. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال مالك: إن سبق الرجل .. عرض عليها الإسلام في الحال، فإن أسلمت .. استمر النكاح، وإلا .. انفسخ، وساعدنا فيما إذا سبقت المرأة إلى الإسلام.
وعند أبي حنيفة: إذا أسلم أحدهما وهما في دار الإسلام .. يعرض الإسلام ثلاثًا على المتخلف منهما، فإن أبى .. فرق بينهما، وتكون الفرقة طلاقًا إن كان الإباء من الزوج، وفسخًا إن كان من الزوجة، وإن كانا في دار الحرب .. وقف إلى انقضاء ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر، فإن لم يجتمعا في الإسلام حتى انقضت .. حصلت الفرقة، وتستأنف العدة إن كانت مدخولاً بها.
وإذا دخل الذي أسلم منهما دار الإسلام والمتخلف في دار الحرب .. حصلت الفرقة في الحال؛ لاختلاف الدارين، وكذا لو كانا في دار الإسلام فالتحق الكافر بدار الحرب، قال: وكذلك لو التحق الذمي بدار الحرب ناقضًا للعهد وامرأته في دار الإسلام .. حصلت الفرقة بينهما.
وكذلك لو كان الزوجان في دار الحرب فدخل الزوج دار الإسلام وعقد الذمة لنفسه والمرأة في دار الحرب .. تحصل الفرقة بينهما، ولا فرق عنده بين ما قبل المسيس وما بعده.
واحتج أصحابنا على مالك بالقياس على إسلام الزوجة، وعلى أبي حنيفة بأن أبا سفيان وحكيم بن حزام أسلما يمر الظهران - وهي معسكر المسلمين - وامرأتاهما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمكة، وهي يومئذ دار حرب، ثم أسلمتا من بعد وأقر النكاح، رواه الشافعي عن جماعة من أهل العلم وأهل المغازي وغيرهم.
وروى مالك عن ابن شهاب: أنه بلغه أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل هربا كافرين إلى الساحل حين فتحت مكة، وأسلمت امرأتاهما بمكة وأخذتا الأمان لزوجيهما، فقدما بعد نحو شهر وأسلما، فرد النبي صلى الله عليه وسلم امرأتيهما إليهما.
واحتجت الحنفية بحديث زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنها هاجرت وتخلف زوجها أبو العاصي بن الربيع كافرًا بمكة ثم أسلم فردها عليه بنكاح جديد، فدل على وقوع الفرقة بينهما.
والجواب: أن في سنده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، وقيل: إنه لم يسمع من عمرو بن شعيب.
وروي: أنه ردها إليه بالنكاح الأول، وهذه رواية ابن عباس، وهي الصحيحة، وتكلم الترمذي فيها؛ لأنها أشكلت عليه وقال: لعلها من قبل حفظ داوود بن الحصين، وقيل في توجيهه: إنها لما هاجرت .. لم ينقطع النكاح، ولم يكن موقوفًا على انقضاء العدة؛ لأن ذلك الحكم لم يكن شرع حتى نزلت آية تحريم المسلمات على المشركين بعد صلح الحديبية، فلما نزلت الآية .. توقف نكاحها على انقضاء عدتها، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى جاء أبو العاص وأظهر إسلامه، فلم يكن بين توقف نكاحها على انقضاء العدة وبين إسلامه إلا اليسير وإن كان بين ذلك وهجرتها ست سنين، هذا هو الصواب.
ومنهم من تأوله على أنه سبب النكاح الأول، ولا حاجة إلى هذا التأويل مع ما تقرر.
وَحَيْثُ أَدَمْنَا .. لاَ تَضُرُّ مُقَارَنَةُ الْعَقْدِ لِمُفْسِدٍ هُوَ زَائِلٌ عِنْدَ الإِسْلاَمِ وَكَانَتْ بِحَيْثُ تَحِلُّ لَهُ الآنَ.
وَإِنْ بَقِيَ الْمُفْسِدُ .. فَلاَ نِكَاحَ؛ فَيُقَرُّ عَلَى نِكَاحٍ بِلاَ وَلِيٍّ وَشُهُودٍ، وَفِي عِدَّةٍ هِيَ مُنْقَضِيةٌ عِنْدَ الإِسْلاَمِ،
قال: (وحيث أدمنا .. لا تضر مقارنة العقد لمفسد هو زائل عند الإسلام وكانت بحيث تحل له الآن)؛ تنزيلاً لحال الإسلام منزلة ابتداء العقد عليها؛ لئلا يخلو العقد عن شرطه في الحالتين جميعًا.
قال ابن عبد البر: ولأن عامة الصحابة أسلموا بعد التزويج وأقروا على النكاح الأول، ولم تعتبر في أصل نكاحهم شروط الإسلام، وهذا إجماع.
قال (وإن بقي المفسد .. فلا نكاح)؛ لأنه لا يجوز له ابتداء نكاحها الآن فلا تقرير، بل يندفع النكاح.
قال: (فيقر على نكاح بلا ولي وشهود) لما ذكر ضابطًا لما يدوم وما لا يدوم .. خرج عليه مسائل:
منها: التقرير على النكاح الذي وقع في الشرك بلا ولي ولا شهود، ولا يعرف فيه خلاف إلا عن زفر؛ فإنه قال: إذا أسلموا .. لا يقرون عليه، وجمهور العلماء على خلافه؛ لأن كون العقد وقع كذلك أمر قد مضى، والمرأة مضى عليها ما سميت به زوجة عندهم، وهي الآن بحالة يحل له ابتداء العقد عليها، وهذا كاف في الإدامة، وكذلك الحكم لو قهر حربي حربية على الوطء أو طاوعته ثم أسلما واعتقدا ذلك نكاحًا، وقال القفال: لا يقران عليه؛ إذ لا أقل من صورة العقد.
قال: (وفي عدة هي منقضية عند الإسلام)؛ لانتفاء المانع، وكذا لو أجبر البكر غير الأب والجد كما صرح به في (المحرر)، أو أجبرت الثيب.
وضابطه: أن يكون الآن بحيث يجوز له ابتداء نكاحها، وتقدم لها ما تسمى به زوجة عندهم.
وَمُؤَقَّتٍ إِنِ اعْتَقَدُوهُ مُؤَبَّدًا، وَكَذَا لَوْ قَارَنَ الإِسْلاَمَ عِدَّةُ شُبْهَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ،
واحترز بـ (المنقضية) عن الباقية فلا تقرير؛ لبقاء المفسد، وصرح بها في (المحرر)، وخصه في (الرقم) بعدة النكاح وقال: إذا نكح معتدة عن شبهة ثم أسلما والعدة باقية .. يقران على النكاح؛ لأن الإسلام لا يمنع دوام النكاح.
قال الرافعي: ولم يتعرض لهذا الفرق أكثرهم، والإطلاق يوافق اعتبار التقرير بالابتداء، يعني فيكون الأصح في عدة الشبهة إذا لم تكن مقتضية عدم التقرير، وبذلك يصح إطلاق (المنهاج)، والعمل بعموم منطوقه ومفهومه في الطرفين، وكلام المصنف فيما بعده يفهمه.
قال: (ومؤقت إن اعتقدوه مؤبدًا)؛ لأن مقصود النكاح الدوام، فإن اعتقدوه مؤقتًا .. فلا يقر، سواء أسلما بعد تمام المدة أو قبلها؛ لأن بعد المدة لا نكاح في اعتقادهم، وقبلها يعتقدونه مؤقتًا، ومثل ذلك لا يبتدأ في الإسلام.
قال: (وكذا لو قارن الإسلام عدة شبهة على المذهب) وإن كان لا يجوز نكاح المعتدة؛ لأن عدة الشبهة لا تقطع نكاح المسلم، فغيره أولى.
وصورة المسألة: أن تطرأ عدة الشبهة بعد العقد؛ لأنه تقدم أنها إذا كانت مقارنة للعقد والإسلام .. لا تقر، والأصح هنا التقرير، فهذه غير تلك.
لاَ نِكَاحُ مَحْرَمٍ.
وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ أَحْرَمَ أَسْلَمَتْ وَهُوَ مُحْرِمٌ .. أُقِرَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وقيل: يندفع النكاح في هذه أيضًا كما لا يجوز ابتداء نكاح المعتدة، ونسب هذا إلى القفال.
قال: (لا نكاح محرم) سواء كان من نسب أو رضاع أو مصاهرة؛ فإنه لا يقر عليه بالإجماع، وإطلاق المصنف يقتضي أنا نقرهم إذا اقتضى شرعنا تقريرهم وإن اعتقدوه فاسدًا، وهذا هو الصحيح ولا مبالاة باعتقادهم الفساد؛ لأنه لا حكم له، وإنما الرخصة في نكاح اعتقدوا صحته والإسلام لا يجيزه للمسلمين، فنقرهم عليه رفقًا بهم وترغيبًا لهم في الإسلام.
قال: (ولو أسلم ثم أحرم ثم أسلمت وهو محرم .. أقر على المذهب)؛ لأن عروض الإحرام لا يؤثر كما في أنكحة المسلمين، ولأن الإمساك استدامة للنكاح فجاز مع الإحرام كالرجعة.
والقول الثاني: المنع؛ إلحاقًا للدوام بالابتداء.
وأشهر الطريقين: أن المسألة على قولين.
والطريقة الثانية: القطع بالمنع، كما لو أسلم وتحته أمة وهو موسر لا يجوز إمساكها، فحينئذ يعترض على المصنف بتعبيره بـ (المذهب)؛ لاقتضائه ترجيح طريقة القطع، والشيخان لم ينقلاها فضلاً عن ترجيحها، إنما حكاها الإمام عن صاحب (التقريب) والصيدلاني، لكن تعبيره بـ (ثم) أحسن من تعبير الرافعي
وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً وَأَمَةً وَأَسْلَمُوا .. تَعَيَّنتِ الْحُرَّة، وَانْدَفَعَتِ الأَمَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَنِكَاحُ الْكُفَّارِ صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ،.
بـ (الواو)؛ للتصريح ببطلان إحرامه قبل إسلامه.
وأشار بقوله: (ثم أسلمت) إلى موضع الخلاف وهو ترتيبهما، فلو أسلما معًا ثم أحرم .. أقر بلا خوف، ولو قارن إحرامه إسلامها هل يقر جزمًا أو على الخلاف؟ قال الشيخ: لم أر فيه نقلاً، والأقرب الثاني.
قال: (ولو نكح حرة وأمة وأسلموا) أي: الزوج والحرة والأمة (.. تعينت الحرة، واندفعت الأمة على المذهب) سواء نكحهما معًا أو مرتبًا؛ لأنها لا تجتمع معها في النكاح إعطاء للدوام حكم الابتداء، وهو مخالف لما تقدم من جواز الإمساك في العدة والإحرام الطارئين؛ لأن نكاح الأمة بدل يعدل إليه عند تعذر الحرة، والأبدال أضيق حكمًا من الأصول، فلذلك غلبنا شائبة الابتداء.
ويقابل المذهب قولان بناء على أنه ابتداء أو استدامة، فتلخص أنه متى أسلم وتحته أمة أو أسلمت معه أو جمعهما الإسلام في العدة، فإن كان ممن يحل له نكاح الأمة .. أمسكها، وإلا .. اندفعت.
قال: (ونكاح الكفار صحيح على الصحيح)؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، وقوله وتعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾.
وفي (الصحيحين) وغيرهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين الزانيين) والإحصان لا يحصل بالنكاح الفاسد، ولأنهم لو ترافعوا إلينا .. لم نبطله قطعًا، ولم نفرق بينهم.
وتعبير المصنف بـ (الصحة) معترض؛ فإن الصحة حكم شرعي ولم يرد به الشرع، وعبارة (الروضة) و (أصلها): محكوم له بالصحة.
قال الشيخ: والتحقيق أن يقال: إن وقعت على وفق الشرع .. فصحيحه قطعًا، وإلا .. فمحكوم بصحتها رخصة إن اتصلت بالإسلام.
وَقِيلَ: فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إِنْ أَسْلَمَ وَقُرِّرَ .. تَبَيَّنَّا صِحَّتَهُ، وإِلاَّ .. فَلاَ.
فَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ طَلَّقَ ثَلاَثًا ثُمَّ أَسْلَمَ .. لَمْ تَحِلَّ إِلاَّ بِمُحَلِّلٍ
قال: (وقيل: فاسد)؛ لعدم اعتنائهم بالشروط، لكن نقررهم بعد الإسلام رخصة خشية التنفير.
قال: (وقيل: إن أسلم وقرر .. تبينا صحته، وإلا .. فلا) وهذا يسمى: قول الوقف، وعزي لابن الحداد والقفال والإمام؛ إذ لا يمكن القول بالصحة لمخالفتها للشرع، ولا بالفساد لأنهم يقرون عليها بعد الإسلام، فالوجه التوقف، فجملة ما في المسألة ثلاثة أوجه سماها الغزالي أقوالاً.
ثم الخلاف مخصوص بالعقود التي يحكم بفساد مثلها في الإسلام، لا في كل عقودهم على الصواب في (الروضة)، فلو عقدوا عقدًا على وفق الشرع .. صح بلا خلاف.
قال: (فعلى الصحيح: لو طلق ثلاثًا ثم أسلما .. لم تحل إلا بمحلل)؛ لظهور أثر الصحة، وإن قلنا بفسادها .. فالطلاق في النكاح الفاسد لا يحتاج إلى محلل، ثم لا فرق في هذا الحكم بين أن يعتقدوا وقوع الطلاق أم لا كما تعتقد النصارى، فلو طلقها في الشرك ثلاثًا ثم تزوجها فيه بلا محلل ثم أسلما .. رد نكاحهما على النص.
ولو نكحت المطلقة في الشرك زوجًا آخر ثم أسلمت .. حلت به للأول، ولو طلق
وَمَنْ قُرِّرَتْ .. فَلَهَا الْمُسَمَّى الصَّحِيحُ، وَأَمَّا الْفَاسِدُ كَخَمْرٍ، فَإِنْ قَبَضَتْهُ قَبْلَ الإِسْلاَمِ .. فَلاَ شَيءَ لَهَا، وَإِلاَّ .. فَمَهْرُ مِثْلٍ،
في الشرك طلقة أو طلقتين ثم أسلما .. حسب ذلك عليه.
قال: (ومن قررت .. فلها المسمى الصحيح) هذا كلام مستأنف لا تعلق له بالتفريع السابق، وجهه: أنه إذا حكم على النكاح بالصحة .. ثبت المسمى، وهذا على القول الصحيح، أما على قول الفساد .. فيحتمل أن يقال بمثل ذلك، ويحتمل وجوب مهر المثل، ويحتمل أن لا يجب شيء.
قال: (وأما الفاسد كخمر، فإن قبضته قبل الإسلام .. فلا شيء لها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يجب ما قبله) سواء كانت معينة أم في الذمة؛ لانفصال الأمر بينهما وانتهاء النكاح إلى انقطاع الطلبة، سواء قبضته برضاها أم بإجبار قاضيهم.
وظاهر إطلاق المصنف: جريانه في كل فاسد، وليس كذلك، فلو أصدقها حرًا مسلمًا استرقوه ثم أسلما قبل قبضه أو بعده .. لا يقر بيدها، ولها مهر المثل.
قال الرافعي: وقياس ما سبق أن يخرج من يدها ولا ترجع بشيء كما تراق الخمر المقبوضة، لكن فرق صاحب (الكافي) بأن الفساد في الخمر لحق الله تعالى، وهنا لحق المسلم فلا يجوز العفو عنه، وأيضًا فإنا نقرهم في حال الكفر على الخمر دون الأسير.
وألحق الشافعي رضي الله عنه في (الأم) بالأسير مكاتب المسلم وأم ولده وعبده، وبه جزم ابن يونس في (شرح التعجيز)، قال: لأن المبطل قائم، وهو يدفع إبهام الرافعي حيث اقتصر على الحر.
قال: (وإلا .. فمهر مثل)؛ لأنها لم تقبضه، ولم ترض إلا بالمهر، والمطالبة بالخمر في الإسلام ممتنعة، فترجع إلى مهر المثل، ويجعل كما لو نكح على خمر.
وفي قول: لا شيء لها؛ لأنها رضيت بالخمر فلا تطالب بشيء.
وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَهُ .. فَلَهَا قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ مَهَرِ الْمِثْلِ
قال: (وإن قبضت بعضه .. فلها قسط ما بقي من مهر المثل)؛ لأن الفاسد لا يجوز تسليمه، وليس كما لو كاتب الذمي عبده على عوض فاسد وقبض بعضه ثم أسلما؛ حيث يسلم المكاتب ما بقي من الفاسد؛ ليحصل العتق بالصفة، ثم يلزمه تمام قيمته، ولا يحط منها قسط المقبوض في الكفر؛ لأن العتق يتعلق بأداء آخر النجوم وقد وقع في الإسلام، فكان بمثابة ما لو كاتب المسلم على عوض فاسد .. يحصل العتق بوجود الصفة، ويجب على المكاتب القيمة والتقسيط على المسمى إذا كان جنسًا واحدًا غير متعدد كزق خمر ظاهر.
فإن تعدد - كما لو أصدقها زقي خمر وقبضت أحدهما - فقيل: يعتبر العدد، وقيل: الوزن، وقيل: القدر وزنًا، وقيل: كيلاً وهو الصحيح الأقيس، أو خنزيرين .. فقيل: يعتبر العدد، والأصح: القيمة بتقدير المالية.
وإن سميا جنسين فأكثر كزقي خمر وكلبين وثلاثة خنازير وقبضت جنسًا .. فقيل: ينظر إلى الأجناس، فكل جنس ثلث، وقيل: إلى الأعداد فكل واحد سبع، والأصح: إلى القيمة، وقيل: يقدر الخمر خلاً والكلب شاة والخنزير بقرة، وقيل: شاة، والأصح: تقدير المالية عند من يراها.
فرع: نكحها تفويضًا، واعتقادهم أن لا مهر بحال، ثم أسلما ولو قبل المسيس .. فلا مهر؛ لسبق استحقاق وطء بلا مهر، كذا قاله الشيخان هنا، وذكرا في (الصداق) فرعًا قبل (فصل: في بيان مهر المثل) ظاهره يخالف هذا.
وَمَنِ انْدَفَعَتْ بِإِسْلاَمٍ بَعْدَ دُخُولٍ .. فَلَهَا الْمُسَمَّى الصَّحِيحُ إِنْ صُحِّحَ نِكَاحُهُمْ، وَإِلاَّ .. فَمَهْرُ مِثْلٍ، أَوْ قَبْلَهُ وَصُحِّحَ، فَإِنْ كَانَ الاِنْدِفَاعُ بِإِسْلاَمِهَا .. فَلاَ شَيءَ لَهَا، أَوْ بِإِسْلاَمِهِ .. فَنِصْفُ مُسَمَّىً إِنْ كَانَ صَحِيحاً، وَإِلاَّ .. فَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ.
وَلَوْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا ذِمِّيٌّ ومُسْلِمٌ .. وَجَبَ الْحُكْمُ،
قال: (ومن اندفعت بإسلام بعد دخول .. فلها المسمى الصحيح إن صحح نكاحهم)؛ لاستقراره بالدخول كما لو طلقها.
قال: (وإلا .. فمهر مثل)، لأجل الدخول.
قال: (أو قبله) أي: قبل الدخول (وصحح، فإن كان الاندفاع بإسلامها .. فلا شيء لها)؛ لأن الفراق جاء من جهتها.
والثاني: لها مهر المثل؛ لأنها محسنة بالإسلام وكان من حقه أن يوافقها، فإذا امتنع .. نسب الفراق إلى تخلفه.
قال: (أو بإسلامه .. فنصف مسمىً إن كان صحيحًا، وإلا .. فنصف مهر مثل) كالطلاق قبل الدخول، فإن لم يكن مسمىً .. وجبت المتعة، أما إذا لم نصحح أنكحتهم .. فلا مهر لها؛ لأن المهر لا يجب في النكاح الفاسد بلا دخول.
قال: (ولو ترافع إلينا ذمي ومسلم) أي: في نكاح غيره (.. وجب الحكم) بلا خلاف، سواء كان المسلم طالبًا أو مطلوبًا؛ لأنه لا يمكن رد المسلم إلى حاكم أهل الذمة، ولا يمكن تركهما متنازعين، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وكذا حكم المعاهد والمسلم.
أَوْ ذِمِّيَّانِ .. وَجَبَ في الأَظْهَرِ، وَنُقِرُّهُمْ عَلى مَا نُقِرُّ لَوْ أَسْلَمُوا، ونُبْطِلُ مَا لاَ نُقِرُّ
قال: (أو ذميان .. وجب في الأظهر) وبه قال أبو حنيفة والمزني وجمهور الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾، ولأنه يجب الذب عنهم كالمسلمين، فوجب الحكم بينهم.
والثاني - وبه قال مالك، ونسب إلى القديم -: لا يجب، لكن لا نتركهم على النزاع، بل نحكم أو نردهم إلى حاكم ملتهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وقال ابن عباس: إنها منسوخة بالآية الأولى.
وقيل: يجب الحكم في حقوق الله تعالى، والقولان في غيرها؛ لئلا تضيع، وقيل: عكسه، والأصح: طردهما في الجميع.
وإن كانا مختلفي الملة كيهودي ونصراني .. وجب الحكم على المذهب؛ لأن كلاً لا يرضى بملة صاحبه، وقيل بالقولين.
ولو ترافع معاهدان .. لم يجب الحكم قطعًا وإن اختلفت ملتهما؛ لأنهم لم يلتزموا حكمنا، ولم نلتزم دفع بعضهم عن بعض.
وقيل: هما كالذميين.
وقيل: إن اختلفت ملتهما .. وجب، والمذهب الأول.
ولو ترافع ذمي ومعاهد .. فكالذميين، وقيل: يجب قطعًا، وإن ترافع مسلم وذمي أو معاهد .. وجب قطعًا، لكن يستثنى من إطلاقهم ما إذا ترافعوا إلينا في شرب الخمر .. فإنهم لا يحدون وإن رضوا بحكمنا؛ لأنهم لا يعتقدون تحريمه، كذا قاله الرافعي في (باب حد الزنا)، وأسقطه من (الروضة)، وقال الإمام: إنه ظاهر المذهب، وخرج فيه قول لا يعتد به.
قال: (ونقرهم على ما نقر لو أسلموا، ونبطل ما لا نقر) هذا ضابط تقدمت أكثر صوره، فيقر على امرأة نكحها بلا ولي ولا شهود، وفي عدة قد انقضت عند الترافع لا على ذات عدة باقية، ولا يحكم لها بنفقة.
ولو تبايعوا بيوعًا فاسدة وتقابضوا ثم تحاكموا إلينا .. لم ننقض ما فعلوا، وإن لم
فَصْلٌ: أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ .. لَزِمَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ، وَيَنْدَفِعُ مَنْ زَادَ يتقابضوا .. نقض عليهم، وإن تحاكموا إلى حاكم لهم فألزمهم التقابض ثم ترافعوا إلى حاكمنا .. أمضى ذلك على الصحيح.
تتمة:
قال المتولي: لو لم يترافع المجوس إلينا ولكن علمنا فيهم من نكح محرمًا .. فالصحيح - وبه قال أبو حنيفة -: أنه لا يتعرض لهم؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم عرفوا من حال المجوس أنهم ينكحون المحارم وما تعرضوا لهم.
وحكى الزبيري قولاً: إن الإمام إذا عرف ذلك .. فرق بينهما، كما لو عرف أن المجوسي ينكح مسلمة أو مرتدة.
قال: (فصل:
أسلم وتحته أكثر من أربع وأسلمن معه أو في العدة أو كن كتابيات .. لزمه اختيار أربع) فقط (ويندفع من زاد)؛ لأن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أمسك أربعًا، وفارق سائرهن) رواه الترمذي، وصححه الحاكم وابن حبان.
زاد ابن ماجه: (فلما كان زمن عمر .. طلق نساءه وقسم ماله، فقال له عمر: لترجعن في مالك وفي نسائك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال).
ووقع في (الوسيط) و (النهاية): أنه ابن غيلان، والصواب: أنه غيلان بن سلمة، وفي (مختصر ابن الحاجب): ابن عيلان بالعين المهملة، وهو أكثر وهمًا.
وفي (سنن أبي داوود): أن قيس بن الحارث أسلم وعنده ثمان نسوة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعًا منهن بنت أبي سفيان.
وروى الشافعي والبيهقي عن نوفل بن معاوية أنه قال: أسلمت وتحتي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خمس نسوة، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (فارق واحدة وأمسك أربعًا) فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقر منذ ستين سنة ففارقتها، وعاش نوفل بن معاوية مئة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام كحكيم بن حزام وحسان بن ثابت.
وفي (سنن أبي داوود) و (ابن ماجه) عن فيروز الديلمي أنه قال: أسلمت وتحتي أختان، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اختر أيتهما شئت).
وسواء عقد عليهن معًا أو مرتبًا اختار الأوائل أو الأواخر، ووجهه كما قاله الشافعي رضي الله عنه: أن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل في ذلك، ولولا أن الحكم يعم الحالين .. لما أطلق، وحمل الخصوم له على الأوائل بعيد، وحملهم الإمساك على تجديد العقد أبعد؛ لمخالفته ظاهر اللفظ؛ فإن الإمساك صريح في الاستقرار، ولأنه لو كان كذلك .. لم يجعل الاختيار إليه بل إليهن؛ لافتقار النكاح لرضاهن.
هذا كله في الحر، أما العبد .. فيختار اثنتين، هذا حكم الرجل، وأما المرأة إذا نكحت زوجين في الكفر ثم أسلموا .. فيأتي في خاتمة الباب.
فائدة: قال ابن الجوزي: أسلم ستة من ثقيف كل على عشر نسوة، مسعود بن معتب الثقفي، ومسعود بن عمرو بن عمير، وعروة بن مسعود، وسفيان بن عبد الله، وغيلان بن سلمة، وأبو عقيل مسعود بن عامر، وأشرت إلى ذلك في (المنظومة) بقولي (من الرجز): غريبة أودعها أبو الفرج .... كتاب تلقيح فهوم من درج أسلم من ثقيف ستة نسق .... كل على عشر نساء اتسق وهم كما قد قال مسعودان .... لعمرو مع معتب فرعان أبو عقيل عروة سفيان .... وبعدهم أشهرهم غيلان
فَإِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَرْبَعٌ فَقَطْ .. تَعَيَّنَّ.
وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَمٌّ وَبِنْتُهَا كِتَابِيَّتَانِ، أَوْ أَسْلَمَتَا، فَإِنْ دَخَلَ بِهِمَا .. حَرُمَتَا أَبَدًا، أَوْ لاَ بِوَاحِدَةٍ .. تَعَيَّنَتِ الْبِنْتُ - وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ-
معجم غين وبعين لا تسم .... ولا تقل هو ابن غيلان تهم
ووقع الأمران لابن الحاجب .... بخطه وكشط كل واجب
قال: (فإن أسلم معه قبل الدخول أو في العدة أربع فقط .. تعين) فيقرر نكاحهن ويندفع نكاح المتخلفات؛ لتأخر إسلامهن عن إسلامه قبل الدخول وعن العدة.
وابتداء عدة المفارقات تحسب من وقت اختلاف الدين على الأصح، وقيل: من الاختيار.
ولو أسلم أربع ثم أسلم الزوج قبل انقضاء عدتهن، ثم أسلمت الأخريات قبل انقضاء عدتهن من وقت إسلام الزوج .. اختار أربعًا من الأوليات والأخريات كيف شاء، فإن ماتت الأوليات أو بعضهن .. جاز له اختيار الميتات منهن.
ولو قبل الكافر لابنه الصغير أكثر من أربع نسوة ثم أسلم وأسلمن معه .. اندفع نكاح الزائدات على أربع، لكن الصبي ليس من أهل الاختيار، والولي لا يقوم مقامه فيه، فإن سبيله التشهي، فيوقف إلى أن يبلغ، وتكون نفقتهن في ماله؛ لأنهن محبوسات لأجله، وكذا لو أسلم الرجل وجن قبل أن يختار.
قال: (وإن أسلم وتحته أم وبنتها كتابيتان، أو أسلمتا، فإن دخل بهما .. حرمتا أبدًا) البنت بالدخول والأم بالعقد على البنت إن صححنا أنكحتهم، وإلا .. فبالدخول بها، ولكل منهما المسمى الصحيح إن صححنا أنكحتهم، وإلا .. فمهر المثل.
قال: (أو لا بواحدة .. تعينت البنت) ويندفع نكاح الأم؛ لأن نكاح البنت يدفع نكاح الأم ولا عكس.
قال: (وفي قول: يتخير) كما لو أسلم وتحته أختان، فإن اختار البنت .. استقرت وحرمت الأم مؤيدًا، وإن اختار الأم .. لم يتأبد تحريم البنت حتى يدخل بالأم، فإن فارقها قبل الدخول .. فله نكاح البنت، والخلاف مبني على صحة
أَوْ بِالْبِنْتِ .. تَعَيَّنَتْ، أَوْ بِالأُمِّ .. حَرُمَتَا أَبَدًا، وَفِي قَوْلٍ: تَبْقَى الأُمُ.
أَوْ تَحْتَهُ أَمَةٌ وَأَسْلَمَتْ أَوْ فِي الْعِدَّةِ .. أُقِرَّ إِنْ حَلَّتْ لَهُ الأَمَةُ، فَإِنْ تَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ .. تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ
أنكحتهم وفسادها، إن صححنا .. تعينت البنت، وإلا .. تخير، ومن الأصحاب من بناه على أن الاختيار ابتداء أو استدامة.
وإنما صوروا المسألة في الكتابيتين؛ لأن فيما عداهم يرتفع النكاح باختلاف الدين؛ لوقوعه قبل المسيس.
قال: (أو بالبنت .. تعينت)؛ لأنه لم يدخل بأمها، والعقد عليها لا يحرم البنت، ويحرم نكاح الأم على التأييد؛ لأنها حرمت بالدخول بالبنت، والعقد عليها أيضًا إن قلنا بصحة أنكحتهم، ولا مهر لها عند ابن الحداد، ولها نصفه عند القفال إن صححنا أنكحتهم.
قال: (أو بالأم .. حرمتا أبدًا) البنت بالدخول بالأم والأم بالعقد على البنت، هذا على القول بالصحة، وللأم مهر المثل بالدخول، قاله البغوي، قال في (المطلب): ويشبه أن يكون بناه على قول الوقف، أما إذا قلنا بالصحة .. فيظهر أن يكون لها المسمى إن كان صحيحًا؛ لحدوث البطلان بعد استقراره بالدخول.
قال: (وفي قول: تبقى الأم) فله إمساكها؛ إذ لا مفسد لها بخلاف البنت للدخول بالأم، وهذا تفريع على قولي الوقف والفساد.
قال: (أو تحته أمة وأسلمت معه أو في العدة .. أقر إن حلت له الأمة) كأن كان عبدًا أو حرًا معسرًا خاشيًا للعنت؛ لأنه يجوز أن يبتدئ نكاحها فيقر عليها، ولا يقر إن لم تحل له الأمة.
قال: (فإن تخلفت قبل دخول .. تنجزت الفرقة) كتابية كانت أو غيرها؛ لأنها تبين بالتخلف كالحرة إذا تخلفت؛ إذ نكاح الأمة الكتابية غير جائز للمسلم، أما إذا عتقت في العدة .. فإنه يستمر.
قال الماوردي: ولو أسلم من تحل له الأمة على أمة فطلقها طلاقًا رجعيًا ثم أيسر قبل انقضاء عدتها .. فله أن يراجعها بالاتفاق؛ لأن الرجعية زوجة.
أَوْ إِمَاءٌ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ .. اخْتَارَ أَمَةً إِنْ حَلَّتْ لَهُ اجْتِمَاعِ إِسْلاَمِهِ وَإِسْلاَمِهِنَّ، وَإِلاَّ .. انْدَفَعْنَ.
أَوْ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ .. تَعَيَّنَتْ وَانْدَفَعْنَ، وَإِنْ أَصَرَّتْ فَأنْقَضَتْ عِدَّتُهَا .. اخْتَارَ أَمَةً، وَلَوْ أَسْلَمتْ وَعَتَقْنَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ .. فَكَحَرَائِرَ؛ فَيَخْتَارُ أَرْبَعًا
قال: (أو إماء وأسلمن معه أو في العدة .. اختار أمة إن حلت له عند اجتماع إسلامه وإسلامهن) أشار إلى مسألتين:
إحداهما: إذا أسلم ومعه إماء .. فلا يختار إلا واحدة بلا خلاف إن كان حرًا، فإن كان عبدًا .. فله أن يختار اثنتين؛ لأن له أن يبتدىء نكاحهما.
الثانية: أن يسبق إسلامه إسلامهن أو بالعكس، والحال أنهما بعد الدخول، ثم يجتمعا في حال العدة، والحكم كما تقدم في الأمة الواحدة.
ولو أسلم وتحته ثلاث فأسلمت معه واحدة وهو معسر خائف من العنت، ثم أسلمت الثانية في عدتها وهو موسر، ثم أسلمت الثالثة وهو معسر خائف .. فيندفع نكاح الثانية؛ لفقدان الشرط عند اجتماع إسلامها وإسلامه، ويتخير بين الأولى والثالثة.
قال: (وإلا .. اندفعن) يعني: إذا لم يسلمن .. فإنه لا يختار منهن شيئًا؛ إذ نكاح الأمة الكتابية ممتنع.
قال: (أو حرة وإماء وأسلمن معه أو في العدة .. تعينت واندفعن)؛ لفوات شرط التقرير، سواء أسلم الإماء قبلها أو بعدها، أو بين إسلام الزوج والحرة؛ لأن القدرة على الحرة يمنع اختيار الأمة.
قال: (وإن أصرت وانقضت عدتها .. اختار أمة)؛ إذ ظهر أنها بانت باختلاف الدين، فصار كما لو لم يكن في نكاحه حرة.
قال: (ولو أسلمت وعتقن ثم أسلمن في العدة .. فكحرائر؛ فيختار أربعًا)؛ لأنهن التحقن بالحرائر الأصليات في العدة.
وَالاِخْتِيَارُ: اخْتَرْتُكِ، أَوْ قَرَّرْتُ نِكاحَكِ، أَوْ أَمْسَكْتُكِ، أَوْ ثَبَّتُّكِ.
وَالطَّلاَقُ اخْتِيَارٌ،
قال: (والاختيار: اخترتك، أو قررت نكاحك، أو أمسكتك، أو ثبتك)؛ لمجيء لفظ الاختيار والإمساك في الحديث، والباقي في معناه، وكذلك: قررت عقدك أو أمسكت نكاحك أو حبستك على النكاح.
ولو قال لأربع: أريدكن، ولأربع: لا أريدكن .. قال المتولي: يحصل التعيين بذلك، قال الرافعي: وقياس ما سبق حصول التعيين بمجرد قوله: أريدكن.
وسكت المصنف عن ألفاظ الفسخ، قال الماوردي: ويصح بالصريح كفسخت نكاحها أو رفعته أو أزلته، وبالكناية كصرفتها أو أبعدتها، قال: والفسخ يجري مجرى الطلاق، فلهذا صح بالكناية.
قال: (والطلاق اختيار)؛ لتوقف وقوعه على ثبوت النكاح، هذا في الطلاق المنجز، أما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق .. ففي وجه: لا يجوز؛ لأن الطلاق اختيار للنكاح، وتعليق الاختيار ممتنع.
والأصح: الجواز؛ تغليبًا للطلاق، والاختيار يحصل ضمنًا.
وإذا كان تحته ثمان وطلق أربعًا .. انقطع نكاحهن بالطلاق، واندفع نكاح الباقيات بالشرع.
ولو قال لواحدة: فسخت نكاحك، فإن أراد به الطلاق .. فهو اختيار للنكاح، وإن أراد به الفراق بلا طلاق أو أطلق .. فهو اختيار للفراق.
لاَ الظِّهَارُ وَالإِيلاَءُ فِي الأَصَحِّ.
وَلاَ يَصِحُّ تَعْلِيقُ اخْتِيَارٍ وَلاَ فَسْخٍ.
وَلَوْ حَصَرَ الاِخْتِيَارَ فِي خَمْسٍ .. انْدَفَعَ مَنْ زَادَ، ..
قال: (لا الظهار والإيلاء في الأصح)؛ لأن الظهار وصف بالتحريم، والإيلاء حلف على امتناع من الوطء، وكل منهما بالأجنبية أليق منه بالزوجة.
والثاني: أنهما تعيين للنكاح؛ لأنهما تصرفان مخصوصان بالنكاح فأشبها الطلاق.
قال: (ولا يصح تعليق اختيار ولا فسخ)؛ لأن الاختيار عبارة عن ميل القلب وشهوته، وذلك لا يقبل التعليق؛ لأنه قد يوجد وقد لا يوجد، وقد يدوم وقد لا يدوم، ولهذا لما كان شرط البيع الرضا .. لم يصح تعليقه، ويطل بيع الحصاة والمنابذة والملامسة.
وحكى أبو الفرج السرخسي وجهًا: أن تعليق الاختيار والفسخ يجوز تشبيهًا بالطلاق؛ فإن كل واحد منهما سبب الفراق، والصحيح الأول.
فرع:
الصحيح: أن الوطء لا يكون اختيارًا؛ لأن الاختيار في هذا الباب إما ابتداء نكاح أو استدامة، وكلاهما لا يصح إلا بالقول كالرجعة، فإذا وطىء وجعلناها اختيارًا .. كان مختارًا للأوليات، وعليه المهر للبواقي، وإن لم نجعله اختيارًا .. اختار أربعًا، ويغرم المهر للباقيات.
قال: (ولو حصر الاختيار في خمس .. اندفع من زاد)؛ لأنه يزول به بعض الإبهام، كما لو أبهم الطلاق بين أربع نسوة ثم قال: التي أردتها بالطلاق إحدى هاتين .. فإنه تتعين به الأخريات للزوجية وإن لم يحصل به تعيين المطلقة.
وَعَلَيْهِ التَّعْيِينُ وَنَفَقَتُهُنَّ حَتَّى يَخْتَارَ، فَإِنْ تَرَكَ الاِخْتِيَارَ .. حُبِسَ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ .. اعتَدَّتْ حَامِلٌ بِهِ، وذَاتُ أَشْهُرٍ وَغَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ،
قال: (وعليه التعيين)؛ لئلا يمسك أكثر من أربع، ولدفع الضرر عنهن؛ فإن كلاً تعلم أنها منكوحة أو مفارقة.
قال: (ونفقتهن حتى يختار)؛ لأنهن في حبسه.
قال: (فإن ترك الاختيار .. حبس)؛ لأنه حق واجب عليه امتنع منه بعد المطالبة فيحبس كغيره من الحقوق، فإن أصر ولم يغن فيه الحبس .. عزز بما يراه الإمام من ضرب وغيره.
وعن ابن أبي هريرة: لا يضم الحبس إلى الضرب، ولكن يشدد عليه الحبس، والمنصوص خلافه.
كل هذا بعد إمهاله مدة النظر وهي ثلاثة أيام فما دونها، وإنما لم يطلق عليه كالمولى؛ لأنه خيار تشهٍّ، ولهذا لا يوكل به، ولا يتولاه ولي ولا وارث.
قال: (فإن مات قبله) أي: قبل الاختيار (.. اعتدت حامل به) أي: بوضع حملها؛ لعموم: ﴿وَأُوْلتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ولأنها إن كانت زوجة .. فهي عدة وفاة، وإن كانت مفارقة .. فهي عدة فراق.
قال: (وذات أشهر وغير مدخول بها بأربعة أشهر وعشر)؛ لأن كلاً منهن إن كانت زوجة .. فعدتها ذلك، وإن لم تكن زوجة .. فالمدخول بها عدتها ثلاثة أشهر، وغير المدخول بها لا عدة عليها، فبمضي أربعة أشهر وعشر يقطع بالبراءة.
وَذَاتُ أَقْرَاءٍ بِالأَكْثَرِ مِنَ الأَقْرَاءِ وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَيُوقَفُ نَصِيبُ زَوْجَاتٍ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ
قال: (وذات أقراء بالأكثر من الأقراء وأربعة أشهر وعشر)؛ لأنها إن كانت زوجة .. فعليها أربعة أشهر وعشر، وإن لم تكن زوجة .. فعليها ثلاثة أقراء، فأوجبنا أقصى الأجلين؛ احتياطًا واستصحابًا للحرمة حتى يتحقق المبيح.
قال: (ويوقف نصيب زوجات حتى يصطلحن)؛ لأنا نعلم أن فيهن أربع زوجات، وقد جهلنا عينهن، فوجب التوقف، فيوقف الربع أو الثمن عائلاً أو غير عائل.
وقال ابن سريج: لا يوقف، ويوزع عليهن، لأن البيان غير متوقع، وكلهن معترفات بالإشكال وعدم المزية، ومال إليه الإمام.
وإطلاق المصنف يقتضي: أنه لا فرق بين أن يصطلحن على التساوي أو التفاضل، وهو كذلك؛ لأن الحق لا يعدوهن، لكن تستثنى مسألتان:
إحداهما: لو كان فيهن محجور عليها .. فلا يجوز لوليها أن يصالح على أقل مما في يدها، وقيل: لا ينقص عن الربع.
والثانية: الصلح بالتفاوت على غير التركة؛ فإنه لا يجوز كما قاله الرافعي في (باب الصلح).
تتمة: محل ما ذكره المصنف إذا علمنا استحقاق الإرث، فلو أسلم على ثمان كتابيات، فأسلم معه منهن أربع .. فالأصح: أنه لا يوقف شيء، بل تقسم التركة بين غيرهن من الورثة؛ لأن استحقاق الزوجات غير معلوم، ووجه مقابله: أن استحقاق غيرهن غير معلوم، قال الرافعي: وهو قريب من القياس.
فَصْلٌ:
أَسْلَمَا معًا .. اسْتَمَرَّتِ النَّفَقَةُ.
وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ .. فَلاَ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا .. لَمْ تَسْتَحِقَّ لِمُدَّةِ التَّخَلُّفِ فِي الْجَدِيدِ
قال المصنف: المختار المقيس هو الأول؛ لأن سبب الإرث في سائر الورثة موجود، وشككنا في المزاحم والأصل عدمه، وإرث الزوجات لم نتحققه والأصل عدمه، ويجري الوجهان فيما لو كان تحته مسلمة وكتابية فقال: إحداكما طالق، ومات قبل البيان.
قال: (فصل:
أسلما معًا .. استمرت النفقة)؛ لدوام النكاح والتمكين، ومراده استمرار الأمر على ما كان عليه، فإذا كانت النفقة واجبة .. استمرت.
قال: (ولو أسلم وأصرت حتى انقضت العدة .. فلا)؛ لأنها ناشز بالتخلف ممتنعة من التمكين فلا نفقة لها على كل تقدير، هذا في الوثنية كما قاله في (المحرر)، وأما الكتابية .. فلها النفقة قطعًا.
قال: (وإن أسلمت فيها .. لم تستحق لمدة التخلف في الجديد)؛ لإساءتها بالتخلف والامتناع عما هو فرض عليها.
والقديم: تستحقها؛ لأنها ما أحدثت شيئًا، والزوج هو الذي أسلم، وتبينا بالآخرة أنها كانت زوجة، كذا أطلقه الأصحاب، ولم يفصلوا بين أن يكون التخلف لعذر أم لا.
وينبغي إذا تخلفت لصغر أو جنون أو إغماء ثم أسلمت عقب زوال المانع .. أن تستحق، وتعليلهم يرشد إليه.
وَلَوْ أَسْلَمَتْ أَوَّلاً فَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ أَصَرَّ .. فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِذَا ارْتَدَّتْ .. فَلاَ نَفَقَةَ
وإذا قلنا بالجديد فاختلفا فقال: أسلمت اليوم، فقالت: من عشرة أيام .. فالقول قوله؛ لأن الأصل استمرار كفرها وبراءة ذمته عن النفقة.
ولو اختلفا في سبق الإسلام فقال الزوج: أسلمت أولاً فلا نفقة لك، وقالت: بل أسلمت أولاً .. فوجهان:
أصحهما: أنها المصدقة؛ لأن النفقة كانت واجبة وهو يدعي مسقطًا، فأشبه ما إذا ادعى عليها النشوز وهي تنكره.
والثاني: القول قوله؛ لأن الأصل براءة ذمته.
قال: (ولو أسلمت أولاً فأسلم في العدة أو أصر .. فلها نفقة العدة على الصحيح)؛ لأنها أدت فرضها فلا تسقط به نفقتها كما لو صامت شهر رمضان.
وفي قول أو وجه: لا نفقة لها؛ لأنها التي أحدثت المانع من الاستمتاع، ومال إليه الإمام والغزالي.
وفرق المتولي بين هذه وبين ما إذا سبقت إلى الإسلام قبل الدخول، حيث يسقط المهر وإن كانت محسنة بالإسلام بأن المهر عوض العقد، والعوض يسقط بتفويت العاقد المعقود عليه وإن كان معذورًا كما إذا باع طعامًا ثم أكله وهو مضطر إليه، والنفقة في مقابلة التمكين، وإنما يسقط بالتعدي، ولا عدوان من جهتها.
قال: (وإذا ارتدت .. فلا نفقة)؛ لإساءتها ونشوزها، والمراد: لا نفقة لها في زمن ردتها وإن أسلمت في أثناء العدة، وسيأتي في (النفقات): أنها لو ارتدت فغاب الزوج فأسلمت في غيبته .. عادت نفقتها، بخلاف ما إذا نشزت ثم تابت في غيبته .. فالكلام هناك في عودة النفقة واستمرارها، وهنا في نفقتها زمن الردة وهي غير مستحقة لنشوزها.
وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنِ ارْتَدَّ .. فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ.
قال: (وإن أسلمت في العدة) أي: لا فرق في سقوط نفقتها مدة الردة بين أن تعود إلى الإسلام في العدة أو لا.
قال: (وإن ارتد .. فلها نفقة العدة)؛ لأنها ممكنة والمانع منه.
تتمة:
إذا ارتدا معًا .. قال البغوي: لا نفقة لها، قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه وجهان كتشطير المهر بردتهما قبل الدخول .. ففي وجه: يجب نصف المهر كما لو ارتد الزوج، وفي وجه: لا يجب شيء كما لو ارتدت هي.
وفرق ابن الرفعة بأن المهر كان ثابتًا بالعقد والأصل بقاؤه، فلذلك يشطر ولا كذلك النفقة؛ فإن الكلام فيها في المستقبل، والأصل: عدم الوجوب بالعقد فسقطت.
- ... * ... * خاتمة نكحت في الكفر زوجين ثم أسلموا، فإن ترتب النكاحان .. فهي للأول، فإن مات الأول ثم أسلمت مع الثاني وهم يعتقدون جواز التزويج بزوجين .. ففي جواز التقرير وجهان، قال في زوائد (الروضة): ينبغي أن يكون أصحهما: التقرير، وإن وقع النكاحان معًا .. لم تقر مع واحد منهما، سواء اعتقدوا جوازه أم لا، وفيما إذا اعتقدوا جوازه وجه: أن المرأة تختار أحدهما، كما لو أسلم على أختين والله أعلم.
بَابُ الْخِيَارِ وَالإِعْفَافِ وَنِكَاحِ الْعَبْدِ
وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالآخَرِ جُنُونًا أَوْ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا، أَوْ وَجَدَهَا رَتْقَاءَ
باب الخيار والإعفاف ونكاح العبد
إنما جعله المصنف بابًا لأن فيه أحكامًا مستقلة بعيدة الانتظام بما قبلها، وهو أولى من جعله في (المحرر) فصلاً، لكن لا مناسبة لجعل هذه الثلاثة في باب، لا جرم أنه في (الروضة) أفرد كلاً منها بباب.
والذي ذكره المصنف في هذا الباب من أسباب الخيار ثلاثة: العيب والتغرير والعتق، وبقي الإعسار بالمهر والنفقة، وما إذا وجد أحدهما الآخر رقيقًا على ما جزم به المصنف، وعد الماوردي في غير هذا الموضع ما إذا وجدت كسبه حرامًا كالتصوير ولا يمكنه إلا منه.
وذكر الرافعي في (باب الخلع) قولين في أن النكاح هل يقبل الفسخ بالتراضي؟
أحدهما: نعم كالبيع.
والثاني: لا؛ لأن وضعه على الدوام والتأبيد، وإنما ينفسخ لضرورة تدعو إليه، وأسقطه من (الروضة)، وأنكر عليه ابن الرفعة وجود هذا الخلاف، وليس كذلك، بل هو ثابت في غيره.
قال: (وجد أحد الزوجين بالآخر جنونًا أو جذامًا أو برصًا، أو وجدها رتقاء أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ وَجَدَتْهُ عِنُينًا أَوْ مَجْبُوبًا .. ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النُكَاحِ،
أو قرناء، أو وجدته عنينًا أو مجبوبًا .. ثبت الخيار في فسخ النكاح).
العيوب المثبتة للخيار منها ما يشترك فيه الرجال والنساء وهو ثلاثة:
الجنون متقطعًا كان أو مطبقًا، ولا يلتحق به الإغماء.
و (الجذام) بالذال المعجمة، وهي علة صعبة يحمر منها العضو ثم يسود ثم ينقطع ويتناثر - نسأل الله تعالى العافية وذريتنا وجميع المسلمين - ويتصور ذلك في كل عضو لكن في الوجه أغلب.
و (البرص) وهو: بياض يكون بالجلد تذهب به دمويته، وعلامته: أن يعصر المكان فلا يحمر؛ لأنه ميت، ولا يلتحق به البهق؛ لأنه بياض على غير هذا الوجه.
والذي يختص به: الجب والعنة.
فـ (الجب): أن يقطع الذكر بحيث لا يبقى منه ما يمكن به الجماع.
و (العنة): امتناع الوقاع لضعف في القلب أو الكبد أو الدماغ أو الآلة فيمتنع الانتشار.
والمختص بها: الرتق والقرن.
فـ (الرتق): انسداد محل الجماع باللحم، وهذه يخرج بولها من ثقبة ضيقة كإحليل الرجل.
و (القرن): عظم في الفرج يمنع الجماع، وقيل: لحم ينبت فيه، والدائر على ألسنة الفقهاء في القرن تحريك الراء، وهو في كتب اللغة بالتسكين، وهما جائزان، فالفتح على المصدر وهو هنا أحسن؛ لكون قرائنه مصادر وهي الرتق والبرص ونحوهما.
وقال أبو حنيفة: لا يفسخ النكاح بشيء من هذه العيوب، إلا أن المرأة إذا وجدت زوجها مجبوبًا أو عنينًا .. ترفع أمرها إلى الحاكم حتى يفرق بينهما بطلقة،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وساعدنا على قولنا مالك وأحمد.
واستدل الأصحاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من غفار، فلما دخل بها .. رأى بكشحها - وهو الجنب - بياضًا، فردها على أهلها وقال: (دلستم عليَّ) رواه الحاكم وقال: هي أسماء بنت النعمان الغفارية، وقال ابن باطيش: العالية بنت ظبيان، فثبت في البرص بالنص، وفي الباقي بالقياس عليه.
والشافعي لم يذكر هذا الحديث؛ فإنه مرسل وعلى تقدير صحته فيحتمل أنه ردها بطلاق لا فسخ، وإنما ذكر بسند صحيح إلى عمر: (أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص - وفي رواية: أو قرن - فإن كان دخل بها .. فلها الصداق بمسه، وهو له على وليها).
ولأن المقصود الأعظم من النكاح الاستمتاع بالجماع، وهذه العيوب تمنعه، أما الجب والعنة والرتق والقرن .. فواضح، وأما الجنون .. فلأنه لا يمكن معه في غالب الأحوال، والجذام والبرص منفران أشد نفرة لما يخشى من العدوى التي أجرى الله تعالى بها العادة غالبًا، قال الشافعي: هما فيما يزعم أهل الطب والتجارب يعديان.
وفي (صحيح البخاري): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد).
وفي (صحيح مسلم): أنه صلى الله عليه وسلم قال لمجذوم وفد ثقيف: (ارجع، فقد بايعناك) وما ثبت عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة) إنما أراد به على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وقد يجعل الله ذلك سببًا لحدوث ذلك، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يورد ممرض على مصح.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في الطاعون: (من سمع به بأرض .. فلا يقدمن عليه).
وأخذ صلى الله عليه وسلم بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة وقال: (كل ثقة بالله وتوكلاً عليه) فأعلم صلى الله عليه وسلم أن ذلك بتقدير العزيز العليم.
فجملة العيوب سبعة، الممكن فرضه في كل واحد من الزوجين خمسة، وأما غير هذه العيوب كالعمى والزمانة وقطع الأطراف والبله - وهو غلبة السلامة على الصدر - فلا يثبت بها الخيار، وقد أجمعوا على ثبوته بها في البيع؛ لفوات المالية، وعن الشيخ زاهر السرخسي: أن البخر والصنان إذا لم يقبلا العلاج يثبتان الخيار؛ لأنهما يورثان النفرة.
قال الرافعي: ويجري الخلاف فيما إذا وجدها عذيوطة أو وجدته عذيوطًا.
والعذيوط: الذي يتغوط عند الإنزال.
وأثبت القاضي حسين وغيره الخيار بالاستحاضة والقروح السيالة، وألحق المتولي بالجنون الإغماء الدائم، وكذلك المرض المزمن الذي لا يمكن زواله ويتعذر معه الجماع كما جزم به ابن الرفعة.
ونقل الرافعي في (الديات) عن الأصحاب: أن المرأة إذا لم تحتمل الوطء إلا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالإفضاء لضيق منفذها .. لا يجوز للزوج وطؤها، فعلى هذا يختار به ويكون ككبر آلة الرجل بحيث لا تحتمله المرأة.
وعدَّ الخفافُ في (الخصال) من عيوب الرجل: كونه مشعر الإحليل؛ لأن ذلك يمنع لذة المرأة.
وقال القاضي حسين: إذا تزوجها ظانًا أنها مسلمة فبانت كتابية .. ثبت له الخيار.
قال ابن الرفعة: وقد استشكل بعضهم تصوير فسخ المرأة بالعيب؛ لأنها إن علمت به .. فلا خيار لها، وإن لم تعلم به .. فالتنقي من العيوب شرط في الكفاءة، فلا يصح النكاح إذا عدم التكافؤ، قال: وهذه غفلة عن قسم آخر، وهو ما إذا أذنت له في التزويج من معين أو من غير كفء وزوجها الولي منه بناء على أنه سليم .. فالمذهب صحة النكاح كما صرح به الإمام في (باب الوكالة) و (المرابحة)، ويثبت الخيار بذلك.
فروع: ليس للزوج إجبار الرتقاء على شق الموضع، فإن فعلت هي وأمكن الوطء .. فلا خيار، قال الرافعي: كذا أطلقوه، ويمكن أن يأتي فيه الخلاف المذكور فيما إذا اطلع
وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَ بِهِ مِثْلَ عَيْبِهِ .. فَلاَ
على عيب المبيع بعد زواله، والذي بحثه الرافعي هنا هو المنقول في (البحر) و (الحاوي).
وإذا جبت زوجها هل يثبت لها الخيار؟ وجهان:
أحدهما: لا كما لو عيب المشتري المبيع قبل القبض.
وأصحهما: نعم كما لو خرب المستأجر الدار المستأجرة؛ لأن المرأة بالجب لا تصير قابضة لحقها كالمستأجر لا يصبر قابضًا لحقه بالتخريب، والمشتري بالتعييب قابض لحقه.
وإنما يثبت الخيار بهذه العيوب عند الجهل دون العلم إلا في العنة؛ ففيها كلام يأتي.
وإذا اختلفا في وجود العيب أو في العلم به .. صدق من ينفيه إلا أن يقيم المدعي شاهدين ذكرين عليه، وقيل: إن اختلفا قبل الدخول في العلم به .. صدق من يدعي العلم.
قال: (وقيل: إن وجد به مثل عيبه .. فلا)؛ لتساويهما، فإن كانا من جنسين .. فلكل واحد منهما الخيار، إلا إذا كان الرجل مجبوبًا والمرأة رتقاء .. فهما كالجنس الواحد، وحكى البغوي طريقة قاطعة بأنه لا خيار؛ لأنه وإن فسخ لا يصل إلى مقصود الوطء.
والصحيح فيما إذا كانا من جنس واحد: ثبوت الخيار لكل واحد منهما؛ لأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعافه من نفسه، فيمنعه ذلك من الاستمتاع.
وَلَوْ وَجَدَهُ خُنْثَى وَاضِحًا .. فَلاَ فِي الأَظْهَرِ.
وَلَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ .. تَخَيَّرَتْ إِلاَّ عُنَّةً بَعْدَ الدُّخُولِ،
وأشار المصنف بـ (المثلية) إلى أن الخلاف فيما إذا تساويا في القدر والمحل والفحش، فإن كان في أحدهما أكثر وأفحش .. ثبت الخيار للآخر بلا خلاف.
هذا في غير الجنون، أما إذا كانا مجنونين .. فلا يمكن الخيار لواحد منهما، قاله الرافعي، ومنعه ابن الرفعة بأن الجنون المتقطع يثبت الخيار كالمطبق، فيثبت له في حال إفاقته، وظاهر كلام الرافعي أنه أراد المطبق فلا يرد عليه.
قال: (ولو وجده خنثى واضحًا .. فلا في الأظهر)؛ لأنه لا يفوت مقصود النكاح.
والثاني - ويعزى إلى القديم -: يثبت الخيار؛ لتنفيره الطبع.
وقوله: (واضحًا) من زياداته على (المحرر)، ولابد منها؛ لإفادة أن نكاح الخنثى المشكل باطل؛ فإنه لم يذكره في غير هذا الموضع، وإنما أهملها (المحرر) للعلم بأن الخنثى المشكل لا يصح نكاحه، والأصح: أن محل القولين إذا اتضح بقوله، فإن اتضح بعلامة .. فلا خيار.
قال: (ولو حدث به عيب .. تخيرت) أما قبل الدخول .. فبلا خلاف، وكذا بعده على الأصح؛ لأنها تتضرر بصحبته، فتعين ذلك طريقًا لإزالة الضرر وفي حدوث الجب بعد الدخول وجهان، ويقال: قولان:
أصحهما: أنه يثبت لها الخيار؛ لأنه يورث اليأس من الجماع.
والثاني: أنه كالعنة.
قال: (إلا عنة بعد الدخول)؛ لأن مقصود النكاح قد حصل لها من المهر وثبوت الحصانة ولم يبق إلا التلذذ، وهو شهوة لا يجبر الزوج عليها، ولأنها ترجو زوال عنته.
أَوْ بِهَا .. تَخَيَّرَ فِي الْجَدِيدِ.
وَلاَ خِيَارَ لِلْوَلِيِّ بِحَادِثٍ، وَكَذَا بِمُقَارِنِ جَبٍّ وَعُنَّةٍ، وَيَتَخَيَّرُ بِمُقَارِنِ جُنُونٍ، وَكَذَا جُذَامٌ وَبَرَصٌ فِي الأَصَحِّ.
وَالْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ
قال: (أو بها .. تخير في الجديد) كما يثبت لها إذا حدث العيب به.
وفي القديم: لا تتخير به، وبه قال مالك؛ لأنه لا تدليس منها، وهو متمكن من التخلص بالطلاق غير مضطر إلى الفسخ، ولهذا لو أعتق العبد وتحته أمة .. لا خيار له على المذهب، بخلاف الزوجة إذا عتقت تحت رقيق.
قال: (ولا خيار للولي بحادث) أي: بالزوج؛ لأن حق الأولياء في الكفاءة إنما يراعى في الابتداء دون الدوام، لأن المرأة لو رغبت في نكاح عبد .. كان لأوليائها المنع، ولو عتقت تحته ورضيت بالمقام معه .. لم يكن لهم الفسخ.
قال: (وكذا بمقارن جب وعنة)؛ لاختصاصهما بالضرر، ولأنه لا عار يلحق الولي بذلك.
وفي وجه: أن للأولياء الخيار بجميع العيوب المقارنة.
فإن قيل: العنة لا تثبت إلا بعد العقد فكيف صورتها؟ قيل: يمكن تصويرها بما إذا تزوجها وعنَّ عنها ثم طلقها وأراد تجديد نكاحها.
قال: (ويتخير بمقارن جنون) وإن رضيت المرأة؛ لأن الأولياء يتعيرون به، ولا نعلم في ذلك خلافًا.
قال: (وكذا جذام وبرص في الأصح)؛ لأن فيهما نقصًا ظاهرًا، وقد تتعدى العلة إليها أو إلى نسلها.
والثاني: لا خيار للولي؛ لأن الضرر في الجذام والبرص خاص بصحبة من تعافه النفس، وهذا المعنى يختص بها.
قال: (والخيار على الفور) كخيار العيب في البيع.
والمراد: أن المطالبة به، والرفع إلى الحاكم على الفور، ولا ينافي ذلك ضرب المدة للعنين؛ فإنها حينئذ تتحقق، فإن أخرت بلا عذر .. بطل حقها.
وقيل: وفي قول: تمتد إلى ثلاثة أيام.
وَالْفَسْخُ قَبْلَ دُخُولِ يُسْقِطُ الْمَهْرَ،
وقيل في قول: إلى أن ترضى، أو تمكن كما في خيار العتق.
والفرق على المذهب: أن الأمة تحتاج إلى النظر، وهنا النقصان تحقق بالاطلاع على العيب فاستغني عن النظر، فإذا قال: علمت العيب ولم أعلم أنه يثبت الخيار .. فالمشهور: أنه على القولين في نظيره من خيار العتق.
قال: (والفسخ قبل دخول يسقط المهر) سواء كان بمقارن أو حادث، وسواء كان العيب فيه أو فيها؛ لأن شأن الفسخ ترادُّ العوضين، وقد رجع البضع إليها سالمًا، فيرجع عوضه إليه سالمًا.
وكما يسقط المهر لا متعة أيضًا؛ لأن الفسخ رافع للعقد من أصله، قال الشيخ: ولسنا نريد بالرفع من أصله أن نتبين عدم وقوعه، فهذا لا يتوهمه فقيه، ولكن المراد: أن الشرع سلط العاقد على رفع أحكامه، وجعله كأن لم يكن.
فرع:
المفسوخ نكاحها بعد الدخول لا نفقة لها في العدة ولا سكنى إن كانت حائلاً بلا خلاف، وإن كانت حاملاً، فإن قلنا: نفقة المطلقة الحامل للحمل .. وجبت هنا، وإن قلنا بالأظهر – أنها للحامل - لم تجب.
وأما السكنى .. فلا تجب على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل بطرد القولين، وقال ابن سلمة: إن كان الفسخ بعيب حادث .. وجبت، وإلا .. فلا.
وإذا لم نوجب السكنى فأراد أن يسكنها حفظًا لمائه .. فله ذلك، وعليها الموافقة، قاله أبو الفرج السرخسي.
وَبَعْدَهُ .. الأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إِنْ فُسِخَ بِمُقَارِنِ، أَوْ بِحَادِثٍ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَهِلَهُ الْوَاطِىءُ، وَالْمُسَمَّى إِنْ حَدَثَ بَعْدَ وَطْءٍ
قال: (وبعده .. الأصح: أنه يجب مهر المثل إن فسخ بمقارن)؛ لأنه استمتع بمعيبة وهو إنما بذل على ظن السلامة ولم تحصل، فكأن العقد جرى بلا تسمية.
والثاني: المسمى؛ لأن الدخول جرى في عقد صحيح مشتمل على تسمية صحيحة، فأشبه الردة بعد الدخول وهو مخرج منها، فكان ينبغي أن يعبر بالنص لذلك.
قال: (أو بحادث بين العقد والوطء جهله الواطىء)؛ لأنه كالمقارن للعقد، فيكون الواجب أيضًا مهر المثل على المنصوص، ويجعل اقترانه بالوطء المقرر للمهر كاقترانه بالعقد.
قال: (والمسمى إن حدث بعد وطء)؛ لأنه تقرر بنفس الوطء.
والحاصل: أن الوطء مضمون بلا خلاف، إما بالمسمى على قول وإما بالمهر على قول، وهو في رد الجارية المبيعة بعيب غير مضمون، وقد اشتركا في الفسخ بالعيب، وفرقوا بينهما بأن الوطء معقود عليه في النكاح فوجب بدله بكل حال، والوطء في البيع غير معقود عليه، وإنما العقد على الرقبة، والوطء منفعة ملكه فلم يقابل بعوض.
فإن قيل: الفسخ إن رفع العقد من أصله .. فليجب مهر المثل بكل حال، أو من حينه .. فالمسمى كذلك، فما وجه التفصيل؟ فأجاب الشيخ بأن اختيارنا هنا وفي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الإجارة أنه يرفعه من حين حدوث سببه لا من أصل العقد ولا من حين الفسخ؛ ليستقيم التفصيل المذكور، لأن المعقود عليه هنا المنافع، وهي لا تقبض حقيقة إلا بالاستيفاء، بخلاف البيع؛ فإن القبض فيه مقرر قطعًا، وفسخه بالردة والرضاع والإعسار من حينه.
فروع:
طلق زوجته قبل الدخول، ثم اطلع على عيب بها .. لم يسقط حقها من نصف المهر.
ولو اطلع أخدهما على عيب الآخر بعد موته .. فهل له الفسخ بالعيب؟ وجهان: أصحهما: لا، ويتقرر المسمى بالموت، ولو لم يفسخ بالعيب حتى زال .. ففي ثبوت الخيار وجهان.
وإذا رضي أحد الزوجين بعيب الآخر فازداد .. فلا خيار على الصحيح؛ لأن رضاه بالأول رضىّ بما يحدث منه ويتولد، وفيه وجه، كذا قاله الشيخان، ومحله إذا لم يكن الحادث أفحش، كما إذا كان في اليد فحدث في الوجه .. فإن الشافعي رضي الله عنه نص على ثبوت الخيار، كذا نقله الماوردي، وخص الوجهين بغير هذه الحالة كما إذا كان في إحدى اليدين فانتقل إلى الأخرى.
وقال في (المهمات) قد قالوا في (الرهن): إذا شرطا وضعه في يد فاسق فزاد فسقه .. كان لكل منهما الخيار في إزالة يده عنه، فاعتبروا الزيادة هناك ولم يعتبروها هنا.
وَلَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ بَعْدَ وَطْءٍ .. فَالْمُسَمَّى.
وَلاَ يَرْجِعُ الزَّوْجُ بَعْدَ الْفَسْخِ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْجَدِيدِ
ولو فسخ بعيب فبان أن لا عيب فهل يحكم ببطلان الفسخ واستمرار النكاح؟ وجهان: أصحهما في زوائد (الروضة): بطلان الفسخ؛ لأنه بغير حق.
ولو قال: علمت عيب صاحبي ولم أعلم أن العيب يثبت الخيار .. فقولان كنظيره في عتقها تحت عبد.
وقيل: لا خيار هنا قطعًا؛ لأن الخيار بالعيب مشهور في جنس العقود.
قال: (ولو انفسخ بردة بعد وطء .. فالمسمى)؛ لاستقراره قبل وجودها، والردة لا تستند إلى ما تقدم، ولا فرق بين ردته وردتها.
قال: (ولا يرجع الزوج بعد الفسخ بالمهر على من غره في الجديد)؛ لئلا يجمع بين العوضين، وبهذا قال أبو حنيفة، واستدل له الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها ...) الحديث، قال: فإذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصداق للمرأة بالمسيس في النكاح الفاسد بكل حال ولم يرده به عليها وهي التي غرته لا غيرها .. فكذلك في النكاح الصحيح الذي الزوج فيه بالخيار أولى أن يكون للمرأة.
والقديم - وبه قال مالك -: أن له الرجوع عليه؛ لما روي عن عمر أنه قال: (أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص .. فلها صداقها، وذلك لزوجها غرم على وليها).
ومحل القولين في عيب مقارن للعقد، أما الحادث بعده إذا فسخ .. فلا رجوع بالمهر بحال؛ لأنه لا تدليس منه.
وخص المتولي الخلاف بما إذا كان المغروم مهر مثل، فإن كان المسمى .. فلا يرجع به قولاً واحدًا؛ لأنه في مقابلة الوطأة الأولى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأصح: ما ذكره البغوي: أنه لا فرق بين المسمى ومهر المثل، وخصه الدارمي بغير الحاكم، فالحاكم لا رجوع عليه قطعًا.
وصور في (التتمة) التغرير منها بأن تسكت عنه ويظهر للولي معرفة الخاطب بحالها، وصوره غيره بأن تعقد بنفسها ويحكم حاكم بصحته.
والمراد بـ (الزوج): الزوج الفاسخ؛ ليخرج المجبر على الفسخ؛ فإن عليه المسمى ولا يرجع به على الغار قطعًا، ثم لا يخفى أن كلامه فيما إذا أدى المهر، أما قبله .. فلا يرجع بشيء؛ لأنه لم يغرم شيئًا.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْعُنَّةِ رَفْعٌ إِلَى حَاكِمٍ، وَكَذَا سَائِرُ الْعُيُوبِ فِي الأَصَحِّ.
وَتَثْبُتُ الْعُنَّةُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بَينَةٍ عَلَى إِقْرَارِهِ، وَكَذَا بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولِهِ فِي الأَصَحِّ
قال: (ويشترط في العنة رفع إلى حاكم)؛ لأنه أمر مجتهد فيه فأشبه الفسخ بالإعسار، ولأنه يحتاج إلى الدعوى، ولا يكون إلا عند حاكم، وهذا لا خلاف فيه.
وتعبير المصنف بـ (العنة) أنكره في (التحرير) على الفقهاء فقال: وما يقع في كتب الأصحاب من قولهم: (العنة) يريدون التعنين ليس بمعروف في اللغة، وإنما العنة الحظيرة من الخشب لحفظ الإبل والغنم.
اهـ
وما قاله فيه نظر؛ فإن شيخه ابن مالك قال في (مثلثه): (العُنة) بالضم: العجز عن الجماع، فاستقام ما قاله الأصحاب، ونقل أبو عبيد عن الأموي أنه يقال: امرأة عنينة، وهي التي لا تريد الرجال.
قال: (وكذا سائر العيوب في الأصح)؛ لما قلناه.
والثاني: أنه ينفرد بالفسخ كفسخ البيع.
قال: (وتثبت العنة بإقراره) أي: عند الحاكم كسائر الحقوق التي يؤاخذ المكلف بإقراره بها.
قال: (أو بينة على إقراره)؛ إذ لا تمكن إقامة البينة على نفس العنة، إذ لا مطلع للشهود عليها.
قال: (وكذا بيمينها بعد نكوله في الأصح)؛ لأنها قد تبين لها عنته بقرائن الأحوال وطول الممارسة، بخلاف الشهود؛ فإنهم لا يعرفون ما تعرف منه، وهذا كما إذا ادعت أنه نوى الطلاق ببعض الكنايات وأنكر ونكل تحلف المرأة.
والثاني - وبه قال أبو إسحاق -: لا ترد اليمين عليها؛ لأن الامتناع من الجماع قد
وَإِذَا ثَبَتَ .. ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَةً
يكون لعجز، وقد يكون لأمر آخر لا اطلاع لها عليه، وعلى هذا قيل: يقضي عليه بالنكول، وتضرب المدة من غير يمينها.
وقيل: لا ترد عليها، ولا يقضي بنكوله.
وقيل: لا يحلف الزوج ولا يشرع أصلاً؛ بناء على أن اليمين لا ترد عليها، وهو ضعيف.
ويستثنى من إطلاق المصنف وغيره: الأمة إذا تزوجت حرًا بشرطه، ثم ادعت عنته المقارنة للعقد لتتمكن بذلك من الفسخ .. لم تسمع دعواها؛ لأن ثبوت ذلك يؤدي إلى إبطال النكاح من أصله لانتفاء شرطه وهو خوف العنت، وإذا كان النكاح باطلاً .. لم تصح الدعوى؛ للزوم الدور، كذا ذكره الجرجاني في (المعاياة)، والمحب الطبري في (ألغازه).
قال: (وإذا ثبت .. ضرب القاضي له سنة)؛ لما روى الشافعي رضي الله عنه وغيره: أن عمر رضي الله عنه أجل العنين سنة، وتابعه العلماء، لأن تعذر الجماع قد يكون لعارض حرارة فيزول في الشتاء، أو برد فيزول في الصيف، أو يبوسة فيزول في الربيع، أو رطوبة فيزول في الخريف، فإذا مضت السنة ولا إصابة .. علمنا أنه عجز خلقي.
وحكى ابن المنذر عن أبي عبيد أنه قال: إن الداء لا يسجن في البدن أكثر من سنة حتى يظهر.
قال في (المطلب): وهذا التعليل يخدشه ما إذا عنَّ عن امرأة دون امرأة، وعن المأتي المعتاد دون غيره .. فإن الحكم ثابت، ولو كان لمضي الفصول أثر .. لأثَّر مطلقَا، قال: وقد يقال في الجواب عنه: إن النفس قد يتغير ميلها إلى بعض الأشياء دون بعض بحسب اختلاف الفصول، وسواء في ذلك الحر والعبد على المشهور؛ لأن الأمور الجبلية لا تختلف في الحال فيها بين الأحرار والأرقاء، فأشبهت مدة الحيض والرضاع.
بِطَلَبِهَا، فَإِذَا تَمَّتْ .. رَفَعَتْهُ إِلَيْهِ؛ فَإِنْ قَالَ: وَطِئْتُ .. حُلَّفَ،
وفي (كتاب ابن بشرى) عن نص الشافعي: أن العبد له نصف سنة كقول مالك، وهو غريب.
وأول هذه المدة من يوم المرافعة وضرب القاضي؛ لأنها مجتهد فيها، بخاف مدة الإيلاء؛ فإنها من وقت اليمين للنص.
وقال أهل الظاهر: لا يؤجل العنين ولا يفرق بينهما؛ لأن امرأة عبد الرحمن بن الزبير قالت: إنما معه مثل هدبة الثوب ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما.
والجواب: أن عبد الرحمن أنكر ذلك، وصح عنه أنه قال: أعركها عرك الأديم.
قال: (بطلبها)؛ لأنه حق لها فلا يكون إلا بسؤالها، ويكفي فيه قولها: أنا طالبة حقي على موجب الشرع، فلو سكتت وحمل على الدهش أو الجهل .. نبهت.
وعلم من هذا: أن الولي لا ينوب عنها في ذلك، سواء كانت عاقلة أم مجنونة.
قال: (فإذا تمت .. رفعته إليه)؛ لأن مدار الباب على الدعوى والإقرار والإنكار واليمين، ولابد في ذلك من المرافعة.
وقيل: إن لها الفسخ عقب المدة من غير رفع إلى الحاكم.
ومقتضى كلامه: أن الرفع على الفور، وصرح الماوردي والروياني بأن ذلك غير لازم، بخلاف الفسخ بالعيب؛ لأن تمكينها الزوج من نفسها في العيوب رضًا يمنع الفسخ، بخلاف العنة.
قال: (فإن قال: وطئت .. حلف)؛ لأنه تتعذر إقامة البينة عليه، والأصل سلامة الشخص ودوام النكاح، فإذا حلف .. بقيت معه وانتهت الخصومة، سواء كان قبل مضي السنة المضروبة أو بعدها، وسواء كان صحيح الأعضاء أو خصيًا أو مقطوع بعض الذكر وأمكنه الجماع بالباقي.
قال أبو إسحاق: إن كان خصيًا أو مقطوع بعض الذكر .. صدقت المرأة بيمينها.
هذا إذا كانت ثيبًا، فإن كانت بكرًا .. فالقول قولها مع يمينها إذا شهد ببكارتها الآن أربع نسوة؛ لأن الظاهر معها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: يقبل قولها بلا يمين إذا شهد أربع نسوة، والصحيح الأول؛ لاحتمال أنه لم يبالغ وأن البكارة عادت.
قاعدة:
نقل الشيخان هنا عن الأئمة: أن الزوجين إذا اختلفا في الإصابة .. فالقول قول نافي الوطء؛ أخذًا بأصل العدم إلا في ثلاثة مواضع: هنا، وإذا طالبته في الإيلاء بالفيئة أو الطلاق فقال: قد أصبتها، وفيما إذا قالت: طلقتني بعد المسيس فلي كمال المهر، وقال الزوج: بل قبله وليس لك إلا الشطر .. فالقول قوله؛ للأصل، وعليها العدة؛ مؤاخذة بقولها، ولا نفقة ولا سكنى، وللزوج نكاح بنتها وأربع سواها في الحال.
فلو أتت بولد من محتمل .. ثبت النسب، ويقوى به جانبها، فيرجع إلى تصديقها، ويطالب الزوج، بالنصف الثاني، ولابد من يمينها على ما ذكره الإمام والعبادي؛ لأن ثبوت النسب لا يورث يقين الوطء.
ويمكن أن يجيء فيه الخلاف المذكور فيما إذا ظهرت البكارة، وهذه الصورة هي محل الاستثناء من تصديق النافي، فإن لاعن الزوج ونفى الولد .. فقد زال المرجح، فنعود إلى تصديقه ويستمر الأمر على ما سبق.
وأورد في (المهمات) على حصرهما أربع مسائل:
الأولى: الفرع الآتي بعد ورقة عن البغوي: إذا تزوجها بشرط البكارة فوجدها ثيبًا فقالت: كنت بكرًا فزالت البكارة عندك، فقال: بل كنت ثيبًا .. فالقول قولها بيمينها؛ لدفع الفسخ.
ولو قالت: كنت بكرًا فافتضضتني .. فالقول قولها بيمينها؛ لدفع الفسخ، وقوله: (بيمينه) لدفع كمال المهر.
الثانية: إذا قال لطاهر: أنت طالق للسنة، وقالت: ما وطئتني في هذا الطهر فوقع الطلاق، وقال: بل وطئت فيه فلم يقع .. قال إسماعيل البوشنجي: قضية