النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 335-374
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَيْرَاعَى أَقْرَبَ مَنْ تُنْسَبُ إَلْى مَنْ تُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَأَقْرَبُهُنَّ، أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبِ، ثُمَّ بَنَاتُ أُخِ، ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذَلِكَ.
فَإِنْ فُقِدَ نِسَاءُ اَلْعَصَبَةِ أَوْ لَمْ يَنْكِحْنَ أَوْ جُهِلَ مَهْرُهُنَّ .. فَأَرْحَامُ كَجَدَّاتِ وَخَالاَتٍ  قال: (فيراعى أقرب من تنسب إلى من تنسب إليه) فينظر إلى نساء عصباتها، وهن اللواتي ينتسبن إلى من تنسب هذه كالأخوات وبنات الإخوة والعمات وبنات الأعمام، ولا ينظر إلى ذوات الأرحام كالبنات والأمهات، بخلاف ما تقدم في (الحيض) أن المبتدأة ترد إلى عادة نساء عشيرتها من الأبوين على الأصح؛ لأن ذلك أمر يرجع إلى الخلفة والجبلة، والأب والأم يشتركان فيه.
قال: (وأقربهن: أخت لأبوين ثم لأب) يعني: أنه يراعي في ناء العصبة قرب الدرجة، وأقربهن الأخوات من الأبوين، لأن المدلي بجهتين مقدم على ذي الجهة، ولم يحك الشيخان فيه خلافًا، لكن حكى المارودي فيه وجهين وهو ظاهر؛ لأن الأنوثة لا مدخل لها هنا في الابتداء.
قال: (ثم بنات أخ، ثم عمات كذلك) أي: لأبوين ثم لأب، وهو أحسن من قول (المحرر): ثم بنات الإخوة كذلك ثم العمات؛ لخروج عمات الأم من عبارة (المصنف) صريحًا، ولم يذكر بنات العم كذلك؛ أي: لأبوين ثم لأب، ولابد منه، وهكذا بنات أولاد العم.
قال: (فإن فقد نساء العصبة أو لم ينكحن أو جهل مهرهن .. فأرحام كجدات وخالات)؛ لأنهن أولى بالاعتبار من الأجانب، وتقديم القربى فالقربى من الجهات، ولذلك تقدم القربى، فالقربى من الجهة الواحدة كالجدات.
وقال في (الحاوي) و (البحر): تقدم الأم ثم الأخت لأم ثم الجدات ثم الخالة ثم بنات الأخوات ثم بنات الأخوال، فلو لم يكن في القرائب إلا واحدة أو

وَيُعْتَبَرُ سِنِّ وَعَقْلٌ وَيَسَارٌ وَبَكَارَةٌ وَثُيُوبَةٌ وَمَا اَخْتَلفَ بِهِ غَرَضٌ،  ثنتان ... توقف ابن الرفعة في اعتبارها، فغن كن ثلاثًا ... اعتبرن.
ولا يتعذر اعتبار نساء العصبة بموتهن، بل يعتبر وإن كن ميتات، وإنما يعذر بفقدهن من الأصل، أو لأنهن لم ينكحن، أو جهل مهرهن كما قال المصنف.
فإن تعذر الاعتبار بذوي الأرحام أيضًا ... اعتبر مثلها من النساء الأجانب، وكذا إن لم يكن نسب المرأة معلومًا.
ويعتبر مهر العربية بعربية مثلها، أو الأمة بأمه مثلها، وينظر إلى شرف السيد وخسته، ومهر العتيقة بعتيقة مثلها، وفي وجه: تعتبر المعتقة بنساء الموالي.
قال: (ويعتبر سن وعقل ويسار وبكارة وثيوبة وما اختلف به غرض) من الصفات المرغوب فيها، وإنما اعتبر اليسار هنا على الصحيح، لأن الرغبة في الموسرة أكثر لتوقع الرفق بها وانتفاع الأولاد بمالها، وقيل: لا يعتبر اليسار كالكفاءة، وهو بعيد.
وكذا تعتبر الكفاءة والعفة والجمال أكثر، وليس كما ي الكفاءة؛ فإن المرعى هنا التحرز عما يوجب عارًا.
وكذا يعتبر ما يرغب فيه من الأوصاف كالعلم والفصاحة والصراحة، فالصريح: الذي كون أبواه عربيين، والذي أبوه عربي دون أمه هجين، وعكسه مقرف، والمذرع: الذي أمه أشرف من أبيه، وهو بفتح الذال المعجمة والراء.
قال الشاعر [من الطويل]: إذا باهلي تحته حنظلية .... له ولد منها فذاك المذرع فباهله أرذل القبائل، وحنظلة أكرم قبيلة من تميم، ولذلك يقال لها: حنظلة الأكرمون.
وينظر مع ذكرنا إلى البلد، فيعتبر مهر نساء عصباتها في تلك البلدة، فإذا كان نساء عصباتها ببلدتين هي في إحداهما .. اعتبر بعصبات بلدها، فإن كن كلهن في بلدة أخرى .. فالاعتبار بهن لا بأجنبيات بلدها، كذا في (الشرحين) و (الروضة) تبعًا (للمهذب) وغيره.

فَإِنِ اَخْتَصَّتُ بِفَضْلٍ أَوْ نُقِصَ .. زيدَ أَوْ نُقِصَ لَائِقٌ بِاَلْحَالَ.
وَلَوْ سَامَحَتْ وَاحِدَةٌ .. لَمْ تَجِبْ مُوَافَقَتُهَا.
وَلَوْ خَفَضْنَ لِلْعَشِيرَةِ فَقَطْ .. اعْتُبِرَ  وقال المارودي وابن الصباغ: إنما تعتبر العصبة إذا كن ببلدها، وإلا .. لم يعتبرن؛ لأنه قيمة متلف فيعتبر محل الإتلاف.
قال: (فإن اختصت بفضل أو نقص .. زيد أو نقص لائق بالحال) والرأي في ذلك إلى الحاكم؛ لأنه يحتاج إلى فطنة ومعرفة ممن يعرف ذلك ويرجع إليه فيه.
قال: (ولو سامحت واحدة .. لم تجب موافقتها)؛ لأن ذلك لغرض خاص فلا يقصى به على العموم، كما لو سمح شخص ببيع نوع من ماله بدون قيمته .. لم يجعل ذلك قيمة يرجع إليها، اللهم إلا أن يكون ذلك لنقص دخل في النسب أوجب قلة الرغبات.
قال: (ولو خفضن للعيرة فقط .. أعتبر) يعني: إذا جرت عادتهن بمسامحة العشيرة دون غيرهم .. خفننا مهر هذه في حق العشيرة دون غيرهم، وكذا إذا كن يخففن إذا كان الزوج شريفًا .. خفف في حق الشريف دون غيره.
وعن الشيخ أبي محمد: أنه لا يلزم التخفيف في حق العشيرة والشريف، كما أن قيم الأموال لا يختلف بين أن يكون المتلف صديقًا أو قريبًا أو غيرهما.
وقيل: مهر المثل للواجب بالعقد يجوز أن يختلف دون الواجب بالإتلاف.
والمراد بـ (العشيرة) الأقارب كما قالوه في الوصية، وكما يعتبر فيها ما سبق ... يعتبر بحال الزوج أيضًا في اليسار والعلم والعفة والنسب؛ لأن مهر المثل يختلف باختلاف الخاطب؛ فإن الشريف والعالم يسامح في مهره، ويرغب فيه ما لا يرغب في غيره، وقد صرح بذلك صاحب (الكافي) و (الاستقصاء) وابن يونس والفارقي

وَفِي وَطْءِ نِكَاحٍ فَاسِدٍ مَهْرُ مِثْلٍ يَوْمَ اَلْوَطْءِ، فَإِنْ تَكَرَّرَ .. فَمَهْرٌ  وغيرهم، فعلى هذا: إذا وجد في النساء مثل صفتها وصفة زوجها .. اعتبر، وإلا .. فلا يعتبر بها.
فروع: مهر المثل إنما يجب حالاً من نقد البلد وإن رضيت بالتأجيل، فإن كن ينكحن بالعرض .. قوم ووجبت قيمته من نقد البلد، وفي (البيان) عن الصميري: إن اعتدن به .. قضى لها به، وإن كن ينكحن بمؤجل كله أو بعضه .. لم يؤجله الحاكم، بل ينقص ما يليق بالأجل، قال الماوردي: إلا إذا وجب لها مهر المثل فلم تطلبه حتى مضي قدر أجلهن .. فيجب قدر مؤجلهن حالاً.
وتقادم العهد لا يوجب سقوط مهر المثل، كما لا تسقط قيم الأموال وإن احتيج فيها إلى معرفة الصفات وعسر الوقوف عليها إذا تقادم العهد، وعن أبي حنيفة أنه يسقط.
قال: (وفي وطء نكاح فاسد مهر مثل يوم الوطء) كالوطء الشبهة، ولا يعتبر يوم العقد؛ فإنه لا حرمة للعقل الفاسد، ولا يجب به شيء، وإنما يجب ما يجب بالإتلاف، فينظر إلى يوم الإتلاف، وأراد المصنف بهذا التنبيه على أنه ليس كالمفوضة، لأن المفوضة عقدها صحيح، والعقد هنا فاسد.
قال (فإن تكرر .. فمهر)؛ لأنه وطء في نكاح فاسد، فهو شبهة واحدة كما أن الوطآت في النكاح الصحيح لا توجب إلا مهرًا واحدًا، ويدل له عموم قوله صلي الله عليه وسلم: (فإن مسها .. فلها المهر بما استحل من فرجها) ولم يفرق بين مرة ومرات.
وعن المزني: القياس أن لكل وطء مهرًا.
والمراد بـ (التكرار) كما تقدم في (الحج): أن يحصل بكل مرة قضاء الوطر مع تعدد الأزمنة، فلو كان ينزع ويعود والأفعال متواصلة ولم يقض الوطر إلا آخرًا .. فهو وقاع واحد بلا خلاف.

فِي أَعْلَى اَلأَحْوَالِ .. قُلْتُ: وَلَوْ تَكَرَّرَ وَطْءٌ بِشُبْهَةَ وَاحِدَةٍ .. فَمَهْرٌ، فَإِنْ تَعَدَّدَ جِنْسُهَا .. تَعَدِّدَ اَلْمَهْرُ، وَلَوْ كَرَّرَ وَطْءَ مَغْصُوبَةٍ أَوْ مُكْرَهَةٍ عَلَى زِنًا .. تَكَرَّرَ اَلْمَهْرُ،  قال: (في أعلى الأحوال) يعني: إذا لو يجب إلا مهر واحد واختلفت أحوال الوطآت .. اعتبر أعلى أحوالها؛ لأنه لو لم يوجد غلا الوطأة الواقعة في تلك الحال .. لوجب ذلك المهر، فالوطآت الباقية إذا لم تقتض زيادة لا توجب نقصانًا، فينظر في ذلك إلى الجمال والسن والسمن ونحوها.
قال: (قلت: ولو تكرر وطء بشبهة واحدة .. فمهر)؛ لاتحادها كالإيلاجات في الوطأة الواحدة، وهذا لا شك فيه إذا ظنها زوجته أو أمته واستمر يطأ على ذلك الظن، ومحله: ما لم يؤد المهر، فإن أداه قبل الوطء الثاني .. وجب مهر جديد، قاله الماوردي وغيره.
لكن يستثنى ما لو وطئ حربية بشبهة .. فإنها لا تستحق مهرًا وإن تكرر؛ لأن ما لها غير مضمون بالإتلاف فكذا منفعة بضعها، وقد تقدم هذا ف يخلو عن عقر وعقوبة.
قال: (فإن تعدد جنسها .. تعدد المهر)؛ لتغايرها كما إذا وطئ بشبهة فزالت ثم وطئ بشبهة أخرى.
قال: (ولو كرر وطء مغصوبة أو مكرهة على زنا .. تكرر المهر) فيجب بكل وطء مهر؛ لأن الوجوب هنا بالإتلاف وقد تعدد، ومن أصحابنا من قال: عليه مهر واحد كثر الوطء أو قل؛ لأنه سبب واحد.
والمسألة مفروضة فيما إذا كان عالمًا ووجب المهر لكونها مكرهة، فإن كان جاهلاً .. لم يجب إلا مهر؛ لأن الجهل شبهة واحدة مطردة فأشبهت الوطء في نكاح فاسد مرارًا.
فإن وطئها مرة عالمًا ومرة جاهلاً .. وجب مهران، ولو أدعت الإكراه ونازعها .. ففي المصدق منهما قولان سبقا في (الغصب).

وَلَوْ تَكَرَّرَ وَطْءُ اَلأَبِ وَاَلشِّريكِ وَالسَّيٌدِ مُكَاتَبَةَّ .. فَمَهْرٌ، وَقِيلَ: مُهُورٌ، وَقِيلَ: إِنِ أَتَّحَدَ اَلْمَجْلِسُ .. فَمَهْرٌ، وَإِلاَّ .. فَمُهُورٌ، وَاَلله أَعْلَمُ  قال: (ولو تكرر وطء الأب والشريك والسيد مكاتبة .. فمهر)؛ لأن الشبهة واحدة وهي وجوب الإعفاف، وهي شاملة لجميع الوطآت.
وقيد الرافعي التعدد في وطء الأب بما إذا لمي حصل بالأول إحبال؛ لأنه إذا أحبلها وقلنا: تصير مستولد .. فالوطء حصل في ملكه.
قال: (وقيل: مهور)؛ لتعدد الإتلاف في ملك الغير مع العلم بحقيقة الحال.
قال: (وقيل: إن اتحد المجلس .. فمهر، وإلا .. فمهور والله أعلم)؛ لأن اختلاف المجلس كاختلاف السبب، وفي كل سبب مهر كفدية المرض وفدية الأذى، وإذا اتحد السبب .. اتحد المسبب، كمن حلق جميع رأسه .. تجب عليه فدية واحدة وإن كان في كل جزء منها فدية، وهذا اختاره القاضي والبغوي، ورجحه الشيخ.
تتمة: وطء الشريك المشتركة، السيد المكاتبة مرارا كوطآت جارية الابن، كذا أطلقه الشيخان، وهو في المكاتبة مقيد بشرط نص عليه في (الام)، وهو: أنه لا يجبر، فتختار الصداق، فإن خيرت فعاد السيد فأصابها .. فلها مهر أخر، وكذا كلما خيرت فاختارته .. تكرر صداقها، كنكاح المرأة نكاحًا فاسدًا يلزمه مهر واحد، فإذا فرق بينهما وقضي بالصداق ثم وطئها في نكاح آخر فاسد .. فلها صداق آخر.

فَصْلٌ: اَلْفُرْقَةُ قَبْلَ وَطْءٍ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبهَا .. كَفَسْحِةِ بِعَيْبِهَا تُسْقِطُ اَلْمَهْرَ، وَمَا لاَ كَطَلاَقٍ وَإِسْلاَمِه وَرِدَّتِهِ وَلعَانِهِ وَإِرْضَاعِ أَمِّهِ أَوْ أُمَّهَا ... يُشَطَّرُهُ  قال: (فصل) عقده لتشطير المهر بالطلاق، وقد تقدم في (باب الخيار)، وإنما أعاده توطئة لما بعده.
قال: (الفرقة قبل وطء منها أو بسببها .. كفسخة بعيبها تسقط المهر)؛ لأنها إن كانت هي الفاسخة .. فهي المختارة للفرقة، وإن كان هو الفاسخ بعيبها فكأنها هي الفاسخة كما إذا أسلمت بالمباشرة أو التبعية، أو ارتدت، أو فسخت النكاح بعتق أو عيب، أو أرضعت زوجة أخرى له صغيرة، أو فسخ النكاح بعيبها.
قال: (وما لا كطلاق وإسلامه وردته ولعانه وإرضاع أمه أو أمها .. يشطره) الأصل في تشطير الطلاق قبل الدخول قوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ واتفق العلماء على ذلك، لكن عند مالك لا تملك الزوجة بالعقد إلا النصف، وعندنا تملك الجميع، فالطلاق عنده قاطع للسبب وعندنا قاطع للملك.
ولما كان الطلاق فرقة من جهة الزوج .. قيس عليها ما في معناها، فمن ذلك: إسلام الرجل، وردته، ولعانه، وإرضاع أمه أو أمها.
واندرج في قوله: (طلاق) الخلع، وتطليقها نفسها بتفويضه، وإذا علقه على دخولها فدخلت، أو طلقها بعد مدة الإيلاء بطلبها.
وينبغي أن يجب على مباشر الإسلام مهر المثل؛ لأنه أفسد نكاح غيره بإسلامه وإن كان واجبًا عليه كما في نظيره من الرضاع الواجب.
وأغرب الماوردي فقال: إذا قال لها قبل الدخول: أنت طالق إن شئت فشاءت .. فلا مهر لها؛ لوقوع الطلاق بمشيتها، وقياسه، الطرد في كل فعل من جهتها علق به طلاق.

ثُمَّ قَيِلَ: مَعْنَى اَلتَّشْطِيرِ: أَنَّ لَهُ خِيارَ اَلرُّجُوعِ،  ثم لا فرق بين أن يكون الطلاق من الزوج وحده - كما ذكرنا - أو منه معها، أو مع غيرها كالخلع فهو وإن تم بها .. فالمغلق فيه جانب الزوج؛ لأن المقصود الأصلي فيه الفراق وهو مستقل به.
وفسخ النكاح بسبب إعسار الزوج بالصداق .. صرح الرافعي في (باب المتعة) وجماعة فيه بأنه فرقة من جهتها حتى يسقط الجميع قبل الدخول، وشراؤها زوجها يسقط الجميع على الأصح، وشراؤه زوجته يشطر على الأصح.
وإذا طلق المفوضة قبل الدخول والفرض .. فلا تشطير كما سبق، وإن طلقها بعد الفرض .. يشطر.
وأما غير المفوضة .. فكل صداق واج بورد عليه الطلاق قبل الدخول شطره، سواء فيه المسمى الصحيح في العقد والمفروض بعده ومهر المثل إذا جرت تسمية فاسدة في العقد ابتداء؛ لشمول قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
وعند أبي حنيفة: لا يتشطر المفروض بعد العقد، ولا مهر المثل الواجب بالتسمية الفاسدة.
وإذا خالع زوجته المدخول بها ثم نكحها في العدة وطلقها قبل الدخول في النكاح الثاني .. يتشطر المهر عندنا.
وقال أبو حنيفة: يجب جميعه.
وأفاد المصنف بتعبيره بـ (الإرضاع): أن المعتبر الفعل، فلو دبت زوجته الصغيرة وارتضعت من أمه .. لم تستحق الشطر؛ لانفساخ النكاح بفعلها، فلو أرضعت ابنته الزوجة وهي صغيرة، أو أرضعته بنت الزوجة وهو صغير .. كان الحكم كذلك، فلو قال: فلو أرضعت أم أحدهما أو ابنته الآخر .. كان أحسن.
قال: (ثم قيل: معنى التشطير: أن له خيار الرجوع) يعني: في النصف، إن شاء .. تملكه، وإن شاء .. تركه كالشفيع يثبت له حق الشفعة بالشراء، وبهذا قال أبو حنيفة؛ لأن الشخص لا يدخل في ملكه شيء بغير اختياره سوى الإرث؛ فلابد بعد الطلاق من اختيار التملك.

وَاَلْصَّحِيحُ: عَوْدُةُ بِنَفْسِ اَلْطَّلاَقِ  ورد الأصحاب ذلك بأن الإنسان لو أخذ صيدًا لينظر إليه - لا ليتملكه - ملكه بالحوز من غير اختيار التملك، قاله صاحب (البيان).
قال: (والصحيح: عودة بنفس الطلاق)؛ قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي: فلكم نصف ما فرضتم، ولأن ما يؤثر في كل الصداق كالردة والفسخ بالعتق والعيب يؤثر بنفسه ولا يتعلق بالاختيار، فكذلك ما يؤثر في النصف.
والثالث: لا يرجع إليه بقضاء القاضي.
وحكي العبادي: أن أبا الفضل القاشاني الزاهد كحاه قولاً قديمًا، ومنهم من حكاه وجهًا، وأنكر جمهور الأصحاب كونه قولاً أو وجهًا.
وموضع الخلاف إذا لم يعرض مانع، فإن عرض .. توقف الملك على ما يتوافقا عليه كما سيأتي في كلام المصنف، لكن تستثنى صور لا يرجع فيها الزوج.
إذا أدى الصداق عن ابنه البالغ .. فإنه لا يرجع النصف إلى الأب كما لو أداه عنه أجنبي.
وإذا أدى عنه الولي الذي يتولى الطرفين الصداق .. فالراجع بالفرقة المؤدي على الأصح.
وإذا أسلم العبد الصداق من كسبه ثم طلق قبل الدخول .. فإن النصف يعود للسيد، وإن عتق ثم طلق قبله .. فالعبرة بمالكه عند الفراق لا عند ملك الزوجة الصداق على الأصح.

فَإِنْ زَادَ بَعْدَهُ .. فَلَهُ.
وَإِنْ طَلَّقَ وَاَلْمَهْرُ تَالِفٌ .. فَنِصْفُ بَدَلِهِ مِنِ مِثْلِ أَوْ قِيمَةِ  قال: (فإن زاد بعده .. فله) هذا تفريع على الصحيح، ولذلك أشار إليه بـ (الفاء).
وأما على الوجه الأول .. فالجميع للزوجة كما لو حدثت بل الطلاق.
هذا في الزيادة المنفصلة، فإن كانت متصلة وقلنا: يملك النصف بالطلاق .. فالنصف مع الزيادة له، وإن قلنا: لا يملك إلا بالاختيار .. فوجهان: أشبههما: أن له أن يرجع فيه من غير رضاها؛ لأن هذه زيادة حدثت بعد تعلق حق الزوج به، فصار ككبر الأشجار في الشقص المشفوع بعد البيع وقبل علم الشفيع؛ فإن هذه الزيادة لا تمنع الأخذ وإن حدث فيه نقصان.
فإن قلنا: يملك بالاختيار، فإن شاء .. أخذه ناقصًا ولا أرش له، وإن شاء تركه وأخذ نصف قيمته صحيحًا، وإن قلنا: يملك بنفس الطلاق، فإن وجد منها تعد بأن طالبها برد النصف فامتنعت .. فله النصف مع أرش النقص.
وإن تلف الكل والحالة هذه .. فعليها الضمان، وإن لم يوجد عدوان .. فظاهر النص - وبه قال العراقيون والروياني -: أنها تعزم أرش النقصان إذا نقصن، وجميع البدل إذا تلف؛ لأنه مقبوض عن معاوضة كالمبيع في يد المشتري بعد الإقالة، وفي (الأم) نص يشعر بأنه لا ضمان، وبه قال المراوزة؛ لأنه في يدها بلا تعد فأشبه الوديعة.
فرع: إذا كان الصداق دينًا .. سقط نصفه بمجرد الطلاق على الصحيح، وعند الاختيار على الثاني، ولو أدى الدين والمؤدى باق ... فهل لها أن تدفع قدر النصف من موضع آخر؛ لأن العقد لم يتعبلق بعينه أو يتعين حقه فيه لتعينه بالدفع؟ وجهان: أصحهما الثاني.
قال: (وإن طلق والمهر تالف .. فنصف بدله من مثل أو قيمة) الذي سبق كان في التغيير بعد الطلاق، وهذا في التغيير قبله، فإذا طلق والمهر تالف .. وجب للزوج

وَإِنْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهَا، فَإِنْ قَنِعَ بِهِ، وِإِلاَّ .. فَنِصْفُ قِيمَتِهِ سِلِيِمًا.
وَإِنْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهَا .. فَلَهُ نِصْفُهُ نَاقِصًا بِلاَ خِيَارٍ.
فَإِنْ عَابَ بِجِنَايَةِ وَأَخَذَتْ أَرْشَهَا .. فَاَلأَصَحُّ: أَنَّ لّهُ نِصْفَ اَلأَرْشِ.
وَلَهَا زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ  نصف مثله إن كان مثليًا، ونصف قيمته إن كان متقومًا؛ لأنه لو كان باقيًا .. لأخذ نصفه، فإذا فات .. رجع بنصف بدله كما في الرد بالعيب في المبيع وغيره، فإن اختلفت قيمته من حين العقد إل حين قبضه .. فالمعتبر الأقل، وسيأتي في كلام المصنف.
قال: (وإن تعيب في يدها، فإن قنع به، وإلا .. فنصف قيمته سليمًا) كالمبيع يتعيب عند البائع .. فيتخير المشتري بين أن يقنع به بلا أرش أو يفسخ ويأخذ الثمن، والاقتصار على نصف القيمة محمول على المتقوم، فإن كان مثالثًا .. وجب مثل نصفه.
قال: (وإن تعيب قبل قبضها .. فله نصفه ناقصًا بلا خيار)، لأنه نقص من ضمانه على قول ضمان اليد، ولم يدخل في ضمانها، سواء قلنا بضمان اليد أو بضمان العقد، ولا فرق بين أن يكون الصداق بعد في يده، أو قبضته معيبًا بالعيب الحادث بعد العقد ثم طلقها.
قال: (فإن عاب) أي: صار ذا عيب (بجناية وأخذت رأشها .. فالأصح: أن له نصف الأرش) أي: مع نصف العين؛ لأن الأرش بدل الفائت، ولو بقي الصداق بحاله .. لأخذ نصفه.
والثاني: لا شيء له من الأرش؛ لأن الفوات كان من ضمان الزوج، وهي أخذت الأرش بحق الملك، فلا يعتبر في حقه، ويجعل ما أخذته كزيادة منفصلة، وهذا قول القاضي حسين.
والتقييد بـ (أخذ الأرش) لا حاجة إليه؛ لأنها لو عفت عنه .. أخذ منها نصفه على قياس ما قالوه في هبة الصداق.
قال: (ولها زيادة منفصله) سواء حصلت في يدها أو في يد الزوج؛ لأن الطلاق إنما يقطع الملك من حينه لا من أصله.

وَخِيَارٌ فِي مُتَّصِلَةٍ،  والزيادة المنفصلة كاللبن والثمرة والكسب والولد في غير الجواري، أما الجواري .. فليس له الرجوع في نصف الأم بسبب التفريق بين الأم والولد، ويرجع إلى القيمة.
فإن قيل: جوزتم الرد بالعيب على الصحيح وإن لزم منه التفريق، فهلا كان هنا كذلك؟! فالجواب: أنه لو امتنع في البيع .. لتضرر ببقاء المعيب في ملكه، والأرش بلا يجبره من كل وجه، والقيمة هنا دافعة للضرر من كل وجه، وإذا منعنا التفرقة بين الأم والولد في سائر الحيوان .. امتنع هنا أيضًا.
قال: (وخيار في متصلة) كالسمن وتعلم القرآن أو الصنعة، فلا يستقل الزوج بالرجوع إلى عين الصداق، ولكن الخيار لها، وهذا مما فارق فيه الصداق غيره؛ فإن الزيادة المتصلة لا تمنع الرجوع في جميع الأبواب إلا هنا؛ لأن عود الملك بالطلاق ابتداء ملك لا على سبيل الفسخ، ولهذا لو سلم العبد الصداق من كسبه ثم عتق وطلق .. عاد النصف إليه لا إلى السيد بخلاف غير هذا الباب.
تنبيه: هذا الخيار ليس على الفور، ولكن إذا طلبه الزوج .. كلفت اختيار أحدهما على الفور، والزوج لا يجزم بدعواه في القيمة ولا في العين، بل يطالبها بحقه عندها، فإن منعت .. قال الإمام: لم يكف حبسها، بل تحبس العين عنها إن كان حاضرة، فإن أصرت، فإن كان نصف القيمة أقل من نصف العين .. باع الحاكم ما يفي بالواجب، فإن تعذر .. باع الكل وأعطاها الفاضل، وإن ساوت نصف القيمة نصف

فَإِنْ شَحَّتْ .. فَنِصْفُ قِيمَةٍ بِلاَ ِزيَادَةٍ، وَإِنْ سَمَحَتْ .. لَزِمَهُ اَلْقَبُوُل.
وَإِنْ زَادَ وَنَقَصَ كَكِبَرِ عَبْدٍ وَطْولٍ نَخْلَةٍ وَتَعَلّمِ صَنَعَةٍ مَعَ بَرَصٍ؛  العين .. فللإمام احتمالان: أظهرهما - وهو ما ذكر الغزالي - أنه يعطي نصف العين، ولكن لا يملكها ما لم يقض القاضي به، والزيادة بارتفاع الأسواق لا أثر لها في منع الرجوع.
قال: (فإن شحت .. فنصف قيمة بلا زيادة)؛ لأن الزيادة غير مفروضة، ولا يمكن الرد بدونها، فجعل المفروض كالهالك، وليس له إجبارها على العين.
ثم إنما يمتنع الاستقلال بالرجوع إذا كان بسبب عارض كالطلاق، فإن كان الرجوع بسبب مقارن للعقد كالفسخ بعيبه أو عيبها .. فإنه يعود بزيادة إلى الزوج، ولا حاجة إلى رضاها على الأصح كفسخ المبيع بالعيب.
قال: (وإن سمحت) أي: بالزيادة (لزمه القبول)، لأنه نصف المفروض مع زيادة لا تتميز.
والثاني: لا؛ لما فيه من المنة.
والجواب: أنه تابع لا تعظم المنة فيه.
مهمة: إذا امتنع الرجوع إلى نصف عين الصداق .. رجع إلى نصف قيمة الجملة بغير زيادة ولا نقص، ولا يقال يرجع بقيمة النصف، ووقع في كلام لغزالي: بقيمة النصف، وهو تساهل في العبارة، والصواب ما ذكرنا؛ لأن التشقيص عيب، هذه عبارة (الروضة)، وهي قريبة من عبارة (الرافعي)، والذي أنكره على الغزالي جزم به إمامه في (النهاية) فقال: يرجع بقيمة النصف، وعلله بأنه لم يفته إلا ذلك، والذي قاله هو القياس الذي لا يتجه غيره، إلا أن الشافعي في (الأم) عبر بنصف القيمة كما قال الرافعي، ذكر ذلك في مواضع كثيرة من هذا الباب، وتعليل الرافعي بان الشتقيص عيب تعليل صحيح، ثم ذكر للمسألة نظائر.
قال: (وإن زاد ونقص ككبر عبد طول نخلة وتعلم صنعة مع برص) كبر العبد زيادة ونص بسبب واحد؛ فالكبر ينقص قيمته من جهة أن الصغير أقبل للتأديب.

فَإِنِ اَتَّفَقَا .. فَنِصْفُ اَلْعَيْنِ، وَإِلاَّ .. فَنِصْفُ اَلْقِيمَةَ.
وَزِرَاعَةْ اَلأَرْضِ نَقْصٌ، وَحَرْثُها زِيَادَةٌ.
وَحَمْلُ أَمَةٍ وَبَهِيمَةَ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ، وَقِيلَ: اَلْبَهِيمَةُ زِيَادَةٌ.
وَإِطْلاَعُ نَخْلٍ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ،  وأبعد عن الغوائل، ويصلح للقرب من الحرم، والكبير أقوى على الشدائد والأسفار، وأحفظ لما يستحفظه، وطول النخلة أيضًا كذلك ينقص ثمرها ويزيد حطبها، وتعلم الصنعة مع البرص زيادة ونقص بسببين، ففي كلا القسمين يثبت لكل منهما الخيار، فللزوج أن لا يقبل العين لنقصانها ويعدل إلى نصف القيمة، وللزوجة أن لا تبدل العين وتعدل إلى نصف القيمة.
قال: (فإن اتفقا .. فنصف العين)، وحينئذ لا شيء لأحدهما على الآخر.
قال: (وإلا .. فنصف القيمة)؛ طلبًا للعدل، ونفيًا للضرر والضرار.
قال: (وزراعة الأرض نقص)؛ لأنها تستوفى قوتها.
قال: (وحرثها زيادة) مراده: إذا كانت معدة للزراعة؛ لدلالة تقدم ذكر الزراعة عليه، فإن كانت الأرض معدة للبناء أو العمارة .. فحرثها نقصان محض.
قال: (وحمل أمة وبهيمة زيادة ونقص) أما الزيادة .. فلتوقع الولد، وأما النقص .. فللضعف في الحال والخطر عند الولادة.
قال: (وقيل: البهيمة زيادة)؛ إذ لا يخاف عليها من الولادة.
والأصح: أنه كما ف يالجواري نقص من وجه وزيادة من وجه؛ لأنه لا يحمل عليها حاملاً ما يحمل عليها حائلاً، ولأن لحم الحامل أراد، قال الرافعي: لأنه ضرب مرض، وهذا ينفعنا فيما سيأتي في (الأضاحي): أنه عيب فيها.
قال: (وإطلاع نخل زيادة متصلة) فيمتنع الرجوع القهري؛ لحدوثه على ملكها، فإن رضيت المرأة بأن يأخذ نصف النخل مع نصف الطلع .. أجبر عليه، وليس له طلب نصف القيمة، ومنهم من نزل الطل منزلة الثمرة المؤبرة.
وظهور النور في سائر الأشجار كبدو الطلع في النخل، وانعقاد الثمار مع تناثر النور كالتأبير في النخل.

وَإِنْ طَلَّقَ وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ مُؤَبَّرٌ .. لَمْ يَلْزَمْهَا قَطْفُهُ، فَإِنْ قُطِفَ .. تَعَيَّنَ نِصْفُ اَلْنَّخْلِ وَلَوْ رَضِيَ بِنِصْفِ اَلْنَّخْلِ وَتَبَقْيِهِ اَلَثَّمَرِ إِلَى جَذَاذِهِ .. أُجْبِرِتْ فِي اَلأَصَحِّ، وَيَصِيرُ اَلْنَّخْلُ فِي يَدِهَا، وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ .. فَلَهُ اَلِامْتِنَاعُ وَاَلْقِيمَةُ  قال: (وإن طلق وعليه ثمر مؤبر .. لم يلزمها قطفة)؛ لأنه ملكها فتمكن من إيقائه إلى الجذاذ، فلو طلقها وقد استجد .. لزمها جذاذة ليأخذ نصف الشجر.
قال: (فإن قطف .. تعين نصف النخل)؛ لزوال المانع، هذا إذا بادرت به أو قالت: اقطفه ليرجع، ولم يمتد زمن القطف، ولم يحدث به نقص في الشجر بانكسار سعف وأغصان.
قال: (ولو رضي بنصف النخل وتبيقية الثمر إلى جذاذه .. أجبرت في الأصح، ويصبر النخل في يدها) كسائر الأشجار المشتركة.
والثاني: لا تجبر، ورجحه المتولي، وأشار إلى ترجيحه الإمام الغزالي؛ لأنها قد لا ترضى بيده ودخوله البستان، قال الإمام: ولأنه لابد من تنمية الثمار بالسقي، ولا يمكن تكليفها السقي: لأنه نفعه غير مختص بالثمر، بل ينتفع به الشجر أيضًا، ولا يمكن تكليفها ترك السقي؛ لتضرر الشجر، ولمن قال بالأول أن يقول: حكم السقي هنا حكمه فيما إذا اشترك اثنان في الشجر وانفرد أحدهما بالثمر في غير الصداق.
قال: (ولو رضيت به) أي: برجوعه في نصف الشجر وترك ثمرها إلى الجذاذ (... فله الامتناع والقيمة) أي: طلب القيمة؛ لأن حقه في شجرة خالية، وليس لها تكليفه تأخير الرجوع إلى الجذاذ؛ لأن حقه ناجز في العين أو القيمة.
ولو قال: أؤخر الرجوع إلى الجذاذ .. فلها الامتناع؛ لأن نصيبه يكون مضمونًا عليها، كذا وجهوه، وهو تفريع على أن النصف الراجع إليه يكون مضمونًا عليها، وفيه خلاف سبق.
ولو قال: أرجع ويكون نصيبي وديعة عندك، وقد أبرأتك عن ضمانه .. فوجهان لهما التفات إلى إبراء الغاصب مع بقاء المغصوب في يده.

وَمَتَى ثَبَتَ خِيَارٌ لَهُ أَوْ لَهَا .. لَمْ يَمْلِكُ نِصْفَهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذُو الاِخْتِيارِ.
وَمَتَى رَجَعَ بِقِيمَةِ اَلْنِّصْفِ أَعْتُبِرَ اَلأَقَلُّ مِنْ يِوْمَيِ اَلإصَدَاقِ وَاَلْقَبْضِ.
وَلَوْ أَصْدَقَ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَطَلَّقَ قَبْلَهُ .. فَاَلأَصَحُّ: تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهِ،  فرع: أصدقها حليًا فكسرته، أو انكسر في يدها فأعادته حليًا ثم طلقها، فإن كان على غير هيئة الأولى .. فزيادة من وجه ونقص من وجه آخر، فإن اتفقا على الرجوع في نصفه .. جاز، وإن اختلفا .. تعين نصف القيمة، وإن أعيد على هيئته الأولى فهل يرجع في نصف العين بغير رضاها أو برضاها؟ وجهان: أصحهما الثاني.
قال: (ومتى ثبت خيار له) أي: لنقصان الصداق (أو لها) أي: لزيادته، أو لهما لاجتماع الأمرين (... لم يملك نفه حتى يختار ذو الاختيار)؛ إذ لو لم يكن كذلك .. لبطلت فائدة التخيير، وليس هذا على الفور، لكن إذا طالب الزوج .. كلفت اختيار أحدهما على الفور كما تقدم، ولا يعين الزوج في الطلب عينًا ولا قيمة، بل يطالب بحقه.
قال: (ومتى رجع بقيمة النصف .. اعتبر الأقل من يومي الإصداق والقبض)؛ لأنه إن كان يوم الإصداق أقل .. فالزيادة على ملكها لا تعلق للزوج بها، وإن كانت قيمة يوم القبض أقل .. فما نقص قبل ذلك فهو من ضمانه، فكيف ترجع عليها؟! والذي اعتبره المصنف هنا وافق فيه (المحرر) وذكره في (الشرح الصغير)، وقال في (المهمات): وليس هو المفتى به.
والصواب: اعتبار يوم القبض كما جزم به الرافعي في (الزكاة المعجلة)، ونص عليه الشافعي في مواضع متعددة، لكن يستثنى ما لو تلف في يدها بعد الطلاق وقلنا: إنه مضمون عليها .. فتعتبر قيمة يوم التلف؛ لأن الرجوع وقع في عين الصداق، ثم تلف تحت يد ضامنة.
وجميع ما ذكر المصنف في المتقوم، أما المثلى .. فالرجوع إلى نصف مثله.
قال: (ولو أصدق تعليم قرآن وطلق قبله .. فالأصح: تعذر تعليمه)؛ لأنها صارت محرمة عليه، ولا تؤمن التهمة والوقوع في الخلوة المحرمة، ويعسر إحضار

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  محرم معها بأجرة وبغير أجرة، وليس كسماع الحديث من المرأة؛ لأنا لو لم نجوزه .. لضاع، والتعليم له بدل يرجع إليه، وسواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده، وهو أحسن من قول (الحاوي): وبانت؛ فإن الطلاق الرجعي فيه كالبائن، ولو عبر بـ (الفراق) .. كان أعلم؛ ليشمل الفسخ والانفساخ.
والوجه الثاني: لا يتعذر التعليم؛ لإمكان ذلك من وراء حجاب من غير خلوة، والصحيح المنصوص في (المختصر): الأول، وقد تقدم في أول النكاح من زيادات المصنف إباحة النظر للتعليم.
قال الشيخ: ولعل الجمع بين الكلامين أن التعذر هنا من جهة الاختلاف في النصف المشروط؛ لاختلاف القرآن صعوبة وسهولة، وصوبه في (المهمات)، فلذلك تعين المصير إلى البدل، أما إذا كانت آيات يسيرة يمكن تعلمها في مجلس واحد بحضور محرم من وراء حجاب .. فلا يتعذر كما صرح به الإمام، لا سيما إذا مست الحاجة إليه؛ لتوقف الصلاة عليه.
واحترز بقوله: (قبله) عما إذا طلقها بعد التعليم، فإن كان بعد الدخول .. فذاك، وإن كان قبله .. فيرجع عليها بنصف أجرة التعليم.
كل هذا إذا كان الفرض أن يعلمها بنفسه، فإن كان في الذمة .. فلا يتعذر بلاطقها، بل يستأجر امراة أو محرمًا يعلمها.

وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ بَعْدَ وَطْءٍ، وَنِصْفُهُ قَبْلَهُ  قال: (ويجب مهر مثل بعد وطء، ونصفه قبله)؛ جريًا على القاعدة، وهذان الوجهان مفرعان على الأصح وهو: تعذر التعليم.
فروع: صرح المتولي بأنه لا كراهة في إصداق تعليم القرآن، ويشترط كونه قدرًا فيه كلفة كما تقدم في (كتاب الإجارة).
ولو أصدق ذمية تعليم قرآن .. صح إن توقع منها الإسلام، وإلا .. فسد.
ولو نكح مسلمة أو ذمية على تعليم التوراة أو الإنجيل .. لم يجز؛ لأن ما في أيديهم مبدل لا يجوز الاشتغال به، والواجب مهر المثل.
وإذا كان الزوج لا يحسن قراءة ما شرط تعليمهن فإن كان الشرط أن يعلمها بنفسه .. لم يصح في الأصح، وإن شرط أن يتعلم ثم يعلمها .. لم يصح؛ لأن التعليم متعلق بعينه، والأعيان لا تقبل التأجيل.
وإن أرادت أن تقيم غيرها مقامها في التعليم .. لم يجبر الزوج على ذلك في الأصح؛ لاختلاف الناس في الفهم والحفظ، وإن أصدقها تعليم ولدها .. لم يصح الإصداق كما لو شرط الصداق لولدها، كذا في (الشرح) و (الروضة)، واختار الشيخ جوازه.
وإن أصدقها تعليم غلامها .. قال البغوي .. لا يصح كالولد، وقال المتولي: يصح، وهو الأصح.
وحكم تعليم الفقه والعلم والشعر المباح حكم تعليم القرآن.

وَلَوْ طَلَّقَ وَقَدْ زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ .. فَنِصْفُ بَدَلِهِ،  وسئل المزني: هل يجوز النكاح على تعليم الشعر؟ فقال: يجوز إن كان مثل قول أبي الدرداء [من الوافر]: يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أراد يقول المرء: فائدئتي ومالي ... وتقوى الله أفصل ما استفادا وإن كان الشعر محظورًا كالهجو والفحش .. لم يصح.
وإن نكح امرأة على أن يرد عبدها الآبق أو بعيرها الناد، إن كان الموضع معلومًا .. جاز، وإلا .. فلا على الصحيح، ويجب مهر المثل.
ولو نكحها على خياطة ثوب معلوم .. جاز، وله أن يأمر بالخياطة إن التزم في الذمة، وإن نكح على أن يخيطه بنفسه فعز بأن سقطت يده أو مات أو تلف الثوب .. فقولان: أظهرهما: يرجع إلى مهر المثل.
والثاني: أجرة الخياطة.
قال: (ولو طلق وقد زال ملكها عنه .. فنصف بدله) وهو المثل إن كان مثليًا، أو القيمة إن كان متقومًا كما لو تلف ولا يملك الزوج نقض ذلك التصرف.
وأفهم أنه إذا لم يزل ملكها عنه أن الحكم بخلافه، والأمر كذلك إذا لم تحصل فيه زيادة، أو تعلق به حق لازم كما لو رهنته وأقبضته .. فيمتنع الرجوع، ويتعين نصف بدله، بخلافهما إذا أوصت به أو وهبته ولم يقبضه .. فله الرجوع على الأصح.
فرع: روي المزني عن الشافعي أنه لو أصدقها عبدًا فدبرته ثم طلقها قبل الدخول .. لم يرجع في نصفه؛ لأنه قربة لها فيه غرض، فكان كالزيادة المتصلة التي لا تؤثر في القيمة، فمن الأصحاب من قطع به، ومنهم من قطع بعدم الرجوع، ومنهم من حكى قولين: إن قلنا: التدبير وصية .. رجع، أو عتق بصفة .. فلا.

فَإِنْ كَانَ زَالَ وَعَادَ .. تَعَلَّقَ بِاُلْعَيْنِ فِي اَلأَصَحٌ.
وَلَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ لَهُ نِصْفَ بَدَلِهِ  والأصح: المنع مطلقًا، سواء كانت المرأة موسرة أو معسرة، وخص أبو إسحاق وغيره الخلاف بما إذا كانت موسرة بالقيمة، فإن كانت مفلسة .. فله الرجوع إلى نصفه قطعًا.
فإن قيل: إذا باع عبدًا بثوب وتقابضًا، ودبر المشتري العبد، ثم وجد البائع بالثوب عيبًا .. الأصح أن ذلك لا يمنع الرجوع، وكذلك لا يمنع رجوع الواهب فيه على الأصح، وينتقض التدبير فيهما، فلم لا كان الصداق كذلك؟ فالجواب: أن استحقاق الفسخ في البيع والهبة سابق على التدبير، بخلاف الطلاق؛ فإن سلطنة الزوج على الرجوع بالطلاق متأخرة عن التدبير، فلذلك لم يتسلط عليه، بخلاف البائع والواهب.
قال: (فإن كان زال وعاد .. تعلق بالعين في الأصح)؛ لأن حقه لا يختص بالعين، بل يتعلق بالبدل، فالعين العائدة أولى من البدل وكأنه لم يزل.
والثاني: يتعلق حقه بالبدل وكأنه لم يعد.
والفرق على الأصح بين هذا وبين هبة الوالد لولده: أن ح الأب انقطع بزوال ملك الولد ولم يعد، وحق الزوج لم ينقطع بدليل أنه يرجع إلى البدل فعاد بالرجوع.
وحاصله: أن حق الزوج في العين والمالية، وحق الأب في العين فقط.
قال:) ولو وهبته لم ثم طلق .. فالأظهر: أن له نصف بدله)؛ لأنه ملك جديد حصل لو قبل الطلاق فلا يمنع الرجوع المستحق بالطلاق كما لو انتقل إليه من أجنبي أو وهبته منه.
والثاني - وهو نصه في القديم، وبه قال الأئمة الثلاثة والمزني والبغوي:- لا يرجع عليها بشيء؛ لأنها عجلت له ما يستحقه بالطلاق، كمن عجل الزكاة

وَعَلَى هَذَا، لَوْ وَهَبَتْهُ اَلْنِّصْفَ .. فَلَهُ نِصْفُ اَلْبَاقِي وَرُبُعُ بَدَلِ كُلِّهٍ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُ اَلْبَاقِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَدَلِ نِصْفِ كُلَّهِ أَوْ نِصْفِ اَلْبَاقِي وَرُبْعِ بَدَلِ كُلِّهٍ.
وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ .. لَمْ يَرْجِع عَلَيْهَا عَلَى اَلْمَذْهَبِ  لا يطالب بها عند الحول، وكالمديون إذا عجل الدين .. لا يطالب به عند حلوله.
والتبعير بـ (نصف بدله) وقع في (الروضة) أيضًا، والصواب: بدل نصفه كما عبر به فيما سيأتي.
وقيل: إن وهبت قبل القبض .. لم يرجع قطعًا، والمذهب: طرد القولين، سواء قبضت أم لا.
قال: (وعلى هذا: لو وهبته النصف .. فله نصف الباقي وربع بدل كله)؛ لأن الهبة وردت عل الجملة فتشيع.
قال: (وفي قوله: نصف الباقي)؛ لأنه استحق النصف بالطلاق، وتنحصر هبتها في نصيبها، وهذان القولان يعبر عنهما بقولي الحصر والإشاعة.
قال: (وفي قول: يتخير بين بدل نصف كله أو نصف الباقي وربع بدل كله)؛ لأنه لابد من الإشاعة، وهي تقضي إلى تبعيض حقه، وهذه الأقوال هي التي في (الزكاة) إذا أصدقها أربعين شاة فأخرجت منها واحدة للزكاة ثم طلقها قبل الدخول، أما إذا قلنا: هبة الجميع تمنع الرجوع .. فهنا أيضًا ثلاثة أقوال: أصحها - وبه قال أبو حنيفة:- لا يرجع بشيء، وحقه هو الذي يعجله.
والثاني: تنزل الهبة على خالص حقها، ويرجع الزوج بجميع النصف الباقي.
والثالث - وبه قال المزني -: يرجع عليها بنصف الباقي عندها، ويجعل النصف الموهوب مشاعًا، فكأنها عجلت نصف حقه ووهبت منه نصف حقها الحاصل لها، فحصل في المسألة خمسة أقوال.
قال: (وإن كان دينًا فأبرأته .. لم يرجع عليها على المذهب)؛ لأنها لم تأخذ

وَلَيْسَ لِوَلىِّ عَفْوٌ عَنْ صَدَاقٍ عَلَى اَلْجَدِيدِ  منه مالاً، ولم تتحصل على شيء، فأشبه ما إذا شهد شاهدان بدين على إنسان وحكم به حاكم، ثم أبرأ المحكوم له المحكوم عليه عن الدين، ثم رجع الشاهدان .. فإنهما لا يغرمان للمحكوم عليه شيئًا.
والثاني: يرجع، وهو مرتب على القولين في الهبة للعين، ولم يرجح الرافعي في (شرحيه) شيئًا من الطريقين.
فرعان: أحدهما .. وهبته صداقها وهو دين عليه، أو أبرأته منه على أن يركمها ولا يتزوج عليها .. أفتى ابن الصلاح بأنه لا يصح، سواء قلنا: إنه إسقاط أو تمليك.
الثاني: قال الغزالي: إنما يصح الإبراء إذا كان عن طيب نفس منها، أما إذا أساء إليها وضيق عليها بسوء الخلق فاضطرت إلى إبرائه طلبًا للخلاص .. فإنه لا يصح باطنًا؛ لأنه إبراء لا عن طيب نفس، وطيبة النفس من طيبة القلب، والقلب قد يريد ما لا تطيب به النفس كما يريد الحجامة والنفس تكرهها، وطيب النفس: أن تسمح بذلك لا لدفع ضرر عنها.
قال: (وليس لولى عفو عن صداق على الجديد) كسائر الديون، والحقوق التي للمولى عليه ليس للولي إسقاطها.
والقديم: أن له ذلك، وهو مذهب مالك بشروط سنذكرها.
والأصل في هذا الحكم قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ومعنى الآية: أن الصداق قبل الدخول ينصف بالطلاق، إلا أن تعفو الزوجة وتبرع بحقها، فيعود جميع الصداق إلى الزوج.
وفيمن بديه عقدة النكاح قولان: الجديد: أنه الزوج، وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن علي رضي الله عنه، والمعنى: أو يعفو الزوج عن حقه فيخلص لها جميع الصداق ولا يتنصف.
والقديم: أن الذي بيده عقدة النكاح الولي، والمعنى: إلا أن تعفو المرأة أو وليها

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إن لم تكن هي أهلاً للعفو، وإلى هذا ذهب مالك.
وسببه: أن الولي ينظر بالمصلحة، وقد تكون المصلحة في عفوه، فالصداق على هذا القول إما أن ينتصف عند عدم العفو، وإما أن يكون كله للزوج بعفوها أو عفو الولي، ويروي عن ابن عباس ما يوافق القديم، ووجه بأن أول الآية خطاب للأزواج، فلو كان المراد بالذي بيده عقدة النكاح (هم) ... لما عدل عن الخطاب إل الغيبة، بل قال: إلا أن يعفون أو تعفوا أنتم.
وينبني على الخلاف مسائل: منها: لو ادعى الزوج تسليم الصداق المولي، وسيأتي قبيل وليمة العرس.
تتمة: للقديم خمس شروط: أن يكون أبًا أو جدًا، وأن تكون بكرًا عاقله صغيرة، وأن يكون بعد الطلاق، وأن يكون قبل الدخول، وأن يكون الصداق دينًا، هذا هو المذهب تفريعًا على القديم.
وفي وجه: له العفو عن الثيب والمجنونة والبالغة المحجور عليها والرشيدة، وقبل الطلاق إن رآه مصلحة، وعن العين أيضًا، والصحيح الأول.

فصل: لِمُطَلَّقَةٍ قَبْلَ وَطْءٍ مُتْعَةُ إِنْ لَمْ يَجِبْ شَطْرُ مَهْرٍ،  ولو زوجها الأب ومات .. ففي صحة عفو الجد وجهان؛ لأن الصداق لم يثبت به لكنه ولي.
ولو خلعها الولي على نصف الصداق وجوزنا العفو .. صحت المخالعة، قاله المتولي وغيره، وفي (الوسيط) في صحة الخلع مع صحة العو وجهان، والأول أشبه.
ولو زوج ابنه السفيه أو الصغير أو السفيهة بمهر فيرجع إليه بانفساخ النكاح برضاع أو ردة المرأة قبل الدخول، أو ابنه الكبير السفيه فعاد المهر إليه بذلك أو نصفه بالطلاق .. لم يجز للأب والجد العفو عنه قولاً واحدًا.
قال: (فصل: لمطلقة قبل وطء متعة) المتعة بضم الميم: من التمتع، وهو الانتفاع، والمراد هنا: المال الذي يدفعه الرجل إلى المرأة عند الفراق.
وآيات المتعة في القرآن خمس: ثلاث في القرة وآيتان في الأحزاب.
قال المصنف في (الفتاوى): إن وجوب المتعة مما يغفل عن العمل بها، ولا تعرفها النساء، فينبغي تعريفهن وإشاعة حكمها؛ ليعرفن ذلك.
قال: (إن لم يجب شطر مهر) × لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
وهل وجبت بالعقد أو الطلاق؟ فيه قولان: أصحهما - وهو الجديد - الثاني.
واحترز بـ (المطلقة) عن المفارقة بالموت فلا متعة لها بالإجماع؛ لأن النكاح قد انتهى نهايته فلا إيذاء فيه.

وَكَذَا لِمَوْطُوءَةٍ فِي اَلأَظْهَرِ، وَفُرْقُةِّ لاَ بِسَبَبِهَا كَطَلاَقٍ  وعن مالك رحمه الله: أن المتعة مستحبة؛ لقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ﴾.
والجواب: أنه تعالى قال: ﴿حَقًا عَلَى المُتَّقِينَ﴾، ولأنها لو لم تجب .. لخلا بعضها عن البدل، وأما التي وجب لها شطر مهر بتسمية في العقد صحيحة كانت أو فاسدة أو فرض بعد العقد في المفوضة .. فلا متعة لها؛ لمفهوم الآية، ويكفيها شطر المهر، وحكى إلكيا الطبري فيه الإجماع؛ لأن الله تعالى لم يجعل لها سواه بقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وقد صرح بهذه في (المحرر) فحذفه المصنف اكتفاء بالمفهوم.
وحكى المرعشي قولاً في التي فرض لها ولم يدخل بهاك أنها تستحق المتعة.
وفي (صحيح البخاري) [5257]: أن النبي صلي الله عليه وسلم لما فارق الجنونية قبل مسها قال لأبي أسيد الساعدي: (أكسها رازقيتين).
قال الجوهري: والرازقية ثياب كتان بيض.
قال: (وكذا لموطوءة في الأظهر)؛ لعموم: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ولخصوص: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ وكان قد دخل بهن، وفي الآية تقديم وتأخير؛ أي: فتعالين أسرحكن وأمتعكن.
وفي (سنن البيهقي) [7/ 257]: (أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر زوج فاطمة بنت قيس أن يمتعها) لكن في إسناده عبد الله بن عقيل، وقد تقدم ما فيهز وفيه [7/ 257] بإسناد صحيح عن ابن عمر: (أن لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر).
والثاني - وهو القديم، وبه قال أبو حنيفة -: لا متعة لها؛ لأنها إذا لم تجب عند وجوب شطر المهر .. فعند جميعه أولى.
وعن أحمد روايتان كالمذهبين، فعلى القديم: لا متعة إلا لمطلقة واحدة، وعلى الجديد: لكل مطلقة متعة إلا واحدة.
قال: (وفرقة لا بسببها كطلاق) في إيجاب المتعة كما إذا ارتد أو أسلم أو لا عن، أو وطئ أبوه أو ابنه زوجته بشبهة، أو أرضعت أمه أو ابنته زوجته الصغيرة.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ تَنْقُصَ عَنْ ثَلاَثِينَ دِرْهَمًا  وصورة ذلك: أن تكون أمة زوجها سيدها بالتفويض لعبد، والأصح: أن الزوج لا يرجع على المرضعة في هذه الصورة بما غرفه من المتعة، والخلع وإن كان يتم بها .. فهو كالطلاق على المشهور، سواء كان معها أو مع أجنبي، وكذا لو طلقت نفسها بتفويضه، أو علق بفعلها ففعلت، أو طلق المولى بطلبها، وفيها وجه.
ولو ارتد معًا .. فلا متعة على الأصح، وكل فرقة منها أو بسبب فيها لا متعة فيها، كردتها وإسلامها وفسخها بإعساره أو عتقها أو تغريره أو عيبه أو فسخه بعيبها.
ولو كانت ذمية صغيرة تحت ذمي فأسلم أحد أبويها وانفسخ النكاح .. فلا متعة كما أسلمت بنفسها.
ولو اشترى زوجته .. فلا متعة على الأظهر، وقال أبو إسحاق: إن استدعاء الزوج .. وجبت، وإن استدعاء السيد .. فلا.
ويستوي في المتعة المسلم والذمي، والحر والعبد، والحربية والذمية، وهي في كسب العبد ولسيد الأمة كالمهر.
قال: (ويستحب أن لا تنقص عن ثلاثين درهمًا) رواه البيهقي عن ابن عمر [7/ 224] قال الرافعي: وعن ابن عباس أيضًا - وهو منصوص (المختصر)، ونقل غيره عن النص -: أنه يمتعها خادمًا أو مقنعة، وإلا .. فقدر ثلاثين درهمًا، وليس ذلك اختلاف قول، بل أعلاه خادم، وللمعسر مقنعة، وللمتوسط ثلاثون درهمًا، والواجب ما تراضيا عليه.
والمراد بالمقنعة ههنا: التي لا تبلغ ثلاثين درهمًا.
واستشكل في (شرح التعجيز) إطلاق الثلاثين؛ فإن من النساء من يكون هذا المقدار مهر مثلها، ومقتضى إطلاق الشيخين: أنه لا فرق في ذلك بين الغني

فَإِنْ تَنَازَعَا ... قَدَّرَهَا اَلْقَاضِي بِنَظَرِهِ مُعْتَبِرًا حَالَهُمَا، وَقِيلَ: حَالَهُ، وَقِيلَ: حَالَهَا، وَقِيلَ: أَقَلَّ مَالٍ  والفقير، ولا شك في إضرار الفقير بذلك، وجرت عادة الحكام بتقدير عشرة دراهم، وذلك قريب.
وقال أبو بكر الخفاف في (الخصال): لم يقل الشافعي بالاستحسان إلا في ست مواضع: تقرير الصداق بالخلوة، وكتاب القاضي إلى القاضي، وأن الشفعة ثلاثة أيام، والتحليف بالمصحف، وأن المتعة ثلاثون درهمًا، استحسان مراسيل سعيد بن المسيب.
قال: (فإن تنازعا ... قدرها القاضي بنظره)؛ لاختلافها فاختلاف العادات.
قال: (معتبر حالهما)؛ لقوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيعتبر حال الرجل في اليسار والإعسار، والزوجة في اللائق بها وفي نسبها وصفاتها، وإلى هذا ذهب الغزالي وطائفة.
قال: (وقيل: حاله) كالنفقة، وظاهر الآية يدل له، وهو قول أبي إسحاق.
قال: (وقيل: حالها)؛ لأنه كالبدل عن المهر، وهو مخالف لظاهر القرآن.
وحكي الماوردي وجهين فيما يعتبر به حالها: أحدهما: في السن والنسب والجمال كمهر المثل.
والثاني: بما سبق من جهازها من يسار وإعسار، وهو بعيد.
قال: (وقيل: أقل مال) كما أنه يجوز أن يكون صداقًا.
فرع: حكى عصام بن يوسف عن المزني عن الشافعي أنه قال - إذا طلقها ثم مات قبل أن يمتعها-: إن متعتها في جميع المال، وإن المكاتب إذا عتق ولم يعطه سيده شيئًا حتى مات .. يعطى من الثلث، قال أبو إسحاق المروزي: لأن إيتاء المكاتب قربه الله تعالى، والمتعة حق آدمي فقدمت من رأس المال.

فصل: اَخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَهْرٍ أَوْ صِفَتِهِ ... تَحَالفَاَ،  وعصام المذكور حنفي، إمام من أئمة مذهبه، معروف كما صرح به العبادي في (الطبقات).
تتمة: هل يجوز أن تزيد المتعة على نصف مهرها؟ وجهان: أحدهما - ويحكى عن صاحب (التقريب) -: لا؛ لأنها بدل عن شطر المهر فلا يزاد عليه.
وأصحهما: نعم؛ لإطلاق الآية، وهذا ما أروده المتولي والبغوي وغيرهما.
وحكى الحناطي وجهًا ثالثًا: أن تنقص عن شطر الصداق كماي حط التعزيز عن الحد.
وقال أبو حنيفة: تقدر المتعة بثلاثة أثواب: درع وخمار ومقنعة، إلا أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك.
وعن أحمد رواية: أنها تتقدر بما تجزئ فيه الصلاة، وفي رواية: يقدرها الحاكم.
قال: (فصل اختلفا في قدر مهر أو صفته: تحالفا) كما في البيع, ولا فرق بين أن يكون الاختلاف بعد الدخول أو قبله، سواء كانت الزوجية باقية بينهما أو انقطعت، لأن الصداق عقد مستقل، وأثر التحالف إنما يظهر فيه لا في النكاح.
وعند أبي حنيفة: إن كان قبل الدخول .. فالقول قولها في قدر المهر، وقول الزوج فيما زاد.
وعند مالك: يتحالفان، ويفسخ النكاح؛ بناء على أصله: أن فساد الصداق يوجب فساد العقد.

وَيَتَحَالَف وَارِثَاهُمَا، وَوَارِث وَاحِدٍ وَالآَخَرُ،  وقال أحمد: القول قول الزوج، إلا أن يدعي ما يستنكر ومحل ما ذكره في العين إذا كان الزوج يدعي الأقل، فلو أدعى الأكثر كما لو قال: بألفين، وقالت بل بألف .. فلا تحالف؛ لأنه معترف لها بما تدعيه وزيادة، ويبقى الباقي في يده كما هو الصحيح في المسألة.
ومحله أيضًا في الاختلاف في المسمى، فلو حصل في مهر المثل لفساد التسمية ونحوه واختلفا في مقداره ... فلا تحالف، بل يصدق الزوج بيمينه؛ لأنه غارم، والأصل براءة ذمته عما زاد.
والكلام في كيفية اليمين، وفيمن يبدأ به كما تقدم في (البيع)، لكن المنصوص هنا: البداءة بالزوج، لقوة جانبه بعد التحالف ببقاء البضع له، فهو كالبائع؛ إذ يرجع المبيع إليه.
وقيل: يبدأ بالمرأة؛ لأنها كالبائع، والزوج كالمشتري.
وقيل: يبدأ الحاكم بأيهما شاء؛ لتساويهما.
وقيل: يقرع بينهما والخلاف في الاستحباب، وقيل: في الاستحقاق.
قال: (ويتحالف وأرثاهما، ووارث واحد والآخر)؛ لأن الصداق كعقد مستقل بنفسه، وأثر التحالف يظهر فيه لا في النكاح، فإذا حلف الزوجان .. حلفا على البت في النفي والإثبات، والوارث على نفي العلم في النفي، وعلى البت في الإثبات، كما هو شأن اليمين على فعل الغير، فيقول وارث الزوج: والله لا أعلم أن مورثي نكحها بألف، إنما نكحها بخمس مئة، ويقول وارث الزوجة: والله لا أعلم أنه نكح مورثتي على خمس مئة، وإنما نكحها بألف، هذا هو المشهور.

ثُمَّ يُفْسَخُ اَلْمَهْرُ وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ.
وَلَوِ أَدَّعَتْ تَسْمِيَةَّ وَأَنْكَرَهَا .. تَحَالَفًا فِي اَلأَصَحِّ  قال الرافعي: أحسن بعض الشارحين فقال: في الوارث عندي أنه يحلف على البت فيهما؛ لأن من قطع بألف .. قطع بأنه غير ألفين، فلا معنى لقوله: لا أعلم أنه نكحها بألفين مع قوله: ولقد نكحها بألف.
وكأنه أراد بن ابن داوود، وهو أبو بكر الصيدلاني، فهو قال في (شرحه للمختصر) ذلك.
قال: (ثم يفسخ المهر ويجب مهر المثل) هذا أثر التحالف؛ لأن الصداق عقد مستقل، وهو الذي ينفسخ، وأما النكاح .. فلا تطرق إليه.
قال الرافعي: وقد سبق في (البيع) وجه: أنه ينفسخ بنفس التحالف، فليجيء هنا مثله، وليكن القول فيمن يتولى الفسخ وفي الانفساخ باطنًا على ما سبق في (البيع)، وقد صرح بجميع هذا الحناطي، وسواء في الرجوع إلى مهر المثل زاد ما تدعيه المرأة أم لا.
وقال ابن خيران وابن الوكيل: إن كان مهر المثل زائدًا .. فليس لها إلا ما ادعته، والصحيح الأول، هذا في الظاهر، وأما في الباطن، فإن قلنا: لا ينفسخ .. لم يخف ما يحل لها.
قال: (ولو ادعت تسمية وأنكرها .. تحالفا في الأصح)؛ لأنه يقول: الواجب مهر المثل، وهي تدعي مسمى، فحاصله: الاختلاف في قدر المهر.
والثاني: يصدق الزوج؛ لأن الأصل عدم التسمية.
قال الرافعي: وإنما يحسن وضع هذه المسالة إذا ادعت أكثر من مهر المثل، وقد صرح به في (البحر) قال ابن الرفعة: بل يحسن الإيراد وإن أدعت قدر مهر المثل إذا كان من غير نقد البلد؛ لاختلاف الغرض بأعيان الأموال.

وَلَوِ اَدَّعتْ نِكَاحًا وَمَهْرَ مِثْلٍ فَأَقَّرَّ بِالَنَّكَاحِ وَأَنْكَرَ اَلْمَهْرَ أَوْ سَكَتَ .. فَالأَصَحُّ: تَكْلِفُهُ اَلْبَيَانَ؛  ولو أنكرت التسمية وادعاها الزوج .. فهل القول قولها أو يتحالفان؟ القياس: مجيء الوجهين، ولو ادعى أحدهما التفويض والآخر التسمية، فإن أوجبتا المهر في التفويض بالعقد .. فهو كما لو ادعى أحدهما السكوت والآخر التسمية، وإلا .. فالأصل عدم التسمية من جانب وعدم التفويض من جانب، ولو ادعى أحدهما التفويض والآخر أنه لم يجر للمهر ذكر .. فيشبه أن يكون القول قول الثاني.
والصواب: أن الزوج إذا مات وادعت على الوارث أن الزوج سمى لها ألفًا فقا الوارث: لا أعلم كم سمى .. لم يتحالفا، بل يحلف الوارث على نفي العلم، ثم يقضي لها بمهر المثل.
قال: (ولو ادعت نكاحًا ومهر مثل فأقر بالنكاح وأنكر المهر أو سكت .. فالأصح: تكليفه البيان) فلا يسمع إنكاره، لاعترافه بما يقتضي المهر.
والثاني: لها المهر بيمينها؛ لأن الظاهر معها، وبه جزم الإمام، وقال مشايخ طبرستان: القول قول الزوج، وعليها البينة.

فَإِنْ ذَكَرَ قَدْرًا وَزَادَتْ .. تَحَالَفًا، وَإِنْ أَصَرَّ مُنْكِرًا .. حَلَفَتْ وَقُضِيَ لَهَا .. وَلَوِ اَخْتَلَفَ فِي قَدْرِهِ زَوْجٌ وَوَلِىُّ صَغِيَرةٍ أَوْ مَجْنُونَةِ ... تَحَالَفَا فِي اَلأَصَحِّ  وحكي الغزالي ثالثًا: وهو التحالف، وأنكروه عليه.
قال: (فإن ذكر قدرًا وزادت .. تحالفًا، وإن أصر منكرًا .. حلفت وقصي لها).
قال الروياني: رأيت جماعة من المحققين بخراسان والعراق يفتون بهذا، وهو القويم؛ أي: المستقيمن وظنه ابن الرفعة بالدال فقال: فالجديد إذن خلافه.
قال: (ولو اختلف في قدره زوج وولى صغيرة أو مجنونة .. تحالفًا في الأصح)؛ لأن الولي هو المالك للعقد المستوفي لصداق، فكان اختلافه مع الزوج كاختلاف البالغة مع الزوج، ولأن إقراره في النكاح مقبول فيه وفي الصداق، فإذا قبل إقراره .. لم يبعد تحلفه، هذا هو الذي نص عليه في (الأم)، وهو المفتى به كما سيأتي في (باب الدعاوى) في عدم تحليف الولي.
وقد يقال: الذي رجحه المصنف هنا لا ينافى ما قاله هناك؛ لأن حلفه هناك على استحقاق الصبي، فهو حلف للغير فلم تقبل النيابة هنا، على أن العقد وقع هكذا فهو حلف لنفسه، والمهر يثبت ضمنًا فافترق البابان، ولهذا: إذا حلف هنا .. إنما يحلف على فعل نفسه، كما لو اختلف المشتري ووكيل البائع في الثمن .. فإنهما يتحالفان.
والوجه الثاني المقابل لكلام المصنف: لا تحالف؛ لأن اليمين لا تجري النيابة فيها، فعلى هذا: توقف إلى بلوغها فيتحالفان.
ويجوز أن يحلف الزوج ويوقف يمينها إلى بلوغها، وهذا الوجه نقله في (الكفاية) عن ابن سريج وأبي إسحاق، وهو سهو؛ فإن الذي ذهبا إليه الأول.
وإن قلنا: يحلف الولي .. فذلك إذا ادعى زيادة على مهر المثل، والزوج معترف

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بمهر المثل، وأما إذا أدعى الزوج نكاحها بدون مهر المثل .. فلا تحالف؛ لأنه يثبت مهر المثل وإن نقص الولي.
ولو ذكر الزوج قدرًا يزيد على مهر المثل وادعى الولي زيادة عليه .. لم يتحالفا؛ كيلا يرجع الواجب إلى هر المثل، بل يأخذ الولي ما يقوله الزوج، والخلاف الذي ذكرناه في اختلاف الزوج وولي الصغيرة يجري فيما إذا اختلفت المرأة وولي الزوج الصغير، وفيما إذا اختلف وليًا الزوجين الصغيرين.
ولو بلغت الصغيرة قبل التحالف .. حلفت هي ولا يحلف الولي، وادعى البغوي الاتفاق عليه، وقال القاضي أبو الطيب: يحلف الولي، وصححه المتولي والفارقي.
وجميع ما ذكرناه في هذه المسألة هو فيما يتعلق بإنشاء الولي، أما ما لا يتعلق به بأن ادعى على رجل أنه أتلف مال الطفل وأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين .. فوجهان: أحدهما: أن الولي يحلف اليمين المردودة؛ إتمامًا للخصومة، واستخراجًا لحق الصبي.

وَلَوْ قَالَتْ: نَكَحَنِي يَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ، وَيَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ، وَثَبَتَ اَلْعَقْدَانٍ بِإِقْرَارَه أَوْ بِبَيِّنَةٍ .. لَزِمَهُ أَلْفَانٍ، وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَطَاهَا فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهَما .. صُدَّقَ بِيَمِيِنِهِ وَسَقَطَ اَلَشَّطْرُ، وَإِنْ قَالَ: كَانَ اَلْثَّانِي تَجْدِيدَ لَفْظِ لاَ عَقْدًا .. لَمْ يُقْبَلْ  وأصحهما: المنع، لأنه لا يتعلق بتصرف الولي وإنشائه، وعلى هذا: فلا يقضى بالنكول، بل يتوقف إلى أن يبلغ الصبي فلعله يحلف.
وفي وجه: لا تعرض اليمين عليه، ويتوقف في أصل الخصومة.
قال: (ولو قالت: نكحني يوم كذا بألف، ويوم كذا بألف، وثبت العقدان بإقراره أو ببينة .. لزمه ألفان)؛ لإمكان ثبوت الألفين بأن يطأها في اليوم الأول ثم يخلعها ثم ينكحها في اليوم الثاني، ولا يحتاج إلى التعرض لتخلل الفرقة ولا لحصول الوطء؛ لأن كل عقد منهما ثبت مسماه، والأصل بقاؤه، كذا قالوه، والتحقيق: أنه يلزمه الألف ونصفها؛ لأن الأصل عدم الدخول في الأول، اللهم إلا أن يثبت الدخول فيه .. فيصح ما قالوه.
قال: (وإن قال: لم أطأها فيهما أو ف أحدهما .. صدق بيمينه)؛ لأن الأصل عدم الوطء.
قال: (وسقط الشطر) أي: في النكاحين أو في أحدهما؛ لأن ذلك فائدة تصديقه.
ولو ادعى رجل أنه اشترى منه كذا يوم الخميس بألف، ثم يوم الجمعة بألف وطالبه بالثمنين، .. لزمه الثمنان إذا ثبت العقدان كما في المهرين.
قال: (وإن قال: كان الثاني تجديد لفظ لا عقدًا .. لم يقبل)؛ لمخالفة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الظاهر، وهل له تحليف المرأة على نفي ذلك؟ وجهان: أصحهما: له ذلك؛ لإمكانه.
فرع: في (فتاوي البغوي): رجل أراد أن يزوج ابنه امرأة، فخطبها لابنه وتوافقا على العقد، فقبل أن يعقد، أهدى لها أبو الزوج شيئًا ثم مات المهدي قبل العقد، ثم نكحها ابنه ثم طلقها قبل الزفاف واسترجع الهدايا .. قال: يكون ميراثًا بين الجميع؛ لأن الأب إنما أهدى لأجل العقد، ولم يعقد في حياته فيكون ميراثًا لورثة الأب، وفي استرجاع الهدايا نظر.
فائدة: قال ابن الخل في (توجيه التنبيه): يجوز لولى المحجورة إذا تزوجت أن يصوغ لها الذهب والفضة حليًا وإن نقصت بذلك قيمته وتلف جزء منه، وأن يصيغ لها الثياب ويقطعها؛ لما فيه من المنفعة للمولى عليه في رغبة الأواج في الوصلة بها.
وفي (قضاة مصر) لابن زولاق عن أبي عبدي بن حربويه وابن الحداد: أنهما منعًا ذلك بأزيد من قدر صداقها كما يقوله مالك، وعمل الناس على الأول.
ووقع في (الفتاوى) هل لولي المحجورة أن يبيع عقارها ليشتري لها شورة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إذا علم أو غلب على ظنه أنه لا يرغب فيها إلا بذلك؟ وأجي فيه بالجواز.
وفيه أيضًا نظر.
تتمة: من صور التنازع بين الزوجين: أن يختلفا في أداء المهر، فالقول قولها مع يمينها، سواء كان الاختلاف قبل الدخول أو بعده، خلافًا للمالك رحمه الله فيما بعد الدخول.
ولو اتفقا على قبض مال وقال الزوج: دفعته صداقًا، وقالت: بل هدية .. فقد أطلق مطلقون أن القول قول الزوج مع يمينه؛ لأنه أعرف بكيفية إزالة ملكه ونيته.
وفصل مفصلون فقالوا: إن كان الاختلاف في اللفظ فقال الزوج: ذكرت عند الدفع أنه صداق، وقالت: بل قلت: إنه هدية .. فالجواب هكذا، أما إذا اتفقا على أنه لم يجر لفظ واختلفا في نيته.
لم يلتف إلى ما تقوله، والقول قوله بلا يمين.
قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا بناء على أن المعاطاة لا تكفي في الهدايا، والأصح: الاكتفاء بها، فعلى الصحيح: يجب أن تقبل دعواها، وأن يحتاج الزوج إلى اليمين.
ثم لا فرق بين أن يكون المقوض من جنس الصداق أو من غير جنسه، ولا بين الطعام وغيره.
وعنم أبي حنيفة: أن القول فيما لا يدخر قولها، وعنه: أن القول في الإطعام قولها، عن مالك مثله.
ولو ادعى الزوج دفع الصداق إلى ولي الصغيرة أو المجنونة أو السفيهة .. فالدعوى مسموعة، وإن ادعى دفعه إلى ولي البالغة الرشيدة .. لم تسمع الدعوى عليها، إلا أن يدعي إذنها، ولا فرق بين البكر والثيب.
وفي البكر وجه آخر: أنه تسمع دعواه عليها من غير أن يدعي إذنها.
قال المتولي: والمسألة تنبني على القاعدة المتقدمة: أن الأب هل له أن يعفو عن

فصل: وَلِيمَةُ اَلْعُرْسِ سُنَّةٌ،  صداقها أو لا؟ فإذا جوزنا له العفو .. جاز له أن يقبض وعند أبي حنيفة: له أن يقبض صداقها ما لم يوجد منها تصريح بالنهي عن قبضه.
ومما يتعلق بكتاب الصداق: أصدقها جارية، ثم وطئ الجارية عالمًا بالحال، فإن كان بعد الدخول .. فعليه الحد، ولا يقبل قوله: لم أعلم أنها ملكتها بالدخول إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، وإن كان قبل الدخول .. فلا حد، وعللوه بشيئين: أحدهما: لا يبعد أن تخفي مثل هذه الأحكام على العوام.
والثاني: اختلاف العلماء؛ فإن مالكًا رحمه الله قال: لا تملك قبل الدخول إلا نصف الصداق، فإن كان عالمًا بأنها تملك جميع الصداق بالعقد .. فعلى التعليل الأول: يحد، وعلى الثاني: لا.
وحيث قلنا: يحد فأولدها .. فالولد رقيق، وعليه المهر إن كانت مكرهة، وحيث لا يحد .. فالولد نسيب حر، وعليه قيمته يوم سقوطه.
وإذا خالع زوجته المدخول بها، ثم نكحها في العدة وطلقها قبل الدخول في النكاح الثاني .. يتشطر المهر عندنا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجب جميعه.
قال: (فصل: وليمة العرس سنة)؛ لثبوتها عن النبي صلي الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، ففي (السنن الأربعة) عن أنس: (أن النبي صلي الله عليه وسلم أولم على صفية بسويق وتمر).
وفي (الصحيحين) [خ 4213 - م 1365/ 84] عنه: (أنه عليه الصلاة والسلام جعل وليمتها التمر والسمن والأقط).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفيهما عنه [خ 2048 - م 1427/ 79]: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة) وصرفنا عن الوجوب قوله صلي الله عليه وسلم: (ليس في المال حق سو الزكاة)، ولأنها لا تختص بالمختاجين فأشبهت الأضحية، وأمره صلي الله ليه وسلم بها محمول على تأكد الندب.
وهي في اللغة: الطعام المتخذ للعرس.
وقال الماوردي: إصلاح الطعام واستدعاء الناس لأجله، ولفظها من الولم وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان، وهي تقع على كل دعوة تتخذ لسرور حادث من إملاك وختان وغيرهما، لكن استعمالها على الإطلاق في الإملاك أشهر، وفي غيره بقيد، يقال: وليمة الختان وغيره.
ويقال لوليمة الختان: إعذار بالعين المهملة والذال المهجمة، ولدعوة الولادة: عقيقة، ولسلامة امرأة عن اطلق: خرس- بضم المعجمة - وقيل: الخرس: طعام الولادة، ولقدوم المسافر: نيقعة - بالنون - تصنع له، وقيل: هو يصنعها، ولإحداث البناء: وكيرة، ولما يتخذ في امصيبة: وضيمة - بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة - وللإملاك: ملاك، قاله أبو داوود.
وسمى في (الكفاية) طعام الإملاك: الشندخي، ولختم القرآن: حذاق، ولغير سبب: مآدبة.
ولم يعد الأصحاب الوليمة للأخوة، وينبغي أن تكون سنة؛ لما روي البخاري عن أنس قال: آخى النبي صلي الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع الأنصاري وقال له: (أولم ولو بشاة).
والجواب: أن هذه قطعة من حدي، وتمامه: قال أنس: لما قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة .. آخى النبي صلي الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه سعد أن يناصفه أهله وماله، وكان له امرأتان، فقال له

وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ: وَاجِبَهٌ  عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، قال: فأتى السوق، فربح شيئًا من أقط وشيئًا من سمن، فرآه النبي صلي الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة فقال: (ميهم؟) قال: تزوجت امرأة من الأنصار، قال: (ما سقت إليها؟) قال: وزن نواة من ذهب، قال: (أولم ولو بشاة).
لكن بوب عليه ابن حبان والحافظ الطبري في (الأحكام) (باب الوليمة للإخوة)، وذكرا حديث أنسن، وعلم ما فيه.
ولم يتكلم الأصحاب على استحباب الوليمة للتسري، والظاهر استحبابه، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لما اصطفى صفية واختلى بها .. قال الصحابة وهم يأكلون: هل هي من أمهات المؤمنين أو من الإماء؟ فقالوا: إن حجبها .. فهي من أمهات المؤمنين، فلما حجبها .. علموا أنها منهن، فدل على أن الوليمة كانت مشروعة لكل منهما، لكن لم ينقل أنه أو لم على مارية.
ومراد المصنف بـ (العرس): الدخول، لكنه في (الشرح) عبر بـ (الإملاك)، وفسره في (اصل الروضة) بالنكاح، ووليمة الإملاك غير وليمة العرس كما صرح به الشافعي في (الأم).
قال: (وفي قول أو وجه: واجبة)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: (أولم) وظاهر الأمر الوجوب، ولأنه عليه الصلاة والسلام ما تركها في حضر ولا سفر.
وقيل: فرض كفاية إذا أظهرها الواحد في عشيرته ظهورًا منتشرًا ... سقط فرضها عمن سواه، وإلا .. حرجوا بتركها أجمعين.
وتردد المصنف في كون لخلاف قولاً وجهًا تبع فيه الرافعي، والصواب: أنه قول كما صرح به الماوردي وصححه الجرجاني، وقال في (المهذب): إنه المنصصو، وهو ظاهر نص (الأم) و (المختصر).
وأما غيرها من الولائم .. فالمذهب:: القطع بنديها، وطرد المتولي فيها قول الوجوب.

وَاَلإِجَابَةُ إَلَيْهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَقِيلَ: كِفَايَةِ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ.
وَإِنَّمَا تَجِبُ أَوْ تُسَنُّ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَخْصِّ اَلأَغْنِيَاءَ  ولو نكح أربعًا هل يولم لكل واحدة وليمة أو تكفيه عن الجميع واحدة أو يفصل بين العقد الواحد والعقود؟ فيه نظر.
وفي (رحلة ابن الصلاح) عن الفراوي ففيه الحرم: أن وليمة العرس ليلاً أصوب؛ لأنها في مقابلة نعمة ليلية، قال تعالى: ﴿فَإذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ وكان ذلك ليلاً.
قال: (والإجابة إليها فرض عين)؛ لما روي الشيخان [خ 5173 - م 1429/ 96] عن ابن عمر: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس .. فليأتها).
وفي (صحيح مسلم) [1429/ 98]: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة .. فليجب).
ونقل ابن عبد البر وغيره فيه الإجماع.
قال: (وقيل: كفاية)؛ لأن المقصود ظهور الحال، وتمييز النكاح عن السفاح، وذلك يحصل بحضور البعض.
قال: (وقيل: سنة)؛ لأنه تمليك مال فلم يجب كغيره، والخبر محمول على تأكد الاستحباب، وهما بعيدان؛ لما تقدم.
وموضع الخلاف إذا قلنا: لا تجب الوليمة، فإن أوجبناها .. وجبت الإجابة جزمًا، والمذهب في سائر الولائم غير وليمة العرس: استحباب الإجابة، وبالوجوب أجاب الشيخ أبو حامد والمحاملي، وقال صاحب (البيان): إنه الأظهر، واختاره الشيخ؛ لعموم الأحاديث الصحيحة؛ ففي (صحيح مسلم) [1429/ 98]: (إذا دعا أحدكم أخاه فليجب)، وفي (سنن أبو داوود) [3731]: (عرسًا كان أو غيره).
قال: (وإنما تجب أو تسن بشرط ألا يخص الأغنياء)؛ لما روى مسلم مرفوعًا [1432/ 107]: (شر الطعام طعام الوليمة؛ يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة .. فقد عصى الله ورسوله).
فقوله: (يدعى إليها) جملة حالية مقيدة بسببها، ويخرج عن التخصص بأن

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل