بِخِلَافِ مَوْتِهِ بِمَرَضٍ سَابِقٍ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ قُتِلَ بِرِدَّةٍ سَابِقَةٍ .. ضَمِنَهُ الْبَائِعُ فِي الأَصَحِّ
بالقبض فيدخل المبيع في ضمانه أيضًا، فعلى هذا: يرجع بالأرش.
وصورة المسألة: أن يكون المشتري جاهلًا بالسبب، فإن كان عالمًا .. فلا رد ولا أرش؛ لدخوله في العقد على بصيرة.
وقوله المصنف: (متقدم) أي: على القبض، سواء كان متقدمًا على العقد أم لا.
وقوله: (بجناية) تدخل فيها السرقة وقطع يد الغير عدوانًا؛ فإن الحدود من أنواع الجنايات.
قال: (بخلاف موته بمرض سابق في الأصح)؛ لأن المرض يتزايد فلا تتحقق إضافته إلى السابق فيكون من ضمان المشتري، والخلاف في هذه المسألة طريقان:
أشهرهما: القطع بما ذكره وأنه من ضمان المشتري، فلو عبر بالمذهب .. كان أولى.
والطريقة الثانية: أنه على الوجهين الآتيين فيما إذا قتل بردة.
والخلاف في المرض المخوف، أما غيره .. فلا ينسب الموت إليه.
والجراحة السارية كالمرض فيها الطريقان، وكذا الحامل إذا ماتت من الطلق: وعلى الأصح: يتعين الأرش إن جَهِل السبب، فإن كان عالمًا به .. فلا شيء.
وعلى الثاني: ينفسخ البيع ويرجع بالثمن كله كما في القتل بردة سابقة.
قال: (ولو قتل بردة سابقة .. ضمنه البائع في الأصح)؛ لأن التلف حصل بسبب كان في يده فأشبه ما إذا باع عبدًا مغصوبًا فأخذه المستحق منه، فعلى هذا: يرجع المشتري عليه بجميع الثمن.
والثاني: يضمنه المشتري؛ لأن القبض سلطه على التصرف ولا يخفى أن الكلام بعد القبض، فإن كان قبله .. انفسخ البيع.
ومؤنة تجهيز هذا العبد تخرج على الخلاف:
وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ مِنَ الْعُيُوبِ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ عَيْبٍ بَاطِنٍ بِالْحَيَوَانِ لَمْ يَعْلَمْهُ دُونَ غَيْرِهِ،
فعلى الأول: هي على البائع.
وعلى الثاني: على المشتري.
هذا إذا لم يعلم بالردة، فإن علم بها .. فالأصح: لا يرجع بشيء ولا ينفسخ البيع.
كل هذا تفريع على صحة بيع المرتد وهو المذهب، والوجهان في هذه المسألة هما الوجهان المتقدمان في القطع بجناية أو سرقة، لكن الحكم بكونه من ضمان البائع موجب هناك للرد وهنا لانفساخ البيع، والرجوع بالثمن في الموضعين والحكم بكونه من ضمان المشتري موجب الرجوع بالأرش في الموضعين.
قال: (ولو باع بشرط براءته من العيوب .. فالأظهر: أنه يبرأ عن عيب باطن بالحيوان لم يعلمه دون غيره) استدل الشافعي رضي الله عنه لهذا الحكم بأمرين:
أحدهما: ما رواه مالك [2/ 613]: (أن ابن عمر رضي الله عنهما باع غلامًا له بثمان مئة درهم وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالعبد داء لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان بن عفان فقال: الرجل باعني عبدًا وبه داء لم يسمه لي، فقال عبد الله بن عمر: بعته بالبراءة، فقضى عثمان على عبد الله أن يحلف: لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد، فباعه عبد الله بألف وخمس مئة درهم).
الأمر الثاني: أن الحيوان يغتذي بالصحة والسقم وتتحول طباعه، وقل ما يخلو عن عيب ظاهر أو باطن، فلو لم يقل بذلك .. أدى إلى أن لا يلزم بيع فيه أصلًا، بخلاف غير الحيوان، والشافعي رضي الله عنه قال هنا: قلته تقليدًا لعثمان، والمراد: أن قوله لما انتشر .. وافق بعض الأقيسة وصار حجة.
والفرق بين المعلوم وغيره: أن كتمان المعلوم تلبيس فلا يبرأ منه، والفرق بين الظاهر والباطن: أن الظاهر يسهل الاطلاع عليه ويعلم غالبًا فأعطيناه حكم المعلوم وإن خفي على ندور، فقول المصنف: (دون غيره) راجع إلى الثلاثة المذكورة فلا
وَلَهُ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ الرَّدُّ بِعَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ
يبرأ عن غير الباطن وهو الظاهر، ولا عن غير الحيوان كالعقار والثياب، ولا عن غير الذي لم يعلمه وهو المعلوم.
والقول الثاني: يبرأ مطلقًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون عند شروطهم).
فعلى هذا: إذا حدث عيب قبل القبض فله الرد به.
والثالث: لا يبرأ مطلقًا؛ لأنه خيار ثابت بالشرع فلا ينتفي بالشرط كسائر مقتضيات العقد، فلو ادعى أحدهما شرط البراءة وأنكره الآخر .. تحالفا.
تنبيهان:
أحدهما: حيث أبطلنا الشرط لا يبطل العقد في الأصح وإن كان على خلاف سائر الشروط المفسدة؛ لاشتهار القضية بين الصحابة، ومثله في عدم الإبطال بالشرط الفاسد ما سيأتي في (العمرى والرقبى).
الثاني: لا يكفي في ذكر العيب أن يقول: هو معيب، أو به جميع العيوب، أو لا ضمان سوى درك الحل كما يفعله كثير من الناس، فلابد من بيان العيب المعلوم.
قال الشيخ: وبعض الوراقين في زماننا يجعل بدل شرط البراءة: وأعلم البائع المشتري بأن بالمبيع جميع العيوب ورضي به، وهذا جهل؛ لأنه كذب ولا يفيد، لأن الصحيح: أن التسمية لا تكفي فيما يمكن معاينته، فذكره مجملًا بهذه العبارة كذكر ما يمكن معاينته بالتسمية من غير رؤية، فالقياس: أنه لا يفيد، ومتى وقع ذلك .. كان حكمه حكم شرط البراءة.
قال: (وله مع هذا الشرط الرد بعيب حدث قبل القبض)؛ لأن الأصل والظاهر: أنهما لم يريداه، وهذا لا خلاف فيه.
وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ عَمَّا يَحْدُثُ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ .. رَجَعَ بِالأَرْشِ، وَهُوَ: جُزْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ نِسْبَةُ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنَ الْقِيمَةِ لَوْ كَانَ سَلِيمًا،
قال: (ولو شرط البراءة عما يحدث .. لم يصح في الأصح)؛ لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته.
والثاني: يصح بطريق التبع.
والثالث: إن أفرد ما لم يحدث .. لم يصح، أو ضم إليه القديم .. صح تبعًا.
قال: (ولو هلك المبيع عند المشتري أو أعتقه ثم علم العيب .. رجع بالأرش)؛ لامتناع الرد، إذ لا مردود، ولا يمكن إسقاط حق المشتري فرجعنا إلى الأرش، وكذلك الوقف والاستيلاد؛ لأنهما إتلاف حكمي، اللهم إلا أن يكون العتق مشروطًا في البيع فأعتقه أو أعتق بالقرابة .. فوجهان في (الرافعي) من غير ترجيح، ورجح الشيخ الرجوع بالأرش فيهما.
ومحل ما قاله المصنف في حق عتق العبد المسلم، أما الكافر .. فلا؛ لأنه لم ييأس من رده، فإنه قد يلتحق بدار الحرب فيسترق فيعود إلى الملك.
هذا إذا كان معتقه كافرًا، فإن كان مسلمًا .. فالأصح: أنه لا يجوز استرقاقه.
قال: (وهو: جزء من ثمنه نسبته إليه نسبة ما نقص العيب من القيمة لو كان سليمًا) عبارة (المحرر) و (الشرح) و (الروضة) إلى تمامها: ولابد منه؛ لأن النسبة لابد لها من منسوب إليه وهي مذكورة هنا مرتين: فالأولى: كاملة، والثانية: ذكر فيها المنسوب فقط.
فقوله: (وهو) أي: الأرش (جزء من ثمنه) أي: من ثمن المبيع (نسبته إليه) أي: نسبة ذلك الجزء إلى الثمن (نسبة ما نقص العيب) أي: مثل نسبة ما نقصه
وَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ أَقَلِّ قِيَمِهِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ إِلَى الْقَبْضِ
العيب (لو كان سليمًا) أي: لو كان المبيع سليمًا.
مثاله: القيمة دون العيب مئة وبالعيب تسعون، فالناقص بالعيب العُشر، فينسب ذلك إلى الثمن ونوجب عشرة وهو الأرش، فإن كان الثمن مئتين .. كان الأرش عشرين، وإن كان خمسين .. كان خمسة.
وإنما كان الرجوع بجزء من الثمن، لأنه لو بقي كل المبيع عند البائع .. كان مضمونًا عليه بالثمن، فإن احتبس جزءًا منه .. كان مضمونًا عليه بجزء من الثمن، فالقيمة معيار لمعرفة نسبة الأرش من الثمن لا لانجبار عين ما نقص؛ فإنه قد يستغرق الثمن في بعض الصور.
قال: (والأصح: اعتبار أقل قيَمه من يوم البيع إلى القبض)؛ لأنه لو كان يوم البيع أكثر .. فما نقص مضمون على البائع، وإن كان أقل .. فما زاد على ملك المشتري فلا يدخل في التقويم.
والطريق الثاني في المسألة ثلاثة أقوال:
أصحها: هذا.
والثاني: أن الاعتبار بيوم العقد؛ لأن الثمن قد قابل المبيع يومئذ.
والثالث: بقيمة يوم القبض؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه فكان الصواب التعبير بالمذهب.
وقوله: (قيمه) يجوز أن يقرأ بالتنوين على أنه مفرد، وأن يقرأ بفتح الياء وترك التنوين على أنه جمع.
ولو أبرأ البائع المشتري من بعض الثمن .. فهل يكون الأرش منسوبًا إلى كل الثمن أو إلى الباقي؟ فيه وجهان.
وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ دُونَ الْمَبِيعِ .. رَدَّهُ وَأَخَذَ مِثْلَ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتَهُ.
وَلَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ إِلَى غَيْرِهِ .. فَلَا أَرْشَ فِي الأَصَحِّ،
قال: (ولو تلف الثمن دون المبيع .. رده) أي: رد المبيع لوجوده خاليًا من الموانع.
ولو كان الثمن باقيًا لكن امتنع نقله من شخص إلى شخص بإعتاق أو كتابة أو استيلاد، أو انتقل إلى آخر ببيع أو غيره، أو تعلق به حق لآخر كرهن وشفعة .. كان حكمه حكم التالف، ولو زال وعاد .. فكالباقي على الأصح.
قال: (وأخذ مثل الثمن أو قيمته) المراد: مثله إن كان مثليًا أو قيمته إن كان متقومًا؛ لأنه لو كان باقيًا .. استحقه، فإذا تلف .. ضمنه بذلك قياسًا على غيره، والمعتبر في القيمة: أقل ما كانت من يوم البيع إلى القبض.
هذا في الثمن المعين، أما المنقود عما في الذمة .. ففي تعينه بقبض المشتري وجهان: قال الشيخ: ينبغي أن يكون أصحهما: التعيين، ولم يفرقوا هنا بين أن ينقده في المجلس أو بعده، والأول أولى بالتعيين.
ولو اعتاض عن الثمن الذي في الذمة ثوبًا ثم رد المبيع .. فالأصح: أنه لا يرجع بالثوب بل بالثمن، وكذا لو تلف المبيع قبل قبضه .. رجع في الثمن دون الثوب على الأصح.
ولو أبرأه من جميعه .. جزم القاضي بجواز الرد؛ للتخلص من عهدة المبيع.
ولو وهب البائع المشتري الثمن .. فقيل: يمتنع الرد، وقيل: يرد ويطالب ببدل الثمن.
ولو تبرع أجنبي بالثمن فردت السلعة بعيب .. رد الثمن على المشتري في الأصح.
قال: (ولو علم العيب بعد زوال مكله إلى غيره .. فلا أرش في الأصح)؛ لعدم اليأس من الرد، وهذه العلة عليها الأكثرون، وعلله أبو إسحاق وابن الحداد
فَإِنْ عَادَ الْمِلْكُ .. فَلَهُ الرَّدُّ، وَقِيلَ: إِنْ عَادَ بِغَيْرِ الرَّدِّ بِعَيْبٍ .. فَلَا رَدَّ.
وَالرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ،
باستدراك الظُّلامة؛ فإنه بالبيع غَبَنَ كما غُبِنَ.
وخرجوا على العلتين إذا زال بلا عوض:
فعلى الأصح: لا أرش.
وعلى الثاني: يجب كما لو مات.
وقال بعض الأصحاب: إن وهبه من ولده .. فلا أرش قطعًا؛ لقدرته على ارتجاعه، والأصح: أنها كالهبة من غيره.
قال: (فإن عاد الملك .. فله الرد)؛ لزوال المانع.
قال: (وقيل: إن عاد بغير الرد بعيب .. فلا رد) قائل هذا هو المعلل باستدراك الظلامة بالبيع، فيقول هنا: ذلك الاستدراك قد زال فيما إذا عاد بالرد ولم يزل إذا عاد بغيره.
قال: (والرد على الفور)؛ لأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المالك فكان على الفور كالشفعة، فإذا أخره بلا عذر .. سقط.
واشتراط الفور محله في العقد على الأعيان، أما الواجب في الذمة ببيع أو سلم إذا قبضه فوجده معيبًا .. الأوجه: أنه لا يعتبر فيه الفور؛ لأنه ليس معقودًا عليه، وإنما يجب الفور فيما يؤدي رفعه إلى رفع العقد، فإن قال: لم أعلم أن لي الرد، فإن قرب إسلامه أو نشأ ببادية بعيدة .. قبل منه، وإلا .. فلا.
ولو قال: لم أعلم أنه على الفور .. قال الرافعي: يقبل، وقال الغزالي والمصنف: إنما يقبل هنا وفي الشفعة ممن يخفى عليه مثله.
فَلْيُبَادِرْ عَلَى الْعَادَةِ.
فَلَوْ عَلِمَ وَهُوَ يُصَلِّي أَوْ يَاكُلُ .. فَلَهُ تَاخِيرُهُ حَتَّى يَفْرُغَ، أَوْ لَيْلًا .. فَحَتَّى يُصْبِحَ.
فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ بِالْبَلَدِ .. رَدَّهُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ
وقال الشيخ: ينبغي أن يقبل ممن يخفى عليه ومن مجهول الحال، لكن يستثنى من ذلك العبد إذا أبق فإنما يرد بعد عوده كما تقدم، ولا أرش في الحال في الأصح، ولا يسقط رده بالتأخير قبل عوده.
قال: (فليبادر على العادة) فلا يكلف سرعة السير والركض والعدو، ولا في وقت لم تجر العادة فيه بمثل ذلك، فلو لقي البائع فسلم عليه .. لم يبطل رده على الصحيح، فإن أخذ في محادثته .. بطل.
قال: (فلو علم وهو يصلي أو يأكل .. فله تأخيره حتى يفرغ)؛ لأنه لا يعد بذلك مقصرًا، ولا فرق بين صلاة الفرض والنفل، ولا بين الشرب والأكل، وكذلك لو كان يقضي حاجة، أو يشتغل بأسباب المسير إلى الخروج ولبس الثياب، أو كان في الحمام كما سيأتي في (الشفعة) إن شاء الله تعالى.
قال: (أو ليلًا .. فحتى يصبح)؛ لعدم التقصير.
قال ابن الرفعة وغيره: هذا إذا لم يتمكن في الليل من الحاكم ولا الشهود، فإن تمكن .. فكالنهار، وينبغي الجزم به إذا جمعهما بيت أو مسجد أو نحو ذلك، ولم يتعرضوا هنا لكون المطر أو الوحل الشديدين ونحوهما من الأعذار، وقد تعرض المصنف في (باب الشفعة) للكلام على المبادرة أيضًا.
قال: (فإن كان البائع بالبلد .. رده عليه)؛ لأنه الأصل، سواء كان بائعًا عن نفسه أو عن غيره بوصاية أو ولاية، وكذا بوكالة، وله أن يرد على الموكل أيضًا إذا قلنا: إنه يطالب بالعهدة.
قال: (بنفسه أو وكيله)؛ لأنه قائم مقامه هذا إذا لم يحصل بالتوكيل تأخير.
أَوْ عَلَى وَكِيلِهِ، وَلَوْ تَرَكَهُ وَرَفَعَ الأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ .. فَهُوَ آكَدُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا .. رَفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ
قال: (أو على وكيله) إن كان له وكيل؛ لما قلناه.
قال: (ولو تركه ورفع الأمر إلى الحاكم .. فهو آكد)؛ لأن المالك ربما أحوجه إلى المرافعة كما قيل [من المتقارب]:
رأى الأمر يفضي إلى آخر .... فصير آخره أولا
ومعنى الرفع إلى الحاكم تقريبه منه، قال الجوهري وغيره.
وقال الغزالي: يبدأ بالبائع، فإن عجز .. أشهد، فإن عجز .. فالحاكم.
ومقتضى إطلاق المصنف والرافعي: أنه لا فرق في التخيير بين أن يكون الاطلاع بحضرة أحدهم أو في غيبة الجميع.
وقال ابن الرفعة: إذا علم بحضور أحدهم .. فالتأخير لغيره تقصير وهو ظاهر، ثم إذا أتى الحاكم .. لا يدعي: أن غريمه غائب عن المجلس وهو في البلد، وإنما يفسخ بحضرته ثم يطلب غريمه.
قال الشيخ: وإذا قلنا: إن القاضي لا يقضي بعلمه .. فأي فائدة لفسخه بحضرته مع غيبة غريمه؟ فلعل ما ذكروه مفرع على القضاء بالعلم.
قال: (وإن كان غائبًا .. رفع إلى الحاكم) هذا لا خلاف فيه، وإطلاق الرافعي وغيره الغيبة يشمل قليل المسافة وكثيرها، وتوقف فيه ابن الرفعة.
وكيفية الرفع إلى الحاكم: أن يدعي شراء ذلك الشيء من فلان الغائب بثمن معلوم وأنه أقبضه الثمن ثم ظهر العيب وفسخ البيع، ويقيم البينة على ذلك في وجه مسخر ينصبه القاضي [ويحلفه القاضي] مع البينة؛ لأنه قضاء على غائب، ثم يأخذ
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الإِشْهَادُ عَلَى الْفَسْخِ إِنْ أَمْكَنَهُ حَتَّى يُنْهِيَهُ إِلَى الْبَائِعِ أَوِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِشْهَادِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ التَّلَفُّظُ بِالْفَسْخِ فِي الأَصَحِّ.
وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الاِسْتِعْمَالِ، فَلَوِ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ أَوْ تَرَكَ عَلَى الدَّابَّةِ سَرْجَهَا أَوْ إِكَافَهَا .. بَطَلَ حَقُّهُ،
المبيع ويضعه عند عدل ويبقى الثمن دينًا على الغائب، فيقضيه القاضي من ماله، فإن لم يجد له سوى المبيع .. باعه فيه.
قال: (والأصح: أنه يلزمه الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم)؛ لأنه المقدور عليه.
والثاني: لا يلزمه لأنه إذا كان طالبًا للبائع أو الحاكم لا يعد مقصرًا.
والمراد بـ (الإشهاد): الإشهاد على طلب الفسخ كما اقتضاه كلام الرافعي في (الشفعة).
ومقتضى كلام الغزالي هنا: أنه على نفس الفسخ، قال: ويشهد اثنين، قال ابن الرفعة: وهذا على سبيل الاحتياط؛ لأن الواحد مع اليمين كاف، ثم إذا أشهد على الفسخ حتمًا أو ندبًا .. لم يحتج بعده إلى إتيان حاكم ولا بائع إلا للمطالبة، واختاره الشيخ، لكن قول المصنف: (حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم) يأبى ذلك، ويقتضي: أن وجوب الذهاب بحاله.
قال: (فإن عجز عن الإشهاد .. لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح)؛ لأن الكلام الذي يقصد به إعلام الغير يبعد إيجابه من غير سامع.
والثاني: يلزمه كما أن البيع لا يكون إلا بلفظ كذلك الفسخ، ونقله المتولي عن عامة الأصحاب، ويجريان في نظيره من الشفعة.
قال: (ويشترط ترك الاستعمال، فلو استخدم العبد أو ترك على الدابة سرجها أو إكافها .. بطل حقه)؛ لدلالة ذلك على الرضا.
وَيُعْذَرُ فِي رُكُوبِ جَمُوحٍ يَعْسُرُ سَوْقُها وَقَوْدُهَا
وقيل: إن كان يسيرًا كاسقني أو ناولني الثوب أو أغلق الباب .. فلا أثر له.
ولو خدمه العبد من غير أن يطلب ذلك منه لكنه سكت .. فيظهر: أن لا يبطل حقه، كما لا يحنث إذا حلف: لا يستخدمه.
وقيل: لا يضر كل انتفاع حتى وطء الثيب.
وقيل: كل انتفاع ما لم يدل على الرضا كلبس الثوب والوطء، واختاره الشيخ.
و (الإكاف): البرذعة.
وأما اللجام والعذار .. فيعذر في تركهما، وكذا السرج إذا كان يضرها قلعه، ومحل ذلك: ما إذا لم يشترهما معًا، فإن اشتراهما .. ردهما معًا، وللمشتري علفها وسقيها، فلو وقفها ليحلبها .. بطل حقه.
قال: (ويعذر في ركوب جموح يعسر سوقها وقودها)؛ للحاجة.
و (الجموح): التي ترَكب رأسَها فلا يردها اللجام.
وقيل: يعذر وإن لم يعسر.
هذا إذا ركبها للرد أو السقي، فإن ركبها استعمالًا .. بطل حقه على النص.
ولو علم العيب وهو راكب فاستدام .. فكابتداء الركوب.
ولو علم عيب الثوب وهو لابسه في الطريق .. لم يلزمه نزعه.
فروع:
مؤنة الرد على المشتري سواء تلفظ بالفسخ أم لا؛ لأن يده يد ضمان قبل الفسخ وبعده كما إذا فسخ بخيار الشرط والتحالف والفلس .. فمؤنة الرد في الجميع عليه،
وَإِذَا سَقَطَ رَدُّهُ بِتَقْصِيرٍ .. فَلَا أَرْشَ.
وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ .. سَقَطَ الرَّدُّ قَهْرًا،
هذا هو المعروف المجزوم به.
وفي (شرح المهذب) للعراقي: أنها بعد الفسخ على البائع؛ لأنه عاد إلى ملكه، وهو غريب.
وينبغي أن يقال: إن كان البائع عالمًا بالعيب وأخفاه .. فمؤنة الرد عليه، وإلا .. فعلى المشتري.
ومؤنة رد المرهون على الراهن، ومؤنة تسليم الموصى به إلى الموصى له، على الموصى له ومؤنة رد العين المستأجرة بعد المدة فيه خلاف يأتي.
والصداق بعد التشطير أو الفسخ على الزوج؛ لأنه أمانة في يدها، هكذا قاله القاضي، والأصح: أنه مضمون عليها، ثم المراد بالرد: الرد إلى موضع التسليم.
ولو تراضيا على الرد بعوض .. لم يصح في الأصح، ولا يسقط به حق الرد على الأصح.
ولو اختلفا في الثمن بعد الرد .. فالصحيح: أن القول قول البائع بيمينه.
ولو أبق قبل القبض فأجاز المشتري البيع ثم أراد الفسخ .. فله ذلك ما لم يعد إليه، ذكره الرافعي في آخر (الإجارة).
قال: (وإذا سقط رده بتقصير .. فلا أرش)؛ لأنه إنما يعدل إليه للضرورة وهذا مقصر.
قال: (ولو حدث عنده عيب .. سقط الرد قهرًا) أي: القهري؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.
نعم؛ إذا كان العيب هو التزويج فقال الزوج: إن ردك المشتري بعيب فأنت طالق وكان ذلك قبل الدخول .. فله الرد لزوال المانع، ولو كان التزويج من البائع .. فكان كتعليق الطلاق على الرد، ولو لم يعلم بالعيب القديم حتى زال الحادث .. فله الرد في
ثُمَّ إِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ .. رَدَّهُ الْمُشْتَرِي أَوْ قَنِعَ بِهِ، وَإِلَّا .. فَلْيَضُمَّ الْمُشْتَري أَرْشَ الْحَادِثِ إِلَى الْمَبِيعِ وَيَرُدَّ، أَو يَغْرَمَ الْبَائِعُ أَرْشَ الْقَدِيمِ وَلَا يَرُدَّ.
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَحَدِهِمَا .. فَذَاكَ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: إِجَابَةُ مَنْ طَلَبَ الإِمْسَاكَ
الأصح وكأنه لم يكن، ولو زال الحادث بعد أخذ أرش القديم .. فلا فسخ على المذهب، ولو زال القديم قبل أخذ الأرش .. لم يأخذه في الأصح، وبه جزم الشيخان، ولو زال بعد أخذه .. رده على المذهب.
واحترز بقوله: (عنده) عما لو حدث قبل القبض؛ فإنه لا يمنع الرد القهري.
قال: (ثم إن رضي به البائع .. رده المشتري أو قنع به) أي: بلا أرش؛ لأن المانع من الرد وهو ضرر البائع قد زال برضاه فصار كما لو لم يحدث فيه عيب.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يرض به البائع معيبًا (.. فليضم المشتري أرش الحادث إلى المبيع ويرد، أو يغرم البائع أرش القديم ولا يرد)؛ لأن كلًا من الأمرين فيه رعاية الجانبين وجمع بين المصلحتين.
قال: (فإن اتفقا على أحدهما .. فذاك)؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
قال: (وإلا .. فالأصح: إجابة من طلب الإمساك) سواء كان بائعًا أو مشتريًا؛ لما فيه من تقرير العقد وهو في هذه الحالة من طلب الرجوع بأرش العيب القديم.
والثاني: يجاب البائع مطلقًا.
والثالث: يجاب المشتري مطلقًا.
فروع:
الأول: اشترى حليًا بجنسه ثم اطلع على عيب قديم .. فالأصح: يفسخ البيع ويرد الحلي مع أرش النقص الحادث ولا يلزم الربا؛ لأن المقابلة بين الحلي والثمن وهما متماثلان.
الثاني: أنعل الدابة ثم علم بها عيبًا قديمًا، فإن لم يعيبها نزعُ النعل .. فله نزعه والرد، فإن لم ينزع .. لم يجب على البائع قبول النعل، وإن كان النزع يعيب الحافر
وَيَجِبُ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى الْفَوْرِ بِالْحَادِثِ لِيَخْتَارَ.
فَإِنْ أَخَّرَ إِعْلَامَهُ بِلَا عُذْرٍ .. فَلَا رَدَّ وَلَا أَرْشَ.
وَلَوْ حَدَثَ عَيْبٌ لَا يُعْرَفُ الْقَدِيمُ إِلَّا بِهِ كَكَسْرِ بَيْضٍ.
فنزع .. بطل حقه من الرد والأرش، وإن ردها مع النعل .. أجبر البائع على القبول وليس للمشتري طلب قيمة النعل، والأصح: أن ترك النعل إعراض، فإذا سقط .. أخذه المشتري.
الثالث: كان الحادث صبغ الثوب وزادت به القيمة، فأراد البائع إعطاء الأرش، وأراد المشتري رد الثوب وأخذ قيمة الصبغ أو عكسه .. فالمجاب البائع على الأصح، وكذلك حكم القصارة إن جعلناها عينًا، وإلا .. فيرد الثوب ولا شيء له كالزيادة المتصلة.
قال: (ويجب أن يعلم المشتري البائع على الفور بالحادث ليختار) أي: هل يقبله بلا أرش أو لا؟
قال: (فإن أخر إعلامه بلا عذر .. فلا رد ولا أرش)؛ لتقصيره بترك الواجب، اللهم إلا أن يكون الحادث قريب الزوال غالبًا كالرمد والحمى .. فلا يعتبر الفور على أحد القولين، بل له انتظار زواله، ليرده سليمًا عن العيب الحادث، ولم يفرقوا هنا بين مدعي الجهل بفورية الإعلام بالعيب الحادث أم لا، وينبغي أن لا يصدق في ذلك، إلا أن يكون ممن يخفي عليه مثله، ولو علم العيب بعد رهنه .. فلا رد في الحال.
وأما الأرش، فإن عللنا باليأس .. لم يرجع به، وإلا .. رجع.
والإجارة كالرهن إن لم نجوز بيع المستأجر، فإن جوزناه .. فكعيب يرجى زواله.
قال: (ولو حدث عيب لا يعرف القديم إلا به ككسر بيض) أي: بيض النعام؛ لأن غيره لا قيمة له بعد الكسر فلا يتأتى فيه الأرش.
وَرَانِجٍ، وَتَقْويرِ بِطِّيخٍ مُدَوِّدٍ .. رَدَّ وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ.
فَإِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْقَدِيمِ بِأَقَلَّ مِمَّا أَحْدَثَهُ .. فَكَسَائِرِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ
قال: (ورانج) هو: الجوز الهندي، وهو بكسر النون، وهو الشجرة الطيبة في القرآن، وقيل: هي النخلة.
قال: (وتقوير بطيخ مدود .. رد ولا أرش عليه في الأظهر)؛ لأن البائع سلطه على كسره وهو معذور في تعاطي ذلك لاستكشاف العيب.
والثاني: يرده ويرد معه الأرش رعاية للجانبين.
والثالث: لا يرد أصلًا كسائر العيوب الحادثة.
والبطيخ الأجود فيه كسر الباء، وحكي فتحها، وطبيخ بتقديم الطاء على الباء، وهو: ما عدا الأخضر.
ومدوِّد ومسوِّس حيث ورد بكسر الواو.
قال: (فإن أمكن معرفة القديم بأقل مما أحدثه .. فكسائر العيوب الحادثة)؛ لعدم احتياجه إلى ذلك، ومثله في (المحرر) بما إذا قور البطيخ الحامض وكان يمكنه الوقوف على حاله بغرز شيء فيه، وفيه وجه؛ لعسر التمييز، وكذلك لو اشترط في الرمان الحلاوة فبان حامضًا بالغرز .. رد لا بالشق.
تتمة:
اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع فخرج دونها أو فوقها .. ففي الصحة قولان: أظهرهما: يصح وللمشتري عند النقص الخيار، فإن أجاز .. فبالقسط أو بالكل؟ فيه قولان: أظهرهما: الثاني، وللبائع الخيار على قول الصحة في حال الزيادة على الأصح، فإن أجاز .. فالجميع للمشتري.
فَرْعٌ:
اشْتَرَى عَبْدَيْنِ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً .. رَدَّهُمَا، وَلَوْ ظَهَرَ عَيْبُ أَحَدِهِمَا .. رَدَّهُمَا لَا الْمَعِيبَ وَحْدَهُ فِي الأَظْهَرِ.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَ رَجُلَيْنِ مَعِيبًا .. فَلَهُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلَوِ اشْتَرَيَاهُ .. فَلِأَحَدِهِمَا الرَّدُّ فِي الأَظْهَرِ
قال: (فرع:
اشترى عبدين معيبين صفقة .. ردهما) بالاتفاق كالعين الواحدة، فلو أراد إفراد أحدهما بالرد .. ففيه القولان الآتيان فيما إذا كان العيب بأحدهما.
قال: (ولو ظهر عيب أحدهما .. ردهما)؛ لأنهما صفقة واحدة.
قال: (لا المعيب وحده في الأظهر)؛ لما فيه من تفريق الصفقة على البائع من غير ضرورة.
والثاني: له ذلك؛ لاختصاصه بالعيب.
وعلى هذا: يسترجع قسطه من الثمن قطعًا؛ لأنه إن استرجع الجميع .. بقي الباقي في يده بلا مقابل، وإن لم يسترجع شيئًا .. فلا فائدة في الرد.
وقال ابن الرفعة: قد تكون فائدته التخلص من عهدته.
وأفاد المصنف بتصوير المسألة بالعبدين: أن المبيع لو كان شيئًا واحدًا كدار أو عبد وأراد رد بعضه .. لم يكن له ذلك، اللهم إلا أن يكون باع البعض من البائع .. فله رده عليه كما صرح به القاضي حسين.
قال: (ولو اشترى عبد رجلين معيبًا .. فله رد نصيب أحدهما)؛ لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع.
هذا إذا اشتراه منهما، فإن اشتراه من وكيلهما .. جاء الخلاف في أن العبرة بالوكيل أو الموكل.
قال: (ولو اشترياه .. فلأحدهما الرد في الأظهر) وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، ومنه أخذ: أن الصفقة تتعدد بتعدد المشتري وهو الأصح، وكان
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ .. صُدِّقَ الْبَائِعُ
الأحسن أن يقول: في الجديد؛ لأن الثاني وجه قديم مرجوع عنه، وبه قال أبو حنيفة: إنه ليس له الانفراد بالرد، ومنه أخذ وجه: أن الصفقة متحدة.
والمراد: إذا اشترى اثنان عبدًا من رجل، وهي مسألة (المحرر).
لكن عبارته تقتضي شراء اثنين عبدًا من اثنين حتى يكون في معنى أربعة عقود، فيكون كل منهما مشتريًا ربعًا من هذا وربعًا من هذا حتى يرد على من شاء منهما الربع أو النصف؛ لأن ضمير (اشترياه) يعود على عبد رجلين، وهي مسألة صحيحة لم يردها.
وبالجملة: للواحد الرد؛ لأنه يرد جميع ما يملك.
والثاني ليس له الرد؛ بناء على أنها لا تتعدد بتعدد المشتري.
قال: (ولو اختلفا في قدم العيب .. صدق البائع)؛ لأن الأصل لزوم العقد وعدم المقتضي للرد، أما إذا قطعنا بما ادعاه أحدهما .. فهو المصدق، ولا يخفى أن هذا في عيب يمكن حدوثه كالعمى، فإن كان مما لا يمكن، كإصبع زائدة، وشين الشجة المندملة، وقد جرى البيع أمس .. فإن القول قول المشتري، وإن لم يحتمل تقدمه كجراحة طرية وقد جرى البيع والقبض من سنة .. فالقول قول البائع من غير يمين.
وصورة مسألة الكتاب: أن يدعي البائع حدوث هذا العيب فلا رد ويدعي المشتري قِدَمه ليرد.
فلو عكسا، وذلك يظهر في صورة البيع بشرط البراءة فيدعي المشتري الحدوث قبل القبض ليرد به؛ فإنه لا يبرأ منه، ويدعي البائع قِدَمه .. فالظاهر: تصديق البائع أيضًا، وقيل: المشتري.
فرع:
ادعى المشتري وجود عيبين في يد البائع فاعترف بأحدهما وادعة حدوث الآخر في يد المشتري .. فالقول قول المشتري؛ لأن الرد يثبت بإقرار البائع بأحدهما فلا يبطل
بِيَمِينِهِ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ.
وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ كَالسِّمَنِ تَتْبَعُ الأَصْلَ، وَالْمُنْفَصِلَةُ كَالْوَلَدِ وَالأُجْرَةِ لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ،
بالشك، قاله ابن القطان في (المطارحات)، وهو كذلك في (شرح الوسيط) لابن الأستاذ أيضًا، وحكى أن الشافعي رضي الله عنه أجاب فيها كذلك، ثم قال: وهو ظاهر متجه.
قال: (بيمينه)؛ لاحتمال صدق المشتري.
قال: (على حسب جوابه) فإن أجاب بـ (لا رد لك بهذا) أو (لا يلزمني) .. حلف كذلك، وإن أجاب بـ (ما بعته إلا سليمًا) أو (ما أقبضته إلا سليمًا) .. حلف كذلك، وتكون يمينه على البت إذا اعتبر العبد وعلم خفايا أمره، أو اعتمد على أن الظاهر السلامة.
و (حَسَب) معناه: المثل، وهو بفتح السين، وتسكن في الشِّعر.
قال: (والزيادة المتصلة كالسمن تتبع الأصل)؛ لعدم إمكان إفرادها سواء كان ذلك في الثمن أو المثمن، وتعلم الحرفة كالسمن.
والكلام هنا في الزيادة المحضة، فلو كان غزلًا فنسجه ثم رأى به عيبًا قديمًا .. فله الأرش، فإن رضي البائع بعيبه .. فقولان:
أحدهما: يخير المشتري بين رده منسوجًا ولا أجرة له وبين إمساكه معيبًا؛ لأن النسج أثر لا عين.
والثاني –وصححه الروياني-: يخير البائع بين بذل أجرة النسج وأخذه أو غرامة الأرش؛ لأن النسج عمل يقابل بعوض.
قال: (والمنفصلة كالولد والأجرة لا تمنع الرد) عملًا بمقتضى العيب، وخالف أبو حنيفة في الولد ونحوه كالثمرة ووافقنا في الأجرة، فذكرهما المصنف ليقاس أحدهما على الآخر، ولينص على: أنه لا فرق بين ما هو من نفس المبيع وغيره.
وَهِيَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ رَدَّ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ بَاعَهَا حَامِلًا فَانْفَصَلَ .. رَدَّهُ مَعَهَا فِي الأَظْهَرِ
قال: (وهي للمشتري إن رد بعد القبض)؛ لما روى أبو داوود والترمذي والحاكم وابن حبان بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلًا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله؛ قد استعمل غلامي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان) قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم.
فمعنى الحديث: أن ما يخرج من المبيع من فائدة وغلة تكون للمشتري في مقابلة أنه لو تلف .. لكان من ضمانه.
وخالف في ذلك مالك فقال: يرد الزيادة التي من جنس الأصل مع الأصل كالولد، بخلاف الكسب.
ولا خلاف عندنا: أن الزوائد لا ترد في هذه الحالة.
قال: (وكذا قبله في الأصح) تفريع على أن الفسخ يرفع العقد من حينه وهو الصحيح؛ لأنه لو أعتق الجارية التي اشتراها بعبد ثم رد العبد .. لم يبطل العتق.
والثاني: أنها للبائع بناء على أنه رفع له من أصله؛ لأن الملك قبل القبض ضعيف، أما الإقالة .. فترفع العقد من حينه بلا خلاف.
قال: (ولو باعها حاملًا فانفصل .. رده معها في الأظهر) بناء على أن الحمل يعلم ويقابله قسط من الثمن.
والثاني: لا بناء على مقابله.
ومحل ما ذكره المصنف: إذا لم ينقصها الوضع، فإن نقصها .. فأطلق الرافعي امتناع ردها.
ولو اشترى جارية أو بهيمة حائلًا فحملت عنده ثم اطلع على عيب، فإن نقصت بالحمل .. فلا رد، وإن لم تنقص .. فله الرد.
وَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ الاِسْتِخْدَامُ وَوَطْءُ الثَّيِّبِ.
وَافْتِضَاضُ الْبِكْرِ بَعْدَ الْقَبْضِ نَقْصٌ حَدَثَ، وَقَبْلَهُ جِنَابَةٌ عَلَى الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ
وأما الولد .. فصحح الشيخان هنا أنه يبقى للمشتري يأخذه إذا انفصل، وصححا في (باب الفلس): أنه تابع للأم، وصوبه في (المهمات).
أما إذا ولدت الأمة عنده ثم علم العيب قبل سن التفريق وتمكن من الرد .. فالأصح: أنه لا يرد الأم دون الولد؛ لما فيه من التفريق، كذا جزم به الجرجاني، ويشهد له ما سيأتي في (الرهن) من: أنهما يباعان معًا ولا يفرق.
قال: (ولا يمنع الرد الاستخدام) بالإجماع.
قال: (ووطء الثيب) قياسًا عليه، وخالف فيه أبو حنيفة، ومراد المصنف: وطء المشتري أو الزوج إذا كانت مزوجة، أما وطء غيره إذا كانت زانية .. فإنه عيب حادث.
وشملت عبارته: ما إذا عرف عيب الجارية التي اشتراها من أبيه أو ابنه بعد وطئها وهي ثيب .. فإن ذلك لا يمنعه من الرد وإن حرمت على البائع، وكذلك لو كانت الجارية رضيعة فأرضعتها أم البائع أو ابنته في يد المشتري ثم عرف بها عيبًا .. فله ردها عليه.
قال: (وافتضاض البكر بعد القبض نقص حدث) فيكون مانعًا للرد كسائر العيوب الحادثة، ولا فرق بين أن يكون بوطء البائع أو المشتري أو أجنبي بآلة الافتضاض أو غيرها.
قال: (وقبله جناية على المبيع قبل القبض) فيفرق بين الأجنبي والبائع والمشتري والآفة السماوية.
تتمة:
من علم بالسلعة عيبًا .. لم يحل له أن يبيعها حتى يبينه، وإن علم غير البائع بالعيب .. لزمه أيضًا أن يبينه لمن يشتريه، وشذ المحاملي والجرجاني فقالا: إن ذلك مستحب.
فَصْلٌ:
التَّصْرِيَةُ حَرَامٌ تُثْبِتُ الْخِيَارَ
قال الشيخ: وهذا لا أعلم أحدًا ممن له علم قال به، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده، وكلام جميع الأصحاب مصرح بخلافه سواء كان المشتري مسلمًا أو ذميًا.
وظابط ما يحرم كتمانه: ما يثبت به الخيار، وما لا .. فلا كذكر القيمة، قاله الإمام، فإن باع ولم يبينها .. صح البيع.
قال: (
فصل
:
التصرية حرام) (التصرية): الجمع، قال: صرى الماء في الحوض تصرية: إذا جمعه.
و (المصراة): البهيمة التي تربط أخلافها ليجتمع لبن كثير فيتوهم أن عادتها كذلك، وهذا الفعل حرام؛ للتدليس، وكذلك البيع.
قال صلى الله عليه وسلم: (بيع المحفلات خلابة ولا تحل خلابة مسلم) ذكره عبد الحق.
وإطلاق المصنف يقتضي: أنه لا فرق بين أن يقصد البيع أم لا، وهو كذلك، كما صرح به المتولي، وعلله بإضراره بالحيوان.
قال: (تُثبت الخيار)؛ لما روى الشيخان [خ2148 - م1515/ 11] عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك .. فهو بخير النظرين: إن رضيها .. أمسكها، وإن سخطها .. ردها وصاعًا من تمر).
ووافقنا على ثبوت الخيار بذلك مالك وأحمد، وخالف أبو حنيفة فقال: لا خيار بها، وتأوَّل الحديث.
عَلَى الْفَوْرِ، وَقِيلَ: يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
فَإِنْ رَدَّ بَعْدَ تَلَفِ اللَّبَنِ .. رَدَّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ،
قال: (على الفور) كالرد بالعيب، فلو ترك الحلب ناسيًا أو لشغل أو تحفلت بنفسها .. ففي ثبوت الخيار وجهان في (الشرح) و (الروضة): المذكور منهما في (الحاوي الصغير): أنه لا يثبت.
قال: (وقيل: يمتد ثلاثة أيام)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وهو بالخيار ثلاثة أيام) رواه مسلم، وهذا الذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه صريحًا، وقال به أكثر الأصحاب، واختاره الشيخ، وهو الحق.
وقال الشيخ تقي الدين القشيري: إنه الصواب.
ثم هل ابتداؤها من العقد أو التفرق؟ فيه الوجهان في خيار الشرط.
ومقتضى هذا: أنها من العقد على الأصح.
وقال ابن المنذر: ابتداؤها من الحلب.
ثم في علة هذا الخيار وجهان:
أحدهما: تدليس البائع.
والثاني: ضرر المشتري لإخلاف ما ظنه.
ويظهر أثرهما فيما لو تحفلت بنفسها.
وشملت عبارة المصنف: ما إذا اشترى مصراة ثم در اللبن على ما أشعرت التصرية به عليه واستمر، وفي الرد بذلك وجهان: أصحهما: نعم، وجزم به البغوي، وهما مأخوذان من القولين في الأمة إذا عتقت تحت عبد ولم تعلم حتى عتق، وشبيهان بالوجهين فيما إذا اشترى معيبًا ولم يعلم بالعيب حتى زال.
قال: (فإن رد بعد تلف اللبن .. رد معها صاع تمر)؛ للحديث، لكن يستثنى من هذا: ما إذا تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره، أو على رد اللبن المحلوب عند
وَقِيلَ: يَكْفِي صَاعُ قُوتٍ
بقائه؛ فإنه يجوز بلا خلاف كما قاله البغوي وغيره، خلافًا لابن المنذر؛ فإنه منع إبدال التمر باللبن؛ لأنه بيع ذلك الطعام قبل قبضه، وذكر ابن كَج وجهين في جواز إبدال التمر باللبن إذا تراضيا.
والواجب في التمر: أن يكون من التمر الوسط، فإن فقد .. فقيمته، قيل: بالمدينة، وقيل: بأقرب بلد إليه.
وشملت عبارته: ما إذا اشتراها بصاع من التمر؛ فإنه يردها ويرد معها صاعًا من تمر، وليس ذلك ربًا، لأن هذا فسخ، لكن سوء تدبير، ولذلك قال الشيخ: إنه لا يمتنع.
تنبيه:
تبع المصنف في التقييد بـ (تلف اللبن) (المحرر)، وفي ذلك نظر؛ فإنه وإن كان موجودًا فله إمساكه ورد الصاع، وليس للبائع إجباره على رده؛ لأن ما حدث منه بعد البيع ملكه ولا يتميز، وليس للمشتري رده على البائع قهرًا في الأصح؛ لذهاب طراوته، أما إذا حمض .. فكالتالف.
فرع:
إذا تعددت الشياه المصراة .. لا نقل فيها عند أصحابنا، لكن نقل ابن قدامة الحنبلي عن نص الشافعي تعدد الصاع بعددها، وهو منقاس، وفيه عند المالكية خلاف، وإلى عدم التعدد ذهب ابن حزم، وزعم ابن الرفعة: أنه ظاهر الحديث، وإليه مال أبو عمر بن عبد البر.
قال: (وقيل: يكفي صاع قوت) ولو وجد التمر؛ لأنه ورد صاع تمر أو صاع قوت أو صاع من طعام.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الصَّاعَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَأَنَّ خِيَارَهَا لَا يَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَاكُولٍ وَالْجَارِيَةَ وَالأَتَانَ، وَلَا يَرُدُّ مَعَهُمَا شَيْئًا، وَفِي الْجَارِيَةِ وَجُهٌ.
فعلى هذا: يعتبر غالب قوت البلد كالفطرة، فيتخير الراد بينها.
قال الإمام: لا يتعدى إلى الأقط، بخلاف صدقة الفطر.
قال: (والأصح: أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن)؛ لإطلاق الخبر وقطعًا للنزاع.
والثاني: يتقيد بقدره؛ لما روى أبو داوود [3439]: (ومثل أو مثلي لبنها قمحًا).
وعلى هذا: فقد يزيد الواجب على الصاع وقد ينقص؛ لأنه سوى بين الإبل والبقر والغنم في ذلك مع اختلاف ألبانها.
قال: (وأن خيارها لا يختص بالنعم بل يعم كل مأكول والجارية والأتان)؛ لأن في رواية أبي داوود: (من اشترى محفلة).
والثاني: يختص بالنعم؛ لأن ما عداها لا يقصد لبنه إلا نادرًا.
و (الأتان) بالتاء المثناة: الأنثى من الحمر الأهلية، ولا يقال: أتانة، والجمع: أُتُنٌ وأُتْنٌ.
قال: (ولا يرد معهما شيئًا)؛ لأن لبنها لا يقابل بالأعواض غالبًا، ولأن لبن الأتان نجس.
قال: (وفي الجارية وجه): أنه يرد معها صاع تمر لطهارته والانتفاع به، ومفهوم كلامه: أن الوجه لا يجري في الأتان، وطرده الإصطخري فيها، وهو تفريع منه على رأيه في أن لبن الأتان طاهر يحل أكله وشربه، وأما غير المصراة إذا حلبها ثم ردها بعيب .. فلا يرد معها شيئًا، قال الشافعي رضي الله عنه في مناظرة محمد بن الحسن.
وَحَبْسُ مَاءِ الْقَنَاةِ وَالرَّحَى الْمُرْسَلِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَتَحْمِيرُ الْوَجْهِ، وَتَسْوِيدُ الشَّعْرِ وَتَجْعِيدُهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، لَا لَطْخُ ثَوْبِهِ تَخْيِيلًا لِكِتَابَتِهِ فِي الأَصَحِّ
قال: (وحبس ماء القناة والرحى المرسل عند البيع، وتحمير الوجه، وتسويد الشعر وتجعيده يثبت الخيار)؛ قياسًا على التصرية؛ لأن في ذلك غشًا وخديعة، ولابد أن يكون ذلك بحيث لا يظهر لغالب الناس أنه مصبوغ حتى لا ينسب المشتري إلى تقصير، وأن يكون بفعل البائع أو غيره بإذنه، فإن حصل بلا صنع .. فكما لو تحفلت بنفسها.
والمراد: التجعيد المحبوب لا المفلفل كشعر السودان؛ لأن الجعودة تدل على قوة البدن والسبوطة على ضعفه.
قال: (لا لطخ ثوبه تخييلًا لكتابته في الأصح)؛ لتقصير المشتري بعدم الامتحان أو السؤال عنه.
والثاني: نعم؛ للتلبيس.
تتمة:
الخلاف جار فيما إذا ألبسه ثوب الكتبة أو ثياب الخبازين وغيرهم من الصنائع، وفي علف الدابة حتى ينتفخ بطنها فتظن حاملًا، وفي إرسال الزنبور على ضرعها فتظن لبونًا، فلو كان على ثوبه لطخة مداد .. لم يثبت الخيار بذلك قطعًا.
خاتمة
اشترى شاة وشرط أنها تحلب كل يوم خمسة أرطال مثلًا .. فوجهان في (المهذب) و (العدة) و (البحر):
أصحهما –وبه جزم الرافعي في (باب المناهي) _: البطلان.
والثاني: يصح، فإذا أخلف .. ثبت الخيار.
باب
ٌ
الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ.
فَإِنْ تَلِفَ .. انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ،
باب
قال: (المبيع قبل قبضه من ضمان البائع)؛ لبقاء سلطنته عليه، فينفسخ بتلفه ويثبت الخيار بتعيبه، ولا يكون من ضمان المشتري؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن، رواه الحاكم [2/ 17] والأربعة وابن حبان [4321].
وقال مالك وأحمد وأبو ثور وابن المنذر: إنه من ضمان المشتري؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان) وقد تقدم قريبًا: أنه حسن.
وجوابه: أن (الألف واللام) في الخراج للعهد، وهو خراج المردود بعيب.
لكن يستثنى: ما إذا اشترى أمة فوطئها أبو المشتري قبل القبض وأحبلها ثم ماتت .. فإنها تتلف من ضمان المشتري؛ لأنها بالعلوق يقدر انتقالها إلى ملك الأب.
وإذا اشترى السيد من مكاتبه شيئًا ثم عجَّز نفسه قبل قبض السيد العين المبيعة.
وإذا اشترى الوارث من مورثه عينًا ثم مات المورث قبل القبض.
ثم إطلاق المصنف: أن الضمان على البائع يشمل: ما إذا عرضه عليه فامتنع من قبوله، وهو الذي قاله الرافعي في أوائل (الصداق)، لكن لو وضعه بين يديه عند امتناعه .. برئ من ضمانه على الصحيح كما سيأتي.
قال: (فإن تلف) أي: بآفة سماوية (.. انفسخ البيع وسقط الثمن)؛ لأنه قبض مستحق بالبيع، فإذا تعذر .. انفسخ البيع كما إذا تفرقا في عقد الصرف قبل التقابض.
ولو كان الثمن دينًا على البائع .. ففي عوده عليه وجهان: أصحهما: العود، كذا قاله الرافعي في (كتاب الأضحية).
وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي عَنِ الضَّمَانِ .. لَمْ يَبْرَا فِي الأَظْهَرِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ.
وَإِتْلَافُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ إِنْ عَلِمَ،
والمراد بـ (الانفساخ): عود ملكه إلى البائع قبيله، وقيل: يرتفع من أصله وينبني عليهما الزوائد الحادثة من المبيع في يد البائع كالولد والبيض واللبن والكسب، والأصح: أنها للمشتري وتكون أمانة في يد البائع.
وفي معنى الزوائد: ما وهب من العبد فقبله وقبضه، وما صار إليه بوصية، وكذلك الحكم في مؤنة تجهيز العبد إذا مات.
ويقوم مقام التلف وقوع الجوهرة في البحر، وانفلات الطير والصيد المتوحش.
ولو غصب المبيع أو ضاع أو أبق أو جحده البائع .. ثبت الخيار.
وانقلاب العصير خمرًا كالتلف على الصحيح.
ولو أدعى البائع تلف المبيع عنده .. قبل قوله على الصحيح.
قال: (ولو أبرأه المشتري عن الضمان .. لم يبرأ في الأظهر ولم يتغير الحكم)؛ لأنه إبراء عما لم يجب.
والثاني: يبرأ لوجود السبب، فصار كما لو أبرأ الغاصب عن ضمان الغصب وسيأتي في (الرهن).
قال الشيخ: والذي أقطع به: أنه لو جرى مثل ذلك في الصرف .. لم يسقط اشتراط التقابض؛ فإنه لحق الله تعالى، ولتحقق عدم الربا، فلا يتمكن العاقدان من إسقاطه.
فقوله: (ولم يتغير الحكم) لا فائدة له مع قوله: (لم يبرأ)، لكن أتى به على جهة التأكيد.
قال: (وإتلاف المشتري قبض إن علم) أي: إن علم أنه المبيع، كما لو أتلف المالك المغصوب في يد الغاصب، وقيل: ينفسخ البيع.
هذا في الإتلاف بغير العتق، أما بالإعتاق .. فسيأتي.
لكن يستثنى منه: ما لو قتله لصياله عليه، فالأصح: أنه ليس قبضًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما إذا ارتد وكان المشتري الإمام فقتله بردته، فلو كان المشتري غيره .. كان قتله قبضًا.
والقياس في تارك الصلاة وقاطع الطريق والزاني المحصن: أن يكون كالمرتد، ويتصور في الكافر إذا زنا ثم لحق بدار الحرب فاسترق.
فروع:
أتلف المشتري بعض المبيع في يد البائع .. جعل كالقابض له إن كان مما يتقسط الثمن عليه كأحد العبدين.
ولو قطع يد العبد ثم مات عند البائع بآفة سماوية .. فالأصح: أنه يلزم المشتري جزء من الثمن بنسبة ما نقص من قيمته.
ولو أتلف المشتري والبائع المبيع .. لزم البيع في نصفه المقابل لجناية المشتري، وأما النصف الآخر .. فيعلم حكمه من جناية البائع.
وإتلاف بهيمة المشتري إن كان معها كإتلافه، وإن لم يكن معها؛ فإن كان بالنهار .. انفسخ البيع؛ لتفريط البائع، وإن كان بالليل .. ثبت الخيار؛ لتفريط المشتري، فإن فسخ .. طالبه بالقيمة.
وإتلاف بهيمة البائع كالآفة، هكذا قاله القفال، قيل له: هلا فرق فيها بين الليل والنهار؟ قال: هذا موضع التروي؛ يعني: تروي الفقيه في طلب الفرق.
وَإِلَّا .. فَقَوْلَانِ كَأَكْلِ الْمَالِكِ طَعَامَهُ الْمَغْصُوبَ ضَيْفًا.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ إِتْلَافَ الْبَائِعِ كَتَلَفِهِ
وإتلاف الأعجمي والصبي الذي لا يميز بأمر المشتري أو البائع كإتلافهما، وإتلاف المميز بأمرهما كإتلاف الأجنبي.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يعلم (.. فقولان كأكل المالك طعامه المغصوب ضيفًا) هما في المغصوب قولان: أصحهما: يبرأ لمباشرة المالك الإتلاف، وهنا وجهان: ومقتضى البناء: مصيره قابضًا في الأصح.
وعلى الثاني: يكون كما لو أتلفه البائع إن كان البائع هو المقدم له، وإن كان أجنبيًا بغير إذن البائع .. فينبغي أن يكون كإتلاف الأجنبي، وإن لم يكن بتقديم أحد .. فينبغي أن يكون كالآفة.
فرع:
لو وطئها المشتري لم يصر قابضًا لها، بدليل: أنه لو زنى بجارية إنسان .. لم يصر غاصبًا لها، فهو بمنزلة الاستخدام، ثم إن تم العقد .. فذاك، وإن انفسخ بأن ماتت قبل القبض .. فلا مهر على المشتري.
قال: (والمذهب: أن إتلاف البائع كتلفه) أي: بآفة سماوية حتى ينفسخ البيع؛ لأنه لا يمكن الرجوع عليه بالقيمة؛ لأن المبيع مضمون عليه بالثمن، بخلاف الأجنبي؛ فإنه إذا أتلفه .. سقط الثمن، وصحح الرافعي في كتبه كلها ما صححه المصنف، إلا في (الشرح الصغير)؛ فإنه صحح عدم الانفساخ.
والطريق الثاني: القطع بالانفساخ.
والثالثة: القطع بعدمه.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّ إِتْلَافَ الأَجْنَبِيِّ لَا يَفْسَخُ، بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ وَيُغَرِّمَ الأَجْنَبِيَّ، أَوْ يَفْسَخَ فَيُغَرِّمَ الْبَائِعُ الأَجْنَبِيَّ.
وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَرَضِيَهُ .. أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ.
وَلَوْ عَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي .. فَلَا خِيَارَ، أَوِ الأَجْنَبِيُّ .. فَالْخِيَارُ،
وإذا قلنا: لا ينفسخ .. تخير المشتري؛ لفوات العين.
قال: (والأظهر: أن إتلاف الأجنبي لا يفسخ)؛ لقيام القيمة مقام البيع.
والثاني: ينفسخ البيع؛ لتعذر التسليم، لأن المعقود عليه قد فات، وصححه القاضي أبو الطيب، وقال المتولي: إنه ظاهر المذهب.
وكان الأحسن حذف (الأظهر) وعطفه على (المذهب)؛ فإن فيه طريقة قاطعة بأنه فسخ فيكون أخصر وأفيد.
قال: (بل يتخير المشتري بين أن يجيز ويغرم الأجنبي، أو يفسخ فيغرم البائع الأجنبي)؛ لفوات غرضه في العين.
هذا إذا أتلفه الأجنبي عدوانًا، فإن أتلفه بحق بأن قتل عبده فاقتص منه .. فإتلافه كالآفة السماوية قطعًا.
قال: (ولو تعيب قبل القبض) أي: بآفة سماوية (فرضيه .. أخذه بكل الثمن) كما لو كان مقارنًا للعقد؛ لأن الأوصاف لا تقابل ولا أرش لها مع القدرة على الفسخ.
قال: (ولو عيبه المشتري .. فلا خيار)؛ لحصوله بفعله، ولأنه يمتنع بسببه الرد بالعيوب القديمة ويكون قابضًا لما أتلفه، فإذا قطع يده ومات بالسراية .. استقر عليه الثمن كله، أو بعد الاندمال .. ضمن اليد بجزء من الثمن بالطريق المتقدم في الكتاب لا بنصف القيمة ولا بما نقص منها.
قال: (أو الأجنبي .. فالخيار)؛ لكونه مضمونًا على البائع، وهذا لا خلاف فيه.
فَإِنْ أَجَازَ .. غَرِمَ الأَجْنَبِيُّ الأَرْشَ.
وَلَوْ عَيَّبَهُ الْبَائِعُ .. فَالْمَذْهَبُ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَا التَّغْرِيمِ.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ،
قال: (فإن أجاز .. غرم الأجنبي الأرش) بالاتفاق أيضًا، والمراد: القدر المذكور في (الديات)، ففي يد العبد .. نصف القيمة، وفي يديه .. كلها.
قال: (ولو عيبه البائع .. فالمذهب: ثبوت الخيار لا التغريم) أما ثبوت الخيار .. فبلا خلاف؛ لأن فعل البائع إما كالآفة وإما كفعل الأجنبي وكلاهما مثبت للخيار.
وأما التغريم .. فالمذهب: أنه لا يثبت؛ بناء على أنه كالآفة السماوية.
والثاني: يثبت؛ بناء على جعله كالأجنبي، فكان الصواب أن يقول: يثبت الخيار لا التغريم على المذهب.
قال: (ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه) سواء كان عقارًا أو غيره، أذن فيه البائع أم لا، أعطى المشتري الثمن أم لا؛ لما روى الشيخان [خ2126 - م1525/ 29] عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه) قال ابن عباس رضي الله عنهما: (وأحسب كل شيء مثله).
وروى البيهقي [5/ 313] عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله؛ إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم؟ قال: (يا أبن أخي؛ لا تبيعن شيئًا حتى تقبضه).
وروى مسلم [1528/ 39] عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يشترى الطعام ثم يباع حتى يستوفى).
وفي (الصحيحين) [خ2131 - م1527] عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (رأيت الناس يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا الطعام جزافًا أن يبيعوه حتى يبلغه الرجل إلى رحله).
وأجمعوا على منعه في الطعام، وجوزه مالك في غيره، وأبو حنيفة في العقار، وأحمد فيما ليس بمكيل ولا موزون ولا معدود ولا مذروع.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ بَيْعَهُ لِلْبَائِعِ كَغَيْرِهِ، وَأَنَّ الإِجَارَةَ وَالرَّهْنَ وَالْهِبَةَ كَالْبَيْعِ،
وذكر الأصحاب للمنع معنيين:
أحدهما: ضعف الملك؛ فإنه معرض للسقوط بالتلف، وإلى هذا ذهب الأكثرون.
والثاني: توالي ضمانين؛ لأن المبيع إذا تلف قبل القبض تبينا انتقاله إلى ملك البائع قبيل تلفه، فلو جوز بيعه .. لكان له بائعان فيكون مضمونًا للمشتري الأول على البائع ومضمونًا عليه للمشتري الثاني.
واستبعد الرافعي العلتين وجعل الاعتماد على الإخبار، وهو قريب من كلام الإمام؛ فإنه جعل الغالب عليه التعبد.
قال: (والأصح: أن بيعه للبائع كغيره)؛ لعموم الأدلة المتقدمة.
وموضع الوجهين: إذا باعه بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقص أو تفاوت صفة، وإلا .. فهو إقالة بلفظ البيع، قاله المتولي، وخرجه شيخه القاضي حسين على أن العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها.
والأصح –كما قاله الرافعي في أوائل (السلم) -: أن العبرة باللفظ، وحينئذ فلا يصح على الصحيح.
واستثنى المتولي من منع بيع المبيع قبل قبضه قسمته قسمة إجبار وإن قلنا: إنها بيع؛ فإن الرضا فيها غير معتبر، فكذلك القبض.
قال: (وأن الإجارة والرهن والهبة كالبيع) هذا تفريع على ضعف الملك.
والثاني: يصح بناء على: أن العلة توالي الضمان، وصححه الغزالي، ومحل عدم جواز رهنه: إذا رهنه من غير البائع، فإن رهنه من البائع، فإن كان بالثمن حيث له حق الحبس .. لم يجز على الصحيح، وإلا .. فالمشهور جوازه.
وَأَنَّ الإِعْتَاقَ بِخَلافِهِ.
وَالثَّمَنَ المُعَيَّنُ كالْمَبِيعِ، فَلَا يَبِيعُهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةً كَوَدِيعةٍ وَمُشْتَرَكٍ وَقِرَاضٍ، وَمَرْهُونٍ بَعْدَ
قال: (وأن الإعتاق بخلافه) فيصح وإن كان للبائع حق الحبس؛ لقوة العتق، ولذلك نقل ابن المنذر فيه الإجماع.
والثاني: لا يصح؛ لأنه إزالة ملك كالبيع.
والثالث: إن لم يكن له حق الحبس بأن كان الثمن مؤجلًا أو حالًّا ووفَّاه .. صح، وإلا .. فلا.
والاستيلاء والتزويج كالعتق، والكتابة كالبيع على الصحيح؛ إذ ليس لها قوة العتق، والوقف كالعتق على الصحيح في (شرح المهذب)، وفي (الشرح) و (الروضة): أنا إن شرطنا القبول .. فكالبيع، وإلا .. فكالعتق، وصحح الرافعي في وقف الراهن: أنه يبطل مطلقًا ولا يلتحق بالعتق، والقياس: التسوية بين البابين، أما إذا رجع فيما وهب لولده .. فله بيعه قبل قبضه على الصحيح.
والشفيع إذا تملك الشقص .. قال في (التهذيب): له بيعه قبل قبضه، وقال المتولي: ليس له ذلك؛ لأن الأخذ بها معاوضة، وقواه المصنف.
وللموقوف عليه بيع الثمرة الحاصلة من الشجرة الموقوفة قبل أن يأخذها.
وإذا اشترى طعامًا جزافًا وأباحه للفقراء قبل قبضه فأكلوه .. كان قبضًا، قاله الماوردي والروياني.
قال: (والثمن المعين كالمبيع، فلا يبيعه البائع قبل قبضه)؛ لعموم النهي ولتوقع الانفساخ، لكن لا حاجة إلى قوله: (فلا يبيعه البائع قبل قبضه) بل يضر؛ لأنه يوهم جواز غير البيع، ولهذا عبر في (المحرر) بالتصرف ليعم.
قال: (وله بيع ماله في يد غيره أمانة كوديعة ومشترك وقراض، ومرهون بعد انْفِكَاكِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيَّهِ بَعْدَ رُشْدِهِ، وَكَذَا عَارِيَةٌ وَمَاخُوذٌ بِسَوْمٍ.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلَا الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ.
وَالْجَدِيدُ: جَوَازُ الاِسْتِبْدَالِ عَنِ الثَّمَنِ،
انفكاكه، وموروث، وباق في يد وليه بعد رشده)؛ لتمام الملك والقدرة على التسليم، وكذلك المال الذي في يد الوكيل بالبيع، وفي يد المستأجر بعد انقضاء المدة، وما احتطبه العبد أو اكتسبه قبل أن يأخذه السيد.
لكن يستثنى من الأمانة: ما إذا استأجر صابغًا لصبغ ثوب أو قصره وتسلمه فليس للمالك بيعه قبل صبغه؛ لأن له حبسه لعمل ما تُستحق به الأجرة، فإذا صبغه أو قصره .. كان له بيعه قبل استرداده إن وفى الأجرة، كذا قاله البغوي والرافعي، ونوزعا فيه.
ويستثنى من الموروث: ما إذا كان المورث لا يملك بيعه؛ بأن اشتراه ومات قبل قبضه.
وضبط المصنف (مالَه) بفتح اللام وكسرها و (أمانةً) بنصبه على الحال.
قال: (وكذا عارية ومأخوذ بسوم)؛ لما تقدم، وكذا ما رجع إليه بفسخ عقد كالمردود بعيب، ورأس مال السلم المفسوخ بانقطاع المسلم فيه، والمبيع الذي رجع إليه بإفلاس المشتري.
قال: (ولا يصح بيع المسلم فيه، ولا الاعتياض عنه)؛ لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض، وكذلك لا تجوز الحوالة به ولا عليه، وقيل: تجوز، وقيل: تجوز به ولا تجوز عليه.
قال: (والجديد: جواز الاستبدال عن الثمن) أي: الذي في الذمة، هذا بيع الدين ممن هو عليه، وهو جائز؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: يا رسول الله؛ إني أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ
فَإِنِ اسْتَبْدَلَ مُوَافِقًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَدَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ .. اشْتُرِطَ قَبْضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي الْعَقْدِ، وَكَذَا الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ إِنِ اسْتَبْدَلَ مَا لَا يُوَافِقُ فِي الْعِلَّةِ كَثَوْبٍ عَنْ دَرَاهِمَ
الدنانير؟ فقال: (لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء) رواه الأربعة والحاكم [2/ 44]، وقال: على شرط مسلم.
و (البقيع) بالباء: بقيع الغرقد مدفن أموات أهل المدينة كانوا يبيعون فيه الإبل؛ لقلة الموتى فيه.
وقال ابن باطيش وابن معن: إنه بالنون، ورد عليهما المصنف ذلك.
والقديم: منع الاستبدال؛ لأنه بيع ما لم يقبض.
وفي قول ثالث: يجوز استبدال أحد النقدين عن الآخر ولا يجوز استبدال غيرهما، وفي حقيقة الثمن: ثلاثة أوجه:
أحدها: ما اتصلت به باء الثمنية نقدًا كان أو غيره.
والثاني: النقد، حتى لو باع عرضًا بعرض .. فلا ثمن فيه، ولو باع أحد النقدين بالآخر .. فلا مثمن فيه.
والثالث: الأصح: أنه النقد، فإن لم يكن أو كانا نقدين .. فالثمن ما اتصلت به الباء.
قال: (فإن استبدل موافقًا في علة الربا كدراهم عن دنانير .. اشترط قبض البدل في المجلس)؛ فرارًا من الربا.
قال: (والأصح: أنه لا يشترط التعيين في العقد) كما لو تصارفا في الذمة ثم عيَّنَا وتقابضا.
والثاني: يشترط؛ لئلا يكون بيع دين بدين.
قال: (وكذا القبض في المجلس إن استبدل ما لا يوافق في العلة كثوب عن دراهم) كما لو باع ثوبًا بدراهم في الذمة، فلا يشترط قبض الثوب.
وَلَوِ اسْتَبْدَلَ عَنِ الْقَرْضِ وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ .. جَازَ، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضِهِ فِي الْمَجْلِسِ مَا سَبَقَ.
وَبَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فِي الأَظْهَرِ؛
والثاني: يشترط؛ لأن أحد العوضين دين فيشترط قبض الآخر كرأس مال السلم، فإن قلنا: لا يشترط القبض .. فلابد من التعيين في المجلس، فتقرر: أن هذا القسم –وهو غير الموافق- لا يشترط تعيينه في العقد ولا قبضه في المجلس على الأصح، بل تعيينه فيه.
وعلى هذا: يكون قولهم: إن ما في الذمة لا يتعين إلا بالقبض محمول على ما بعد اللزوم، أما قبله .. فيتعين برضاهما وينزل ذلك منزلة الزيادة والحط، هكذا قاله في (المطلب) في (كتاب الصلح) وهو حسن.
وحيث استبدل لا يستبدل المؤجل عن الحال، ويجوز عكسه ويصير كأن مَن عليه المؤجل عجَّله.
قال: (ولو استبدل عن القرض وقيمة المتلف .. جاز)؛ لأنه ليس بثمن ولا مثمن، فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف، بخلاف دين السلم.
وقوله: (عن القرض) أي: دين القرض، ولابد في الاستبدال من لفظ (عقد)، فلو أعطاه بغير معاوضة .. لم يملكه وكان مضمونًا عليه.
قال: (وفي اشتراط قبضه في المجلس ما سبق) فيفصل بين الموافق في علة الربا والمخالف.
قال: (وبيع الدين لغير من عليه باطل في الأظهر)؛ لأنه لا يقدر على تسليمه.
والثاني: يصح؛ لاستقراره وكبيعه ممن هو عليه وهو الاستبدال كما تقدم، وصححه في زوائد (الروضة) هنا، وفي (أصلها) في (كتاب الخلع)، واختاره الشيخ.
وإذا قلنا: يصح اشتراط قبض أحد العوضين في المجلس، فإن تفرقا قبله .. بطل على المشهور.
بِأَنِ يَشْتَرِيَ عَبْدَ زَيْدٍ بِمِئَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرٍو.
وَلَو كَانَ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو دَيْنَانِ عَلَى شَخْصٍ، فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ .. بَطَلَ قَطْعًا.
وَقَبْضُ الْعَقَارِ: تَخْلِيَتُهُ لِلْمُشْتَرِي وَتَمْكِينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ،
وقال ابن الصباغ: لا يحتاج إلى قبضه.
واحترز بـ (بيع الدين لغير من عليه) عن بيعه ممن هو عليه، ويسمى استبدالًا؛ فإن ذلك جائز عند الجمهور كما تقدم.
قال: (بأن يشتري عبد زيد بمئة له على عمرو) وهذا تصوير المسألة، لكن يشترط أن يكون الدين حالًا، فإن كان مؤجلًا .. لم يجز قطعًا؛ لعدم القدرة على تسليمه ومقتضى هذا: أن لا يصح بيع الدين على معسر وجاحد لا بينة عليه به.
قال: (ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص، فباع زيد عمرًا دينه بدينه .. بطل قطعًا)؛ لأنه بيع دين بدين، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ، رواه الحاكم [2/ 57] وصححه، وبهذا فسره الفقهاء، لكن أهل اللغة قالوا: إنه النسيئة بالنسيئة، ولا فرق بين أن يتفق الجنس أو يختلف.
قال: (وقبض العقار: تخليته للمشتري وتمكينه من التصرف)؛ لأن الشرع أطلق القبض وأناط به أحكامًا ولا حد له في اللغة فرجع فيه إلى العرف كالحرز في السرقة وغيره، والعرف قاض بما ذكره المصنف.
والمراد: أن يرفع البائع يده عنه ويمكن المشتري منه؛ بأن يعطيه المفتاح بلا مانع شرعي ولا حسي سواء دخله أم لا.
قال: (بشرط فراغه من أمتعة البائع)؛ لأنه مع الشغل بالأمتعة لا يتأتى تسليمه، هذا هو الأصح الذي جزم به الرافعي هنا، وحكى في (باب الألفاظ المطلقة) في (البيع) وجهًا في صحة قبض الدار المشحونة بالأمتعة: أنه يصح وأن الإمام ادعى: أنه ظاهر المذهب، ونبه المصنف على ذلك هنا غير أنه سبق قلمه من صحة القبض إلى صحة البيع.
فَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ .. اعْتُبِرَ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْمضِيُّ إِلَيْهِ في الأَصَحِّ.
وَقَبْضُ الْمَنْقُولِ: تَحْوِيلُهُ،
والدار المشحونة بالأمتعة بيعها صحيح بلا خلاف، فلو جعل البائع الأمتعة في بيت وخلى بين المشتري وبين بقية الدار .. حصل القبض فيما عدا ذلك البيت، وتقييد المصنف بـ (أمتعة البائع) يخرج أمتعة المشتري والمستأجر والمستعير.
قال: (فإن لم يحضر العاقدان المبيع .. اعتبر مضي زمن يمكن فيه المضي إليه في الأصح) أشار إلى مسألتين:
إحداهما: أن حضور العاقدين ليس بشرط في صحة قبض العقار، وهو الأصح؛ لما في تكلف ذلك من المشقة.
وقيل: يشترط حضورهما؛ لأنه أقرب إلى حقيقة الإقباض والقبض.
وقيل: يشترط حضور المشتري؛ ليتأتى إثبات اليد عليه.
الثانية: إذا لم يشترط الحضور .. فيشترط مضي زمن يمكن فيه الوصول إليه؛ لأنه بذلك يسمى قابضًا عرفًا.
والثاني: لا يشترط؛ لأنه لا معنى لاعتباره مع عدم الحضور.
قال: (وقبض المنقول: تحويله)؛ لما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يحولوه)، ولأن العادة في المنقول ذلك.
وقيل: إذا اشترى الأب مال طفله من نفسه أو باع منه .. لم يشترط تحويله.
وقيل: إذا اشترى أمتعة مع دار صفقة .. كفى في الأمتعة التخلية تبعًا للدار.
والأصح: ما أطلقه المصنف، لكن يستثنى: إتلاف المشتري المبيع؛ فإنه قبض.
فعلى المذهب: يأمر العبد بالانتقال من موضعه ويسوق الدابة.
فَإِنْ جَرَى الْبَيْعُ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ .. كَفَى نَقْلُهُ إِلَى حَيِّزٍ، وَإِنْ جَرَى فِي دَارِ الْبَائِعِ .. لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَيَكُونُ مُعِيرًا لِلْبُقْعَةِ
كل هذا في غير الخفيف الذي لا يتناول باليد كالثوب ونحوه؛ فإنه يقبض بالتناول جزمًا.
قال: (فإن جرى البيع بموضع لا يختص بالبائع) كمسجد أو شارع أو دار المشتري (.. كفى نقله إلى حيز) أي: منه؛ لأن ذلك يعد قبضًا عرفًا وإن كان وضع المتاع في المسجد حرامًا إن ضيق على المصلين، ومكروه إن لم يضيق.
وقوله: (فإن جرى البيع) تبع فيه (المحرر) وهو غير مستقيم؛ فإن جريان البيع لا مدخل له في ذلك بل العبرة بوجود المبيع في المكان المنقول إليه، ولهذا عبر الرافعي بقوله: وإن كان المبيع بـ (الميم)، وكذلك هو في (الروضة).
وقوله: (لا يختص بالبائع) يشمل ما اختص بالمشتري بملك أو إجارة أو إعارة، وما لا يختص به أحد كالمسجد والشارع والموات، ويشمل المغصوب من أجنبي، وفي الاكتفاء به نظر.
قال: (وإن جرى في دار البائع .. لم يكف ذلك) أي: نقله إلى حيز منها دون إذن البائع؛ لأن يد البائع عليها وعلى ما فيها.
واستشكل ابن الصلاح كون ذلك ليس بقبض؛ لأنه إذا أخذه ورفعه لينقله .. صار بمجرد ذلك مقبوضًا من غير توقف على وضعه.
وأجاب في (شرح المهذب) بأن أهل العرف لا يعدون مجرد رفعه قبضًا.
نعم؛ يستثنى ما قبضه بالتناول كالثياب إذا قبضها ووضعها شيئًا فشيئًا فيكفي ذلك.
والمراد بعدم الاكتفاء بما ذكره المصنف: أن ضمان العقد لا ينتقل ولا يجوز التصرف فيه، لكن يدخل في ضمانه حتى يطالب به إذا خرج مستحقًا لوضع يده عليه.
قال: (إلا بإذن البائع) أي: في القبض والنقل (فيكون معيرًا للبقعة) التي أذن
فَرْعٌ:
لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا أَوْ سَلَّمَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ
في النقل إليها، فإن لم يأذن إلا في النقل .. فأطلق الإمام: أنه لا يحصل القبض؛ لأن الإذن في النقل لا يقتضي العارية.
تتمة:
إذا ملك المشتري الموضع الذي فيه المبيع ببيع أو هبة مع قبض .. فالتخلية تقوم مقام نقله، ولو استعاره .. لم يكن قبضًا، ولو استأجره .. فوجهان: أصحهما عند الروياني: أنه قبض، وصحح المصنف: أنه لا يكون قبضًا.
قال: (فرع:
للمشتري قبض المبيع إن كان الثمن مؤجلًا) سواء أذن البائع أو لم يأذن، سواء كان حالًا بطريق الأصالة أو حل قبل التسليم، كما أن للمرأة قبض الصداق بغير إذن الزوج إذا سلمت نفسها.
قال: (أو سلمه) أي: جميعه، أما إذا سلم بعضه .. فلا أثر له في الأصح، كما صرح به الرافعي في تفريق الصفقة.
وقيل: يستحق تسليم قسطه من المبيع إن كان يقبل القسمة.
قال: (وإلا .. فلا يستقل به) بل لا بد من إذن البائع؛ لأن له حق حبسه بالثمن، ولو أخذه .. فعليه رده ولا ينفذ تصرفه فيه كالمرهون، لكن يدخل في ضمانه؛ ليستقر الثمن عليه، ولو خرج مستحقًا .. طولب به كما تقدم.