النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 149-188
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب قطع السرقة

صفحات 149-188

كتاب قطع السرقة لو عبر بكتاب السرقة .. كان أولى, وهي- بفتح السين وكسر الراء-: أخذ مال الغير خفيه من حرز مثله, مأخوذة من المسارقة , ويجوز إسكان رائها مع فتح السين وكسرها.
والأصل فى الباب قبل الاجماع: قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ واختلفو: هل هي عموم خص, أو مجمل بين على وجهين.
قرأ عيسى بن عمر: (والسارق والسارقه) بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر, وفضلها سيبويه على قراءة العامه من أجل الأمر, فإن (زيدا اضربه) أحسن من (زيد اضربه) , قال أبو عبيد: كان الغالب على عيسى بن عمر حب النصب , وكذلك قرأ: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ و ﴿الشعراء يتبعهم الغاوون﴾ و ﴿سورة أنزلناها﴾ و ﴿لواحة للبشر﴾ وقرأ: ﴿ق والقران المجيد﴾ وقرأ: : ﴿حَمَّالَةَ الحَطَبِ﴾ وقرأ ﴿فالق الإصباح﴾ وقرأ: ﴿قل إن صلاتيَ ونسكى ومحياي ومماتي﴾ بفتح الياء فيهن.
وقطع النبى صلى الله عليه وسلم الخيار بن عدي بن نوفل والمرأة المخزومية.
واسمها مرة, وقيل: فاطمة بنت الأسود, وفي (النسائي) [71/ 8]: أنه أمر بلالا فقطع يدها, وقال صلى الله عليه وسلم في امرأة شريفة: (لو سرقت .. لقطعت يدها) وأول من حكم بقطع السارق فى الجاهلية الوليد بن المغيرة.

يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ فِي المَسْرُوقِ أُمُورٌ: كَوْنُهُ رُبُعَ دِينَارٍ  قال: (يشترط لوجوبه فى المسروق أمور: كونه ربع دينار) أركان السرقه ثلاثة: المسروق, والسرقة, والسارق.
فالمسروق شرطه: أن يبلغ ربع دينار, فلا يقطع فيما دونه؛ لما روى مسلم [1684/ 2] عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقطع السارق إلا في ربع دينار فصاعدا) والمراد: ربع مضروب , سواء كان صحيحا أو قراضة.
وقطع ابن بنت الشافعي بالقطع فى كل مسروق, ولم يعتبر النصاب, وبه قال الحسن وداوود؛ لعموم الاية, ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده) متفق عليه [خ 6783 – م 1687]. وأجيب بأن المراد: بيضة الحديد , وقيل: أراد به يتدرج من القليل إلى الكثير ولما نظم أبو العلاء المعي أحمد بن عبد الله بن سليمان بيته الذى شكك به على الشريعة وهو قوله [من البسيط]: يد بخمس مئين عجد وديت .... مابلها قطعت في ربع دينار أجابه القاضي عبد الوهاب بقوله [من البسيط]: صيانة النفس أغلاها وأرخصها ... خيانة المال فافهم حكمة الباري يعنى: لما كانت أمينة.
كانت ثمينة , فلما خانت .. هانت.
والنصاب عند أبي حنيفة عشرة دراهم أو ما يساوى ذلك, وعند مالك ثلاثة

خَالِصًا أَوْ قِيمَتَهُ،  دراهم؛ لما روى الشيخان [خ6795 - م1686] أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته وفي لفظ: ثمنه ثلاثة دراهم).
وفي (الموطأ [2/ 832] أن سارقًا سرق أترجة قيمتها ثلاثة دراهم، فقطع عثمان يده.
قال مالك: هي الأترجة التي يأكلها الناس.
وعن أحمد روايتان كالمذهبيين.
وقال سليمان بن يسار: لا تقطع الخمس إلا في خمس، أراد: خمسة دنانير، وبه قال ابن ابي ليلى، فلو شهد شاهدان: أن المسروق نصاب، وآخران: أنه دونه .. لا قطع.
قال: (خالصًا)، فلو سرق تبرًا أو مغشوشًا، فلو بلغ خالصة ربعًا .. قطع، والا .. فلا.
و (الدينار) هو المثقال بوزن مكة، ولا يشترط أن يكون لواحد، بل يقطع بسرقته وان كان لجماعة.
وقوله: (خالصًا) حال من دينار، ومجيء الحال من المضاف اليه قليل، لكن سوغ ذلك هنا كونه بعضًا مما له أضيف.
قال: (أو قيمته)؛ لما ثبت في (الصحيح) أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (تقطع اليد في ربع دينار وفيما قيمته ربع دينار) والمراد: قيمته في ذلك الزمان والمكان، وذلك يختلف باختلافهما.
والمعتبر: قيمة يوم الاخراج من الحرز، ويصدق السارق في قيمته الا أن تقوم بينة، وانما يقوم بغالب نقد البلد، فان سرق ما يساوى نصابا فتقصت قيمته بعد ذلك .. لم يسقط القطع؛ لأنه كان نصابًا حال السرقة.
ونبه بقوله: (أو قيمته) على أن الاصل في التقويم الذهب الخالص، حتى لو سرق دراهم أو غيرها .. قومت به، فان بلغت قيمته ربع دينار مضروبًا .. قطع، والا .. فلا، وخالف الدرامي والفوراني وصاحب (الذخائر) فجعلوا الدراهم

وَلَوْ سَرَقَ رُبُعًا سَبِيكَةً لَا يُسَاوِي رُبُعًا مَضْرُوبًا .. فَلَا قَطْعَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا لَا تُسَاوِي رُبُعًا .. قُطِعَ، وَكَذَا ثَوْبٌ رَثٌّ فِي جَيْبِهِ تَمَامُ رُبُعٍ جَهِلَهُ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ مَرَّتَيْنِ:  والدنانير أصلين في التقويم؛ لظاهر الحديث.
وشملت عبارة المصنف: المصحف ولحم الأضحية، وقال أبو حنيفة: لا قطع في سرقة المصحف.
وقال ابن حبيب– من أصحاب مالك-: لا قطع في سرقة لحم الاضحية.
قال: (ولو سرق ربعًا سبيكة) وكذا حليًا (لا يساوي ربعًا مضروبًا .. فلا قطع في الاصح)؛ لأن في الحديث لفظ (الدينار) وهو اسم للمضروب.
والثاني: يقطع؛ لبلوغ العين قدر النصاب، ونسبة ابن الصباغ والبغوي الى الاكثرين، وهو المذهب في (الحاوي) و (البيان) وعكسه: خاتم زنته دون ربع وقيمته ربع بالصفة .. قال في (اصل الروضة) لا قطع فيه على الاصح، وليس في (الشرحين) فيه تصحيح، بل مقتضى كلام الرافعي: ترجيح القطع.
ولو سرق فلوسًا ظنها دنانير .. قطع ان بلغت نصابًا.
قال: (ولو سرق دنانير ظنها فلوسا لا تساوي ربعًا.
قطع)، لأنه قصد سرقة عينها، ولا يشترط علم السارق ببلوغ المسروق نصابًا).
قال: (وكذا ثوب رث في جيبة تمام ربع جهله في الاصح)؛ لأنه أخرج نصابًا من حرزه على قصد السرقة والجهل يجني المسروق لا يؤثر كالجهل بصفته.
والثاني: لا يجب؛ لأنه لم يقصد سرقة نصاب، ويخالف ما ظنه فلوسًا؛ فانه قصد سرقة عينها.
قال: (ولو اخرج نصابًا من حرز مرتين) المراد: أنه أخرج النصاب في دفعتين أو دفعات، لا أنه أخرج النصاب ثم أعادة ثم أخرجه.

فَإِنْ َتَخلَل عِلْمُ الْمَالِكِ وَإِعَادَةُ الْحِرْزِ .. فَالإِخْرَاجُ الثَّانِي سَرِقَةٌ أُخْرَى، وَاِلَّا.
قُطِعَ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ نَقَبَ وِعَاءَ حَنْطَةٍ وَنَحْوِهَا فَانْصَبَّ نِصَابٌ .. قُطِعَ فِي الأَصَحِّ  قال: (فإن تخلل علم الملك واعادة الحرز) أي: ببناء البيت أو إغلاق الباب.
قال: (فالإخراج الثاني سرقة أخرى)، فان كان في كل دفعة دون نصاب لم يقطع.
قال: (والا) أي: وان لم يتخلل على الملك واعادة الحرز) .. قطع في الاصح)؛ لأنه أخرج نصابًا كاملًا من حرز مثله فأشبه ما اذا طر الجيب وأخذ نصابًا والثاني: لا يقطع؛ لأنه أخذ النصاب من حرز مهتوك.
والثالث: اعاد وسرق بعد ما اشتهر هتك الحرز وعلم الناس .. فلا قطع.
والرابع: ان كان في ليلته .. قطع، أو بعدها .. فلا.
والخامس: ان لم يطل الفصل .. قطع، والا .. فلا.
والسادس: ان كان يخرج شيئًا فشيئًا فيضعه خارج الحرز حتى تم نصاب ولو يفارق الحرز.
قطع، وان ذهب بالمسروق الى بيتة ثم عاد .. فلا قطع.
قال: (ولو نقب وعاء حنطة ونحوها فانصب نصاب .. قطع في الاصح)؛ لا نه هتك الحرز وفوت المال ويعد بذلك سارقًا، ومثله: لو طر جيبة فوقع من المال؛ فقد روى البيهقي [8/ 269] عن فقهاء المدينة: أنهم كانوا يقولون على الطرار القطع.
وليفز بذلك فيقال: شخص قطع بسرقة ولو يدخل حرزًا ولو يأخذ مالًا؟ والوجه الثاني لا قطع، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه خرج بسبب لا مباشر، وسواء نصب دفعة واحدة او شيئا فشيئا على الاصح.
و (الوعاء) ظرف الشيء، والجمع: أوعية، وعبر في (المحرر) بالكندوج، وهم بضم الكاف، وهى لفظة عجمية، والمراد بها: الوعاء، وعبر بها في (المهذب) فى (باب بيع النحل) وأراد بها: الخلية.

وَلَوِ اشْتَرَكَا فِي إِخْرَاجِ نِصَابَيْنِ قُطِعَا , وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ سَرَقَ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أِوْ كَلِبًا أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ بِلَا دَبْغٍ .. فَلَا قَطْعَ , فَإِنْ بَلَغَ إِنَاءُ الخَمْرِ نِصَابًا .. قُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ  قال: (ولو اشتركا في إخراج نِصابين)؛ بأن نقبا وحملا المال دُفعة واحدة (قطعا)؛ لأن كلًا منهما سرق نِصابًا, وسواء كان ما أخرجاه ثقيلًا كالحديد أو خفيفًا كالثوب, خلافًا لمالك في أحد قوله.
قال القمولي: هذا إذا كان كل واحد منهما يطيق حمل ما يساوى نِصابًا , فلو كان أحدهما لا يطيق حمله والآخر يطيق فحملا ما فوقه .. فلا قطع على الأول, وهو ظاهر, ولا يقال: إنهما لم يشتركان في هذه الحالة, لأن الإشراك حاصل بأدنى جزء.
فلو كان أحدهما صبيًا أو مجنونًا .. قطع المكلف.
قال: (وإلا .. فلا)؛ لأن كلًا منهما لم يسرق إلا بعض نصا, وليس كالشركة في القتل حيث يجب القصاص عليهما, لأن مقصود القصاص وقاية الروح, وعن مالك وأحمد: يقطعان.
قال: (ولو سرق خمرًا أو خنزيرًا أو كلبًا أو جلد ميتة بلا دبغ .. فلا قطع)؛ لأنها لا تعد مالًا, سواء سرقها مسلم أو ذمي وسرقت من مسلم أو ذمي.
وقال عطاء: إذا سرقها من ذمي قطع؛ لأنهم يعدونها مالًا.
وكان الأولى أن يقول ك ولو أخرج خمرًا .. الخ؛ لأنه بذلك لا يعد سارقا.
واحترز بغير المدبوغ عن المدبوغ؛ فإنه يقطع به, إذ يصح بيعه على الجديد, أما على القديم .. فلا.
ولو دخل الحرز وقطع أليه شاه وأخرجها .. لم يقطع؛ لأنها ميتة.
قال: (فأن بلغ إناء الخمر .. نِصابًا قطع على الصحيح)؛ لأنه سرق نصابًا لا شبهة له فيه, كما إذا سرق إناء فيه بول .. فإنه يقطع بالإنفاق كما قال الماوردى

وَلَا قَطْعَ فِي طُنبُورٍ وَنَحْوِهِ, وَقِيلَ: إِنْ بَلَغَ مُكسَّرُهُ نِصابًا .. قُطِعَ.
قُلْتُ: الثَّانِي أ! صَحُّ, وَاللهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: كَوْنُهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ  وغيره وما وقع في (البيان) من حكاية وجهين فيه .. معترض.
والوجه الثاني: لا قطع؛ لأن الذي فيه مُستحق الإزالة.
والمصنف أطلق الخلاف, ومحله؛ إذا أخرجه بقصد السرقة, فإن قصد بإخراجه إراقته .. لم يقطع قطعًا كما فى آلات الملاهي, وبه صرح بعض الأصحاب, وخصه ابن داود بما إذا كانت لمسلم فإن كانت لذمي .. قطع قطعًا.
وتعبيره ب (الصحيح) مخالف لتعبير (الروضة) بالأصح.
قال: (ولا قطع في طنبور ونحوه) كالمزمار, وكذا كل ما سلط الشرع على كسره؛ لأن التوصل إلى إزالة المعصية مندوب إليه فصار شبهة.
قال الإمام: ولأن المحرز فيه غير متحقق, لجواز الهجوم لأجله, وهذا منصوص (المختصر).
قال: (وقيل: إن بلغ مُكسّره نِصابًا .. قطع)؛ لأنه سرق نصابًا من حرز مثله, وهذا منصوص (الأم) , وصححه الأكثرون لا جرم.
قال المصنف: (قلت: الثاني أصح والله أعلم)؛ لأنه مال يقوم على متلفه فأشبه ما لو سرقه مفصلًا.
وموضع الخلاف: إذا كان ذلك لمسلم , فإن كان لذمي .. قطع قطعًا, ومحله: ما لم يكن عليها ذهب أو فضة, فإن كان وهو يبلغ نصابًا .. فأرجح الوجهين: وجوب القطع, فإن سرق آنية ذهب أو فضة .. ففي (المهذب) و (التهذيب) يقطع.
قال الرافعي: والوجه ما قاله في (البيان) إنه مبنى على جواز اتخاذهما , فإن جاوزناه .. قطع, وإلا .. فلا.
قال: (الثاني: كونه ملكًا لغيره) , سوا كان لله كرتاج للكعبة أو لآدمي, وسواء كان الآدمي معينًا أو غير معين, كما لو سرق الذمي من بيت المال.
ولا قطع على من سرق مال نفسه من يد غيره؛ كيد المرتهن والمستأجر والمستعير

فَلَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الحِرْزِ, أَوْ نَقَصَ فِيهِ عَنْ نِصَابٍ بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ .. فَلَا قَطْعَ, وَكَذَا لَوِ ادَّعَى مِلْكَهُ عَلَى النَّصِّ  والمودع وعامل القراض والوكيل والشريك والغاصب, سواء كان الملك قويًا أو ضعيفًا, كما إذا سرق المشترى المبيع من البائع بعد انقضاء الخيار, أو قبله وقلنا: إنه ملكه وأو الموقوف عليه العين الموقوفة وقلنا: إنا ملكه, فأما على قولنا: الملك في زمن الخيار للبائع والموقوف ليس ملك الموقوف عليه .. فلا قطع أيضًا لشبهة الملك.
قال: (فلو ملكه بإرث أو غيره قبل إخراجه من الحرز, أو نقص فيه عن نصاب بأكل وغيره .. فلا قطع) , أما الأولى .. فلأنه لم يخرج إلا ملكه .. وأما الثانية .. فلأنه لم يخرج نصابًا.
واحترز عما إذا نقص بعد الإخراج, فإنه يقطع قطعًا.
قال: (وكذا لو ادعى ملكه على النص) والمراد: ادعى ملكًا سابقًا على السرقة, وكذلك لو ادعى ملكًا بعضه, لأن ما يدعيه محتمل فصار شبهة في القطع, وهذا سماه الشافعي: السارق الظريف.
روى أصحاب الغريب عن عمر أنه قال: (إذا كان اللص ظريفًا .. لم يقطع) أي: إذا كان بليغًا جيد الكلام يحتج عن نفسه بما يسقط الحد.
والظرف في اللسان: البلاغة, وفي الوجه: الحسن, وفي القلب: الذكاء.
ويشهد للنص من السنة: ما رواه مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مر عيسى بن مريم برجل يسرق فنهاه, فقال: إنما آخذ مالي؛ فقال: صدق الله وكذبت عيني).
والفرق بينه وبين ما إذا قامت عليه بينه: أنه زنى بامرأة معينة فقال: كانت زوجتي حين وطئتها أو كانت أمة, فقال: بأعينها مالكها فإن الحد لا يسقط بهذه الدعوى؛ أنه أذن له في قطعها, بل يقتص منه بلا خلاف.
ويقابل النص قول مخرج– أو وجه ضعيف لأبى إسحاق-: إن ذلك لا يسقط

وَلَوْ سَرَقَا وَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا لَهُ أَوْ لَهُمَا وَكَذَّبَهُ الآخَرُ .. لَمْ يُقْطَعِ المُدّعِى وَقُطِعَ الآخَرُ فِي الأَصَحِّ  القطع؛ لئلا يتخذه الناس وسيلة إلى إسقاط القطع, وتأول قائله النص على ما إذا أقام المدعى بينة على ما أدعاه .. قال الرويانى في (الحلية) وله وجه في زمان الفساد.
ومحل هذا الوجه أو القول المخرج: ما إذا حلف مدعى السرقة؛ أن العين له ولم يأذن في أخذهما, أما إذا لم يحلف وحلف المدعى عليه .. فلا قطع وجهًا واحدًا.
وقال أحمد: لا يقطع مدعى الملك, وعنه: يقطع, وعنه: إذا كان معروفًا بالسرقة .. قطع, وإلا .. فلا, وهو حسن.
كل هذا بالنسبة إلى القطع, أما المال .. فلا يقبل قوله فيه, بل يصدق المأخوذ منه.
ولو أقر المسروق منه: أن المال كان ملك السارق .. فلا قطع بلا خلاف؛ لاحتمال صدقه فكان شبهة, وكذا لو أقر: انه كان أذن له في أخذهما, سواء صدقه السارق أم لا, وإن وهبها منه بعد الرفع إلى السلطان .. قطع, لأن الذي سرق رداء صفوان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعه, فقال صفوان: أنا أبيعه وأنسئه ثمنه قال: فعلا كان قبل إن تأتيني به).
ثم إذا قلنا: يسقط القطع بدعوى الملك .. هل سيفصله القاضي سعيًا في سقوط الحد؟ فيه تردد للإمام, رجح المصنف: انه لا يستفصله؛ لأنه إغراء بإدعاء الباطل.
ولو قامت بينة على العبد بسرقة فادعى: إن المال المسروق لسيده .. سقط القطع عنه إن صدقه السيد أو سكت, وإن كذبه .. فوجهان.
قال: (ولو سرقا وادعاه أحدهما له أو لهما وكذبه الآخر .. لم يقطع المدعى)؛ لاحتمال صدقه (وقطع الآخر في الأصح)؛ لأنه مقر بأنه سرق نصابًا لا شبهة له فيه, وهذا مفرع على النص.

وَإِنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ شَرِيكِهِ مُشْتَرَكًا .. فَلَا قَطْعَ فِي الأَظْهَرِ وَإِنْ قَلَّ نَصِيبُهُ.
الثَّالِثُ: عَدَمُ شُيْهَةٍ فِيهِ؛ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَالٍ أَصْلٍ وَفَرْعٍ وَسَيِّدٍ  والثاني: لا, لأنه ادعى ما لو صدقه فيه لسقط القطع.
وهما كالوجهين فيما لو شهد اثنان على إنسان بقتل يوجب القصاص فأقتص منه ثم رجعا وقال أحدهما: أخطأنا, والآخر: تعمدنا؛ فإنه لا قصاص على مدعى الخطأ وفي الآخر وجهان.
قال: (وإن سرق من حرز شريكه مشتركًا .. فلا قطع في الأظهر وإن كل نصيبه)؛ لأنه له في كل جزء حقًا فأشبه وطء الجارية المشتركة.
والثاني: يقطع؛ إذ لا حق له في نصيب الشريك.
قال: (الثالث: عدم شبهة فيه) , لما تقدم من أول (حد الزنا) من درء الحدود بالشبهات.
قال: (فلا قطع بسرقة مال أصل وفرع)؛ لشبهة الحق في المال , وفي حديث الحسن: (أنت ومالك لأبيك).
والأجداد والجدات من كل جهة كالأب والأم, سوا اتفق دينهما أو اختلف, وقد تقدم: أنه لو وطئ الأصل الرقيق جارية قرعة الحر .. لم يحد للشبهة.
وقال أبو ثور: يقطع كل منهما سرقة مال الآخر؛ لعموم الآية.
وعن مالك: أنه يقطع الولد بسرقة مال الأبوين, بخلاف العكس كالقصاص.
وخرج بـ (الأصل والفرع) ما عداهما كالأخوة وغيرهم؛ فإنه يقطع بسرقة مالهم خلافًا لأبى حنيفة.
قال: (وسيد) بالإجماع, قاله ابن المنذر, ولأن عمر أتى يعيد سرق مرآة لزوج سيده قيمتها ستون درهمًا, فقال: (خادمكم آخذ متاعكم) رواه مالك [2/ 839] , ولرواية أبى داود [4412]: (إن سرق المملوك فبعه) , وسواء في ذلك المدبر

وَالأَظْهَرُ: قَطْعُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِالاخَرِ  والمبعض وأم الولد, وكذا المكاتب في الأصح, وكذلك عبد مكاتبه, قاله الماوردي.
ولو سرق سيد المبعض من مال المبعض .. قال القفال: لا قطع؛ لأن له في بدنه شبهة, وقال أبو علي السنجي: يقطع؛ لأنه لا شبهة له في ذلك النصف.
قال: (والأظهر: قطع أحد الزوجين بالآخر)؛ لعموم الآية.
والثاني: لا؛ للشبهة.
والثالث_ وصححه ابن أبي عصرون_: يقطع الزوج دون الزوجة.
والخلاف مفروض فيما إذا كانت الزوجة لا تستحق علي الزوج شيئًا حين السرقة, فإن استحقت عليه نفقة أو كسوة .. فلا قطع عليه إذا أخذت بقصد ذلك.
ثم شرط المال المذكور: أن يكون محرزًا, فإن كان في حرزهما .. فلا قطع بلا خلاف, وهذا القيد ذكره في (المحرر) , واهمله المصنف؛ لما سبق في اشتراط ذلك في كل مسروق.
فروع: سرق مستحق الزكاة ممن هي عليه, فإن كان من غير جنسه .. قطع, وإن كان منه وكان متعينًا للصرف وقلنا: إنها تتعلق تعلق شركة .. فلا قطع كالمال المشترك, قاله البغوي وصاحب (الكافي).
ومن لا يقطع بسرقة مال شخص .. لا يقطع عبده بسرقة مال ذلك الشخص, فلا يقطع العبد بسرقة مال أبي سيده وابنه.
وفي قطع عبد أحد الزوجين بسرقة مال الآخر الخلاف؛ لأن يد العبد كيد سيده.
ولو كان لرجل زوجتان سرقت إحداهما مال الأخري أو سرق مال زوجة أبيه أو ابنه, فالمذهب: وجوب القطع, وقيل: علي الخلاف فيما إذا سرق أحد الزوجين مال الآخر.

وَمَنْ سَرَقَ مَالَ بَيْتَ الْمَالِ: إنْ أُفْرِزَ لِطَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ .. قُطِعَ، وَإِلَّا .. فالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌ فِي الْمَسْرُوقِ كَمَالِ المَصَالِحِ وَكَصَدَقَةٍ وَهُوَ فَقِيرٌ .. فَلَا، وَإِلَّا .. قُطِعَ،  قال: (ومن سرق مال بيت المال: إن أفرز لطائفة ليس هو منهم .. قطع) بلا خلاف؛ لأنه لا شبهة له فيه.
قال الإمام: وكذا الفيء المعد للمرتزقة تفريعا علي أنه ملكهم.
قال: (وإلا) أي: وإن سرق غير المفرز لهم) .. فالأصح: أنه إن كان له حق في المسروق كمال المصالح وكصدقه وهو فقير .. فلا, وإلا .. قطع)؛ للشبهة أيضا, ولأن رجلا سرق منه في زمن عمر فلم يقطعه, وعليه حمل قول علي رضي الله عنه: (ليس علي من سرق من بيت المال قطع).
ويقابل الأصح وجهان: أحدهما: لا يقطع مطلقا غنيا كان أو فقيرا, سواء سرق من مال الصدات أم من مال المصالح؛ لأنه لذوي الحاجات.
والثاني: يقطع مطلقا كسائر الأموال.
والمصنف أطلق منع القطع في مال المصالح, ومحله: في المسلم, أما الذمي إذا سرق نصابا منها .. فالصحيح: أنه يقطع, ولا نظر إلي الإنفاق عليه عند الحاجة؛ لأنه مشروط للصمان, كذا صححه الرافعي هنا, وصحح في (باب اللقيط) أنه ينفق عليه من غير رجوع.
ويستثني من قطع الغني بالصدقة: ما إذا كان غارما وأخذ لإصلاح ذات البين, وكذلك إذا لأخذه للغزو.
ولو زني المسلم بجارية بيت المال .. فالأصح: أنه يحد وإن لم يقطع بسرقة ماله.
ولو كفن مسلم من بيت المال فسرق نباش كفنه .. قطع؛ إذ لم يبق لغير الميت فيه حق, كما لو كساه حيًا.

وَالْمَذْهَبُ: قَطْعُهُ بِبَابِ مَسْجِدٍ وَجُذُوعِهِ لَا حُصُرِهِ وَقَنَادِيلَ تُسْرَجُ.
وَالأَصَحُّ: قَطْعُهُ بِمَوْقُوفٍ,  قال: (والمذهب: قطعه بباب مسجد وجذوعه)؛ لأن ذلك يعد لتحصين المسجد وعمارته لا للانتفاع به.
وخرج الإمام وجهاَ: أنه لا يقطع؛ لأنه من أجزاء المسجد والمساجد يشترك فيها المسلمون كبيت المال, وحكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة.
وكذلك حكم سرقة التأزير والبواري وسائر الأموال الموضوعة فيه, وكذلك إذا سرق ستر الكعبة وهو محرز بالخياطة كما قطع به الجمهور, ونقل ابن كج فيه وجهين: ثانيهما: لا؛ لأنه ليس له مالك معين فأشبه مال بيت المال.
و (التأزير) ما يستر به أسفل الجدار من خشب ونحوه.
قال: (لا حُصره وقناديل تسرج)؛ لأنه ذلك لمصلحة المسلمين فله فيه حق كمال بيت المال, وهذا هو الفرق بينه وبين الباب والجذوع.
أما التي لا تسرج فهي كالأبواب.
كل هذا في المسلم, أما الذمي .. فيقطع بها قطعاَ, ويقطع بسرقة بكرة البئر المسبلة عند الفوراني, وقال البغوي: الظاهر: أنها كحصر السمجد؛ لأنها لمنفعة الناس.
ويقطع بسرقة حلقة الباب المسمرة التي تساوي نصابًا؛ لأنها محرزة.
والممتبن حرز للتبن إن كان في البنيان, فإن كان في الصحراء .. فلا يسمي متبنًا, فلا بد من حارس.
قال: (والأصح: قطعه بموقوف) أي: علي غيره؛ لأنه مال محرز.
هذا إذا لم يكن له فيه استحقاق ولا شبهة, فإن كان كما لو وقف علي جماعة هو

وَأُمِّ وَلَدٍ سَرَقَهَا نَائِمَةً أَوْ مَجْنُونَةً.
الرَّابِعُ: كَوْنُهُ مُحْرَزًا بِمُلَاحَظَةٍ أَوْ حَصَانَةٍ مَوْضِعِهِ؛ ......

 أحدهم, أو شبهة استحقاق كما لو سرق أبو الموقوف عليه أو ابنه أو وقف علي الفقراء فسرق فقير .. فلا قطع قطعًا.
ولو سرق مالاَ موقوفًا علي الجهات العامة أو علي وجوه الخير .. لا يقطع وإن كان السارق ذميًا؛ لأنه تبع للمسلمين في المصالح؛ قاله الروياني.
والوجه الثاني في مسألة الكتاب: لا قطع؛ لأنه لا ملك فيه للآدميين, بل هو ملك لله وحدخ.
وقيل: إن قلنا: الملك لله .. قطع بلا خلاف.
قال: (وأم ولد سرقها نائمة أو مجنونة)؛ لأنها مملوكة مضمونة بالقيمة كالعبد القن.
والثاني: لا؛ لنقصان الملك, وبه جزم الزبيلي وابن القطان.
واحترز بكونها (نائمة أو مجنونة) عما إذا كانت عاقلة مستيقظة؛ فلا قطع لسرقتها لقدرتها علي الامتناع, فلو سرقها مكرهة فكالنائمة, وإنما خصها بالذكر؛ لأنها محل الوجهين.
ولو سرق عبدًا صغيرًا او مجنونا أو بالغًا أو أعجميا لا يميز .. قطع بلا خلاف إذا كان محرزًا.
والمبعضة والمكاتبة لا قطع بسرقتهما؛ لأن مظنة الحرية شبهة مانعة من القطع.
قال: (الرابع: كونه محرزًا بملاحظة أو حصانة موضعه) , فلا قطع في سرقة ما ليس بمحرز؛ لما روي أبو داوود [4390] والنسائي [85/ 8] مرفوعًا: (لا قطع في شئ من الماشية إلا فيما آواه المراح, ومن سرق من التمر شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن .. فعليه القطع).
ونقل ابن المنذر وغيره فيه الإجماع.
و (الجرين) الموضع الذي يجفف فيه التمر, وهو له كالبيدر للحبوب.

فَإِنْ كَانَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ .. اشْتُرِطَ دَوَامُ لِحَاظٍ, وَإِنْ كَانَ بِحِصْنٍ .. كَفَي لِحَاظٌ مُعْتَادٌ.
وَإِصْطَبْلٌ حِرْزُ دَوَابَّ .....

 ولا شك أن الحرز يختلف باختلاف الأموال والأحوال والأوقات, فقد يكون الشئ حرزًا في وقت دون وقت بحسب صلاح أحوال الناس وفسادها وقوة السلطان وضعفه, وضبطه الغزالي بما لا يعد صاحبة مضيعًا.
واستثني بعضهم قاطع الطريق؛ فإنه يقطع إذا أخذ المال وهو من غير حرز, وأجيب بأنه غير سارق.
وأورد علي حصر المصنف في (الملاحظة والحصانة) النائم علي ثوبه؛ فإنه لا ملاحظة منه وليس الثوب بموضع حصين ومع ذلك يقطع سارقه كما سيأتي.
والجواب: ان النص ورد به في اسرق رداء صفوان بالقطع.
قال: (فإن كان بصحراء أو مسجد .. اشترط دوام لحاظٍ) أي: إذا فقدت الحصانة كالصحراء أو المسجد أو الشارع .. اشترط مداومة اللحاظٍ؛ لأنه بذلك محرز عرفًا.
و (الحصانة) بفتح الحاء والصاد: التحصين, وهو المنع.
و (اللحاظ) بكسر اللام: المراعاة, مصدر لاحظ, وبالفتح: مؤخر العين من جانب الأذن.
قال: (وإن كان بحصن .. كفي لحاظ معتاد) المقصود بهذا: أن الركن الأعظم في كون المال محرزًا الملاحظة, فلا تغني حصانة الموضع عن أصل الملاحظة, فالدار المنفردة في طرف البلد وإن تناهت حصانتها أو القلعة المحكمة ليست حرزًا إلا بملاحظة, لكن لا يشترط دوامها.
هذا قول جملي, وتفصيله بمسائل ذكرها المصنف, والعرف في جميع ذلك محكم.
قال: (وإصطبل حرز دواب) ولو كانت نفيسة كثيرة الثمن, مهما كان الإصطبل متصلًا بالدور, فلو كان منفصلًا عنها .. فلا بد من الحاظ.
و (الإصطبل) بكسر الهمزة, وهي همزة قطع أصلية.

لَا آنِيَةٍ وَثِيَابٍ, وَعَرْصَةُ دَارٍ وَصُفَّتُهَا حِرْزُ آنِيَةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ [لا حُلِيٍّ وَنَقْدٍ] ...

 وقوله: (دواب) مكسور منون؛ لأن غير المنصرف إذا أضيف انجر بالكسر.
قال: (لا آنية وثياب)؛ لأن إخراج الدواب مما يظهر ويبعد الاجتراء عليه, بخلاف ما يخف ويسهل حمله.
الذي ذكرخ في (الثياب) مقيد بالنفيس, أما الخسيس كالجل ونحوه مما جت العادة بوضعه هناك .. فهو حرز له تبعًا, صرح به الزنجاني وغيره, وهو ظاهر, وتلحق به آنية الإصطبل كالسطل ونحوه, وآلات الدواب؛ من سرج ولجام وغيرهما مما جرت العادة بوضعه فيه.
قال: (وعرصة دار وصفتها حرز آنية وثياب بذلة)؛ لقضاء العرف بذلك.
أما الثياب النفيسة .. فحرزها الدور وبيوت الخانات والأسواق المنيعة, فإذا سرق المتاع من الدكاكين وهناك حارس باللي .. قطع.
ولو ترك الأمتعة علي باب الحانوت ونام فيه, أو غاب عنه وضم بعض الأمتعة إلي بعض وربطها بحبل, أو علق عليها شبكة, أو وضع لوحين علي باب الحانوت مخالفين .. كفي إحرازًا في النهار؛ لأن الجيران والمارة ينظرونها.
والمراد بـ (العرصة) صحن الدار, و (الصفة) معرفة, وجمعها: صفف.
وكل ما كان حرزًا لنوع .. فهو حرز لما دونه.
[قال: (لا حلي ونقد)]

وَلَوْ نَامَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ عَلَي ثَوْبٍ أَوْ تَوَسَّدَ مَتَاعًا .. فَمُحْرَزٌ, وَلَوِ انْقَلَبَ فَزَالَ عَنْهُ .. فَلَا, وَثَوْبٌ وَمَتَاعٌ وَضَعَهُ بِقُرْبِهِ بِصَحْرَاءَ إِنْ لَاحَظَهُ .. فَمُحْرَزٌ, وَإِلًا .. فَلَا.
وَشَرْطُ المُلاَحِظِ: قُدْرَتُهُ عَلَي مَنْعِ سَارِقٍ بِقُوَّةٍ أَوْ اسْتِغَاثَةٍ  قال: (ولو نام بصحراء أو مسجد علي ثوب أو توسد متاعًا .. فمحرز)؛ لقضاء العرف بذلك, ويدل له حديث سارق رداء صفوان بن أمية الذي رواه مالك غيره, ولهذا قال الشافعي: ورداء صفوان كان محرزًا باضطجاعه عليه.
وهكذا أخذ الخاتم من يده, قال إبراهيم المروروذي: إلا أن يكون مخلخلًا في يده أو كان في الأنملة العليا.
وكذلك الحكم لو أخذ المداس من رجله أو العمامة من رأسه.
قال: (ولو انقلب فزال عنه .. فلا)؛ لأنه لم يبق محرزًا, وكذا لو رفع السارق النائم عن الثوب أولًا ثم أخذ الثوب.
وألحق في (المحرر) بتوسد المتاع: العيبة التي تجعل فيها الأمتعة, وهي الجمدان, فلو كان معه هميان فيه دراهم فتوسده ونام .. قال الماوردي والروياني: لا يكون محرزًا حتي يشده في وسطه, بخلاف الثوب؛ لأن الاحتراز يختلف باختلاف المحرز.
قال: (وثوب ومتاع وضعه بقربه بصحراء إن لاحظه .. فمحرز)؛ للعرف.
قال: (وإلا .. فلا) أي: وإن لم يلاحظه؛ بأن ولاده ظهره أو ذهل عنه .. فلا قطع؛ لأنه غير محرز.
والأصح: أنه يشترط: أن لا يكون في الموضع زحمة الطارقين.
والخلاف جار في الخبارز والبزاز وغيرهما إذا كثرت الزحمة علي باب حوانيتهم.
قال: (وشرط الملاحظ: قدرته علي منع سارق بقوة أو استغاثة) , فالضعيف الذي لا يبالي السارق به لا أثر له, وكذلك إذا كان النائم بعيدًا عن الغوث .. فهو ضائع مع ماله.
فلو تنازعا في الملاحظ, فقال السارق: كان غافلًا أو نائمًا ضائع, وقال

وَدَارٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ العِمَارَةِ إِنْ كَانَ بِهَا قَوِيٌّ يَقْظَانُ .. حِرْزٌ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ وَإِغْلَاقِهِ, وَإِلَّا .. فَلَا, وَمُتَّصِلَةٌ حِرْزٌ مَعَ إِغْلَاقِهِ وَحَافِظٍ وَلَوْ نَائِمٍ,  المالك عكسه .. قال في (البسيط) اندرأ عنه الحد بذلك.
قال: (ودار منفصلة عن العمارة إن كان بها قوي يقظان .. حرز مع فتح الباب وإغلاقه)؛ لاقتصاء العرف ذلك.
قال: (وإلا .. فلا)؛ للعرف أيضًا.
وعبارة المصنف تشمل صورًا: منها: أن لا يكون فيها أحد.
ومنها: أن يكون فيها من لا يبالي به.
ومنها: أن يكون فيها نائم والباب مفتوح فليست حرزًا, فإن كان مغلقًا والنائم قوي .. فوجهان: أجاب أبو حامد ومتابعوه بأنه محرز.
قال المصنف: وهذا قوي, وفي (الشرح الصغير) أنه أقرب, والذي يقتضيه إطلاق) المحرر) و (الكتاب) والبغوي والإمام خلافه.
قال: (ومتصلة حرز مع إغلاقه وحافظ ولو نائم)؛ لأن السارق علي خطر من اطلاعه وتنبيهه بحركاته واستغاثته بالجيران.

وَمَعَ فَتْحِتِه وَنَوْمِهِ غَيْرُ حِرْزٍ لَيْلًا, وَكَذَا نَهَارًا فِي الأَصَحُ, وَكَذَا يَقْظَانُ تَغَفَّلَهُ سَارِقٌ فِي الأَصَحِّ,  . قال: (ومع فتحه ونومه غير حرز ليلًا)؛ لأنه مضيع.
قال: (وكذا نهارًا في الأصح) كما لو لم يكن فيها أحد والباب مفتوح.
والثاني: يكون محرزًا؛ اعتمادًا علي نظر الجيران, وهذا الوجه محله في زمن الأمن, أما زمن الخوف والنهب .. فكالليالي, نقله الرافعي عن (التهذيب) وغيره.
أما لو فتح صاحب الدار بابها وأذن للناس في الدخول عليه لشراء متاعه .. فوجهان- لم يصحح الرافعي منهما شيئا_: والراجح: أنه إن دخل مشتريًا وسرق .. لم يقطع, وإن دخل سارقًا .. قطع كسارق الثياب من الحمام, وصرح الرافعي بذلك في آخر الباب.
والمصنف أطلق: أن المفتوحة غير حرز, ويرد علي باب الدار المفتوحة نفسه والأبواب المنصوبة داخلها؛ فإن جميعها محرزة بتركيبها, وكذلك سقفها ورخامها, فكلام المصنف محمول علي المنقول فيها.
وإذا كان الباب مفتوحًا لكنه مردود بحيث إنه إذا فتح ظهر له صرير أيقظ النائم .. ففي (الاستذكار) أن ذلك حرز, وفي معناه: إذا كان خلف الباب المردود نائم بحيث لو فتح أصابهه الباب وانتبه.
قال: (وكذا يقظان تغفله سارق في الأصح)؛ لتقصيره بإهمال المراقبة مع فتح الباب.
والثاني: أنها حرز؛ لأنه تقصير من قبل المراقب.
ولو كان يبالغ في الملاحظة بحيث يحصل الإحراز بمثله في الصحراء وانتهز السارق الفرصة .. فلا خلاف في وجوب القطع.

فَإِنْ خَلَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا حِرْزٌ نَهَارًا زَمَنَ أَمْنٍ وَإِغْلَاقِهِ, فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ .. فَلَا.
وَخَيْمَةٌ بِصَحْرَاءَ إِنْ لَمْ تُشَدَّ أَطْنَابُهَا وَتُرْخَي أَذْيَالُها .. فَهِيُ وَمَا فِيهَا كَمَتَاعٍ بِصَحْرَاءَ, وَإِلَّا .. فَحِرْزٌ بِشَرْطِ حَافِظٍ قَوِيِّ وَلَوْ نَائِمِ,  قال: (فإن خلت) أي: الدار (.. فالمذهب: أنها حرز نهارًا زمن أمن وإغلاقه, فإن فقد شرط .. فلا) , قال الرافعي: وهذا هو الظاهر, وهو الجواب في (التهذيب).
وينبغي أن يكون ما بعد طلوع الفجر إلي الإسفار في حكم الليل, وما بعد غروب الشمس إلي انقطاع الطارق وأخذ الناس في النوم من النهار, ولم يتعرضوا له.
خادثه: أغلق الباب نهارًا ووضع المفتاح في حش من الباب, فأخذه السارق وفتح الباب .. أفتي الشيخ بأنه لا قطع عليه؛ لأنه وضع المفتاح هناك تفريط فتكون شبهة دارئة للحد, فإن صح ذلك .. وجب استثناؤه من إطلاق المصنف: أن الدار المغلفة نهارًا حرز.
قال: (وخيمة بصحراء إن لم تشد أطنانهًا وترخي أذيالها .. فهي وما فيها كمتاع بصحراء) , فيأتي فيها ما تقدم, فلو كانت مضروبة بين العمائر .. فهي كمتاع بين يديه في السوق.
وتقدم في (باب صلاة المسافر) الكلام علي لفظ الخيمة.
قال: (وإلا) أي: وإن شدت أطنانها وأرسلت أذيالها) .. فحرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائم)؛ للعرف, فإن لم يكن فيها أحد ولا يقربها .. فليست محرزة لا هي ولا ما فيها.
وقيل: الخيمة محرزة دون ما فيها.
وقال أبو خنيفة: يجب القطع بسرقة ما فيها, ولا يجب بسرقتهما معًا.
والأصح: أنه لا يشترط إسبال باب الخيمة إذا كان فيها نائمًا.

وَمَاشِيَةٌ بِأَبْنِيَةٍ مُغْلَقَةٍ مَتَّصِلَةٍ بِالْعِمَارَةِ مُحْرَزَةٌ بِلَا حَافَظٍ, وَبِبِريَّةٍ يُشْتَرَطُ حَافِظٌ وَلَوْ نَائِمٌ,  ولو شدها بالأوتاد ولم يرسل أذيالها وكان يمكن الدخول فيها من كل وجه .. فهي محرزة دون ما فيها.
وقوله: (فيها) يقتضي: اعتبار الحصول فيها, وليس كذلك؛ فقد صرح الشيخان بأن النوم بقربها كهو فيها.
وينبغي أن يكون المستيقظ بقربها كذلك, بل أولي, لكن يرد علي إطلاقة: ما لو نام فيها فنجاه السارق ثم سرق .. فلا قطع؛ لأنها لم تكن حرزًا حين سرق كما تقدم في الثوب المفروش تحته.
وقوله: (قوي) ليس في (المحرر) , وعبارة (الشرح) و (الروضة) تفهم: أن محل اشتراط القوة عند عدم الغوث.
قال: (وماشية بأبنية مغلقة متصلة بالعمارة محرزة بلا حافظ)؛ للعرف, كذا أطلقوه, وينبغي أن يكون محله: إذا أحاطت به المنازل الآهلة, فإن كانت متصلة بالعمارة ولها جانب آخر من جهة البرية .. أن يلحق بالبرية.
واحترز بـ (المغلقة) عما إذا كان الباب مفتوحًا؛ فلا بد من حافظ, سواء كان متيقظًا أو نائمًا.
قال: (وببرية يشترط حافظ ولو نائم)؛ للعادة, فإن كان الباب مفتوحًا .. اشترط الاستيقاظ.
واشترط الماوردي في النائم: أن يكون هناك ما يوقظه لو سرقت من كلب ينبح أو أجراس تحرك, فإن أخل بهذا عند نومه .. لم يكن محرزًا.

وَإِبِلٌ بِصَحْرَاءَ مُحْرَزَةٌ بِحَافِظٍ يَرَاهَا, وَمَقْطُورَةٌ يُشْتَرَطُ الْتِفَاتُ قَائِدِهَا إِلَيْهَا كُلَّ سَاعَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهَا, وَأَنْ لَا يَزِيدَ قِطَارٌ عَلَي تِسْعَةٍ,  وشرط الحافظ هنا: أن يكون قويًا علي دفع السارق.
قال: (وإبل بصحراء محرزة بحافظ يراهل) أي: يري الجميع ويبلغها صوته إذا زجرها, فإن لم ير البعض لكونه في وهدة أو خلف جبل .. فذلك البعض غير محرز.
والمراد بكونها (بصحراء) أنها ترعي.
والخيل والبغال والحمير في المرعي كالإبل, وكذا الغنم إذا ارتفع الراعي علي نشز بحيث يراها ويبلغها صوته وإن تفرقت.
وسكت آخرون عن اعتبار بلوغ الصوت اكتفاء بالنظر؛ لأنه إذا قصد ما يراه أمكنه العدول إليه.
قال: (ومقطورة يشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها)؛ لأنها تعد بذلك محرزة, فلو ركب الحافظ أولها .. فهو كقائدها, وإن ركب غير الأول .. فهو لما بين يديه كسائق ولما وراءه كقائد, وفي بلوغ الصوت ما سبق.
قال: (وأن لا يزيد قطار علي تسعة) أي: عشرة إلا واحدًا؛ للعادة الغالبة في ذلك, فإن زاد .. فكغير المقطورة.
وقال ابن الصلاح: سبعة بالباء الموحدة بعد السين, وفيما قاله نظر؛ فإن الروياني والمروروذي ضبطاه بذلك.
وقال الماوردي: القطار لا يزيد علي خمسة.
والأصح في (الشرح) و (الروضة) توسط ذكره السرخسي: أنه في الصحراء

وَغَيْرُ مَقْطُورَةٍ لَيْسَتْ مُحْرَزضةً فِي الأَصَحِّ,  لا يتقدر القطار بعدد, وفي العمران تعتبر العادة؛ وهي من سبعة إلي عشرة, فإن زاد .. فالزيادة غير محرزة, فكلام (المنهاج) مخالف لما في (الشرح) و (الروضة) , وسببه: اضطراب العرف, والأشبه: الرجوع في كل مكان إلي عرفه.
والخيل والبغال والحمير لا يعتاد فيها القطر.
و (القطار) بكسر القاف: ما كان بعضه إثر بعض, وجمعه: قطر.
قال: (وغير مقطورة ليست محرزة في الأصح)؛ لأنها لا تسير كذلك في الغالب.
والثاني: أنها كالمقطرة, ورجحه الروياني وصاحب (الإفصاح) , وقال في (الشرح الصغير) إنه أولي الوجهين, ورجحه أبو علي الطبري والقضاة الثلاثة: الماوردي والحسين والروياني, وصاحب (الكافي) والإمام والغزالي وغيرهم, لكن الأول هو المنصوص في (الأم) , فهو المعتمد وإن خالفه الأكثرون, وليس في (الشرح) ولا في (الروضة) تصحيح لشئ من الوجهين, فإن قلنا بالثاني .. فالمعتبر: أن يقرب منها ويقع نظره عليها.
وإذا كانت البهائم في منزل الاستراحة والمبيت, فإن كانت إبلًا مناخة وليس معها أحد .. فغير محرزة, وإن كان معها حافظها .. فهي محرزة بعقالها, وإن نام الحافظ عنها أو اشتغل وإن لم تكن معقولة .. اشترط أن ينظر إليها ويلاحظها.
وإن كانت خيلًا أو بغالًا أو حميرًا .. فقيل: هي كالإبل, وقال الماوردي: يضم بعضها إلي بعض وتربط ويكون معها من يحفظها متيقظًا أو نائمًا.
فروع: المتاع الذي علي الدابة المحرزة محرز يقطع سارقه, سواء سرقه مع وعائه أو دونه أو مع الدابة, ولو سرق الجمل وصاحبه نائم عليه .. لم يقطع, وإن سرق بقرة فتبعها عجلها .. لم يكن العجل محرزًا, إلا إذا كان قريبًا منه بحيث يراه إذا التفت وكان

وَكَفَنٌ فِي قَبْرٍ بِبَيْتٍ مُحْرِزٍ مُحْرِزٌ,  يلتفت كل ساعة كما تقدم في قائد القطار.
ولو دخل المراح وحلب من لبن الغنم أو جز من صوفها ما يبلغ نصابًا وأخرجه .. قطع, ولا يشترط كون اللبن من واحدة منها علي الأصح.
قال: (وكفن في قبر ببيت محرز محرز) فمحرز الأول بكسر الراء, وهو مجرور صفة لبيت, والثاني بفتح الراء, وهو مرفوع خبر قوله: (وكفن).
والمراد: أن سارق الكفن المحرز يقطع؛ لعموم الأمر بقطع السارق.
وروي البيهقي [معرفة17184]: أن النبي صل الله عليه وسلم: (من سرق قطعناه).
وروي أيضًا [معرفة17178]: (أن النبي صل الله عليه وسلم لعن المختفي) وهو نباش القبور.
وقالت عائشة: (سارق موتانا كسارق أحيانا).
وقال الشعبي: النباش سارق.
وروي البخاري في (تاريخه) [104/ 4]: أن ابن الزبير قطع نباشًا.
وفي قول قديم: لا يقطع في الكفن مطلقًا؛ لأنه موضوع للبلي, وبه قال أبو حنيفه.
قال الإمام: وكذلك لو كانت مقبرة محفوفة بالعمارة, أو كان عليها حراس.
ولا فرق بين أن يكون الكفن من مال الميت أو أجنبي أو بيت المال كما تقدم.
ومقتضي ما في (الروضة) أن حارس المقبرة إذا سرق منها لا يقطع.
هذا في الكفن المشروع وهو خمسة أثواب أو ثلاثة, فإن كفن في زائد علي ذلك أو في ثوب حرير لرجل أو فرش ونحوه .. فلا قطع في الأصح.
والطيب الزائد علي القدر المستحب لا يقطع به علي المشهور.
واقتصاره علي (الكفن) يقتضي: أنه لو وضع فيه غيره فسرق .. لا قطع, وهو و

وَكَذَا بِمَقْبَرَةٍ بِطَرَفِ الْعِمَارَةِ فِي الأَصَحِّ، لا بِمَضْيَعَةٍ فِي الأَصَحَّ  الأصح, بخلاف الكفن؛ فإن الشرع جعله حرزًا له للضرورة.
ولو وضع في تابوت فسرق .. لا قطع؛ للنهي عنه.
وينبغي اشتراط كون القبر محترمًا, فلو دفن في أرض مغصوبة فسرق منه .. لم يقطع كما سيأتي.
ولا بد من اعتبار كون الميت محترمًا؛ ليخرج به الحربي, ولم أر من تعرض له.
ولا فرق في وجوب القطع بين أن يكون القبر كمُل طمه أو لا.
وفي (فتاوي البغوي) لو وضع الميت علي الأرض ونصبت عليه الحجارة .. كان كالقبر فيقطع بسرقة كفنه.
قال في (الروضةينبغي أن لا يقطع إلا إذا تعذر الحفر؛ لأنه ليس بدفن.
ولو كانوا في بحر فطرح الميت في الماء فأخذ رجل كفنه .. لم يقطع؛ لأنه لا يعد إحرازًا, فأشبه ما لو وضع بالأرض فغيبته الريح, قاله البغوي في (فتاويه) , قال الرافعي: وقد يتوقف فيه.
قال: (وكذا بمقبرة بطرف العمارة في الأصح)؛ لأنه حرز في العادة, وقيده الماوردي بما إذا كان القبر عميقًا, فإن كان قريبًا إلي وجه الأرض .. فلا قطع.
والثاني: المنع؛ لأنه ليس دونه باب مغلق ولا عليه حارس, فصار كالمتاع الموضوع هناك.
ومحل الخلاف: إذا لم كين لها حارس, فإن كان .. قطع بلا خوف.
قال: (لا بمضيعة في الأصح)؛ لأن السارق لا يحتاج إلي انتهاز فرصة.
والثاني: أن القبر حرز للكفن بكل حال؛ لأن النفوس تهاب الموتي, وكذلك لا يعد الدافن للميت في ذلك مضيعًا, ونسب هذا ابن الرفعة إلي جماعة كثيرين.
تتمة: إذا سرق كفن الميت أو ضاع .. وجب تكفينه ثانيًا من تركته, فإن لم يكن .. فهو كمن مات ولا تركة له.

فَصْلٌ.
يُقْطَعُ مُؤَجَّرُ الْحرْز  وقال الماوردي: إذا كفن من ماله ثم قسمت التركة ثم سرق الكفن .. استحب للورثه تكفينه ثانيًا, ولا يلزمهم ذلك, وقواه المصنف.
وفي مالك الكفن إذا كان من التركة أوجة: أصحها: الورثة, والميت أحق به ما دام باقيًا, فإذا بلي .. تصرفوا فيه بالفريضة.
والثاني: أنه باق علي ملك الميت.
فعلي هذا: إذا أكله سبع أو أظهره سيل .. الأصح: أنه يكونلبيت المال, وجزم ابن الصباغ والقاضي والإمام بأنه لورثته.
والثالث: أنه لله تعالي, فإذا ظهر بعد البلي .. كان ليت المال, قال الرافعي: بلا خلاف, وقال القاضي: يكون للورثة, كذا نقله القمولي.
وإن قلنا بالأصح .. فالوارث الخصم في سرقة, فإن سرقه وارثه أو ولده .. لا قطع, وإن قلنا: لله .. فالخصم الحاكم, فإن كفن من بيت المال أو كفنه أجنبي .. فالأصح: أنه باق علي ملك المكفن أو بيت المال كما لو أعار أرضًا يدفن فيها.
قال: (فصل: يقطع مؤجر الحرز) خلافًا لأبي حنيفة.
لنا: أنه لا شبهة له فيه ومنفعته مستحقة بعقد الإجارة والإحراز من المنافع, وهذا بخلاف ما إذا وطئ أمته المزوجة .. فإنه لا يحد؛ لأن الشبهة قائمة في المحل.

وَكَذَا مُعِيرُهُ فِي الأَصَحِّ,  قال الرافعي: وفي هذا الاستدلال إعلام بأن التصوير فيمن استحق بالإجارة إيواء المتاع دون من استأجر لزراعة فآوي ماشية مثلًا, وتبعه في (الروضة) علي ذلك, فإطلاق الكتاب أيضًا محمول عليه هذا إذا سرق في مدة الإجازة, فإن كان بعد انقضائها .. ففيه الخلاف الآتي في المعير.
كل ذلك في الإجازة الصحيحة, أما الفاسدة .. فلا يأتي فيها خلاف.
قال: (وكذا معيره في الأصح) , هو المنصوص؛ لأنه سرق النصاب من حرز محترم.
والثاني: لا يقطع؛ لأن المنفعة ملك المعير فلم يهتك حرز الغير.
والثالث: أن دخل بنيَّة السرقة وأخذِ المال .. قطع, أو بنيَّة الرجوع في العارية .. فلا, ومحل الخلاف: في العارية الجائزة, فإن كانت لازمة يمتنع الرجوع فيها .. قطع قطعًا.
والذي أطلقه المصنف من قطع المعير محله: إذا لم يتقدمه رجوع, فإن رجع أولًا في العارية بالقول وامتنع المستعير من الرد بعد التمكن .. فلا قطع قطعًا؛ لأن المستعير حينئذ يتصرف فيه بغير حق فكان كالغاصب.
هذا إذا استعمله في الوجه المأذون له فيه, فلو استعار للزراعة فغرس ودخل المعير فسرق من الغراس .. لم يقطع, علي قياس ما قاله الرافعي في صورة الإجازة السابقة.
فرع: أرتهن دارًا وأحرز فيها متاعاَ .. لم يقطع سارقه, سواء سرقه الراهن أو غيره؛ لأن منافع الرهن للراهن فصار المرتهن كالغاضب.

وَلَوْ غَصَبَ حِرْزًا .. لَم يُقْطَعْ مَالِكُهُ, وَكَذَا أَجْنَبيٌّ فِي الأَصَحِّ, ولوْ غضبَ مَالًا وَأَحْرَزَهُ بحرْزهِ فسرَقَ الْمَالِكُ منْهُ مَالَ الغَاصب أوْ أجْنبِيٌّ الْمغْصُوبَ .. فلاَ قطْعَ فِي الأصحِّ  قال: (ولو عصب حرزًا .. لم يقطع مالكه) أي: بسرقة ما أحرزه الغاصب فيه؛ لأن له الدخول والهجوم عليه فلا يكون محرزًا عنه, كذا جزم به الرافعي.
وفيه وجه في (التنبيه) أنه يقطع؛ لأنه مال محرز لا شبهة له فيه, وهذا لا يعرف في غيره.
قال: (وكذا أجنبي في الأصح)؛ لأن الإحراز من المنافع والغاصب لا يستحقها.
والثاني: يقطع؛ لأنه لا حق للأجنبي فيه وليس له الدخول.
قال: (ولو غصب مالًا وأحرزه بحرزه فسرق المالكُ منه مالَ الغاصب أو أجنبيٌّ المغصوب .. فلا قطع في الأصح) , أما في المالك .. فلأن له دخول الحرز وهتكه لأخذ ماله, فالذي يأخذ من الغاصب يأخذه وهو غير محرز عنه.
ووجه مقابله: أنه إذا أخذ المال .. هتك الحرز للسرقة لا لأياخذ ماله فيقطع.
وأما إذا سرق المغصوب أجنبي .. فلأنه حرز لم يرضه المالك وهو في يده بغير حق.
ووجه مقابله: أنه سرق نصابًا من حرز مثله لا شبهة له فيه.
والخلاف جار سواء عرف السارق أنه مغصوب أم لا.
وخص بعضهم الوجهين في المسألة الأولي بما إذا تميز مال الغاصب عن ماله, سواء أخذه وحده أو مع مال نفسه, وإلا .. لم يقطع جزمًا.
فرع: سرق الطعام عام القحط والمجاعة, فإن كان يوجد بثمن غال .. قطع, وإن كان لا يوجد ولا يقدر عليه .. لم يقطع جزمًا, وعلي هذا يحمل ما جاء عن عمر رضي الله

وَلاَ يُقْطَعُ مُخْتلسٌ وَمُنْتهبٌ وَجاحدُ وَديعةٍ.
وَلَوْ نَقَبَ وَعَادَ فِي لَيْلَةٍ أُخْري فسَرقَ .. قُطع في الأصحَّ  عنه: (أنه لا قطع في المجاعة) , كذا استدل به الرافعي وغيره, وهو غريب.
قال: (ولا يقطع مختلس ومنتهب) هذا هو الركن الثاني, وهو نفس السرقة.
والدليل عيل أنه لا يقطع المختلس: ما روي الأربعة عن جابر: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (ليس علي المختلس والمنتهب والخائن قطع).
و (المختلس) الذي يعتمد العرب, و (المنتهب) يعتمد القوة والغلبة, وكل منهما يأخذ عيانًا والسارق يأخذ خفية فاختلفا.
قال: (وجاحد وديعة)؛ لأنه لم يوجد منه أكثر من حبسه عن مالكه والكذب في جحوده, وليس واحد منهما موجبًا للقطع, وكذا الحكم في الخائن, وهو: من يأخذ بعضها, وحديث المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده ذكره للتعريف, فإنها اشتهرت بذلك؛ لا أن ذلك سبب القطع, ويدل له ما في (الصحيحين) [خ3475 - م1688]: أن قريشًا أهمهم شأنها لما سرقت.
وقال أحمد في المسائل الثلاثة: عليهم القطع.
لكن كان ينبغي للمصنف أن يمثل بجاحد العارية؛ فإنه موضع الخلاف بيننا وبينه.
قال: (ولو نقب وعاد في ليله أخري فسرق .. قطع في الأصح) كما لو نقب في أول الليل وأخرج المال في آخره.
والثاني: لا يقطع؛ لأنه عاد بعد هتك الحرز, فصار كما لو جاء غيره وأخذ المال.

قُلتُ: هذَا إِذَا لمْ يعْلَمِ الْمالِكُ وَلَمْ يظْهَرْ للطارقِينَ, وَإِلاَّ .. فلاَ يُقْطَعُ قطعًا, واللهُ أعْلمُ.
ولَو نَقَبَ وَأَخْرَجَ غَيْرُهُ .. فلاَ قطْعَ,  قال: (قلت: هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين)؛ بأن كان خفياَ.
قال: (وإلا .. فلا يقطع قطعًا والله أعلم)؛ لانتهاك الحرز, وهذا محكي عن النص, وهو الصواب في التعبير, ووقع في بعض النسخ: (وإلا .. فيقطع قطعًا) , وهو غلط, والذي بخط المصنف الأول, وهذا التفصيل ذكره الرافعي في (شرحيه) , وأهمله في (المحرر) , إلا أن ادعاءه نفي الخلاف ممنوع؛ ففي (البحر) للروياني التصريح به, ولهذا لم يذكره في (الروضة) , علي أن ما جزم به هنا من عدم القطع عند الاشتهار مخالف لما صححه فيما إذا أخرج نصاباَ دفعات: أنه يجب القطع علي الأصح وغن عاد بعد الاشتهار, والصواب: إجراء الخلاف في الموضعين.
وخرج بقوله: (ثم عاد في ليلة اخري) ما إذا نقب وأخرج النصاب عقب النقب؛ فإنه يقطع بلا خلاف؛ لأنه أفعاله المتواصلة كالفعل الواحد.
قال: (ولو نقب وأخرج غيره .. فلا قطع)؛ لأن الناقب لم يسرق والآخذ أخذ من غير حرز, لكن علي الأول ضمان الجدار, وعلي الثاني رد المال.
وقيل: في قطع المخرج قولان, فلو كان صاحب الدار فيها وهو يلاحظها .. قطع المخرج؛ لأنها محرزة, وإن كان نائمًا .. فلا علي الأصح, كمن نام والباب مفتوح, كذا قالي الرافعي.
قال ابن الرفعة: وهذا منه إشارة إلي أن كون السرقة بالنهار؛ لأنه محل الوجهين كما قررنا, أما بالليل .. فقد جزم بأنها ليست محفوظة بالنائم.
كل هذا إذا كان المخرج مميزًا, فلو نقب ثم أمر من لا يميز أو عبدًا أعجميًا بلإخراج ففعل .. وجب القطع علي الآمر علي المشهور.

وَلَوْ تَعَاوَنَا فِي النَّقْب وانْفَرَد أَحَدُهُمَا بالأخْراج, أَوْ وَضعَهُ ناقِبٌ بقُرْب النَّقْبِ فأخْجهُ آخرُ .. قْطعَ الْمخرجُ, وَلَوْ وَضَعَهُ نقْبهِ فأخَذّهُ خَارِجٌ وَهُوَ يُسَاوي نصَابيْنِ .. لَمْ يُقْطعَا فِي الأظْهَرِ  قال: (ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج, أو وضعه ناقب بقرب النقب فأخرجه آخر .. قطع المخرج)؛ لأنه السارق, وهذا مع قوله: (ولو نقب وأخرج غيره .. فلا قطع) في غاية التباين؛ فإن غير الناقب إذا لم يقطع فيما إذا كان هو الداخل والسارق فبطريق الأولي أن لا يقطع مع عدم الدخول وتقريب الناقب له من النقب, والغلط حصل من الاختصار.
وعبارة (المحرر) (ولو تعاونا علي النقب وانفرد أحدهما بالإخراج .. فالقطع علي المخرج, وكذا إن دخل أحدهما ووضع المتاع قريباَ من النقب فأدخل الأخر يده وأخرجه) اهـ فعلم أن صورة المسألة في ناقبين, فتوهم المصنف أنها في ناقب واحد, فوهم.
قال: (ولو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج) أي: قد شاركه في النقب (وهو يساوي نصابين .. لم يقطعا في الأظهر)؛ لأن كلًا منهما لم يخرجه من تمام الحرز.
والثاني: يقطعان؛ لاشتراكهما في الهتك والإخراج, ولئلا يصير ذلك طريقًا إلي إسقاط الحد, وهذا رواه الحارث بن شريح والبقال عن القديم ولو ناول الداخل الخارج من فم النقب .. لم يقطع واحد منهما, ويسمي هذا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  السارق: الظريف, كذا حكاه في (البحر) عن الشعبي.
واحترز المصنف عما إذا كان دون نصابين؛ فإنه لا قطع عليهما جزمآ.
فروع: الأول: علم قرداّ النزول إلى الدار واخراج المتاع فنقب الحرز وأرسل القرد وأخرج المتاع .. قال القفال: ينبغي أن لا يجب القطع, وهو يشكل بما إذا علَّمه القتل ثم أرسله علي إنسان فقتله, فإنه يضمنه.
ويفرق بأن القطع إنما يجب بالمباشرة دون السبب, بخلاف القتل.
الثانى: نقب مقعد وأعمى وحمل الأعمى المقعد وأخذ المال .. فهل يقطعان أو لا, أو يقطع الآخذ دون الحامل؟ فيه أوجه: أصحهما: الثالث.
ولو أخذ الأعمى المال بدلالة المقعد .. فقيل: يقطعان, والأصح: يقطع الأعمى فقط.
ولو كانا بصيرين سالمين فأخذ أحدهما المال وحمله الآخر وأخرجه والمال معه .. فهل يقطعان أو المحمول فقط؟ فيه وجهان: اصحهما: الثانى.
ولو أخذ المقعد المال وحمله الأعمى .. وجب القطع علي المقعد, ولا يجعل حامل حامل المال حاملا للمال, ولهذا لو حلف لا يحمل طبقًا فحمل رجلا وذلك الرجل علي يده طبق ... ولم يحنث الحالف.
الثالث: كان في البستان أترج والماء يدخل من أحد طرفيه ويخرج من الآخر, فجمع النار والوقود في ظرف ووضعه في الماء حتى دخل البستان, فعلا الدخان وأسقط الأترج في الماء وخرج الطرف الآخر فأخذه, أو رمى الأشجار بالأحجار ونحوها حتى تناثرت الثمرة في الماء وخرجت .. لم يقطع علي الصحيح.

وَلَو رَمَاهُ إِلَى خَارجِ حِرزِ, اَوُ وَضَعَهُ بِمَاءِ جَارِ أَو ظَهرِ دَأبةِ سَائرةِ, أَو عَرّضَهُ لِرِيِحِ هَابةِ فأَخَرجَتُهُ .. قُطِعَ, أَو وَاقِفَهِ فَمَشَت بِوَضعِهِ .. فَلاَ فِىِ الأَصَحُ.
وَلا يَضمَنُ حُرٌ بيدٍ, وَلاَ يُقطًعَ سَارِقُهُ ,  قال: (ولو رماه إلى خارج حرز, أو وضعه بماء جار أو ظهر دابة سائرة, أو عرضه لريح هابة فأخرجته .. قطع) , أما الأولى .. فكما لو أخرجه بيده.
وصورتها: أن يدخل الحرز فيأخذ المال ويرميه إلى خارج الحرز, فيلزمه القطع, سواء أخذه الرامى أو تركه فضاع أو أخذه غيره.
وقيل: أن لم يأخذه .. فلا قطع, كما لو أتلفه في الحرز.
وأما الثانية ... فلأنه المخرج.
واحترز بـ (الجارى) عن الراكد, لكنه إن حركه بيده حتى خرج .. كان كالجارى, وإن حركه غيره حتى خرج .. فالقطع علي المحرك, وإن زاد الماء بانفجار نهر أو مجاء سيل فخرج به .. لم يقطع علي الأصح.
وأما الثالثة .. فلأنه إخراج مال من حرزه, وكذلك لو سيرها هو من باب أولى, وهى مذكورة في (المحرر).
وأما الرابعة فلتسببه.
واحترز بـ (الهايَّة) عما إذا كانت راكدة ووضعه علي طرف النقب فهبت وأخرجته؛ فالظاهر: إنه لا يجب.
قال: (أو واقفه فمشت بوضعه .. فلا في الأصح)؛ لأن لها اختيارًا في السير.
والثانى: نعم؛ لأن الخروج حصل بفعله, فإنها إذا أثقلت بالحمل ... سارت.
والثالث: إن سارت عقب الوضع .. قطع, وإلا ... فلا, حكاه الماوردى, وهو كالخلاف في فتح القفص عن الطائر.
قال: (ولا يُضمن حرً بيدِ, ولا يقطع سارقه) وإن كان صغيرًا؛ لأنه ليس بمال.
وعن مالك يجب القطع بسرقته؛ لما روي الدارقطني [202/ 3] عن عائشة: (أن وَلَوَ سَرَقَ صَغِيرًا بِقِلاَدهِ .. فَكَذَا فِى اَلأَصَحَ.
وَلَو نَامَ عَبدُ عَلَى بَعِيرِ فَقَادَهُ وَأَخرَجَهُ عَنِ اَلَقَافِلَه .. قَطِعَ, أَو حُرٌ .. فَلاَ فِى اَلأَصَحَّ  النبي صل الله عليه وسلم أتى برجل كان يسرق الصبيان ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخري فأمر بقطعه) لكنه ضعيف أو محمول علي الأرقاء.
والحكم فيهم: أن العبد الصغير الذى لا يميز إذا أخذه من حرزه .. يجب القطع بسرقته, والمجنون والأعجمى الذى لايميز كالصغير.
وإن كان الصغير مميزًا فأخذه وهو نائم أو سكران أو مضبوط .. فهو كغير المميز, وأن دعاه وخدعه ببيعه باختياره .. فلا قطع, والمكاتب والمبعض كالحر.
قال: (ولو سرق صغيرًا) أى: حرًا (بقلاده .. فكذا في الأصح)؛ لأن يده علي ما معه, ولهذا لو كان علي اللقيط مال .. فهو له, كمن سرق جملًا وصاحبه راكبه.
والثانى: يقطع؛ لأنه سرق نصابًا.
والوجهان جاريان سواء أخذه علي صورة السرقه أم لا, وخصهما الزبيلي بما إذا نزع الحلى والثياب عن الصبي, فإن لم ينزعهما .. فلا قطع قطعًا, ويتعين أن يكون مراده بما إذا نزعهما بعد الإخراج من الحرز.
والخلاف في القلادة جار فيما إذا كان معه مال.
وموضع الوجهين: إذا كان الصغير في موضع لا ينسب لتضييع, وإلا .. لم يقطع بلا خلاف.
واحترز بـ (الصغير) عن البالغ العاقل؛ فلا خلاف أنه لا يقطع إذا حمله نائمًا أو مكرهًا وعليه حلى, وطرد بعضهم الخلاف فيه.
ولو سرق كلبًا في عنقه قلاده .. قطع, وحرز الكلب حرز الدواب .. قال: (ولو نام عبد علي بعير فقاده وأخرجه عن القافله .. قطع)؛ لأنه كان محرزًا بالقافلة.
والثانى: المنع؛ لأن يده علي البعير, وإنما تتحقق السرقة عند إزالتها.
قال: (أو حر .. فلا في الأصح)؛ لأن البعير والمتاع بيده.

وَلَوَ نَقَلَ من بِيتِ مُغلَقِ إلِى صَحنِ دَارِ بَابُهَا مَفتُوحٌ .. قُطِعَ, وَإِلأَ .. فَلاَ, وَقِيلَ: إِن كَانَا مُغلَقَينِ .. قطِعَ.
وَبَيتُ خَانِ وصَحْنُهُ كَبَيتٍ وَدَارِ فِى ألأَصَحُ  والثانى: يقطع مطلقًا؛ لأنه أخرج نصابًا من الحرز إلى محل الضياع.
والثالث: إن كان الراكب قويًا لا يقاومه السارق .. لم يقطع, أو ضعيفًا لا يبالي به قطع.
وأطلق المصنف (الحر والعبد) ومراده: البالغين والعاقلين.
قال: (ولو نقل من بيت مغلق إلى صحن دار بابها مفتوح .. قطع)؛ لأنه أخرجه إلى موضع الضياع.
ومراده بقوله: (بابها مفتوح) أنه كان مفتوحًا, لا ما فتحه هو سواء تركه مفتوحًا أم أغلقه .. فلو كانت الدار مشتركة بين سكان وانفرد كل ساكن ببيت أو حجره فيها .. فهى مسألة الخان الآتيه, وكذلك بيوت المدرسة والرباط.
قال: (وألا .. فلا) أى: إذا كان باب البيت مفتوحًا وباب الدار مغلقًا لم يقطع؛ لأنه لم يخرجه عن تمام الحرز, وكذا إذا كانا مفتوحين؛ لأن المال ضائع إذا لم يكن محرزًا باللحاظ.
قال: (وقيل: إن كانا مغلقين .. قطع)؛ لأنه أخرجه من حرز.
والأصح: المنع؛ لأنه لم يخرجه إلى تمام الحرز, فأشبه ما إذا أخرج من الصندوق إلى البيت ولم يخرج من البيت.
والثالث: إن كان الصحن حرزًا .. لم يقطع, وإلا ... قطع.
قال: (وبيت خان وصحته كبيت ودار في الأصح) , فيفترق الحال بين أن يكون باب الخان مفتوحًا أو مغلقًا, كما إذا أخرج من البيت إلى صحن الدار.
والثانى: يجب القطع بكل حال؛ لأن صحن الخان ليس حرزًا لصاحب البيت, بل هو مشترك بين السكان, فهو كالسكة المشتركة بين أهلها.

فَصْلٌ: لاَ يُقطَعُ صَبِىٌ وَمَجنُونٌ  وموضع الخلاف: إذا كان السارق من غير سكانه, فإنه كان منهم وسرق من البيت والحجرة المقفلين .. قطع, وإن سرق من العرصة .. لم يقطع.
تتمه: دخل الحمام ليغتسل فسرق ثياب بعض الداخلين أو مئزر الحمام ونحوه وأخرجه .. لم يقطع, وإن دخل ليسرق, فإن كان هناك حافظ الحمامي أو غيره .. قطع, وإن لم يكن حافظ أو كان لكنه نائم أو اشتغل عن الحفظ .. لم يقطع.
ولو نزع ثيابه والحمامي أو الحارس جالس ولم يسلمها إليه ولا استحفظه بل دخل علي العاده فسرقت .. فلا قطع ولا ضمان علي الحمامي ولا علي الحارس, وقيل: يقطع للعادة.
ولو سرق السفن من الشط وهى مشدودة .. قطع.
ولو ابتلع جوهرة في الحرز وخرج .. فقيل: يقطع؛ وقيل: لا, والأصح: إن حرجت منه .. قطع, وإلا .. فلا.
قال: (فصل) عقده للركن الثالث وهو السارق.
وشرطه: التكليف والاختيار والالتزام, فإذا حصل ذلك .. وجب القطع من غير فرق بين الرجل والمرأه, والحر والعبد.
وكان ابن عباس يرى أن العبد الآبق إذا سرق لا قطع عليه, وبقوله قال أبو حنيفه؛ بناء علي أن القضاء علي الغائب لايجوز؛ إذ في قطعه قضاء علي سيده الغائب.
وقال الشافعى: لا تزيده معصية الله بالإباق خيرًا.
قال: (لايقطع صبي ومجنون)؛ لرفع القلم عنهما.
واستدل له الرافعى بأن النبي صل الله عليه وسلم أتى بجارية سرقت فوجدها لم تحض فلم يقطعها, وهو غريب, لكن نص في (الإملاء) علي أن الصبي يعزر,

وَمُكْرَه, وَيُقْطَعُ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ بِمَالِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ, وَفِي مُعَاهدٍ أَقْوَالٌ: أَحْسَنُها إنْ شُرِطَ قَطْعُه بِسَرِقَه .. قُطِعَ, وَإلَّا .. فَلَا.
قُلْتُ: الأَظْهرُ عِنْدَ الجُمْهورِ: لَا قَطْعَ, والله أَعْلَمُ ... ..

 وكذلك المجنون الذي له نوع تمييز, قال له القاضي حسين, وكان ينبغي أن يقول: (وحربي)؛ لأنه غير ملتزم بالأحكام.
قال: (ومكره) , للخبر المشهور.
ولا يجب القطع علي المكره– بكسر الراء– جزمًا كالمكره علي الزنا.
قال: (ويقطع مسلم وذمي بالمال مسلم وذمي) , أما قطع المسلم بمال المسلم .. فبالإجماع, وأما قطعه بمال الذمي .. فهو المشهور، لأنه معصوم بذمته.
وقيل: لا يقطع كما لا يقتل المسلم بالذمي, وهذا شاذ.
وفي قطع الذمي بالسرقه ثلاثه أوجه: أصحها: يقطع مطلقًا.
والثاني: لا يقطع إلا برضاه بحكمنا.
والثالث: إن سرق مال مسلم .. قطع قطعًا, وإن سرق مال ذمي .. لم يقطع إلا برضاه، وفي إقامه الحد عليه بالزنا هذه الأوجه.
قال: (وفي معاهد) وكذا من دخلها بأمان (أقوال: أحسنها إن شرط قطعه بسرقه .. قطع, وإلا .. فلا)؛ لأنه إذا عوهد علي هذا الشرط .. فقد إلتزمه.
والثاني: لا قطع مطلقًا ,وهو المنصوص في أكثر كتبه, ورجحه الأصحاب.
والثالث: يقطع مطلقًا كالذمي.
والمصنف وافق (المحرر) في التعبير بـ (الأحسن) , وعباره (الشرح الصغير) أقربها, وفي (الروضه) و (أصلها) أظهرها – عند الأصحاب, وهو نصه في أكثر كتبه_: لا يقطع, وهو موافق لما في (المنهاج) حيث قال: (قلت: الأظهر عند الجمهور: لا قطع والله أعلم) , لأنه لم يلتزم الأحكام فأشبه الحربي.

وَتَثْبُتُ السَّرِقَه بِيَمِينِ المُدَّعِي المَرْدُودَه فِي الأَصَحْ,  وقال الماوردي: محل الخلاف: إذا سرق مال مسلم أو ذمي, فإن سرق مال معاهد .. فلا قطع قطعًا ولا نحده بقذفه.
وفي انتقاض عهده بالسرقه أوجه: ثالثها: إن شرط أن لا يسرق .. انتقض, وإلا .. فلا ولا خلاف أنه يطالب برد ما سرقه إن كان باقيًا, ويبدله إن كان تالفًا.
ولو سرق مسلم مال المعاهد .. قال الإمام: فيه التفصيل كعكسه.
قال: (وتثبت السرقه بيمين المدعي المردوده في الأصح) , لأنها كالإقرار أو كالبينه, والقطع يثبت بالأمرين جميعًا, فأشبه القصاص, فإنه يثبت باليمين المردوده, وهذا هو الأظهر في (المحرر).
والثاني: لا يثبت القطع بها؛ لأنه حق الله تعالي, فأشبه ما إذا قال: أكره أمتي علي الزنا فحلف المدعي بعد نكول المدعي عليه, فإنه يثبت المهر دون حد الزنا, وصححه الرافعي والمصنف في (الدعاوي) , وفي (الحاوي الصغير) ها هنا, وأفتى به الشيخ عماد الدين بن يونس, وهو ظاهر نص (الأم) و (المختصر) , وهو المذهب المفتى به.
ولم يصحح الشيخان ها هنا شيئًا من الوجهين, بل نقلا القطع عن العراقيين وإبراهيم المروروذي, ومقابله عن ابن الصباغ والعمراني وغيرهما.
فرع: أقر بالسرقه ثم أقيمت عليه البينه ثم رجع .. سقط عنه القطع علي الصحيح) , لأن الثبوت كان بالإقرار, صرح به القاضي حسين, وقد تقدم نظير هذا في الزاني إذا رجع بعد الإقرار وإقامه البنيه.

وَبِإِقْرَارِ السَّارِقِ,  فرع: أخذ المقر بالسرقه ليقطع فهرب .. هل يسقط عنه القطع؟ قال الشيخ: لم أره مسطورًا لأصحابنا, إنما كلام صاحب (المبسوط) من الحنفيه يقتضي السقوط, ثم قال: والأرجح: عدمه, لكنه لا يتبع ولا يطالب.
ورأيت في (البيان والتحصيل) سئل سحنون عن اللصوص إذا ولوا يتبعون؟ فقال: نعم يتبعون ولو بلغوا برك الغماد.
قال: (وبإقرار السارق) , مؤاخذه له بقوله.
والمراد: إقرار بعد الدعوى, فإن أقر قبلها .. فالأصح: لا يقطع في الحال, بل يوقف إلي حضور المالك وطلبه كما سيذكره المصنف.
ولا يشترط تكرار الإقرار كما في سائر الحقوق, لقوله صل الله عليه وسلم: (من ابدي لنا صفحته .. أقمنا عليه حد الله تعالي) ولم يفرق بين أن يتكرر أو لا يتكرر, والحديث المذكور رواه مالك [2/ 825] والشافعي [أم6/ 145] عن زيد بن أسلم مرسلًا, وأسنده الحاكم [4/ 244] والبيهقي [8/ 329] من روايه ابن عمر بإسناد صحيح علي شرط الشيخين.
وعن أحمد: لا يقطع حتى يقر مرتين, للحديث الآتي في المسأله بعدها.
كل هذا بالنسبه إلي الحر, أما العبد .. فقد تقدم في أول (باب الإقرار) حكم إقراره بالعقوبات وأن السيد يقضي فيه بعمله, بخلاف الحر.
فرع: لا يجب القطع بالإقرار المطلق بالسرقه, وفي شرب الخمر يجب الحد به.
وبالزنا فيه وجهان: أصحهما: لا نوجبه.
والفرق: أن اسم السرقه متحقق فلا قطع كما في الشبهه, والمتبادر من شربه المسكر أنه شربه حرامًا.

وَالمَذْهبُ: قَبولُ رُجُوعِه.
وَمَنْ أَقَرَّ بِعُقُوبَه لله تَعَالَي .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَرِّضَ لَه بِالرُّجُوعِ  قال: (والمذهب: قبول رجوعه) بالنسبه إلي القطع؛ لأنه حق لله تعالي فيسقط كما يسقط حد الزنا, وقد روي أبو أميه المخزومي: أن النبي صل الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف ولم يوجد معه متاع, فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: (ما إخالك سرقت) قال: بلي, فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا, فأمر به فقطع وجيء به, فقال: (استغفر الله وتب إليه) فقال: أستغفر الله وأتوب إليه, فقال: (اللهم تب عليه) ثلاثًا - رواه أبو داوود [4380] والنسائي [سك 7428] وابن ماجه [2597] , وفي سنده مجهول, وأنكر علي إمام الحرمين قوله: متفق علي صحته- فلو لم يكن الرجوع مقبولًا.
لم يكن للحث عليه معنيً.
وحاصل ما في المسأله ثلاث طرق: يقبل مطلقًا, لا يقبل مطلقًا, يقبل ويسقط القطع إذا رجع.
قال: (ومن أقر بعقوبه لله تعالي .. فالصحيح: أن للقاضي أن يعرض له الرجوع) فيقول له: لعلك غضبت.
لعلك أخذت من غير حرز, وفي الشرب: لعلك لم تعلم أنه مسكر, وفي الإقرار بالزنا: لعلك فاخذت أو قبلت أو لمست؛ لأن النبي صل الله عليه وسلم قال لماعز: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت) رواه البخاري.
وقال الإمام: تذكر مسأله الرجوع بحضرته ويذكر حكمها, وقيل: لا يعرض له مطلقًا, وقيل: إن لم يعلم جواز الرجوع .. عرض له , وإلا .. فلا.
كل هذا إذا كان المقر جاهلًا بالحد) إما لقرب عهده بالإسلام أو لكونه نشأ بباديه بعيده عن العلماء, والخلاف في الجواز فقط.
واحترز بـ (حقوق الله تعالي) عن حقوق الآدميين, فلا يتعرض في السرقه لما يسقط الغرم, بل في دفع القطع.
واحترز بـ (الإقرار) عما إذا ثبت بالبينه.
فإن القاضي لا يحمله علي الإنكار.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل