النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 363-402
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ

صفحات 363-402

وَاَلْجَدِيدُ: تَقْدِيمُ اَلأَسَنِّ عَلَى اَلْنَّسِيبِ  هنا قولاً، لما في (الصحيحين) [خ 6008 - م 674] عن مالك بن الحوبرث: (ليؤمكم أكبركم).
والجواب: أن هذا خطاب المشافهة لمالك ورفقته؛ فإنهم كانوا في الفقه والقراءة سواء؛ لأنهم جماعة هاجروا سواء، وأقاموا عند النبي صلي الله عليه وسلم نحوًا من عشرين ليلة، وسافروا جملةز قال: (والجديد: تقديم الأسن على النسيب)؛ لحديث مالك المذكور، فيقدم شيخ غير قرشي على شاب قرشي.
والقديم: عكسه، ورجحه جماعة؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (قدموا قريشًا ولا تقدموها)، وسيأتي في (قسم الفيء والغنيمة).
والمعتبر سن مضى في الإسلام، فيقدم الشاب الناشئ في الإسلام على شيخ حديث الإسلام.
والصحيح: أنه لا تعتبر الشيخوخة، بل النظر إلى تفاوت السن.
والمراد بـ (النسب): ما يعتبر في كفاءة النكاح، كالانتساب إلى العلماء والصلحاء.
وقيل: المعتبر نسب قريش فقط.
فروع: اتفقوا على أن الهجرة معتبرة؛ لأنها موروثة، وقال الله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ

فَإِنِ اَسْتَوَيَا، فَنَظَافَةُ اَلْثَّوْبِ وَاَلْبَدَنِ، وَحُسْنُ اَلْصَّوْتِ، وَطِيبُ اَلْصَّنْعَةِ وَنَحْوُهَا.

 أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ}، ولحديث مالك بن الحويرث، وقال الحسن: لا يجعل الله عز وجل عبدًا أسرع إليه كعبد أبطأ عنه.
فمن هاجر إلى النبي صلي الله عليه وسلم، أو هاجر إلينا من دار الحرب مقدم على من لهم يهاجر، أو تأخرت هجرته عن هجرته، وكذا الحكم في أولادهم، واختلفوا في محل اعتبارها على أقوال: أحدها: أنها مقدمة على السن والنسب، وهو الصحيح في (التحقيق)، والمختار في (شرح المهذب).
والثاني: أنها مؤخرة عنهما.
والثالث: متوسطة، فيعتبر بعد السن وقبل النسب، وقيل: بالعكس.
وليس في (الشرحين) ولا في (الروضة) تصريح بترجيح.
والمقيم أولى من المسافر، والبالغ أولى من الصبي وإن كان أفقه وأقرأن لأنه مجمع على صحة الاقتداء به، فإن أورد على هذا إمامة عمرو بن سلمة بقومه .. فالجواب: أنه كان أكثرهم قرآنًا.
وإمام المسجد أحق من غيره، وباني المسجد لا يكون أحق بإمامته والتأذين فيه خلافًا لأبي حنيفة.
قال: (فإن استويا) أي: في جميع الصفات المذكورة (.... فنظافة الثوب والبدن، وحسن الصوت، وطيب الصنعة ونحوها) أي: من الفضائل كحسن الوجه والسمنت والذكر بين الناس؛ لأنها تقتضي استمالة القلوب وكثرة الجمع.
وفي (الشرح المهذب) أحسنهم ذكرًا ثم صوتًا ثم هيئة؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم) رواه أبو داوود [1463] والنسائي [2/ 179] وروي: (حسنوا) قيل: معناه: زينوا أصواتكم بالقرآن.

وَمُسْتَحِقُّ اَلْمَنْفَعَةِ بِمِلْكٍ وَنَحوِهِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً  وروى مسلم: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن).
أي: يحسن صوته به.
فإذا استويا من كل وجه وتشاحًا .. أقرع بينهما لطع النزاع.
قال: (ومستحق المنفعة بملك ونحوه أولى) أيك إذا كان أهلاً للإمامة، سواء كان غيره أكمل منه أم لا؛ لما تقدم من قوله صلي الله عليه وسلم: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه).
وفي رواية صحيحة ذكرها البغوي في (شرح السنة): (لا يؤمن رجل رجلاً في بيته).
ومراده بـ (الملك): ملك المنفعة، سواء كان مالكًا للرقبة أم لم يكن، كالمستأجر والموقوف عليه والموصى له بها.
قال الشيخ: واقتضى منطوق كلام المصنف .. أن المستأجر مقد على المالك.
وهو أصح الوجهين.
واقتضى منطوه ومفهومه معًا .. أن المعير مقدم على المستغير؛ فإنه يستحق الانتفاع لا المنفعة .. وهو الأصح عند الرافعي.
والثاني: أن المستعير أولى، وهو الذي رجع إليه القفال آخرًا، واقتصر عليه صاحب (التهذيب)، وهو المختار.
قال: وجمهور العماء على أنه إذا أذن .. فلا بأس؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (إلا أن يأذن له).
ويلزم الرافعي إن جمل البيت في الحديث على الملك .. تقديم المؤجر ولم يقل به، وأن حمله على المسكن .. تقديم المستعير ولم يقل به.
قال: (فإن لم يكن أهلاً) أي: لإمامة الحاضرين كامرأة أو خنثى لرجال، أو لم يكن أهلاً للصلاة مطلقًا كالكافر.

فَلَهُ اَلْتَّقْدِيمُ، وَيُقَدَّمُ عَلَى عَبْدِهِ اَلْسَّاكِنِ، لاَ مُكَاتَبِهِ فِي مِلْكِهِ.
وَاَلأَصَحُّ: تَقْدِيمُ اَلْمُكْتَرِي عَلَى اَلْمُكْرِي، وَاَلْمُعِيرِ عَلَى اَلْمُسْتَعِيرِ.
وَاَلْوَالِي فِي مَحَلِّ وَلاَيَتِهِ أَوْلَى مِنَ اَلأَفْقَهِ وَاَلْمَالِكِ  فال: (.. فله التقديم) أي: لا لغيره؛ لأنه محل سطانه.
فإن كان صبيًا أو مجنوبًا .. استؤذن ويه.
قال: (ويقدم على عبده الساكن)؛ لأن العبد والمسكن له، وهذا لا خلاف فيه سواء كان العبد مأذونًا أو غير مأذون.
وصورة المسألة: أن يكون العبد ساكنًا في ملك السيد، فلرو كان ساكنًا في غير ملك السيد .. فالمتجه: تقديم السيد أيضًا.
ومفهوم كلام المصنف: أن المبغض مقدم على السيد فيما ملكه ببعضه الحر، وهو ظاهر.
قال: (لا مكاتبه في ملكه) أي: في ملك المكاتب؛ لاجتماع المسكن والملك المكاتب، وإن كان في ملك المكاتب وجه بعيد.
قال: (والأصح: تقديم المكتري على المكري)؛ لآنه مستحق المنفعة.
والثاني: المالك؛ لأنه مالك الرقبة وملكها أقوى من ملك المنفعة.
والخلاف جار في الموصى له بالمنفعة مع مالك الرقبة، وفي الموقوف عليه مع الواقف إذا ملكنا الواقف.
ومراد المصنف: المكتري لنفسه، فلو اكترى لغيره .. لم يقدم بلا خلاف؛ لأنه في هذه الحالة لا يملك المنفعة.
قال: (والمعير على المستعير)؛ لأنه قادر على منع المستعير من الانتفاع.
والثاني: المستعير؛ لأن السكنى له في الحال.
قال: (والوالي في محل ولايته أولى من الأفقه والمالك)؛ للحديث المتقدم.
ويلزم من تقديمه عليها تقديمه على غيرهما.
فإن لم يتقدم .. قدم من شاء ممن يصلح للإمامه وإن كان غيره أصلح منه؛ لأن الحق فيها له فاختص بالتقديم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويراعى في الولاء تفاوت الدرجة، فيكون الأعلى فالأعلى منهم أولى.
وفي قوله غريب: أن المالك أولى من الإمام الأعظم.
فرع: لا يكره أن يؤم من فيهم أبوه أو أخوه الأكبر؛ لأن الزبير كان يصلي خلف ابنه عبد الله، وأنس كان يصلي خلف ابنه، و (أمر النبي صلي الله عليه وسلم عمرو بن سلمة أن يصلي بقومه وفيهم أبوه).
فرع: إمامة ولد الزنا ومن لا يعرف أبوه خلاف الأولى، وأطلق جماعة أنها مكروهة، وما قالوه من الكراهة صورته: أن يكون ذلك في ابتداء الصلاة ولم يساوه المأموم، فإن ساواه أو وجده قد أحرم فاقتدى به .. فلا بأس.
تتمة: يكره أن يؤم الرجل قومًا وأكثرهم له كارهون؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون) رواه الترمذي [360] وقال: حسن غريب، وروى البيهقي في (الشعب): أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا تقبل صلاتهم: رجل أمن قومًا وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارًا، ورجل باع محررًا).
وجزم الشيخان في (الشهادات) بتحريم ذلك وهو المنصوص، أما إذا كرهه أقلهم أو نصفهم .. فلا كراهة.
والاعتبار في الكراهة بأهل الدين، حتى قال في (الإحياء) [1/ 173]: لو كان الأقلون أهل الدين .. فالاعتبار بهم.
هذا إذا كرهوه لمعنى مذموم شرعًا كظلمه، أو

فَصْلٌ: لاَ يَتَقَدَّمُ عَلَى إِمَامِهِ فِي اَلْمَوْقِفِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ .. بَطَلَتْ فِي اَلْجَدِيدِ  تغلبه على الإمامة من غير استحقاق، أو لأنه لا يحترز من النجاسات، أو يتعاطى معيشة مذمومة، أو يعاشر الظلمة والفساق، أو يمحق هيئات الصلاة ونحو ذلك، فإن لم يكن .. كذلك فاللوم على من كرهه.
وخص الإمام الكراهة بما إذا لم ينصبه السلطان، فإن نصبه .. لم يكره، وضعفه المصنف.
وحيث ثبتت الكراهة .. فهي مخصوصة بالإمام، فأما المأموم .. فلا يكره له إن كرهه بعضهم، بخلاف الإمامة العظمى .. فإنها تكره إذا كرهها البعض.
قال: (

فصل

: لا يتقدم على إمامه في الموقف)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، والائتمام: الاتباع، والمتقدم غير تابع.
قال: (فإن تقدم .. بطلت في الجديد)، كالتقدم بتكبيرة الإحرام؛ فياسًا للمكان على الزمان.
والقديم: لا تبطل مع الكراهة، كما لو وقف خلف الصف وحده.
وعلى الجديد لو شك: هل هو متقدم أو متأخر؟ بأن كان في ظلمة .. صحت صلاته مطلقًا، لأن الأصل عدم المفسد، كذا نقله المصنف في (فتاويه) عن النص، وصححه في (التحقيق).
وقال القاضي حسين: إن جاء من ورائه .. صحت صلاته، وإن جاء من قدامه .. لم تصح؛ عملاً بالأصل فيهما.

وَلاَ تَضْرُّ مُسَاوَاتُهُ، وَيُنَدبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلاً، وَاَلاِعْتِبَارُ بَاَلْعَقِبِ  لكن يستثنى من إطلاق المصنف: جواز التقدم في شدة الخوف، كما جزه به جماعة من الأصحاب.
قال: (ولا تضر مساواته)؛ لعدم المخالفة، وهذا لا خلاف فيه.
وفي (الصحيحين) [خ 183 - م 763]: (أن ابن عباس بات عند خالته ميمونة فقام رسول الله صلي الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقام عن يساره فأخذ برأسه وأدراه عن يمينه)، والمنقول: (أنه أداره من ورائه)، ولو جاز تقدم المأموم على الإمام ... لكانت الإدارة من أمامه أسهل.
قال الشيخ: والاستدلال بهذا ليس بالقوى؛ لأن المرور بين يدي المصلي مكروه، فجاز أن يكون أداره من خلفه لأجل ذلك.
وقال جماعة من العراقيين: تكره المساواة، وتبعهم في (شرح المهذب) و (التحقيق)، واستبعده الشيخ.
قال: (ويندب تخلفه قليلاً)؛ استعمالاً للأدب، ولتظهر رتبة الإمام علي المأموم.
وإنما يندب التخلف في الذكرين المستورين، أما المرأتان .. فلا، وكذا العاريان البصيران، أو كان الإمام عاريًا فقط والمأموم بصيرًا فقط ولا ظلمة.
قال: (والاعتبار بالعقب) في التقدم والمساواة، سواء تقدمت الأصابع أو تأخرت؛ لأن ابن مسعود كان قصيرًا وصلى بعلقمة والأسود، ذات عن يمينه، وذا عن يساره.
وفي (البسيط): الاعتبار بالكعب، وتبعه ابن يونس.
هذا إذا صلى قائمًا، فإن صلى قاعدًا .. فالاعتبار بالآلية، قاله البغوي.
والاعتبار بالاعتماد على الرجل، فلو قدم رجله على رجل الإمام وهي مرتفعة عن الأرض .. لم يضر إذا كان الاعتماد على غير المتقدمة، والظاهر: أن المعتبر في المستلقي رأسه.

وَيَسْتَدِيرُونَ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام حَوْلَ اَلْكَعْبَةِ، وَلاَ يَضُرُّ كَوْنُهُ أَقْرَبَ إِلَى اَلْكَعْبَةِ فِي غَيْرِ جِهَةِ اَلإِمَامِ فِي الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَا فِي اَلْكَعْبَةِ وَاَخْتَلَفَتَ جِهَتَاهُمَا .. وَيَقِفُ اَلْذَّكَرُ عَنْ يَمِينِهِ،  قال: (ويستديرون في المسجد الحرام حول الكعبة)؛ ليحصل الاستقبال للجميع، وأول من فعل ذلك عبد الله بن الزبير، وأجمع عليه من في عصره، ومن بعده.
وقيل: أول من فعله خالد بن عبد الله القسري لما ولي إمرة مكة في أيام عبد الملك بن مروان.
وكان عطاء وعمرو بن دينار ونظراؤهم هناك ولم ينكروا عليه.
ويستحب للإمام أن يقف خلف المقام.
قال: (ولا يضر كونه) أي: كون المأموم (أقرب إلى الكعبة في غير جهة الإمام في الأصح)؛ لأنه لا تظهر به مخالفة فاحشة، ولأن رعاية القرب والبعد في غير جهته تشق.
والثاني - ونسب إلى الشيخ ابن إسحاق الإسفراييني -: أنه يضر كما لو كان أقرب في جهة الإمام.
فلو استقل نفس الركن الذي فيه الحجر الأسود - مثلاً - فهل تكون جهته جهة الباب، أو جهة ما بين الركنين؟ فيه نظر، ويحتمل أن يقال: جهته مجموع الجهتين، لأنه يستقبل هذه بكتفه الأيمين وبعض صدره، وتلك بكتفه الأيسر وبعض صدره.
قال: (وكذا لو وقفا في الكعبة واختلفت جهتاهما)، فيجوز أن يكون وجه المأموم إلى وجه الإمام وظهره إلى ظهره، ولا يمتنع إلا أن يتقدم المأموم على إمامه في جهته خاصة.
قال: (ويقف الذكر عن يمينه) بالغًا كان أو صبيًا؛ لحديث ابن عباس.
فإن أحرم عن يساره .. رجع عن يمينه، ويتحرز من أفعال تبطل الصلاة، فإن لم

فَإِنْ حَضَرَ آَخَرُ .. أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ اَلإِمَامُ، أَوْ يَتَأَخَّرَانِ وَهُوَ أَفْضَلُ وَلَوْ حَضَرَ رَجُلاَنِ أَوْ رَجُلٌ وَصَبِيِّ .. صَفَّا خَلْفَهُ،  يحسن .. علمه الإمام كما صنع رسول الله صلي الله عليه وسلم.
قال: (فإن حضر .. أخر أحرم عن يساره، ثم يتقدم الإمام، أو يتأخران)؛ مراعاة للسنة في تقديم الإمام وتأخر الصف.
هذا إذا جاء في القيام، فأما إذا لحق الثاني في التشهد أو السجود .. فلا تقدم ولا تأخر حتى يقوم.
ونبه بقوله: (ثم يتقدم ... إلى آخره) على أن التقدم أو التأخر لا يكون إلا بعد إحرام المأموم الثاني، وهو كذلك بالاتفاق.
قال: (وهو أفضل) أي: تأخرما؛ لما روى مسلم [3010] في آخر كتابه من حديث جابر الطويل أنه قال: (قمت عن يسار رسول الله صلي الله عليه وسلم، فأخذ بيدي فأدراني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يسار رسول الله صلي الله عليه وسلم، فأخذ بيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه)، ولأن الإمام متبوع فلا ينتقل عن مكانه.
وقيل: تقدم الإمام أولى؛ لأنه عمل واحد وهو أخف من عملين.
وهذا إذا أمكن كل منهما، فإن لم يكن إلا أحدهما لضيق إحدى الجهتين .. تعين.
قال: (ولو حضر رجلان أو رجل وصبي .. صفا خلفه).
أما الرجلان .. فلحديث جابر المذكور.
وأما الرجل والصبي .. فلما روى الشيخان [خ 380 - م 658] عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك: أن جدته مليكة - أي: جده إسحاق - دعت رسول الله صلي الله عليه وسلم لطعام صنعته، فأكل منه ثم قال: (قوموا فلأصل لكم)، فقام رسول الله صلي الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم خلفه والعجوز من ورائنا، فصلى ركعتين ثم أنصرف.

وَكَذَا اِمْرَأَةٌ أَوْ نْسَوةٌ.
وَيَقِفُ خَلْفَهُ اَلْرِّجَالُ ثُمَّ اّلْصِّبْيَانُ ثُمَّ اَلْنَّسَاءُ، وَتِقفُ إِمَامَتُهُنَّ وَسْطَهُنِّ  قال: (وكذا امرأة أو نسوة) فالسنة: أن تقف الواحدة خلف الإمام، كذلك النسوة.
قال: (ويقف خلفه الرجال)، وإذا اجتمع عدد من الرجال والصبيان .. يقف خلفه الرجال، ثم الصبيان، فإن كان صبي واحد .. دخل صف الرجال، ثم الخنثى، ثم النساء؛ لقول صلي الله عليه وسلم: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) رواه مسلم [432]. و (أولوا الأحلام والنهى): البالغون العقلاء.
والمعنى فيه: أن الصف الأول أفضل، والرجال أكمل فاختصوا به، ويليهم الصبيان؛ لأنهم من الرجال لكنهم دونهم في الفضيلة.
هذا إذا حضروا جميعًا، أما إذا حضر الصبيان أولاً ثم الرجال وقد استوعب الصبيان الصف الأولى .. فليس لهم إزالتهم عن امكنتهم.
وإن حضر النساء أولاً .. أخرن.
وقيل: يقف كل صبي بي رجلين؛ ليتعلم منهما أحكام الصلاة.
قال: (ثم الصبيان)؛ لأنهم دون الرجال في الفضيلة.
قال الدارمي: هذا إذا كان الرجال أفضل أو تساووا، فإن كان الصبيان أفضل .. قدموا.
قال: (ثم النساء)؛ لما روى البيهقي [3/ 97] عن أبي مالك الأشعري قال: (كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يليه في الصلاة الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء).
قال: (وتقف إمامتهن وسطهن)؛ لأن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أمتا نسوة ووقفتا وسطهن، رواه الشافعي [أم 1/ 164] والبيهقي [3/ 131]. ولأن ذلك أستر لها.
وجميع هذا مستح لا تبطل الصلاة بمخالفته حتى لو وقفت المرأة مع الرجل .. لم تبطل الصلاة.

وَيُكْرَهُ وُقُوفُ الْمَامُومِ فَرْدًا،  و (وسط) هنا بإسكان السين، تقول: جلست وسط القوم بالتسكين؛ لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالفتح؛ لأنه اسم.
وضابطه: أن كل موضع صلح فيه (بين) .. فهو بالتسكين، وإن لم يصلح .. فهو بالفتح.
فرع: العراة إن كانوا عميًا أو في ظلمة .. صلوا جماعة وتقدم إمامهم، وإن أبصروا أو كانوا في ضوء .. فالأظهر: أن الجماعة والانفراد في حقهم سواء.
وإذا صلوا جماعة .. وقف إمامهم وسطهم؛ لسلا يقع بصر واحد منهم على عورة غيره.
هذا إذا أمكن، فإن لم يمكن لضيق المكان .. فعن الإمام والمتولي: أنهم يقفون صفوفًا مع غض البصر.
فإن كان فيهم مكتس أهل .. استحب تقديمه، ويصلون جماعة قولاً واحدًا ويكونون صفًا، فإن تعذر .. فصفين أو أكثر بحسب الحاجة.
قال: (ويكره وقوف المأموم فردًا)؛ لما روى البخاري [783] عن أبي بكرة نفيع بن الحارث أنه دخل النبي صلي الله عليه وسلم راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فقال: (زادك الله حرصًا ولا تعد)، ولم يأمره بالإعادة مع أنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف.
وقال ابن المنذر وابن خزيمة والحميدي: تبطل الصلاة بذلك؛ لحديث وابصة بن معبد: (أن رسول الله صلي الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده .. فأمره أن يعيد الصلاة) رواه أبو داوود [682]، وحسنه الترمذي [231]. وف (ابن ماجه) بسند حسن [1003]: (لا صلاة للذي خلف الصف)، وحمل الأصحاب ذلك على الاستحباب؛ جمعًا بين الأدلة.

بَلْ يَدْخُلُ اَلْصَّفِّ إِنْ وَجَدَ سَعَةَ، وَإِلاَّ .. فَلْيَجُرَّ شَخْصًا  وقد ضعف الشافعي حديث وابصة، وكان في القديم يقول: لو ثبت .. لقلت به.
قال البيهقي: والاختيار أن يتوقى ذلك.
هذا إذا كان ثم من هو من جنسه، فلو جاءت امرأة ولا نساء هناك، أو خنثى ولا خنائي .. استجب له أن يقف فردًا، ويكره له الدخول في الصف.
قال: (بل يدخل الصف إن وجد سعة) سواء وجد ذلك في الصف الذي انتهى إليه، أو في صف أمامه.
قال في (المهمات): كذا أطلقه الشيخان وابن الرفعة وليس كذلك، بل محله إذا كان التخطي إلى الفرجة بصف أو صفين، فإن انتهى إلى ثلاثة .. امتنع كما نص عليه في (الأم)، وصرح به جماعة من الأصحاب.
و (السعة): أن لا يكون خلاء، ويكون بحيث لو دخل بينهما .. لو سعهم.
و (الفرجة): الخلاء الظاهر، فقول المصنف: (سعة) دال على الفرجة بطريق أولى.
قال" (وإلا .. فليجر شخصًا) أي: إذا لم يجد سعة في صف من الصفوف .. فعل ذلك خروجًا من الخلاف.
واستأنس له الأصحاب بحديث في (مراسيل أبي داوود) [83] و (البيهقي) [3/ 105] عن مقاتل بن حيا أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إن جاء فلم يجد أحدًا .. فليختلج إليه رجلاً من الصف فلقم معه, فما أعظم أجر المختلج! " فما أعظم أجر المختلج! " وهذا إذا كان في القيام، أما في غيره .. فلا كما تقدم.
والقول الثاني - وهو المنصو في (البويطي) -: أنه يقف منفردًا ولا يجر إلى نفسه أحدًا، وصححه جماعة، لأنه يؤدي إلى الإخلال بالصف وتفويت الفضيلة على المجرور.
وعن مالك وأبي حنيفة: كراهة الجذب.

بَعْد اَلإِحْرَامِ، وَلْيُسَاعِدْهُ اَلْمَجْرُورُ.
وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِاَنْتِقَالاَت اَلإِمَام، بِأَنْ يَرَاهُ أَوْ بَعْضَ صَفِّ، أَوْ يَسْمَعَهُ أَوْ مُبَلِّغًا، وَإِذاَ جَمَعَهُمَا مَسْجِدٌ .. صَحَّ اَلاِقْتِدَاءُ وَإِنْ بَعُدَتِ اَلْمَسَافَةُ وَحَالَتْ أَبْنِيَةٌ  قال: (بعد الإحرام)؛ لأن المجذوب يصير منفردًا إلى أن يحرم، فيفوت عليه الفضيلة.
قال: (وليساعده المجرور)؛ ليحصل له فضيلة المعاونة على البر والتقوى.
قال: (ويشترط علمه بانتقالات الإمام) بالإجماع، ولأنه بدون العلم بذلك لا تمكنه المتابعة.
قال: (بأن يراه أو بعض صف، أو يسمعه أو مبلغًا) هذا من جملة أسباب العلم، ولم يستوعب المصنف الأسباب، وإنما ذكر أمثلة منها.
ولا يكفي عندما وعند جمهور العلماء ذلك، بل لابد معه من أن يعد الإمام والمأموم مجتمعين، والدعاء إلى الجماعة، وكان كل يصلي في بيته وفي سوقه بصلاة الإمام في المسجد إذا علمها وهو خلاف الكتاب والسنة.
ولا فرق في المبلغ بين أن يكون مصليًا أو غيرهن وكلام الشيخ أبي محمد في (الفروق) يقتضي: اشتراط كونه مصليًا، وأن يكون ثقة، لكن قال في (شرح المهذب)، في (باب الأذان): قبول خبر الصبي في ذلك كله.
وكان الصواب التعبير بـ (الكاف) يدل (الياء)؛ لأن الأعمى الأصم لو علم ذلك بحركات شخص إلى جانبه .. كفى على النص.
قال: (وإذا جمعهما مسجد .. صح الاقتداء وإن بعدت المسافة وحالت أبنية)، كصحن المسجد وصفته وسرداب وبئر في وسطه ومنارة فيه؛ لأن المسجد كله مبني للصلاة، فالمجتمعون فيه مجتمعون لإقامة صلاة الجماعة مؤدون لشعارها - إذا علم المأموم بصلاة الإمام، ولم يتقدم عليه.

وَلَوْ كَانَا بِفَضَاءٍ .. شُرِطَ أَنْ لاَ يَزِيدَ مَا بَيْنَهُمَا عَلى ثَلاثَ مِئَةِ ذَرَاعٍ  وشرط البنائين في المسجد أن ينفذ أحدهما إلى الآخر، ولا يضر حينئذ إغلاق باب بينهما ولا مرقا السطح على الأصح.
أما المساجد التي يفتح بعضها إلى بعض .. فلها حكم المسجد الواحد ولو انفرد كل منها بإمام ومؤذن وجماعة.
ولو حال بين المسجدين نهر أو طريق أو حائط بلا نفوذ .. فكملك مع مسجد.
وأما رحبة المسجد .. فعدها الأكثر منه، ولم يذكروا فرقًا بين أن يكون بينها وبين المسجد طريق أم لا، ونزلها ابن كج - إن كانت منفصلة - منزلة مسجد آخر.
قال: (ولو كانا بفضل) وهو: المكان الواسع، سواء كان محوطًا أو غير محوط، كالبيت الواسع مسقفًا كان أو غير مسقف.
قال: (.. شرط أن لا يزيد ما بنيهما على ثلاث مئة ذراع)؛ لأن ذلك قريب عادة.

تَقْرِيبًا، وَقِيَ: تَحْدِيدًا.
فَإِنْ تَلاَحَقَ شَخْصَانِ أَوْ صَفَّانِ .. اُعْتُبِرَتِ اَلْمَسَافَةُ بَيْنَ الأَخِيرِ وَالأَوَّلٍ  وقيل: إن ذلك أخذ من صلاة النبي صلي الله عليه وسلم في صلاة الخوف؛ فإنه انحاز بالجماعة إلى حيث لا تناله سهام العدو، وسهام العرب إنما تبلغ إلى هذه الغاية غالبًا.
قال الإمام: كنت أود لو قال قائل من أئمة المذهب: يراعى في التواصل مسافة يبلغ فيها صوت الإمام المقتدي لو رفعه قاصدًا به تبليغًا على الحد المعهود.
و (الذراع) بالذال المعجمة، والمراد به هنا: ذراع اليد المذكور في مساحة القلتين.
قال: (تقريبًا)؛ لعدم ورود ضابط له في الشرع، فلو زاد على ذلك زيادة غير متفاحشة .. لم يضر، وقيدها في (الشافي) بذراعين، وفي (البحر) و (المذهب) بثلاثة.
قال: (وقيل: تحديدًا)، فلو زاد ذراع .. ضر، وهو قول أبي اسحاق المروزي.
قال الإمام: كيف يطمع الفقيه في التحديد، ونحن في إثبات التقريب على علالة؟! وفيه طريقة ثانية: أنه تقريب وجَها واحدًا.
قال: (فإن تلاحق شخصان أو صفان .. اعتبرت المسافة بين الأخير والأول) ولو بلغ بين الإمام والأخير فراسخ.
وفي وجه: يعتبر ما بين الإمام والصف الآخر.
ولا فرق بين أن يكون هذا التباعد وراء الإمام أو عن يمينه أو عن يساره كما اقتضاه إطلاق الكتاب.

وَسَوَاءٌ اَلْفَضَاءُ اَلْمَمْلُوكُ وَاَلْوَقْفُ وَاَلْمُبّغَّضُ.
وَلاَ يَضُرُّ اَلْشَّارِعُ اَلْمَطْرُوقُ وَاَلْنَّهَرُ اَلْمُحْوِجُ إِلَى سِبَاحَةٍ عَلَى اَلْصَّحِيحِ.
وَإِنْ كَانَا فِي بِنَاءَيْنِ كَصَحْنٍ وَصُفَّهٍ أَوْ بَيْتٍ .. فَطَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا: إِنْ كَانَ بِنَاءُ اَلْمَامُومٍ يَمِينًا أَوْ شِمَالاً .. وَجَبَ اَتِّصَالُ صَفٍّ مِنْ أَحَدِ اَلْبِنَاءَيْنِ بِاَلآَخَرِ، وَلاَ تَضُرُّ فَرْجَهٌّ لاَّ تَسَعُ وَاقِفًا فِي اَلأَصَحِّ  قال: (وسواء) أي: في الصحة (الفضاء المملوك والوقف والمبعض) وهو الذي بعضه وقف، وبعضه طلق؛ لعموم الأدلة.
قال: (ولا يضر الشارع المطروق والنهر المحوج إلى سباحة على الصحيح)؛ لأن ذلك ليس بحائل؛ إذ الماء لم يخلق للحيلولة، وإنما خلق للمنفعة، فلا يمنع الائتمام كالنار، وهي لا تمنع بالإجماع.
أما النهر الذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر بلا سباحة كالوثوب أو الخوض أو العبور على جسر .. فلا يضر، وادعى المصنف الاتفاق عليه.
والوجه الثاني: يضر، ووجه في (الشارع) بوقوع الحيلولة عن الاطلاع - على أحوال الإمام فتعسر المتابعة.
و (النَّهَر والنَّهْر) لغتان، والجمع) انهار ونهر.
قال: (وإن كانا في بناءين كصحن وصفة أو بيت .. فطريقان: أصحهما) وهي طريقة القفال وموافقيه: (إن كان بناء المأموم يمينًا أو شمالاً .. وجب اتصال من أحد البناءين بالآخر)؛ لأن اختلاف البناء يوجب كونهما متفرقين، فلابد من رابطة يحصل بها الاتصال.
و (الصحن): وسط الدار.
قال: (ولا تضر فرجة لا تسع واقفًا في الأصح)؛ لأن ذلك يعد صفًا واحدًا.
والثاني: يضر؛ لعدم الاتصال الحقيقي.

وَإِنْ كَانَ خَلْفَ بِنَاءِ اَلإِمَامِ .. فَاَلْصَّحِيحُ: صِحَّهُ اَلْقُدْوَةِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَ اَلصَّفَّيْنِ أَكْثّرُ مِنْ ثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ.
وَاَلْطَرِيقُ اَلْثَّانِي: لاَ يُشْتَرَطُ إِلاَّ اَلْقُرْبُ كَاَلْفَضَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ أَوْ حَالَ بَابٌ نَاَّفِذٌّ، فَإِنْ حَالَ مَا يَمْنَعُ اَلْمُرُورَ لاَ اَلَرُّؤْيَةَ .. فَوَجْهَانِ،

 و (الفرجة) بضم الفاء وفتحها: الخلل بين الشيئين.
قال: (وإن كان خلف بناء الإمام .. فالصحيح: صحة القدوة بشرط أن لا يكون بين الصفين) أيك أي اللذين أحدهما في بناء الإمام والآخر في بناء المأموم (أكثر من ثلاثة أذرع) أي: تقريبًا؛ لأنها تعد جماعة واحدة، ولأن الحاجة تمس إلى الاقتداء هها كما في اليمين والشمال، وبذلك يحصل الاتصال العرفي .. وإنما جوزنا في اليمين والشمال؛ لأن الاتصال المحسوس يتواصل المناكب فيه ممكن.
والثاني: لا يصح؛ لأن اختلاف البناء يوجب الافتراق، ولم ينجبر ذلك بالاتصال المحسوس بتواصل المناكب.
قال: (والطريق الثاني: لا يشترط إلا القرب كالقضاء)؛ للقياس الذي أشار إليه.
فعلى هذا: يصح الاقتداء ما لم يزد ما بينه وبين آخر صف على ثلاث مئة ذراع، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي، وأكثر العراقيين.
قال: (إن لم يكن حائل أو حال باب نافذ) أي: فوقف بحذائه صف أو رجل.
وفي عبارة المصنف غلاقة؛ لأن النافذ ليس بحائل، وصوابها أو كان باب نافذ، ومع ذلك لا يحتاج إلى ذكر ذلك مع قوله: (إن لم يكن حائل).
قال: (فإن حال ما يمنع المرور لا الرؤية) أي: كالشباك (.. فوجهان): أحدهما: الصحة؛ لوجود القرب والمشاهدة، فهو كان لو كان معهم.
ولا عبرة بالاستطراق، ألا ترى أنه إذا بعد في الصحراء .. لا يصح الاقتداء وإن كان الاستطراق ممكنًا.
والثاني: لا يصح؛ لأن بينهما حائلاً يمنع الاستطراق فأشبه الحائط .. ولا اعتبار بالمشاهدة كما لو زاد بعده عن ثلاث مئة ذراع .. فإنه لا يصح مع المشاهدة.

أَوْ جِدَارٌ .. بَطَلَتْ بِاَتِّفَاقِ اَلْطَّرِيقَيْنِ .. قُلْتُ: اَلْطَّرِيقُ اَلْثَّانِي أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

 وأطلق المصنف الوجهين كما في (المحرر) و (الشرح)، وصحح في (شرح المذهب) و (التحقيق): أنه لا يصح، وكذلك صححه في (أصل الروضة)، ولا تصحيح في (الشرح الكبير)، وليس في (المنهاج) خلاف مرسل إلا هذا الموضع وموضع آخر في (نفقة الأقارب) لا ثالث لهما، إلا ما كان مفرعًا على وجه ضعيف، كالأقوال المفرعة على تعارض السنتين، وفي (المحرر) بلا تصحيح ثمانية مواضع لا تاسع لها.
فرع: إذا كان الشباك في جدار المسجد، ككثير من الأربطة المتصلة بالمسجد الحرام والمدينة الشريفة وبيت المقدس .. صحت الصلاة إذا وقف المأموم في نفس الجدار؛ لأن جدار المسجد من المسجد، والحيلولة فيه بين الإمام والمأموم لا تضر كما تقدم.
قال: (أو جدار .. بطلت باتفاق الطرفين) وإن علم بصلاة الإمام؛ لأن الجدار معد للفصل بين الأماكن، فإذا صلى في دار أو نحوها بصلاة الإمام في المسجد وحال حائل .. ولم يصح عندنا - وبه قال أحمد - لقوله صلي الله عليه وسلم: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، ووقفه أصح من رفعه.
وقال مالك: تصح إلا في الجمعة.
وقال أبو حنيفة: تصح مطلقًا.
قال: (قلت: الطريق الثاني أصح والله أعلم) وهو في ترجيح هذا تابع لمعظم العراقيين، والأولى طريقة المراوزة.
قال الشيخ: وصفف المدارس الشرقية والغربية إذا كان الواقف فيها لا يرى الإمام ولا من خلفه .. الظاهر: أن القدوة ممتعة فيها - كما صححه الرافعي والمصنف من الطريقين - لامتناع الرؤية دون المرور، وإنما يجئ أحدهما إذا حصل إمكان الرؤية

وَإِذَا صَحَّ اَقْتِداؤُهُ فِي بِنَاءٍ آَخَرَ .. صَحَّ اَقْتِدَاءُ مَنْ خَلْفَهُ وَإِنْ حَالَ جِدَارٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلإِمَامِ.
وَلَوْ وَقَفَ فِي عُلُوٍّ وَإمَامُةُ فِي سُفْلٍ أَوْ عَكْسِهِ .. شَرِطَ مُحَاذَاةُ بَعْضِ بَدَنِهِ بَعْضَ بَدَنِهِ  والمرور جميعًا .. فلا تصح الصلاة فيها على الصحيح، إلا بان تتصل الصفوف من الصحن بها، قال: ولم أر في ذلك تصريحًا.
قال: (وإذا صح اقتداؤه في بناء أخر .. صح اقتداء من خلفه وإن حال جدار بيته وبين الإمام) تبعًا له، وهم معه كالمأمومين مع الإمام، ولهذا لا يجوز تقدمهم عليه في الموقف، ولا في تكبيرة الإحرام.
قال: (ولو وقف في علو وإمامه في سفل أو عكسه .. شرط محاذاة بعض بدنه بعض بدنه)، وذلك بأن يحاذي رأس الأسفل قدم الأعلى على الأصح؛ لأنه لابد من الاتصال المحسوس.
وشرط الشيخ أبو محمد أن يحاذي رأس الأسفل ركبة الأعلى.
والاعتبار بالقيام من معتدل القامة، حتى لو لم تحصل المحاذاة لأجل قصره أو قعوده .. لم يضر.
وصورة المسألة: أن لا يكونا في مسجد، فإن كانا فيه .. صح قطعًا كما تقدم.
والربط والخانات في حكم الدور.
قال الشيخ: واشتراط المحاذاة التي أطبق عليها الأصحاب يحتاج إلى دليل، والمعتمد في هذا الباب: العرف وأن الإمام والمأموم يعدان مجتمعين، وكأن الأصحاب رأوا أن بفوات المحاذاة يفوت ذلك.
ومتى فاتت المحاذاة على الصفة المذكورة صار حكمه حكم السطح.
و (العلو) مثلث العين، و (السفل) بضم السين وكسرها.

وَلَوْ وَقَفَ فِي مَوَاتٍ وَإِمَامُهُ فِي مَسْجِدِ، فَإِنْ لَمْ يَحُلْ شَيْءٌ .. فَاَلْشَّرْطُ اَلْتَّقَارُبُ مُعْتَبَرًا مِن آخِرِ اَلْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: آَخِرِ صَفٍّ، وَإِنْ حَالَ جدِاَرٌ أَوْ بَابٌ مُغْلَقٌ .. مَنَعَ،

 قال: (ولو وقف في موات وإمامه في مسجد، فغن لم يحل شيء .. فالشرط التقارب) - كوقوفهما في الفضاء - وهو: أن لا يتأخر أكثر من ثلاث مئة ذراع.
قال: (معتبرًا من آخر المسجد) هذا تفريع على الصحيح؛ لأن المسجد مبني للصلاة فلا يدخل في الحد الفاصل.
قال: (وقيل: آخر صف)؛ لأن الاتصال مرعي بينه وبين الإمام لا بينه وبين المسجد.
وعلى هذا، فإذا لم يكن فيه المسجد الإمام .. اعتبرنا المسافة من موقفه، وكان ينبغي أن يقول: من آخر مأموم؛ لأن المنفرد إذا اقتدى به .. اعتبرت المسافة منه على هذا.
وقيل: يعتبر من حريم المسجد، وهو: المهيأ لمصلحته كانصباب الماء إليه وطرح المقامات.
وفي كلام الشافعي والشيخ أبي محمد .. اعتبار فناء المسجد، وهو محتمل للوجه الأول والثالث.
قال: (وإن حال جدار أبو باب مغلق .. منع)؛ لعدم الاتصال، سواء علم بحال الإمام أم لا.
وقال أبو إسحاق المروزي: يصح الاقتداء، ولا يكون حائط المسجد حائلاً، سواء كان قدام المأموم أم عن جنبه؛ لأنه من جملة أجزاء المسجد، أما جدار غير المسجد .. فيمنع الاقتداء قطعًا.
وقوله: (مغلق) هو الأفصح.
قال أبو الأسود الدؤلي - واسمه: ظالم بن عمرو -[من البسيط]: ولا أقوم لقدر القوم: قد غليت ... ولا أقول لباب الدار: مغلوق

وَكَذَا اَلْبَابُ اَلْمَرْدُودُ وَاَلْشُّبَّاكُ فِي اَلأَصَحِّ  وقوله تعالى: ﴿وغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ شدد للكثرة.
قال: (وكذا الباب المردود والشباك في الأصح)؛ لحصول الحائل من وجه دون وجه؛ لأن الباب المردود مانع من المشاهدة، والشباك مانع من الاستطراق فغلب جانب المنع.
والثاني: لا يمنع لحصول الاتصال من وجه، وهو الاستطراق في الصورة الأولى، والمشاهدة في الثانية.
لكن في (فتاوي البغوي): لو كان الباب مفتوحًا وقت الإحرام، فأغلق في أثناء الصلاة .. لم يضر، وقيل: يصح لحصول الاتصال من وجه.
ثم إن المصنف تبع في تصحيحه هذا (المحرر) هنا: وإن كان قد أهمله فيمتا تقدم في البناءين وهما سواء لاتحاد العلة.
و (الشباك) واحدة الشبابيك، وهي: المشبكة من الجديد والقصب ونحوه.
فرع: صلاة الجماعة في السفينة جائزة، فلو كانت ذات طبقتين فصلى الإمام في طبقة واقتدى به بعضهم في طبقة أخرى .. فهي كالدار ذات البيوت.
وإن صلى في سفينة وإمامة في أخرى، فإن كانتا أو إحداهما مغطاة .. لم يصح، وإن كانتا مكشوفتين .. صح إذا علم بصلاته ولم يزد ما بينهما على ثلاث مئة ذراع من موقف الإمام إن كان وحده، وإلا .. فمن أخر صف.
قال الماوردي: وكذا إن كان أحدهما في سفينة والآخر على الشط.
وعن الإصطخري: أنه شرط في الصحة أن تشد إحدى السفينتين بالأخرى؛ لاحتمال تقدم سفينة المأموم على سفينة الإمام، ولأن الماء يمنع الاستطراق.
فإن كانت الريح عاصفة بحيث لا يؤمن أن تسبق إحداهما .. كره وأجزأتهم الصلاة إذا لم يتقدم المأموم على الإمام.

قُلْتُ: يُكْرَهُ اَرْتِفَاعُ اَلْمَامُوم عَلَى إِمَامِهِ، وَعَكْسُهُ إِلاَّ لِحَاجَةٍ .. فَيُسْتَحَبُّ، وَلاَ يَقُومٌ حَتَّى يَفْرُغَ اَلْمُؤَذِّنُ مِنَ اَلإِقَامَةِ،  قال: (قلت: يكره ارتفاع المأموم على إمامه، وعكسه).
أما الثاني: فلما روى أبو داوود [597] والحاكم [1/ 210] أن حذيفة أم الناس على دكان بالمدائن، فأخذه ابن مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ .. قال: (الم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى وقد ذكرت حين جبذتني).
وأما الأول .. فمن باب أولى.
وهذا إذا أمكن وقوفهم على مستو من الأرض أو غيرها، فإن كان ولابد من وقوف أحدهما أعلى من الآخر .. فقال القاضي حسين: الأولى أن يقف الإمام أعلى.
قال: (إلا لحاجة .. فيستحب) أي: فيهما، والمراد: حاجة تتعلق بالصلاة، كتعليم الإمام القوم أو تبليغ المؤذن، بل في هذه الحالة يستحب أن يقف في موضع عال كما فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم في حديث سهل بن سعد في (الصحيحين) [خ 917 - م 544] فإنه يقال: (يا أيها الناس؛ إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي).
ولو حضر مأموم فلم يجد إلا موضعًا مرتفعًا .. لم يكره له ذلك، ولا نول: إنه يستحب.
قال: (ولا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة)؛ لأنه ما لم يفرغ منها لم يحضر وقت الدخول في الصلاة، ويكون مشتغلاً بجوابه، ولو أسقط لفظ (المؤذن) .. لكان أحسن، لكنه جرى على الغالب.

وَلاَ يَبْتَدِئُ نَفْلاً بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ .. أَتَمَّهُ إِنْ لَمْ يَخْشَ فَوْتَ اَلْجَمَاعَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ  وصحح في (الكافي): أنه يقوم عند: قد قامت الصلاة.
وقال الماوردي والروياني: البطيء النهضة يقوم عند: قد قامت الصلاة، والسريع بعد الفراغ.
وقال الحليمي: إن أقام الإمام .. قاموا عند: قد قامت الصلاة، وإن أقام غيره .. لم يقوموا حتى يروا الإمام وقد خرج أو نهض إن كان بينهم؛ لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم في الحديث المشهور في (الصحيحين) [خ 637 - م 604] عن أبي قتادة: (إذا أقيمت الصلاة .. فلا تقوموا حتى تروني) وفي رواية [م 604]: (حتى تروني خرجت).
والمراد (بالقيام): التوجه والإقبال؛ ليشمل المصلي قاعدًا أو مضطعجًا.
قال: (ولا يبتدئ نفلاً بعد شروعه فيها)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة .. فلا صلاة إلا المكتوبة) رواه مسلم [710]. وفي (الصحيحين) أن النبي صلي الله عليه وسلم رأى رجلاً وقد أقيمت صلاة الصبح صلى ركعتين، فلما انصرف .. قال: (الصبح أربعًا؟! الصبح أربعًا؟!) ووهم الحاكم فاستدركه عليهما.
ولا فرق بين الرواتب وغيرها.
قال: (فإن كان فيه .. أتمه إن لم يخش فوت الجماعة والله أعلم)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
فإن خشي فوت الجماعة بأن يسلم الإمام .. قطع النافلة؛ لأن الجماعة أفضل.
لكنى يستثنى ما لو وجد جماعة أخرى يصلون الكسوف .. فإنه يستحب له أن يصليها معهن خوف فواتها.
وقال الرافعي: إن دخل يوم الجمعة والإمام في آخر الخطبة .. لا يصلي التحية؛ لئلا يفوته أول الجمعة مع الإمام.

فَصْلٌ: شَرْطُ اَلْقُدْوَةِ: أَنْ يَنْوِيَ اَلْمَامُومُ مَعَ اَلْتَكْبِيرِ اَلاِقْتِدَاءَ أَوِ اَلْجَمَاعَةَ  والمراد بـ (الفوت): السلام، أو لم يبق ركعة على الخلاف، أما الجمعة.
فركعة.
تتمة: قال الشافعي رحمه الله: إذا أقيمت الصلاة وهو في الفرض .. أحببت له أن يسلم من ركعتين ليكونا له نافلة، فإن بقي من فرضه ركعة أو ثنتان .. أتمه ثم صلى جماعة.
قال المتولي: كل ذلك إذا لم يخش خروج الوقت، فإن خاف .. لم يجز قطعها.
قال: (

فصل

: شرط القدوة: أن ينوي المأموم مع التكبير الاقتداء أو الجماعة)، وإلا .. لم تكن صلاة جماعة، لأن التبعية عمل فافتقرت إلى النية؛ للحديث.
ويقوم قمام نية الائتمام نية الصلاة في جماعة أو مأمومًا كما قاله مجلي.
وقد سوى المصنف بين نية الاقتداء والجماعة، والأول أخص من الثاني، فلو حضر اثنان ونوى كل منهما الجماعة من غير تمييز للإمام .. لم يصح.
وكأن المراد بنية الجماعة هنا: التي هي حاضرة مع الإمام كما صرح به غيره، وحينئذ هي راجعة إلى نية الاقتداء.
وإنما قال: (مع التكبير) لأمرين: أحدهما: توطئة لما بعده؛ فإنه إذا لم يقرنها بالتكبير .. انعقدت فرادى، فإن تابعه في أفعاله .. بطلت صلاته.
والثاني: الخروج من الخلاف الآتي فيما إذا اقتدى في أثناء الصلاة.
وحاصله: أنه لا يتابعه إلا غذا نوى الاقتداء به، إما مع التكبير قطعًا، أو بعده في الأصح.
وقد استشكل الرافعي في (الشرح الصغير) صحة الاقتداء بنية الجماعة؛ لأن كلاً

  • وَاَلْجُمُعَةُ كَغَيرِهَا عَلَى اَلْصَّحِيحِ - فَلَوْ تَرَكَ هَذِهِ اَلْنِّيّةَ وَتَابَعَ فِي اَلأَفْعَالِ .. بَطَلَتْ صَلاَتُهُ عَلَى اَلَّصِحيحِ.
    وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ اَلإِمَامِ،  من الإمام والمأموم في جماعة، فليس في نية الجماعة المطلقة نية الاقتداء بالغير وربط فعله بفعله.
    قال: (والجمعة كغيرها على الصحيح)، فيلزم المأموم فيها نية الاقتداء لتعلق صلاته بصلاة الإمام، لكنه إن لم ينوه .. لم تنعقد بخلاف غيرها؛ فإنها تنعقد فرادى.
    والثاني: لا؛ لأنها لا تصح إلا بجماعة، فكان التصريح بنية الجمعة مغنيًا عن التصريح بنية الجماعة، وظاهر كلام الشيخ عز الدين ترجيحه.
    والمصنف عبر بالمعية تبعًا لـ (المحرر)، وليس ذلك في (الشرح) ولا في (الروضة)، والشرط: وجود النية حال إرادة الاقتداء، سواء كان عند الإحرام أو بعده، كما ذكره فيما إذا أحرم منفردًا ثم نوى الاقتداء خلال صلاته.
    قال: (فلو ترك هذه النية تابع في الأفعال .. بطلت صلاته على الصحيح)؛ لأنه وقف صلاته على صلاة من ليس بإمام، فأشبه الارتباط بغير المصلي.
    والثاني: لا؛ لأنه أتى بالأركان على وجهها وليس فيه إلا أنه قارن فعله فعل غيره.
    وهذا يخرج بقوله: (وتابع).
    ولا خلاف أن الصلاة قبل المتابعة منعقدة على الانفراد، وإنما تبطل إذا انتظر ركوعه أو سجوده أو غيرهما وطال انتظاره، فإن كان يسيرًا .. فلا تبطل قطعًا، وكذا إذا حصل ذلك اتفاقًا لا عن قصد، فإن ذلك لا يضر.
    وإذا قلنا بالصحة .. لم يحصل له ثواب الجماعة؛ لأنه لم ينوها.
    قال: (ولا يجب تعيين الإمام)؛ لأن مقصود الجماعة لا يختلف بذلك، بل يكفيه أن ينوي الاقتداء بالإمام الحاضر وإن لم يعرف من هو، قال الإمام: وهو أولى.
    فإن رأى مصليين على الانفراد فنوى الائتمام بهما .. لم تصح صلاته؛ لأنه

فَإِنْ عَيَّنَةُ وَأَخْطَأَ .. بَطَلَتْ صَلاَتُهُ.
وَلاَ يَشْتَرَطُ لِلإِمَامِ، نِيَّةُ اَلإِمَامَةِ،  لا يمكن أن يقتدي بهما في وقت واحدن فإن نوى الاقتداء بأحدهما من غير تعيين .. لم تصح صلاته؛ لأنه إذا لم يعين .. لم يمكنه الاقتداء.
قال: (فإن عينة وأخطأ .. بطلت صلاته)، كما إذا نوى الاقتداء بزيد فبان عمرًا، لأنه ربط صلاته بمن لم ينو الائتمام به.
فإن انضم إلى ذلك إشارة .. فالأرجح في زوائد (الروضة): الصحة تغليبًا للإشارة، وقال في (الكفاية): المنقول عدم الصحة، كما إذا قال: بعتك هذه البغلة، فإذا هي رمكة.
ونظير المسألة: إذا نوى التكفير عن الظهار وعليه كفارة يمين، أو الزكاة عن ماله الغائب فكان تالفًا، أو الصلاة على زيد فإذا هو عمرو .. لا يجزئه.
وقال الشيخ: ينبغي أن تبطل نية الاقتداء لا نية الصلاة، فإذا بطل الاقتداء فإن تابعه .. يخرج على متابعه من ليس بإمام، بل ينبغي هنا أن تصح؛ لأنه تابعه ظانًا أنه إمام.
كذا بحثه في (باب التيمم).
قال: (ولا يشترط للإمام نية الإمامة) أي: في غير الجمعة؛ فإنه مستقل بنفسه بخلاف المأموم، فإنه تابع.
وقال القفال وأبو إسحاق والباب شامي: يشترط؛ لأنه أحد ركني الجماعة فأشبه المأموم.
وإذا لم ينو .. لم تحصل له فضيلة الجماعة في الأصح.
وقيل: تحصل؛ لأن القدوة به قد حصلت له الفضيلة؛ ولأن المأمومين يكثر أجرهم بكثرة العدد وليس لهم فيه نية.
وقيلك إن علم بهم .. لم تحصل، وإلا .. حصلت.

وَتُسْتَحبُّ، فَلَوْ أَخْطَأَ فِي تَعْيِينِ تَابِعِهِ .. لَمْ يَضُرَّ.
وَتَصحُّ قُدْوَةُ اَلْمُؤَدِّي بِاَلْقَاِضي، وَاَلْمُفْتَرِضِ بِاَلْمُتَنَقِّلِ، وَفِي اَلْظُّهْرِ بِاَلْعَصْرِ، وَبِاَلْعكُوسِ،  وحديث: (من يتصدق على هذا) يؤيد الحصول مطلقًا.
أما الجمعة .. فيلزمه فيها أن ينوي الإمامة في الأصح إذا كان من أهل الوجوب.
قال: (وتستجب) أي: له ذلك؛ لينال فضيلة الجماعة ويخرج من خلاف أحمد؛ فإنه أوجبها.
قال العجلي: وإذا نوى في الأثناء .. نال ثوابها من حين النية.
وقياس نية الصوم في أثناء النهار: أن يثاب من أول الصلاة.
فائدة: قال صاحب (البيان): لا تصح نية الإمامة من الإمام حالة إحرامه؛ لأنه في هذه الحالة غير إمام.
وقال الشيخ برهان الدين الزاري: لا ينبغي نية الإمامة مع الإحرام؛ لأنه كاذب بقوله: إمامًا، وإن أراد الوعد .. فالنية لا تكون كذلك.
والمنقول في المسألة: أنه ينوي حالة الإحرام، صرح به الشيخ أبو محمد في (التبصرة)، والمصنف في (صفة الصلاة) في (شرح المهذب)، كما تقدم التنبيه عليه.
قال: (فلو أخطأ في تعيين تابعه .. لم يضر)؛ لأن أصل النية ليست بشرط في حقه، بخلاف نية الائتمام، وهذا لا خلاف فيه.
قال: (وتصح قدوة المؤدي بالقاضي، والمفترض بالمتنقل، وفي الظهر بالعصر، وبالعكوس)، ولا يضر في ذلك اختلاف النيات.
وقال الماوردي: أجمعت الصحابة على صحة الفرض خلف النفل.

وَكَذَا اَلْظُّهْرُ بِاَلْصُّبْحِ وَاَلْمَغْرِبِ، وَهُوَ كَاَلْمَسْبُوقِ، وَلاَ تَضُرُّ مُتَابَعَةُ اَلإِمَامِ فِي اَلْقُنُوتِ وَاَلْجُلُوسِ اَلأَخِيرِ فِي اَلْمَغْرِبِ، وَلَهُ فِرَاقُةُ إِذَا اَشْتَغَلَ بِهِمَا.
وَتَجُوزُ اَلْصُّبْحُ خَلْفَ اَلْظُّهْرِ فِي اَلأَظْهَرِ،  أما عند اتفاق العدد .. فلما روى الشيخان [خ 701 - م 465] عن جابر قال: (كان معاذ يصلي مع النبي صلي الله عليه وسلم العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصليها بهم)، وفي رواية للشافعي [أم 1/ 173]: (هي له تطوع ولهم مكتوبة).
قال الشافعي: ولا يظن بمعاذ أنه كان يترك الفرض خلف رسول الله صلي الله عليه وسلم ويصلي معه النفل وقد قال صلي الله عليه وسلمك (إذا أقيمت الصلاة .. فلا صلاة إلا المكتوبة).
وفي صحة الفرض خلف صلاة التسبيح وجهان، الأصح: الصحة.
قال: (وكذا الظهر بالصبح والمغرب، وهو كالمسبوق) فيجوز وإن كانت صلاة المأموم أطول من صلاة الإمام؛ لإمكان الإتيان ببعضها معه وبالباقي بعده.
قال: (ولا تضر متابعة الإمام في القنوت والجلوس الأخير في المغرب) كالمسبوق.
قال: (وله فراقه إذا اشتغل بهما) أي: بالقنوت والجلوس، ولا يتخرج على المفارقة بغير عذر؛ مراعاة لنظم الصلاة، لكن الأفضل عدم مفارقته.
قال: (وتجوز الصح خلف الظهر في الأظهر)، وكذا كل صلاة أقصر من صلاة الإمام قياسًا على الصورة السابقة، والجامع: اتفاق صلاته مع ما يأتي به الإمام من الأفعال الظاهرة.
والثاني: لا، لأنه يدخل في الصلاة بنية مفارقة الإمام.
وللأول أن يجيب بأنها مفارقة بعذر، وقطع أهل العراق بالأول، وصححها في (الروضة) تبعًا للرافعي، وضعف طريقة القولين.

فَإِذَا قَامَ لِلثَّالِثَةِ: إِنْ شَاءَ .. فَارَقَهُ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ .. اَنْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ، قُلْتُ: اَنْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ أَمْكَنَهُ اَلْقُنُوتُ فِي اَلثَّانِيَةِ .. قَنَتَ، وَإِلاَّ .. تَرَكَهُ، وَلَهُ فِرَاقُهُ لِيَقْنُتَ.
فَإِنِ اَخْتَلَفَ فَعْلُهُمَا - كَمَكْتُوبَةٍ وَكُسُوفٍ أَوْ جَنَازَةٍ - .. لَمْ يَصِحَّ عَلَى اَلصَّحِيحِ  قال: (فإذا قام للثالثة: إن شاء .. فارقه وسلم، وإن شاء .. انتظره ليسلم معه، قلت: انتظاره أفضل والله أعلم).
أما المفارقة .. فلانقضاء صلاته، وأما الانتظار .. فلغرض أداء السلام في الجماعة، ولأن في المفارقة قطع القدوة وهي مكروهة.
قال: (وإن أمكنه القنوت في الثانية .. قنت)؛ تحصيلاً للسنة من غير مخالفة.
قال: (وإلا .. تركه)؛ لمتابعة الإمام.
ومقتضى كلام المصنف .. أنه لا يسجد.
قال: (وإلا .. تركه)؛ لمتابعة الإمام.
ومقتضى كلام المصنف .. أنه لا يسجد لترك القنوت، قال شيخنا: والقياس خلافه، وفيه نظر بل تركه هو القياس.
قال: (وله فراقة ليقنت) ويكون كقطع القدوة لعذر فتركه أفضل.
لكن في المغرب بالظهر إذا قام الإمام إلى الرابعة .. لا ينتظره في الأصح عند المصنف؛ لأنه يحدث تشهدًا وجلوسًا لم يفعله الإمام بخلاف الصورة السابقة؛ فإنه وافقه في تشهده ثم استدام.
فإذا قام الإمام إلى خامسة .. فارقه المأموم ولم ينتظر تسليمه كما جزم به في (شرح المهذب) في (باب الجنائز).
قال: (فإن اختلف فعلهما - كمكتوبة وكسوف أو جنازة - لم يصح على الصحيح)؛ لتعذر المتابعة.
والثاني - وهو قال القفال -: يصح؛ لأن المقصود من الاقتداء اكتساب الفضيلة، وكل واحد يراعي واجبات صلاته.
ثم إن ما ذكروه عند اختلاف فعلهما من منع الاقتداء مشكل؛ لأن الاقتداء في أول الصلاة لا مخالفة فيه، وإذا قام الإمام إلى الأفعال المخالفة وفارقه .. استمرت الصحة كمن صلى في صوب ترى عورته منه إذا ركع.
وقال في (الكفاية): إذا اقتدى به في القيام الثاني من الكرعة الثانية عالمًا أو جاهلاً ثم تبين الحال .. الذي يظهر: الصحة؛ لعدم المخالفة.

فَصْلُ: تَجِبُ مُتَابَعَةُ اَلإِمَامِ فِي أَفْعَالِ اَلْصَّلاَةِ، بِأَنْ يَتَأَخَّرَ اَبْتِدَاءُ فِعْلِهِ عَنِ اَبْتِدَائِهِ، وَيَتَقَدَّمَ عَلَى فَرَاغِهِ مَنْهُ،  تتمة: الصحيح الذي قطع به المتولي صحة الاقتداء بمصلي العيد كالاقتداء بمصلي الصبح، فإذا كبر الإمام التكبيرات الزائدة .. لا يتابعه المأموم، فإن تابعه .. لم تبطل.
ولو صلى العيد خلف من يقضي الصبح .. صح ويكبر التكبيرات الزائدة.
قال: (

فصل

: تجب متابعة الإمام في أفعال الصلاة)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (لا تبادروا الإمام، إذا كبر .. فكبروا، وإذا ركع .. فاركعوا) رواه مسلم [415]. واحترز بـ (الأفعال) عن الأقوال؛ فإن المتابعة فيها لا تجب، بل يجوز أن يسبقه بالقراءة والتشهد وغيرهما إلا في التحرم والسلام كما سيأتي: وإطلاق المصنف وجوب المتابعة في الأفعال يشمل السنن ولا تجب في جلسة الاستراحة، وإن حمل على الفرض .. ورد جلوس التشهد الأول وغيره.
ثم إن عبارته مصرحة بأن المقارنة محرمة وإن لم تبطل، وكذا عبارة (الروضة)، لكنه قال بعد بقليل: إن المقارنة جائزة في غير التحرم، ولكن تكره وتفوت بها فضيلة الجماعة، وهو تصريح بأن التأخر ليس بواجب، بل مستحب كما صرح به غيره.
فرع: في (فتاوي البغوي): أنه لو كبر فبأن أن الإمام لم يكبر .. انعقدت صلاته منفردًا، وقال غيره: لا تنعقد، وهو ضعيف.
وهما جوابان لشيخه القاضي حسين.
قال: (بأن يتأخر ابتداء فعله عن ابتدائه) أي: عن ابتداء فعل الإمام (ويتقدم على فراغه منه) أما تقدمه على فراغه منه .. فلا شك في وجوبه حيث لا عذر، وأما تأخر

فَإَنْ قَارَنَهُ .. لَمْ يَضُرَّ إلاَّ تَكْبِيرَةَ اَلِإحَرَامِ.
وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنِ بِأَنْ فَرَغَ اَلإِمَامُ مِنْهُ وَهُوَ فَيمَا قَبْلَهُ .. لَمْ تَبْطُلْ فِي اَلأَصَحِّ،  ابتداء فعله عن ابتداء فعل الغمام قليلاً .. فهو مستحب كما صرح به الإمام والغزالي في كتبه الثلاثة.
وأما ما أفهمه كلام الشيخين من وجوبه .. فتبعًا في ذلك البغوي.
قال: (فإن قارنه .. لم يضر)؛ لأنه لا يعدو بذلك مخالفًا.
وتعبيره بـ (المقارنة) أحسن من تعبير (المحرر) بالمساوقة؛ فإن المساوقة أن يجيء واحد بعد آخر.
وجزموا بكراهة المقارنة وأنه تفوق بها فضيلة الجماعة، ومقتضى هذا: أن تكون مبطلة في الجمعة؛ لأن الجماعة شرط فيها.
واستشكله الشيخ بأنهم صرحوا بعدم الفساد، وذلك يقتضي أنها جماعة وإلا .. لبطلت بمتابعة من ليس بإمام، وإنما هي جماعة فات فضلها.
قال: (إلا) في (تكبيرة الإحرام) فلا تنعقد إذا قارنه فيها، بل لابد من تأخر جمع لفظها؛ حتى يثبت للإمام كونه في صلاة فينتظم الاقتداء، فإذا قارنه في التكبيرة.
لم تنعقد صلاته؛ لأنه اقتدى بمن لم تنعقد صلاته بعد، ومن طريق الأولى إذا أحرم قبله - والأصح: أنه لا تضر المقارنة في السلام - وإذا شك: هل قارنه فيها أو تأخر عنه .. لم تنعقد.
ولا يخفى أن اشتراط تأخر تحرم المأموم عن تحرم الإمام إنما هو فيمن أراد الائتمام في أول صلاته، أما من صلى منفردًا ثم نوى الاقتداء في أثناء صلاته .. فتحرمه سابق، وذلك لا يضر على الأظهر.
قال: (وإن تخلف بركن بأن فرغ الإمام منه وهو فيما قبله .. لم تبطل في الأصح)؛ لأنها مخالفة يسيرة.
وقال صلي الله عليه وسلم: (لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود، فما أسبقكم به إذا ركعت .. تدركوني به إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت .. تدركوني به إذا رفعت) رواه ابن ماجه [963] من حديث معاوية بن أبي سفيان.

أَوْ بِرُكْنَيْنِ بِأَنْ فَرَغَ مِنْهُمَا وَهْوَ فِيمَا قَبْلَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ .. بَطَلَتْ.
وَإِنْ كَانَ بِانْ أَسْرَعَ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ قَبْلَ إِتْمَامِ اَلْمَامُومِ (اَلْفَاتِحَةَ) .. فَقِيلَ: يَتْبَعُهُ وَتَسْقُطُ اَلْبَقَيِةُّ، وَاَلْصَّحِيحُ: ئُتِمُهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِن ثَلاَثَةِ أَرْكَانِ مَقْصُودَةِ - وَهِيَ اَلْطَّوِيلَةُ -  والثاني: تبطل إذا فعله عامدًا للمخالفة.
والمراد بـ (الركن) ههنا: الفعلي، وتمثيل المصنف يشعر به.
قال: (أو بركنين بأن فرغ منهما وهو فيما قبلهما، فإن لم يكن عذر ... بطلت)، للمخالفة.
والمراد (بعدم العذر): بأن اشتغل بقراءة السورة أو تسبيح الركوع.
ولا فرق في التخلف بركنين بين الطويلين وغيرهما.
قال: (وإن كان بأن اسرع قراءته وركع قبل إتمام المأموم (الفاتحة)) وكذلك لو كان بطيء القراءة للعجز لا للوسوسة (.. فقيل: يتبعه وتسقط البقية)؛ لأنه معذور فأشبه المسبوق، فل وتخلف في هذه الحالة .. كان متخلفًا بغير عذر.
قال: 0والضحيح: يتمها) أي: يتم (الفاتحة) وجوبًا (ويسعى خلفه ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان)؛ لأن ترك (الفاتحة) إنما اغتفرناه للمأموم في الركعة الأولى، لتفاوت الناس في الحضور غالبًا والإحرام، بخلاف الإسراع في القراءة؛ فإن الناس غلبًا لا يختلفون فيه.
والذي قاله المصنف هنا اتفق فيه (الشرح) و (الروضة) و (التحقيق) وهو الصواب.
والذي في (المحرر): ما لم يسبقه بثلاثة أركان.
قال: (مقصودة، وهي الطويلة) فلا يحسب منها الاعتدال ولا الجلوس بين السجدتين؛ لأنهما تابعان ما قبلهما شرعًا للفصل لا لذاتهما، بخلاف القيام وغيره.
وعبارة المصنف تقتضي: أن القصير غير مقصود، وبه جزم في (الروضة) و (الشرحين).

فَإِنْ سُبِقَ بِأَكْثَرَ .. فَقِيلَ: يُفَارِقُهُ، وَالأَصَحُّ: يَتْبَعُهُ فَيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلاَمِ اَلإِمَامِ.
وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ (اَلْفَاتِحَةَ) لِشَغْلِهِ بِدُعَاءِ اَلاِفْتِتَاحِ .. فَمَعْذُورٌ هَذَا كُلُهُ فِي اَلْمُوَافِقِ،  ووقع في (التحقيق) و (الشرح الصغير): أنها مقصودة، وفي (أصل الروضة) هنا وفي (شرح المهذب): أن الأكثرين قالوا به.
وعلى هذا: فلا فائدة للتقييد بالمقصودة؛ لأن الجميع مقصود.
والأصل في المسألة: (صلاة النبي صلي الله عليه وسلم بعسفان).
فإذا ركع الإمام والمأموم قائم، ثم أدركه فيه .. فليس متخلفًا بركن فلا تبطل صلاته قطعًا.
فلو اعتدل الإمام والمأموم في القيام .. فالأصح في (زوائد الروضة): لا تبطل صلاته، فإن هوى إلى السجود .. بطلت على المذهب، فإن سجد ... بطلت قطعًا.
قال: (فإن سبق بأكثر) بأن قام الإمام إلى الركعة الثانية والمأموم بعد قائم في الأول .. لم يركع.
قال: (.. فقيل: يفارقه)؛ لتعذر الموافقة، وتكون مفارقة بعذر.
قال: (والأصح: يتبعه فيما هو فيه، ثم يتدارك بعد سلام الإمام)؛ لما في مراعاة نظم صلاته في هذه الحالة من المخالفة الفاحشة.
وقيل: يراعي نظم صلاة نفسه، ويجري على أثر إمامه، ويكون متخلفًا بعذر.
وهذان الوجهان كالقولين في مسألة الزحام.
قال: (ولو لم يتم (الفاتحة) لشغله بدعاء الافتتاح .. فمعذور) كما في بطيء القراءة.
قال: (هذا كله في الموافق) وهو: الذي أدرك قبل ركوع الإمام زمنًا يسع (الفاتحة).

فَأَمَّا مَسْبُوقُ رَكَعَ اَلإِمَامُ فِي فَاتِحَتِهِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بَالِافْتِتَاحِ وَاَلْتَّعَوُذِ .. تَرَكَ قِرَاءَةٌ وَرَكَعَ، وَهُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَإِلاَّ .. لَزِمَهُ قِرَاءَةٌ بِقَدْرِهِ.
وَلاَ يَشْتَغِلُ اَلْمَسْبُوقُ بِسُنَّةٍ بَعْدَ اَلْتَّحَرُّمِ، بّلْ بِـ (اَلْفّاتِحَةِ) إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ إِدْرَاكَهَا .....

 قال: (فأما مسبوق ركع الإمام في فاتحته .. فالأصح: أنه إن لم يشتغل بالافتتاح والتعوذ .. ترك قراءته وركع، وهو مدرك للركعة)؛ لأنه لم يدرك إلا ما يقرأ فيه بعض (الفاتحة)، فلا يلزمه زيادة عليه، كما أنه إذا لم يدرك شيئًا من القيام .. لا يلزمه شيء من (الفاتحة).
والوجه الثاني: أنه يركع معه مطلقًا للمتابعة، ويسقط باقي (الفاتحة).
قال البندنيجي وغيره: وهو المذهب ونص عليه الشافعي.
قال: (وإلا) أي: وإن اشتغل بالافتتاح والتعوذ (.. لزمة قراءة بقدره)؛ لتقصيره بالعدول عن الفرض إلى غيره.
والثاني: أنه يتم (الفاتحة) في الحالتين؛ لإدراكه القيام الذي هو محلها.
والثالث: يسقط ما بقي فيركع معه في الحالتين.
تنبيهان: أحدهما: إذا قلنا بالأصح فتخلف ليتم (الفاتحة) .. كان متخلفًا بعذر، فإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل ركوعه .. فاتته الركعة كما صرح به في (الوسيط) تبعًا للإمام، وكذا تفوته أيضًا إذا قلنا بالوجه الثاني، أما إذا قلنا بالثالث .. فلا.
الثاني: المنتظر سكتة الإمام ليقرأ فيها (الفاتحة)، فركع الإمام عقب فاتحته .. قال الشيخ محب الدين الطبري: لا نص فيها، ويحتمل أن يترتب على الساهي عن (الفاتحة) حتى ركع إمامه إن قلنا: إنه عذر .. ركع هذا معه وأدرك جميع الصلاة، وإلا .. احتمل هنا وجهان.
قال: (ولا يشتغل المسبوق بسنة بعد التحرم، بل بـ (الفاتحة)) كحذرًا من فواتها؛ لأن الاشتغال بالفرض أولى .. وهذا على جهة الاستحباب.
قال: (إلا أن يعلم إدراكها)؛ حيازة لفضيلة الفرض والنقل.

وَلَوْ عَلِمَ الْمَامُومُ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ تَرَكَ (الْفَاتِحَةَ) أَوْ شَكَّ .. لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا، بَلْ يَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ.
فَلَوْ عَلِمَ أَوْ شَكَّ وَقَدْ رَكَعَ الإِمَامُ وَلَمْ يَرْكَعْ هُوَ .. قَرَأَهَا وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْرٍ، وَقِيلَ: يَرْكَعُ وَيَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ.
وَلَوْ سَبَقَ إِمَامَهُ بِالتَّحَرُّمِ .. لَمْ تَنْعَقِدْ، أَوْ بِـ (الْفَاتِحَةِ) أَوِ التَّشَهُّدِ .. لَمْ يَضُرَّهُ وَيُجْزِئُهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ إِعَادَتُهُ  قال: (ولو علم المأموم في ركوعه أنه ترك (الفاتحة) أو شك .. لم يعد إليها)؛ لقوات محلها (بل يتدارك بعد سلام الإمام) كالمسبوق.
قال: (فلو علم أو شك وقد ركع الإمام ولم يركع هو ... قرأها)؛ لبقاء محلها.
قال: (وهو متخلف بعذر) أي: على الأصح، فيأتي فيه ما تقدم حتى لو أدركه في قيام الركعة الثانية .. صح دون ما بعده.
وقيل: هو متخلف بغير عذر لتقصيره بالنسيان.
قال: (وقيل: يركع ويتدارك بعد سلام الإمام) محافظة على متابعة الإمام.
قال: (ولو سبق إمامه بالتحرم .. لم تنعقد)؛ لما سبق في أول الفصل.
وهذه في الحقيقة مكررة.
هذا إذا سبقه عالمًا بعدم تحرمه أو مترددًا كما قاله القفال.
فلو سبقه ظانًا تحرمه، ثم بان له أنه لم يتحرم بعد .. فالأصح: ما قدمناه عن البغوي، وأحد جوابي شيخه، أنه تنعقد صلاته منفردًا.
قال: (أو بـ (الفاتحة) أو التشهد ... لم يضره)؛ لأنه لا تظهر به مخالفة فاحشة.
وقيل: تبطل كالركوع وهو ضعيف.
قال: (ويجزئه)، هذا تفريع على الأصح، والمراد: أنها تقع محسوبة.
قال: (وقيل: تجب إعادته) إما مع قراءة أو بعده؛ لأنه أتى به أولاً في غير محله.

وَلَوْ تَقَدَّمَ بِفِعْلِ - كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ - إِنْ كَانَ بِرُكْنَيْنِ .. بَطَلَتْ، وَإِلاَّ .. فَلاَ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِرُكْنٍ  وقال المتولي: السنة أن تتأخر قراءة المأموم عن قراءة إمامه في الجهريات - قال - فإن كانت الصلاة سرية .. فالأولى تأخير القراءة مقدار ماي علم أن الغمام فرغ من (الفاتحة).
فإن فرغ منها قبل شروع الإمام فيها .. ففيه أوجه: أصحها: تجزئ.
والثاني: لا تجزئ فتجب إعادتها.
والثالث: تبطل صلاته.
والتشهد كالقراءة.
قال: (ولو تقدم بفعل - كركوع وسجود - إن كان بركنين .. بطلت) أي: إذا كان عامدًا عالمًا بالتحريم؛ لفحش المخالفة، وإن كان ناسيًا أو جاهلاً .. لم تبطل ولم يعتد بتلك الركعة.
قال: (وإلا .. فلا) أي: إن لم يكن بركنين .. فلا تبطل لقلة المخالفة، سواء كان مقصودًا كالركوع أم لا؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) الحديث.
وفي (صحيح مسلم) [426]: (أيها الناس لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف).
قال: (وقيل: تبطل بركن) - أي: تام - بأن انتقل عنه وإن لم يصل إلى غيره؛ لأنه مخالف لصورة الاقتداء، ولهذا قلنا: التقدم في الموقف بجزء قليل يبطل وخالف تخلفه عن الإمام بركن؛ لأن رتبته التخلف.
ومحل ما ذكره المصنف في الركن المقصود، أما غيره .. ففي السبق به وجهان كما في التخلف.

فَصْلٌ: خَرَجَ اَلإِمَامُ مِنْ صَلاَتِهِ .. اَنْقَطَعَتِ اَلْقُدْوَةُ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُ وَقَطْعَهَا اَلْمَامُومُ .. جَازَ، وَفِي قْول: لاَ يجُوزُ إِلاَّ بِعُذْرٍ يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ اَلْجَمَاعَةِ،  تتمة: قال البغوي والمتولي: كراهة سبق المأموم الإمام بركن كراهة تحريم.
وهذا هو الأصح المنصوص؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟!) رواه الشيخان لأخ 691 - م 427]. وغيرهما أطلق الكراهة.
قال: (

فصل

: خرج الإمام من صلاته .. انقطعت القدوة)؛ لزوال الرابط سواء كان خروجه بحدث أو غيره.
وأفهمت عبارته .. أنه لا يجوز للمسبوق الجلوس بعد تسليم الإمام الأولي كما أفتى به ابن عبد السلام.
والمنصوص: أنه يستحب له أن لا يقوم حتى يسلم الإمام الثانية، وسيأتي في آخر الباب.
قال: (فإن لم يخرج وقطعها المأموم .. جاز)؛ لأن ما لا يتعين فعله .. لا يلزم بالشروع سواء كان تطوعًا أو فرض كفاية، ولأن إخراج نفسه من الجماعة بعد حصول شرطها لا يمنع حصولها، بدليل جوازه في الجمعة بعد حصول ركعة، ولأن الفرقة الأولى في صلاة ذات الرقاع فارقت النبي صلي الله عليه وسلم كما سيأتي.
وفي (الصحيحين) [خ 701 - م 465]: (أن معاذًا صلى بأصحابه العشاء فطول بهم، فانصرف رجل فصلى وحده، ثم أتى النبي صلي الله عليه وسلم فأخبره بالقصة، فغضب وأنرك على معاذ)، ولم ينكر على الرجل، ولم يأمره بإعادة الصلاة.
قال: (وفي قوله: لا يجوز إلا بعذر برخص في ترك الجماعة)؛ لأن فيه إبطالاً

وَمِنَ اَلْعُذْرِ: تَطْوِيلُ اَلإِمَامِ أَوْ تَرْكُهُ سُنَّةَ مَقْصُودَةُ كَتَشَهُّدٍ.
وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى اَلْقُدْوَةَ فِي خِلاَلِ صَلاَتِهِ .. جَازَ فِي اَلأَظْهَرِ  للعمل.
والله تعالى قال: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، وفي الحديث الصحيح السابق: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه).
وفي قول ثالث: لا يجوز لا بعذر ولا بغيره؛ للنهي عن الاختلاف على الإمام.
واستثنى ابن الرفعة وشارح (التعجيز) الجمعة؛ فإن شرطها الجماعة.
والذي في (الرافعي) و (الروضة): أنها على هذا الخلاف.
قال: (ومن العذر: تطويل الإمام) أي: والمأموم لا يصبر لضعف أو شغل؛ لحديث معاذ المذكور.
والثاني: أن التطويل ليس بعذر، وهو الذي نص عليه في (الأم).
ومن الأعذار: إذا رأى على ثوب إمامه نجاسة قاله القفال، وكذلك إذا انقضت مدة الخف فيها والمأموم يعلم ذلك.
قال: (أو تركه سنة مقصودة كتشهد)؛ ليأتي بتلك السنة.
ومثله: القنوت.
قال: ولو أحرم منفردًا، ثم نوى القدوة من خلال صلاته .. جاز في الأظهر)؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم صلى بأصحابه ثم تذكر أنه جنب، فأشار إليهم أن كما أنتم وخرج فاغتسل، وعاد ورأسه يقطر وتحرم بهم، رواه أبو داوود [226] بإسناد صحيح كما تقدم.
ولأن أبا بكر كان يصلي بالناس، فتقدم النبي صلي الله عليه وسلم فصلى واقتدى به أبو بكر والجماعة، متفق عليه [خ 684 - 421].

وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ أَخْرَى، ثُمَّ يَتْبَعُهُ قَائِمًا كَانَ أَوْ قَاعِدًا، فَإِنْ فَرَغَ اَلإِمَامُ أَوَّلاً .. فَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، أَوْ هُوَ .. فَإِنْ فَارَقَهُ وَإِنْ شَاءَ اَنْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ  وعلى هذا، هو مكروه، والمستحب إتمامها ركعتين ويسلم فتكون نافلة، ثم يقتدي، فإن لم يفعل .. استحب قطعها على الصحيح.
والثاني: لا يجوز وتبطل بها لصلاة للحديث السابق: (إذا كبر .. فكبروا)، وهذا كبر قبله، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
قال: (وإن كان في ركعة أخرى) أي: فإنه يجوز على الصحيح.
وأشار بهذا إلى أن القولين جاريان مطلقًا.
وقيل: محلهما إذا اتفقا في الركعة الأولى أو الثانية، فإن كان الإمام في ركعة والمأموم في أخرى .. بطلت قولاً واحدًا.
وقيل: إن دخل قبل ركوعه .. صحت قولاً واحدًا، والقولان فيمن دخل بعده.
وقيل: إن دخل بعد ركوعه .. بطلت قولاً واحدًا، والقولان قبله، فهذه أربع طرق.
قال: (ثم يتبعه قائمًا كان أو قاعدًا)، فيقوم في موضع قيامه ويقعد في موضع قعوده؛ لأنه من لوازم الاقتداء.
قال: (فإن فرغ الإمام أولاً .. فهو كمسبوق)، فيقوم ويتم صلاته.
قال: (أو هو .. فإن شاء فارقه، وإن شاء انتظره ليسلم معه)؛ لأن المفارقة بالعذر والانتظار به جائزان، ولكن لا يتابعه، فإن تابعه .. بطلت صلاته.
مهمة: إذا قام مسبوق للتكميل فاقتدى به مسبوق أخر .. مقتضى كلام (الروضة) هنا: تصحيح الجواز، وبه صرح في (شرح المهذب) ثم قال: اعتمده ولا تغتر بتصحيح صاحب (الانتصار) المنع.

وَمَا أَدْرَكَهُ اَلْمَسْبُوقُ .. فَأَوَّلُ صَلاَتِهِ،  وجزم في (باب الجمعة) من (الروضة) بأن الأصح: المنع؛ لأن الجماعة حصلت، فإذا أتموا فرادى .. نالوا فضلها فوافق (الانتصار).
فرع: لو أحرم بفائتة منفردًا ثم أقيمت صلاة الوقت جماعة .. لم يجز أن يسلم من ركعتين ليصلي معهم؛ لأنه: إن أراد أن يصلي معهم الفائتة .. فقد قطعها لغير فضيلة؛ فإن الأفضل أن لا يصلي الفائتة خلف المؤداة، وإن أراد أن يصلي معهم فرض الوقت .. فكذلك؛ لأنه لا يجوز قطع فريضة لمراعاة مصلحة فريضة أخرى.
قال: (وما أدركه المسبوق .. فأول صلاته)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (فما أدركتم .. فصلوا، وما فاتكم .. فأتموا) متفق عليه [خ 636 - م 602]. وإنما الشيء لا يكون إلا بعد أوله، والقضاء إذا أطلق بالمعنى اللغوي لا ينافي ذلك.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل