع إليه بدلها، حكاه ابن كَج عن النص.
قال: (فإن دفع) أي: بالوصف (فأقام آخر بينة بها .. حولت إليه)؛ لأن البينة
فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ .. فَلِصَاحِبِ الْبَيِّنَةِ تَضْمِينُ الْمُلْتَقِطِ وَالْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: لاَ تَحِلُّ لُقَطَةُ الْحَرَمِ لِلتَّمَلُّكِ عَلَى الصَّحِيحِ،
حجة توجب الدفع فقدمت على الوصف المجرد، أما إذا دفعها أولاً ببينة ثم جاءت بينة أخرى .. فتأتي أقوال التعارض.
قال: (فإن تلفت عنده) أي: عند الواصف (.. فلصاحب البينة تضمين الملتقط)؛ لأنه سلمه ما لم يكن له تسليمه.
قال: (والمدفوع إليه)؛ لأنه أخذ ما لم يكن له أخذه.
قال: (والقرار عليه) أي: على المدفوع إليه، ومعناه: أنه إن غرم الملتقط .. رجع عليه، وإن غرمه .. لا يرجع؛ لحصول التلف عنده، ولأنه يزعم أن صاحب البينة ظالم فلا يرجع على غير من ظلمه.
هذا إذا دفع بنفسه، فإن ألزمه القاضي الدفع .. فليس لصاحب اللقطة تضمينه على الصحيح؛ لعدم تقصيره بالدفع.
ويرد عليه ما لو كانت اللقطة قد أتلفها الملتقط بعد التمكن ومضى الحول، ثم ادعاها رجل ووصفها فسلم إليه القيمة، ثم جاء آخر فأقام بينة بها .. لم يكن له أن يطالب المدفوع إليه؛ لأن الذي حصل في يده مال الملتقط لا مال المدعي، ثم إنما يكون قرار الضمان على المدفوع إليه إذا لم يقر المدفوع له بالملك، فإن أقر .. فلا رجوع عليه مؤاخذة له بقوله.
قال: (قلت: لا تحل لقطة الحرم للتملك على الصحيح) بل للحفظ أبدًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ...) الحديث، وفيه: (ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها) متفق عليه، وفي رواية: (لا تحل لقطته إلا لمنشد) قال الشافعي: المنشد: المعرف، والناشد: المالك؛ أي: لا تحل إلا لمعرف يعرفها ولا يتملكها.
وإنما عبر المصنف بـ (الحرم) وإن كان في الحديث مكة ليعلم أن حكم الحرم كله حكم مكة؛ لأنه فضل بذلك على سائر البلاد، والسر في ذلك أن الله تعالى جعله مثابة للناس يعودون إليه، فربما يعود الذي أضلها أو يبعث في طلبها.
وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ
والثاني: أنها كسائر البقاع تحل لقطتها، وبه قال الأئمة الثلاثة، وحملوا الحديث على تأكد التعريف بها لئلا يظن الاكتفاء بتعريفها في الموسم، وصححه جماعة منهم القفال، لأنها نوع كسب فاستوى فيها الحرم وغيره، والخلاف قولان، فكان الصواب التعبير بـ (الأظهر).
قال: (ويجب تعريفها قطعًا والله أعلم)؛ للحديث، ولا يأتي فيه الخلاف المتقدم فيمن أخذ للحفظ أبدًا، بل يجزم بوجوبه.
تتمة في مسائل تتعلق بالباب:
وجد رجلان لقطة يعرفانها ويتملكانها، وليس لأحدهما نقل حقه إلى صاحبه، كما لا يجوز للملتقط نقل حقه إلى غيره، ولو تنازعا فأقام كل منهما بينة أنه الملتقط، فإن تعرضت بينة لسبق .. حكم بها، وإلا .. فعلى الخلاف في تعارض البينتين.
ولو ضاعت من يد الملتقط فأخذها آخر .. فالأول أحق بها على الأصح، وقيل: الثاني.
ولو كانا يتماشيان فرأى أحدهما اللقطة وأخبر بها الآخر .. فالآخذ أولى، فلو أراه اللقطة وقال: هاتها فأخذها لنفسه .. فهي للآخذ، وإن أخذها للآمر أو له ولنفسه .. فعلى القولين في جواز التوكيل في الاصطياد ونحوه.
ولو تلفت اللقطة فشهدت البينة على وصفها .. قبلت ودفع إليه بدلها، حكاه ابن كج عن النص.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو ادعاها رجل وأقام شاهدًا واحدًا وحلف معه .. حكم له به، صرح به الشيخ نصر في (تهذيبه).
ولو رأى شيئًا مطروحًا على الأرض فدفعه برجله ليعرف جنسه أو قدره ولم يأخذه حتى ضاع .. لم يضمنه؛ لأنه لم يحصل في يده، قاله المتولي، قال في (الجواهر): ونظيره ما لو وجد سجادة مبسوطة في المسجد أرسلها صاحبها .. يدفعها برجله ويصلي في مكانها حتى لا تدخل في ضمانه.
ولو دفع اللقطة إلى الحاكم وترك التعريف والتملك ثم ندم وأراد أن يعرف ويتملك .. ففي تمكينه وجهان: المختار منهما في زوائد (الروضة): المنع؛ لأنه أسقط حقه، وقد تقدمت هذه عند قول المصنف: (وقيل: يملك بمضي السنة).
خاتمة
في لقطة عرفة ومصلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم وجهان في (الحاوي)؛ لأنه مجمع الحاج.
وأصحهما: أنها ليست كلقطة الحرم، وتلزم الملتقط الإقامة لها للتعريف، أو دفعها إلى الحاكم الأمين، ويكون التعريف بمكة وشعابها وبعرفات وبطرقها والمزدلفة وحواليها ومنى والجمرات في الأوقات التي ينثاب الناس فيها مكة، فإن لم يجد الحاكم من يتطوع بذلك .. صرف له من سهم المصالح، فإن لم يكن .. استأجر عليه منها.
وأما لقطة حرم المدينة .. فقال الدارمي: كغيرها لا تلحق بلقطة مكة في ذلك، وإطلاق الأصحاب يقتضيه إلا صاحب (الإنتصار)؛ فإنه قال: إنهما سواء، ويشهد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . له ما في (سنن أبي داوود) عن عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يختلى خلاها ولا تلتقط لقطتها) فسوى بينهما في ذلك.