النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 267-306
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النفقات

صفحات 267-306

وَالأَصَحُّ: أَنَّ لاَ فَسْخَ بِمَنْعِ مُوسِرٍ حَضَرَ أَوْ غَابَ  ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن﴾، خيره بين الأمرين، فإذا عجز عن الأول .. تعين الثاني.
وقال تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا﴾، وزوجة المعسر مستضرة فلم يكن له إمساكها.
وفي (سنن الدارقطني) [3/ 297] و (خلافيات البيهقي) عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته: (يفرق بينهما)، وقال سعيد بن المسيب: إنه من السنة، قال الشافعي: ويشبه أن يكون أراد سنة رسول الله صلى عليه وسلم، وملخص ما في قول الصحابي أو التابعي: (من السنة كذا) ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: لا.
والثالث: أنه من الصحابي مرفوع لا من غيره، وهو المنصوص الراجح في (المهمات).
وممن قال بأن لها الفسخ بالإعسار عمر وعلي وأبو هريرة، قال الشافعي: ولا أعلم أحداً من الصحابة خالفهم، ولأن العجز عن الوطء بالجب أو العنة يثبت حق الفسخ، فالعجز عن النفقة أولى.
والقول الثاني- قاله في القديم، وهو رأي أبي حنيفة والمزني في (المنثور)، وأفتى به جد الروياني-: أنه لا فسخ لها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾، وقياسا على الإعسار بالصداق بعد الدخول.
وفي قول مخرج: إنها كالسكنى تسقط بمضي الزمان، والفرق على الصحيح بين النفقة والسكنى: أن السكنى كفاية الوقت وقد مضى، والنفقة تثبت في الذمة.
قال: (والأصح: أن لا فسخ بمنع موسر حضر أو غاب)؛ لأنه إذا كان حاضراً .. تتمكن من خلاص حقها منه بالسلطان بأن يلزمه بالحبس وغيره، وفي الغائب يبعث الحاكم إلى بلده.

وَإِنْ حَضَرَ وَغَابَ مَالُهُ: فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ ... فَلَهَا الْفَسْخُ, وَإِلَّا ... فَلَا فَيُؤْمَرُ بِالإِحْضَارِ ...

 والثاني: يجوز الفسخ؛ لحصول الضرر بالإعسار.
وموضع الخلاف إذا لم يكن له مال حاضر, فإن كان ... أنفق الحاكم منه قطعًا, واختار القاضي الطبري في الغائب الفسخ, وذكر الروياني وابن أخته صاحب «العدة» أن المصلحة الفتوى به, وما إليه ابن الصباغ, وقال: إن الفتوى عليه وبه أفتى الغزالي, وقال: إذا قدر القاضي على القرض عليه ... اقترض.
وإذا لم نجوز الفسخ وجهلنا يسار الغائب وإعساره ... لا فسخ أيضًا؛ لأن السبب لم يتحقق, ومتى ثبت إعسار الغائب عند حاكم بلدها ... جاز الفسخ على الأصح, وقيل: لا حتى يبعث إليه, فإن لم يحضر ولم يبعث نفقة ... فسخ عليه.
قال: (وإن حضر وغاب ماله, فإن كان بمسافة القصر ... فلها الفسخ)؛ لأنه في هذه الحالة يحل له تناول الصدقة فلا يلزمها الصبر؛ لئلا تتضرر بالانتظار كما في نظيره من فسخ البائع عند غيبة الثمن.
ولو كان له دين على معسر ... تخيرت, أو موسر حاضر ... فلا, أو غائب فوجهان.
ولو كان له دين مؤجل ... فلها الفسخ إلا أن يكون الأجل قريبًا, وينبغي أن يضبط القرب بمدة إحضار المال الغائب بما دون مسافة القصر.
ومن استغرق دينه ماله ... لا خيار لها حتى يصرف ماله إلى الديون, ولو كان الدين له عليها فأمرها بالإنفاق منه, فإن كانت موسرة ... فلا خيار لها, وإن كانت معسرة ... فلها الفسخ؛ لأنها لا تصل إلى حقها والمعسر منظر, كذا أطلقه الرافعي وغيره.
ولم يتعرضوا لجريان التقاص إذا كان دينه من جنس الواجب عليه وأجريناه في المثليات كما هو المنصوص, قال الرافعي: وعلى قياس هذه الصورة: لو كان له عقار ونحوه لا يرغب في شراءه ... ينبغي أن يكون لها الخيار.
قال: (وإلا ... فلا)؛ لأن ما دون مسافة القصر كالحاضر في البلد (فيؤمر بـ) تعجيل (الإحضار).

وَلَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِهَا ... لَمْ يَلْزَمْهَا القْبُولُ.
وَقُدْرَتُهُ عَلَى الكَسْبِ كَالْمَالِ ...

 قال: (ولو تبرع رجل بها ... لم يلزمها القبول) بل لها أن تفسخ, كما لو كان له دين على إنسان فتبرع غيره بقضائه ... لا يلزمه القبول؛ لما في التبرع من المنة.
والثاني: لا خيار لها؛ لأن المنة على الزوج لا عليها, وبه أفتى الغزالي, ومال إليه ابن الرفعة, فلو سلم المتبرع النفقة إلى الزوج وسلم هو إليها ... فلا فسخ كما صرح به الخوازرمي, وهو ظاهر.
ويستثنى من المسألة الأولى: إذا كان المتبرع أبًا له أو جدًّا للزوج, والزوج تحت حجره ... فإنه يجب القبول؛ لأن المدفوع يدخل في ملك المؤدى عنه في هذه الحالة, ويكون الولي كأنه وهبه له وقبله له.
وأما أداء الدين عن الغير ... فيستثنى منه ما إذا كان المديون ميتًا والمؤدي وارثًا؛ فإنه يجب القبول وإن كان الميت معسرًا؛ لأنه خليفة الميت وقائم مقامه بخلاف الأجنبي, كذا نقله الرافعي في آخر (باب القسامة) عن الإمام.
ولو كان بالنفقة ضامن ولم نصحح ضمان النفقة ... فالضامن كالمتبرع, وإن صححناه, فإن ضمن بإذن الزوج ... فلا خيار لها, وإن ضمن بغير إذنه ... ففيه وجهان.
فائدة: سئل ابن الصلاح عن رجل غاب عن زوجته وهي في منزله مطيعة غير ناشزة مدة, ولم يترك عندها نفقة يوم واحد, وشهدت البينة أنه سافر عنها وهو معسر معدم لا شيء له, وحضرت المرأة عند الحاكم واختارت الفسخ, وسألت الحاكم فسخ نكاحها ففسخه, هل يصح الفسخ؟ أجاب: لا يصح الفسح على الأصح؛ بناء على مجرد هذا الاستصحاب, فلو شهدت البينة بإعساره الآن بناء على الاستصحاب ... جاز لها ذلك إذا لم تعلم زوال ذلك, وحينئذ يصح الحكم بالفسخ, وإذا حضر الزوج ... لم تسلم إليه.
قال: (وقدرته على الكسب كالمال) فإذا كان يكسب كل يوم قدر النفقة ... فلا خيار, ولو كان يكسب في يوم ما يكفي ثلاثة أيام, ثم لا يكسب يومين أو ثلاثة, ثم

وَإنَّمَا يُفْسَخُ بِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَةِ مُعْسِرٍ ...

 يكسب في يوم ما يكفي الأيام الماضية ... فلا خيار؛ لأنه غير مغسر, ولا تشق الاستدانة لما يقع من التأخير اليسير, وكذا الحكم في النساج الذي ينسج في الأسبوع ثوبًا تفي أجرته بنفقة الأسبوع.
وإذا عجز العامل عن العمل لمرض ... فلا فسخ إن رجي زواله في نحو ثلاثة أيام, وإن كان يطول ... فلها الفسخ, وإذا لم يستعمل البناء والنجار فتعذر النفقة, فإن كان ذلك نادرًا ... لا خيار, وإن كان يقع غالبًا ... فلها الخيار.
والقادر على الكسب إذا امتنع كالموسر الممتنع إن أوجبنا الاكتساب لنفقة الزوجة.

فرع: من كسبه حرام هل لزوجه الخيار؟ قال الماوردي والروياني: إن كانت أعيانًا محرمة كالسرقة وأثمان الخمور ... فنعم, وإن كان الفعل محظورًا كصنعة الملاهي ... فلا؛ لأنه يستحق بها الأجرة المسماة, ولا بد أن يستحق لتفويت عمله أجرًا, فيصير به موسرًا, قالا: وكذلك المنجم والكاهن يتوصل إليه بسبب محظور, لكنه يعطى عن طيب نفس, فيجري مجرى الهبة, وإن كان محظور السبب فيباح له إنفاقه.
اهـ. واستشكل القمولي وغيره إباحة الإنفاق واستحقاق صانع الملاهي أجرة؛ لأنهم أطبقوا على أنا إذا حرمنا اتخاذ أواني النقدين لا أجرة لصانعها, وكذلك ما في معناها, والمعطي إنما دفع ذلك أجرة لا هبة, وقد صح: أن كسب الحجام خبيث, فالوجه خلاف ما قاله الماوردي والروياني, وسيأتي في (كتاب دعوى الدم والقسامة) ما يتعلق بتعلم السحر والكهانة والتنجيم والضرب بالرمل والحصى والشعر وأخذ العوض عليها.
قال: (وإنما يفسخ بعجزه عن نفقة معسر)؛ لأن الضرر يتحقق بذلك, فلو عجز عن نفقة المتوسط ... فلا خيار, ولم يصر الباقي دينًا, فلو كان يجد يومًا مدًّا ويومًا لا يجد شيئًا ... فلها الخيار على الصحيح, ولو وجد بالغداة ما يغديها وبالعشي

وَالإِعْسَارُ بِالكسْوَةِ كَهُوَ بِالَّنَفقَةِ, وَكَذَا بِالأُدْمِ وَالْمَسْكَنِ فِي الأَصَحِّ ...

 ما يعشيها ... فلا خيار على الأصح.
قال: (والإعسار بالكسوة كهو بالنفقة)؛ لأن النفس غالبًا لا تبقى بدونها, وقيل: لا؛ لأنها ليست من ضروريات الخلقة.
ويقال: إن صنفًا من الناس لا يلبثون الثياب, والمسألة مبنية على أن الكسوة تمليك أم لا.
وسكت الشيخان عن الإعسار ببعض الكسوة, وقد ذكره أبو علي الفارقي في «فوائد المهذب» , وألحقه بالإعسار بالنفقة, وفي أطلاقه نظر, والمعتمد ما أفتى به ابن الصلاح وهو: أن المعجوز عنه إن كان مما لا بد منه كالقميص والخمار وجبة الشتاء ... فلها الخيار, وإن كان منه بد كالسراويل والنعل وبعض ما يفرش والمخدة ... فلا خيار, وفي «فتاويه»: أنه فكر أيامًا في الإعسار بالجبة أو ما يقوم مقامها هل لها الفسخ به؟ ثم قال: لها ذلك كالفسخ ببعض ما لا بد منه في النفقة.
ولم يتعرض الشيخان للفسخ بالعجز عن الأواني والفرش ونحوها, ولا لثبوتها في الذمة, والظاهر: أنه لا فسخ بذلك.
فرع: في «فتاوى الغزالي»: أنه لو أقر أجنبي للمعسر الغائب بدين فقالت الزوجة: إنما تريد منعي من الفسخ فاحلف أن له عليك ذلك ... لم يحلف البتة.
فرع: في «فتاوى القفال»: أن الزوج لو غاب عنها فأنفق عليها أبوها ... نظر, إن كان ينفق نيابة عن الزوج ... سقطت النفقة عنه؛ لأنه أدى دينه عنه متبرعًا, وإن أنفق تبرعًا عليها ... فنفقتها باقية في ذمة الزوج تطالب بها إذا رجع.
قال: (وكذا بالأدم والمسكن في الأصح)؛ لأنه يعسر الصبر على الخبز البحت, ولأن الإنسان لا بد له من مسكن يؤويه ويقيه الحر والبرد.

قُلْتٌ: الأَصَحُّ: الْمَنْعُ فِي الأُدْمِ, وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفِي إِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ أَقْوَالٌ؛ أَظْهَرُهَا: تَفْسَخُ قَبْلَ وَطْءٍ ...

 والحوالة على المسجد كالحوالة في النفقة على السؤال, ووجه مقابله: أن النفس تقوم بدونه؛ فإنها لا تعدم مسجدًا أو موضعًا مباحًا, وعلى هذا: هل تبقى في ذمته؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.
قال: (قلت: الأصح: المنع في الأدم والله أعلم)؛ لأنه تابع والنفس تقوم بدونه, وهذا هو الصحيح في «الشرح الصغير» وفي «التنبيه» , وأقره عليه في «التصحيح» , وهو رأي الأكثرين.
وتوسط الماوردي فقال: إن كان القوت مما ينساغ دائمًا للفقراء بلا أدم ... فلا خيار, وإلا ... فسخت.
وأما نفقة الخادم ... فلا فسخ بالإعسار بها على الصحيح؛ لأن الخدمة مستحقة للدعة والترفه, ويقوم البدون بدونها فأشبهت المد الثاني, وتصير نفقة الخادم دينًا عليه؛ لأنها مستحقة مع الإعسار, فإن استأجرت من يخدمها ... رجعت عند يساره بالأجرة, وإن أنفقت على مملوكها ... رجعت عند يساره بنفقته, وإن خدمت نفسها ... رجعت بأقل الأمرين, قال الماوردي, وفيه نظر.
كل هذا في المخدومة لرتبتها, فأما المخدومة لمرض ونحوه ... فالوجه: عدم الثبوت كالقريب.
قال: (وفي إعساره بالمهر أقوال) المراد: المهر المفروض, أما المفوضة قبل الفرض ... فلا خيار لها؛ إذ لا تستحق مهرًا بالعقد, ولكن لها المطالبة بالفرض, فإذا فرض واستقر ... كان كالمسمى في العقد.
قال: (أظهرها: تفسخ قبل وطء)؛ للعجز عن تسليم العوض مع بقاء المعوض كالإفلاس, سواء علمت بإعساره أم لا كما سيأتي, وهذا الفسخ على الفور كما صرح به الرافعي.

لاَ بَعْدَهُ.
وَلاَ فَسْخَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ قَاضٍ إِعْسَارُهُ فَيَفْسَخَهُ أَوْ يَاذَنَ لَهَا فيهِ ...

 قال: (لا بعده)؛ لتلف المعوض, فصار العوض دينًا في الذمة, ولأن تسليمها يشعر برضاها بذمته.
والقول الثاني: لا يثبت الفسخ مطلقًا؛ لأن النفس تقوم بدون المهر, فأشه نفقة الخادمة.
والثالث: يثبت مطلقًا؛ لأنه عجز عن تسليم العوض, والمعوض باق بحاله, فأشبه ما إذا أفلس المشتري بالثمن.
وأصل هذه الأقوال طرق, فلو أعسر ببعضه ... فالمختار عند الشيخ: أنه كما لو أعسر بجميعه وهو يختاره في كله عدم الفسخ؛ لأنه ليس في معنى المنصوص عليه.
وقال ابن الرفعة: لا يثبت الخيار في الإعسار ببعضه.
وما صححه الشيخان من الفسخ قبل الدخول محله إذا لم تقبض شيئًا منه, فإن قبضت بعضه وهو الغالب فأعسر بالباقي ... فأفتى ابن الصلاح بأنها لا تفسخ, بخلاف البائع إذا اقتصر على بعض الثمن ... فإنه يجوز له الفسخ بإفلاس المشتري عن باقيه, والفرق أن الزوج بإقباض بعض المهر استقر له من البضع بقسطه, فلو جاز للمرأة الفسخ ... لعاد إليها البضع بكماله؛ لأنه لا يمكن فيه التشريك, بخلاف المبيع؛ فإنه وإن استقر بعضه بقبض بعض الثمن لكن الشركة فيه ممكنة, وخالفه الشيخ شرف الدين البارزي فأفتى بالفسخ وإن قبضت البعض, وضعف الشيخ مأخذ البارزي وابن الصلاح.
قال: (ولا فسخ حتى يثبت عند قاض إعساره فيفسخه أو يأذن لها فيه)؛ لأنه مجتهد فيه, وقيل: لها أن تتولى ذلك بنفسها من غير مرافعة كفسخ البيع بالعيب, ورجحه الشيخان في نظيره من العنة, والقياس التسوية بين البابين.
هذا إذا قدرت على الرفع إلى القاضي, فإن لم يكن في الصقع قاض ولا محكم ... قال في «الوسيط»: لا خلاف في استقلالها بالفسخ.
قال ابن الرفعة: وتترتب عليه أحكام الفسخ باطنًا, حتى لو أيسر بعده ... لم تمكنه من نفسها, ويحرم عليه أخذ ما خلفته عنه ميراثًا إذا أيسر قبل الموت.

ثُمَّ فِي قَوْلٍ: يُنَجَّزُ الْفَسْخُ, وَالأَظْهَرُ: إِمْهَالُهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ, وَلَهَا الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الرَّابعِ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَ نَفَقَتَهُ ...

 وقوله: (فيفسخ) منصوب عطفًا على الفعل المنصوب قبله, وكذا قوله: (يأذن).
وهذه الفرقة فرقة فسخ على المنصوص لا تنقص عددًا كالفسخ بالجب والعنة.
وفي قول مخرج: فرقة طلاق كما في الإيلاء, واستدل له بما تقدم من كتاب عمر إلى أمراء الأجناد.
فعلى هذا: إذا ثبت الإعسار عند الحاكم ... يأمره بأن يتمحل وينفق, فإن أبى ... فيطلق الحاكم بنفسه أو يحبسه ليطلق, فيه الخلاف المذكور في الإيلاء, والأظهر: أن القاضي يطلق طلقة رجعية, فإن راجع ... طلق ثانية وثالثة.
قال: (ثم في قول: ينجز الفسخ)؛ لأن سببه الإعسار وقد حصل.
قال: (والأظهر: إمهاله ثلاثة أيام)؛ لأن الزوج قد يتعسر عليه وجود النفقة لعوارض ثم تزول, وهذه مدة قريبة يمكن تجزيئها باستقراض وغيره.
والثالث: يمهل يومًا واحدًا, وأنكره الأكثرون.
قال الرافعي: والقولان كالقولين في إمهال المولى والمرتد, فأوهم كلامه أن المولى والمرتد يمهلان ثلاثة أيام, والصحيح فيهما خلافه.
قال: (ولها الفسخ صبيحة الرابع إلا أن يسلم نفقته) فإن سلم فلا فسخ ... لما مضى؛ لأنه صار دينًا عليه في ذمته, وليس لها جعل ما سلمه عما مضى؛ إذ العبرة بقصد المؤدي.
وقوله: (نفقته) يفهم أنه لو سلمها ذلك عن يوم قبله ... كان لها الفسخ؛ لأنه لم يسلم نفقة الرابع, وظاهر عباره أنها تمكن من الفسخ بعد طلوع الفجر بلا مهلة, وبه صرح الإمام والغزالي, ولعلهما قالا ذلك؛ لأنهما يريان أن النفقة عند سلامة الحال تسلم عند طلوع الفجر, ويحتمل أن يفرق عند تحقق العجز هنا, بخلاف ما سبق, وظاهر إطلاق غيرهما: أنها لا تفسخ بطلوع فجره, بل بظهور العجز فيه.

وَلَوْ مَضَى يَوْمَانِ بِلاَ نَفَقَةٍ وَأَنْفَقَ الثَّالِثَ وَعَجَزَ الرَّابعَ ... بَنَتْ, وَقَيِلَ: تَسْتَانِفُ.
وَلَهَا الْخُرُوجُ زَمَنَ الْمُهْلَةِ لِتَحصِيلِ النَّفَقَةِ, وَعَلَيْهَا الرُّجُوعَ لَيْلًا ...

 فرع: إذا اعتاد الدفع إليها ليلًا ... كان لها الفسخ؛ لأن هذا صيام الدهر, قال الرافعي: ويقرب منه ما ذكره صاحب «العدة»: أنه لو لم يجد النفقة في أول النهار وكان يجدها في آخره ... فلها الفسخ في الأصح, أو هي هي.
وقال العجلي: الوجه اعتبار الضرر, فإن امكنها أن تبقي منه شيئًا إلى الغد ... فلا ضرر, وإن لم يمكن ذلك ... فلها الفسخ.
قال: (ولو مضى يومان بلا نفقة وأنفق الثالث وعجز الرابع ... بنت) فتضم إلى اليومين الأولين يومًا آخر ثم تفسخ في اليوم الذي يليه؛ لأنها تتضرر بطول المدة عند الاستئناف.
قال: (وقيل: تستأنف) أي: الأيام الثلاثة من أولها؛ لأن العجز الأول قد زال, وضعفه الإمام بأنه قد يتجدد ذلك عادة فيؤدي إلى ضرر عظيم.
ولو لم يجد نفقة يوم ووجد نفقة الثاني وعجز في الثالث وقدر في الرابع ... لفقت أيام العجز, فإذا تمت مدة المهلة ... كان لها الفسخ.
قال: (ولها الخروج زمن المهلة لتحصيل النفقة) إما بكسب وإما سؤال أو تجارة, سواء كانت غنية أم فقيرة, وليس له منعها حينئذ على الأصح؛ لأن التمكين والطاعة في مقابلة النفقة, فإذا لم يوفها ما عليه ... لم تستحق الحجر, وقيل: له ذلك؛ رعاية لحق الزوجية.
وقيل: إن قدرت على الإنفاق من مالها أو كسب في بيتها كالخياطة والغزل ... فله منعها من الخروج, وإلا ... فلا, وبه جزم البغوي, وهو الظاهر من كلام المصنف, وأنه إذا كان عندها ما تحتاج إليه ... لم يجز لها الخروج, والمنصوص الأول.
قال: (وعليها الرجوع ليلًا) أي: إلى منزل الزوج؛ لأن الله تعالى جعله سكنًا, وله أن يستمتع بها ليلًا لا نهارًا, فلو منعته الاستمتاع بالليل ... كانت ناشزة, أو بالنهار ... فلا؛ لأنه وقت كسبها.

وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ أَوْ نَكَحَتْ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ ... فَلَهَا الْفَسْخُ بَعْدَهُ ... وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسِارِهِ بِالْمَهْرِ ... فَلَا.
وَلَا فَسْخَ لِوَليِّ صَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ بِإِعْسَارٍ بِمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ ...

 فإن قيل: كان ينبغي إذا سقط استمتاعه نهارًا أن تسقط النفقة كالأمة إذا سلمت ليلًا فقط ... فالجواب: أن المنع في الأمة من جهتها, وهنا المنع من جهته.
قال: (ولو رضيت بإعساره أو نكحت عالمة بإعساره ... فلها الفسخ بعده) أي: بعد رضاها به؛ لأن الضرر يتجدد كل يوم, فرضاها بالآتي إسقاط للشيء قبل ثبوته, ولا أثر لقولها: رضيت بإعساره أبدًا؛ لأنه وعد لا يلزم الوفاء به, لكن يستثنى يوم الاختيار فلا خيار لها فيه, صرح به البندنيجي والبغوي في «الفتاوى».
وإذا رضيت بالمقام معه ... لم يلزمها تمكينه, ولها الخروج كما تقدم, فإن مكنت ... ثبت لها في ذمته ما على المعسر من طعام وغدام وغيرهما.
قال: (ولو رضيت بإعساره بالمهر ... فلا) أي: لا فسخ لها بعد ذلك؛ لأن الضرر لا يتجدد بخلاف النفقة.
ولو نكحت عالمة بإعساره بالمهر ... فهل لها الفسخ؟ وجهان: رجح الشيخ منهما المنع كما لو رضيت به في النكاح ثم بدا لها.
والثاني – وهو المنصوص الذي أورده الماوردي وجماعة –: نعم, وليس لها الامتناع بعد الدخول إذا مكناها من الفسخ واختارت المقام.
ولا بد في الفسخ بالإعسار بالصداق من المرافعة إلى القاضي كما في النفقة, والخيار فيه بعدها على الفور, فلو أخرت ... سقط.
قال: (ولا فسخ لولي صغيرة ومجنونة بإعسار بمهر ونفقة) وإن كان فيه مصلحتهما؛ لأن ذلك لا يدخل تحت الولاية.
وأفهم أنه ليس لولي البالغة ذلك من باب أولى, والسفيهة البالغة هنا كالرشيدة, وفي هذه الحالة ينفق عليهما من مالهما, فإن لم يكن ... أنفق من عليه نفقتهما كنفقة الخلية.

وَلَوْ أَعْسَرِ زَوْجُ أَمَةٍ بَالنَّفَقَةِ ... فَلَهَا الْفَسْخُ, فَإِنْ رَضِيَتْ ... فَلَا فَسْخَ لِلسَّيِّدِ فِي الأَصَحِّ, وَلَهُ أَنْ يُلْجِئَهَا إِلَيْهِ بِأَنْ لاَ يُنْفِقَ عَلَيْهَا, وَيَقُولَ: افْسخِي أَوْ جُوعِي ...

 قال: (ولو أعسر زوج أمة بالنفقة ... فلها الفسخ) كما أنها تفسخ بالجب والعنة, وهذا لأنها صاحبة حق في تناول النفقة.
قال الرافعي والمصنف: لو أردت الفسخ ... لم يكن للسيد منعها, فإن ضمن النفقة ... فهو كالأجنبي يضمنها.
اهـ. وهذا عجيب كيف يضمن رب الدين دينه.
قال: (فإن رضيت ... فلا فسخ للسيد في الأصح)؛ لأن النفقة في الأصل لها ثم يتلقاها السيد.
والثاني: له الفسخ؛ لأن الملك في النفقة له, وضرر فواتها يعود إليه, وكذلك الحكم لو كانت صغيرة أو مجنونة.
وفي وجه ثالث: له الفسخ في الصغيرة والمجنونة دون المكاتبة.
والخصومة في نفقة المدة الماضية للسيد لا لها كالصداق, وإنما حقها في النفقة الحاضرة والمستقبلة.
ولو أقرت الأمة بقبضها وأنكره السيد ... فالمنصوص: أن القول قولها, وفيه وجه: أن القول قوله.
ولو كانت مبعضة: فالظاهر: أنها كالقنة واولى بأن الفسخ لها لا للسيد.
وإن كانت مكاتبة كتابة صحيحة ... فهل يجري الوجهان فيها, أو يقال: الأمر مفوض إليها لاستقلالها, أو يقال: إن كان الحط لها في الفسخ ... استقلت به؟ في كل ذلك احتمال.
قال: (وله أن يلجئها إليه بأن لا ينفق عليها, ويقول: افسخي أو جوعي)؛ لأنه لا تلزمه نفقتها وهي مزوجة مسلمة إلى الزوج.
تتمة: كل هذا في حق المكلفة, أما الصغيرة والمجنونة ... فيمتنع إلجاؤها.

فَصْلٌ: تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْوَالِدِ وَإِنْ عَلَا, ...

 واحترز بـ (النفقة) عن إعساره بالمهر؛ فلا يثبت لها الفسخ به, بل هو للسيد على الصحيح؛ لأنه محض حقه, ولو أعسر زوج الأمة بالكسوة ... فالحكم كذلك فيه, كالإعسار بالنفقة؛ لأن الكسوة من ضرورتها.
ولو عجز عن نفقة أم ولده ... قال أبو زيد: يجبر على عتقها أو تزويجها, والأصح: أنه لا يجبر على ذلك, بل يخليها لتكتسب وتنفق على نفسها.
قال: (فصل: تلزمه نفقة الوالد وإن علا) , هذا هو السبب الثاني للنفقة وهو: القرابة, والموجب لها عندنا قرابة البعضية خاصة, فتجب للوالد على الولد وبالعكس, فمتى كان المنفق عليه بعضًا من المنفق بأن كان أحد أصوله أو فروعه ... وجب, ولا فرق في الطرفين بين الذكور والإناث فتجب نفقة الوالد وإن علا جدًّا كان أو جدة, وارثًا كان أو غير وارث؛ لقوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾ ومن المعروف القيام بكفايتهما.
ولقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بولديه حسنًا﴾ , وقوله صلى الله عليه وسلم: «أطيب ما يأكل الرجل من كسبه, وولده من كسبه, فكلوا من أموالهم» حسنه الترمذي [1358] وصححه الحاكم [2/ 46]. ويدل له قوله تعالى: يعني: ولده, وبالقياس على نفقة الأولاد, بل أولى؛ لأن حرمة الوالد أعظم, والأجداد والجدات ملحقون بهما إن لم يدخلوا في عموم ذلك كما ألحقوا بهما في العتق بالملك وسقوط القود عنهم بالقتل ورد الشهادة؛ لوجود البعضية.

وَاَلْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ, وَإِنْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا  قال: (والولد وإن سفل) أي: الحر ذكرًا كان المنفق أو أنثى؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ الآية, وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فلما لزمت أجرة الرضاع .. كانت النفقة ألزم.
وعند مالك: لا نفقة على الأم بحال, وهو وجه شاذ عندنا.
وكما تجب نفقة الأولاد تجب نفقة الأحفاد, وعند مالك: لا نفقة على الجد بحال.
وكما تجب نفقة الوالدين ... تجب نفقة الأحفاد والجدات, خلافًا لمالك.
وفي (الصحيحين): (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك).
وكما تلزمه نفقة أبيه .. تلزمه نفقة عبده المحتاج لخدمته, وكذا زوجة أبيه كما قدمه في (باب الإعفاف) , بخلاف زوجة الابن على الأصح, لكن يستثنى ما لو كان القريب عبدًا .. فلا ينفق على قريبه, وكذلك إذا كان مكاتبًا لا تلزم ولده نفقته على الأصح في زوائد (الروضة)؛ لبقاء أحكام الرق.
ووقع للشيخين في أوائل (قسم الصدقات) أن نفقته على القريب, والمعتمد ما تقدم.
نعم؛ لو كان للمكاتب ولد من أمته .. وجبت عليه نفقته, لأنه تابع له يعتق بعتقه, ويعود للسيد إذا رق.
وفي المبعض وجهان: أصحهما: أنه تلزمه نفقة القريب؛ لأنها كالغرامات.
والأصح: أنه ينفق نفقة كاملة كالحر, وقيل: بحسب حريته.
قال: (وإن اختلف دينهما) أي: المنفق والمنفق عليه؛ لعموم الأدلة ووجود الموجب وهو البعضية كالعتق والشهادة.
وفارق الميراث؛ فإنه مبني على المناصرة, وهي مفقودة عند اختلاف الدين.

بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُنْفِقِ بِفَاضِلٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي يَوْمِهِ  وفي وجه- حكاه الجوري قولًا-: لا تجب على المسلم نفقة القريب الكافر؛ لأنها لإبقاء المهجة, ولا يجب إبقاء مهجة الكافر.
وأوجب أبو حنيفة نفقة كل ذي محرم بشرط اتفاق الدين في غير الأبعاض؛ تمسكًا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
وأجاب الشافعي بأن المراد مثل ذلك في نفي المضارة كما قرره ابن عباس وهو أعلم بكتاب الله.
واعتبر أحمد العصوبة, وقال مالك: لا نفقة على الجد ولا له كيف كان.
ومحل الوجوب في صورة الكتاب في المعصوم, فالمرتد والحربي لا نفقة لهما.
وأفتى ابن الصلاح بأن الابن لا تلزمه نفقة أب إسماعيلي مُصرّ على إلحاده, بخلاف نفقة الزوجة؛ فإنها معاوضة.
وقيل: لا يشترط يسار الوالد في نفقة ولده الصغير, فيستقرض عليه ويؤمر بوفاته إذا أيسر كنفقة الزوجة؛ لأنه من توابع النكاح.
قال: (بفاضل عن قوته وقوت عياله)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها, فإن فضل شيء .. فلأهلك, فإن فضل عن أهلك شيء .. فلذي قرابتك) رواه مسلم.
ومراد المصنف بـ (العيال): الزوجة, وفي معناها من يخدمها وأم الولد, ولو عبر بحاجته وحاجة عياله .. كان أعم من القوت.
وعلم من ذلك أنه لا يشترط أن يكون فاضلًا عن الدين؛ فقد صرح الأصحاب في (باب الفلس) بوجوب نفقة القريب مع الديون, ووقع في كلام الرافعي في أوائل (قسم الصدقات) ما يوهم خلافه, وليس بمراد.
قال: (في يومه) كما يعتبر ذلك في المفلس, والمراد: يوم والليلة التي تليه؛ لأن من لا يفضل عنه شيء بعد ذلك .. محتاج إلى المواساة, فلا يواسي غيره.

وَيُبَاعُ فِيهَا مَا يُبَاعُ فِي الدِّيْنِ.
وَيَلْزَمُ كَسُوبًا كَسْبُهَا فِي الأَصَحِّ  قال: (ويباع فيها ما يباع في الدين) من العقار وغيره؛ لأن النفقة حق مالي لا بدل له فأشبهت الدين.
وعند أبي حنيفة: لا يباع العقار.
وقيل: لا يباع الخادم والمسكن كما لا يباعان في الدين, وبه قال أبو حنيفة أيضًا.
وفي كيفية بيع العقار وجهان: أحدهما: يباع كل يوم جزء بقدر الحاجة.
والثاني: يستقرض إلى يجتمع ما يسهل بيع العقار له فيباع, فلو لم يجد من لا يشتري إلا الجميع وتعذر الاستقراض .. بيع الجميع, وقد تقدم نظيره في (نفقة المرهون).
قال: (ويلزم كسوبًا كسبها في الأصح)؛ لأنه يلزمه إحياء نفسه بالكسب فكذلك إحياء بعضه, وليست النفقة كالدين؛ فإن قدرها يسير والدين لا ينضبط قدره.
والثاني: لا يلزمه كما لا يلزمه الاكتساب لقضاء الدين.
والثالث: يكلف الولد أن يكتسب لأجل الولد دون عكسه.
والرابع: تجب للولد الصغير دون البالغ.
والخامس: تلزم الأب دون الأم؛ لعجزها غالبًا عن الاكتساب.
قال الإمام: وموضع الخلاف إذا كان المنفق عليه عاجزًا عن الكسب, فإن قدر .. لم تجب على قريبه وجهًا واحدًا, وجعله ابن يونس فيمن لم تجر عادته بالاكتساب, فإن جرت .. لزمه قطعًا.
وإطلاق غيرهما يقتضي طرده مطلقًا, وعلى كل حال: لا يكلف القريب أن يسأل الناس, ولا أن يقبل الهبة والوصية, فلو فعل وصار بذلك غنيًا .. لزمه مؤنة قريبه.
وكذا لو أعطى من الزكاة ما يستغني به وفضل عن حاجته .. أنفق على غيره.

وَلَا تَجِبُ لِمًالِكٍ كِفَايَتَهُ وَلَا بِمُكْتَسِبِهَا.
وَتَجِبُ لِفَقِيرٍ غَيْرِ مُكْتَسِبٍ إِنْ كَانَ زَمِنًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونَا, وَإِلاَّ .. فَأَقُوَالٌ, أَحسَنُهَا: تَجِبُ, وَالثَّالِثُ: لِأَصْلٍ لَا فَرْعٍ.
قُلْتُ: اَلثَّالثُ أَظْهَرُ, وَاَللهُ أَعْلَمُ  وينبغي إذا فرض القاضي نفقة القريب .. لا يجب الاكتساب لها؛ لأنها بفرض القاضي صارت دينًا كما سيأتي, والدين لا يجب الاكتساب له.
قال: (ولا تجب لمالك كفايته)؛ لاستغنائه عنها.
قال: (ولا بمكتسبها)؛ لأنه غني بكسبه.
هذا إذا اكتسب كفايته, فإن قدر على بعض الكفاية .. استحق القدر المعجوز عنه.
قال: (وتجب لفقير غير مكتسب إن كان زمنًا أو صغيرًا أو مجنونًا)؛ لعجزه عن كفاية نفسه, وفي معناه: العاجز بالمرض والمغمى عليه, فإذا بلغ الصغير حدًا يمكن أن يتعلم حرفة أو يحمل على الاكتساب في بعض الأيام .. فعلى الأب الإنفاق عليه.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يكن غير المكتسب صغيرًا ولا مجنونًا ولا زمنًا) .. فأقوال: أحسنها: تجب) للأصل والفرع؛ لأنه يقبح بالإنسان أن يكلف قريبه الكسب مع اتساع ماله, وبهذا قال أحمد, قال الرافعي: والفتوى اليوم عليه.
والقول الثاني: المنع؛ لأنه قادر على الاكتساب مستغن عن أن يُحمّل غيره كَلَّه, وصححه الغزالي.
قال: (والثالث: لأصل لا فرع, قلت: الثالث أظهر والله أعلم)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ وليس من المعروف تكليفهما الكسب مع كبر السن, وهذا هو المصحح في (الشرحين) , ولا فرق في ذلك بين الابن والبنت.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا تجب للابن وتجب للبنت إلى أن تتزوج؛ لعجزها عن الاكتساب, ثم لا يعود استحقاق النفقة بالطلاق عند أبي حنيفة.

وَهِيَ الْكِفَايَةُ, وتَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا,  وعند مالك: إن كان الطلاق قبل الدخول .. عاد الاستحقاق, وإلا .. فلا.
وقدرة الأم أو البنت على النكاح لا تسقط نفقتها, فإذا تزوجت .. سقطت بالعقد وإن كان الزوج معسرًا إلى أن يفسخ الحاكم النكاح؛ لئلا يجمع بين نفقتين, فلو نشزت وهي في عصمة الزوج .. لم تستحق النفقة على القريب؛ لقدرتها على النفقة بطاعة الزوج.
فرع: إذا كان مال الولد الصغير غائبًا .. لزم الوالد أن ينفق عليه قرضًا موقوفا, فإذا وصل ماله .. رجع بما أنفق, سواء أنفق بإذن الحاكم أم بغير إذنه إذا قصد الرجوع, فإن هلك المال قبل قدومه .. لم يرجع عليه بما أنفق من حين تلف المال؛ لأنه بان أن نفقته واجبة عليه.
قال: (وهي الكفاية)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الأم) يشهد له.
ودخل في الكفاية: القوت والأدم لأن الخبز البحت يسقط القوة, وخالف البغوي في الأدم, ويجب من المسكن والخادم والكسوة ما يحتاج إليه.
وذكر الرافعي في (قسم الصدقات) أنه تجب أجرة القصد والحجامة والطبيب وشراء الأدوية؛ لأنها من جملة المؤن المحتاج إليها.
وإذا سلمت نفقة القريب إليه فتلفت في يده .. فعليه الإبدال, وكذا لو أتلفها بنفسه, لكن يؤخذ من الضمان إذا أيسر في المسألة الثانية, وهو وإن كان مشكلًا لكونه قبض العين لغرض نفسه إلا أنه المنقول؛ فقد صرح به هكذا الشيخان والبغوي وابن الرفعة.
قال: (وتسقط بفواتها) أي: بمضي الزمان وإن تعدي المنفق بالمنع؛ لأنها

وَلَا تَصِيرُ دَيْنًا إلاَّ بِفَرْضِ أَوْ إذْنِهِ فِي افْترَاضٍ لغَيْبَةٍ أَوْ مَنْعٍ  وجبت لدفع الحاجة الناجزة كما سبق, لكن يستثنى صورتان: إحداهما: إذا نفى الولد ثم استلحقه .. فإن أمه ترجع عليه بالنفقة.
والثانية: نفقة الحمل لا تسقط بمضى الزمان وإن جعلنا النفقة له؛ لأن الزوجة لما كانت تستوفيها .. ألحقت بنفقتها.
قال: (ولا تصير دينًا)؛لأنها من باب المواساة, فإذا اندفعت الحاجة من غير جهة القريب .. حصل المقصود.
ولا يثبت في ذمة القريب سيء وإن تعدى بامتناع الإنفاق عليه.
قال الإمام: ومن ثمرة ذلك: أنها لا يجب عليه تسليم النفقة له, فلو قال: كل معي .. وإن أعطاه نفقة أو كسوة .. لم يجز أن يملكها لغيره.
قال: (إلا بفرض قاض أو إذنه في اقتراض لغيبة أو منع)؛ فإنها تصير دينًا بذلك, كذا في (الوسيط) و (الوجيز) وكتب الرافعي والمصنف, ولم يتعرض له غير هؤلاء من الأصحاب, ولم يحكه ابن الرفعة مع كثرة اطلاعه إلا عن الرافعي وقال المتولي: لا تستثنى إلا مسألة الاستقراض, وكذا القاضي أبو الطيب في (شرح الفروع) والجرجاني والبغوي والروياني.
وممن صرح بالمنع مع فرض القاضي ابن القاص والقاضي أبو الطيب وأبو حاتم القزويني والشيخ أبو إسحاق في (التذكرة في الخلاف) والشيخ نصر المقدسي والمحاملي ومحمد بن يحيى والبندنيجي.
وعبارة (الوجيز): لا تستقر إلا بفرض قاض, وتبعه على ذلك في (المحرر) و (المنهاج) , فيحتمل أن يكون بالقاف؛ أي: اقتراضه؛ لأن نفقة القريب إمتاع, وما لا تمليك فيه يستحيل مصيره دينًا في الذمة, وأيضًا الزمن الماضي قد حببت نفسه فيه فلا معنى لإيجاب نفقته.
قال بعض الشارحين: والحق أن فرض القاضي بمجرده لا يؤثر عندنا بلا خلاف, ومن القضاة من يلزم بمقتضاه, وهو غلط, بل أكثر الفروض يكتبها الشهود: فرض فلان على نفسه لولده كذا, من غير حاكم ولا إذن من الفارض باستدانة عليه وإنفاق

وَعَلَيْهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا اللِّبَأَ,  ورجوع ولا غير ذلك, ولا ريب أن وجود ذلك كعدمه.
وقوله: (أو إذنه في اقتراض) يقتضي أنه الإذن يصير دينًا, ومحل الرجوع إذا استقرضت وأنفقت, فلو تأخر الاستقراض بعد إذن القاضي ومضى زمن .. لم يستقر فيه.
ولو لم يكن هناك حاكم واستقرضت الأم عنه وأشهدت .. فعليه قضاء ما استقرضته, وإن لم تشهد .. فوجهان: مقتضى كلام الرافعي في (باب زكاة الفطر) ترجيح أنها لا ترجع, وإذا وجبت نفقة الأب أو الجد على الصغير أو المجنون .. أخذاها من ماله بحكم الولاية, والأم لا تأخذ إلا بإذن الحاكم, وكذا الابن إذا وجبت نفقته على الأب المجنون.
وإذا امتنع القريب من نفقة قريبه .. فللمستحق الأخذ من ماله إن وجد جنسه, وكذا غير جنسه في الأصح.
قال: (وعليها إرضاع ولدها اللبأ) وهو بالهمز: اللبن النازل أوائل الولادة؛ لأن الولد لا يعيش بدونه, ولبأ غيرها لا يغني فألحق بطعام المضطر.
قال الرافعي: كذا أطلقوه, وكأنهم أرادوا الغالب أو أنه لا يقوى ولا يشتد إلا به, وإلا .. فشاهدنا من يعيش بدونه, وأنكر القاضي أبو الطيب ذلك قبل الرافعي.
ثم لها أن تأخذ عليه أجرة إن كان لمثله أجرة كبدل الطعام للمضطر ببدله.
وقال في (الحاوي): لو قيل: لا أجرة لها؛ لأنه حق واجب عليها .. لكان له وجه, وجعل الرافعي هذا الاحتمال وجهًا, وبه جزم صاحب (الكافي).

ثُمَّ بَعْدَهُ إِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلاِّ هِيَ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ .. وَجَبَ إِرْضَاعُهُ, وَإِنْ وَجَدَتَا .. لَمْ تُجْبَرِ الأُمُّ, فَإِنْ رَغِبَتْ وَهِيَ مَنْكُوحَةُ أَبِيهِ .. فَلَهُ مَنْعُهَا فِي الأَصَحِّ.
قُلْتُ: الأَصَحُ: لَيْسَ لَهُ, وَصَحَّحَهُ الأَكْثَرُونَ, وَاللهُ أَعْلَمُ  وقل من تعرض لمدة إرضاع اللبأ, وعبارة (البيان): وعليها أن تسقيه اللبأ حتى يروى, وظاهرها الاكتفاء بمرة واحدة.
وقال الرافعي في (القصاص): مدة إرضاع اللبأ مدة يسيرة اهـ والظاهر: أن الرجوع في ذلك إلى العرف.
قال: (ثم بعده) أي: بعد إرضاعه اللبأ (إن لم يوجد إلا هي أو أجنبية .. وجب إرضاعه) أي: على الأم في الأولى وعلى الأجنبية في الثانية؛ إبقاء للولد, ولهما طلب الأجرة من ماله إن كان, وإلا .. فمن أبيه.
قال: (وإن وجدتا .. لم تجبر الأم) سواء كانت في نكاح الأب أم لا, وسواء كانت ممن ترضع مثلها الولد أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ , وإذا امتنعت .. حصل التعاسر, ولأنه في حق الصغير بمنزلة النفقة في حق الكبير, وهي لا تجب على الأم في يسار الأب, وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد.
وعن مالك: روايتان.
قال: (فإن رغبت وهي منكوحة أبيه .. فله منعها في الأصح)؛ لأنه يستحق الاستمتاع بها في وقت الرضاع, لكن يكره له المنع.
واحترز بـ (منكوحة الأب) عما إذا كانت بائنًا منه؛ فإنها إن تبرعت .. لم يكن له انتزاعه منها, وغن طلبت أجرة .. فهي كالتي في نكاحه.
وقيل: ليس له استئجارها, واستدل له الرافعي وابن الرفعة بقوله تعالى: ﴿َإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وهو سهو منهما؛ فإن الآية في المطلقات لأن أولها: (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
قال: (قلت: الأصح: ليس له منعها, وصححه الأكثرون والله أعلم)؛ لأن فيه إضرارًا بالولد لأنها عليه أشفق, ولبنها أصلح له وأوفق.

فَإِنِ اتَّفَقَا وَطَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلِ .. أُجِيبَتْ, أَوْ فَوْقَهَا .. فَلاَ, وَكَذَا إِنْ تَبَرَّعَتْ أَجنَبِيَّةٌ أّوْ رَضِيَتْ بِأَقَلَّ فِي الأَظْهَرِ.
وَمَنِ اسْتَوَي فَرْعَاهُ .. اتَّفَقَا,  ووقع في (الكفاية) نسبة الأول إلى الأكثرين, وهو سهو.
فإن قلنا: ليس له المنع أو توافقا عليه .. فهل تزاد نفقتها للإرضاع؟ فيه وجهان: أصحهما في (الروضة): لا.
قال: (فإن اتفقا) أي: على أن الأم ترضعه (وطلبت أجرة مثل .. أجيبت) , بل هي أولى من غيرها؛ لوفور شفقتها, وهذا مبني على الأصح, وهو أن للزوج استئجار زوجته لإرضاع ولده.
وقال العراقيون: لا يجوز؛ لأنه يستحق منفعتها في تلك الحالة فلا يجوز أن يعقد عليها عقدًا آخر يمنع استيفاء الحق, ثم إن يمنع الإرضاع الاستمتاع ولم ينقصه .. كان لهما مع الأجرة النفقة, وإلا .. فلا نفقة, قاله البغوي وغيره.
قال: (أو فوقها .. فلا)؛ لتضرره, وله في هذه الحالة استرضاع أجنبية.
قال: (وكذا إن تبرعت أجنبية أو رضيت بأقل) من أجرة المثل (في الأظهر)؛ لأن في تكليفه الأجرة مع المتبرعة أو الزيادة عليها إضرارًا به, وقد قال تعالى: (وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ).
والثاني: تجاب الأم؛ نظرًا لها وللطفل, واختاره المزني, وصححه الجرجاني تبعًا لـ (التنبيه) , ويدل له عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
وإذا قلنا بالأظهر أنها لا تجاب إذا وجدت متبرعة, فاختلفا فقال الأب: وجدتها, وأنكرت .. فهو المصدق بيمينه على النص؛ لأنه تشق عليه البينة.
قال: (ومن استوي فرعاه .. اتفقا)؛لاستوائهما في موجب ذلك.
والمراد: استويا في القرب, أو عدمهما, والذكورة والأنوثة كابنين أو بنتين, سواء استويا في اليسار أو تفاوتا, وسواء أيسرا بالمال أم بالكسب, أو أحدهما بالمال والآخر بالكسب, فإن كان أحدهما غائبًا .. أخذ قسطه من ماله, فإن لم يكن له مال .. اقترض عليه.

وَإِلاَّ .. فَالأَصَحُ: أَقْرَبُهُمَا, فَإِنِ اسْتَوَيَا .. فَبِالإِرْثِ فِي الأَصَحِّ, وَالثَّانِي: بِالإِرْثِ ثُمَّ بِالْقُرْبِ  قال: (وإلا) أي: وإن لم يستويا فيما ذكرناه (.. فالأصح أقربهما)؛ لأنه أولى بالاعتبار, فإن كان أحدهما أقرب .. فالنفقة عليه.
ولا فرق بين أن يكون الأقرب وارثًا أو غير وارث, ولا بين أن يكون ذكرًا أو أنثى, هذه الطريقة المشهورة, ويقابلها اعتبار الإرث.
قال: (فإن استويا .. فبالإرث في الأصح)؛ لقوته كابن وابن بنت, فيلزم ابن الابن لقوة قرابته.
والثاني: لا أثر للإرث, بل القرابة المجردة موجبة للنفقة, والإرث غير مرعي في الباب.
قال: (والثاني: بالإرث ثم بالقرب) أي المعتبر الإرث, فإن فقد .. فالقرب, وهذه هي الطريقة الثانية, فإن كان أحدهما وارثًا دون الآخر .. فالنفقة على الوارث وإن كان غير الوارث أقرب, فإن تساويا في الإرث وأحدهما أقرب .. فالنفقة على الأقرب, وإن تساويا في القرب أيضًا .. فالنفقة عليهما, ثم هل يستوي أو يراعى قدر القرب؟ فيه الوجهان.
وإذا استويا في المنظور إليه هل يختص الذكر بالوجوب أو يستويان؟ وجهان.
أمثلته: ابن وبنت: النفقة عليهما, سواء اعتبرنا القرب أو أصل الإرث, وإن اعتبرنا مقداره .. فعليهما أثلاثًا, أو الذكورة .. فعلى الابن فقط.
بنت وابن ابن: هي على البنت إن اعتبرنا القرب, وعلى ابن الابن إن اعتبرنا الذكورة.
ابن ابن وابن بنت: إن اعتبرنا القرب .. أو الإرث .. فابن الابن

وَالْوَارِثَانِ يَسْتَويَانِ أَمْ يُوَزَّعُ بِحَسَبِهِ؟ وَجْهَانِ.
وَمَنْ لَهُ أَبَوَانِ .. فَعَلَى الأَبِ, وَقِيلَ: عَلَيهِمَا لِبَالِغِ.
أَوْ أَجْدَادٌ وَجَدَّاتٌ: إِنْ أَدْلَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ .. فَالأَقْرَبُ,  بنت ابن وابن بنت: إن اعتبرنا الإرث .. فبنت الابن, أو الذكورة .. فابن البنت, أو القرب .. فعليهما.
بنت وابن بنت: إن اعتبرنا الذكورة .. فابن البنت, وإلا .. فالبنت إن اعتبرنا القرب أو الإرث.
قال: (والوارثان يستويان أم يوزع بحسبه؟ وجهان) وجه الأول: اشتراكهما في أصل الوراثة, ووجه الثاني: إشعار زيادة الإرث بزيادة قوة القرابة, ولم يصحح في (الروضة) وأصلها شيئًا منهما أيضًا.
وتقدم في (صلاة الجماعة) التنبيه على هذا المكان.
وعبارة (الحاوي الصغير):والتساوي وزع, وهو الذي رجحه الرافعي في اجتماع الأصول.
مثال ذلك: ابن وبنت, هل يلزمهما نصفين أو ثلاثًا؟ وجهان, وهل تقدم بالذكورة؟ وجهان: أصحهما: لا, خلافًا للعراقيين, فيختص الابن عندهم بالإنفاق دون البنت.
قال: (ومن له أبوان .. فعلى الأب) هذا عكس الفصل المتقدم فإذا اجتمع للمحتاج أب وأم .. فالنفقة على الأب, أما إذا كان الابن صغيرًا .. فلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ , وكذا إن كان بالغًا في الأصح؛ استصحابًا للحكم الثابت في حال الصغر.
قال: (وقيل: عليهما) أي: نصفين (لبالغ)؛ لاستواء القرب والولادة, فلو اجتمع أب الأب مع الأم .. فالمذهب أنها على الجد, وقيل: يلزم الأم لقربها, وقيل: عليهما أثلاثًا, وقيل: نصفين.
قال: (أو أجداد وجدات: إن أدلى بعضهم ببعض .. فالأقرب) أي: فالنفقة على الأقرب بالاتفاق؛ لأنه مقدم في الميراث وغيره, فكذا هنا, فيقدم الأب على أبيه, وأمه على أبيها وأمها.

وَإِلَا .. فَبِالْقُرْبِ, وَقِيلَ: الإِرْثُ, وَقِيلَ: بِوِلاَيَةِ الْمَالِ, وَمَنْ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ .. فَقِي الأَصَحُ: عَلَى الْفَرْعِ وَإِنْ بَعُدَ.
أَوْ مُحْتًاجُونَ .. يَقَدِّمُ زَوْجَتَهُ  قال: (وإلا .. فبالقرب, وقيل: الإرث, وقيل: بولاية المال) أشار إلى أنه إذا لم يكن أحدهما يدلي بالآخر .. ففيه خمسة طرق: أصحهما: يقدم بالقرب على النحو المتقدم في الفروع.
والثاني: بالإرث.
والثالث: بولاية المال, فإن لم يكن لواحد منهما ولاية .. قدم من يدلي بالولي أو من هو أقرب إدلاء بالولي, فإذا استويا في الإدلاء .. اعتبر القرب.
والرابع: تقدم بالذكورة.
والخامس: بالإرث والذكورة معًا, وهذه الطرق هي الطرق المتقدمة في الفروع, إلا الطريق الثالث وهي ولاية المال؛ فإنها لا تأتي, ثم قال: (ومن له أصل وفرع .. ففي الأصح: على الفرع وإن بعد)؛ لأن عصوبته أقوى, وسواء كان الفرع وارثًا أو غير وارث, قريبًا أو بعيدًا.
والثاني: أنها على الأب استصحابًا لما كان في الصغر.
والثالث: عليهما؛ لاستوائهما في القرب, ولتعارض المعاني.
فرع: أخوان لهما أب وجد ولا يقدر الأب إلا على نفقة أحدهما .. لزمه نفقته وعلى الجد نفقة الآخر, فإما أن يشتركا في الإنفاق عليهما, أو يختص كل بالإنفاق على واحد, فإن اختلفا .. أجيب من طلب الاشتراك.
قال: (أو محتاجون) أي: اجتمع على الشخص الواحد محتاجون تلزمه نفقة كل منهم, لكنه لا يقدر إلا على كفاية بعضهم.
قال:) .. يقدم زوجته)؛ لأنها آكد؛ إذ نفقتها لا تسقط بمضي الزمان, هذا الذي أطبق عليه الأصحاب, واعترض الإمام بأنها إذا كانت كذلك .. كانت كالديون,

ثُمَّ الأَقْرَبَ, وَقِيلَ: الوارِثَ, وَقِيلَ: الْوَلِيِّ  ونفقة القريب في مال المفلس مقدمة عليها, فخرَّج احتمالَا في تقديم نفقة القريب, وأيده بالحديث المتقدم أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن معي دينارًا, قال: (أنفقه على نفسك) , قال: معي آخر, قال: (أنفقه على ولدك) , قال: معي آخر, قال: (أنفقه على أهلك) فقدم الولد على الأهل, كذا رواه أبو داوود [1688] , ولكن رواه النسائي [سك 9137] بتقديم الزوجة على الولد فتعارضت الروايتان.
وفي وجه: أن نفقة الطفل تقدم عليها؛ لاحتياجه.
قال: (ثم الأقرب) أي: (وقيل: الوارث, وقيل: الولي) المراد: أنه يقدم بعد نفقة الزوجة الأقرب أو الوارث أو الولي, فيه الطرق المتقدمة.
مثاله: ابن وبنت, وابن ابن ابن, وأبوان: فهي للأول على الأول وللثاني على الثاني وللثالث على الثالث.
تتمة: عنده ما ينفق على واحد, وله أب وأم .. تقدم الأم على الأصح؛ لامتيازها عن الأب بالحمل والوضع والرضاع والتربية, ولذلك كان لها ثلاثة أرباع البر بالاتفاق؛ لما روى الشيخان [خ 5971 - 2548م] عن أبي هريرة: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ قال: (أمك) قال: ثم من قال: (أمك) قال: ثم من قال: (أمك) قال: ثم من قال: (أبوك).
والوجه الثاني: يقدم الأب مكافأة له؛ لتقدمه في وجوب النفقة عليه مع امتيازه بالعصوبة.
والثالث: يستويان؛ لاستوائهما في القرابة والدرجة.
وفي زكاة الفطر يقدم الأب عليها في الأصح كما تقدم في بابه؛ فإنها تطهير والأب به أولى.

فَصْلٌ: الْحَضَانَةُ: حِفْظُ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ وَتَرْبِيتَهُ.
وَالإِنَاثُ أَلْيَقُ بِهَا, وَأوْلاَهُنَّ: أُمُّ  قال: (فصل: الحضانة: حفظ من لا يستقل) أي: عما يؤذيه, وهي بفتح الحاء: مأخوذة من الحضن بكسرها وهو الجنب؛ لأنها تضمه إلى حضنها, وتنتهي بالتمييز, ثم بعده إلى البلوغ تسمى كفالة, قاله الماوردي.
والمراد: من لا يستقل بأمر نفسه؛ لعدم تمييزه, ليشمل الطفل والكبير والمجنون ومن به خبل وقلة تمييز.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ والأحاديث الآتية في الباب.
قال: (وتربيته) التربية: التنمية وحسن القيام عليه حتى يفارق الطفولية, بالقيام بتعهده من طعامه وشرابه, وقضاء حاجته, وغسل بدنه وثيابه من النجاسة والوسخ, وتنويمه وتمريضه وتحنيكه وتمشيطه, وغسل وجهه وأطراف يديه, ونحو ذلك من مصالحه.
قال: (والإناث أليق بها) مع أنها نوع ولاية وسلطنة؛ لأنهن أهدى إلى التربية, فهن بها أخبر وعليها أصبر لفرط حنوهن.
ومؤنة الحضانة على من تجب عليه النفقة, ولهذا ذكرت عقيب النفقات, وقيل: لا أجرة لها بعد الفطام.
قال: (وأولاهن: أم)؛ لوفور شفقتها, وروى الحاكم [2/ 207] وأبو داوود [2270] عن ابن عمرو: أن امرأة قالت: يا رسول الله؛ إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء, وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني, فقال صلى الله عليه وسلم: (أنت أحق به ما لم تنكحي).
فإذا امتنعت الأم .. لم تجبر؛ لأن من ترك حقه .. لم يجبر على استيفائه, فإذا وجبت عليها بأن لم يكن أب وإن علا ولا مال له .. فتجبر كما يجبر من امتنع من الحق.

ثُمَّ أُمَّهَاتٌ يُدْلِينَ بِإِنَاثٍ يُقَدَّمُ أَقْرَبَهُنَ.
وَالْجَدِيدُ: تُقَدَّمُ بَعْدَهُنَّ أُمُّ أَبِ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْمدْلِياتُ بإِنَاثٍ ثُمَّ أُمُ أَبِي أَبٍ كَذَلِكَ, ثُمَّ أَمُ أَبِي جَدِّ كّذَلِكَ, وَالقَدِيمُ: الأَخَواتُ وَالخَالَاتُ يُقَدَّمْنَ عَلَيْهِنَّ  نعم؛ يستثنى من إطلاق المصنف ما لو كان للمحضون زوجة كبيرة وكان له بها استمتاع أو لها به استمتاع .. فغنها أولى بكفالته من جميع الأقارب, وإن لم يكن استمتاع .. فالأقارب أولى, قاله الروياني وغيره, وسكتا عليه في (الشرح) و (الروضة) لكن أفتى الشيخ تاج الدين الفزاري بخلافه.
ومنها: اجتمع على الطفل أبواه, فإن كانا باقيين على النكاح .. كان الطفل معهما يقومان بكفايته, الأب بالإنفاق والأم بالحضانة والإرفاق, وإن افترقا بفسخ أو طلاق .. فالحضانة للأم بالاتفاق.
وقال ابن كَجَّ: تثبت لبنت الرقيق حضانته إذا لم يكن له أبوان.
ولا حق للمحرم بالرضاع في الحضانة ولا في الكفالة, ولا للمولى وعصبته على المذهب.
قال: (ثم أمهات يدلين بإناث)؛ لمشاركتهن إياها في تحقيق الإرث والولادة.
قال: (يقدم أقربهن) لوفور الشفقة.
قال: (والجديد: تقدم بعدهن أم أب)؛ لمشاركتها للأم في المعنى المذكور, وإنما قدمت عليها أمهات الأم وإن علون؛ لأن الولادة فيهن محققة وفي أمهات الأب مظنونة, ولأنهن أقوى من أمهات الأب؛ لأنهن يسقطن بالأب.
قال: (ثم أمهاتها المدليات بإناث) أي: وارثات.
قال: (ثم أم أبي أبٍ كذلك, ثم أم أبي جد كذلك) أي: يدلين بإناث؛ لأن لهن ولادة ووراثة كالأم وأمهاتها.
قال: (والقديم: الأخوات والخالات يقدمن عليهن) أما الأخوات .. فلأنهن ركضن مع الطفل في صلب واحد وبطن واحدة, وشاركنه في النسب, فهن أشفق

وَتُقَدَّمُ أُخْتٌ عَلَى خَالَةٍ, وَخَالَةٌ عَلَى بِنْتِ أَخٍ وَأُخْت] , وَبِنْتُ أَخٍ وَأخْتٍ عَلَى عَمَّةٍ, وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنٍ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَالأَصًحُ: تَقْدِيمُ أُخْتِ مِنْ أَبٍ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أُمٌ, وَخَالَةٍ وَعَمَةٍ لأَبٍ عَلَيْهِمَا لِأُمٌ.
وَسُقُوطُ كُلِّ جَدَّةٍ لَا تَرِثُ ..

 عليه, وأما الخالات .. فلقوله عليه الصلاة والسلام في قصة ابنة حمزة: (الخالة بمنزلة الأم) رواه البخاري [2700]. وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ يعني: أباه وخالته.
وأجاب في الجديد بأن النظر هنا إلى الشفقة, وهي في الجدات أغلب.
قال: (وتقدم أخت) أي: من أي جهة كانت (على حالة)؛ لقربها.
قال: (وخالة على بنت أخ وأخت)؛ لأنها كالأم.
قال: (وبنت أخ وأخت على عمة) كما يقدم ابن الأخ في الميراث على العم.
قال: (وأخت من أبوين على أخت من أحدهما)؛ لأنها اشتملت على ما اشتمل عليه كل منهما وزيادة, ولا يجري هنا خلاف تحميل العقل وولاية النكاح في التسوية بين الشقيق وغيره؛ لان للأنوثة مدخلًا في هذا الباب, فلذلك يرجح الشقيق.
قال: (والأصح: تقديم أخت من أب على أخت من أم)؛ لقوة إرثها, لأنها قد تصير عصبة, وأجاز المزني وابن سريج تقديم الأخت على الأم؛ لأنها تدلى بالأم فقدمت على من تدلى بالأب كما تقدم أم الأم على أم الأب.
قال: (وخالة وعمة لأب عليهما لأم)؛ لقوة الجهة.
والثاني: تقدم الخالة للأم والعمة للأم عليهما؛ لان تقديم الأخت للأب على الأخت للأم كان لقوتها في الإرث ولا إرث هنا, وقيل: لا حضانة للخالة للأب أصلًا؛ لأنها تدلي بأب الأم فأشبهت أم أبي الأم, أما عمات الأم .. فلا حضانة لهن؛ لإدلائهن بذكر غير وارث.
قال: (وسقوط كل جدة لا ترث) وهي من تدلى بذكر بين أنثيين كأم أبي الأم؛ لأنها أدلت بمن لا حق له في الحضانة فأشبهت الأجانب.

دُونَ أُنْثَى غَيْرِ مَحْرَمٍ [كَبِنْتِ خَالَةٍ].وَتَثْبُتُ لَكُلِّ ذَكَرٍ مَحْرَمٍ وَارِثٍ  والثاني: لهن الحضانة, لكن يتأخرن عن كل امرأة تستحق الحضانة, فتثبت لهن عند انفرادهن.
والثالث: أنها لهن, لكن يتأخرن عن الجدات الوارثات, ويتقدمن على الأخوات والخالات؛ لأصالتهن.
وعلى المذهب: يستحق تقديمهن عند انفرادهن على الأجنبيات, وفي معنى الجدة الساقطة كل محرم يدلى بذكر لا يرث كبنت ابن البنت وبنت العم لأم.
قال: (دون أنثى غير محرم [كبنت خالة]) هذا معطوف على الأصح, قال الرافعي: فتستحق بنت الخال والخالة وبنت العم وبنت العمة الحضانة؛ لشفقتهن وهدايتهن.
والثاني-وهو الأظهر عند الغزالي-: لا استحقاق لهن؛ لان الحضانة تحوج إلى معرفة بواطن الأمور , فالأولى تخصيصها بالمحارم, وتبعه في (الروضة) على ذلك.
قال في (المهمات): (وهو مستقيم إلا في بنت الخال؛ فإنها تدلى بذكر غير وارث, وقد تقرر أن من كانت بهذه الصفة .. لا حضانة لها, وإذا لم نثبتها لأم أبي الأم بهذا المعنى مع وجود الولادة فيها .. فبطريق الأولى بنت الخال, بخلاف بنت الخالة والعمة؛ فغنها تدلى بأنثى, وبخلاف بنت العم؛ فإنها تدلى بذكر وارث) اهـ نعم؛ إنما تثبت لبنت الخالة والخال وبنت العمة والعم الحضانة في ذكر لا يشتهى, وإلا .. فلا حضانة لهن, وكأن المراد أنه لا تثبت لهن الكفالة؛ لأنها بعد سن التمييز لا تسمى حضانة.
قال: (وتثبت لكل ذكر محرم وارث) , لما انتهى محض الإناث .. شرع في اجتماع محض الذكور وكيفية ترتيبهم عند اجتماعهم, وهم أربعة أصناف: محرم وارث.
ووارث غير محرم.
ومحرم غير وارث.

عَلَى تَرْتِيبِ الإِرْثِ, وَكَذَا غَيْرُ مَحْرَمٍ كَابْنِ عَمَّ عَلَى الصَّحِيحِ,  وليس بمحرم ولا وارث.
فالمحرم الوارث كالأب والجد وإن علا, والأخ وابنه والعم تثبت له الحضانة؛ لوفور الشفقة وقوة المرتبة بالإرث والمحرمية.
وقيل: لا حضانة لغير الأب والجد؛ لما لهما من الولادة ووفور الشفقة والاعتناء بأمر الولد.
وقيل: لا حق لأخ الأم؛ لعدم العصوبة, والمذهب المجزوم به: الأول.
قال: (على ترتيب الإرث) فيقدم الأب ثم الجد وإن علا, ثم أخ لأبوين ثم لأب ثم لأم, ثم ابن أخ شقيق ثم ابن أخ لأب, ثم عم لأبوين ثم عم الجد.
وعلى قول ابن سريج المتقدم: يقدم الأخ للأم على الأخ للأب, ومنهم من لم يثبته هنا.
وفي وجه: يتأخر الأخ للأم عن الأعمام, وجزم به جماعة, وقيل: لا حق له فيها.
وذكر الماوردي وجهًا: أن الأعمام يقدمون على بني الإخوة لأبوين أو لأب, لكن قوله: (على ترتيب الإرث) فيه نظر؛ لأن الجد في الإرث لا يقدم على الأخ, فلو قال: على ترتيب ولاية النكاح .. كان أولى.
قال: (وكذا غير محرم كابن عم على الصحيح) هذا هو الصنف الثاني, وهو وارث بالقرابة ليس بمحرم كابن العم وابنه وابن عم الأب وابن عم الجد, فلهم الحضانة؛ لوجود القرابة والإرث والشفقة.
والثاني: لا؛ لفقد المحرمية.
فغن قيل: يرد على إطلاقه المعتق؛ فغنه وارث غير محرم, ولا حضانة له على الصحيح؛ لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة .. فالجواب: إن في تمثيله بابن العم إشارة إلى إرادة القرابة, لكن كلامه مفروض في ابن عم له الحضانة, وهو الذي لم تعارضه الأم, فإن عارضته .. فهي أحق قطعًا كما قاله في (الروضة) , ووجهه في (المطلب) بان ابن العم لو كفلها .. لأمر بالوضع عند امرأة ثقة, فالأم أولى.

وَلَا تُسَلَّمُ إِلَيهِ مُشْتَهَاةٌ بَلْ إِلَى ثِقَةٍ يُعَيِّنُهَا.
فَإِنْ فُقِدَ الإِرْثُ وَالْمَحْرَمِيَّةُ أَوِ الإِرْثُ .. فَلَا فِي الأصَحِّ  قال: (ولا تسلم إليه مشتهاة) حذرًا من الخلوة المحرمة, وأفهم أن الذكر ومن لا تشتهى يسلمان إليه, وهو كذلك حيث لا محذور.
قال: (بل إلى ثقة يعينها)؛ لأن الحق له في ذلك, فيقيم امرأة ثقة بأجرة أو غيرها, فيسلمها إليها ويراعي هو مصالحها من وراء الستر.
وقوله: (يعينها) بضم الياء وفتح العين وتشديد الياء المثناة, من التعيين لا من المعونة, فإن كانت له بنت سلمت إليه, كذا في (الشرح) و (الروضة) , وفي (تصحيح التنبيه): أنه تسلم إليه المشتهاة إذا كان له بنت مميزة, والاكتفاء بالتمييز بعيد, والصواب: أنه يشترط في ابنته البلوغ وان تكون ثقة كما يشترط في الأجنبية.
فرع: إذا أثبتناها لأولاد العم .. ففي المعتق عند فقد الأقارب وجهان: أصحهما: لا حضانة له؛ لعدم القرابة التي هي مظِنَّة الشفقة.
فعلى هذا: لو كانت له قرابة وهناك من هو أقرب منه .. فهل يرجح بالولاء؟ فيه وجهان: صحح المصنف: أنه لا يرجح, مثاله: عم وابن عم معتق.
قال: (فإن فقد الإرث والمحرمية) وهو الصنف الثالث؛ كابن خال وابن خالة وابن عمة.
قال: (أو الوارث) أي: مع وجود المحرمية, وهو الصنف الرابع؛ كأبي الأم والخال والعم للأم وابن الأخت وابن الأخ للأم.
قال:) .. فلا في الأصح)؛ لضعف قرابته؛ لأنه لا يرث بها ولا يلي ولا يعقل.
والثاني: له حق فيها؛ لوفور شفقته.
وعلى هذا: يقدم منهم أبو الأم قطعًا, ثم بعده؟ قيل: يقرع بين الخال والعم للأم, والأشبه: تقديم من قوي سبب إدلائه, فيقدم الخال.

فَإِنْ اجْتَمَعَ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ .. فَالأُمُّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا ثُمًّ الأَبُ, وَقِيلَ: تُقَدَّمُ: عَلَيِهِ الْخَالَةُ والاختُ مِنَ الأُمِّ.
وَيُقَدَّمُ الأَصْلُ عَلَى الحًاشِيةِ, فَإِنْ فُقِدَ .. فَالأَصَحُّ: الأَقْرَبُ,  وتعبير المصنف بـ (الأصح) هو في الثانية واضح, وفي الأولى مستدرك بأن في (الروضة) طرقتين: المذهب: لا حضانة, وقيل وجهان.
ووقع في (الروضة) و (أصلها): أن الخالة مقدمة على الخال بعد تصحيحها أن الخال لا يحضن, فهو إما مفرع على الضعيف أو مؤول بأنها تقدم عليه, أي: بمنعه الحضانة, لا أنه يحضن بعدها, وهو تأويل ضعيف.
قال: (فإن اجتمع ذكور وإناث .. فالأم)؛ للخبر المتقدم, ولأنها ساوت الأب في القرب والشفقة واختصت بالولادة المحققة وبصلاحية الحضانة بسبب الأنوثة وغير ذلك.
قال: (ثم أمهاتها)؛ لأنهن في معنى الأم في الشفقة والأنوثة والإرث والولادة المحققة, فلو نكحت الأم ورضي الأب والزوج بكونه عندها .. سقط حق الجدة على الأصح, كذا في (أصل الروضة) , وهو كذلك في (التهذيب) و (الكافي).
وقيل: لا يسقط حق الجدة برضا الأب, وهو أقبس, ويوافقه قول المصنف من بعد: (وناكحه غير أبي الطفل) , واستغرب في (المطلب) الأول وقال: كيف يسقط حق الشخص برضا غيره, لكنه وافق في (الكفاية) تصحيح (الروضة).
قال: (ثم الأب) أي: يقدم على أمهاته على الصحيح؛ لأنه أصلهن, وقيل: يقدمن عليه؛ لولادتهن وزيادة صلاحيتهن للحضانة, وهذا بعيد, ومحال أن يدلى شخص بشخص ويقدم عليه.
قال: (وقيل: تقدم عليه الخالة والأخت من الأم)؛ لإدلائهما بالأم فيسقط الأب بهما, ولو حذف المصنف قوله: (من الأم) .. لكان أخصر وأشمل؛ لأن في كل واحدة من الأخوات الثلاث وجه: أنها تقدم على الأب.
قال: (ويقدم الأصل على الحاشية)؛ لقوتهم.
قال: (فإن فقد) أي: من ذكرنا من الأصول) .. فالأصح: الأقرب) كالإرث, ذكرًا كان أو أنثى.

وَإِلَا .. فَالأُنْثَى, وَإِلاَّ .. فَيُقْرَعُ.
وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ  قال: (وإلا .. فالأنثى) أي: فإن فقد الأقرب واستوي اثنان أو جماعة في القرب .. فالأصح: التقديم بالأنوثة؛ لما سبق من أنهن أصبر وأبصر.
قال: (وإلا .. فيقرع) أي: عند الاستواء من كل وجه كالأخوين والأختين, فيقطع النزاع بالقرعة.
والوجه الثاني: أن نساء القرابة وإن بعدن أحق بالحضانة من الذكور وإن كانوا عصبات؛ لأنهن أصلح لها, وصححه صاحب (الانتصار).
والثالث: العصبات أولى منهن؛ لقوة نسبهن.
قال الرافعي: وكان يجوز أن يقدم بما تقدم به المتزاحمان على اللقيط.
فرع: الأخت مع الجد كهي مع الأب, قال المتولي: ويخالف الميراث؛ فإنه يقبل التبعيض, والحضانة لا تقبله, ولو كان في أهل الحضانة خنثى .. فهل يتقدم على الذكر في موضع لو كان أنثى لتقدم لاحتمال الأنوثة أو لا لعدم الحكم بها؟ وجهان: الأصح عند المصنف: الثاني.
وإذا أخبر عن ذكوريته أو أنوثته .. عمل بقوله في سقوط الحضانة, وهل يعمل به في استحقاقها أو لا للتهمة؟ وجهان: قال المصنف: أصحهما يعمل, وهو الجاري على قواعد المذهب في نظائره, والذي قاله المصنف هو المعتمد المفتى به كما بينه في (نواقض الوضوء) من (المهمات).
قال: (ولا حضانة لرقيق) ولو كان مكاتبًا أو مبعضًا وأذن السيد؛ لأنها ولاية ليس من أهلها, ثم إن كان الولد حرًا .. فالحضانة لمن له الحضانة بعد الأم الحرة من أب وغيره, وإن كان رقيقًا .. فحضانته لسيده, وهل له نزعة من الأم وتسليمه إلى غيرها؟ وجهان بناء على التفريق, والأصح: منعه, بل يقر في يدها, هذا هو الصواب ووقع في (الروضة): هل له نزعة من الأب وتسليمه إلى غيره, وهو سبق قلم.

وَمَجْنُونٍ, وَفَاسِقٍ وَكَفِرٍ عَلَى مُسْلِمِ,  ولو كانت الأم حرة والولد رقيق؛ بأن سبي طفل ثم أسلمت أمه أو قبلت الذمة .. فحضانته للسيد, وفي الانتزاع منها الوجهان, كذا قاله الشيخان.
وهذا إنما يتصور فيما إذا لم يكن تبع السابي في الإسلام, فإن تبعه فيه .. فلا يسلم إلى الأم على المذهب, لكن تستثنى من إطلاق المصنف: أم ولد الكافر إذا أسلمت .. يتبعها ولدها في الإسلام وحضانته لها وإن كانت رقيقة, كذا نقل الشيخان في كتاب (أمهات الأولاد) عن أبي إسحاق المروزي وأقراه, وكأن المعنى فيه: فراغها لمنع السيد من قربانها مع وفور شفقتها.
قال: (ومجنون)؛ لأنه محضون.
ولا فرق بين الجنون المطبق والمتقطع, إلا أن يقل جنونه كيوم في سنين مثلًا .. فلا يمنع.
وأما المرض الذي لا يرجى زواله كالسل والفالج إذا كان يشغله الألم عن الكفالة, فإن شغله عن النظر .. أسقط, وإن أثر في الحركة والتصرف .. أسقط أيضًا في حق من يباشر بنفسه دون غيره.
قال: (وفاسق)؛ لأنه لا يلي ولا تؤمن خيانته وتقصيره في الحفظ والتربية, وعبارة (المحرر): وتشترط العدالة) , وعبارة جماعة: (الأمانة) , والمعروف: أنه لا يشترط تحقق العدالة الباطنة, بل تكفي الظاهرة كشهود النكاح كما جزم به الماوردي والروياني, وهو المعتمد, لا ما وقع في (فتاوى المصنف) من ثبوت الأهلية عند الحاكم, وذكر في (باب الحجر) من (الروضة) نحوه.
وجمع بعض مشايخنا بين كلامي الماوردي والمصنف بأنهما إن تنازعا في الأهلية بعد تسليمها الولد .. لم ينزع من يدها, ويقبل قولها في الأهلية وإن كان قبل لم يسلم إليه إلا بعد الثبوت, وهو حسن.
قال: (وكافر على مسلم)؛ لأنه لا ولاء به له عليه, ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا, ولأنه يخشى أن يفتنه.
وقيل: يثبت له الحق؛ لان النبي صلى الله عليه وسلم خير غلامًا بين أبيه المسلم وأمه الكافرة, فمال إلى الأم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم, اهده)

وَنَاكِحَةٍ غَيْرِ أَبِي الطِّفْلِ،  فعدل إلى أبيه، لكن الخبر ضعيف، وإن صح .. فيحتمل نسخه بالآية المتقدمة، أو حمله على أنه صلى عليه وسلم علم أنه يستجاب دعاؤه، وإنما خير؛ استمالة لقلب أمه.
وقيل: الأم الذمي أحق بالحضانة من الأب المسلم إلى أن يبلغ سبع سنين ثم الأب.
وعلى الأول: حضانته لقريبه المسلم، ثم هي على سائر المسلمين.
وأفهم كلامه: ثبوتها للكافر على الكافر، وهذا لا خلاف فيه، وأمه أولى من أبيه، ولقريبه المسلم حضانته على الأصح؛ لأن ذلك قد يكون سببًا لإسلامه.
قال: (وناكح غير أبي الطفل)، سواء دخل بها أم لا، وسواء كان حاضرًا أو غائبًا؛ لما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام: (أنت أحق به ما لم تنكحي) وروى الدارقطني [3/ 304]: أنه صلى الله عليه وسلم قال: (الأم أحق بولدها ما لم تتزوج).
ولأنها مشغول بحق الزوج فيتضرر الولد بذلك، ولا أثر لرضا الزوج كما لا أثر لرضا السيد بحضانة الأمة فقد يرجعان فيتضرر الولد.
والمراد: أبو الطفل وإن علا، فإذا تزوجت جده .. فالنص: أن لها الحضانة، وحمله الجمهور على أبي أبيه؛ لأن له حقًا فيها فلا يسقط نكاحه حقها، كما لو كانت في نكاح الأب.
وصور المسألة ك أن يتزوج من له أب من لها أم، فتأتي بولد منه فتموت الزوج، فحضانته لأمها، فإذا تزوجت .. سقطت حضانتها، إلا أن يتزوج جد الطفل وهو أبو زوج بنتها، فإن كانت مزوج بأبي الأم .. فلا حضانة لها؛ لأنه لا حضان له على الصحيح، ولذلك جزم المصنف في (فتاويه) تبعًا للبغوي بأنها إذا تزوجت به أو بغيره من ذوي الأرحام .. سقطت حضانتها.

إِلَّا عَمَّهُ وَابَن عَمِّهِ وَابْنَ أَخِيهِ فِي الأَصَحِّ.
وَإِنْ كَانَ رَضِيعًا .. اشْتَرِطَ أَنْ تُرْضِعَهٌ عَلَى الصَّحِيحَ  نعم؛ يستثنى من سقوط حضانتها بالتزويج: ما إذا خالعها الزوج على ألف مثلًا وحضانة الصغير سنة، فتزوجت في أثناء السن .. فإنه لا ينزعه منها؛ لأن الإجارة عقد لازم، قاله القاضي حسين.
كل هذا إذا رضي الزوج بأنها تحضنه، فإن لم ترض بذلك .. سقط حقها.
قال: (إلا عمه وابن عمه وابن أخيه في الأصح)؛ لأن هؤلاء أصحاب حق في الحضانة، والشفقة تحملهم على رعاية الطفل، فيتعاونون على كفالته، بخلاف الأجنبي، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها وهي متزوجة بابن عم أبيها.
والثاني: يبطل حقها؛ لاشتغالها بالزوج، ولا حق له في الحضانة الآن، فأشبه الأجنبي، وبهذا أفتى ابن الفركاح، وقال: إنه مذهب الشافعي، وليس كما قال.
والصورة الثالثة – وهي ابن أخيه – إنما تفرض في غير الأم وأمهاتها؛ بأن يزوج أخته لأمه بابن أخيه لأبيه، فإن الأصح: أن أخته كالأم مقدم على الأخ لأب.
قال: (وإن كان رضيعًا .. اشترط أن ترضعه على الصحيح)؛ لعسر استئجار مرضعة يترك عندها، أو ينتقل إلى مسكن الأم.
والثاني: لا، وصححه البغوي؛ لأن لها الحضانة، وعلى الأب استئجار مرضعة.
فروع: من موانع الحضانة: المرض الشاغل عن الكفالة وتدبير المكفول كالسل والفالج، وأن لا يكون مغفلًا قاله الجرجاني.
والعمياء لا حضانة لها كما أفتى به عبد الملك بن إبراهيم المقدسي، وأفتى ابن

فَإِنْ كَمُلَتْ نَاقِصَةٌ  الصلاح بان الولد إن كان صغيرًا .. فلها الحضانة؛ لأنه يمكنها أن تحضنه، وإن كان كبيرًا .. فلا.
وأفتى ابن البزري بأنه يختلف باختلاف أحوالها، فإن كانت ناهضة بحفظه وتدبيره ووقايته الأسواء والقيام بمصالحه ودفع مضاره .. فلها الحضانة، وإن كانت عاجزة .. فلا حضانة لها.
وقال ابن الرفعة: لم أر فيها نقلًا، غير أن كلام الإمام يستنبط منه: أنه مانع، وأفتى شيخنا وشيخه البارزي: أنه9 ليس بمانع، مستدلين بأن الحضانة يجوز الاستئجار لها، فيثبت لها الحق ثم يستأجر من يقوم بذلك، لكن قال الماوردي: لو أراد الأب أن يستنيب قي كفالة ولده .. جاز، وإن أرادت الأم الاستنابة .. لم يجز؛ فاختصاص الأب بالمراعاة وهي ممكن مع استنابته، واختصاص الأم بمباشرة التربية وهي مفقودة مع استنابتها.
ووقع السؤال عن حاضنة أصابها جذام أو برص .. هل للولي أخذ الطفل منهما؟ قال شيخنا: إن كانت ترضعه .. فنعم، وإن كان مميزًا مستقلًا .. فلا، وفيه نظر إذا كان يخالطها.
وقال في (الحاوي) في باب (اللقيط): يشترط في الحاضن: أن لا يكون محجوزًا عليه بسفه، ولم يذكر المسألة سواه.
قال: (فإن كملت ناقصة) كما إذا أسلمت الكافرة أو أفاقت المجنونة أو عتقت الأمة أو حسن حال الفاسقة.

أَوْ طَلَقَتِ الْمَنْكُوحَةُ .. حَضَنَتْ، وَإِنْ غَابَتِ الأُمُ أَوِ امْتَنَعَتْ .. فَلِلْجَدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُمُيِّزِ، وَالْمُمَيِّزُ إِنِ افْتَرَقَ أَبَوَاهُ .. كَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا  قال: (أو طلقت المنكوحة) أي: لو رجعيًا (.. حضنت)؛ لزوال المانع، وتستحق المطلقة الحضانة في الحال قبل انقضاء العدة على المذهب.
وفي وجه – اختاره المزني، وبه قال أبو حنيفة-: لا حضانة للرجعية حتى تنقضي عدتها× لأنها زوجة، وكما تعود حضانتها بمجرد الفرقة تسقط بمجد العقد علبها وإن كان الزوج غائبًا، فإذا حضنت الرجعية في العدة بغير رضا المطلق .. فالمذهب: أن نفقتها لا تسقط، وقيل: تسقط كما قي صلب النكاح وضعفه الإمام.
قال: (وإن غابت الأم أو امتنعت .. فللجدة على الصحيح): أي أم الأم، كما لو ماتت أو جنت.
والثاني: تنتقل إلى الأب؛ لأن أهليتها باقية وإنما تركت حقها فلم ينتقل إلى من تدلى بها، بخلاف ما إذا ماتت.
والثالث: ينتقل إلى السلطان؛ لبقاء أهلية الأم، كما لو غاب الولي في النكاح أو عضل .. يزوج السلطان ل الأبعد، فعلى الصحيح: متى امتنع الأقرب من الحضانة .. كانت لمت يليه لا السلطان؛ لأنها للحفظ والقريب الأبعد أشفق من السلطان.
تنبيه: أطلق الشيخان وغيرهما: أن الأم لا تجبر على الحضانة.
قال ابن الرفعة: هذا إذا لم تجب عليها المؤن، فإن أوجبناها بأن لم يكن له أب ولا مال .. فتجبر.
قال: (هذا كله في غير المميز)، وهو الذي لا يستقل.
قال: (والمميز إن افترق أبواه) أي: مع أهليتها ومقامهما ببلد واحد (.. كان عند من اختار منهما)؛ لما روى الترمذي وابن ماجه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا جُنُونٌ أَوْ كُفْرٌ أَوْ رِقٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ نَكَحَتْ .. فَالْحَقُّ لِلآخَرِ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أُمِّ وَجَدِّ،  خير غلامًا بين أبويه)، وإنما يدعى بالغلام: الصبي المميز.
وروى أبو داوود [2271] واليهقي [8/ 3] والحاكم [4/ 97] عن أبي هريرة: أن رجلًا وامرأة اختصما في ولد بينهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم/ فقالت المرأة: يا رسول الله؛ إن ابني هذا قد نفعني وسقاني من بئر أبي عتبة وإن أباه يريد أن يأخذ مني، فقال الأب: من يحول بيني وبين ابني؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا غلام؛ هذه أمك وهذا أبوك، فاتبع أيهما شئت) فاتبع أمه.
وروى الشافعي [1/ 288 مرفوعًا] والبيهقي [8/ 4] عن عمر: أنه خير غلامًا بين أبويه.
ولأن القصد بالكفالة طلب الحظ للولد والمميز أعرف بحظه فيرجع إليه؛ لأنه قد عرف من برهما ما يدعوه إلى اختيار أبرهما، ولا نظر إلى كون أحدهما أكثر مالًا أو محبة على الأصح، ويستوي في التخيير الذكر والأنثى.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يخير، ثم عند أبي حنيفة يكون الغلام مع الأم حتى يستقل ثم يسلم إلى الأب والجارية عندها حتى تزوج أو تحيض.
وعند مالك: يكون الغلام مع الأم حتى يثغر، وتكون الجارية معها حتى تزوج ويدخل بها الزوج.
وقال أحمد: يخير الغلام ولا تخير الجارية.
وسن التمييز في الغالب سبع أو ثمان سنين تقريبًا، وقد يتقدم على ذلك ويتأخر، ومدار الحكم على التمييز لا على سنه.
واعتبر في الكفاية مع هذا: أن يكون عارفًا بأسباب الاختيار ضابطًا لها، وذلك موكول إلى نظر الحاكم.
قال:) فإن كان في أحدهما جنون أو كفر أو رق أو فسق أو نكحت .. فالحق للآخر) أي: ما دام ذلك ناقصًا، فإذا زال خلله .. أنشأ التخيير حينئذٍ.
قال: (ويخير بين أم وجد) أي: وإن علا عند فقد الأب أو عدم أهليته؛ لأنه بمنزلته.

وَكَذَا أَخٌ أَوْ عَمٌ أَوْ أَبٌ مَعَ أُخْتٍ أَوْ خَالَةٍ فِي الأَصَحِّ، فَإِنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ الآخَرَ .. حُوِّلَ إِلَيْهِ  قال: (وكذا أخ أو عم) أشار بهذا إلى أن التخيير يجري أيضًا بين الأم وبين كمن على حاشية النسب، كالأخ والعم وابنيهما على الأصح.
لما روى الشافعي [1/ 288] عن عمارة الجرمي قال: خيرني علي رضي الله عنه بين أمي وعمي، وكنت ابن سبع أو ثمان سنين.
والثاني: لا، بل الأم أحق لقبها وولادتها كما قبل التمييز.
قال: (أو أب مع أخت أو خالة في الأصح) أي: إذا قدما عليه قبل التمييز كما تقدم، وظاهر إطلاق الكتاب و (أصله) و (الروضة) و (أصلها): جريان التخيير بين الأخت والأب من أي جهة كانت، وهو ظاهر في الشقيق وأخت لأم لإدلائهما بالأم، أما في الأخت للأب .. فلا كما صرح به الماوردي وغيره، واقتصاره على الأخ والعم في الأولى قد يوهم تخصيصه بالمحارم، وليس كذلك، بل الأصح: إلحاق ابن العم به.
وقطع سليم وغيه بأنه لا يثبت؛ لأنه ليس بمحرم لها، وجرى عليه في (المهذب) و (الذخائر) وغيرهما، وهو قوي.
كل هذا في الولد الذكر، فإن كان أنثى .. فالأم أحق بها قطعًا، كذا في (الروضة)، ونوزع في إدعاء القطع بأن جماعة من الأصحاب حكوا الوجهين من غير تفصيل بين الذكر والأنثى.
فعلى هذا: إنما يخير في ابن العم الذكر دون الأنثى؛ فإن الكفالة وإن لم تثبت له لا تسلم إليه، وإنما يؤمر بوضعها عند امرأة ثقة.
قال: (فإن اختار أحدهما ثم الآخر .. حول إليه)؛ لأنه حق له يتعلق بشهوته، فاتبع فيه إرادته؛ فإنه قد يبدو له الأمر على خلاف ما ظنه، وهذا ما إذا اختار أحد الرجلين عند اشتباه نسبه بينهما؛ فإنه لا يقبل رجوعه، وما إذا أخير الخنثى المشكل عن ميله إلى صنف لا يقبل رجوعه إليه، فإذا كثر التردد بحيث يغلب على الظن أن سببه نقصانه وقلى تمييزه .. أقر عند الأم كما قبل سن التمييز.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل