النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 471-488
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب قسم الصدقات

صفحات 471-488

وَلَوْ عُدِمَ الأَصْنَافُ فِي الْبَلَدِ .. وَجَبَ النَّقْلُ،  بينا عمر نصف النهار قائل في ظل شجرة إذا أعرابية فتوسمت الناس، فجاءته فقالت: إني امرأة مسكينة ولي بنون، وإن أمير المؤمنين عمر بعث محمد بن سلمة ساعيًا فلم يعطنا، فلعلك يرحمك الله أن تشفع لنا إليه فصاح بيرفأ أن ادع لي محمد بن مسلمة، فقالت: إنه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه، فقال: إنه سيفعل إن شاء الله.
وروي أنه قال لها: اذهبي فقولي له: هذا الرجل يدعوك فقالت: ليس هكذا يكون الشفيع، فجاء محمد بن سلمة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فاستحيت المرأة فقال عمر: والله ما آلو أن أختار خياركم، كيف أنت قائل إذا سألك الله عن هذه؟! فدمعت عينا محمد ثم قال: أد إليها صدقة العام وعام أول، وما أدري لعلي ما أبعثك، ثم دعا إليها بجمل وأعطاها دقيقًا وزيتًا وقال: خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر فإنا نزيدك، فأتته بخيبر .. فدعا لها بجملين آخرين وقال: خذي هذا حتى يأتيك محمد فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام وعام أول.
قال الشيخ رحمه الله: في هذا الأثر دليل على أن مال السنة إذا فرق على المستحقين وتأخر بعضهم .. يعطى من تأخر من السنة القابلة عنها وعن الماضية، وهذا يقع كثيرًا في المدارس، ويقول من لا علم له: لا نفرق مال سنة في سنة، وإنما ذلك عند عدم المباشرة والاستحقاق، أما معهما .. فيعطى؛ لهذا الأثر، ويكون المتأخر لتلك المرأة دينًا على جهة الزكاة كدين على بيت المال، وكذا نقول في المتأخر لفقيه على وقف.
قال: (ولو عدم الأصناف في البلد .. وجب النقل) أي: إلى أقرب بلد بالاتفاق كما أنا نراعي بقية الأصناف بالرد، فإذا لم نجدهم .. انتقلنا إليهم، ولأن صدقات بني تميم قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم، وصدقات طيء قدمت مع عدي بن حاتم على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.
وليكن النقل إلى أقرب البلاد إليه، وإلا .. فهو على الخلاف في نقل الصدقات،

أَوْ بَعْضُهُمْ وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ .. وَجَبَ، وَإِلاَّ .. فَيُرَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ، وَقِيلَ: يُنْقَلُ.
وَشَرْطُ السَّاعِي كَوْنُهُ: حُرًّا، عَدْلاً، فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ،  وهذا بخلاف الدم الواجب في الحرم؛ فإنه إذا فقد فيه المسكين .. لم يجز نقله، سواء جوزنا نقل الزكاة أم لا؛ لأنه وجب لمساكين الحرم كمن نذر التصدق عليهم.
قال: (أو بعضهم وجوزنا النقل .. وجب)؛ لتصل الزكاة إلى أربابها.
والمراد بـ (البعض): غير العامل؛ فإن نصيبه إذا عدم .. يرد على الباقين بلا خلاف.
قال: (وإلا .. فيرد على الباقين) أي: وجوبًا؛ لانحصار الاستحقاق فيهم.
قال: (وقيل: ينقل)؛ لأن استحقاق الأصناف منصوص عليه، فيقدم على رعاية المكان الذي ثبت بالاجتهاد، وعلى هذا القول: لو نقل إلى البلد البعيد مع إمكان القريب أورد على الباقين .. ضمن، ونقله في (الكفاية) عن تصحيح الرافعي وهو سهو، ونقل فيها عن البندنيجي: أن محل الخلاف إذا لم يكف الباقين نصيبهم، فإن كفاهم .. نقل.
والقولان مبنيان على أن المغلب حكم البلد أو حكم الأصناف، فالأول على الأول، والثاني على الثاني.
قال: (وشرط الساعي كونه: حرًا، عدلاً)؛ لأن ذلك ولاية وتصرف في مال الغير، والعبد والفاسق ليسا من أهلها، ونبه بالعدالة على أنه لابد أن يكون مسلمًا مكلفًا، لكنه أهمل اشتراط الذكورة كما في (المهذب) و (شرحه)، وفي (الروضة) و (أصلها) اعتبارها، وفي (الكفاية) خلاف، وتقدم اشتراط: أن لا يكون من ذوي القربى ومواليهم والمرتزقة في الأصح؛ أي: إذا أخذ من الزكاة، فإن فوض إلى ذوي القربى ورزقه من المصالح .. جاز، قاله ابن الصباغ والماوردي في (الأحكام).
قال: (فقيهًا بأبواب الزكاة)؛ لأنها ولاية من جهة الشرع فافتقرت إلى الفقه كالقضاء.

فَإِنْ عُيِّنَ لَهُ أَخْذٌ وَدَفْعٌ .. لَمْ يُشْتَرَطِ الْفِقْهُ.
وَلْيُعْلِمْ شَهْرًا لِأَخْذِهَا.
وَيُسَنُّ وَسْمُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ  والمراد بـ (أبواب الزكاة): معرفة ما تجب فيه الزكاة وقدرها، ومن تجب عليه ومن تجب له، وقدر ما يستحقه، فلا يجوز استعمال الجاهل بأحكامها وإن عرف غيرها، ويجوز تولية من عرفها وإن جهل غيرها.
قال الماوردي: ويجوز استعمال المرأة لكن يكره.
قال: (فإن عين له أخذ ودفع .. لم يشترط الفقه)؛ لأنها رسالة لا ولاية، قال الماوردي: ولا الإسلام ولا الحرية، قال في (الروضة): في عدم اشتراط الإسلام نظر، وقال في (شرح المهذب): المختار اشتراطه، قال الشيخ: وما قاله الماوردي لا يعرج عليه.
قال: (وليعلم شهرًا لأخذها)؛ ليتهيأ أرباب الأموال لأداء زكاتهم، وهذا الإعلام إما من الساعي أو الإمام، والأصح: أنه مستحب، وقيل: واجب.
وقال الشافعي والأصحاب: ينبغي أن يكون ذلك الشهر المحرم؛ لقول عثمان رضي الله عنه، المحرم شهر زكاتكم، ولأنه أول العام، ولا فرق في ذلك بين الشتاء والصيف، وفي (الشامل الصغير): رمضان أولى؛ لمضاعفة الثواب فيه.
كل هذا في الزكاة التي يشترط فيها الحول، أما زكاة الزروع والثمار .. فتبعث وقت وجوبها، وهو في الزرع عند الاشتداد، وفي الثمار عند بدو الصلاح، وينبغي لأرباب الأموال إذا قدم عليهم الساعي قبل وجوبها على بعضهم .. أن يعجلها له؛ حتى لا يحتاج أن يقدم مرة أخرى، ولئلا تتعطل مصلحة الساعي والفقراء.
قال: (ويسن وسم نعم الصدقة والفيء)، وكذا الجزية والخيل والحمير؛ لتتميز وليردها من وجدها ضالة، وليعرفها المتصدق فلا يتملكها؛ لأنه يكره لمن تصدق بشيء أن يتملكه اختيارًا.

فِي مَوْضِعٍ لاَ يَكْثُرُ شَعْرُهُ،  وقال أبو حنيفة: الوسم مكروه؛ لأنه تعذيب ومثلة، وقد نهى عنهما الشارع.
لنا: ما روى الشيخان عن أنس أنه قال: غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه، فوافيته وبيده الميسم يسم إبل الصدقة، ويجعل ميسم الغنم ألطف من ميسم البقر، وميسم البقر ألطف من ميسم الإبل، قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: في آذانها، وفي رواية لأحمد وابن ماجه: يسم غنمًا في آذانها.
وعبد الله بن أبي طلحة المذكور هو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبويه: (بارك الله لكما في ليلتكما)، فولدته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولد له عشرة ذكور كلهم قرؤوا القرآن والعلم، وأشهرهم إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة شيخ مالك.
والمتولي للوسم كل من له ولاية على النعم من إمام أو ساع أو غيرهما.
ويكتب في الزكاة: لله، واستبعده بعضهم بتعريضه للنجاسة، وأجيب بأنه فعل للتمييز لا للذكر والتبرك، ويختلف التعظيم باختلاف القصد، كما يتلفظ الجنب بقرآن على قصد غيره، هكذا أجاب الرافعي وغيره.
والأحسن أن يستدل بما رواه البيهقي عن صفوان بن عمرو قال: كنت بباب عمر بن عبد العزيز فخرجت علينا خيل مكتوب على أفخاذها: عدة لله، فالشافعي رضي الله عنه اقتدى به في ذلك.
و (الوسم): أثر الكي، وهو بالسين المهملة، وجوز بعضهم إعجامها، حكاه في (شرح مسلم)، وبعضهم جعل المهملة للوجه والمعجمة لسائر الجسد.
قال: (في موضع لا يكثر شعره)؛ ليكون أهون على البهيمة وأظهر لمن يراه، والمراد: أن يكون مع ذلك صلبًا.
والأولى في الغنم: الأذن، والإبل والبقر: أصول أفخاذها؛ لأن النبي صلى الله

وَيُكْرَهُ فِي اَلْوَجْهِ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ: يَحْرُمُ، وبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ، وَفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) لَعْنُ فَاعِلهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ  عليه وسلم وسم الغنم في آذانها، رواه ابن ماجه، وفي الإبل، رواه الشافعي رضي الله عنه.
وفي (البيهقي) عن جنادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (أخر أخر) حتى وصل إلى أفخاذها فقال له: (سِمْ على بركة الله) وقيس الخيل والبقر على الإبل؛ لقوتها وجلادتها.
قال الإمام: والوسم في غير الموضع الصلب .. كلام القاضي يقتضي تحريمه.
قال: (ويكره في الوجه)؛ لما روى مسلم عن جابر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسم في الوجه).
قال: (قلت: الأصح: يحرم، وبه جزم البغوي، وفي (صحيح مسلم): (لعن فاعله) والله أعلم) ولفظه: عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بحمار وسم في وجهه فقال: (لعن الله الذي وسمه) واللعن يقتضي التحريم.
ودل ذلك على أنه يجوز لعن أصحاب المعاصي من غير تعيين؛ ففي (الصحيحين): أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة).
و: (آكل الربا) و (المصورين).
و: (من غير منار الأرض، والسارق، ومن لعن والديه، ومن ذبح لغير الله).
و: (من أحدث في المدينة حدثًا، أو آوى محدثًا).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و: (لعن رعلاً وذكوان وعصية).
و: (لعن اليهود).
و: (المتشبهين بالنساء وعكسه).
و: (لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا).
أما البغوي .. فهو الإمام العلامة، محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود، منسوب إلى (بغ) بفتح الباء وبالغين المعجمة: مدينة معروفة بخراسان بين مرو وهراة، أحد أئمة المذهب، صنف في التفسير والحديث والفقه، وكان زاهدًا يأكل الخبز البحت، فعدل في ذلك فصار يأدمه بالزيت، ولم يلق درسًا إلا وهو على طهارة، مات سنة ست عشرة وخمس مئة، ودفن عند شيخه القاضي حسين.
تتمة: كما يجوز وسم الحيوان للحاجة - وهو تعذيب - يجوز أن يخصى ما يؤكل لحمه في الصغر؛ لأنه يؤثر في طيب اللحم، ولا يجوز في الكبر وما لا يؤكل لحمه، ومنع ابن المنذر ذلك في الكبير والصغير مطلقًا؛ لأن فيه تعذيبًا للحيوان.
وقال المصنف: الكي إذا لم تدع إليه حاجة حرام، سواء كوى نفسه أو غيره، آدميًا أو غيره، وإن دعت إليه حاجة بقول أهل الخبرة .. جاز.
ويكره إنزاء الحمر على الخيل والعكس؛ لما روى أبو داوود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وسبب النهي: أن ذلك يؤدي إلى قلة الخيل وضعفها، قال الحليمي: هذا في عتاقها، أما البراذين .. فلا، وهو حسن قريب في المعنى مما قاله الشيخ أبو محمد في إركابها أهل الذمة، وتوقف الشيخ تقي

فَصْلٌ: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ سُنَّةٌ، وَتَحِلُّ لِغَنِيِّ  الدين القشيري في جواز إنزاء الخيل على البقر؛ لضعفها وتضررها بكبر آلة الخيل.
ويحرم الهراش بين البهائم؛ لما روى أبو داوود والترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
قال: (

فصل

: صدقة التطوع سنة) أي: مؤكدة إذا لم يعلم أن الآخذ يصرفها في معصية، قال الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾.
وصحح ابن حبان والحاكم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصل بين الناس).
وروى مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليتصدق الرجل من ديناره، وليتصدق من درهمه، وليتصدق من صاع بره).
والأصح: أنها كانت محرمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ذوي القربى.
قال: (وتحل لغني) ولو من ذوي القربى على المشهور، لا للنبي صلى الله عليه وسلم، وسواء كان غنيًا بكسب أو مال؛ ففي الصحيح: (تصدق الليلة على غني) وفيه: (لعله أن يعتبر فينفق مما آتاه الله).
وفي (الصحيح) أيضًا: (ما آتاك الله من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل .. فخذه) وبظاهر هذا الأمر قال ابن حزم: يجب أخذه لمن عرض عليه ولو كان غنيًا، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْء مِنْهُ نَفْسًا﴾ وهذا يتخرج على الأمر بعد الحظر، والمشهور: أنه للإباحة.
وقال الماوردي والروياني: وإنما يكون على الغني صدقة إذا قصد بها وجه الله تعالى وثوابه، فإن قصد الامتنان والملاطفة .. كانت هبة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتعبير المصنف بـ (الحل) يفهم: أنه لا يكره أخذها، وليس كذلك، والحل مقيد بأمرين: أحدهما: أن لا يظهر الفاقة، فإن أظهرها .. حرمت عليه، وعليه حملوا حديث الذي مات من أهل الصفة وترك دينارين فقال عليه الصلاة والسلام: (كيتان من نار).
والثاني: أن لا يظن الدافع فقره، فإن أعطاه ظانًا حاجته .. ففي (الإحياء): إن علم الآخذ ذلك .. لم يحل له، قال: وكذلك إذا دفع إليه لعلمه أو صلاحه أو نسبه .. لم يحل له إلا أن يكون بذلك الوصف المظنون، وأن لا يكون فاسقًا في الباطن فسقًا لو علم به المعطي .. ما أعطاه.
تنبيه: اقتضى إطلاقه الحل ولو بالسؤال، ولا خلاف في تحريم السؤال على الغني بمال، وكذا بكسب على الأصح؛ ففي (صحيح مسلم): (من سأل أموال الناس تكثرًا .. إنما يسأل جمرًا) ومعنى تكثرًا؛ أي: من غير حاجة، بل ليكثر ما عنده من المال، ومعنى جمرًا أي: يعذب به يوم القيامة، والسؤال لغير حاجة مكروه.
وقال ابن الصلاح: السؤال حرام مع التذلل والإلحاح وإيذاء المسؤول.
وقال ابن عبد السلام: الصحيح من مذهب الشافعي رضي الله عنه: جوازه؛ لأنه طلب مباح كطلب العارية وغيرها، والذم الوارد في الأخبار يحمل على الطلب من الزكاة الواجبة وليس هو من الأصناف الثمانية.

وَكَافِرٍ، وَدَفْعُهَا سِرًّا وَفِي رَمَضَانَ وَلِقَرِيبٍ وَجَارٍ أَفْضَلُ  فائدة: جزم القرطبي بأنه يكره أن يقول الإنسان في دعائه: اللهم؛ تصدق علي بكذا؛ لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالنوال وبجميع النعم، لا رب غيره.
وسمع الحسن رجلاً يقول: اللهم؛ تصدق علي، فقال له: إن الله لا يتصدق، إنما يتصدق مبتغي الثواب، أما سمعت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾؟ قل: اللهم؛ أعطني وتفضل علي.
قال: (وكافر)؛ لأن (في كل كبد حرى أجر) رواه ابن حبان، وفي (الصحيحين): (في كل كبد رطبة أجر) وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
وأما ما رواه أبو داوود والترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يأكل طعامك إلا تقي) .. فمحمول على الأولى والأفضل.
لكن شملت عبارة المصنف: الصدقة عليه من أضحية التطوع، وسيأتي في (بابها) أن الشافعي رضي الله عنه نص على منع ذلك.
قال: (ودفعها سرًا وفي رمضان ولقريب وجار أفضل) أما السر .. فلقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه: (ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تدري شماله ما أنفقت يمينه).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال الحليمي: ولا يكفي في ذلك الإخفاء، بل لابد مع ذلك من أن لا يتحدث بها، فإن أظهرها من غير رياء وسمعة لكن ليقتدى به وهو ممن يتبع .. فالإظهار أفضل.
وأما الزكاة .. فالأفضل إظهارها بالإجماع، قاله في (شرح المهذب)؛ لئلا يساء به الظن، وخصه الماوردي بالأموال الظاهرة، وأما الباطنة .. فإخفاؤها أفضل؛ للآية.
وأما فعلا في شهر رمضان .. فلأنه سيد الشهور، وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيه أجود بالخير من الريح المرسلة، والمراد: في إسراعها وعمومها، وقال في (الإحياء): معناه: لا يمسك شيئًا.
وروى الترمذي عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: (صدقة في رمضان) ولأن الفقراء يعجزون فيه عن الكسب بسبب الصوم.
وتستحب التوسعة فيه على العيال، سيما في العشر الأخير منه، وكذا في الأوقات الفاضلة كعشر ذي الحجة ويومي العيد وعاشوراء، وكذا في الأماكن الشريفة كمكة والمدينة، والإكثار منها أمام الحاجات المهمة، وعند الكسوف والمرض والسفر، وفي الغزو والحج.
وأما القريب .. فلأن الصدقة عليه صدقة وصلة كما رواه أصحاب السنن وصححه الحاكم، فيبدأ بذي الرحم المحرم، ثم بغير المحرم، ثم بالرضاع، ثم بالمصاهرة، ثم بالولاء، قال الحليمي والدارمي: ويخص الأعداء منهم؛ لما روى الدارقطني في (علله): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) هو العدو، كذا فسره الهروي، لكن كلام (النهاية) يخالفه.

وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ .. يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَتَصَدَّقَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ  وتخصيصه القريب يقتضي إخراج الزوجة وهي ملحقة به، وكذلك الصديق ونحوه.
وأفضلية الدفع إلى القريب لا تختص بالتطوع، بل الزكاة والكفارة كذلك إذا كانوا بصفة الاستحقاق.
وأما الجار .. فلقول عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك بابًا) رواه البخاري، والجار القريب أولى من الأجنبي.
فروع: يكره أن يتصدق بالرديء وبما فيه شبهة، وينبغي أن لا يمتنع من الصدقة بالقليل احتقارًا له؛ فقد كان بعض السلف يتصدق ببصلة، وتصدقت عائشة رضي الله عنها بعنبة.
ويستحب أن يدفعها بطيب نفس، وأن يتصدق بما يحب.
ويحرم المن بها، فإذا منَّ بها .. بطل ثوابها.
ويستحب بالماء.
ومن دفع إلى غلامه أو غيره شيئًا ليدفعه للسائل .. لم يزل ملكه عنه حتى يقبضه السائل، ويستحب له أن لا يعود فيه إذا لم يقبضه، بل يتصدق به.
قال: (ومن عليه دين أو له من تلزمه نفقته .. يستحب أن لا يتصدق حتى يؤدي ما عليه)؛ تقديمًا للأهم، وربما قيل: يكره، وما ذكره محمول على ما إذا لم يطالب به، فإن طولب به .. فلا سبيل إلى القول بالجواز؛ لوجوب أدائه على الفور، وعبارة الرافعي: (لا يستحب له أن يتصدق) وبين العبارتين تفاوت ظاهر.
قال: (قلت: الأصح: تحريم صدقته بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته، أَوْ لِدَيْنٍ لاَ يَرْجُو لَهُ وَفَاءً، وَاللهُ أَعْلَمُ  أو لدين لا يرجو له وفاء والله أعلم)؛ لأنه حق واجب فلا يترك لسنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت) رواه أبو داوود والنسائي وصححه الحاكم.
وأما الدين، فإن غلب على ظنه وفاؤه من جهة أخرى .. فلا بأس بالصدقة.
وكلام المصنف في (شرح المهذب) مخالف لكلامه هنا وفي (الروضة).
وقال الشيخ محب الدين الطبري: في إطلاق التحريم نظر؛ فإن كبار الصحابة كانوا يؤثرون حالة الضرورة، ويخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون لعيالهم شيئًا، وكانوا يقترضون ويتصدقون، قال: والظاهر اختلاف الحكم باختلاف الأحوال، فعمر تصدق بنصف ماله، وأبو بكر الصديق بجميعه، فكان بينهما كما بين كلمتيهما، فسبحان من فاوت بين الخلق.
الصديق تصدق بجميع ماله وثعلبة بخل بزكاته، وقيل للخليل: اذبح ولدك .. فأضجعه للذبح، وقيل لبني إسرائيل اذبحوا بقرة .. فذبحوها وما كادوا يفعلون.
ولا فرق بين دين الزكاة وغيره؛ لأنها على الفور.
وقال الماوردي: لا تستحب الصدقة لمن عليه زكاة.
ثم لا يكفي في منع التحريم مطلق رجاء الوفاء، بل لابد من استناده إلى سبب ظاهر كما قاله في (الإحياء)، وكلام (الروضة) في (الشهادات) يقتضيه.
وينبغي تخصيص المنع بدين يتعين وفاؤه على الفور، فإن كان على التراخي .. فيجوز، وقد نزل ابن الرفعة الوجهين بالتحريم والمنع على هاتين الحالتين، قال: وعلى التحريم هل يملكها المتصدق عليه؟ يشبه أن يكون على الوجهين فيما إذا وهب الماء الذي يحتاج إليه بعد دخول الوقت، ومقتضاه: أنه لا يملكه على الأصح، لكن جوزوا للمدين تخصيص بعض الغرماء بجميع ماله، ولعل الفرق أن في ذلك إسقاطًا عما في الذمة بخلاف الصدقة.

وَفِي اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ .. اسْتُحِبَّ، وَإِلاَّ .. فَلاَ.

 قال: (وفي استحباب الصدقة بما فضل) أي: بجميع ما فضل (عن حاجته أوجه، أصحها: إن لم يشق عليه الصبر .. استحب، وإلا .. فلا) وعلى هذا تحمل الأحاديث المختلفة الظواهر كقوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول) وصدقة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
والوجه الثاني: يستحب بجميع الفاضل مطلقًا كما فعل الصديق.
والثالث: لا مطلقًا؛ لقوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىّ).
وقوله: (حاجته) قد يفهم عدم اعتبار حاجة من يمونه وليس كذلك، بل لابد من اعتبار الأمرين، لكنه لم يبين المراد بـ (الحاجة) هل هي في الحال أو اليوم والليلة؟ وكلام الغزالي في (الإحياء) يقتضي الثاني، وسيأتي في (السير) عن الإمام: أن الموسر تجب عليه المواساة بما زاد على كفاية سنة.
ويستحب إذا تصدق بصدقة .. أن ينوي بها الصدقة عن أبويه فيحصل الثواب لهما وله؛ لما روى البيهقي في (الشعب) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال لأبيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: (إذا أردت أن تتصدق بصدقة .. فاجعلها عن أبويك؛ فإنه يلحقهما ولا ينقص من أجرك شيء).
تتمة: يجوز للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها للسائل وغيره إذا أذن فيه صريحًا، وبما لم يأذن فيه ولم ينه عنه إذا علمت رضاه به، فإن لم تعلمه .. حرم، وكذا حكم المملوك.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خاتمة قال في (الإحياء): اختلف السلف في المحتاج، هل الأفضل له أن يأخذ من الزكاة أو من صدقة التطوع؟ فكان التجنيد والخواص وجماعة يفضلون الأخذ من الصدقة.
وفضل آخرون الأخذ من الزكاة؛ لأنه إعانة على واجب ولا منة فيها.
قال: والصواب أنه يختلف باختلاف الأحوال.
واختلفوا في تفضيل الغني والفقير مع اتفاقهم على أن ما أحوج من الفقر مكروه وما أبطر من الغنى مذموم، والصحيح الذي عليه الجمهور: أن الغني الشاكر أفضل؛ لأنه متصف بصفتين من صفات الله تعالى فهو الغني الشكور، والفقير الصابر متصف بصفة من صفات العبيد وهي الفقر وصفة من صفات المعبود، وهي الصبر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ﴾ ومن أسمائه تعالى (الصبور)، ورجع هذا الشيخ تقي الدين القشيري وغيره.
وذهب جمهور الصوفية إلى تفضيل الفقير الصابر.
ومرادهم بالأفضل: أن درجته فوق درجته، واستدلوا لذلك بأمور: منها ما رواه الترمذي عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام).
قال أبو حنيفة: عنى به النبي صلى الله عليه وسلم الأغنياء من غير هذه الأمة؛ ليكون على موافقة العقل، فإنا نعلم قطعًا أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما كانا من الأغنياء ولا يدخل الفقراء قبلهم الجنة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال محمد بن خفيف: الفقير الصابر هو الغني الشاكر؛ لما روى البيهقي وغيره عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر).
وقال الشيخ أبو علي الدقاق: الأفضل أن يعطى الإنسان قدر كفايته ويصان فيه، وهو مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن خيار الأمور أوساطها، والله أعلم.


فهرس الكتاب كتاب اللقطة 7 فصل: في بيان حكم الملتقط 17 فصل: فيما تملك به اللقطة 37 كتاب اللقيط 49 فصل: في الحكم بإسلام الرقيق وكفره 65 فصل: فيما يتعلق برق اللقيط وحريته 76 كتاب الجعالة 89 كتاب الفرائض 107 فصل: في الفروض وذويها 128 فصل: في الحجب 136 فصل: في بيان إرث الأولاد انفرادًا واجتماعًا 143 فصل: في بيان إرث الأب والجد والأم في حالة 146 فصل: في ميراث الحواشي 151 فصل: في الإرث بالولاء 158 فصل: في ميراث الجد مع الإخوة 161 فصل: في موانع الإرث وما يتبعها 168 فصل: في أصول المسائل وما يعول منها 190 فرع: في تصحيح المسائل 198 فرع: في المناسخات 204 كتاب الوصايا 213 فصل: في الوصية بزائد على الثلث 239 فصل: في بيان المرض المخوف والملحق به 250

فصل: في أحكام الوصية 269 فصل: في أحكام الوصية المعنوية 298 فصل: في الرجوع عن الوصية 315 فصل: في الوصاية 321 كتاب الوديعة 343 كتاب قسم الفيء وَالغنيمة 379 فصل: في الغنيمة 403 كتاب قسم الصدقات 431 فصل: في مقتضى صرف الزكاة وصفة من يأخذ منها 453 فصل: في حكم استيعاب الأصناف 463 فصل: في صدقة التطوع 477 فهرس الكتاب 487

كِتَابُ النِّكَاحِ

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل