النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 403-442
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ

صفحات 403-442

فَيُعِيدُ فِي اَلْبَاقِي الَقْنُوُتَ، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةّ مِنَ اَلْمَغْرِبِ .. تَشَهَّدَ فِي ثَانِيَتِهِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا .. أَدْرَكَ اَلْرَّكْعَةَ  فإن قيل: في (صحيح مسلم) [602] (صل ما أدركت، واقض ما سبقك)، ولو كان ما أتى به أول صلاته لم يكن قاضيًا .. فالجواب: أن رواه الأول أكثر وأضبط؛ حتى قال أبو داوود: إن هذه الرواية انفرد بها ابن عيينة.
نعم؛ يستثنى من ذلك قراءة السورة في الأخيرتين على النص كما تقدم في (صفة الصلاة).
قال: (فيعيد في الباقي القنوت)؛ لأن محله آخر الصلاة.
قال: (ولو أدرك ركعة من المغرب .. تشهد في ثانيته)، وهذا بالاتفاق بيننا وبين الحنيفة، وهو دليل على أصل المسألة.
قال: (وإن أدركه راكعًا .. أدرك الركعة)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه .. فقد أدركها) صححه ابن حبان.
سواء كان الإمام بالغًا أو صبيًا.
وفيما إذا كان صبيًا وجه: أنه لا يكون مدركًا لها؛ لأنه ليس أهلاً للتحمل عن المأموم.
والمراد بـ (إدراكها): أن يلتقي هو وإمامه في حد أقل الركوع، حتى لو كان في الهوى والإمام في الارتفاع وقد بلغ في ركوعه حد الأقل قبل أن يرتفع الإمام عنه .. كان مدركًا، وإن لم يلتقيا فيه .. فلا، كذا نقله الرافعي عن الأئمة على اختلاف طبقاتهم.
والشرط في الركوع: أن يكون محسوبًا للإمام، فإن لم يكن كركوع المحدث، أو من قام إلى خامسة ساهيًا .. لم يكن مدركًا به على الأصح؛ لأنه إذا لم يحسب للإمام .. فالمأموم أولى.
وادعى الماوردي الإجماع على أن الركعة تدرك بالركوع، واعترض عليه بأن ابن خزيمة وأبا بكر الصبغي قالاً: إن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الركوع والقراءة، وإن من

قُلْتُ: بِشَرْطِ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَبْلَ اَرْتِفَاعِ اَلإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ اَلْرُّكُوعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ شَكَّ فِي إِدْرَاكِ حَدِّ اَلإِجْزَاءِ .. لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ فِي اَلأَظْهَرِ.
وَيُكَبِّرُ لِلإِحْرَامِ ثُمَّ لِلرُّكُوع، فَإِنْ نَوَاهُمَا بِتَكْبِيرَةٍ .. لَمْ تَنْعَقِدْ،  أدرك الركوع فقط .. يعيد الركعة، وهو مذهب أبي هريرة؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (من أدرك الإمام راكعًا .. فليركع معه وليعد الركعة).
وفي كتاب (القراءة خلف الإمام) للبخاري: أنه إنما جاز إدراك الركوع من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم الذين لم يروا القراءة خلف الإمام، فأما من رأى القراءة .. فلا.
وفي (الكفاية) عن بعض شارحي (المهذب): أنه إن قصر .. لم يدرك، وإلا .. أدرك.
أما صلاة الكسوف .. فلا تدرك الركعة فيها إلا بإدراك الركوع الأول كما سيأتي.
قال: (قلت: بشرط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع والله أعلم) لأن الركوع بدون طمأنينة لا يعتد به.
ومقتضى كلامه .. أنه لا فرق بين أن يقصر حتى يركع الإمام أم لا، كما قاله الإمام وأفتى به ابن الصلاح.
ولا فرق بين أن يتم الإمام الركعة فيتمها معه أم لا، بأن يدركه راكعًا ثم يحدث الإمام في السجود؛ لأنه أدركه في ركوع محسوب، بخلاف ما سيأتي في (صلاة الجمعة) كذا قاله القاضي والبغوي.
قال: (ولو شك في إدراك حد الإجزاء .. لم تحسب ركعته في الأظهر)؛ لأن الأصل عدم الإدراك.
والثاني: تحسب؛ لأن الأصل عدم ارتفاع الإمام عنه.
وقال زفر: تدرك الركعة بالاعتدال.
قال: (وكبر للإحرام ثم للركوع)؛ للأدلة السابقة.
قال: (فإن نواهما بتكبيرة .. لم تنعقد)، كما لو تحرم بفريضة ونافلة، بخلاف ما لو اغتسل للجنابة والجمعة.

وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ نَفْلاً، وَإِنْ لمَ يَنْوِ بِهَا شَيْئًا .. لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَى اَلْصَّحِيحِ.
وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي اَعْتِدَالِهِ فَمَا بَعْدَهُ .. اَنْتَقَلَ مَعَهُ مُكَبِّرًا، وَاَلأَصَحُّ: أَنَّهُ يُوَافِقَهُ فِي اَلْتَّشَهُدِ وَاَلْتَّسْبِيحَاتِ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي سَجْدَةِ .. لَمْ يُكَبِّرْ لِلاِنْتِقَالِ إِلَيْهَا  قال: (وقيل: تنعقد نفلاً)، كما لو أخرج دينارًا ونوى به الزكاة وصدقة التطوع، أو أعتق عبدًا ونوى به التطوع والكفارة.
قال: (وإن لم ينو بها شيئًا .. لم تنعقد على الصحيح)؛ لأن قرينة الافتتاح تصرفها له، وقرينة الهوى، تصرفها للهوى فتصير كما لو شرك.
والثاني: تنعقد نافلة كالوجه المتقدم؛ لأن الظاهر أنه لا يقصد الهوى ما لم يتحرم.
وبقي حالتان.
أحداهما: أنه ينوي الإحرام فقط .. فتصح صلاته.
والثانية: ألا ينوي الهوى فقط .. فلا تنعقد.
قال: (ولو أدركه في اعتداله فيما بعده.
انتقل معه مكبرًا)؛ موافقة للإمام وإن لم يكن محسوبًا للمأموم.
قال: (والأصح: أنه يوافقه) أي: استحبابًا (في التشهد والتسبيحات)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (فلا تختلفوا عليه).
والثاني: لا يستحب ذلك؛ لأنه غير محسوب له، فلا يأتي به كما لو أدركه في السجدة الأولى أو الثانية أو التشهد .. فإنه لا يكبر للانتقال إليه.
وفي (الحاوي) وجه: أنه يجب عليه أن يوافقه في التشهد الأخير.
قال: (وأن من أدركه في سجدة .. لم يكبر للانتقال إليها)؛ لأنه غير محسوب له، ولا موافقة للإمام في انتقاله إليها بخلاف الركوع، لكن يكبر بعد ذلك إذا انتقل مع الإمام في السجود أو غيره موافقة له.
والثاني: يكبر كما في الركوع.
وقال القفال: يكبر إذا أدركه في السجدة الأولى دون الثانية.

وَإِذَا سَلَّمَ اَلإِمَامُ .. قَامَ اَلْمَسْبُوقُ مُكَبِّرًا إِنْ كَانَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ، وَإِلاَّ .. فَلاَ فِي اَلأَصَحِّ  قال: (وإذا سلم الإمام .. قام المسبوق مكبرًا إن كان موضع جلوسه)، كما إذا أدركه في ثالثة الرباعية أو ثانية المغرب .. فإنه لوكان وحده كان لكان هكذا يفعل.
قال: (وإلا .. فلا في الأصح)؛ لأنه ليس موضع تكبيره، وليس فيه موافقة الإمام.
والثاني: يقوم مكبرًا؛ لأنه انتقال فلا يخليه عن ذكر.
تتمة: يستحب أن لا يقوم المسبوق حتى يسلم الإمام الثانية؛ ليحوز فضلها، قاله القاضي.
قال ابن الرفعة: وعن بعض علماء زماننا: أنه لا يفعل ذلك، فإن فعله .. بطلت صلاته - قال - ووقع لي فيه تفصيل حسن، وهو: إن كان جلوسه مع الإمام في التشهد الأخير في محل تشهده الأول .. فكما قال القاضي، وإلا .. فكما قال الآخر.
وفي كلام القاضي في (باب سجود السهو) ما يفهمه.
... خاتمة إذا كانت علية صلاة الظهر مثلاً، وأتى في وقت العصر فوجد الجماعة مقامة لصلاة العصر فما الأولى في حقه؟ قال في (شرك المهذب): يصلي الظهر منفردًا، ثم إن إدراك الحاضرة معهم،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإلا .. صلاها منفردًا أيضًا؛ لأن الترتيب مختلف في وجوبه، وكذلك إيقاع صلاة خلف أخرى، والخروج منها أولى، وذكر نحوه في زوائد (الروضة) في (صفة الصلاة).
والمنقول المعتمد: أنه يصلي العصر في الجماعة؛ لأنها متأكدة أكثر، والخلاف عندنا: في أنها قرض عين أو لا؟ وممن نص على المسألة البغوي في (فتاويه)، والغزالي في (الإحياء)، وابن أبي الصيف، وصاحب (التعجيز) وغيرهم.


بابُ صَلاَةِ اَلْمُسَافِرِ

باب صلاة المسافر

خص الله تعالى المسافر في إقامة الصلوات الخمس بنوعين من التخفيف: القصر والجمع، وأهمهما القصر، وهو مجمع عليه، فلذلك بدأ به المصنف.
و (المسافر): الملتبس بالسفر وهو: قطع المسافة، وجمعه: أسفار، سمي سفرًا، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال أي: يكشفها، من قولهم: سفرت المرأة عن وجهها إذا أظهرته.
والأصل في القصر قوله تعالى: ﴿وإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآية، فأباحه بشرط الخوف، وبينت السنة جوازه عند الأمن: روى مسلم [686] عن يعلي بن أمية أنه قال لعمر: ما لنا نقصر وقد أمنا، وقد شرط الله تعلى الخوف؟! فقال: عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته).
وروى ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (خيار أمتي من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والذين إذا أحسنوا .. استبشروا، وإذا اساؤوا .. استغفروا، وإذا سافروا .. قصروا وأفطروا).
و (كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يقصر في أسفاره غازيًا وحاجًا ومعتمرًا).
وفي (الصحيحين) [خ 1084 - م695] عن ابن مسعد قال: (صليت مع النبي صلي الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين).
وقال ابن عمر: (سافرت مع النبي صلي الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين).
ولا خلاف بين المسلمين في جوازه.

إَنَّمَا تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةٌ مُؤَداَّةٌ فِي اَلْسَّفَرِ اَلطَّوِيلِ اَلْمُبَاحِ،  قال: (إنما تقصر ربعاية مؤداة في السفر الطويل المباح) أما جواز قصر الرباعية .. فبالإجماع.
واحترز بذلك عن المغرب والصبح .. فلا تقصران؛ لأن الصبح لو قصرت .. لم تكن شفعًا؛ فتخرج عن موضوعها، والمغرب لا يمكن قصرها إلى شطرها، ولا أن تكمل الثانية فلا تكون وترًا، ولا الاقتصار على ركعة لخروجها بذلك عن باقي الصلوات.
وحكي عن محمد بن نصر المروزي: أنه جوز قصر الصبح في الخوف إلى ركعة، وهو مذهب ابن عباس، وفي (صحيح مسلم) [687]: (فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة).
وأجيب عنه بأنه يصلي في الخوف مع الإمام ركعة وينفرد بأخرى .. وبقية القيود شرحها المصنف.
ونقل صاحب (البيان) والحناطي قولاً: أنه يجوز القصر في السفر القصير بشرط الخوف، هكذا نقله الشيخان في هذا الباب هنا، ثم نفاه في (شرح المهذب) في (كتاب الحج) فقال: لا يجوز القصر إلا في السفر الطويل عندنا بلا خلاف.
ومراده بـ (المباح): ما نفي عنه الحرج، كما هو اصطلاح المتقدمين من الأصوليين، فيندرج في ذلك الواجب كسفر الحجر، والمندوب كزيارة قبر رسول الله صلي الله عليه وسلم وحج التطوع ولطلب العلم وزيادة الوالدين، والمستوى الطرفين صلي الله عليه وسلم وحج التطوع ولطلب العلم وزيارة الوالدين، والمستوى الطرفين كالتجارة والنزاهة؛ لأنه صلي الله عليه وسلم وأصحابه قصروا في العود إلى المدينة، وهو مباح.

لاَ فَائِتَةُ اَلْحَضَرِ.
وَلَوْ قَضَي فَائِتَةَ اَلْسَّفَرِ.
فَالأَظْهَرُ: قَصْرُهُ فِي اَلْسَّفَرِ دُونَ اَلْحَضَرِ  والمكروه كسفر المنفرد عن رفيق والسفر يوم الجمعة إذا لم نقل بتحريمه، ولا يخرج عنه إلا سفر المعصية وهو كذلك على الصحيح.
لكن يرد عليه ما إذا نذر أن يصلي أربع ركعات في وقت الظهر مثلاً .. فإن قصرها لا يجوز مع أنها صلاة رباعية مؤداة، وكذا جمعها مع منذورة مثلها أو فرض أصلي .. ولو قال قائل: إنهما جائزان بناء على أن المنذور يسلك به مسلك الواجب .. لكان محتملاً.
نعم؛ يرد على حصره ما ذكره بعد هذا من جواز قصر فائتة السفر في السفر.
قال: (لا فائتة الحضر)؛ لأنها ترتبت في ذمته أربعًا.
وجوز المزني قصرها فيه اعتبارًا بوقت الفعل، كما لو فاتته وهو صحيح فقضاها وهو مريض قاعدًا.
ولو شك: هل فاتت في السفر أو الحضر؟ .. لم يقصر؛ لأن الأصل الإتمام.
ولو سافر وقد بقي من الوقت ما لا يسع الصلاة، فإن قلنا: إنها أو بعضها قضاء .. لم يقصر، وإلا .. قصر.
قال: (ولو قضى فائتة السفر .. فالأظهر: قصره في السفر دون الحضر)؛ نظرًا إلى قيام العذر المرخص.
والثاني: يقصر فيهما؛ لأنه إنما يلزمه في القضاء ما كان يلزمه في الأداء.
والثالث: يتم فيهما؛ لأنها صلاة ردت إلى ركعتين فإذا فاتت .. أتى بأربع كالجمعة.

وَمَنْ سَافَرَ مِنْ بَلْدَةٍ .. فَأَوَّلُ سَفَرِهِ: مُجَاوَزَةُ سُورِهَا، فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عِمَارَةٌ .. اشَترِطَ مُجَاوَزَتُهَا فِي الأَصَحِّ.
قُلْتُ: اَلأَصَحُّ: لاَ يُشْتَرَطُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُورٌ .. فَأَوَّلُهُ: مُجَاوَزَةُ اَلْعُمْرَانِ، لاَ اَلْخَرَابِ  والرابع: إن قضى في ذلك السفر .. قصر، وإن قضى في سفره أخرى .. أتم.
قال: (ومن سافر من بلدة) هو منون لا مضاف، والبلدة والبلد واحد البلاد والبلدان.
قال: (.. فأول سفره: مجاوزة سورها)؛ لأن جميع ما أحاط به السور معدود منها.
والمراد: السور العامر المخصوص بها، فالمستهدم كالعدم.
ولوكان لها سور من بعض الجهات، فإن كان في جهة مقصده .. أعتبر مجاوزته، وإلا .. فما اتصل بالعمران.
قال: (فإن كان وراءه عمارة .. اشترط مجاوزتها في الأصح)؛ لأنها من مواضع الإقامة المعدودة من توابع البلد ومضافاتها حكمًا.
قال: (قلت: الأصح: لا يشترط والله أعلم) لأن تلك الأبنية لا تعد من البلد، ألا تراهم يقولون: موضع كذا خارج البلد.
لكن المصنف وافق الرافعي في الصوم على اعتبار العمران فيما إذا نوى المقيم ليلاً، ثم سافر وفارق العمران ... قبل الفجر .. فإنه يفطر، وإلا .. فلا.
ولو كان خارج السور نهر أو رباط أو منازل متفرقة أو قنطرة .. اشترط مفارقتها.
ولا يشترط مجاوزة المقابر المتصلة بالبلد عند الجمهور، ولا مفارقة الخندق المحيط بالبلد.
قال: (فإن لم يكن سور .. فأوله: مجاوزة العمران)؛ ليفارق مواضع الإقامة.
قال: (لا الخراب)؛ لأنه لا يفصد للسكنى، كذا أطلقه هنا، وهو المنقول عن البغوي والغزالي، والموافق للنص.
وصحح في (شرح المهذب) - تبعًا العراقيين والجويني -: أن حيطان الخراب إن

وَاَلْبَسَاتِينِ، وَاَلْقَرْيَةُ كَبَلْدَةٍ.
وَأَوَّلُ سَفَرِ سَاكِنِ اَلْخِيَامِ: مُجَاوَزَةُ اَلْحِلَّةِ  كانت قائمة .. فلابد من مجاوزتها؛ لأنه يعد من البلد، أما إذا اندرس الخراب ولم يبق له أثر .. فلا يشترط مجاوزته قطعًا.
ومحل الخلاف: إذا لم يكن وراء الخراب عمارة معدودة من البلد، فإن كانت .. فهو من البلد، كالنهر المتخلل بين جانبيها، فيجب مجاوزة منتهى العمارة اتفاقًا.
قال: (والبساتين)؛ لأنها ليست للإقامة والسكنى.
وزاد في (المحرر) المزارع، وحذفه المصنف؛ لأنه يؤخذ من البساتين من باب أولى.
وقيل: لابد من مجاوزتها.
وسواء في البساتين المحوط وغيره خلافًا للغزالي.
قال الرافعي: إلا إذا كان فيها قصورًا أو دور يسكنها ملاكها، في بعض الفصول أو دائمًا .. فلابد من مجاوزتها، وتبعه في (الروضة).
وقال في (شرح المهذب): الظاهر أنه لا يشترط.
قال: (والقرية كبلدة) في جميع ما ذكر، فلا يشترط مجاوزة خرابها ومزارعها والبساتين والقرى المتصلة .. كالقرية خلافًا لابن سريج.
و (القرية): المصر، والجمع: قرى على غير قياس.
قال: (وأول سفر ساكن الخيام: مجاوزة الحلة) وهي بكسر الحاء: بيوت مجتمعة؛ لأنها كدور البلد.
وإن كانت تعد حلتين .. كفت مفارقة حلته كالقريتين.
وضابط الحلة الواحدة: أن يجمعهم ناد واحد، ويستعير بعضهم من بعض.
وفي وجه: لا تشترط مفارقة الخيام، وتكفي مفارقة خيمته والموضع المختص به.
وإنما قال: (الحلة) ولم يقل الخيام؛ ليشمل المرافق كمطرح الرماد وملعب

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الصبيان والنادي ومعاطن الإبل ومرتكض الخيل، فكل هذه تشترط مجاوزتها؛ فلا معدودة من الحلة.
وإن كان في ربوة .. لابد أن ينزل، أو وهدة .. فلابد أن يصعد.
فلو كان لا خيمة له بل يأوي إلى بقعة من البئر .. اشترطت مجاوزة ذلك الموضع نص عليه.
ولو سافر في البحر والساحل متصل بالبلد .. قال البغوي: لم يقصر حتى تجري به السفينة.
ولو كانت السفينة كبيرة لا تتصل بالساحل وينقل المتاع إليها بالزوارق .. قصر في الزورق.
فائدة: الخيمة عند العرب بيت تبنيه من أربعة أعواد من الشجر وتسقفه بالثمام ونحوه، واشتقاقها: من الخيم بكسر الخاء وهو: الأصل؛ لأنها صارت كالمنزل الأصلي، وجمعها: خيم كتمرة وتمر، ثم جمعوا الخيم على خيام ككلب وكلاب، فالخيام جمع الجمع، كذا قاله المصنف والواحدي والأزهري وابن الأعرابي.
قالوا: والمتخذ من ثياب أو شعر أو صوف لا يقال له: خيمة إلا على جهة التجوز.
وقال سيبويه: الخيام جمع كثرة، وخيمات جمع قلة.
وقال ابن سيده: الخيمات والخيام جمع خيمة.

وَإِذَا رَجَعَ .. اَنْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ اَبْتِدَاءَ  وقال ابن عطية وأبو حيان: الخيام جمع خيمة، وتكون من الخشب والثياب، وخيام الجنة اللؤلؤ.
وفي (البخاري) [4880]: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها ستون مثلاً، في كل زاوية منها أهل لا يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون".
وفي الحديث: (الشهيد في خيمة الله تحت العرش) أستعارها لظل رحمة الله وروضوانه وأمنه.
قال: (وإذا رجع .. انتهى سفره ببلوغه ما شرط مجاوزته ابتداء) من سورة أو بنيان أو حلة، فينقطع الترخيص بمجرد ذلك.
هذا إذا رجع من مسافة القصر إلى وطنه، أو إلى غير وطنه بنية الإقامة، فإن رجع مما دونها: فإن كان بنية الإقامة .. انقطع سفره بمجرد رجوعه، وإن كان لحاجة كأخذ شيء نسيه وتجديد طهارة ونحوها: فإن كان البلد الذي رجع إليه وطنه .. فليس لهالترخيص في رجوعه إلا على وجه شاذ، وإن لم يكن .. فله الترخيص في الأصح.
وشملت عبارة المصنف إذا مر المسافر بوطنه قاصدًا الخروج منه إلى غيره .. فإنه ينقطع سفره على الصحيح لحصوله فيه.
وعلى هذا: إذا أنشأ سفرًا من مكان إلى مسافة يومين ووطنه فيما بينهما قاصدًا المرور .. لم يترخص، ولا يلحق بالوطن البدل الذي له بها أهل وعشيرة على الأصح.
وحيث حكمنا بأنه إذا عاد لا يترخص، فنوى العود ولم يعد .. لم يترخص وصار بالنية مقيمًا.
وَلَوْ نَوَى إِقَامَةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ بِمّوْضِعِ .. اَنْقَطَعَ سَفَرُهُ بِوُصُولِهِ، وَلاَ يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمًا دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ عَلَى اَلْصَّحِيحِ  قال: (ولو نوى إقامة أربعة أيام بموضع .. انقطع سفره بوصوله)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (يمكث) المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا)، رواه مسلم [1352]. وكانت الإقامة قبل فتحها حرامًا على المهاجرين، فدل على أن نية الثلاثة لا تصيره مقيمًا.
و (قد أقام النبي صلي الله عليه وسلم بمكة في حجة الوداع ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج).
ومنع عمر أهل الذمة من الإقامة بالحجاز، وجوز للمجتازين ثلاثة أيام.
ثم لا فرق على الأصح - في الموضع الذي نوى الإقامة فيه - بين أن يصلح للإقامة أم لا كالمفازة.
والذي أطلقه المصنف له شرطان: أحدهما: أن يكون ماكثًا، فإن نوى إلغاء المسافة وهو سائر .. لم يؤثر على المشهور.
الثاني: أن يكون الناوي مستقلاً بنفسه، فلو نوى العبد أو الزوجة أو الجيش ولم ينو السيد ولا الزوج ولا الأمير .. ففي لزوم الاتمام وجهان أقواهما: أن لهم القصر؛ لأنهم غير مستقلين فنيتهم كالعدم.
قال: (ولا يحسب منها يومًا دخوله وخروجه على الصحيح)؛ لأنه فيهما مشغول بأسباب الحط والترحال، وهما من أشغال السفر.
والثاني: يقصر المقاتل وإن نوى إقامة الأربعة؛ لأنه يضطر إلى الارتحال، فلا يكون له قصد جازم.

وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ بِنِيَّةِ أَنْ يَرْحَلَ إِذَا حَصَلَتْ حَاجَةٌ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ .. قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا  وقال المزني: لا يصير المسافر مقيمًا إلا إذا نوى خمسة عشر يومًا.
واختار الشيخ مذهب أحمد وابن المنذر: أن الرخصة لا تتعلق بعدد الأيام، بل بعدد الصلوات، فتتعلق بإحدى وعشرين صلاة مكتوبة؛ لأنه المحقق من فعل النبي صلي الله عليه وسلم؛ فإنه قدم مكة يوم الأحد لصبح رابعة من ذوي الحجة، وأقام بها إلى أن صلى الصبح يوم الخميس بالأبطح, والأيام المغتفرة يغتفر معها لياليها، ولو دخل ليلاً .. لم تحسب بقية الليلة.
قال: (ولو أقام ببلد بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت .. قصر ثمانية عشر يومًا)؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أقام في حرب هوازن ثمانية عشر يومًا يقصر الصلاة ينتظر انجلاء الحرب، رواه أبو داوود [1222] والبيهقي [3/ 157] عن عمران بن حصين.
قال ابن عباس: فمن أقام ذلك .. قصر، ومن زاد عليه .. أتم.
وفي (البخاري) [1080] (أنه أقام يقصر تسعة عشر يومًا).
وفي (أبي داوود) [1228] عن جابر: (أنه عليه الصلاة السلام أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة)، وصححه ابن حبان [2749] في رواية لهما [د 1225 - حب 2750]: (سبع عشرة)، وفي رواية لأبي داوود [1224] وابن ماجه [1076]: (خمسة عشر ليلة).
وما رجحوه من القصر إلى ثمانية عشر يومًا يحتمل اطراده في باقي الرخص كالفطر وغيره، ويدل له تعبير (الوجيز) بالترخص، ويحتمل اختصاصه بالقصر؛ لأنهم إذا منعوه فيما زاد على الثمانية عشر لعدم وروده مع أن أصله قد ورد .. فالمنع فيما لم يرد بالكلية بطريق أولى، وهذا أقوى.

وَقِيلَ: أَرْبَعَةً، وَفِي قَوْلٍ: أَبَدًا،  قال: (وقيل: أربعة)، وهو قول أبي إسحاق؛ لأن الترخيص إذا امتنع بنية إقامتها فإقامتها .. أولى، ثم يعود على هذا الوجه ما تقدم في كيفية احتساب الأربعة، وغليه أشار في (المحرر) بقوله: كما وصفنا، أي: فلا يحسب يومًا الدخول والخروج، كذا شرحه الشيخ.
واعترض شيخنا على المصنف في حكاية هذا الوجه بأمرين: أحدهما: تحديده بالأربعة، وكان حقه أن يقول: دون الأربعة.
والثاني: جعله إياه وجهًا، وإنما هو قول كما صرح به في (الشرح) و (الروضة) أهـ والذي دل عليه كلام الرافعي .. أن له القصر في الأربعة بلا خلاف، وأن الخلاف فيما فوقها، لكن القطع في الأربعة بالجواز غير صحيح من جهة أن الإمام حكى قولاً: أنه يقصر ثلاثة أيام، فإن أقام بعدها .. أتم، وكذلك حكاه الفوراني.
وهذا هو الوجه الذي حمل عليه شيخنا كلام (المنهاج)، لكن لم يحكه الرافعي ولا المصنف.
وحكى ابن الرفعة في (الكفاية) القول بالأربعة عن الشيخ أبي إسحاق، وهو منطبق على كلام (المنهاج) وبذلك شرحه الشيخ.
قال: (وفي قول: أبدًا) نص عليه في (الإملاء)، وهو من زيادات الكتاب على (المحرر) وعللوه بأن الظاهر: أنه لو زادت الحاجة .. لدام رسول الله صلي الله عليه وسلم على القصر.
قال الإمام: وهذا يقرب من القطعيات.
وروى البيهقي [3/ 152] بإسناد صحيح - أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة ويقول: (اليوم أخرج غدًا أخرج).
وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين يقصر.

وَقِيلَ: اَلْخِلاَفُ فِي خَائِفِ اَلْقِتَالَ، لاَ اَلْتَّاجِرِ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ عَلِمَ بَقَاءَهَا مُدَّةً طَوِيلَةَ .. فَلاَ قَصْرَ عَلَى اَلْمَذْهَبِ .....

 وأقام علقمة بخوارزم ستين يقصر.
وفي حديث صحيح: (أن الصحابة أقاموا برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة)، فدل فعلهم مع النكير على أنه جماع.
وأجاب الجمهور بأن الصحابة كانوا ينتقلون من بلد إلى بلد، وبأنه معارض بقول ابن عباس.
وقيل: يجوز سبعة عشر، وقيل: تسعة عشر، وقيل: عشرين؛ للروايات السابقة.
قال: (وقيل: الخلاف في خائف القتال، ولا التاجر ونحوه)، فلا يقصر التاجر ونحوه، ويقصر خائف القتال؛ لأنه أحوج إلى الترخيص من غيره.
وأجاب الأول بأن القتال ليس هو المرخص، وإنما المرخص وصف السفر، وهو وغيره فيه سواء.
قال: (ولو علم) أي: المحارب وغيره (بقاءها مدة طويلة .. فلا قصر على المذهب)؛ لأنه مطمئن ساكن بعيد عن هيئة المسافرين.
وقيل: يجري فيه الخلاف كغيره، للأحاديث المتقدمة.
تتمة: إذا خرجوا من البلد وأقاموا في موضع ينتظرون الرفقة: فإن قصدوا أنهم إن خرجوا سافروا كلهم وإلا رجعوا .. لم يقصروا، إن قصدوا أن ينتظروهم يومين أو ثلاثة فإن لم يخرجوا سافروا وتركوهم .. فلهم القصر.
وقال في (البحر): لو أقام في المراسي في المواضع التي تحبس فيها السفن .. فهو كالمقام في البر ولا يختلف، فإن أزمع أربعة أيام .. أتم، وإن لم يزمع، قصر، فإن حبسه الريح وأقام ينتظره .. قصر أربعة أيام، فإذا مضت الأربع .. أتم.

فَصْلٌ: طَوِيلُ اَلْسَّفَرِ: ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلاً هَاشِمِيَّةَ  قال: (

فصل

: طويل السفر: ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية)؛ لما روي البيهقي [3/ 173]- بسند صحيح - عن ابن عباس أنه سئل: أقصر إلى عرفة؟ قال: (لا، ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف)، وهذه الأمكنة كل واحد منها بينه وبين مكة أربعة برد، وروى [3/ 137] بإسناده عن عطاء بن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوقها.
وذكر هذا البخاري في (صحيحه) تعليقًا بصيغة جزم، ومثل ذلك لا يقال إلا بتوقيف.
وقيل: إنه رفعه إلى النبي صلي الله عليه وسلم، فيكون ذلك مخصصًا لعموم الآية.
وقال الليث بعد سعد: هذا الذي عليه الناس.
واستحب الشافعي أن لا يقتصر في أقل من ثلاثة أيام للخروج من خلاف أبي حنيفة.
ونقل في (الحاوي) عنه في (كتاب النكاح): أنه كره في أقل من الثلاث، وجزم به أيضًا في (كتاب الرضاع).
و (الميل): اسم لمسافة معلومة متسعة، لا يكاد بصر الرجل يلحق آخره،

قُلْتُ: وَهِيَ مَرْحَلَتَانِ بِسَيْرِ اَلأَثْقَالِ،  وهو: أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ثلاثة أقدام.
وهو: ستة آلاف ذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضات، كل إصبع ست شعيرات معترضات.
وهذهالمدة معتبرة ذهابًا، وفي وجه ضعيف: ذهابًا وإيابًا.
والأصح: أن ذلك تحديد.
ووقع في (رؤوس المسائل): أنه تقريب.
والفرق على لا أصح بينه وبين القلتين: أن تقدير الأميال ثابت عن الصحابة بخلاف تقدير القلتين؛ فإنه لا توقيف في تقديرهما بالأرطال، فلذلك كان الأصح فيهما التقريب.
ونسب الرافعي وابن الرفع الأميال الهاشمية إلى هاشم جد النبي صلي الله عليه وسلم؛ لأنه قدرًا أميال البادية.
والصواب: أنها منسوبة إلى بني هاشم؛ فإنهم فعلوا ذلك حين أفضت الخلافة إليهم، فإن بني سبقوهم إلى تقديرها بأميال هي أكثر من هذه فغيروا ذلك التقدير، نبه عليه ابن الصلاح وغيره.
و (البريد) على المشهور: أربعة فراسخ، و (الفرسخ): ثلاثة أميال هاشمية.
وحد الشافعي في (البويطي) المسافة بما ذكره المصنف، وفي (المختصر) بستة وأربعين، وفي القديم بأربعين، وقال في موضع: مسيرة يوم، وفي موضع: مسيرة يومين، وفي موضع: مسيرة ليلتين، وفي موضع: مسيرة يوم وليلة، وفي موضع: بأربعة برد، وكل هذا واحد: فالستة والأربعون لم يعتبر فيها الميل الذي يبدأ به ولا الذي ينتهي إليه.
والأربعون أموية ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية؛ لأن كل خمسة منها ستة.
وحيث قال: يومًا أراد بليلته، وحيث قال: يومين أراد بلا ليلة، وحيث قال: ليلتين أي: بلا يوم، وحيث قال: يومًا وليلة أرادهما.
قال: (قلت: وهي مرحلتان بسير الأثقال)، وكلك دبيب الأقدام؛ لأن بذلك ضبطه الأولون، كذا نص عليه واتفقوا عليه.

واَلَبْحْرُ كَاَلْبَرِّ، فَلَوْ قَطَعَ اَلأَمْيَالَ فِيهِ فَي سَاعَةٍ.
قَصَرَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعِ مُعَيَّنِ أَوَّلاً، فَلا قَصْر لِلْهَائِمِ وَإِنْ طَالَ تَرَدُّدُهُ،  قال: (والبحر كالبر، فلو قطع الأميال فيه في ساعة .. قصر والله أعلم)؛ لأنها مسافة صالحة للقصر، فلا يؤثر قطعها في زمن يسير كما لو قطعها في البر على فرس جواد في بعض يوم.
وفي وجه: أنه لا يجوز القصر للملاح إذا كان أهله وماله معه، والأصح: أنه يقصر.
فلو شك في المسافة .. فالنص: لا قصر، وقال الأصحاب: يجتهد فإن لم يظهر له أنها القدر المعتبر .. لم يقصر، وحملوا النص على ذلك.
وسمى البحر بحرًا؛ لعمقه واتساعه، والجميع: أبحر وبحار وبحور، وكل نهر عظيم بحر.
قال: (ويشترط قصد موضع معين أولاً) وينبغي أن يزاد: لغرض مباح مقصود؛ فإنهم قالوا: لو سافر لا لغرض لم يقصر.
ويشترط: أن لا ينوي الإقامة - في كل مرحلة - مدة تقطع الترخيص.
قال: (فلا قصر للهائم) وهو: المتحير الذي ركب البر بلا قصد معلوم، مع أنه لا يرجع بل يمضي على وجهه.
وقد جمع الغزالي بين الهائم وراكب التعاسيف.
قال أبو الفتوح العجلي: هما عبارة عن شيء واحد وليس كما قال، بل الهائم: الخارج على وجه لا يدري أين يتوجه وأنسلك طريقًا مسلوكًا، وراكب التعاسيف لا يسلك طريقًا، فهما مشتركان في أنهما لا يقصدان موضعًا معلومًا وإن اختلفا فيما ذكرناه.
قال: (وإن طال تردده) كألف فرسخ؛ لأنه لا يدري: أسفره طويل أم لا؟ وفي وجه: أنه إذا بلغ مسافة القصر .. يقصر، وهو شاذ منكر.

وَلاَ طَالِبِ غَرِيمٍ وَابِقٍ يَرْجِعُ مَتَى وَجَدَهُ وَلاَ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ.
وَلَوْ كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ: طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ، فَسَلَكَ اَلْطَّوِيلَ لِغَرَضٍ كَسُهُولَةٍ أَوْ أَمْنٍ .. قَصَرَ،  وقوله: (أولاً) أي: في ابتداء سفره.
وقيل: ذلك لا يضر.
ولو قصد أولاً مقصدًا معينًا، ثم نوى أنه إن وجد غريمه رجع، فإن حدث له هذا القصد قبل مفارقة العمران .. لم يقصر.
أما المنتج وهو: من يطلب الكلأ وقصده الإقامة إذا وجده .. فإنه لا يقصر وإن طال سفره.
فرع: لو نوى الكافر أو الصبي السفر إلى مسافة القصر، ثم أسلم وبلغ في أثناء الطريق .. فلهما القصر في بقيته، هكذا في زيادات (الروضة).
وفي (فتناوي البغوي): أن الصبي يقصر دون من أسلم.
قال: (ولا طالب غريم وآبق يرجع متى وجده ولا يعلم موضعه)؛ لأنه في معنى الهائم إذ لا يتحقق طول السفر وهو شرط.
قال: (ولو كان لمقصده طريقان: طويل وقصير، فسلك الطويل لغرض كسهولة أو أمن .. قصر)؛ لأنه غرض معتبر شرعًا، وكذا إذا قصد زيارة صديق في مروره ونحو ذلك ... وهل التنزه من الأغراض حتى يقصر أولاً؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم.
و (المقصد) بكسر الصاد كما ضبطه المصنف بخطه.
والمراد بـ (الطويل): مسافة القصر فأكثر، وبـ (القصير): دون ذلك.
أما إذا كان كل منهما مسافة القصر، وأحدهما أطول .. فإنه يقصر جزمًا، وفيه نظر؛ لأن إتعاب النفس بلا غرض حرام.

وَإِلاَّ .. فَلاَ فِي اَلأَظْهَرِ .. وَلَوْ تَبعَ اَلْعَبْدُ أَوِ اَلْزَّوْجَةُ أَوِ اَلْجُنْدِيُّ مَالِكَ أَمْرِهِ فِي اَلْسَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُ مَقْصَدَهُ .. فَلاَ قَصْرَ، فَلَوْ نَوَوْا مَسَافَةَ اَلْقَصْرِ .. قَصَرَ اَلْجُنْدِيُ دُونَهُمَا.

 قال: (وإلا .. فلا في الأظهر) يعني: إذا لمي كن له غرض في سلوك الطويل .. لا يقصر؛ لأنه طول الطريق على نفسه من غير غرض فصار كما لو سلك القصير وجعل يذهب يمينًا وشمالاً مطولاً على نفسه حتى بلغت المسافة مرحلتين، فإنه لا يقصر بالاتفاق.
والثاني: يقصر؛ لأنه سفر مباح تقصر الصلاة في مثله، فأشبه ما إذا لم يكن له سواه، وقصد الترخيص غرض صحيح؛ فإن اله يحب أن تؤتي رخصة كما يحب أن تؤتي عزائمه.
والأول أصح، وقول الثاني: إنه سفر مباح ممنوع بل هو محرم؛ لأن الله تعالى يبغض المشائين في الأرض من غير إرب، ولأن تعذيب الدابة يركضها لغير غرض حرام، فتعذيب نفسه أولى بالتحريم.
ولا خلاف أنه إذا سلك الأقرب .. لا يقتصر.
ونظير الخلاف في المسألة: ما إذا سلك الجنب في خروجه من المسجد الطريق الأبعد من غير غرض، والأصح من زوائد (الروضة): لا يكره.
قال: (ولو تبع العبد أو الزوجة أو الجندي مالك أمره في السفر ولا يعرف مقصده .. فلا قصر)؛ لفقد الشرط وهو تحقيق السفر الطويل.
هذا قبل مرحلتين، فإذا ساروا مرحلتين .. قصروا وإن لم يعرفوا القصد، نبه عليه في (شرح المهذب)، كما لو أسر الكفار رجلاً فساروا به ولم يعلم أين يذهبون به .. فإنه لا يقتصر إلا إذا سار معهم يومين، نص عليه.
وأفهمت العبارة .. أنهم إذا عرفوا المقصد، وكان مسافة القصر، ونووا .. فلهم القصر وهو كذلك.
قال: (فلو نووا مسافة القصر .. قصر الجندي دونهما)؛ لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره، كذا قاله البغوي والرافعي والمصنف في (الروضة) هنا.

وَمَنْ قَصَدَ سَفَرًا طَوِيلاً فَسَارَ ثُمَّ نَوَى رُجُوعًا .. اَنْقَطَعَ، فَإنْ سَارَ .. فَسَفَرٌ جَدِيدٌ.
وَلاَ يَتَرَخَّصُ اَلْعَاصِيِ بِسَفَرِهِ كَابِقِ وَنَاشِزَهِ،  وقال فيها قبل ذلك في (زياداته): لو نوى العبد إقامة أربعة أيام أو الزوجة أو الجيش، ولم ينو السيد ولا الزوج ولا الأمير .. ففي لزوم الإتمام في حقهم وجهان، الأقوى: أن لهم القصر؛ لأنهم لا يستقلون فنيتهم كالعدم.
وظاهره في الجيش مخالف لما ذكره هنا في الجندي.
قال الشيخ: والذي يقتضيه الفقه: أن الجندي إن تبع في سفر تجب طاعته فيه كالقتال .. فكالعبد، وإلا .. فهو مستقل ورفيق طريق .. فيحمل كلام المصنف هنا على القسم الثاني ورفيق طريق.
فيحمل كلام المصنف هنا على القسم الأول.
قال: (ومن قصد سفرًا طويلاً فسار ثم نوى رجوعًا.
.. انقطع) سفره، فلا يترخص ما دام في ذلك الموضع.
قال: (فإن سار .. فسفر جديد) فيعتبر في جواز القصر أن يقصد مرحلتين سواء رجع، أو يطل عزمه وسار إلى مقصده الأول، أو توجه إلى غيرهما.
قال: (ولا يترخص العاصي بسفره كآبق وناشزة)، والمسافر لقطع الطريق، والغريم يهرب وهو قادر على الوفاء؛ لأن القصر رخصة شرعت إعانة للمسافر على مقاصده والعاصي لا يعان، و (لا تناط رخصة بمعصية)، ففي الحديث: (لا ينال ما عند الله بالمعاصي).
وخالف المزني فقال: يقصر؛ لعموم الآية.
وألحق به الصيدلاني السفر لا لغرض؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا﴾.
قال الجويني: من الأغراض الفاسدة سفر الصوفية لنظر البلاد؛ فإنهم هائمون على وجوههم ليس لهم غرض في مقصد معين، بل يسافرون طعمة طيبة فإن وجدوها بموضع.
أقاموا به.
واختار الإمام: أنهم لا يترخصون بذلك.

فَلَوْ أَنْشَأَ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةَ .. فَلاَ تَرْخُّصَ فِي اَلأَصَحِّ، وَلَوْ أَنْشَأَهُ عَاصِيًا ثُمَّ تَابَ .. فَمَنْشَأُ اَلْسَّفَرِ مِنْ حِينِ اَلْتَّوْبَةِ.
وَلَوِ اَقْتَدَى بِمًتِمَّ لَحْظَةَ .. لَزِمَهُ اَلإِتْمَامُ  ولو ارتكب في السفر المباح المعاصي .. فله القصر؛ لأن مصيعته ليست هي المرخصة.
قال: (فلو أنشأ مباحًا) أي: كسفر التجارة (ثم جعله معصية .. فلا ترخص في الأصح)، كمال وأنشأه بنية المعصية.
والثاني: يترخص؛ مراعاة لأول الأمرين.
قال: (ولو أنشأه عاصيًا ثم تاب .. فمنشأ السفر من حين التوبة)، فإن كان منه إلى مقصده مسافة القصر .. قصر، وإلا .. فلا.
وقيل: بطرد القولين.
لكن يستثنى من إطلاق المصنف إذا عصى بسفره يوم الجمعة .. فإنه لا يجوز له الترخيص ما لم تفت الجمعة، ومن قوت فواتها يكون ابتداء سفره، كذا في (شرح المهذب) عن القاضي حسين التوبة، بل من حين فوات الجمعة.
قال: (ولو اقتدى بمتم لحظة .. لزمه الإتمام)؛ لما روى أحمد [1/ 216]- بسند صحيح - عن ابن عباس أنه سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعًا إذا أئتم بمقيم؟ فقال: (تلك السنة).
وسواء أدرك معه ركعة أم لا.
وقال مالك: إن أدرك معه ركعة فاكثر .. لزمه الاهتمام، وإلا .. فله القصر.
والتعبير بـ (المتم) يدخل فيه المسافر المقيم، وهو أحسن من تعبير (التنبيه) وغيره بالمقيم، لكن يرد عليه ما إذا اقتدى بالمقيم في نافلة .. فإنه يتم.
قال ابن الرفعة: لكنه يخرج مصلى الظهر خلف مقيم يصلي الجمعة، فإنه يتم المنصوص، ولا يقال له: متم.
ولو اقتدى بمن يصلي مسافرًا كان أو

وَلَوْ رَعَفَ اَلإِمَامُ اَلْمُسَافِرُ وَاَسْتَخْلَفَ مُتِمًا .. أَتَمَّ اَلْمُقْتَدُونَ،  مقيمًا .. فإنه يتم في الأصح؛ لأنها تامة في نفسها.
والثاني: يقصر؛ لتوافق الصلاتين في العدد.
وقوله: (لحظة) أي: في جزء من صلاته؛ إما آخرها بأن كان مسبوقًا، أو أولها بأن أحدث الإمام بعد اقتدائه.
قال: (ولو رعف الإمام المسافر واستخلف متمًا .. أتم المقتدون)؛ لأنهم مقتدون بمتم، سواء نووا الاقتداء به، أم لم ينووا وقلنا بالمذهب: إن نية الاقتداء بالخليفة لا تجب؛ لأنهم بمجرد الاستخلاف صاروا مقتدين به، حتى لو نووا مفارقته عقب الاستخلاف .. لم يجز القصر.
فائدة: (الرعاف): الدم الذي يسبق من الأنف.
و (رعف) مثلث العين، والأفصح: فتح عينه، والضم ضعيف، والكسر أضعفها.
وفي (مشكل الوسيبط): أن هذه الكلمة كانت سبب لزوم سيبويه الخليل بن أحمد في طلب علم العربية، بعد أنكان يطلب علم الحديث والتفسير، وذلك أنه سأل يومًا حماد بن سلمة فقال له: أحدثك هشام بن عروة عن أبيه عن رجل رعف في الصلاة؟ وضم العين - فقال له: أخطأت، إنما هو رعف بفتحها، فانصرف إلى الخليل ولزمه.
وقيل: كان سببه أنه أتى إلى حماد لكتابة الحديث فاستملى منه قوله صلي الله عليه وسلم: (ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه أبا الدرداء)، فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء، فصاح به حماد: لحنت يا سيبويه! إنما هو استثناء، فقال: والله لأطلبن علمًا لا يلحنني معه أحد، ثم مضى ولزم الأخفش الأكبر وغيره.
وكان الخليل إذا رآه قال: مرحبًا بزائر لا يمل.

وَكَذَا لَوْ عَادَ الإِمَامُ وَاقْتَدَى بِهِ.
وَلَوْ لَزِمَ الإِتْمَامُ مُقْتَدِيًا فَفَسَدَتْ صَلاَتُهُ أَوْ صَلاَةُ إِمَامِهِ، أَوْ بَانَ إِمَامُهُ مُحْدِثًا .. أَتَمَّ.
وَلَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا فَبَانَ مُقِيمًا، أَوْ بِمَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ .. أَتَمَّ، وَلَوْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ .. قَصَرَ، وَلَوْ شَكَّ فِيهَا فَقَالَ: إِنْ قَصَرَ قَصَرْتُ وَإِلاَّ أَتْمَمْتُ .. قَصَرَ فِي الأَصَحِّ  وسيبويه: لقب فارسي معناه بالعربي: رائحة التفاح، قيل له ذلك؛ لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان، وكان في غاية الجمال رحمه الله.
قال: (وكذا لو عادة الإمام واقتدى به) .. فيلزمه الإتمام، لأنه اقتديا بمتم في جزء من صلاته.
وقيل: يجب عليه الإتمام سواء اقتدى به أم لا؛ لأن الخليفة فرع له ولا يجوز أن تكون صلاة الأصل أنقص من صلاة الفرع.
قال: (ولو لزم الإتمام مقتديًا ففسدت صلاته أو صلاة إمامه، أو بأن إمامه محدثًا .. أتم)؛ لأنها صلاة تعين علهي إتمامها، فلم يجز بعده قصرها كما لو فاتته في الحضر ثم سافر.
وأفهم قوله: (ففسدت صلاته) أنه لو بان فسادها بأن تذكر أنه محدث .. أنه يقصر وهو الصحيح.
قال: (ولو اقتدى بمن ظنه مسافرًا فبان مقيمًا، أو بمن جهل سفره .. أتم)؛ لأنه الأصل مع ظهور شعار الإقامة والسفر.
قال: (ولو علمه مسافرًا) أي: سفرًا تقصر فيه الصلاة (وشك في نيته قصر)؛ لأن الظاهر من حال المسافر القصر، وليس للنية شعار تعرف به.
قال: (ولو شك فيها فقال: إن قصر قصرت وإلا أتممت .. قصر في الأصح)؛ لأن الظاهر من حال المسافر القصر، لكن يشترط أن يظهر ما يدل عليه.
والثاني: لا يجوز القصر؛ للشك.

وَيُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ نِيَتُهُ فِي اَلإِحْرَامِ، وَاَلْتَحَرُّزُ عَنْ مُنَافِيهَا دَوَامًا، وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَقْصُرُ أَوْ يَتِمُّ، أَوْ فِي أَنَّهُ نَوَى اَلْقَصْرَ، أَوْ قَامَ إِمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَشَكَّ: هَلْ هُوَ مُتِمٌ أَمْ سَاهٍ؟ ... أَتَمَّ  فلو فسدت صلاة الإمام واستمر التردد في أنه كان نوى القصر أو لا؟ .. لزم الإتمام في الأصح.
قال: (ويشترط للقصر نيته)؛ لأن الإحرام المطلق ينصرف إلى الإتمام لكونه الأصل.
قال: (في الإحرام) كسائر النيات.
وقال المزني: تكفي في جزء من الصلاة، حتى لو نوى الإتمام ثم نوى القصر .. جاز.
قال: (والتحرز عن منافيها دوامًا) بأن لا يقطعها ولا يتردد فيه، والذي بعد هذا تفسير له فكان الإتيان فيه بـ (الفاء) أحسن كما في (المحرر)، والذي في نسخة المصنف بـ (الواو).
قال: (ولو أحرم قاصرًا ثم في أنه يقصر أو يتم، أو في أنه نوى القصر، أو قام إمامه لثالثة فشك: هل هو متمم أم ساه؟ .. أتم).
أما الأول: فلفوات الجزم بالنية.

وَلَوْ قَامَ اَلْقَاصَرُ لِثَالِثَةٍ عَمْدًا بِلاَ مُوجِبِ لِلإِتْمَامِ .. بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا .. عَادَ وَسَجَدَ لَهُ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ .. عَادَ ثَّم نَهَضَ مُتِمًّا.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسَافِرًا فِي جَمِيعِ صَلاَتِهِ، فَلَوْ نَوَى اَلإِقَامَةَ فِيهَا، أَوْ بَلَغَتْ سَفِيَنُتُه دَارَ إِقَامَتِهِ .. أَتَمَّ.
وَاَلْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنَ اَلإِتْمامِ عَلَى اَلْمَشهُورِ إِذَا بَلَغَ ثَلاَثَ مَرَاحِلَ،  وأما الثانية وهي التردد في نية القصر .. فلأن الأصل عدم النية، ولا فرق فيها بين أن يتذكر عن قرب أم لا.
وأما الثالثة وهي الشك عند قيام الإمام .. فلأن القيام مشعر بالإتمام.
قال: (ولو قام القاصر لثالثة عمدًا بلا موجب للإتمام .. بطلت صلاته)، كما لو قام المتمم إلى ركعة خامسة، أو قام المتنقل إلى ركعة زائدة قبل تغيير النية.
فإن حدث ما يوجب الإتمام وقام لذلك .. لم تبطل؛ لأنه فعل واجب عليه.
قال: (وإن كان سهوًا .. عاد وسجد له وسلم) كغيره مما يبطل عمده.
قال: (فإن أراد أن يتم .. عاد ثم نهض متمًا)؛ لأن القيام الأول غير محسوب.
وقوله: (عاد) أي: وجوبًا، وقيل: لا، بل له أن يمضي في قيامه.
قال: (ويشترط كونه مسافرًا في جميع صلاته، فلو نوى الإقامة فيها، أو بلغت سفينته دار إقامته .. أتم)؛ لزوال سبب الرخصة، كما لو كان يصلي قائمًا فمرض فزال المرض .. يجب عليه أن يقوم.
ويشترط أيضًا: العلم بجواز القصر، فلو جهله .. لم تصح صلابة بلا خاف.
فشروط القصر أربعة: نيته، وعدم الاقتداء بمتم، ودوام السفر، والعلم بجوازه.
قال: (والقصر أفضل من الإتمام على المشهور إذا بلغ ثلاث مراحل)؛ خروجًا من خلاف من يوجب القصر، ولأنه المأثور من فعله صلي الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.
وقال صلي الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتي رخصة كما يحب أن تؤتي عزائمه) رواه ابن حبان وصححه [354].

وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ  وتقدم عن (صحيح مسلم) [686] أنه صلى الله عليه وسلم قال في القصر: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته).
وأما جواز الإتمام .. فلما روى أبو داوود وغيره أن عائشة قالت: يا رسول الله؛ قصرت وأتممت، قال عليه الصلاة والسلام: (أحسنت).
والثاني: الإتمام أفضل واختاره المزني؛ لأنه أكثر عملاً فأشبه غسل الرجل مع المسح على الخف.
وفي وجه: هما سواء لتعارض الأدلة.
نعم؛ يستحب الإتمام في مسائل: إحداها: من يدوم سفره بأهله وولده كالملامح ونحوه .. فالإتمام له أفضل قاله الشافعي والأصحاب خروجًا من خلال أحمد؛ فإنه لم يجوز له القصر، وجوزه للجمال وهو حجة لنا عليه.
وقال صاحب (الفروع): يستحب الإتمام لمن عادته السفر دائمًا.
ولك أن تقول: لم روعي خلاف أحمد في هاتين المسألتين، ولم يراع فيهما خلاف أبي حنيفة؟ الثانية: من لا وطن ل وعادته السير دائمًا.
الثالثة: إذا قدم من سفر طويل وبقي بينه وبين مقصده دون ثلاثة أيام .. فإن الإتمام له أفضل قاله المحب الطبري، وفيما قاله نظر؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم لما رجع من حجة الوداع .. لم يزل يقصر حتى أتى المدينة.
أما الذي يجد من نفسه كراهة القصر .. فيستحب له تعاطيه بالاتفاق، وكذلك الحكم في جميع الرخص.
قال: (والصوم أفضل من الفطر إن لم يتضرر به)؛ لقوله تعالى ﴿وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ولما فيه من براءة الذمة، والمحافظة على فضيلة الوقت،

فَصْلٌ: يَجُوزُ اَلْجَمْعُ بَيْنَ اَلْظُّهْرِ وَاَلعَصْرِ تَقْدِيمًا وَتَاخِيرًا - وَاَلْمَغْرِبِ وَاَلْعِشَاِء كَذَلِكَ  وهو الأكثر من فعل النبي صلي الله عليه وسلم.
هذا إذا لم يشك في جواز الفطر، أو يكره الأخذ به، أو رغب عن الرخصة، أو كان ممن يقتدي به .. فالفطر له أفضل كما تقدم.
وقيل: الفطر أفضل مطلقًا؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (ليس من البر الصوم في السفر) رواه الشيخان (خ 1946 - م 1115] من حديث جابر، وهو محمول على من أجهده الصوم.
وأما أمره صلي الله عليه وسلم بالفطر في غزوة الفتح، وقوله في الصائمين في ذلك اليوم: (أولئك العصاة) .. فذلك لأجل ملاقاة العدو، ولهذا: (كانت الصحابة بعد ذلك يصومون مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في السفر)، كما رواه مسلم في (صحيحه).
تتمة: الرخص ثلاثة أقسام: أحدها: ما يجب فعله وهو: إساغة اللقمة بالخمر إذا لم يجد غيرها وأكل الميتة عند خوف الهلاك على الصحيح.
والثاني: تركها أفضل وهي: المسح على الخف، والجمع بين الصلاتين، والتيمم لمن لم يجد الماء إلا بأكثر من قيمته وهو قادر عليه، وإتيان الجماعة والجمعة مع العذر، والصوم في السفر لمن لم يتضرر به.
الثالث: رخصة فعلها أفضل، كالإبراد بالظهر في الحر، والقصر والإتمام على ما تقرر فيه من الخلاف والتفصيل، وقد تقدم في (باب مسح الخف) عد رخص السفر الطويل والقصير.
قال: (

فصل

: يجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديمًا وتأخيرًا، والمغرب والعشاء كذلك)؛ لما روى الشيخان [خ 111 - م 704] عن أنس: (أن النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا

فِي اَلْسَّفَرِ اَلْطَوِيلِ،  ارتحل قبل أن تزيغ الشمس .. أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما).
وعنه عن النبي صلي الله عليه وسلم: (أنه كان إذا عجل عليه السفر .. يؤخر الظهر إلى وقت العصر، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق).
وروى أبو داوود [1201] والترمذي [553] عن معاذ: (أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يجمع في سفره إلى تبوك تقديمًا وتأخيرًا)، حسنه الترمذي، وصححه البيهقي [3/ 163]. وأشار بقوله: (يجوز) إلى أن الأفضل ترك الجمع، ويصلي كل صلاة في وقتها خروجًا على الخلاف، ولأن من جمع .. أخلى وقت العبادة منها.
لكن يستثنى من ذلك: الجمع بجمع؛ فإذنه أفضل خروجًا من خلاف أبي حنيفة والمزني، والمتحيرة؛ فإنه لا يجوز لها تقديمًا كما تقدم، والراغب عن الرخصة، والكاره لها كما تقدم، ومن لو جمع .. لصلى في جماعة ولو ترك .. لانفراد، وكذا دائم الحدث إذا كان بحيث لو جمع تقديمًا أو تأخيرًا .. تخلى عن خروج الحدث، ولو تركه لجرى في وقت إحداهما، وكذا لو خاف فوت الوقوف بعرفة، أو فوت استنفاذ الأسير ونحو ذلك لو ترك الجمع.
وعلم بقوله: (الظهر والعصر والمغرب والعشاء) منع الجمع بين الصبح وغيرها، وبين العصر والمغرب، وذلك إجماع.
وأشار بقوله: (كذلك) إلى التقديم والتأخير.
قال: (في السفر الطويل)؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يجمع إلا فيه، وبالقياس على القصر المتفق عليه.

وَكَذَا اَلْقَصِيرُ فِي قَوْلٍ.
فإَنِ كَانَ سَائِرًا وَقْتَ اَلْأوَلَى.
فَتَاخِيرُهَا أَفْضَلُ، وَإِلاَّ .. فّعَكْسُهُ.
وَشُرُوطُ اَلْتَقْدِيِم ثَلاَثَةٌ: اَلْبُدَاءَةُ بِاَلأُولَى، فَلَوْ صَلاَّهُمَا قَبَانَ فسَاَدهُاَ .. فَسَدَتِ اَلْثَّانِيَةُ.
وَنِيَّةُ اَلْجَمْعِ، وَمَحَلَّهَا: أَوَّلُ اَلأُوَلَى، وَتُجوٌز فِي أَثْنَائِهَا فِي اَلأَظْهَرِ  قالب: (وكذا القصير في قول)؛ قياسًا على التنقل على الراحلة، والصحيح عند الجهور: الأول كالقصر.
قال: (فإن كان سائرًا وقت الأولى .. فتأخيرها أفضل، وإلا .. فعكسه)؛ اقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم، ولأنه أرفق بالمسافر.
قال: (وشروط التقديم ثلاثة: البداءة بالأولى)؛ لأن ذلك هو المأثور، ولأن وقت الثانية لم يدخل، وإنما تفعل تبعًا للأول والتابع لا يتقدم على متبوعة.
قال: (فلو صلاهما فبان فسادها .. فسدت الثانية)؛ لفوات الشرط.
وإطلاق فساد الثانية وقع أيضًا في (الشرحين) و (الروضة).
والمراد: بطلان كونها عصرًا أو عشاء لا أصل الصلاة، بل تنعقد نافلة على الصحيح كما إذا أحرم بالفرض قبل وقته جاهلاً بالحال.
قال: (ونية الجمع)؛ لتتميز عن تقديمها سهوًا.
وجوز المزني وبعض الأصحاب أن يأتي بالثانية عقب الأولى من غير نية الجمع؛ لأن الجمع بفعله قد حصل.
قال: (ومحلها: أول الأولى) أي: مع التحرم قياسًا على نية القصر بجامع: أنهما رخصتا سفر.
قال: (وتجوز في أثنائها في الأظهر)؛ لأن الجمع: ضم الثانية إلى الأولى، فيحصل الغرض بتقديم النية على حالة الضم.
والثاني: يشترط عند التحريم كنية القصر.
وفي قول مخرج وقيل منصوص: أنه يجوز بعد الفراغ من الأولى وقبل الشروع في الثانية، وقواه في (شرح المهذب).

وَالَمُوَالاَةُ بِأَنْ لاَ يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، فَإِنْ طَالَ وَلَوْ بِعُذْرٍ .. وَجَبَ تَاخِيرُ اَلْثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا، وَلاَ يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ، وَيُعْرَفُ طوُلُهُ بِاَلْعُرْفِ.
وَلِلْمُتَيَمِّمِ اَلْجَمْعُ عَلَى اَلصَّحِيحِ،  فلو نوى الجمع ثم نوى تركه في أثناء الأولى، ثم نوى لجمع ثانيًا .. ففيه القولان.
و (الأثناء) جمع ثني وهو: ما بين الطرفين.
قال: (والموالاة بأن لا يطول بينهما فصل)؛ لأنه المأثور عن النبي صلي الله عليه وسلم، ولهذا: (ترك الرواتب بينهما).
وفي وجه: يجوز الجمع وإن طال الفصل ما لم يخرج وقت الأولى.
وفي (الكفاية) عن الاصطخري: جواز الفصل بالنافلة، والأحاديث الصحيحة ترد عليه.
قال: (فإن طال ولو بعذر) كالسهو والإغماء (.. وجب تأخير الثانية إلى وقتنها)؛ لفوات شرط الجمع.
قال: (ولا يضر فصل يسير)؛ ففي (الصحيحين) [خ 139 - م 1280/ 276] عن أسامة: (أن النبي صلي الله عليه وسلم لما جمع بنمرة .. أقام بينهما).
قال: (ويعرف طوله بالعرف)؛ لأنه لا ضابط له في الشرع، ولا في اللغة، فما عده العرف تفرقه .. ضر، وإلا .. فلا.
وضبطه القاضي حسين بقدر ماي تخلل بين الإيجاب والقبول، وبين الإقامة والصلاة، وبين الخطبتين.
وقيل: ما زاد على قدر الإقامة.
وقيل: لا تجب الموالاة أصلاً.
قال: (وللمجتمع الجمع على الصحيح) كالمتوضئ.

وَلاَ يَضُرُّ تَخَلُّلُ طَلَبٍ خَفِيفٍ.
وَلَوْ جَمَعَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنَ الأُولَى .. بَطَلَتَا وَيُعِيدُهُمَا جَامِعًا، أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ .. تَدَارَكَ، وَإِلاَّ .. فَبَاطِلَةٌ وَلاَ جَمْعَ، وَلَوْ جَهِلَ .. أَعَادَهُمَا لِوَقْتَيْهِمَا  وقال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأنه يحتاج إلى اطلب.
قال: (ولا يضر تخلل طلب خفيف) أشار به إلى خلاف أبي إسحاق، لأنه من مصلحة الصلاة فأشبه الإقامة، بل أولى؛ لأنه شرط دونها.
ولا يضر الفصل بالوضوء قطعًا.
قال: (ولو جمع ثم علم ترك ركن من الأولى.
وبطلتا) أما الأولى .. فلترك الركن وتعذر التدارك؛ لطول الفصل بالصلاة التي أبطلناها، وأما الثانية .. فلأن شرط صحتها تقدم الأولى والأولى باطلة، وهذه تقدمت في قوله: (فلو صلاهما فبان فسادها .. فسدت الثانية).
ويعتذر عنه بأنه ذكرها أولاً، لبيان الترتيب، وثانيًا، لبيان الموالاة، وتوطئة لقوله عقبه: (أو من الثانية).
قال: (ويعديهما جامعًا)؛ لأنه لم يصل.
هذا إذا كان العلم بعد الفراغ كما أشار إليه بـ (ثم)، فأما إذا كان في أثناء الثانية .. فحكمه كذلك إن طال الفصل، وإن لم يطل .. لم يصح إحرامه بالثانية ويبني على الأولى.
قال: (أو من الثانية، فإن لم يطل .. تدارك) وحينئذ تمضي الصلاتان على الصحة.
قال: (وإلا .. فباطلة ولا جمع)؛ لحصول الفصل الطويل، فيعيد الصلاة الثانية في وقتها.
قال: (ولو جهل .. أعادهما لوقتيهما)؛ لاحتمال أن يكون المتروك من الأولى، ولا يجوز الجمع لاحتمال كونه من الثانية .. فتقضيان في وقتيهما.
وقيل: له الجمع كما لو أقيمت الجمعتان في بلد ولم تعرف السابقة منهما .. فإنه تجوز إعادة الجمعة في قول.

وَإِذَا أَخَّرَ اَلأُولَى .. لَمْ يَجِبِ اَلْتَرْتِيبُ وَاَلْمُوَالاَةُ ونِيَةٌ اَلْجَمْعِ عَلَى اَلْصَّحِيحِ، وَيَجِبُ كَوْنَ اَلْتَاخِيرِ بِنِيَّةِ اَلْجَمْعِ، وَإِلاَّ .. فَيَعْصِىِ وَتَكُوُن قَضَاءً  قال: (وإذا أخر وجوب الترتيب .. فلأن الوقت للثانية فلا تجعل تابعة.
وأما عدم وجوب الموالاة .. فلما روى الشيخان (خ 139 - م 1280/ 276] عن أسامة: (أن النبي صلي الله عليه وسلم لما دفع من عرفة إلى المزدلفة .. نزل فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم صلى العشاء).
وأما نية الجمع .. فالخلاف فيها مبني على الخلاف في اشتراط الموالاة.
وفي وجه: يجب ذلك في الجمع تأخيرًا كما لو جمع تقديمًا.
والمصنف صحح في المسائل الثلاث عدم الاشتراط كما صححه في (الروضة) وهو الصواب.
وجزم في (المحرر) باشتراط نية الجمع، وهو سهو تبعه علهي في (الحاوي الصغير).
ونبه عليه في (الدقائق) فقال لم يقل بما في (المحرر) أحد، بل في المسألة وجهان: الصحيح: أن الثلاث سنة.
والثاني: أن الثلاث كلها واجبة.
قال: (ويجب كون التأخير بنية الجمع)، تمييزًا له عن التأخير تعديًا.
قال: (وإلا .. فيعصي وتكون قضاء)، لإخراجه الصلاة عن وقتها بغير نية.
وتوقف الشيخ في عصيانه؛ لأن الوقتين للجامع كالوقت الواحد، ولم ينقل أن النبي صلي الله عليه وسلم أمرهم ليلة مزدلفة ينووا التأخير للجمع، وقد كان معه من يخفي عليه ذلك بلا شك وهو إشكال قوي.
واقتضت عبارة المصنف .. أنه يجوز أن يؤخر هذه النية إلى أن يبقى من الوقت

وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيمًا، فَصَارَ بَيْنَ اَلْصَّلاَتَيْنِ مُقِيمًا .. بَطَلَ اَلْجَمْعُ، وَفِي اَلثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا .. لاَ يَبْطُلُ فِي اَلأَصَحِّ،  مقدار يسع ركعة فينوي إذ ذاك، وبه صرح في (الروضة) تبعًا لـ (أصلها).
وجواز التأخير إلى هذا الحد ممنوع، فإنهما صرحا في (باب المواقيت) بأنه لا يجوز التأخير إلى هذا الوقت.
والصواب: أنه لا يجوز تأخيرها عن الوقت الذي يسعها، وبه جزم في شرحي (المهذب) و (مسلم)، والشيخ في (التنبيه) وأقره عليه في (تصحيحه).
وفي (الكفاية) وجه: أنه يجوز التأخير إلى مقدار تكبيره.
وقال في (الإحياء): لو نسى النية حتى خرج الوقت .. لم يبطل الجمع؛ لأنه معذور.
قال: (ولو جمع تقديمًا، فصار بين الصلاتين مقيمًا .. بطل الجمع)؛ لزوال سببه، فيتعين تأخير الثانية إلى وقتها، وأما الأولى ... فلا تأثير بذلك.
وعلم من كلامه أنه إذا صار مقيمًا في أثناء الليلة .. كان ببطلان الجمع أولى.
ولا يخفي أن الشك في صيرورته مقيمًا .. حكمه حكم نية الإقامة.
قال: (وفي الثانية وبعدها .. لا يبطل في الأصح) أشار إلى مسألتين: الأول: إذا أقام في أثناء الصلاة الثانية .. فإن الجمع لا يبطل في الأصح؛ لأن أولهما قد اقترن بالعذر، فاكتفى بذلك صيانة لفرضه عن البطلان.
والثاني: يبطل قياسًا على القصر.
وعلى هذا: إن كان عالمًا .. بطلت، وإلا .. انقلبت نقلاً.
الثانية: إذا صار مقيمًا بعد الفراغ من الثانية .. فإن الجمع لا يبطل أيضًا على الأصح؛ لأن الرخصة قد تمت، فأشبه ما إذا قصر ثم طرأت الإقامة .. فإنه لا يلزمه الإتمام.
والوجه الثاني: يبطل؛ لأنها مقدمة على وقتها، فإذا زال المقتضى وأدرك وقتها .. وجبت الإعادة كما لو عجل الزكاة فخرج الفقير قبل الحول عن الشرط المعتبر.

أَوْ تَاخِيرًا، فَأَقَامَ بعَدْ فَرَاغِهِمَا .. لَمْ يُؤَثِّرْ، وَقَبْلَهُ .. يَجْعَلُ اَلُأولَى قَضَاءً .. وَيَجُوزُ اَلجَمْعُ بِاَلْمَطَرِ  وقيل: تقدح الإقامة فليها، ولا تقدح فيما بعدها.
قال: (أو تأخيرًا، فأقام بعد فراغهما .. لم يؤثر) بالإجماع.
قال: (وقبله) أي: قبل فراغهما، وحينئذ فيدخل فيه أثناء الثانية.
قال: (... يجعل الأولى قضاء)؛ لأنها تبع للثانية هنا، فاعتبر وجود السبب في جميعها كذا علله الرافعي.
قال الشيخ: (وهذا التعليل منطبق على تقديم الأولى، فلو عكس وأقام في أثناء الظهر .. فقد وجد السبب في جميع المتبوعة وأول التابعة، فقياس ما سبق في جمع التقديم: أنها أداء في الأصح، قال: وحينئذ ترد هذه الصورة على لفظ الكتاب وعلى الرافعي أ. هـ. والذي في (شرح المهذب): إن أقام بعد فراغ الأولى .. صارت قضاء، أو في أثناء الثانية .. فينبغي أن تكون الأولى أداء بلا خلاف .. أهـ. وهذا مخالف لما تقدم من ظاهر كلام (المنهاج) و (الروضة) و (أصليهما).
قال: (ويجوز الجمع بالمطر) أي: بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وكذا بين الجمعة والعصر، بالشروط السابقة؛ لما روى أبو داوود [1203] عن ابن عباس أنه قال: (صلى رسول الله صلي الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، من غير خوف ولا سفر)، قال مالك: أرى ذلك كان في المطر، رواه مسلم [705] بدون كلام مالك.
ووقع في (الوسيط): أن الشافعي قال ذلك.
والمشهور: أن الشافعي نقله عن مالك واستأنس بقوله كما استأنس بقوله ابن جريج في تحديد القلتين.
ومنع أبو حنيفة الجمع بالمطر مطلقًا.

تَقْدِيمًا، وَاَلْجَدِيدُ: مَنْعُهُ تَاخِيرًا.
وَشَرْطُ اَلْتَقْدِيمِ: وُجُودُهُ أَوَّلَهُمَا، وَاَلأَصَحٌ: اَشْتِرَاطُهُ عِنْدَ سَلاَمِ اَلأَولَى  وفي قول غري ضعيف: اختصاص الجمع بالمغرب مع العشاء؛ لأجل الظلمة وإليه ذهب أحمد.
والمذهب: جوزاه في الجمع.
والتعليل بـ (الظلمة) يبطل بجوازه في الليلة المقمرة.
والمراد بـ (المطر): ما يبل الثوب؛ لأن الشافعي قال: ويجمع من قليل المطر وكثيرة.
واشترط القاضي حسين والمتولي: أن يكون المطر وابلاً بحيث يبل الثوب من الأعلى والنعل من الأسفل، ويحصل به الوحل في الطريق.
قال: (تقديمًا) أي: مطلقًا؛ إتباعًا لما ورد، وفي (الإبانة) حكاية خلاف فيه، وغلطة الأصحاب.
قال: (والجديد: منعه تأخيرًا)؛ لأن المطر قد ينقطع فيؤدي إلى الجمع بغير وجود عذر.
والقديم - وهو منصوص في الجديد أيضًا -: الجواز قياسًا على الجمع بعذر السفر.
قال: (وشرط التقديم: وجوده أولهما) أي: أولى الصلاتين، ليتحقق الجمع مع العذر، ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك.
قال: (والأصح: اشتراطه عند سلام الأولى)؛ ليتحقق اتصال آخر الأولى بأول الثانية في حال العذر.
والثاني: لا يشترط، ونقله في (النهاية) عن معظم الأصحاب، كما في الركوع والسجود.
وقيل: إن افتتح الأولى، ولا مطر، فطرَأ في أثنائها .. ففيه القولان في نية الجمع في أثناء الأولى.

وَاَلثَّلْجُ وَاَلْبَرَدُ كَمَطَرِ إِنْ ذَابَا، وَالأَظْهَرُ: تَخْصِيصُ اَلْرُّخْصَةِ بِمُصَلَّ جَمَاعَةّ بِمَسْجِدِ بَعِيِدٍ يَتَأَذَّىَ بِاَلْمَطَرِ فِي طَرِيِقِهِ  قال الشيخ: وهو قوي مع غرابته.
ولو قال لشخص بعد سلامة من الأولى: انظر هل انقطع المطر أو لا؟ .. بطل الجمع؛ لشكه في سببه.
قال: (والثلج والبرد كمطر إن ذابا)؛ لتضمنهما العذر المبيح وهو: ما يبل الثوب، فإن لم يذوبا .. فالأصح: أنهما لا يبيحان؛ لأن الرخصة متعلقة بالمطر دون الثلج والبرد، اللهم إلا أن يكون البرد قطعًا كبارًا .. فإنه يجوز الجمع بذلك كما قاله في (الشامل)، وانعكس النقل على الرافعي في ذلك.
وقيل: إن الثلج والبرد لا يرخصان؛ لأن السنة إنما وردت في المطر، وهو خارج عن القياس فلا يقاس عليه.
والشفان - بفتح الشين وتشديد الفاء: ريح باردة فيها نداوة، فإذا بل الثوب .. جاز الجمع به، وكان له حكم المطر؛ لتضمنه القدر المبيح.
وقول الرافعي: إن الشفان مطر وزيادة أنكره عليه المصنف وقال: إنه ليس بمطر فضلاً عن كونه وزيادة.
قال: (والأظهر: تخصيص الرخصة بمصل جماعة بمسجد بعيد يتأذى بالمطر في طريقه)؛ لأن الجمع إنما جوز للمشقة وهي موجودة، فإن صلى في بيته منفردًا أو في جماعة، أو صلى في مسجد منفردًا، أو كان المسجد على باب داره، أو بعد وكان يمشي في كن .. فلا جمع على الأصح لانتفاء المشقة.
والثاني: لا يختص بذلك بل يجمع مطلقًا؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم كان يجمع وبيوت زوجاته في المسجد.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ورجح في (الروضة) كون الخلاف وجهين، وفي (شرح المهذب) كونهما قولين.
لكن يستثنى من إطلاقه من خرج إلى المسجد ولا مطر فحصل المطر وهو فيه .. قال الشيخ محب الدين الطبري: الظاهر القطع فيه بجواز الجمع؛ لأنه لم يجمع .. لاحتاج إلى صلاة العصر أيضًا في الجماعة وفيه مشقة؛ إما في رجوعه إلى بيته ثم عوده إلى المسجد، وإما في الإقامة في المسجد.
تتمة: المذهب: امتناع الجمع بغير ما ذكر، فلا يجمع بمرض ووحل وخوف لا تقديمًا ولا تأخيرًا.
وأدعى الإمام الإجماع على امتناعه بالمرض، واختار القاضي والمتولي جوازه بالخوف والمرض، وجوزه الخطابي بالوحل المرض، واستحسنه الروياني، واختاره المصنف في المرض للحديث الصحيح: (أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر)، وسيأتي في (باب حد الخمر) شيء يتعلق به.
وروى أحمد [6/ 381 - 382] والبيهقي في (المعرفة) [2191]: (أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر حمنة بنت جحش، وسهلة بنت سهيل بن عمرو بالجمع بين الصلاتين لأجل الاستحاضة)، وهو نوع مرض واختاره ابن المنذر.
وأجاز أحمد بعذر الوحل كما تسقط به الجمعة.
والفرق: أن تارك الجمعة يصلي بدلها الظهر، وترك الوقت للجمع لا بدل له.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خاتمة إذا جمع الظهر والعصر .. قال الرافعي: صلى سنة الظهر ثم سنة العصر، ثم يأتي بالفريضتين، وفي المغرب والعشاء بالعكس.
وضعف المصنف ما قاله في الظهر والعصر وقال: الصواب: أنه يصلي سنة الظهر التي قبلها، ثم يجمع الفريضتين ثم يصلي سنة الظهر التي بعدها، ثم سنة العصر؛ لأن سنة الظهر المتأخرة لا تصلي قبل فعل الظهر، وكذا سنة العصر لعدم دخول وقتها.


فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل