وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً فَمَاتَتْ قَبْلَ تَمَامِ طَالِقٌ .. لَمْ يَقَعْ, أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ ثَلاَثٍ .. فَثَلاَثٌ, وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ, وَقِيلَ: لاَ شَيء ْ
قال: (ولو أراد أن يقول: أنت طالق ثلاثاً فماتت قبل تمام طالق .. لم يقع)؛ لان الطلاق إنما يقع بآخر اللفظ, وآخره لم يصادف زوجية.
واختلفوا في إعراب ثلاثاً من قوله: (أنت طالق ثلاثاً) , فقيل: منصوب بالتفسير والتمييز؛ قال الإمام: وهذا جهل بالعربية, وإنما هو صفة لمصدر مذكر محذوف؛ أي: طالق طلاقاً ثلاثاً كقوله: ضربت زيداً شديداً؛ أي: ضرباً شديداً.
قال: (أو بعده قبل ثلاث .. فثلاث)؛ لأنه كان قاصداً الثلاث عند قوله: (أنت طالق) وهذه اللفظة مع قصد الثلاث تقتضي إيقاع الثلاث, وأيضاً قوله: (ثلاثاً) مبين للمراد من الطلاق بدليل أنه لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثاً .. وقع الثلاث, ولا تبين بقوله: أنت طالق فقط حتى تقع واحدة.
قال: (وقيل: واحدة) أي بقوله (أنت طالق) ولا تقع الثلاث؛ لوقوع لفظ الثلاث بعد خروجها عن محل الطلاق كما لو جن الزوج قبل قوله: ثلاثاً.
قال: (وقيل: لا شيء) وبه قال أبو حنيفة؛ لأن الكلام الواحد لا يفصل بعضه عن بعض, وقد طرأ الموت قبل تمامه فيلغو.
وردتها وإسلامها إذا لم يكن مدخولاً بها كموتها قبل قوله: ثلاثاً, وكذا لو أخذ شخص على فيه ومنعه أن يقول: ثلاثاً.
فروع:
قال: أنت طالق ملئ البيت أو البلد أو السماء أو الأرض, أو مثل الجبل, أو أكبر الطلاق أو أعظمه أو أطوله أو أعرضه .. فطلقة.
ولو قال: عدد التراب .. قال الإمام: تقع واحدةٌ, وقال البغوي: ثلاث, والخلاف ينبني على أن التراب جمع أو اسم جنس, والأكثرون على الثاني, فيتجه وقوع طلقة, وهو الراجح عند المصنف في قوله: (أنت طالق بعدد شعر إبليس).
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَتَخَلَّلَ فَصْلٌ .. فَثَلاَثٌ, وَإِلاَّ: فَإِنْ وَإِلاَّ قَصَدَ تَاكِيداً .. فَوَاحِدَةٌ,
ولو قال: أنت طالق ألواناً من الطلاق ورجع إلى نيته, فإن لم ينو شيئاً .. وقعت واحدة.
ولو قال: أنت طالق وزن درهم أو درهمين أو ثلاثة أو أحد عشر درهماً ولم ينو عدداً .. لم يقع إلا طلقة.
ولو قال: أنت طالق وزن درهم أو درهمين أو ثلاثة أو أحد عشر درهماً ولم ينو عدداً .. لم يقع إلا طلقة.
وقيل: يعتبر تعدد الصنجة, ففي خمس وعشر وعشرين وخمسين ومئة طلقة, وفي ثلاثة وسبعة طلقتان, وفي ثلاثة عشر وخمسة وثلاثين ثلاث.
ولو قال: أنت طالق لا قليل ولا كثير .. وقع الثلاث.
ولو قال: أنت طالق لا كثير ولا قليل .. وقعت طلقة, قاله في (المطارحات) , وعلله بأنه لما قال: لا قليل .. وقع الكثير وهو الثلاث, ثم أراد أن يرفعه بعد وقوعه فلم يرتفع, وفي الثانية بقوله: لا كثير .. وقع القليل وهو واحدة, وقوله بعد ذلك: (ولا قليل) رفع له والطلاق لا يرتفع.
قال: (ولو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق وتخلل فصل .. فثلاث)؛ لأن كل واحدة من هذه الألفاظ موقعه للطلاق, سواء قصد التأكيد أم لا؛ لأن التأكيد لا يكون مع الفصل, فلو قال أردت التأكيد وكررت قولي الأول .. لم يقبل في الحكم, ويدين فيما بينه وبين الله تعالى, وفرقوا بينه وبين ما إذا أقر في مجلس بألف ثم في مجلس آخر بألف وقال: أردت الأول حيث يقبل بأن الإقرار إخبار, والمخبر عنه لا يتعدد بتعدد الخبر, والطلاق إيقاع وإنشاء, وإذا تعددت كلمة الإيقاع .. تعدد الواقع.
والمراد بـ (الفصل): أن يسكت فوق سكته التنفس.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يتخلل فصل (فإن قصد تأكيداً .. فواحدة) المراد: قصد تأكيد الاول بالأخيرين؛ لأن التأكيد معهود في كل اللغات, ووقع في كلام النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً, والتكرار أعلى درجاته؛ لان التأكيد فيه لفظي.
والدرجة الثانية: التأكيد بالنفس أو بالعين.
أَوِ اسْتِئْنَافاً .. فَثَلاَثٌ, وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَظْهَرِ
والثالثة بنحو: رأيت القوم أجمعين, والتأكيد فيهما معنوي.
وقال أبو حنيفة: لا تسمع منه إرادة التأكيد, بل تقع عليه الثلاث, واستدل عليه الأصحاب بقياسه على الإقرار؛ فإنه وافق فيه على قبول قوله: أردت التأكيد.
قال: (أو استئنافاً .. فثلاث)؛ لتكرر اللفظ بالنية, وهل يتعلق التحريم بالأخيرة أو بالمجموع.
فيه خلاف تقدم.
قال: (وكذا إن أطلق في الأظهر) وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لان كل لفظة موقعة لطلقة لو أنفردت, فإذا اجتمعت .. اجتمع حكمها.
والثاني: لا يقع إلا واحدة؛ لأن التأكيد والاستئناف محتملان فيؤخذ باليقين.
وقوله: أنت طالق أنت مفارقة أنت مسرحة كقوله: أنت طالق أنت طالق, وقيل: تقع ثلاث طلقات, وهذا الحكم يأتي في تكرر الكنايات كقوله: اعتدي اعتدي اعتدي كما حكاه الرافعي في (الفروع المنثورة) في الصريح والكناية عن القاضي شريح الروياني ثم قال: ولو كانت الألفاظ مختلفة ونوى بها الطلاق .. وقعت بكل لفظة طلقة, ويأتي أيضاً في السؤال والجواب, فلو قالت له: طلقني طلقني طلقني فقال: طلقتك أو قد طلقتك .. ففي (الرافعي) في السطر الثاني في (التعليقات) عن البوشنجي: إن نوى الثلاث .. وقعن, وإلا .. فواحدة.
ومثل الأصحاب التأكيد بقولهم: أنت طالق مرتين أو ثلاثاً, ولم يتعرضوا لما إذا زاد على ثلاث وقال: أردت بالجميع التأكيد, وقال ابن عبد السلام: إن العرب لم تؤكد أكثر من ثلاث مرات, وفي (البرهان) للإمام ما يشهد له.
وعلى هذا: يتجه أن لا تسمع منه إرادة التأكيد في الرابعة؛ لأن اللفظ لا يصلح له.
وفي (فتاوي الغزالي): لو قال: أنت طالق وكرر ذلك أربع مرات ينوي التكرار وقال في الرابعة: إن شاء الله .. رجع إلى الجميع؛ فإن الكلام ما دام متصلاً برابطة
وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ تَأكِيداً وَبِالثَّالِثَةِ اسْتِئْنَافاً أَوْ عَكَسَ .. فَثِنْتَانِ, أَوْ بِالثَّالِثَةِ تَأكِيدَ الأُولَى .. فَثَلاَثٌ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: أنَتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ .. صَحَّ قَصْدُ تَأكِيدِ الثَّانِي بِالثَّالِثِ, لاَ الأَوَّلِ بِالْثَّانِي
التكرار كالجملة الواحدة, وهذا كقوله: أنت طالق واحدة واثنتين وثلاثاً إن شاء الله.
اه
وهذا يقتضي جواز الاستثناء في الرابعة؛ فإن الاستثناء كالتأكيد.
قال: (وإن قصد بالثانية تأكيداً) أي: تأكيد الأولى (وبالثالثة استئنافاً أو عكس .. فثنتان)؛ عملاً بقصده فيهما.
والمراد بقوله: (عكس) أي: أراد بالثالثة تأكيد الثانية وبالثانية الاستئناف, وبقي ما لو قصد بالثانية الاستئناف ولم يقصد بالثالثة شيئاً, أو بالثالثة الاستئناف ولم يقصد بالثانية شيئاً .. فثلاث في الأظهر, وقيل: ثنتان.
قال: (أو بالثالثة تأكيد الأولى .. فثلاث في الأصح)؛ لتخلل الفصل.
والثاني: يقبل ويحتمل الفصل اليسير.
قال: (ولو قال: أنت طالق وطالق وطالق .. صح قصد تأكيد الثاني بالثالث)؛ لاستوائهما, ويكون حرف العطف الثاني تأكيداً لحرف العطف الأول كما أن المتعاطفين كذلك.
قال: (لا الأول بالثاني)؛ لان الواو الأولى لم يتقدم لها مثلها فيقول: هي مؤكدة لواو سابقة فتعين أنها عاطفة, والعطف يقتضي المغايرة, وعطف الشيء على نفسه وإن كان واقعاً في كلام العرب .. فهو قليل, بخلاف التأكيد فإنه كثير.
وعلم من عبارته: أنه لو قصد تأكيد الأول بالثالث .. كان أولى بعدم الصحة؛ للفصل وعدم الاستواء.
والحكم في العطف بـ (الفاء) و (ثم) كالعطف بـ (الواو) , فإن اختلف الحرف كقوله: وطالق فطالق .. فإنه تقع الثلاث.
وَهَذِهِ الصُّوَرُ فِي مَوْطُوءَةٍ, فَلَوْ قَالَهُنَّ لِغَيْرِهَا .. فَطَلْقَةٌ بِكْلِّ حَالٍ, وَلَوْ قَالَ لِهَذِهِ: إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ .. فَثِنْتَان فِي الأَصَحَّ.
قال: (وهذه الصور في موطوءةة, فلو قالهن لغيرها .. فطلقة بكل حال)؛ لأنها تبين بالأولى فلا يقع ما بعدها.
وفي وجه أو قول قديم: أنه كما لو قاله للمدخول بها؛ لان الكلام الواحد لا ينفصل بعضه عن بعض فأشبه ما إذا قال: أنت طالق ثلاثاً.
والفرق على المذهب: أن (ثلاثاً) تفسير لما أراده ببقوله: أن طالق, وأما العطف والتكرار .. فليس متعلقاً بالأولى.
قال: (ولو قال لهذه) أي: غير المدخول بها (إن دخلت فأنت طالق وطالق فدخلت .. فثنتان في الأصح)؛ لأنهما معلقان بالدخول ولا ترتيب بينهما.
والثاني: لا تقع إلا واحدةٌ فقط كالمنجز وهو الأقيس كما لو قال في التنجيز: أنت طالق وطالق.
والثالث: إن أخر الجزاء كصورة الكتاب .. فثنتان, وإن عكس كقوله: أنت طالق وطالقإن دخلت الدار .. فواحدة, ولو قال ذلك لمدخول بها .. وقع ثلاثاً بالدخول قطعاً.
وبنى القاضي والمتولي الوجهين الأولين على أن (الواو) للجمع أو الترتيب؟ إن قلنا: للجمع .. وقعت الثلاث, أو الترتيب .. فواحدة.
أما إذا عطف ب (ثم) .. فلا يقع بدخول غير المدخول بها إلا واحدة؛ لان (ثم) للتراخي, سواء قدم الشرط أو أخره.
فرع:
قال لغير المدخول بها: أنت طالق أحد عشر طلقة طلقت ثلاثاً, وإن قال: إحدى وعشرين طلقة .. فوجهان, الأصح: واحدة؛ لانه معطوف كأنه قال: واحدة وعشرون, بخلاف أحد عشر؛ فإنه مركب.
وَلَوْ قَالَ لِمَوْطُوءةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَ أَوْ مَعَهَت طَلْقَةٌ .. فَثِنْتَان, وَكَذَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ أوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ .. فَثِنْتَانِ فِي مَوْطُوءَةٍ, وَطَلْقَةٌ فِي غَيْرِهَا.
وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ أَوْ قَبْلَهَا طَلْقَةٌ .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً فِي طَلقَةً فِي طَلْقَةٍ وَأَرَادَ مَعَ .. فَطَلْقَتَانِ,
قال: (ولو قال لموطوءة: أنت طالق طلقة مع أو معها طلقة .. فثنتان)؛ لأن المعية تقتضي وقوعهما, فتقع طلقتان على المدخول بها, لكن هل يقعان معاً أو متعاقبين؟ فيه وجهان: أصحهما أولهما.
قال: (وكذا غير موطوءة في الأصح) هذا مرتب على الخلاف السابق إن قلنا: تقع الطلقتان مترتبتين .. وقع على غير المدخول بها واحدة؛ لانها بانت بالأولى, ولإن قلنا: تقعان معاً .. وقعتا كما لو قال لها: أنت طالق طلقتين.
قال: (ولو قال: طلقة قبل طلقة أو بعدها طلقة .. فثنتان في موطوءة)؛ لأن مضمون هاتين الطلقتين إيقاع طلقة تسبقها طلقة فكأنه قال: طلقتان.
قال: (وطلقة في غيرها)؛ لأن بها تحصل البينونة فلم تصادف الثانية نكاحاً.
قال: (ولو قال: طلقة بعد طلقة أو قبلها طلقة .. فكذا في الأصح) فتقع ثنتان في موطوءة وواحدة في غيرها, أما الواحدة في غيرها .. فلما سبق, وأما الثنتان في الموطوءة .. فلأنه وصف الطلقة التي أوقعها بأنها بعد طلقة, أو بأن قبلها طلقة, ومضمون ذلك إيقاع طلقة تسبقها طلقة فتقعان متعاقبين, ثم في كيفيته وجهان:
أصحهما: تقع المضمنة ثم المنجزة.
والثاني: عكسه ويلغو قوله: (قبلها).
ويقابل الأصح وجه: أنه تقع في الموطوءة واحدة؛ لجواز أن يكون المعنى قبلها طلقة مملوكة أو ثابتة؛ أي: وقعت قبل ذلك, وفي غيرها .. قيل: لا شئ, وقيل: ثنتان.
قال: (ولو قال: طلقة في طلقة وأراد مع .. فطلقتان)؛ لقصده وصلاحية اللفظ, فإن (في) تستعمل بمعنى (مع) قال تعالى: ﴿ادخلوا في أمم﴾ , ﴿في عبادي﴾ , ﴿في أصحاب الجنة﴾.
(ذكرته في ملأ خير منهم).
أَوِ الظَّرْفَ أَوِ الْحِسَابَ أَوْ أَطْلَقَ .. فَطَلْقَةٌ, وَلَوْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ فِي طَلْقَةٍ .. فَطَلْقةٌ بِكُلِّ حَالٍ.
وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً فِي طَلْقَتَيْنِ وَقَصَدَ مَعِيَّةً .. فَثَلاَثٌ, أَوْ ظَرْفاً .. فَوَاحِدَةٌ, أَوْ حِسَاباً وَعَرَفةُ .. فَثِنْتَانِ, وَإِنْ جَهِلَهُ وَقَصَدَ مَعْنَاهُ .. فَطَلْقَةٌ, وَقِيلَ: ثِنْتَانِ,
قال الغزالي: والاحتمال البعيد مقبول في الإيقاع وإن لم يقبل في نفي الطلاق.
قال: (أو الظرف أو الحساب أو أطلق .. فطلقة) أما الأولى .. فلأن ذلك مقتضاه في المسألتين, وأما الثالثة .. فلأن اللفظ المأتي به على سبيل الإيقاع ليس إلا واحدة.
قال: (ولو قال: نصف طلقة في طلقة .. فطلقة بكل حال) سواء نوى المعية أو الظرف أو الحساب أو أطلق, كذا في النسخة التي بخط المصنف.
ولا يصح قوله: (بكل حال)؛ فإنه إذا قصد به المعية .. تقع طلقتان, وكذلك عكسه طلقة في نصف طلقة إذا أراد المعية .. تقع طلقتان, والصواب: نصف طلقة في نصف طلقة كما هو في (الروضة) و (المحرر) وكثير من نسخ (المنهاج)؛ ليتم قوله: (فطلقة بكل حال) , وكذلك هو مخرج في النسخة التي بخط المصنف لكن بغير خطه.
قال: (ولو قال: طلقة في طلقتين وقصد معية .. فثلاث)؛ لما تقرر في قوله: (طلقة في طلقة)
قال: (أو حساباً وعرفه .. فثنتان)؛ لان ذلك مقتضاه فيه, وعند أبي حنيفة: لا تقع إلا واحدة.
قال: (وإن جهله وقصد معناه) أي: عند أهل الحساب (.. فطلقة)؛ لأن ما لا يعلم لا تصح إرادته.
قال: (وقيل: ثنتان)؛ لانه موجبه في الحساب وقد قصده, وشبههما الأصحاب بالوجهين فيما إذا أتى العجمي بلفظ الطلاق وقال: أردت به ما يريد العربي وهو لا يعرف معناه.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئاً .. فَطَلْقَةٌ, وَفِي قَوْلٍ: ثِنْتَانِ إِنْ عَرَفَ حِسَاباً.
وَلَوْ قَالَ: بَعْضَ طَلْقَةٍ .. فَطَلْقَةٌ,
ويجريان فيما لو قال: طلقها مثل ما طلق زيد وهو لا يدري كم طلق زيد, وكذا لو نوى عدد طلاق زيد.
قال: (وإن لم ينو شيئاً .. فطلقة) سواء عرف الحساب أو جهله؛ لأنه الأقل والزائد مشكوك فيه.
ثم الإمام صور المسألة بالموطوءة ولم يتعرض لغيرها, قال ابن الرفعة: فيتجه أن يجئ في وقوع ما زاد على الواحدة الخلاف في قوله: (طلقة مع طلقة).
قال: (وفي قول: ثنتان إن عرف حساباً)؛ لانه الاستعمال المشهور في الأعداد والحالف عارف به.
وفي وجه ثالث: تقع ثلاث؛ لتلفظه بها.
قال: (ولو قال: بعض طلقة .. فطلقة) سواء أبهمه أو عينه كنصف أو ربع؛ لان الطلاق لا يتبعض, وحكى ابن المنذر فيه الإجماع, ولم يخالف فيه إلا داوود.
ووقوع الطلقة هنا – قال الإمام والغزالي-: من باب التعبير بالبعض عن الكل, ومقتضى كلام الرافعي: ترجيح كونه بطريق السراية كما هو الراجح في تبعيض المحل, وللخلاف فائدتان:
إحداهما: إذا قال: أنت طالق ثلاث طلقات إلا نصف طلقة, فإن جعلناها من باب السراية .. أوقعنا ثلاثاً وهو الأصح؛ لان السراية في الإيقاع لا في الرفع.
والثانية: إذا قالت: طلقني ثلاثاً على ألف فطلقها طلقة ونصفاً .. قيل: تستحق ثلثي الألف؛ لأنه أوقع طلقتين بناء على أنه من باب التعبير بالبعض عن الكل.
وقيل: نصف الألف وهو الأصح كما تقدم في بابه؛ لانه أوقع نصف الثلاث, وهذا صريح في أن الراجح السراية.
ثم المشهور: أمن وقوع الطلقة لا يفتقر إلى نية, وحكى الرافعي وجعين في أنه صريح, أو كناية عن العبادي وأقره.
أَوْ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ .. فَطَلْقَةٌ إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ كُلَّ نِصْفَ مِنْ طَلْقَةٍ.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَةٌ, وَثَلاَثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ, أَوْ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ طَلْقَتَانِ
قال: (أو نصفي طلقة .. فطلقة)؛ لان ذلك طلقة, وكذلك الحكم في ربعي طلقة وثلثيها.
قال: (إلا أن يريد كل نصف من طلقة) فتقع طلقتان؛ تكميلاً للبعضين.
قال: (والأصح: أن قوله: نصف طلقتين طلقة)؛ لأنها نصفهما.
والثاني: طلقتان؛ لانه أضاف النصف إلى طلقتين فيكون النصف من هذه والنصف من هذه, فيقع من كل طلقة نصفها ويكمل كما لو أقر بنصف عبدين.
ولو قال: عليَّ نصف درهمين .. فدرهم بالاتفاق.
قال: (وثلاثة أنصاف طلقة, أو نصف طلقة وثلث طلقة طلقتان) المسألتان معطوفتان على (الأصح) , أما الأولى .. فوقع فيها طلقة ونصف وكمل, ووجه مقابلة فيها – وهو طلقة واحدة:- أن الأجزاء المذكورة مضافة إلى طلقة واحدة فتلغو الزيادة ويصير كأنه قال: نصفي طلقة أو ثلاثة أنصاف طلقة أو ثلاثة أثلاثها, وضابط الخلاف أنا هل ننظر إلى المضاف أو المضاف إليه؟
وأما المسألة الثانية .. فلأنه أضاف كل جزء إلى طلقة, وعطف البعض على البعض فاقتضى ذلك التغاير, ووجه مقابلة فيها – وهو وقوع طلقة:- أن الطلقة وإن كررت فهي محتملة للتأكيد والأجزاء, والمضاف يتبع المضاف إليه, فلو قال: ثلاثة أنصاف الطلاق .. فقال المتولي: تقع ثلاث طلقات, وتنصرف الألف واللام إلى الجنس, وحكى الحناطي وجهين:
أحدهما: هذا, والثاني: طلقة.
وجميع ما ذكره المصنف ما لم يزد على أجزاء طلقتين كخمسة أثلاث وسبعة أرباع, فإن زاد كسبعة أثلاث أو تسعة أرباع .. فإن الخلاف يكون في طلقة أو ثلاث, قاله في زوائد (الروضة).
وَلَوْ قَالَ: نِصْفَ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ .. فَطَلْقَةٌ.
وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ طَلْقةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلاثَاً أَوْ أَرْبَعاً .. وَقَعَ عَلَى كُلٍّ طَلْقَةٌ, فَإنْ قَصَدَ تَوْزِيعَ كُلًّ طَلْقَةٍ عَلَيْهِنَّ .. وَقَعَ فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ, وَفِي ثَلاَثٍ وَأرْبَعٍ ثَلاَثٌ,
قال: (ولو قال: نصف وثلث طلقة .. فطلقة)؛ لأن مجموع النصف والثلث لا يزيد عليها, وكذلك لو قال: نصف وثلث وسدس طلقة, وهذا معطوف على الأصح أيضاً, ويقابله طلقتان.
واقعة:
قال: أنت طالق أقل من طلقتين وأكثر من طلقة .. قال القاضي: وقعت هذه المسألة بنيسابور, فافتى فيها الشيخ أبو المعالي بوقوع طلقتين, ومدركه ظاهر, وأفتى فيها الفقيه أبو إبراهيم بوقوع ثلاث؛ لأنه لما قال: أقل من طلقتين .. كأنه قال: طلقة وشيئاً, ولما قال: أكثر من طلقة .. وقعت أيضاً طلقتان, فيكون المجموع ثلاث طلقات وشيئاً فتقع الثلاث.
اهـ
وصوب شيخنا في (الطبقات) و (الكوكب) الأول.
قال: (ولو قال لأربع: أوقعت عليكن أو بينكن طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً أو أربعاً .. وقع على كلٍ طلقةٌ)؛ لانه إذا وزع عليهن .. أصاب كل واحدة منهن طلقة أو بعض طلقة وتكمل, وفيه وجه: أنه يوزع وإن لم يقصده.
ولو قال: خمساً أو ستاً أو سبعاً أو ثماني .. فطلقتان إلا أن يريد التوزيع, ولو قال: تسعاً .. فثلاث مطلقاً.
قال: (فإن قصد توزيع كل طلقة عليهن .. وقع في ثنتين ثنتان, وفي ثلاث وأربع ثلاث)؛ عملاً بقصده, وعند الإطلاق لا يحمل اللفظ على هذا التقدير؛ لبعده عن
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بَيْنَكُنَّ بَعْضَهُنَّ .. لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِراً فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى: أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا, أَوْ أَنْتِ كَهِيَ؛ فَإِنْ نَوَى .. طَلَقَتْ, وَإِلاَّ .. فّلاَ, وَكَذَا لَوْ قَالَ آخَرُ ذَلِكَ لاِمْرَأَتِهِ
الفهم, ووقع في (المحرر): في ثلاث ثلاث وفي أربع أربع, وكذا في (الشرح) , وغيِّرها في (الروضة) بعبارته هنا.
قال في (الدقائق): وذلك غلط؛ لسبق قلم أو من الناسخ, والصواب ما في (المنهاج).
قال: (وإن قال: أردت ببينكن بعضهن .. لم يقبل ظاهراً في الأصح)؛ لأن ظاهر اللفظ يقتضي الشركة.
والثاني: يقبل؛ لأنه إذا كانت الطلقة بينهن .. كان الطلاق بينهن.
ومحل الخلاف إذا قال: أوقعت بينكن كما قاله المصنف, فإن قال: عليكن .. لم يقبل قطعاً, قاله الإمام والبغوي, لكن نازع الرافعي فيه وطرد الخلاف.
قال: (ولو طلقها ثم قال لأخرى: أشركتك معها, أو أنت كهي؛ فإن نوى .. طلقت, وإلا .. فلا؛ لأن اللفظ التشريك كنايةٌ, هذا في التنجيز بلا خلاف.
أما لو علق طلاق امرأة بدخول الدار ونحوه ثم قال لأخرى: أشركتك معها .. روجع, فإن قال: قصدت أن الأولى لا تطلق حتى تدخل الأخرى .. لم يقبل, وإن قال: أردت إذا دخلت الأولى طلقت الثانية .. قبل؛ لأنه كناية, وإن قال: أردت تعليق طلاق الثانية بدخولها نفسها كما في الأولى .. ففي صحة هذا التشريك وجهان, أصحهما: الصجة؛ لأنه جائز في تنجيز الطلاق فكذا في تعليقه, كذا ذكره الشيخان في باب الإيلاء).
قال: (وكذا لو قال آخرُ ذلك لامرأته) يعني: إذا قال واحد لإمرأته: أنت طالق فقال غيره لزوجته: أشركتك معها أو أنت كهي, فإن نوى .. وقع, وإلا .. فلا؛ لأن الإشراك يحتمل أن يكون في الطلاقة وغيره, فإذا نوى الطلاق .. وقع, وإلا .. لم يقع.
فَصْلٌ:
يَصِحُّ الاِسْتِثْنَاءُ
تتمة:
قال لواحدة من نسائه: أنت طالق عشراً فقالت: يكفيني ثلاث فقال: الباقي على صواحباتك .. لا يقع عليهن الطلاق؛ لأنه لم يخاطبهن به, كذا قاله المتولي, ونقله في (الروضة) عن البغوي، ونقل في مسائل منثورة تتعلق بالصريح والكناية: أنه إذا نوى .. وقع، وإن قالت: تكفيني واحدة فقال: الباقي لضرتك .. وقع الثلاث عليها وعلى الضرة طلقتان إذا نوى، ونقله عن البغوي أيضاً.
قال: (فصل:
يصح الاستثناء)؛ لأنه معهود في الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة إلا لأحد ثلاثة).
واتفقوا على أنه صحيح معتبر في الأقارير وسائر الأيمان في الأعداد وغيرها وإن كان النحاة مختلفين في الاستثناء من العدد.
وهو ينقسم في الاستعمال إلى متصل ومنقطع, فالمتصل: إخراج بعض من كل بإلا, أو بإحدى أخواتها وهي: غير وسوى وخلا وعدا وحاشا وليس ولا يكون, وهو المراد هنا.
وأما المنقطع كقوله: عندي ثوب إلا درهم .. فليس مقصوداً هنا, وإطلاق لفظ الاستثناء عليه مجاز.
ولفظ الاستثناء يقع في عرف الشرع على التعليق بمشيئة الله تعالى كقوله: أنت طالق إن شاء الله, فأما التعليق بمشيئة غير الله والتعليق بسائر الأفعال .. فلا يكاد يطلق عليه استثناء في الشرع.
بِشَرْطِ اتِّصَالِهِ, وَلاَ يَضُرُّ سَكْتَةُ تَنَفُّسٍ وَعِيٍّ
قال الإمام: ولا تبعد في اللغة تسمية كل تعليق استثناء؛ فإنه تثنية عن الإطلاق.
قال: (بشرط اتصاله) أشار إلى أنه لا تكفي فيه النية, بل لابد فيه من اللفظ عند القدرة عليه, ولابد من اتصال لفظه بلفظ المستثنى منه بإجماع أهل اللغة, فالسكوت الطويل المؤذن بالإعراض يبطله, وقد تقدم عن الإمام أن الاتصال المشروط هنا أبلغ مما يشترط بين الإيجاب والقبول؛ لأنه يحتمل بين كلامي الشخصين ما لا يحتمل بين كلام الشخص الواحد, ولذلك لا ينقطع الإيجاب والقبول بتخلل كلام يسير في الأصح, وينقطع به الاستثناء على الصحيح, كذا في (الروضة) و (الشرح) ههنا, وجزماً في (البيع) بأن تخلل الكلام يضر, ولم يفرقا بين قليل وكثير, وما صححه الشيخان هنا من أن الكلام اليسير يقدح في الاستثناء يخالفه قولهم: إنه لو قال: أنت طالق ثلاثاً يا زانية إن شاء الله .. فإن الاستثناء يصح.
وما حكياه في (كتاب الإقرار) عن صاحبي (العدة) و (البيان) أنه لو قال: له علي ألف أستغفر الله إلا مئة .. يصح كما إذا قال: ألف يا فلان, قال المصنف: وفيه نظر.
وفي (الوسيط) وغيره عن ابن عباس تجويز الاستثناء المنفصل, ثم اختلفوا فقيل: إلى سنة, وقيل: إلى شهر, وقيل: أبداً, وهو الذي يقتضيه كلام الأكثرين في النقل عنه كالشيخ أبي إسحاق وإمام الحرمين وصاحب (المعتمد) وغيرهم, واستدل له بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف واستثنى .. فله ثُنْيَاه) وبقول العباس: إلا الإذخر؛ فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا فقال: (إلا الإذخر).
قال: (ولا يضر سكتة تنفس وعيٍّ) وكذلك عروض السعال وانقطاع الصوت؛ لأنه يعد في العادة متصلاً.
قُلْتُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْويَ الاِسْتِثْنَاءَ قَبْلَ فَرَاغِ الْيَمِينِ فِي الأصَحِّ, وَاللهُ أعْلَمُ.
وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ,
قال (قلت: يشترط أن ينوي الاستثناء قبل فراغ اليمين في الأصح والله أعلم).
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه إذا لم ينو بالاستثناء رفع اليمين .. لا يكون مستثنياً.
وفيما يشترط اقتران النية به أوجه:
أحدها: أول اللفظ المستثنى منه, فلو قال: أنت طالق ثلاثاً من غير قصد استثناء, ثم بدا له عنده آخره أن يقول: إلا واحدة أو إلا أن يشاء الله متصلاً .. لم يصح الاستثناء وتقع الثلاث.
والثاني: يكفي اقترانه بلفظ الاستثناء, ولا يشترط اقترانه باللفظ المستثنى منه, قال الإمام: ولا وجه له, وادعى أبو بكر الفارسي الإجماع على بطلانه, ونسبه ابن الصباغ إلى الأكثرين, وصححه الماوردي في الاستثناء بالمشيئة.
والثالث – وهو الذي صححه المصنف هنا وفي (التصحيح) وزوائد (الروضة) -: أنه يشترط وجوده في أثناء اللفظ المستثنى منه, وهو الذي نص عليه في (البويطي) صريحاً, ووجهه: أن اليمين إنما تعتبر بتمامها, فإذا نوى الاستثناء قبل تمام اللفظ بالطلاق .. امتنع نفوذه كما في الابتداء.
وقوله: (قبل فراغ اليمين) صادق على ثلاث صور: أن يوجد في أول اليمن فقط, أو في أثنائها, أو في آخرها, وأن الخلاف جار في الجميع, وهو صحيح.
قال: (ويشترط عدم استغراقه)؛ لأن المستغرق باطل بالإجماع كما حكاه الإمام فخر الدين والآمدي, وإن كان في (المدخل) لابن طلحة المالكي الأندلسي قول بصحته, فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً .. بطل الاستثناء وطلقت ثلاثاً.
فإن قيل: لم لا بطل ما جاء منه الفساد – وهو الاستغراق – وتقع طلقتان؛ لان المستثنى جمع بين ما يجوز وما لا يجوز, فيخرج على تفريق الصفقة .. فالجواب: أن ذلك لم يذهب إليه أحد كما قاله ابن الرفعة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعلم من كلام المصنف: أنه يصح استثناء الأكثر, وهو كذلك.
فإن قيل: يرد على فساد استثناء المستغرق نحو: أنت طالق إن شاء الله؛ فإنه يرفع جميع الطلاق الذي أوقعه وهذا معنى الاستثناء .. فالجواب: أن هذا خرج بالنص فبقى ما عداه على الأصل.
فروع:
الأول: قال: كل امرأة لي غيرك أو سواك طالق ولم يكن له إلا المخاطبة .. لم يقع الطلاق كما جزم به الخوارزمي في (كتاب الإيمان) , ويؤيد ما نقله الشيخان عن القفال وأقراه أنه لو قال: النساء طوالق إلا عمرة ولا زوجة له سواها .. لم تطلق.
ولو كانت امرأته مع نسوة فقال: طلقت هؤلاء إلا هذه وأشار إلى زوجته .. لم تطلق زوجته, قال الشيخ: والذي استقر عليه رأيي أنه إن قدم (غير) فقال: كل امرأة لي غيرك طالق .. لم تطلق, وإن أخرها فقال: كل امرأة لي طالق غيرك ولا امرأة له غيرها .. طلقت, قال: وكذلك أقول في قوله: إلا أنت.
واختار ابن الرفعة أنه إن قال: غيرك بالفتح .. فهو استثناء مستغرق يوقع الطلاق, وإن قال: غيرُك أو غيرِك على الصفة .. لم تطلق.
الثاني: قال: أنت طالق طلقتين إحداهما لا تقع عليك .. فوجهان: أصحهما: تقع طلقتان.
والثاني: واحدة كقوله: اثنتين إلا واحدة, وبهذا جزم الماوردي, ويرد عليه: أنه استثناء بغير أداة استثناء, ومثله لم يعهد.
الثالث: إذا قدم المستثنى على المستثنى منه بأن قال: أنت إلا واحدة طالق ثلاثاً .. قال في (المهذب): عندي أنه يصح وتقع طلقتان, ونقل عن بعض الأصحاب – وعنى به الماوردي: أنه لا يصح الاستثناء, والمشهور الأول؛ ففي (الروضة) في أوائل (كتاب الأيمان): لو قال: لفلان علي إلا عشرة دراهم مئة درهم .. صح الاستثناء, وفيه وجه ضعيف.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إِلاَّ ثِنْتَيْنِ وَوَاِحدَةٌ .. فَوَاحِدَةٌ, وَقِيلَ: ثَلاَثٌ, أَو ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً .. فَثَلاَثٌ, وَقِيلَ: ثِنْتَانِ.
وَهنِيَّ مِنْ نَفْي إِثْبَاتٌ وَعَكْسُهُ, فَلَو قَالَ: ثَلاَثاً إِلاَّ طَلْقَةً .. فَثِنْتَانِ, أَوْ ثَلاثَاً إِلاَّ ثَلاثاً إِلاَّ اثْنَتَيْنِ .. فَثِنْتَانِ,
قال: (ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين وواحدة .. فواحدة, وقيل: ثلاث) هذا الخلاف ينبني على أنه إذا عطف بعد العدد على بعض في المستثنى أو المستثنى منه هل يجمع بينهما.
فيه وجهان:
أحدهما: يجمع؛ لأنه لو قال: علي درهم ودرهم .. لزمه درهمان.
والأصح: المنع؛ لان الجملتين المعطوفتين تفردان بالحكم وإن كانت الواو للجمع؛ لأنه لو قال: لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق .. لا تطلق إلا طلقة, فوقوع الطلقة مفرع على عدم الجمع في المستثنى؛ إذ لو جمع .. لصار ثلاثاً إلا ثلاثاً فيستغرق فتقع الثلاث.
والقائل بالثاني ينظر إلى الجمع ويوقع الثلاث؛ لكونه مستغرقاً.
قال: (أو ثنتين وواحدة إلا واحدة .. فثلاث, وقيل: ثنتان) هو أيضاً ينبني على الأصل المذكور, فعلى الجمع: تكون الواحدة مستثناة من الثلاث فتقع طلقتان, وعلى مقابلة: لا يجمع وتكون الواحدة مستثناة من الواحدة فتقع الثلاث, فلو قال: واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة وواحدة وواحدة فثلاث قطعاً؛ لأنا إن جمعنا .. فقد استثنى ثلاثاً من ثلاث, وإلا .. فقد استثنى كل واحدة من واحدة.
قال: (وهي من نفي إثبات) بالاتفاق.
قال: (وعكسه) هذه خالفه فيها أبو حنيفة, ووافقه الإمام في (المعالم) , وفي (الحاصل) و (المنتخب) اختار مذهب الشافعي.
قال: (فلو قال: ثلاثاً إلا ثنتين إلا طلقة .. فثنتان)؛ لأن المعنى ثلاثاً تقع إلا ثنتين لا تقع إلا طلقة تقع.
قال: (أو ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين .. فثنتان)؛ لأنه لما عقب الاستثناء
وَقِيلَ: ثَلاَثٌ, أَوْ خَمْساً إِلاَّ ثَلاَثاً .. فَثِنْتَانِ, ثَلاَثٌ, أَوْ ثَلاَثاً إِلاَّ نِصْفَ طَلْقَةٍ .. فَثَلاَثٌ عَلَى الصَّحِيحِ
بالاستثناء .. خرج الأول عن أن يكون مستغرقاً, وكأنه استثنى ثلاثاً إلا اثنتين من ثلاث, فكأنه قال: ثلاثاً إلا واحدة.
قال: (وقيل: ثلاث) ويبطل الاستثناء الأول؛ لاستغراقه, فيصرف الثاني إلى أصل الكلام.
وضابط جريان هذا الخلاف: أ، يتعدد الاستثناء ويكون الأول مستغرقاً للمستثنى منه دون الثاني كقوله: عشرة إلا عشرة إلا أربعة.
قال: (أو خمساً إلا ثلاثاً .. فثنتان, وقيل: ثلاث) أشار به إلى ما إذا زاد على العدد المملوك هل ينصرف الاستثناء إلى الملفوظ به؛ لأنه لفظ فيتبع به موجب اللفظ, أو إلى المملوك؛ لأن الزيادة عليه لغو لا عبرة بها؟ وجهان, أصحهما: الأول, ومنه يعلم مأخذ الوجهين في مسألة الكتاب.
قال: (أو ثلاثاً إلا نصف طلقة .. فثلاث على الصحيح)؛ لانه إذا استثنى نصف طلقة .. بقى نصفها فكملت.
والثاني: تقع ثنتان ويجعل استثناء النصف كاستثناء الجميع, كما أن إيقاع النصف كإيقاع الجميع.
فروع:
قال: أنت طالق نصف طلقة إلا نصف طلقة وقعت طلقة.
وإن قال: طلقة ونصف إلا طلقة ونصف .. فالقياس وقوع طلقتين.
ولو قال لنسوته الأربع: أربعتكن طوالق إلا فلانة .. قال القاضي والمتولي: لا يصح هذا الاستثناء؛ لأن الأربع ليست صيغة عموم, وإنما هي اسم لعدد معلوم خاص, فقوله: (إلا فلانة) رفع للطلاق عنها بعد التنصيص عليها, فهو كقوله: أنت
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ, أَوْ إِنْ لَمْ يَشَأ اللهُ وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ,, لَمْ يَقَعْ,.
طالق طلاقاً لا يقع عليك, وقد تقدم في (الإقرار): أن الاستثناء صحيح من المعين على الوجه الشاذ في ذلك الباب [و] هو المنقول هنا عن القاضي والمتولي فطريقهما واحد, والمعتمد: صحة الاستثناء في المذكورات.
قال: (ولو قال: أنت طالق إن شاء الله, أو إن لم يشأ الله وقصد التعليق .. لم يقع).
أما الأولى .. فلقوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف ثم قال: إن شاء الله .. فقد استثنى) رواه الأربعة وصححه الحاكم, وهو عام في الطلاق والأيمان.
وفي (معرفة الصحابة) لأبي موسى الأصبهاني من رواية معدي كرب مرفوعاً: (من أعتق أو طلق واستثنى .. فله ثنياه).
وروى الطبراني والدارقطني [4/ 35] عن معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا معاذ؛ ما خلق الله شيئاً على وجه الأرض أحب إليه من العتاق, ولا خلق الله تعالى شيئاً أبغض إليه من الطلاق, فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله .. فله استثناؤه ولا طلاق عليه) وبهذا قال مالك وأحمد.
والجواب: ضعف الحديث؛ فإنه من رواية حميد بن مالك اللخمي, وهو منكر الحديث.
وأما المسألة الثانية .. فلأن عدم المشيئة محال, فأشبه ما إذا قال: إن جمعت بين السواد والبياض.
ونظير قول المصنف: (إن شاء الله): متى شاء الله وإذا شاء الله فأنت طالق, وكذا بإسقاط (الفاء) على الأصح.
ولو قال: أنت طالق لو شاء الله .. فعن القفال أنه أستقر رأيه على أن يقع, وأجاب ابن القاص بعدم الوقوع.
وَكَذَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ تَعْلِيقٍ, وَعِتْقٍ وَيَمِينٍ وَنَذْرٍ وَكْلِّ تَصَرُّفٍ.
وَلَوْ قَالَ: يَا طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللهُ .. وَقَعَ فِي الأَصَحِّ
واحترز بـ (قصد التعليق) عما إذا سبق الكلمة إلى لسانه لتعوده بها, أو لقصد التبرك بذكر الله تعالى, أو إشارة إلى أن كل شيء بمشيئة الله تعالى .. وقع الطلاق والعتق.
قال: وكذا يمنع انعقاد تعليق كما إذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله؛ لعموم قوله (من حلف) , ولأن التعليق بالمشيئة يمنع الطلاق المنجز فالمعلق أولى.
قال: زعتق تنجيزاً وتعليقاً كأنت حر إن شاء الله, أو أنت حر إن دخلت الدار إن شاء الله , خلافاً لمالك وأحمد؛ لعموم من أعتق أو طلق واستثنى .. فله ثنياه.
قال: (ويمين) كقوله: والله لأفعلن إن شاء الله؛ لما روى الشيخان [خ5242 - م1654] في حديث سليمان بن داوود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو قال: إن شاء الله .. لم يحنث).
قال: (ونذر) كقوله: لله علي كذا إن شاء الله.
وحكى الشيخان في (كتاب الأيمان) وجهين في تعقيب اليمين بالمشيئة هل يمنع الانعقاد أو لا؟ والأصح: ما صححاه هنا من عدم الانعقاد, وكذلك يمنع الظهار على المشهور كما حرره في (المهمات).
قال: وكل تصرف أي: حقه الجزم كالبيع والإقرار والإجارة, وكذلك يمنع انعقاد نية الوضوء والصلاة والصوم وغيرها من العبادات إذا قصد التعليق.
قال: (ولو قال: يا طالق إن شاء الله .. وقع في الأصح) ويكون الاستثناء لغواً؛ لأن الاستثناء إنما يعتاد ويعمل في الأفعال دون الأسماء, ولذلك لا يقال: يا أسود إن شاء الله.
والثاني: يصح؛ لأنه إنشاء في المعنى كقوله: طلقتك أو أنت طالق, والخلاف راجع إلى أنَّا هل نراعي الوضع في الاستثناء أو المعنى المراد باللفظ ونقيمه مقام الموضوع؟
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ .. فَلاَ فِي الأَصَحِّ
فرع:
قال: يا طالق أنت طالق ثلاثاً إن شاء الله .. وقعت طلقة بقوله: يا طالق فقط, ولو قال: أنت طالق ثلاثاً يا طالق إن شاء الله .. فقيل: تقع طلقة بقوله: يا طالق, وقيل: ثلاث؛ بناء على أن النداء يدخله الاستثناء, وقيل: لا يقع شيء.
قال في [الشرح] و [الروضة]: يشبه أن يكون الأول أظهر.
قال: (وإن قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله .. فلا في الأصح)؛ لأن معناه إلا أن يشاء الله عدم تطليقك .. فلا يقع شيء؛ لأن المشيئة لا اطلاع لنا عليها.
والثاني: يقع؛ لأنه أوقعه وشككنا في الرافع فصار كما لو قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد, فمات زيد ولم تعلم مشيئته .. فإنه يقع الطلاق, وهذا رجحه العراقيون, وقال الروياني وصاحب (الكافي): إنه المذهب, ورجحه القاضي البغوي والماوردي.
فروع:
الأول: قال: حفصة وعمرة طالقتان إن شاء الله .. نقل الرافعي عن (التهذيب): أن الاستثناء يرجع إلى عمرة على الأصح, وقيل: إليهما.
اهـ
والذي في (التهذيب): لو قال حفصة وعمرة طالقتان إن شاء الله .. لا تطلق واحدة منهما.
ولو قال: حفصة طالق وعمرة طالق إن شاء الله .. طلقت حفصة, ولا تطلق عمرة؛ لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه, وقيل: إليهما, والأول أصح.
الثاني: عن القفال لو قال: أنت طالق واحدة ثلاثاً إن شاء الله من غير واو) .. لم يقع شئ؛ لأن الواحدة المتقدمة عائدة في الثلاث, والاستثناء عائد إلى جميع الكلام.
الثالث: لو قال: علي الطلاق لا أفعل الشيء الفلاني إلا أن يسبقني القضاء والقدر ثم فعله وقال: قصدت إخراج ما قدر منه على اليمين .. أفتى ابن الصلاح بعدم الوقوع.
فَصْلٌ:
شَكَّ فِي طَلاَقٍ .. فَلاَ، أَوْ فِي عَدَدٍ
تتمة:
فعل شيئاً ثم قال: والله ما فعلته إن شاء الله أو حلف بالطلاق أنه ما فعل ثم قال: إن شاء الله .. صرح المتولي بأنه لا يحنث، فإذا لم يفعل شيئاً شاء الله أنه لم يفعله؛ إذ لا يقع شيء إلا بمشيئة الله تعالى، وبهذا أفتى البارزي، وصوبه في (المهمات) هنا وفي (الدعاوى)، واستشهد له بقول الأصحاب: إن الحاكم لو حلفه على نفي الغصب فقال: والله ما غصبت إن شاء الله .. كان ناكلاً وتعاد اليمين، فلولا أن الاستثناء ينفع في الماضي .. ما جعلوه ناكلاً.
قال: (فصل: شك في طلاق .. فلا) إذا شك هل طلق أم لا؟ لا يقضى عليه بوقوعه بالإجماع، سواء استوى الطرفان أو رجح أحدهما بغير دليل، ولأن الأصل بقاء النكاح فاستصحب كما يستصحب أصل الطهارة عند الشك، وأستدل له الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).
قال في (المطلب): ولا يختلف الأصحاب في أنه لا يحرم عليه وطئها في هذه الحالة.
قال: (أو في عدد .. فالأقل)؛ لأنه المتيقن، والأصل عدم الزائد.
وقال مالك: يأخذ بالأكثر كما إذا تحقق النجاسة في ثوب ولم يعرف قدرها .. فإنه يأخذ بالأكثر ويغسله كله.
وأجاب الأصحاب بأنه ليس للنجاسة قدر معلوم حتى يستصحب أصل العدم فيما عداه، وقد تحققنا التحريم فوجب استصحابه إلى أن يتيقن الطهارة، وهنا عدد الطلاق من واحدة أو اثنتين معلوم فيستصحب أصل العدم فيما سواه، ونظير الطلاق من
وَلاَ يَخْفَى الْوَرَعُ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ ذَا الطَّائِرُ غُرَاباً .. فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَامْرِأَتِي طَالِقٌ وَجُهِلَ .. لَمْ يُحْكَمْ بِطَلاَقِ وَاحِدِ،
النجاسة أن يتحققها في طرف من الثوب ويشك في إصابتها طرفاً آخر .. فلا يجب غسل الطرف المشكوك فيه.
قال: (ولا يخفى الورع) أي: في الصورتين وهو الأخذ بأسوء التقديرين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) رواه أحمد [1/ 200] والترمذي [2518] والنسائي [8/ 327] عن الحسن بن علي مرفوعاً، ففي الأولى يراجع إن كان له الرجعة، وإلا .. فيجدد النكاح إن كان له رغبة، وإلا .. فينجز طلاقها، وأما في هذه .. فالورع أن يبتدئ إيقاع طلقتين لا إيقاع ثلاث.
و (الورع): الكف عن المحارم والتخرج منها، هذا أصله، ثم استعير للكف عن المباح والحلال.
وفي الحديث: (ملاك الدين الورع).
جاء رجل إلى أبي حنيفة رحمه اله فقال: لا أدري أطلقت امرأتي أم لا، فقال له: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك طلقتها، فتركه ثم جاء إلى سفيان الثوري فسأله فقال: اذهب فراجعها فإن كنت طلقتها .. فقد راجعتها، وإلا .. فلا تضرك المراجعة، فتركه وجاء إلى شريك فقال: اذهب فطلقها ثم راجعها، فتركه وجاء إلى زفر فسأله فقال: هل سألت أحداً؟ قال: نعم وقص عليه القصة، فقال قي جواب أبي حنيفة: الصواب ما قال لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قال لك، فلما انتهى إلى قول شريك .. ضحك ملياً ثم قال: لأضربن لهم مثلاً: رجل يشك في ثوبه هل أصابته نجاسة .. فقال له أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتى تستيقن، وقال سفيان: اغسله فإن كان نجساً .. فقد طهرته، وإلا .. فقد زدته طهارة، وقال شريك: بُلْ عليه ثم اغسله.
قال: (ولو قال: إن كان ذا الطائر غراباً .. فأنت طالق، وقال آخر: إن لم يكنه فامرأتي طالق وجهل .. لم يحكم بطلاق واحد)؛ لأن الأصل بقاء النكاح وشككنا في رافعه كما إذا سمعنا صوت حدث بين اثنين ثم قام كل منهما إلى الصلاة .. لم يكن
وَإِنْ قَالَهُمَا رَجُلٌ لِزَوْجَتَيْهِ .. طَلُقَتْ إِحْدِاهُمَا وَلَزِمَهُ الْبَحْثُ وَالْبَيَانُ.
وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ جَهِلَهَا .. وُقِفَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ،
للآخر أن يعترض عليه، وكذلك لو وقع التعليقان منهما في العتق، فأيهما ملك العبد الآخر فاجتمعا عنده .. منع من التصرف فيهما، ويؤمر بالتعيين، وعليه البحث عن طريق البيان.
وقيل: إنما يمتنع التصرف في المشتري دون الأول، فلو باع أحدهما عبده واشترى الآخر .. ففي (البسيط): لم أره مسطوراً، والقياس: نفوذ التصرف فيه، أما على طريقة العراقيين .. فيعتق الثاني بلا شك.
وقول المصنف: (يكنه) وصل الضمير بخبر كان، وهو اختيار شيخه ابن مالك، والجمهور على اختيار الانفصال.
قال: (وإن قالهما رجل لزوجتيه .. طلقت إحداهما)؛ لأنه لا بد فيه من أحد الوصفين، إذ ليس بين النفي والإثبات واسطة، وعليه أن يجتنبهما إلى أن يتيقن تحريم إحداهما كما لو طلق إحداهما على التعيين ثم التبست.
قال: (ولزمه البحث والبيان)؛ لجواز أن يكون عنده علم منه، هذا حيث أمكنه، فلو طار ولم يعلم حاله .. لم يلزمه جزماً.
فرع:
عن البوشنجي لو قال: أنت طالق بعدد كل شعرة على جسد إبليس .. فقياس مذهبنا: أنه لا يقع؛ لأنا لا ندري هل على جسده شعر أم لا، والأصل عدمه.
وعن بعض الحنفية: أنه تقع عليه طلقة، قال المصنف: وهو القياس، وليس هذا تعليقاً على صفة شككنا فيها، بل هو تنجيز طلاق وربط لعدده بشيء شككنا فيه، فنوقع أصل الطلاق ونلغي العدد، والواحدة ليست بعدد بل أقل العدد اثنان، فالمختار وقوع طلقة.
قال: (ولو طلق إحداهما بعينها ثم جهلها .. وقف حتى يتذكر) وذلك على سبيل
وَلاَ يُطَالَبُ بِبَيَانٍ إِنْ صَدَّقْنَاهُ فِي الْجَهْلِ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا وَلِأَجْنَبِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، وَقَالَ: قَصَدْتُ الأَجْنَبِيَّةَ .. قُبِلَ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ، وَقَالَ: قَصَدْتُ أَجْنَبِيَّةً .. فَلاَ فِي الأَصَحِّ
الوجوب؛ لأن إحداهما حرمت بالطلاق والأخرى بالاشتباه، كما لو اشتبهت محرمة بغيرها في عدد محصور .. فإنه يمتنع نكاحها.
قال: (ولا يطالب ببيان إن صدقناه في الجهل)؛ لأن الحق لهما فإن كذبتاه وبادرت إحداهما فقالت: أنا المطلقة .. لم يُقنع منه بقوله: نسيت أو لا أدري، بل يطالب بيمين جازمة أنه لم يطلقها، فإن نكل .. حلفت وقضي لها.
قال: (ولو قال لها ولأجنبية: إحداكما طالق، وقال: قصدت الأجنبية .. قبل في الأصح) أي: بيمينه؛ لتردد الكلمة بينهما واحتمالهما معاً فإذا عين الأجنبية .. صار كقوله لها: أنت طالق، وكذا إذا خاطب زوجته وأمته وقال: أردت الأمة.
والثاني: لا يقبل منه وتطلق الزوجة؛ لأنه أرسل الطلاق بين محله وغير محله، فينصرف إلى محله لقوته، كما إذا أوصى بطبل وله طبل حرب وطبل لهو .. نزلت الوصية على طبل الحرب؛ تصحيحاً لها، والطلاق أقوى وأولى بالنفوذ من الوصية.
ولو قال ذلك لزوجته ورجل أو دابة ثم قال: أردت الرجل أو الدابة .. لم يقبل.
وأفهم قوله: (قصدت الأجنبية) أنه لو لم تكن له إرادة .. تطلق الزوجة، وكذلك نقله الشيخان عن (فتاوى البغوي) وأقراه.
قال في (المطلب): وفيه نظر؛ لما سبق في تعليل الأصح.
ولو قال لأم زوجته: ابنتك طالق ثم قال: أردت البنت التي ليست لي زوجة .. صدق، حكاه الرافعي في آخر الباب.
قال: (ولو قال: زينب طالق، وقال: قصدت أجنبية .. فلا في الأصح)؛ لأنه صرح باسم زوجته، فالظاهر انصرافه إليها، بخلاف المسألة قبلها؛ فإن قوله: (إحداكما) يتناولهما تناولاً واحداً ولم يوجد منه تصريح باسم زوجة ولا إشارة بالطلاق إليهما، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَقَصَدَ مُعَيَّنَةً .. طَلُقَتْ، وَإِلاَّ .. فَإِحْدَاهُمَا، وَيَلْزَمُهُ الْبَيَانُ فِي الأُولَى، وَالتَّعْيِينُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُعْزَلاَنِ عَنْهُ إِلِى الْبَيَانِ وَالتَّعْيِينِ، وَعَلَيْهِ الْبِدَارُ لَهُمَا،
والثاني: يصدق بيمينه كالصورة السابقة؛ لأن التسمية محتملة، والأصل بقاء النكاح.
وفرق البوشنجي فقال: إن قال: زينب طالق، ثم قال: أردت الأجنبية .. قبل، وإن قال: طلقت زينب، ثم قال ذلك .. لم يقبل ولم يرتض الرافعي الفرق.
ولو كان تحته امرأتان إحداهما بنكاح فاسد فقال: إحداكما طالق ثم قال: أردت التي نكاحها فاسد .. ففيه الخلاف المتقدم.
قال: (ولو قال لزوجتيه: إحداكما طالق وقصد معينة .. طلقت)؛ لأن اللفظ صالح لهما، فإذا صرفه بالنية إلى إحداهما .. انصرف.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يقصد واحدة بعينها (.. فإحداهما)؛ لأنه لم يقصد معينة، وقال مالك: تطلقان، وأغرب الإمام فخر الدين فقال: لا تطلق إحداهما مطلقاً؛ لأن الطلاق معين فيستدعي محلاً معيناً.
وقوله: (وإلا .. فإحداهما) يشمل ثلاث صور: ما إذا نوى إحداهما لا بعينها، وما إذا أطلق، وما إذا نواهما معاً، وبالثالثة صرح الإمام كما نقله الرافعي عنه.
قال: (ويلزمه البيان في الأولى، والتعيين في الثانية) أي: على الفور؛ لتمييز الزوجة من المطلقة، وإطلاق الأصحاب يقتضي وجوب ذلك من غير طلب من الزوجتين.
قال ابن الرفعة: ولا وجه لإيجابه قبل الطلب، لأن الحق لهما لا يعدوهما، وحق الله فيه الانعزال عنهما وقد أوجبناه.
قال: (ويعزلان عنه إلى البيان والتعيين)؛ لأن الزوجة اشتبهت بالمطلقة، واجتمع الحل والحرمة، فغلب جانب التحريم احتياطاً للأبضاع فامتنع الجمع.
قال: (وعليه البدار لهما) أي البيان والتعيين؛ لما في ترك ذلك من تطويل العدد على المطلقة، فلو أخر بلا عذر .. عصى وعذر.
وَنَفَقَتُهُمَا فِي الْحَالِ، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ بِاللَّفْظِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُعَيِّنْ .. فَعِنْدَ التَّعْيِينِ، وَالْوَطْءُ لَيْسَ بَيَاناً
ومقتضى كلام المصنف: أنه لا يمهل إذا استمهل، وقال ابن الرفعة: يمهل ثلاثة أيام كمن أسلم على أكثر من أربع نسوة، وهذا القياس صحيح فيما إذا عين ونسي أو أبهم، فإن عين ولم يدَّعِ النسيان .. فلا وجه للإمهال.
هذا في الطلاق البائن، أما الرجعي .. فلا يلزم فيه بيان ولا تعيين في الحال على الأصح في (أصل الروضة) و (الشرح الصغير)، وينبغي أن يكون محله مع بقاء العدة، فإن انقضت .. لزمه في الحال؛ لحصول البينونة، وتعليلهم يرشد إليه.
قال: (ونفقتهما في الحال)؛ لأنهما محبوستان عنده بعقد النكاح.
والمراد بـ (الحال): حال التوقف إلى البيان كما عبر به في (الشرحين) و (الروضة)، ولا يسترد الذي أنفقه على التي بانت مطلقة؛ لأنه لا تقصير من جهتها، قال الإمام: وهي من النوادر؛ لأنها نفقة لبائن.
قال: (ويقع الطلاق باللفظ) أما في المعينة المبينة .. فبلا خلاف، وأما في المبهمة .. فوجهان: أصحهما: كذلك؛ لأن لفظ الإيقاع قد وجد منجزاً فلا بد من الحكم بالوقوع، لكن محله غير معين، فإذا عينه .. عمل لفظ الإيقاع من حينئذ، كما لو أعتق في مرضه ثم مات وأقرعنا بينهم يتبين بخروج القرعة أنهم كانوا أحراراً يوم العتق.
قال: (وقيل: إن لم يعين .. فعند التعيين)؛ لأنه لو وقع قبله .. لوقع لا في محل والطلاق معين فيستدعي محلاً معيناً، فكأن الزوج أوجب الطلاق والتزمه ولم يوقعه فلزمه إتمامه وحصلت الحيلولة لذلك، وأما العدة .. فمن حين الطلاق؛ لأنه وقت وقوعه وكذا في المبهمة في الأصح.
وقيل: من التعيين، وهو الراجح في (أصل الروضة)، وقيل: بطرده في المعينة.
قال: (والوطء ليس بياناً) أي: للمعينة المنوية قطعاً؛ لأن الطلاق لا يقع بالفعل، فتبقى المطالبة بحالها.
ولَاَ تَعْيِيناً، وَقِيلَ: تَعْيِينٌ.
وَلَوْ قَالَ مُشِيراً إِلَى وَاحِدَةٍ: هَذِهِ الْمُطَلَّقّةُ .. فَبَيَانٌ، أَوْ أَرَدْتُ هَذِهِ وَهَذِهِ، أَوْ هَذِهِ بَلْ هّذِهِ ..
حُكِمَ بِطَلاَقِهَما
قال: (ولا تعييناً) أي: للموطوءة للنكاح كما لو كانت المطلقة المعينة.
قال: (وقيل: تعيين) أي: للطلاق في غير الموطوءة؛ لأن التعيين يحصل بالاختيار والوطء دال عليه كوطء المبيعة في زمن الخيار يجعل فسخاً، وفرق الأول بأن ملك النكاح لا يحصل بالفعل، ابتداء فلا يتدارك بالفعل، بخلاف ملك اليمين.
والذي رجحة المصنف تابع فيه (المحرر)، وقال في (الروضة): إنه المختار، والذي عليه الأكثرون- وهو ظاهر المذهب كما قاله الماوردي وغيره-: الثاني، فعلى هذا: في سائر الاستمتاعات وجهان.
قال: (ولو قال مشيراً إلى واحدة: هذه المطلقة .. فبيان)؛ عملاً بقوله؛ إذ لا يعلم إلا من جهته.
قال: (أو أردت هذه وهذه، أو هذه بل هذه .. حكم بطلاقهما)؛ لأنه أقر للأولى ثم رجع بإقراره للثانية فقبلنا إقراره دون رجوعه، فالوقوع بإقراره لا بقوله: إحداكما.
ونبه بقوله: (أردت هذه) على أنه أراد أولاً واحدة بعينها ولم يبهم الطلاق بينهما.
ومثل بـ (الواو) وبـ (بل) للتنبيه على أنه لا يسمع منه الإضراب عن الأولى؛ لتعينها.
ولو عطف بـ (الفاء) أو بـ (ثم) .. قال القاضي وصاحباه البغوي والمتولي: تطلق الأولى فقط؛ لاقتضاء الحرفين الترتيب، واعترض الإمام بأنه اعترف بطلاق الثانية أيضاً فليكن كقوله: (هذه وهذه)، وقوى الرافعي الاعتراض، وقال المصنف: قول القاضي أظهر.
ولو قال: هذه أو هذه .. استمر الإبهام وطولب بالبيان، كل هذا فيما إذا نوى معينة، فإن أبهم فطولب بالتعيين فأشار لواحدة فقال: هذه المطلقة .. فإنها تتعين ويلغو ذكر غيرها، سواء عطف غيرها بـ (الفاء) أو (ثم) أو (الواو)؛ لأن التعيين
وَلَوْ مَاتَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ بيَانٍ وَتَعْيِينٍ .. بَقِيَتِ الْمُطَالَبَةُ لِبَيَانِ الإِرْثِ.
وَلَوْ مَاتَ .. فَالأَظْهَرُ: قَبُولُ بَيَانِ وَارِثِهِ لاَ تَعْيِينِهِ
ليس اختياراً، بل هو إنشاء اختيار، سواء قلنا: الطلاق من اللفظ أو التعيين، كل هذا في الظاهر، أما في الباطن .. فالمطلقة من نواها، قاله الإمام.
قال: (ولو ماتتا أو إحداهما قبل بيان وتعيين) والحال أن الطلاق بائن (.. بقيت المطالبة لبيان الإرث)؛ لأنه قد ثبت إرثه في إحداهما بيقين، فيوقف من مال كل منهما نصيب زوج، هذا إذا كان كل منهما بصفة الوراثة، فإن كانت إحداهما كتابية والأخرى والزوج مسلمين .. فالأصح: المنع، صرح به الرافعي في (نكاح المشرك)، واستدركه في (الكفاية) هنا.
وقيل: إذا ماتتا .. سقط التعيين، وإن ماتت إحداهما .. تعين الطلاق في الأخرى بناء على الوقوع عند التعيين ولا وقوع بعد الموت وهو بعيد.
قال: (ولو مات) أي: قبل البيان أو التعيين (.. فالأظهر: قبول بيان وارثه لا تعيينه)؛ لأن البيان إخبار وقد نقف على مراد مورثه منه أو من غيره، والتعيين اختيار شهوة فلم نلحقه به كما لو أسلم على عشر ومات قبل الإخبار، وكما أنه لا ينوي لو أتى مورثه بكناية.
والثاني: يقبل فيهما كما في الرد بالعيب وحق الشفعة واستحقاق النسب.
والثالث: المنع مطلقاً؛ لأن حقوق النكاح لا تورث، ولأن الإرث لا يختلف بزوجة أو زوجتين، والذي صححه المصنف هنا صححه في (تصحيح التنبيه) أيضاً، وعبارة (المحرر) لا تعطي ذلك، وعبارة (الشرح) و (الروضة) تقتضي خلافه كما بينه في (المهمات).
وإذا ماتت إحداهما ثم مات الزوج ثم الأخرى وعين الوارث الأولى للطلاق .. قبل قطعاً؛ لأنه عليه لا له، وإن عين الأولى للنكاح أو مات الزوج بعد موتهما .. ففيه القولان، وإذا قلنا: يقوم أو لا يقوم فقال: لا أعلم، فإن مات الزوج قبلهما .. وقف ميراث زوجة حتى يصطلحا أو يصطلح ورثتهما بعد موتهما.
ولَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ ذّا الطَّائِرُ غُرَاباً فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَإِلاَّ فَعَبْدِي حُرٌ وَجُهِلَ .. مُنِعَ مِنْهُمَا إِلَى الْبَيَانِ، وَإِنْ مَاتَ .. لَمْ يُقْبَلْ بيَانُ الْوَارِثِ عَلَى الْمَذْهَبِ، بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ؛ فَإِنْ قَرَعَ .. عَتَقَ،
قال: (ولو قال: إن كان ذا الطائر غراباً فامرأتي طالق وإلا فعبدي حر وجهل .. منع منهما إلى البيان) فلا يستخدم العبد ولا يستمتع بالمرأة؛ لأنه علم زوال ملكه عن أحدهما فأشبه طلاق إحدى الزوجتين.
ولو كانت الزوجات الحالف بطلاقهن أربعاً .. حرم عليه نكاح سواهن.
قال الماوردي: ويسقط عنه القسم؛ لتحريمهن عليه، وكذلك يحرم على العبد أن يتصرف في نفسه تصرف الأحرار، وعليه نفقة الزوجة والعبد إذا لم يكن له كسب، فلو أراد الكسوب أن يكتسب وأراد السيد أن يستخدمه وينفق عليه .. ففي المجاب منهما وجهان.
وفي وجه: يقرع بينهما كما سيأتي عند موت الحالف، وجميع ما تقدم من الأمر بالبيان والتعيين والحبس والتعزير عند الامتناع يأتي مثله هنا.
قال: (وإن مات .. لم يقبل بيان الوارث على المذهب)؛ لأنه متهم في إخباره بالحنث في الطلاق ليرق العبد وسقط الإرث للزوجة، ولأن للقرعة مدخلاً في العتق فقدمت على الرجوع إلى الوارث.
والمصنف أطلق الخلاف تبعاً لـ (المحرر) وغيره، وخصه السرخسي بما إذا عين الوارث الحنث في المرأة، أما إذا عكس .. فيقبل مطلقاً؛ لإضراره بنفسه، واستحسنه الرافعي، وقال في (الروضة): إنه متعين وإنَّ غير السرخسي قاله أيضاً.
قال: (بل يقرع بين العبد والمرأة)؛ رجاء خروج القرعة على العبد، فإنها مؤثرة في العتق، وهي وإن لم تؤثر في الطلاق لكن هذا كما لو شهد رجل وامرأتان في سرقة .. فإنه يصغى إليها؛ لتأثيرها في الضمان وإن لم تؤثر في القطع.
قال: (فإن قرع) أي خرجت القرعة للعبد (.. عتق) هذا إذا كان التعليق في الصحة أو في المرض وخرج من الثلث.
أَوْ قَرَعَتْ .. لَمْ تَطْلُقْ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يَرِقُّ
قال: (أو قرعت .. لم تطلق) خلافاً لأبي ثور؛ لأن القرعة لا مدخل لها في الطلاق بدليل ما لو طلق إحدى امرأتيه .. فإنه لا يقرع بينهما، بخلاف العتق فإن النص ورد به.
قال: (والأصح: أنه لا يرق) بل يبقى مبهماً؛ لأن القرعة لم تؤثر فيمن خرجت له ففي غيره أولى.
والثاني: يرق؛ لأنه مقروع، وقال شارح (التعجيز): إن جمهور النقلة قطعوا به، وقال الروياني: إنه ظاهر المذهب، وعلى هذا يزول الإشكال.
وعلى الأول قال ابن أبي هريرة: إن القرعة تعاد إلى أن يخرج عليه.
قال الإمام: وعندي يجب أن يخرج القائل بهذا عن أحزاب الفقهاء، ومن قال به .. فليقطع بعتق العبد وليترك تضييع الزمان من إخراج القرعة.
قال الرافعي: وهذا قويم ولكن الحناطي عزى هذا إلى ابن أبي هريرة وهو زعيم عظيم من الفقهاء لا يتأتى إخراجه من أحزابهم، وكان الشيخ يستأنس له بما اتفق في أمر عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج القدح عليه فزادوا الإبل عشراً عشراً.
وكذلك ما يرويه المفسرون في قصة يون عليه السلام من أن أهل السفينة اقترعوا ثلاثاً وهي تقع عليه.
وقوله: (يرق) ضبطه المصنف بفتح أوله وكسر ثانيه وهو الصواب.
تتمة:
قال لزوجاته الأربع وقد جلسن صفاً: الوسطى منكن طالق، قال البوشنجي: فيه وجهان:
أحدهما: لا يقع شيء، وبه قال أصحاب أبي حنيفة؛ إذ ليس للأربع وسطى.
والثاني: يقع الطلاق على الوسطين.
قال المصنف: كلا الوجهين ضعيف، والمختار ثالث وهو أنه تطلق واحدة من
فَصْلٌ:
اُلطَّلاَقُ: سُنِّيٌ وَبِدْعِيٌّ، وَيَحْرُمُ اُلْبِدْعِيُّ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: طَلاَقٌ فِي حَيْضِ مَمْسُوسَةٍ
الوسطيين ويعينها الزوج، والذي اختاره المصنف تفقهاً هو الصواب المنصوص في (الأم) في (أبوب الكناية).
قال: (فصل:
الطلاق سني وبدعي) اتفق العلماء على انقسامه إلى ذلك؛ لأنه يقع تارة حلالاً وتارة حراماً، ولهم في تفسير ذلك اصطلاحان:
أحدهما: أن السني: ما لا يحرم إيقاعه، والبدعي: ما يحرم، وعلى هذا فلا قسم سواهما.
والثاني- وهو المشهور-: أن السني: طلاق مدخول بها ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة، والبدعي: طلاق مدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه ولم يبن حملها، وعلى هذا يخرج عن القسمين طلاق غير المدخول بها وطلاق الحامل والصغيرة والآيسة فيكون الطلاق ثلاثة أقسام.
وقد قسم العلماء الطلاق إلى واجب كطلاق المولي وطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأياه، وإلى مستحب كما إذا كانت حالتهما غير مستقيمة أو لم تكن عفيفة أو سيئة الخلق أو فيها بذاءة على أهله، وإلى محظور كطلاق البدعة، وإلى مكروه وهو عند استقامة الحال.
قالوا: وليس فيه مباح، وأشار الإمام إلى وجوده فيما إذا كان لا يهواها ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير حصول استمتاع .. فإنه لا يكره طلاقها.
قال: (ويحرم البدعي)؛ لحصول الضرر به بسبب طول العدة.
قال: (وهو ضربان: طلاق في حيض ممسوسة) وهو مجمع عليه بسبب أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه: (مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء .. أمسكها، وإن شاء .. وَقِيلَ: إَنْ سَأَلتْهُ .. لَمْ يَحْرُمْ- وَيَجُوزُ خُلْعُهَا فِيهِ لاَ أَجْنَبِيٍّ فِي اُلأَصَحِّ
طلقها قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) رواه مسلم [1471].
وهذه المرأة .. قال المصنف وابن باطيش: اسمها آمنة بنت غفار.
والنفاس كالحيض، قاله الرافعي هنا، وكلامه في (باب الحيض) يخالفه، والمسألة ذكرها المصنف هناك.
ويستثنى من تحريم الطلاق في الحيض: الحامل إذا حاضت .. لا يحرم طلاقها فيه على الأصح، وسيأتي في كلام المصنف: (وإذا قال: أنت طالق مع آخر حيضك ....) وطلاق المولي إذا طولب به فطلقها حائضاً .. قال الإمام والغزالي وغيرهما: لا يكون حراماً؛ لأنها راضية.
قال الرافعي: ويمكن أن يقال بتحريمه؛ لأنه أخرجها بالإيذاء إلى الطلب، وهو غير ملجئ؛ لتمكنه من الفيئة.
فلو طلق الحاكم عليه، إذا قلنا به .. فلا شك في عدم تحريمه، وإذا رأى الحكمان الطلاق في الحيض .. ففي (شرح مختصر الجويني): أنه لا يحرم ثم لا يخفى أن مرادهم الطلاق المنجز، فلو علق بدخول الدار مثلاً فدخلت في الحيض .. لا يكون بدعياً خلافاً للقفال، ويمكن أن يقال: إذا وجدت الصفة باختياره .. أثم بإيقاعه في الحيض، وإلا .. فلا.
قال: (وقيل: إن سألته .. لم يحرم)؛ لرضاها بتطويل العدة، والأصح: التحريم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما أنكر الطلاق في الحيض .. لم يستفصل.
قال: (ويجوز خلعها فيه) ويكون سنياً؛ لإطلاق قوله تعالى:
} فلا جناح عليهما فيما افتدت به {، ولأنه صلى الله عليه وسلم أطلق الإذن لثابت بن قيس في الخلع على مال من غير استفصال عن حال زوجته.
قال: (لا أجنبي في الأصح)؛ لأنها لم ترض بذلك.
والثاني- وهو احتمال الإمام-: أنه غير بدعي؛ لأن المال يشعر بالضرورة.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتش طَالِقٌ مَعَ آخِرِ حَيْضِكِ .. فِسُنِّيٌّ فِي اُلأَصَحِّ، أَوْ مَعَ آخِرِ طُهْرٍ لَمْ يَطَاهَا فِيهِ .. فَبِدْعِيٌّ عَلَى اُلْمَذْهَبِ.
وَطَلاَقٌ فِي طُهْرٍ وَطِئ فِيهِ مَنْ قَدْ تَحْبَلُ وَلَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ، فَلَوْ وَطِئَ حَائِضاً وَطَهُرَتْ فَطَلَّقَهَا .. فَبِدْعِيٌّ فِي اُلأَصَحِّ
قال: (ولو قال: أنت طالق مع آخر حيضك .. فسني في الأصح)؛ لاستعقابه الشروع في العدة.
والثاني: أنه بدعي؛ لاقترانه بالحيض، وصححه الروياني، ولو أتى بـ (في) بدل (مع) فهي كـ (مع) عند الجمهور.
وقال المتولي في آخر الحيض: بدعي قطعاً، وفي آخر الطهر: سني قطعاً، وألحق في (الكافي) لفظة (عند) بهما.
قال: (أو مع آخر طهر لم يطأها فيه .. فبدعي على المذهب)؛ بناء على أن الطهر المحتوش بدمين، فإن جعلناه الانتقال .. فوجهان: أصحهما: أنه سني.
وعلى المصحح: تستثنى الصورتان من تحريم الطلاق في الحيض؛ نظراً إلى المعنى، وهو التطويل في الثانية ومنعه في الأولى.
وقال ابن سريج: يقع في الصورتين بدعياً أخذاً بالأغلظ.
قال: (وطلاق في طهر وطئ فيه من قد تحبل ولم يظهر حمل) هذا الضرب الثاني من البدعي، واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: (ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها) ولأنه ربما يندم على الطلاق لو ظهر الحمل؛ فإن الإنسان قد يطلق الحائل ولا يطلق الحامل.
واحترز بقوله: (من قد تحبل) عن الصغيرة والآيسة، وهل طلاقهما سني أو لا سنة فيه ولا بدعة؟ مبني على الاصطلاحين واستدخالهما ماءه كطلاقه فيحرم طلاقها في ذلك، وكذلك لو وطئها في الدبر على الأصح.
قال: (فلو وطئ حائضاً وطهرت فطلقها .. فبدعي في الأصح)؛ لاحتمال العلوق في الحيض، وكون البقية مما دفعته الطبيعة أولاً وتهيأ للخروج.
والثاني: لا يكون بدعياً؛ لأن لبقية الحيض إشعاراً بالبراءة.
وَيَحِلُّ خُلْعُهَا، وَطَلاَقٌ مَنْ ظَهَرَ حَمْلُهَا.
وَمَنْ طَلَّقَ بِدْعِيّاً .. سُنَّ اُلرَّجْعَةُ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ .. طَلَّقَ بَعْدَ طُهْرٍ
وصورة المسألة: أن يطلقها قبل أن يمسها، وأشار المصنف إلى ذلك بتعبيره بـ (الفاء).
قال: (ويحل خلعها) يعني أن هذه الصورة تستثنى من التحريم في طهر جامعها فيه كمخالعتها في الحيض، وفي كونه سنياً خلاف من الاصطلاحين.
قال: (وطلاق من ظهر حلمها) فيحل لزوال الندم وعدم تطويل العدة، وحصره البدعي في الصورتين ممنوع؛ فإنه لو قسم لإحدى زوجتيه ثم طلق الأخرى قبل أن يوفيها حقها منه .. كان حراماً، وهذا سبب آخر لكون الطلاق بدعياً.
قال: (ومن طلق بدعياً .. سن له الرجعة)؛ لحديث ابن عمر، وقال مالك:
تجنب لأنها توبة والتوبة واجبة.
لنا: القياس على ما إذا طلقها في طهر جامعها فيه؛ فإنه وافق فيها على أنها لا تجب مع أنه حرام، ثم لا يخفى أنه إنما سن له الرجعة إذا لم يستوف عدد طلاقها.
وقال الإمام: المراجعة وإن كانت مستحبة لا نقول تركها مكروه.
قال في (الروضة): في هذا نظر، وينبغي أن يقال: مكروه؛ للحديث الصحيح الوارد فيها، ولدفع الإيذاء.
ومقتضى إطلاقهم استحباب الرجعة ما بقيت العدة، وقيده الماوردي والروياني ببقية تلك الحيضة التي طلقت فيها، قالا: فإن طهرت منها سقط الاستحباب؛ لأنها صارت إلى طهر لا يحرم طلاقها فيه فلم يؤمر بارتجاعها، ووافقهما على ذلك شارح (التعجيز).
ثم إذا راجع هل يرتفع الإثم؟ حكى المصنف عن شيخه الكمال سلار رواية وجهين، ونقل في (تعليقه) على (الوسيط) أن جماعة من مشايخه قالوا: يرتفع؛ لأنها كفارة له، ولأنه رجوع عن المعصية؛ لأنها توبة وهي تجب ما قبلها.
قال: وهو ظاهر، وبه يتقوى مذهب مالك.
قال: (ثم إن شاء .. طلق بعد طهر)؛ لحديث ابن عمر.
وَلَوْ قَالَ لِحَائِضٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ .. وَقعَ فِي اُلْحَالِ، أَوْ لِلسُّنَّةِ .. فَحِينَ تَطْهُرُ، أَوْ لِمَنْ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .. وَقَعَ فِي اُلْحَالِ، وَإِنْ مُسَّتْ .. فَحِينَ تَطْهُرُ بَعْدَ حَيْضٍ، أَوْ لِلْبِدْعَةِ .. فَفِي اُلْحَالِ إِنْ مُسَّتْ فِيهِ، وَإِلاَّ .. فَحِينَ تَحِيضُ
قال: (ولو قال لحائض: أنت طالق للبدعة .. وقع في الحال)؛ لاتصال طلاقها بالبدعة وكذلك النفساء.
قال: (أو للسنة .. فحين تطهر) أي: تشرع في الطهر، ولا يتوقف ذلك على الاغتسال؛ لوجود الصفة قبله.
نعم؛ يرد عليه ما لو وطئها في آخر الحيض واستدام إلى انقطاعه، فإنها لا تطلق؛ لاقتران الطهر بالجماع، وكذا لو لم تستدم بناء على أصح أنه بدعي.
ولا بد من تقييد الطهر بأن تشرع في العدة، وإلا .. فقد تطهر ولا تشرع في عدته كوطء الشبهة في دوام زوجيته، وحينئذ لا يقع طلاقه فيه؛ لأنه بدعي، بل يتأخر وقوعه إلى طهر تشرع به في عدته.
قال: (أو لمن في طهر لم تمس فيه أنت طالق للسنة .. وقع في الحال)؛ لوجود الصفة، والمراد: لم يمسها هو فيه، أما لو مسها أجنبي بشبهة .. فلاكما تقرر.
قال: (وإن مست) أي: وطئها هو (.. فحين تطهر بعد حيض)؛ لوجود الصفة أيضاً.
قال: (أو للبدعة .. ففي الحال إن مست فيه، وإلا .. فحين تحيض)؛ لما تقرر.
وقال المتولي: بظهور الدم، فإن انقطع لدون أقله .. بان عدمه.
وقال الرافعي: يشبه أن يجي فيه الخلاف في (إن حضت) هل تطلق بالظهور أو بمضي أقله؟
فائدة:
اللام إن دخلت على ما يتكرر ويتعاقب كـ (للسنة) ولـ (رمضان) .. فهي للتأقيت، أي: إذا جاء ذلك .. فأنت طالق، وإلا .. فللتعليل كلرضي زيد فتطلق في الحال وإن
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً أَوْ أَحْسَنَ اُلطَّلاَقِ أَوْ أَجْمَلَهُ .. فَكَلِلسُّنَّةِ، وَطَلْقَةً قَبِيحَةً أَوْ أَقْبَحَ اُلطَّلاَقِ أَوْ أَفْحَشَهُ فَكّلِلبِدْعَةِ، أَوْ سُنِّيِّةً بِدْعِيَّةً، أَوْ حَسَنَةً قَبِيحَةً .. وَقَعَ فِي اُلْحَالِ
سخط، سواء نوى التعليل أم لا على الصحيح، فإن نوى التأقيت .. لم يقبل في الأصح وَيُدَيَّنُ.
فرع:
قال لمن لا سنة لها ولا بدعة كصغيرة: أنت طالق للسنة .. طلقت في الحال، وحمل على التعليل وكذا للبدعة، قيل: ينتظر زمنهما، وقيل: لا تطلق؛ لتعليقه بمحال، وهو يطرد في قوله للسنة.
قال: (ولو قال: أنت طالق طلقة حسنة أو أحسن الطلاق أو أجمله .. فكللسنة)؛ لأن الأولى بالمدح ما وافق الشرع، وهذا عند الإطلاق، فإن قال: أردت طلاق البدعة؛ لأنه في حقها أحسن لسوء خلقها كأن كان في زمن البدعة .. قبل؛ لأنه أغلظ عليه، أو للسنة .. دُيِّنَ ولا يقبل ظاهراً.
قال: (وطلقة قبيحة أو أقبح الطلاق أو أفحشه .. فكللبدعة)؛ لأن الأولى بالذم ما خالف الشرع، وهذا عند الإطلاق، فإن قال: أردت به السني؛ لقبحه في حقها لحسن خلقها .. دُيِّنَ ولم يقبل ظاهراً.
قال: (أو سنية بدعية، أو حسنة قبيحة .. وقع في الحال)؛ لأنه وصف الطلاق بوصفين متضادين فيلغوان ويبقى أصل الطلاق، ولأن إحدى الحالتين حاصلة لا محالة فيقع الطلاق موصوفاً بما يناسب تلك الحالة وتلغو الصفة، هذا إذا كانت المخاطبة ذات أقراء.
ولو قال: أنت طالق كالثلج أو كالنار .. وقع في الحال والصفة لغو، قاله المتولي.
وقال أبو حنيفة: إن قصد التشبيه بالثلج في البرودة والنار في الحرارة والإحراق .. طلقت زمن البدعة، وإن قصد كالثلج في البياض والنار في الإضاءة.
طلقت سنياً.
وَلاَ يَحْرُمُ جَمْعُ اُلطَّلَقَاتِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً، أَوْ ثَلاَثاً لِلسُّنَّةِ، وَفَسَّرَ بِتَفْرِيقِهَا عَلَى اُلأَقْرَاءِ .. لَمْ يُقْبَلْ إِلاَّ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ اُلْجَمْعِ، وَاُلأَصَحُّ: أَنَّهُ يُدَيَّنُ،
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة .. طلقت طلقتين في الحال، فإذا حصلت في الحالة الأخرى .. وقعت الثالثة، فلو ادعى إرادة العكس .. قبل على المذهب.
قال: (ولا يحرم جمع الطلقات)؛ لأن عويمراً العجلاني لما لاعن امرأته عند رسول صلى الله عليه وسلم طلقها ثلاثاً، رواه الشيخان (خ5259 - م 1492)، ولو كان حراماً .. لأنكره (عليه الصلاة والسلام)، وقد تقدم في (باب ما يحرم من النكاح) ما يتعلق بهذه المسألة.
وسكت المصنف عن الكراهة، وظاهر ثبوتها، وفي ((الذخائر)): لا كراهة في الجمع.
وقال أبو حنيفة ومالك: جمع الطلقات بدعة.
ثم الأفضل تفريقها على الأقراء إن كانت ذات أقراء.
وعلى الأشهر: إن كانت كذلك ليتمكن من الرجعة، أو التجديد إن ندم.
قال: (وإن قال: أنت طالق ثلاثاً، أو ثلاثاً للسنة، وفسر بتفريقها على الأقراء .. لم يقبل) أي: ظاهراً؛ لأن دعواه تقتضي تأخر الطلاق، ومقتضى لفظه تنجيزه.
قال: (إلا ممن يعتقد تحريم الجمع) فتقبل منه ظاهراً؛ لأن الظاهر من حاله أنه لاا يقصد ارتكاب محظور في معتقدة.
وفي وجه: يقبل مطلقاً؛ إذ الأعمال بالنيات.
قال: (والأصح: أنه يُدّيَّنُ) أي: في الصورتين، ومعناه- كما قال الشافعي-:
أن له الطلب وعليها الهرب، فيقال للمرأة: أنت بأن للثلاث في الظاهر، وليس لك مطاوعته وتحرم عليك الخلوة به، ولك أن تطلبي من الحاكم أن يحكم عليه بالفرقة وتتزوجي، إلا إذا غلب على ظنك صدقة بقرينه، فإن استوى عندها الأمران ... كره لها
وَيُدَيَّنُ مَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ: أَرْدتُ إِنْ دَخَلْتِ أَوْ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ.
وَلَوْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ، أَوْ كُلُّ اُمْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ، وَقَالَ: أَرَدْتُ بَعْضَهٌنَّ .. فَاُلصَّحِيحُ: أَنَّهُ لاَ يٌقْبَلُ ظَاهِراً إِلاَ بِقَرينَةٍ بأَنْ خَاصَمَتْهُ وَقَالَتْ: تَزَوَّجْتَ، فَقَالَ:
كُلُّ اٌمْرَأةٍ لِي طَالِقٌ، وَقَالَ: أَردْتُ غَيْرَ اُلْمُخَاصِمَةِ
تمكينه، ويقال له: لا يمكنك منها، ولك ذلك فيما بينك وبين الله إن كنت صادقاً، فإن ادعى عليها تصديقه ... ففي تحليفه وجهان.
والوجه الثاني: لا يُدّيَنُ؛ لأن اللفظ لا يشعر به، بخلاف قوله: أردت الطلاق من وثاق؛ لأنه منتظم لغة، ومعنى التديين: أن يكله إلى دينه.
قال: (ويُدَيَّنُ من قال: أنت طالق، وقال: أردت إن دخلت أو إن شاء زيد)؛ لأنه لو صرح به، لانتظم، وهذا بخلاف قوله: أردت إن شاء الله فإنه لا يدين؛ لأن التعليق بمشيئة الله تعالى يرفع حكم الطلاق جملة فلابد فيه من اللفظ، والتعليق بالدخول ومشيئة زيد لا ترفعه، لكن تخصصه بحال دون حال، وشبهوه بالنسخ لما كان رفعاً للحكم لم يجز إلا باللفظ، والتخصيص يجوز بالقياس كما يجوز باللفظ، وسوَّى الغزالي والقفال بين المسائل الثلاث في أنه يدين.
وذكر الماوردي: أنه لو حلف لا كاتبت فلاناً ولا كلمته ولا رأيته ولا عرفته ولاا أعلمه، ونوى بـ (الكتابة) عقد الكتابة، وبـ (ما ضربته) ما ضربت رأيه، وبـ (ما كلمته) ما جرحته، وبـ (ما عرفته) ما جعلته عريفاً، وبـ (ما أعلمته) ما قطعت شفته العليا .. حمل على ما نوى.
وكذا لو حلف ما أخذت له جملاً ولا بقرة ولا ثوراً ولا عنزاً، نوى بـ (الجمل) السحاب، وبـ (البقرة) العيال، وبـ (الثور) القطعة من الأقط، وبـ (العنز) الأكمة السوداء .. حمل على ما نوى.
قال: (ولو قال: نسائي طوالق، أو كل امرأة لي طالق، وقال: أردت بعضهن .. فالصحيح: أنه لا يقبل ظاهراً إلا بقرينه بأن خاصمته وقالت: تزوجت، فقال: كل امرأة لي طالق، وقال: أردت غير المخاصمة) عملاً بالقرينة؛ لأنها توجب الظن، بل العلم عند قوم، فإن انتفت .. لم يقبل ظاهراً؛ لأنه خلاف الظاهر.
فَصْلٌ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا، أَوْ فِي غُرَّتِهِ، أَوْ أَوَّلِهِ .. وَقَعَ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ.
وقال ابن الوكيل: وغيره يقبل في الظاهر مطلقاً؛ لأن اللفظ محتمل للعموم والخصوص، فإذا ادعى إرادة أحدهما .. قبل.
والثالث: يقبل في الأولى عزل واحدة دون الثانية، وقد تقدم في (فصل الاستثناء) الكلام على كل امرأة لي غيرك طالق.
تتمة:
قال: أنت طالق إن.
فوضع إنسان يده على فيه وقطع كلامه، وادعى بعد ذلك أنه أراد تعليق الطلاق بصفة .. قبل قوله بيمينه؛ لأن بعض الكلام يستدل به على الباقي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن عبادة: (كفى بالسيف شا) فمنعه جبريل من إتمام الكلام وكان مقصوده أن يقول: كفى بالسيف شاهداً.
قال المتولي: وإنما حلفناه؛ لأن من الجائز أنه أراد أن يذكر قرينه يتعجل معها الطلاق مثل قوله: إن كنت دخلت الدار أو كلمت زيداً وكانت فعلت ذلك.
قال: (فصل:
قال: أنت طالق في شهر كذا، أو في غرته، أو أوله .. وقع بأول جزء منه) إما برؤية الهلال في أول ليلة منه بعد الغروب، وإما باستكمال ما قبله؛ لأن الشهر اسم لما بين الهلالين، وقد جعله ظرفاً فوقع في أول جزء منه كما لو قال: إن دخلت الدار .. فإن الحكم يترتب على دخول أول جزء منها، فلو رئي الهلال قبل الغروب ..
لم تطلق حتى تغرب، ولو رئي بعده بساعة .. تبين وقوعه عند الغروي، وكذا لو
قال: في رأس الشهر أو في ابتدائه أو في استقباله أو في دخوله.
فلو قال وهو في رمضان: أنت طالق في رمضان طلقت في الحال، فلو قال: في أول رمضان .. ففي أوله من السنة القابلة.
أَوْ فِي نَهَارهِ، أَوْ أَوَّلِ يَوْم مِنْهُ .. فَبِفَجْرِ أَوَّلِ يَوْم مِنْهُ.
أَوْ آخِرِهِ .. فَبِأخِرِ جُزْءٍ مِنَ اُلشَّهْرِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ النّصْفِ الآخِرِ.
وَلَوْ قَالَ لَيْلاً: إِذاَ مَضَى يَوْمٌ .. فَبِغُرُوبِ شَمْسِ غَدِهِ، أَوْ نَهَاراً .. فَفِي مِثْلِ وَقْتِهِ مِنْ غَدِهِ،
ولو قال: في سلخ شهر كذا أو عند انسلاخه ... فالصواب: أنها تطلق في آخر جزء منه، ولو قال: أنت طالق شعبان أو قال: رمضان - من غير ذكر شهر- قال ابن سراقة: وقع ساعة تكلم.
قال: (أو في نهاره، أو أول يوم منه .. فبفجر أول يوم منه)؛ لأن الفجر أول اليوم وأول النهار الشرعي.
قال: (أو آخره .. فبآخر جزء من الشهر)؛ لأنه المفهوم من اللفظ.
قال: (وقيل: بأول النصف الآخر) وهو أول جزء من ليلة السادس عشر، أو كله آخر الشهر، فيقع أوله كما في أول الشهر إذا قال: أنت طالق في شهر كذا.
وفي ((المهذب)) وجه اقتضت عبارته ترجيحه: أنه يقع في أول اليوم الآخر من الشهر.
ولو قال: أنت طالق أول آخر الشهر .. فثلاثة أوجه:
أصحها: تطلق في أول اليوم الآخر منه، سواء كان كاملاً أو ناقصاً.
وثانيها: تطلق أول النصف الآخر وهو ليلة السادس عشر.
والثالث: أول اليوم السادس عشر.
قال: (ولو قال ليلاً: إذا مضى يوم .. فبغروب شمس غده)؛ إذ به يتحقق مضي اليوم.
قال: (أو نهاراً .. ففي مثل وقته من غده)؛ لأن اليوم حقيقة في جميعه متواصلاً كان أو متفرقاً.
قال الرافعي: كذا أطلقوه، وفيه تلفيق اليوم، وهو خلاف ما صحح في نظيره من الاعتكاف أن من نذر اعتكاف يوم .. لم يجز تفريق ساعاته على الأصح؛ أي: فينبغي.