النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 167-206
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَلَوْ بِيعَ الشَّيْءُ تَقْدِيرًا كَثَوْبٍ وَأَرْضٍ ذَرْعًا، وَحِنْطَةٍ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا .. اشْتُرِطَ مَعَ النَّقْلِ ذَرْعُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ، مِثَالُهُ: بِعْتُكَهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ، وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ .. فَلْيَكْتَلْ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُكِيلُ لِعَمْرٍو  قال: (ولو بيع الشيء تقديرًا كثوب وأرض ذرعًا، وحنطة كيلًا أو وزنًا .. اشترط مع النقل ذرعه) أي: إن بيع ذرعًا (أو كيله) أي: إن بيع كيلًا (أو وزنه) أي: إن بيع وزنًا، وكذا عده في المعدود؛ لأن المكيل ورد فيه النص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (من ابتع طعامًا .. فلا يبعه حتى يكتاله) رواه مسلم [1525/ 29]، وقيس الباقي عليه.
فلو خالف وقبض جزافًا .. لم يملك التصرف في شيء منه، ولكن يدخل المقبوض في ضمانه كما تقرر.
قال: (مثاله: بعتكها كل صاع بدرهم، أو على أنها عشرة آصع) وكذلك بعتك عشرة آصع منها.
ومثال الذرع: بعتك هذا الثوب كل ذراع بدرهم.
ومثال الوزن: بعتك هذا العسل كل رطل بدرهم.
ومثال العد: بعتك هذه الأغنام كل شاة بعشرة، ثم إن اتفقا على كيال .. فذاك، وإلا .. نصب الحاكم أمينًا يتولاه، قاله الماوردي.
وإذا تولى ما ذكرناه أحد المتبايعين .. وجب عليه العدل، وحرم عليه التطفيف.
قال في (الإحياء): وكل من خلط بالطعام ترابًا، أو وزن مع اللحم عظامًا لم تجر العادة به .. فهو من المطففين، وكذا إذ جر البزاز الثوب مع الذرع عند بيعه لغيره.
قال: (ولو كان له طعام مقدر على زيد، ولعمرو عليه مثله .. فليكتل لنفسه ثم يكيل لعمرو)؛ ليكون قبضه قبل إقباضه.
وروى ابن ماجه [2228] والدارقطني [3/ 8] عن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري).

فَلَوْ قَالَ: اقْبِضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِيَ عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ .. فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ.
فَرْعٌ: قَالَ الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ مِثْلَهُ  فلو اشترى طعامًا مكايلة أو أسلم فيه فاكتاله وتركه في المكيال ونقله ثم باعه مكايلة .. لم يكف تسليمه للمشتري كذلك بل لابد من صبه واستئناف كيله على الأصح عند البغوي؛ لعدم جريان الصاعين فيه.
والأصح: أنه يكفي ذلك؛ لأن استدامة الكيل كابتدائه.
قال: (فلو قال: اقبض من زيد ما لي عليه لنفسك ففعل .. فالقبض فاسد)؛ لاتحاد القابض والمقبض، أما قبضه الأول من زيد لبكر .. فصحيح في الأصح، وكذا لو قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك .. فإنه يصح القبض الأول لبكر في الأصح، ولا يصح لنفسه في الأصح.
تتمة: أجرة الكيال على البائع، ووزن الثمن على المشتري، وفي أجرة النقاد وجهان: قال في (الروضة): ينبغي أن يكون الأصح: أنها على البائع، قال في (المطلب): وهو الأشبه.
وأجرة النقل المحتاج إليه في تسليم المنقول على المشتري على ما دل عليه كلام الشافعي رضي الله عنه وصرح به المتولي.
قال: (فرع: قال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري في الثمن مثله .. أُجْبِرَ الْبَائِعُ، وَفِي قَوْلٍ: الْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ .. أُجْبِرَ صَاحِبُهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرَانِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا .. سَقَطَ الْقَوْلَانِ الأَوَّلَانِ وَأُجْبرَا فِي الأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ  أجبر البائع)؛ لأن حق المشتري في العين وحق البائع في الذمة، فقدم ما يتعلق بالعين كأرش الجناية مع غيره من الديون.
وأورد على هذه العلة: ما إذا أوصى لرجل بعبد معين ولآخر بعبد مطلق وضاق الثلث .. فإنه لا يقدم أحدهما على الآخر، ومنهم من علله بأن البائع يجبر على تسليم ملك غيره والمشتري على تسليم ملك نفسه.
ومحل إجبار البائع: إذا باع مال نفسه، أما إذا باع مال غيره بوكالة أو ولاية .. فلا يسلم المبيع حتى يقبض الثمن، كما سيأتي في المفلس والوكيل وعامل القراض.
قال: (وفي قول: المشتري)؛ لأن حقه متعين في العين وحق البائع غير متعين في الثمن، ومحل هذا: إذا كان الثمن حالًا.
قال: (وفي قول: لا إجبار، فمن سلم .. أجبر صاحبه)؛ لأن كلًا منهما ثبت له الاستيفاء وعليه الإيفاء فاستويا.
وعلى هذا: يمنعهما الحاكم من التخاصم.
قال: (وفي قول: يجبران)؛ لأن التسليم واجب عليهما.
ومعنى (الإجبار): أن يؤمر بالتسليم لعدل وهو يسلم إليهما، ولا يضره بأيهما بدأ.
قال: (قلت: فإن كان الثمن معينًا .. سقط القولان الأولان وأجبرا في الأظهر والله أعلم)؛ لاستواء الجانبين وسواء كان الثمن نقدًا أو عرضًا.
فلو كان الثمن مؤجلًا .. أجبر البائع قطعًا، وليس له المطالبة برهن ولا كفيل؛ لأنه المفرط، ولو لم يتفق التسليم حتى حل الأجل .. فلا حبس أيضًا على الأصح كما تقدم.
ولو تنازع وكيلان .. قال الإمام: أجبرا.

وَإِذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ .. أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي إِنْ حَضَرَ الثَّمَنُ، وَإِلَّا: فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا .. فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ، أَوْ مُوسِرًا وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ أَوْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ .. حُجِرَ عَلَيْهِ فِي أَمْوَالِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ،  وحكم تنازع المكتري والمكري في البداءة بالتسليم حكم البائع والمشتري بلا فرق.
قال: (وإذا سلم البائع .. أجبر المشتري إن حضر الثمن) أي: حضر في المجلس؛ لأنه واجب عليه، ولا مانع منه سواء قلنا: يجبر البائع أو لا، ولكنه تبرع وسلم.
وفهم من كلام المصنف: أنه لا يثبت للبائع في هذه الحالة الفسخ بإصرار المشتري على الامتناع، وهو كذلك على الأصح، وقد صرح به المصنف في (كتاب التفليس).
والمراد بـ (الثمن): النوع الذي يعطى منه؛ لأن الكلام فيما إذا كان الثمن في الذمة.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يكن حاضرًا (فإن كان معسرًا .. فللبائع الفسخ بالفلس) هذا هو المنصوص.
وقيل: تباع السلعة ويقضى دينه من ثمنها.
والمراد بـ (المعسر) هنا: من ليس له مال غير السلعة، سواء كانت السلعة قدر الثمن أو أكثر، وهذا الفسخ هو الفسخ بالفلس بعينه فيشترط فيه حجر الحاكم.
وصورة المسألة: إذا سلم بإجبار الحاكم، فلو فرض التسليم متبرعًا .. لم يجز الفسخ إذا وفت السلعة بالثمن في الأصح.
قال: (أو موسرًا وماله بالبلد أو مسافة قريبة .. حجر عليه في أمواله حتى يسلم)؛ لئلا يتصرف فيها بما يفوت به حق البائع، سواء كانت أمواله وافية بالثمن أم لا، ولهذا سماه الأصحاب: الحجر الغريب.

فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ .. لَمْ يُكَلَّفِ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إِلَى إِحْضَارِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ، فَإِنْ صَبَرَ .. فَالْحَجْرُ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ إِنْ خَافَ فَوْتَهُ بِلَا خِلَافِ، وَإِنَّمَا الأَقْوَالُ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ وَتَنَازَعَا فِي مُجَرَّدِ الِابْتِدَاءِ  والمراد بـ (المسافة القريبة): ما دون مسافة القصر.
وهذا الحجر يخالف الحجر على المفلس من وجهين: أحدهما: أنه لا يتسلط على الرجوع إلى عين المال.
والثاني: أنه لا يتوقف على ضيق المال عن الوفاء.
واتفقوا على: أنه إذا كان محجورًا عليه بالفلس .. لم يحجر عليه هذا الحجر أيضًا؛ لعدم الحاجة إليه، ومقتضى إطلاق الأكثرين: أن هذا الحجر لا ينفك بمجرد التسليم بل لابد من فك القاضي.
قال: (فإن كان بمسافة القصر .. لم يكلف البائع الصبر إلى إحضاره)؛ لما فيه من الضرر عليه بتأخير حقه.
وقال ابن سريج: يكلف ذلك بشرط رد المبيع إليه والحجر على المشتري.
قال: (والأصح: أن له الفسخ)؛ لتعذر تحصيل الثمن، كما لو أفلس المشتري بالثمن.
والثاني: يباع ويؤدى حقه من ثمنه كسائر الديون.
قال: (فإن صبر .. فالحجر كما ذكرنا)؛ لاحتمال تفويته المال.
وقيل: إنما يحجر حيث لا يثبت الفسخ.
قال: (وللبائع حبس مبيعه حتى يقبض ثمنه إن خاف فوته بلا خاف، وإنما الأقوال إذا لم يخف فوته وتنازعا في مجرد الابتداء)؛ لأن الإجبار عند خوف الفوات بالهرب أو تمليك المال ونحو ذلك فيه ضرر ظاهر، وهكذا الحكم في المشتري

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أيضًا، فلو عبر المصنف بقوله: ولكل حبس ما بذله حتى يقبض عوضه .. كان أولى.
وقوله: (بلا خلاف) تبع فيه (المحرر)، وهي طريقة الأكثرين.
تتمة: قال الأصحاب: إذا تبرع البائع بالتسليم .. لم يكن له حق الحبس، وكذا لو أعاره البائع للمشتري على الأصح.
وصورة إعارة البائع للمشتري: أن يؤجر عينًا ثم يبيعها لغيره ثم يستأجرها من المستأجر أو يهبها له المستأجر أو يوصي له بها ثم يعيرها للمشتري قبل القبض، وكذلك إذا باعه نصف عين ثم أعار النصف الذي على ملكه قبل قبض المشتري ما اشتراه.
هذا إذا أرادوا مطلق الإعارة، فإن أرادوا إعارة المبيع .. لم تأت هذه الصورة.


خاتمة أهمل المصنف من هذا الموضع حكم (الإقالة) وهي: تراد أحد العوضين، وهي جائزة، بل تستحب إذا ندم أحدهما .. أن يقيله الآخر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أقال مسلمًا .. أقال الله عثرته) رواه أبو داوود [3454]. وصيغتها: تقايلنا، أو تفاسخنا، أو يقول أحدهما: أقلتك، فيقول: قبلت، وما أشبهه.
وهي فسخ في أظهر القولين، وهو الجديد، وبيع في الآخر.
فعلى الجديد: هل الفسخ من الآن أو من أصله؟ فيه وجهان: ظاهر تصحيح الرافعي: الأول، وتظهر فائدتهما في الزوائد.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وتجوز في السلم وفي المبيع قبل القبض إذا قلنا: فسخ، وإن قلنا: بيع .. فلا، ولا تجوز بعد التلف إن قلنا: بيع، وإلا .. فالأصح: الجواز.
ولو أقاله على أن ينظره بالثمن أو يأخذ الصحاح عن المكسرة .. لم يصح.
وللورثة الإقالة بعد موت المتعاقدين.
وتجوز في بعض المبيع معينًا، فإن تقايلا أحد العبدين مع بقاء الثاني .. لم تجز على قولنا: بيع للجهل بحصة كل واحد.
وتجوز في بعض المسلم فيه، لكن لو أقاله من بعضه ليعجل الباقي أو عجل بعضه ليقيله من الباقي .. فهي فاسدة.
وإذا اختلفا في الثمن بعد الإقالة .. فالأصح: أن القول قول البائع، وقيل: قول المشتري، وقيل: يتحالفان وتبطل الإقالة، وإن اختلفا في وجود الإقالة .. صدق منكرها.


بَابُ التَّوْلِيَةِ وَالإِشْرَاكِ وَالْمُرَابَحَةِ اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ قَالَ لِعَالِمٍ بِالثَّمَنِ: وَلَّيْتُكَ هَذَا الْعَقْدَ، فَقَبِلَ .. لَزِمَهُ مِثْلُ الثَّمَنِ

باب التولية والإشراك والمرابحة

يقال: ولي الرجل البيع ولاية وتولية: إذا قام فيه مقام المشتري.
و (الإشراك) مصدر أشركه أي: جعله شريكًا.
و (المرابحة) من الربح، وهو .. الزيادة، واستغنى المصنف بذكرها في الترجمة عن ذكر المحاطة مع عطفها عليها في الباب؛ لأن أحدهما يدل على الآخر، كقوله تعالى: ﴿سربيل تقيكم الحر﴾.
والأصل في التولية والإشراك: ما رواه أبو داوود مرسلًا [مراسيل 198] عن سعيد بن المسيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا بأس بالتولية في الطعام قبل أن يستوفى، ولا بأس بالشركة في الطعام قبل أن يستوفى).
والجواب: أنه مرسل عارضه عموم النهي عن بيع ما يقبض، وهو متصل صحيح.
قال: (اشترى شيئًا ثم قال لعالم بالثمن: وليتك هذا العقد) سواء قال: بما اشتريت، أو سكت (فقبل) أي: بلفظ: قبلت، أو توليت (.. لزمه مثل الثمن) قدرًا وصفة، وهو تنبيه على أنه يشترط: أن يكون مثليًا؛ ليأخذ المولي مثل ما بذل، فلو اشتراه بعرض .. لم تجز فيه التولية إلا إذا انتقل ذلك العرض من البائع إلى إنسان فولاه العقد.
ويشترط مع علمه بالثمن: أن يكون المولى أيضًا عالمًا، فإن جهله أحدهما .. ففيه الخلاف الآتي في (المرابحة) في قوله: (بطل عل الصحيح)، وجزم المصنف هنا وحكايته للخلاف هناك يفهم خلافه، وليس كذلك.

وَهُوَ بَيْعٌ فِي شَرْطِهِ وَتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الثَّمَنِ.
وَلَوْ حُطَّ عَنِ المُوَلِّي بَعْضُ الثَّمَنِ .. انْحَطَّ عَنِ المُوَلَّى.
وَالإِشْرَاكُ فِي بَعْضِهِ كَالتَّوْلِيَةِ فِي كُلِّهِ  قال: (وهو) أي: هذا العقد (بيع في شرطه)؛ لأن حد البيع صادق عليه، فتشترط فيه رؤية المبيع، والقبول على الفور، والقدرة على التسليم، ووجوب التقابض في المجلس إذا كان العوضان نقدين أو مطعومين وعلمهما بالثمن.
قال: (وترتب أحكامه) كتجدد الشفعة، وبقاء الزوائد على ملك المشتري، وغير ذلك.
وقيل: لا يكون بيعًا جديدًا، بل يكون المولى نائبًا عن المولي، فتنتقل الزوائد إليه ولا تتجدد الشفعة.
قال: (لكن لا يحتاج إلى ذكر الثمن)؛ لأن لفظ التولية يشعر به، فلو ذكره .. لم يضر.
قال: (ولو حُط عن المولي بعض الثمن .. انحط عن المولى) وإن كان ذلك بعد التولية؛ لأنه وإن كان بيعًا جديدًا فخاصته التنزيل على الثمن الأول.
وسكت المصنف عن حط الجميع، وحكمه: أنه إن كان بعد التولية .. انحط عن المولى أيضًا، وإن كان قبلها .. لم يصح، كما لو قال: بعتك بلا ثمن.
وقوله: (حُط) هو بضم الحاء؛ ليشمل حط البائع، والوارث، والحط الواقع في زمن الخيار وبعده.
حادثة: وقع في (الفتاوى): أن رجلًا باع ولده دارًا بثمن معلوم ثم أسقط عنه جميع الثمن قبل التفرق من المجلس، فأجيب فيها بأنه يصير كمن باع بلا ثمن، وهو غير صحيح، فتستمر الدار على ملك الوالد.
قال: (والإشراك في بعضه كالتولية في كله) أي: في جميع الشرائط والأحكام؛

إِنْ بَيَّنَ الْبَعْضَ، فَإِنْ أَطْلَقَ .. صَحَّ وَكَانَ مُنَاصَفَةً، وَقِيلَ: لَا.
وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِمِئَةٍ ثُمَّ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَرِبْحِ دِرْهَمٍ لَكُلِّ عَشَرَةٍ، أَوْ رِبْحِ (دَهْ يَازْدَهْ)  لأنه تولية في بعض المبيع ببعض الثمن الأول.
قال: (إن بين البعض)؛ لأن المبيع شرطه: أن يكون معلومًا، فإن أبهمه .. لم يصح للجهالة، ولو قال: مناصفة، أو بالنصف .. استويا فيه، وإن قال: في النصف .. كان له الربع، والمصنف أدخل (الألف واللام) على بعض، وهو ممتنع استعمالًا.
قال: (فإن أطلق .. صح وكان مناصفة) كما لو أقر بشيء لزيد وعمرو.
قال: (وقيل: لا) كما لو باع بألف ذهبًا وفضة، وبهذا جزم البغوي، ولم يصحح الرافعي في (الشرحين) ولا في (الروضة) شيئًا، وعبر في (المحرر) بالأشبه.
فرع: للشريك الرد على الذي أشركه، فإذا رد عليه .. رد هو على الأول.
قال: (ويصح بيع المرابحة؛ بأن يشتري بمئة ثم يقول: بعتك بما اشتريت) أي: بمثله (وربح درهم لكل عشرة، أو ربح (ده يازده))؛ لأنه ثمن معلوم فجاز البيع فيه، كما لو قال: بعتك بمئة وعشرة.
و (ده) بالفارسية: عشرة، و (يازده): أحد عشر، و (دوازده): اثنا عشر، فإذا قال: (ده يازده) .. فمعناه: كل عشرة ربحُها درهم، و (ده دوازده) .. معناه: كل عشرة ربحها درهمان.
روى ابن أبي شيبة [5/ 184] عن سعيد بن المسيب وابن سيرين أنهما قالا: لا بأس ببيع ده يازده.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (هو بيع الأعاجم).

وَالْمُحَاطَّةِ كَبِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَحَطِّ (دَهْ يَازْدَهْ)، وَيُحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ عَشْرَةٍ  وقال عكرمة: (بيع ده يازده حرام)، وبه قال إسحاق، وأبطل البيع به؛ لعدم العلم بجملة الثمن.
لنا: القياس على بيع القطيع كل شاة بدرهم، وتأول البيهقي جميع النهي الوارد على حالة الجهل بالثمن، ويجوز أن يكون الربح من غير جنس الثمن.
قيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما سبب كثرة مالك؟ قال: ما كتمت عيبًا ولا رددت ربحًا.
فرع: له أن يبيع مرابحة بعض ما اشتراه، ويذكر قسطه.
وقال المتولي: يشترط في جوازه: الإخبار بلفظ القيام أو رأس المال، ولا يجوز بلفظ: الشراء، وكلام الماوردي مشعر بخلافه، وأجرى المتولي ذلك في الثوبين والقفيزين وبعض العين، ووافقه الشيخ.
والأشبه: أنه لا يكتفى بتقويمه لنفسه بل يرجع إلى مقومين عدلين.
وقال ابن الرفعة: ينبغي أن يعتمد على ما يقع في نفسه، فإن جرى نزاع بينه وبين المشتري في ذلك .. فلابد من عدلين.
قال: (والمحاطة) وتسمى: المواضعة (كبعت بما اشتريت وحط (ده يازده))؛ لكون الثمن معلومًا بعد الحط.
قال: (ويحط من كل أحد عشر واحد)؛ لأن الربح في المرابحة جزء من أحد عشر، فليكن كذلك الحط من المحاطة.
قال: (وقيل: من كل عشرة) كما زيد في المرابحة لكل عشرة درهم، فإذا كان

وَإِذَا قَالَ: بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ .. لَمْ يَدْخُلْ فِيْهِ سِوَى الثَّمَنِ، وَلَو قَالَ: بِمَا قَامَ عَلَىَّ .. دَخَلَ مَعَ ثَمَنِهِ أُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَالدَّلَّالِ والْحَارِسِ وَالْقَصَّارِ وَالرَّفَّاءِ وَالصَّبَّاغِ وَقِيمَةُ الصَّبْغِ وَسَائِرِ الْمُؤَنِ الْمُرَادَةِ لِلِاسْتِرْبَاحٍ  قد اشترى بمئة كان الثمن تسعين على هذا، وعلى الأول: تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءًا من درهم.
ولو اشتراه بمئة وعشرة .. فالثمن على الأول: مئة، وعلى الثاني: تسعة وتسعون.
ولو قال: بحط درهم من كل عشرة .. حط من كل عشرة، ولو أتى بـ (اللام) فقال: لكل عشرة .. فالمحطوط درهم من كل أحد عشر.
قال: (وإذا قال: بعت بما اشتريت .. لم يدخل فيه سوى الثمن)؛ لأن الشراء هو العقد والعقد لم يقع إلا بذلك.
والمراد بـ (الثمن): ما استقر عليه العقد، حتى لو ألحقا في خيار المجلس أو الشرط زيادة أو نقصًا .. اعتبرنا ذلك.
قال: (ولو قال: بما قام علي .. دخل مع ثمنه أجرة الكيال والدلال والحارس والقصار والرفاء والصباغ وقيمة الصبغ وسائر المؤن المرادة للاسترباح) كتطيين الدار، وأجرة المكان، ومؤنة ختان الرقيق، والمكس الذي يأخذه السلطان، وأجرة الطبيب إذا اشتراه مريضًا، والعلف الزائد على العادة لقصد التسمين، فيحسب الجميع ويدخلها مع الثمن، ولا يضر الجهل بقدرها للضرورة، أما المؤن المقصودة للبقاء كالنفقة المعتادة وأجرة الطبيب إذا حدث المرض .. فإنها لا تحسب؛ لأنها غير مقصودة للاسترباح.
ولو جنى العبد ففداه أو غصب فبذل شيئًا في مؤنة استرداده .. لم يحسب عند الأكثرين كل هذا إذا لم ينص عليه، فأما إذا قال: بعتك بما قام علي وهو كذا وبما فديته أو أنفقته وهو كذا .. فإنه لا يمتنع بلا خلاف.

وَلوْ قَصَّرَ بِنَفْسِهِ أَوْ كَالَ أَوْ حَمَلَ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ شَخْصٌ .. لَمْ تَدْخُلْ أُجْرَتُهُ.
وَلْيَعْلَمَا ثَمَنَهُ أَوْ مَا قَامَ بِهِ، فَلَوْ جَهِلَ أَحَدُهُمَا .. بَطَلَ الْبَيْعُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلْيُصَدَّقِ الْبَائِعُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَالأَجَلِ، وَالشِّرَاءِ بِالْعَرْضِ،  وقد استشكل ابن الرفعة تصوير الكيال والدلال؛ لأنهما على البائع، ثم صورهما بما إذا كان الثمن مكيلًا فأجرة كيله على المشتري، وإذا تردد في صحة ما كاله البائع فاستأجر من كاله ثانيًا ليرجع عليه إن ظهر نقص، وأما الدلال، فإذا استأجر من يعرض سلعته على البيع فاشترى بها عينًا .. فإن الأجرة تضم إلى قيمة العين.
و (الرفاء) مهموز ممدود، رفأت الثوب أرفؤه رفأً: إذا أصلحت ما وَهَى منه، وربما لم يهمز، يقال: من اغتاب .. خرق، ومن استغفر .. رفا.
قال: (ولو قصر بنفسه أو كال أو حمل أو تطوع به شخص .. لم تدخل أجرته)؛ لأن عمله لنفسه لا أجرة له فلا يقوَّم عليه.
ولو صبغ بنفسه .. دخل ثمن الصبغ لا الأجرة.
قال: (وليعلما ثمنه أو ما قام به، فلو جهل أحدهما .. بطل البيع على الصحيح)؛ لجهالة الثمن.
والثاني: يصح؛ لأن الثمن مبني على ثمن العقد الأول والرجوع إليه سهل فصار كطلب الشفيع الشفعة قبل العلم.
والثالث: يصح إذا عرفاه قبل التفرق، فإن تفرقا من غير علم .. بطل.
قال: (وليصدق البائع في قدر الثمن والأجل) فيجب بيان ذلك؛ لأن بيع المرابحة مبني على الأمانة، لاعتماد المشتري على نظر البائع واستقصائه ورضاه لنفسه بما رضيه البائع مع زيادة يبذلها، فعلى البائع الصدق في الإخبار عما اشترى به وما قام به عليه إن كان يبيع بلفظ القيام، ولأن الأغراض تختلف بذلك اختلافًا ظاهرًا، وكذلك صفة الثمن كالصحاح والمكسرة، فلو اشتراه بمئة وخرج عن ملكه ثم اشتراه بخمسين .. فرأس ماله خمسون.
قال: (والشراء بالعرض) فيلزمه إذا اشترى شيئًا بعرض وأراد بيعه مرابحة أن

وَبَيَانِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، فَلَوْ قَالَ: بِمِئَةٍ، فَبَانَ بِتِسْعِينَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَحُطُّ الزِّيَادَةَ وَرِبْحَهَا،  يقول: اشتريته بعرض قيمته كذا، ولا يقتصر على ذكر القيمة؛ لأن البائع بالعرض يشدد فوق ما يشدد ببيعه بالنقد.
قال: (وبيان العيب الحادث عنده) أي: فيبين حدوثه، وإلا .. فجميع العيوب القديمة والحادثة يجب بيانها، وسواء حدث بجناية أم بآفة، سواء كان منقصًا للعين أو القيمة.
ولو اشتراه معيبًا .. وجب الإخبار به، وكذا إذا اشتراه بغبن عند الأكثرين خلافًا للغزالي، وإذا اشتراه من ابنه الطفل .. وجب الإخبار به؛ دفعًا للتهمة، أو من ولده الكبير أو مكاتبه .. فلا في الأصح.
فرع: اشترى عامل القراض الذي شرط له نصف الربح ثوبًا بمئة وباعه من رب المال بمئة وخمسين .. لم يجز لرب المال أن يخبر إلا بمئة وخمسة وعشرين؛ لأن نصف الربح له، قاله الماوردي، وغلطه الروياني فيه؛ لأن العامل لا يبيع مال القراض من رب المال، وهو صحيح.
فرع: اشترى بعشرة ثم واطأ غلامه الحر أو صديقًا له فباعه منه ثم اشتراه بعشرين ليخبر بالعشرين .. كره، وقال الروياني وغيره: يحرم، واختاره الشيخ؛ لأنه غش.
وإذا علم المشتري بالحال .. ثبت له الخيار.
قال: (فلو قال: بمئة، فبان بتسعين .. فالأظهر: أنه يحط الزيادة وربحها)؛ لأنه تمليك باعتبار الثمن الأول فتنحط الزيادة عنه كما في الشفعة.

وَأَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.
وَلَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مِئَةٌ وَعَشَرَةٌ وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي .. لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الأَصَحِّ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ  وعلى هذا: يكون الثمن تسعة وتسعين، والمحطوط أحد عشر.
والثاني: لا يحط شيء، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه سمى ثمنًا معلومًا وعقد به.
وعلى هذا: الثمن مئة وعشرة، وإنما تبين كونه بتسعين بإقراره أو ببينة.
قال: (وأنه لا خيار للمشتري) أي: إذا قلنا بالأظهر، وهو: حط الزيادة وربحها؛ لأنه رضي بالأكثر فرضاه بالأقل أولى.
والثاني –وبه قال أبو حنيفة-: يثبت الخيار؛ لأنه قد يكون له غرض في الشراء بذلك القدر لإبرار قسم أو إنفاذ وصية، هذه الطريقة الصحيحة، وهي طريقة القولين في الحالين.
وقيل: إن ثبت ذلك ببينة .. ثبت، أو بالإقرار .. فلا، أما إذا قلنا بعدم الحط .. فللمشتري الخيار جزمًا إلا أن يكون عالمًا بكذب البائع.
قال الشيخ: وإذا أثبتنا الخيار .. فهو على الفور، وأبدى ابن الرفعة احتمالًا آخر: أنه يدوم بدوام مجلس الاطلاع عليه، والخلاف في الحط جار في حالة بقاء المبيع وتلفه على الصحيح؛ لأن المقصود لا يختلف.
وقطع الماوردي بسقوط الزيادة وربحها في حالة التلف، ونقله صاحب (المهذب) والشاشي عن الأصحاب.
قال: (ولو زعم: أنه مئة وعشرة وصدقه المشتري .. لم يصح البيع في الأصح)؛ لتعذر إمضائه، فإن العقد لا يحتمل الزيادة، وأما النقصان .. فإنه معهود بدليل الأرش.
قال: (قلت: الأصح: صحته والله أعلم) كما لو غلط بالزيادة، هكذا صححه في زوائد (الروضة)، ونقله عن جماعة.
وعلى هذا: الأصح: أن الزيادة لا تثبت لكن للبائع الخيار.

وَإِنْ كَذَّبَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِغَلَطِهِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا .. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ، وَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فِي الأَصَحِّ.
وَإِنْ بَيَّنَ .. فَلَهُ الْتَّحْلِيفُ، وَالأَصَحُّ: سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ  وقيل: تثبت مع ربحها وللمشتري الخيار.
قال: (وإن كذبه ولم يبين لغلطه وجهًا محتملًا .. لم يقبل قوله)؛ لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حق آدمي.
وقال أحمد: يقبل قوله مع يمينه؛ لأنه لما دخل معه في المرابحة جعل أمينًا.
وقوله: (محتمَلًا) هو بفتح الميم.
قال: (ولا بينته)؛ لأنه مكذب لها بإقراره السابق.
قال: (وله تحليف المشتري أنه لا يعرف ذلك في الأصح) أي: لا يعرف كونه مئة وعشرة؛ لأنه ربما يقر عند عرض اليمين عليه.
والثاني: لا، كما لا تسمع بينته، فإن قلنا: له تحليفه فنكل .. فالأصح: أنها ترد على المدعي فيحلف على القطع، بخلاف المشتري إذا حلفناه .. فهو على نفي العلم، فإذا حلف المدعي اليمين المردودة .. فللمشتري الخيار.
قال: (وإن بين) أي: لغلطه وجهًا محتملًا (.. فله التحليف)؛ لأن العذر يقوي ظن صدقه، كما إذا قال: ما راجعت جريدتي.
قال: (والأصح: سماع بينته)؛ قياسًا على التحليف، والجامع بينهما العذر.
والثاني: لا تسمع لتكذيبه لها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تتمة: إذا سمعت البينة .. فهو كما لو صدقه، قاله المتولي وغيره، فعلى رأي الرافعي: يفسد العقد، وعلى رأي المصنف: يصح.


خاتمة قال ابن الرفعة والشيخ: عدم سماع البينة هنا هو المشهور المنصوص.
وقد ذكر الرافعي في آخر (الدعاوى): أنه لو باع دارًا وادعى: أنها وقف .. لم تسمع بينته، وهذا على إطلاقه يخالف قول الرافعي في المرابحة.
قالا: وهذه مسألة كثيرة الوقوع للحكام، وسماع البينة فيها مشكل على المذهب، كما يقتضيه إطلاق الشافعي رضي الله عنه وقدماء الأصحاب.


بَابُ الأُصُولِ وَالثِّمَارِ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الأَرْضَ أَوِ السَّاحَةَ أَوِ الْبُقْعَةَ، وَفِيهَا بِنَاءٌ وَشَجَرٌ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ

باب الأصول والثمار

أخذ المصنف هذه الترجمة من (التنبيه)، ولا تكاد تعرف لغيرهما، والمراد بـ (الأصول): الشجر وكل ما يثمر مرة بعد أخرى.
قال: (قال: بعتك هذه الأرض أو الساحة أو البقعة، وفيها بناء وشجر .. فالمذهب: أنه يدخل في البيع دون الرهن)؛ لأن البيع أقوى، بدليل: أنه ينقل الملك فاستتبع بخلاف الرهن، وادعى ابن حزم الإجماع على الاستتباع في البيع، لا جرم كان القطع بالدخول أظهر الطرق.
والثانية: القطع بعدم الدخول فيهما؛ لخروجهما عن مسمى الأرض.
قال الشيخ: وهو القياس، وصححه الإمام والغزالي.
وقال الرافعي: إنه أوضح في المعنى.
والثالثة: قولان بالنقل والتخريج.
والرابعة: يدخلان في البيع وفي الرهن قولان كالحمل.
ومحل الطرق: إذا أطلق، فإن نص على الدخول .. دخلا، أو الخروج .. فلا.
ولو قال: بحقوقها .. دخلا عند الأكثرين.
وقيل: لا؛ لأن الحقوق إنما تقع على الطرق ومجاري الماء ونحوها.
والهبة كالبيع؛ لأنها تزيل الملك، ففيها وفي الوقف الخلاف، والإقرار كالرهن.
والمصنف أطلق الشجر، ومحله: في الشجر الرطب، أما اليابس .. فلا يدخل؛

وَأُصُولُ الْبَقْلِ الَّتِي تَبْقى سَنَتَيْنِ –كَالْقَتِّ وَالْهِنْدِبَاءِ- كَالشَّجَرِ  لأن الغصن اليابس لا يدخل في بيع الشجرة كما سيأتي.
و (الساحة): الناحية والفضاء بين الأبنية، والجمع: ساح وساحات وسوح، والتصغير: سويحة.
و (البقعة) بضم الباء وفتحها: أعلى قطعة في الأرض، والجمع: بقع.
قال: (وأصول البقل التي تبقى سنتين –كالقت والهندباء- كالشجر)؛ لبقائها، فتجري فيها الطرق، وعن الجويني: القطع بدخولها؛ لأنها كامنة في الأرض نازلة منزلة أجزائها.
وقول المصنف: (سنتين) هو مثنى لا مجموع، فيفهم: أن ما يبقى سنة فقط ويثمر مرارًا كالبطيخ والخيار ليس كالشجر، وفيه وجهان في (الحاوي)، والنص: أنه كالشجر.
و (القت) بفتح القاف وتشديد التاء المثناة من فوق: علف الدواب ويقال له: القرط والرطبة.
و (الهندباء) بفتح الدال وكسرها يمد ويقصر معروف.
روى القزويني عن علي رضي الله عنه أنه قال: (على كل ورقة من الهندباء وزن حبة من ماء الجنة) رواه الحافظ أبو نعيم في (الطب النبوي) عنه صلى الله عليه وسلم بلفظ: (عليكم بالهندباء؛ فإنه ما من يوم إلا وهو يقطر عليه قطرة من قطر الجنة).
و (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب من البقول الهندباء).
وكذلك الحكم في الكرفس والنعناع والكراث والطرخون، ولا خلاف أن الجزة الظاهرة عند البيع للبائع فيجب شرط القطع؛ لئلا يطول فيختلط.
وما ثمره يجنى مرة بعد أخرى كالبنفسج والنرجس والبطيخ والقثاء والباذنجان

وَلَا يَدْخُلُ مَا يُؤْخَذُ دَفْعَةً كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الزُّرُوعِ.
وَيَصِحُّ بَيْعُ الأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إِنْ جَهِلَهُ،  جميعه كالشجر تجري فيه الطرق المتقدمة.
وأما الموز .. فالصحيح: أنه كالشجر، وإذا قلنا: إن أصول البقل لا تدخل في بيع الأرض .. فهي باقية على ملك البائع وتبقى كالأشجار، وإن قلنا: تدخل .. فقد تقدم: أن الجزة الظاهرة للبائع بلا خلاف، والداخل إنما هو الكامن في الأرض.
قال: (ولا يدخل ما يؤخذ دفعة كالحنطة والشعير وسائر الزروع) سواء كان يحصد كالزرع أو يقلع كالجزر والفجل والثوم والبصل، سواء أطلق أو قال: بحقوقها؛ لأنه نماء ظاهر لا يراد للبقاء فلم يدخل في بيع الأرض كالطلع المؤبر.
قال: (ويصح بيع الأرض المزروعة على المذهب) كالدار المشحونة بالأمتعة، والمراد: المزروعة بزرع يؤخذ دفعة، كذا قيد الشيخ محل الطرق، أما إذا كان يحصد مرة بعد أخرى .. فيصح قطعًا، كذا قاله المتولي.
والرافعي أطلق الوجهين.
والطريق الثاني: تخريجها على القولين في بيع الدار المستأجرة، وفرق الأصحاب بأن يد المستأجر حائلة.
والثالثة: القطع بالبطلان؛ لجهالة مدة بقاء الزرع.
قال: (وللمشتري الخيار إن جهله)؛ لتأخير الانتفاع، فإن تركه له .. سقط خياره.
وصورة المسألة: أن يكون قد رآها بلا زرع ثم اشترى بعد أن زرعت ولم يرها عند العقد، فلو رضي البائع بتسليم الزرع للمشتري أو قلعه إن لم يضر قلعه بالأرض .. فلا خيار.

وَلَا يَمْنَعُ الزَّرْعَ دُخُولُ الأَرْضِ في يَدِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ إِذَا حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ فِي الأَصَحِّ.
وَالْبَذْرُ كَالزَّرْعِ.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِلْمُشْتَرِي مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ  قال: (ولا يمنع الزرع دخول الأرض في يد المشتري وضمانه إذا حصلت التخلية في الأصح)؛ لوجود التسليم في عين المبيع.
والثاني: لا؛ لأنه لا يقدر على الانتفاع في الحال.
وقول المصنف: (وضمانه) لا حاجة إليه، ولهذا لم يذكره في (المحرر).
قال: (والبذر كالزرع) ومعناه: أن لكل بذر حكم زرعه، فإن كان زرعه يدوم كنوى النخل والجوز واللوز وبزر الكراث ونحوه من البقول .. فحكمه في الدخول تحت بيع الأرض كالأشجار، وإن كانت تؤخذ دفعة واحدة .. فلا ويبقى إلى أوان الحصاد.
ويتخير المشتري عند جهله، فإن تركه البائع له .. سقط خياره وعليه القبول، ولو قال: أفرغ الأرض منه، وأمكن في زمن يسير .. سقط أيضًا.
قال: (والأصح: أنه لا أجرة للمشتري مدة بقاء الزرع) لا قبل القبض ولا بعده؛ لأنه رضي بتلف هذه المنفعة، فأشبه ما لو باع دارًا مشحونة بالأمتعة لا يستحق المشتري الأجرة لمدة التفريغ.
والثاني: يجب، وصححه الغزالي والجرجاني.
ومحل الوجهين: إذا كان المشتري جاهلًا، فإن علم .. فلا أجرة له قطعًا.
فلو قلع الزرع قبل المدة بجائحة أو جزه البائع .. وجب عليه تسليم الأرض؛ لأنه إنما استحق من الأرض ما كان صلاحًا لذلك الزرع.

وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ أَوْ زَرْعٍ لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ .. بَطَلَ فِي الجَمِيعٍ، وَقِيلَ: فِي الأَرْضِ قَوْلَانِ.
ويَدْخُلُ فِي بَيْعِ الأَرْضِ الْحِجَارَةُ الْمَخْلُوقةُ فِيهَا، دُونَ الْمَدْفُونَةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ عَلِمَ،  قال: (ولو باع أرضًا مع بذر أو زرع لا يفرد بالبيع .. بطل في الجميع، وقيل: في الأرض قولان) كل من البذر والزرع قد يفرد بالبيع وقد لا يفرد، فالذي يفرد كالبذر الذي رآه المشتري قبل بذره ولم يتغير وقدر على أخذه .. يجوز بيعه جزمًا، وكذلك الزرع المرئي المنتفع به، فإن كان البذر غير معلوم أو تعفن والزرع مستور بالأرض كالفُجل أو بما ليس من صلاحه كالحنطة في سنبلها .. فهذا لا يفرد بالبيع، فإذا باعه مع الأرض .. ففيه الطريقان المذكوران، ومدركهما ما تقدم في تفريق الصفقة.
فإن جعلنا الإجارة فيما يصح بالقسط .. بطل هنا في الجميع؛ لتعذر التقسيط، وإن جعلنا الإجارة بالجميع .. جاء في الأرض القولان: فالصحيح هنا: موافق للصحيح هناك.
وقوله: (لا يفرد) راجع إلى البذر والزرع، وإنما أفرد الضمير؛ لأنه بعد العطف بـ (أو) يجب أن يكون كذلك.
قال: (ويدخل في بيع الأرض الحجارة المخلوقة فيها)؛ لأنها من جملة أجزائها، وكذلك الثابتة فيها، فإن كانت تضر بالزرع والغرس .. فهذا عيب إذا كانت الأرض مما يقصد لذلك.
وفي وجه: أنه ليس بعيب وإنما هو فوات فضيلة.
ومن الذي يدخل في بيعها: السواقي التي تشرب منها الأرض، وأنهارها، وعين ماء فيها.
وفي دخول الماء الذي فيها الخلاف الآتي.
قال: (دون المدفونة) كالأقمشة والكنوز، ولأن عادة أهل الحجاز يحفرون الأرض ويدفنون فيها الحجارة إلى وقت الحاجة.
قال: (ولا خيار للمشتري إن علم) وإن تضرر بقلع البائع.

وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ النَّقْلُ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ وَلَمْ يَضُرَّ قَلْعُهَا، وَإِنْ ضَرَّ .. فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازَ .. لَزِمَ الْبَائِعَ النَّقْلُ وَتَسْوِيَةُ الأَرْضِ، وَفِي وُجُوبِ أُجْرَةِ مِثْلِ مُدَّةِ النَّقْلِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: تَجِبُ إِنْ نَقَلَ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا قَبْلَهُ.
وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْبُسْتَانِ: الأَرْضُ وَالشَّجَرُ وَالْحِيطَانُ،  قال: (ويلزم البائع النقل)؛ تفريغًا لملك المشتري، بخلاف الزرع؛ فإن له أمدًا ينتظر.
قال: (وكذا إن جهل ولم يضر قلعها)؛ لزوال العيب من غير ضرر، وللبائع النقل، ويلزمه تسوية الأرض.
قال: (وإن ضر .. فله الخيار)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
قال: (فإن أجاز .. لزم البائع النقل وتسوية الأرض) سواء كان النقل قبل القبض أو بعده؛ وذلك بأن يعيد التراب المزال بالقلع من فوق الحجارة مكانه.
ويبعد أن يقال: يسويها بتراب آخر من خارج أو مما فيها؛ لأن في الأول: إيجاب عين لم تدخل في البيع، وفي الثاني: تغيير المبيع.
قال: (وفي وجوب أجرة مثل مدة النقل أوجه أصحها: تجب إن نقل بعد القبض لا قبله) أما عدم وجوبها قبل القبض .. فلأن ذلك كتعييب البائع، وهو كالآفة السماوية على الأصح.
وأما وجوبها بعد القبض .. فلتفويته على المشتري منفعة تلك المدة.
والوجه الثاني: تجب قبل القبض وبعده، ومأخذه جعل جناية البائع كالأجنبي.
والثالث: لا تجب قبل القبض ولا بعده؛ لأن قبض الأرض وفيها الحجارة ليس قبضًا تامًا.
قال الرافعي: ويجري هذا الخلاف في وجوب الأرش لو بقي في الأرض بعد التسوية عيب، واستبعده الشيخ.
قال: (ويدخل في بيع البستان: الأرض والشجر والحيطان)؛ لدخولها في

وَكَذَا الْبِنَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي بَيْعِ الْقَرْيَةِ: الأَبْنِيَةُ وَسَاحَاتٌ يُحِيطُ بِهَا السُّورُ، لَا الْمَزَارِعُ عَلَى الصَّحِيحِ،  مسماه، وكذلك (الباغ) وهو: البستان بالعجمية، و (الكرم) أيضًا يطلق في الشام والعراق والعجم على البستان سواء كان فيه عنب أم لا.
فإذا قال: بعتك الباغ أو الكرم أو البستان .. دخل في البيع: الأرض والأشجار والحيطان بلا خلاف، وكذا قضبان الشجر، إلا ما لا يدخل في بيع الشجرة من اليابس، وأوراق الفرصاد، وأغصان الخلاف، ويدخل في بيع الكرم: العريش على الأصح.
و (البستان) معرب، وجمعه: بساتين.
قال: (وكذا البناء على المذهب)؛ لدخوله في مسماه أيضًا، بل لا يسمى بستانًا إلا بذلك، ورجح الغزالي مقابله.
ونسبة الأبنية إلى البستان كنسبة الشجر إلى الدار، فإذا باع دارًا وفيها شجر .. ففي دخولها فيها الطرق التي في بيع الأرض.
وفي وجه ثالث: إن كثرت بحيث لا تسمى بستانًا .. لم تدخل، وإلا .. دخلت.
قال: (وفي بيع القرية: الأبنية وساحات يحيط بها السور)؛ لدخولها في الاسم، ودخل عين السور، ولابد منه؛ لأن كل ذلك داخل تحت اسمها، وينبغي أن يدخل حريمها في بيعها كما في حريم الدار.
قال: (لا المزارع على الصحيح)؛ لأنه لو حلف: لا يدخل قرية .. لم يحنث بدخول مزارعها.
والثاني –وهو قول الإمام والغزالي-: أنها تدخل، وعن ابن كج: إن قال: بحقوقها .. دخلت، وإن اقتصر عليها .. لم تدخل قطعًا.

وَفِي بَيْعِ الدَّارِ: الأَرْضُ، وَكُلُّ بِنَاءٍ حَتَّى حَمَّامُهَا، لَا الْمَنْقُولُ كَالدَّلْوِ وَالْبَكَرَةِ وَالسَّرِيرِ،  قال: (وفي بيع الدار: الأرض، وكل بناء)؛ لأن الدار اسم للأرض والبناء فيدخل الكانون والتنور المبنيان.
وفي البناء قول غريب بعيد: إنه لا يدخل.
ولا فرق في البناء بين العلو والسفل، وتدخل: الأجنحة، والرواشن، والدرج، والمراقي المعقودة، والآجر، والبلاط المفروش، وتدخل المظلة التي على بابها مبنية على جدارها، خلافًا لأبي حنيفة.
لنا: أنها كالميزاب، وهو متفق على دخوله.
قال: (حتى حمامها)؛ لأنه من جملة مرافقها.
وحكى عن نصه: أن الحمام لا يدخل، وحمله الربيع على (حمامات الحجاز) وهي: بيوت من خشب تنقل.
قال: (لا المنقول كالدلو والبكرة والسرير)؛ لخروجها عن مسماها.
و (الدلو) بفتح الدال، الغالب عليه التأنيث.
و (البكرة) بفتح الكاف وإسكانها لغتان، والمراد: بكرة البئر التي يستقى عليها، وجمعها: بَكَر بالتحريك.
قال الجوهري: وهو من شواذ الجمع؛ لأن فعلة لا تجمع على فعل إلا أحرفًا يسيرة، وتجمع على: بكرات.
قال الراجز: شرُّ الدِّلاءِ الوَلْغةُ الملازمهْ .... والبَكَراتُ شَرُّهنَّ الصائمهْ يعني: التي لا تدور.

وَتَدْخُلُ الأَبْوَابُ الْمَنْصُوبَةُ وَحِلَقُهَا وَالإِجَّانَاتُ وَالرَّفُّ وَالسُّلَّمُ الْمُسَمَّرَانِ، وَكَذَا الأَسْفَلُ مِنْ حَجَرَيِ الرَّحَى عَلَى الصَّحِيحِ، وَالأَعْلَى، وَمِفْتَاحُ غَلَقٍ مُثْبَتٌ فِي الأَصَحِّ،  قال: (وتدخل الأبواب المنصوبة وحلقها والإجانات والرف والسلم المسمران)؛ لأن الجميع معدود من أجزاء الدار؛ لاتصالها بها، أما المقلوعة .. فلا تدخل.
وتدخل: الأغاليق المثبتة والضبات قطعًا، وما أثبت من الخوابي والدنان، وخشب القصار، ومعجن الخباز، والدرابزين، وصندوق الطحان الذي يجعل فيه القمح فوق الحجر على الأصح في الجميع.
و (الإجانات) جمع: إجانة، وهي: الإناء الذي تغسل فيه الثياب، وفيها ثلاث لغات: كسر الهمزة وتشديد الجيم، وفتح الهمزة، وكسرها مع التخفيف.
و (السلم): المرقاة، تذكر وتؤنث، ولفظه مأخوذ من السلامة.
قال: (وكذا الأسفل من حجري الرحى على الصحيح) إذا كان مثبتًا؛ لأنها تعد في العرف جزءًا لاتصالها.
والثاني –وهو الأقيس عند الإمام-: لا يدخل؛ لأنه منقول، ووقع في (الكفاية): انه لا خلاف في اندراج الأسفل، والخلاف فيه في غالب الكتب.
و (الرحى) معروفة مؤنثة، والألف منقلبة من الياء، تقول: هما رحيان، والجمع: أرحاء.
قال: (والأعلى، ومفتاح غلق مثبت في الأصح)؛ لأنهما تابعان لشيء مثبت.
والثاني: لا، كسائر المنقولات، والوجهان في الأعلى إذا أدخلنا الأسفل، وإلا .. فلا يدخل قطعًا، والوجهان يجريان في ألواح الدكاكين، ولا خلاف في اندراج الحجرين في اسم الطاحون.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  غريبة: جرت العادة بأن مشتري العقار يأخذ كتب أصوله من البائع، فتدخل في البيع تبعًا –كمفتاح الغلق المثبت- وتصير المكاتيب منتقلة إلى المشتري تبعًا للعقار، وينزل الأمر في ذلك على العادة، فإن كان للبائع بقية حق في المكتوب .. يخصم مكتوبه ويسلم إليه؛ لبقاء الحق الذي فيه، وإذا لم يبق له فيه حق .. أمر بتسليمه للمشتري، كذا أفتى به مشايخ العصر.
والمنقول في المسألة: أن من باع شيئًا لا يلزمه تسليم كتب الأصل إلى المشتري؛ لأنها ملكه، وحجته عند الدرك كما جزم في (الكفاية)، وسيأتي في (كتاب القضاء) عند قول المصنف: (أو أن يكتب له محضرًا بما جرى من غير حكم أو سجلًا بما حكم به استحب).
فروع: الأول: لابد في بيع الدار من ذكر الحدود الأربعة، فلو اقتصر على حدين .. لم يكف، وإن ذكر ثلاثة، فإن كانت لا تتميز بذكرها .. لم يصح، وإن تميزت بذلك .. فالصحيح: الصحة.
وقيل: لابد من ذكر الرابع.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال ابن الرفعة: الذي يظهر من كلام الأصحاب الصحة إذا تميزت بغير ذكر الحدود.
ونقل الرافعي في (القضاء على الغائب) عن ابن أبي عصرون: أنه يكتب إلى قاضي بلد المال في العقار الحدود الأربعة، ولا يجوز الاقتصار على حدين أو ثلاثة.
قال الشيخ: ولا يخفى الفرق بين البيع وكتابة القاضي، فالأولى في البيع عند التمييز: الصحة، وسيأتي الفرع في (الإجارة) و (الوقف) و (القضاء على الغائب) و (الدعاوى) إن شاء الله تعالى.
الثاني: باع دارًا فيها تراب .. قال البغوي: إن كان مفروشًا فيها أو مجموعًا جعل دكة للتأبيد .. دخل، وإن جمع للنقل أو الاستعمال عند الحاجة .. لم يدخل.
الثالث: يدخل البئر والصهريج قطعًا، أما الماء الذي في البئر، فإن قلنا: لا يملك .. لم يدخل في البيع وكل من حازه ملكه، وإن قلنا: يملك، وهو الأصح .. فالموجود منه عند البيع كالثمرة المؤبرة، إن شرط .. دخل، وإن لم يشرط .. لم يدخل، ويفسد البيع؛ لاختلاطه بما سيحدث على ملك المشتري كالثمرة المتلاحقة.

وَفِي بَيْعِ الدَّابَّةِ: نَعْلُهَا، وَكَذَا ثِيَابُ الْعَبْدِ فِي بَيْعِهِ فِي الأَصَحِّ  وفي وجه غريب: أن الماء يتبع في البيع كالثمرة غير المؤبرة، وصححه ابن أبي عصرون، وعمل الناس عليه في شراء الدور والبساتين، وهو خلاف المشهور.
ولو باع ماء البئر وحده .. لم يصح؛ لعدم إمكان تسليمه.
وأما ماء الصهريج .. فلا يدخل في البيع كسائر المائعات.
الرابع: يدخل في بيع السفينة آلاتها المتصلة، وفي دخول المنفصلة التي لا يستغنى عنها كالقلع والمجاذيف وجهان، كالوجهين في المفتاح.
قال: (وفي بيع الدابة: نعلها) أي: المسمر فيها؛ لأن العرف يقضي باستتباعه، وهذا لا خلاف فيه، وكذا برة البعير إلا أن تكون من ذهب أو فضة فلا تدخل، ولا يدخل الحبل والسرج واللجام.
قال: (وكذا ثياب العبد في بيعه في الأصح)؛ للعرف، وبهذا قال أبو حنيفة.
وعلى هذا: في اشتراط رؤيتها نظر، والمراد به: ثيابه التي عليه حال البيع، ولو عبر المصنف بالرقيق .. كان أشمل.
وأصل هذه المسألة: ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما [خ2379 - م1543/ 80]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من باع عبدًا وله مال .. فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع) وفيه دليل لمالك.
والقول القديم: أن العبد يملك بتمليك السيد.
وقال الشافعي في الجديد وأبو حنيفة: لا يملك، وتأولا الحديث على أن

قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا تَدْخُلُ ثِيَابُ الْعَبْدِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: بَاعَ شَجَرَةً .. دَخَلَ عُرُوقُهَا وَوَرَقُهَا -وَفِي وَرَقِ التُّوتِ وَجْهٌ-  المراد: أن يكون في يد العبد شيء من مال السيد فأضيف إليه للاختصاص، كما يقال: رحل الدابة، وسرج الفرس، فإذا باع السيد العبد .. فذلك المال للبائع؛ لأنه ملكه إلا أن يشترطه المبتاع فيصح، ويكون قد باع العبد والمال بثمن واحد، وذلك جائز بشرط الاحتراز عن الربا.
ومحل هذا: إذا قال: بعتك هذا العبد بما له، فإن قال: وما له .. فلا تبعية وكل منهما مقصود تشترط فيه جميع شروط البيع، ولو رده بعيب .. رد مع ما له.
قال: (قلت: الأصح: لا تدخل ثياب العبد والله أعلم)؛ اقتصارًا على اللفظ، كما أن سرج الدابة لا يدخل في بيعها، ونسب الماوردي هذا القول إلى جميع الفقهاء.
والثالث: يدخل ساتر العورة فقط للضرورة، ومحل هذه الأوجه: في الثياب إذا كان لابسها.
تتمة: لا يدخل القرط الذي في أذن الرقيق ولا الخاتم الذي في يده بلا خلاف، وجعلوا المداس كذلك، والقياس: أن يكون كالثياب.
قال: (فرع: باع شجرة) إما مفردة أو مع الأرض بالتصريح أو تبعًا على قول التبعية لها.
قال: (.. دخل عروقها، وورقها) كثمار سائر الأشجار.
قال: (وفي ورق التوت وجه)؛ لأنه يقصد لتربية الدود فكان كالثمرة، لكن شرطه: أن يكون في زمن الربيع، وأن يكون توته أبيض، ولهذا عدل المصنف عن تعبير (المحرر) بورق الفرصاد وأن يكون ورق الأنثى؛ لأن ورق الذكر لا يصلح

وَأَغْصَانُهَا إِلَّا الْيَابِسَ،  لذلك كما قاله في (المطلب) , وأجرى بعضهم هذا الوجه في ورق النبق.
وفي (البيان): شجر الحناء يجوز أن يكون كالفرصاد، ويجوز أن يقطع بأنه للبائع؛ لأنه لا ثمرة له إلا الورق، وألحق القمولي بذلك ورق النيلة.
و (التوت) بالمثناة في آخره على الأشهر.
قال: (وأغصانها)؛ لاشتمالها عليها، وعبارته تشمل: أغصان الخلاف، وفيها اختلاف في كلام الإمام: جزم هنا بالدخول، وفي (باب الوقف) بعدمه، وحكى في (باب الرهن) وجهين مطلقين.
وقال القاضي حسين: لا تدخل أغصان الخلاف؛ لأنها كالثمرة.
ومن محاسن كلام ابن يونس: وفي أغصان الخلاف خلاف، وفي (الصحاح) و (المحكم) و (كفاية المتحفظ) و (عجائب المخلوقات): أن (الخلاف): الصفصاف، والصواب: أنه شجر البان وأغصانه ثمرته التي تشم، لكن في الصفصاف نوع بأرض الشام يقال له: الحلاف بالحاء المهملة وتخفيف اللام.
قال: (إلا اليابس) فلا يدخل في بيع الشجرة الرطبة؛ لأن العادة فيه القطع كالثمرة.
قال البغوي: ويحتمل أن يدخل كالصوف على الظهر، وفيه نظر.

وَيَصِحُّ بَيْعُهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ أوِ الْقَلْعِ، وَبِشَرْطِ الإِبْقَاءِ، وَالإِطْلَاقُ يَقْتَضِي الإِبْقَاءَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَغْرِسُ لَكِنْ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهُ مَا بَقِيَتِ الشَّجَرَةُ  قال: (ويصح بيعها بشرط القطع أو القلع) سواء كانت رطبة أو يابسة، وتدخل العروق عند شرط القلع لا القطع بل تبقى للبائع.
قال: (وبشرط الإبقاء) إذا كانت رطبة، فإن كانت يابسة .. لزم المشتري تفريغ الأرض منها كما سيأتي.
فلو شرط إبقاءها لم يصح البيع كبيع ثمرة مؤبرة بشرط عدم القطع أوان الجذاذ.
قال: (والإطلاق يقتضي الإبقاء) تحكيمًا للعادة.
فول استخلف شيء من الشجرة حولها .. هل يستحق إبقاؤه كالأصل أو يؤمر المشتري بقطعه؟ قال القمولي: فيه احتمالان: والأول: أظهر.
وقال ابن الرفعة: إن علم استخلافه كشجر الموز .. فلا شك في وجوب إبقائه.
قال: (والأصح: أنه لا يدخل المغرس) حيث استحق الإبقاء سواء كان بالشرط أم بالإطلاق؛ لأن اسم الشجرة لا يتناوله.
والثاني: دخل؛ لأنه يستحق الانتفاع به لا إلى غاية.
و (المغرس) بكسر الراء: موضع الغرس.
قال الشيخ: والقول بملكه .. فيه إشكال من جهة: أن الشجرة تكبر وتمتد عروقها فيؤدي إلى أن يتجدد له ملك في كل وقت لما لم يملكه عند البيع، ولا خلاف: أن مغرس اليابسة لا يدخل.
ثم إذا قلنا بدخول المغرس فانقلعت الشجرة أو قلعها المالك .. كان له أن يغرس بدلها، وله أن يبيع المغرس، وعلى الأصح: ليس له ذلك.
قال: (لكن يستحق منفعته ما بقيت الشجرة) بحكم الاستتباع.
قال ابن الرفعة: مما تعم به البلوى ولم أقف فيه على نقل: أن يبيع البناء والأرض مستأجرة معه ولم تنقض مدة الإجارة وعلم المشتري ذلك هل نقول: يستحق الإبقاء

وَلَوْ كَانَتْ يَابِسَةً .. لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْقَلْعُ.
وَثَمَرَةُ النَّخْلِ الْمَبِيعِ إِنْ شُرِطَتْ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي .. عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا: فإِنْ لَمْ يَتَأَبَّرْ مِنْهَا شَيْءٌ .. فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِلَّا .. فَلِلْبَائِعِ  بقية المدة بغير عوض -كما لو كانت مملوكة له- أو بالأجرة؟ قال: والأشبه: الثاني، والعمل عليه.
ولو كانت الأرض موصى له بمنفعتها .. فيشبه إلحاقها بالمملوكة حتى لا يستحق عليه أجرة في حياته ولا بعد مماته.
قال: (ولو كانت يابسة .. لزم المشتري القلع)؛ لاقتضاء العرف ذلك.
قال: (وثمرة النخل المبيع إن شرطت للبائع أو للمشتري .. عمل به) سواء كانت قبل التأبير أو بعده وفاء بالشرط.
قال المتولي: وكذلك إذا شرط غير المؤبر للمشتري .. فهو تأكيد.
قال الشيخ: وينبغي أن يكون كشرط الحمل.
قال: (وإلا: فإن لم يتأبر منها شيء .. فهي للمشتري، وإلا .. فللبائع).
روى الشيخان [خ2204 - م1543/ 77] عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من باع نخلًا قد أبرت .. فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع).
دل بمنطوقه على: أن المؤبر للبائع.
وبمفهوم الشرط على: أن ما لم يؤبر المشتري.
ودل الاستثناء على: أنها تكون للمشتري عند اشتراطها له.
وخالف أبو حنيفة فقال: تبقى الثمار للبائع أبرت أم لم تؤبر.
واقتضت عبارة المصنف: أنه لا فرق بين طلع الإناث والذكور وهو الأصح.

وَمَا يَخْرُجُ ثَمَرُهُ بِلَا نَوْرٍ –كَتِينٍ وَعِنَبٍ- إِنْ بَرَزَ ثَمَرُهُ .. فَلِلْبَائِعِ، وَإِلَّا .. فَلِلْمُشْتَرِي  وقيل: إن طلع الذكر .. للبائع مطلقًا تشقق أم لم يتشقق؛ لأنه ثمرة، وحيث حكمنا بأن الثمرة للبائع .. فالكمام للمشتري.
و (التأبير) في اللغة: وضع طلع الذكور في الإناث بعد تشققها، وفي إطلاق كثيرين: أنه التشقق؛ وهو المراد هنا سواء كان بنفسه أم بغيره، ولهذا عدل المصنف عن (تؤبر) إلى (يتأبر)؛ لأن المقصود الظهور، لا يعرف في ذلك خلاف بين العلماء إلا أن ابن حزم جَمَدَ جمودًا عجيبًا فقال: إن ظهرت بغير تأبير .. لم يحل اشتراطها.
تنبيه: الثمرة غير المؤبرة تتبع في البيع والصلح والإجارة والصداق والخلع قطعًا، ولا تتبع في الرجوع بالطلاق قطعًا، وهل تتبع في الرجوع بالفلس، أو تتبع المرهون بغير رضا الراهن، وفي الهبة والوصية، ورجوع الوالد في هبة ولده؟ وجهان.
قال: (وما يخرج ثمره بلا نور كتين وعنب) وكذلك الجوز والفستق (إن برز ثمره .. فللبائع، وإلا .. فللمشتري)؛ لأن الظهور هنا كالتشقق في النخل، فإن ظهر بعضه دون بعض، فما ظهر .. فللبائع، وما لم يظهر .. للمشتري، قاله البغوي وغيره.
قال الرافعي: وهو محل التوقف.
وقد صرح المتولي والروياني بذلك في التين، وقالا: لا خلاف فيه، وفرقا بينه وبين النخل؛ بأن ثمرة النخل ثمرة عام واحد وهي لا تحمل في السنة إلا مرة، والتين

وَمَا يَخْرُجُ فِي نَوْرِهِ ثُمَّ يَسْقطُ كَمِشْمِشٍ وَتُفَّاحٍ .. فَلِلْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ تَنْعَقِدِ الثَّمَرَةُ، وَكَذَا إِنِ انْعَقَدَتْ وَلَمْ يَتَناثَرِ النَّوْرُ فِي الأًصَحِّ، وبَعْدَ التَّنَاثُرِ لِلْبَائِعِ.
وَلَوْ بَاعَ نَخَلَاتِ بُسْتانٍ مُطْلِعَةً وَبَعْضُهَا مُؤَبَّرٌ .. فَلِلْبَائِعِ،  يحمل حملين مرة بعد أخرى، فكانت الأولى للبائع، والثانية للمشتري، والتوت الشامي كالتين.
و (النور): الزهر على أي لون كان.
وقيل: النور: ما كان أبيض، والزهر: ما كان أصفر.
قال: (وما يخرج في نوره ثم يسقط) أي: النور (كمشمش وتفاح .. فللمشتري إن لم تنعقد الثمرة)؛ لأنها كالمعدومة، وكذا الكمثرى والإجاص والسفرجل والخوخ وشبهه، والله أعلم.
و (المشمش) بكسر الميمين على المشهور، وعن أبي عبيدة فتحهما أيضًا.
قال: (وكذا إن انعقدت ولم يتناثر النور في الأصح)؛ قياسًا على ثمرة النخل إذا لم يتشقق عنها الكمام.
والثاني: أنها للبائع؛ لأنها كالثمرة المؤبرة التي عليها القشر الرقيق.
قال: (وبعد التناثر للبائع)؛ لظهورها، ومن هذا القسم: الرمان واللوز، ومن الرياحين: الورد والياسمين.
قال: (ولو باع نخلات بستان مطلعة وبعضها مؤبر .. فللبائع)؛ لأن الباطن صائر إلى الظهور، وإنما لم يفرد كل واحد بحكم؛ لأجل المشقة وسوء المشاركة واختلاف الأيدي، فأتبعنا الباطن للظاهر؛ لأنه أولى من العكس، كما جعلنا أساس الدار تابعًا لها.
وذكر المصنف (النخلات) على سبيل المثال، فلو باع البستان كله .. كان كذلك.

فَإِنْ أَفْرَدَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ .. فَلِلْمُشْتَرِي فِي الأَصَحِّ، وَلوْ كَانَتْ فِي بُسْتَانَيْنِ .. فَالأَصَحُّ: إِفْرَادُ كُلِّ بُسْتانٍ بِحُكْمِهِ.
وَإِذَا بَقِيَتِ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ .. لَزِمَهُ، وَإِلَّا .. فَلَهُ تَرْكُهَا إِلَى الْجَذَاذِ  ومحل الاتفاق على هذا: إذا كانت من نوع واحد، فإن اختلف النوع .. فكذلك في الأصح.
وقال ابن خيران: المؤبر للبائع، وغيره للمشتري.
قال: (فإن أفرد ما لم يؤبر .. فللمشتري في الأصح)؛ لأن التبعية قد انقطعت بإفراده بالبيع.
والثاني: للبائع؛ اكتفاء بدخول وقت التأبير.
قال: (ولو كانت في بستانين .. فالأصح: إفراد كل بستان بحكمه)؛ لأن اختلاف البقاع له أثر بيِّن في وقت التأبير.
والثاني: أن غير المؤبر يتبع المؤبر؛ لأنهما اجتمعا في صفقة واحدة فأشبها نخيل البستان الواحد، ولا فرق بين أن يكونا متلاصقين أو متباعدين، إلا أن ابن الرفعة اشترط أن يكونا في إقليم واحد.
قال الشيخ: وظاهر إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يتحد النوع أو يختلف، وهو فيما إذا اتحد مصرح به، وفيما إذا اختلف غريب.
أما إذا قلنا بعدم التبعية في البستان الواحد .. ففي البستانين أولى، وشرط التبعية: اتحاد المالك، فلو باع نخيله أو بستانه المؤبر مع شيء لغيره لم يتأبر .. لم يتبعه في الأصح.
قال: (وإذا بقيت الثمرة للبائع) إما بالشرط، وإما بالحكم عند التأبير.
قال (فإن شرط القطع .. لزمه)؛ وفاء به.
قال: (وإلا .. فله تركها إلى) أوان (الجذاذ)؛ تحكيمًا للعادة، كما يجب تبقية الزرع إلى أوان الحصاد وإبقاء المتاع في السفينة في اللجة إلى الوصول إلى الشط، ثم إذا جاء أوان الجذاذ .. ليس له الصبر حتى يأخذها على التدريج ولا تأخيرها إلى تناهي نضجها، بل المعتبر في ذلك العادة.

وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا السَّقْيُ إِنِ انْتَفَعَ بِهِ الشَّجَرُ والثَّمَرُ، وَلَا مَنْعَ لِلآخَرِ، وَإِنْ ضَرَّهُمَا .. لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، وَإِنْ ضَرَّ أَحَدَهُمَا وَتَنَازَعَا .. فُسِخَ الْعَقْدُ إِلَّا أَنْ يُسَامِحَ الْمُتَضَرِّرُ، وَقِيلَ: لِطَالِبِ السَّقْيِ أَنْ يَسْقِيَ.
وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ يَمْتَصُّ رُطُوبَةَ الشَّجَرِ .. لَزِمَ الْبَائِعَ أَنْ يَقْطَعَ أَوْ يَسْقِيَ  هذا إذا لم تكن الثمرة مما يعتاد قطعه قبل النضج، فإن كان كذلك كاللوز الأخضر في بلاد لا ينتهي فيها .. كلف البائع قطعها قبل ذلك؛ لأن هذا أوان جذاذها.
وكذلك إذا تعذر السقي لانقطاع الماء وعظم ضرر النخل ببقاء الثمرة .. فالأصح: أنه ليس له الإبقاء.
و (الجذاذ) بذالين معجمتين: القطع، و ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ أي: غير مقطوع، بل هو ممتد إلى غير نهاية.
قال: (ولكل منهما السقي إن انتفع به الشجر والثمر، ولا منع للآخر)؛ لأن المنع من ذلك إضرار وقد نهي عنه.
قال: (وإن ضرهما .. لم يجز إلا برضاهما)؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما، فإن رضيا .. جاز.
قال: (وإن ضر أحدهما وتنازعا .. فسخ العقد)؛ لعدم أولوية أحدهما على الآخر، وهل يفسخ البائع أو الحاكم؟ فيه في (المطلب) وجهان.
قال: (إلا أن يسامح المتضرر) فلا فسخ؛ لزوال النزاع.
قال: (وقيل: لطالب السقي أن يسقي)؛ لدخول الآخر في العقد على ذلك، وحيث احتاج البائع إلى سقي ثمرته .. كانت المؤنة عليه.
قال: (ولو كان الثمر) أي: الباقي على ملك البائع (يمتص رطوبة الشجر .. لزم البائع أن يقطع أو يسقي)؛ دفعًا لضرر المشتري، فإن تعذر السقي لانقطاع الماء .. ففيه القولان السابقان.

فَصْلٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ قَطْعِهِ، وَبِشَرْطِ إِبْقَائِهِ.
وَقَبْلَ الصَّلَاحِ إِنْ بِيعَ مُنْفَرِدًا عَنِ الشَّجَرِ .. لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ،  تتمة: لو أصاب الثمار آفة ولم يبق في تركها فائدة .. فهل له الإبقاء؟ فيه قولان ذكرهما صاحب (التقريب).
قال ابن الرفعة: الذي يقع في النفس صحته قول الإجبار، لكن ظاهر نص (الأم) خلافه.
قال: (

فصل

: يجوز بيع الثمر بعد بدو صلاحه مطلقًا) أي: بغير شرط قطع ولا تبقية؛ لمفهوم نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وتذهب عنها الآفة، رواه مسلم [1555/ 15]. وفي هذه الحالة للمشتري تركها إلى أوان الجذاذ.
و (بدا) بلا همز معناه: ظهر، قال تعالى: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾.
قال: (وبشرط قطعه) بالإجماع.
قال: (وبشرط إبقائه)؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وقال أبو حنيفة: لا يصح؛ لأن ذلك ينافي وجوب التسليم.
وأجاب الأصحاب بأن التسليم فيه بالتخلية.
قال: (وقبل الصلاح إن بيع منفردًا عن الشجر .. لا يجوز إلا بشرط القطع) سواء جرت العادة بقطعه أم لا؛ لما روى الشيخان [خ2197 - م1555/ 15] عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها).

وَأَنْ يَكُونَ الْمَقْطُوعُ مُنْتَفَعًا بِهِ، لَا كَكُمَّثْرَى.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلْمُشْتَرِي .. جَازَ بِلَا شَرْطٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلْمُشْتَرِي وَشَرَطْنا الْقَطْعَ .. لَمْ يَجِبِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ  وفي حديث أنس رضي الله عنه: (حتى تزهي) قيل لأنس: ما زهوها؟ قال: (تحمر وتصفر –قال-: أرأيت إن منع الله الثمرة .. بم يستحل أحدكم مال أخيه؟).
وقوله: (أرأيت .. إلخ) روى مالك عنه: أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وخالفه سفيان الثوري، وإتقان مالك وحفظ سفيان يوجبان الحكم بأنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أنسًا رضي الله عنه مرة رفعه، ومرة قاله من كلامه مستندًا إلى ما سمعه.
ثم إذا صح البيع بشرط القطع فقبضه بالتخلية فتكون مؤنة القطع على المشتري؛ لأنه التزم له تفريغ أشجاره، وللبائع التبقية إلى بدو الصلاح، وله إجباره على قطعها قبل بدو الصلاح.
وصورة مسألة الكتاب: أن تكون الأشجار قائمة ثابتة، فلو قطعت شجرة عليها ثمرة ثم باع الثمرة وهي عليها .. فإنه يجوز من غير شرط القطع؛ لعدم تبقية الثمرة عليها.
قال: (وأن يكون المقطوع منتفعًا به، لا ككمثرى)؛ لأن شرط المبيع ذلك.
و (الكمثرى) بفتح الميم وبالثاء المثلثة واحدة كمثرات.
قال: (وقيل: إن كان الشجر للمشتري .. جاز بلا شرط)؛ لأنهما يجتمعان في ملك شخص واحد، فأشبه ما إذا اشتراهما معًا، وبهذا جزم صاحب (التنبيه)، ورجحه جماعة، وصححه في (الروضة) في (المساقاة)، ولم يصحح الرافعي هناك شيئًا، ونقلاه هنا عن الجمهور.
قال: (قلت: فإن كان الشجر للمشتري وشرطنا القطع .. لم يجب الوفاء به والله أعلم)؛ لأنه لا يجب أن يقطع ثمار نفسه عن أشجاره.

وَإِنْ بِيعَ مَعَ الشَّجَرِ .. جَازَ بِلَا شَرْطٍ، وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ قَطْعِهِ.
وَيَحْرُمُ بَيْعُ الزَّرْعِ الأَخْضَرِ فِي الأَرْضِ إِلَّا بِشَرْطِ قَطْعِهِ، فَإِنْ بِيعَ مَعَهَا أَوْ بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ .. جَازَ بِلَا شَرْطٍ، وَيُشْتَرَطُ لِبَيْعِهِ وَبَيْعِ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ: ظُهُورُ الْمَقْصُودِ؛ كتِينٍ وَعِنَبٍ وَشَعِيرٍ  وصورة ذلك: أن يبيع الشجرة لشخص ويبقي الثمرة ثم يبيعه الثمرة، أو يوصي لإنسان بثمرة فيبيعها لصاحب الشجرة، أو يبيع الثمرة بشرط القطع ثم يشتريها قبله.
قال: (وإن بيع مع الشجر .. جاز بلا شرط) بالإجماع.
هذا إذا لم يفصل الثمن، فإن فصله بأن قال: بعتك الشجرة بدينار والثمرة بعشرة .. فلا يصح؛ لانتفاء التبعية كما قاله الرافعي في (المساقاة).
قال: (ولا يجوز بشرط قطعه)؛ لأن فيه حجرًا على المشتري في ملكه، بخلاف البيع من صاحب الأصل؛ فإن العقد هنا شملهما فصارت الثمرة تابعة.
قال: (ويحرم بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط قطعه)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، رواه مسلم [1535/ 50] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
ومراد المصنف بـ (الزرع): ما ليس بشجر، فدخل فيه البقول، فلو باعه من مالك الأرض .. فهو كبيع الثمرة من مالك الشجرة.
ولا فرق في الثمار بين ما يجذ كالتمر، أو يقطف كالحصرم، أو يجمع كالبطيخ والقثاء والخيار والباذنجان والتفاح والكمثرى والخوخ والجوز واللوز، كلها تجري فيها الأقسام المتقدمة في بيعها قبل بدو الصلاح وبعده مفردة وتابعة.
قال: (فإن بيع معها) أي: مع الأرض (أو بعد اشتداد الحب .. جاز بلا شرط) أما الأول .. فكبيع الثمرة مع الشجرة، وأما الثاني .. فكبيع الثمرة بعد بدو الصلاح.
قال: (ويشترط لبيعه وبيع الثمر بعد بدو الصلاح: ظهور المقصود) حتى لا يكون بيع غائب (كتين وعنب وشعير)؛ لأن حباته ظاهرة، وكذلك السلت والأرز على المذهب، وقيل: إنهما كالحنطة.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل