يَجِبُ صَومُ رَمضَانَ
كتاب الصيام
هو في اللغة: الإمساك؛ ومنه: ﴿إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا)﴾ أي: صمتًا وإمساكًا عن الكلام, وتقول العرب في وقت الهاجرة: صام النهار؛ لإمساك الشمس فيه عن السير, وفرس صائم, أي: واقف, قال النابغة الذبياني [من البسيط]:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
وفي الشرع: إمساك جميع النهار القابل للصوم عن المفطرات الآتية من عاقل مسلم طاهر عن الحيض والنفاس.
قال: (يجب صوم رمضان)؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)﴾ أي: فرض, و (الأيام المعدودات): أيام شهر رمضان, وجمعها جمع قلة ليهونها, وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾.
قيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليهم رمضان إلا أنهم ضلوا عنه, أو التشبيه في أصل الصوم دون وقته, وفي (الصحيحين) [خ 8_ م 16]: (بني الإسلام على خمس)
بِإكمَالِ شَعبَانَ ثَلاَثِينَ, أَو رُؤيَةِ الهِلاَلِ
وذكر صوم رمضان, وانعقد الإجماع عليه, وهو معلوم من الدين بالضرورة من جحده .. كفر وقتل بكفره.
وكان افتراضه في شعبان في السنة الثانية من الهجرة, واختلفوا: هل كان قبل فرضه صوم واجب فنسخ أو لا؟
والأشبه بمذهب الشافعي: الثاني, وعلى الأول قيل: كان عاشوراء, وقيل: الأيام البيض.
وسمي رمضان من الرمض وهو: شدة الحر؛ لأن العرب لما أرادت أن تضع أسماء الشهور .. وافق أن الشهر المذكور كان شديد الحر فسموه بذلك, ككما سمي الربيعان اموافقتهما زمن الربيع.
وقيل: لأنه يرمض الذنوب – أي: يحرقها – وهو ضعيف؛ لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع.
وجمعه: رمضانات وأرمضاء.
وذكر الطالقاني في (حظائر القدس) له أربعة وستين اسمًا ذكر الشيخ بعضها.
وتعبير المصنف ب (رمضان) يؤخذ منه: أنه لا يكره ذكره بدون الشهر, وهو الأصح في شرحي (المهذب) و (مسلم) وغيرهما.
وقال أكثر الأصحاب: يكره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا رمضان؛ فإن رمضان من أسماء الله تعالى, ولكن قولوا: شهر رمضان) لكنه ضعيف كما قاله البيهقي [4/ 201] وغيره.
وقيل: إن كانت معه قرينة تدل على إرادة الشهر .. لم يكره, وإلا .. كره.
واختلف العلماء: هل الصوم أفضل من الصلاة؟ أو هي أفضل منه؟ وهو مذهبنا, أو الصلاة بمكة أفضل منه وهو بالمدينة أفضل منها مراعاة لموضع نزول فرضهما؟ على أقوال.
قال: (بإكمال شعبان ثلاثين, أو رؤية الهلال)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمراد ب (الشهود) هنا: العلم؛ إما بالرؤسة أو باستكمال عدد شعبان ثلاثين يومًا, وفي (البخاري) [1909] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته, فإن غم عليكم .. فأكملوا عدة شعبان ثلاثين (, وفيه [1913]: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا محسب, الشهر هكذا وهكذا وهكذا) وأشار بأصابع يده ثلاثًا وعقد الإبهام في الثالثة.
وخالف أحمد فأوجب الصيام ليلة الثلاثين إذا حصل الغيم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن غم عليكم .. فاقدروا له) فإن معناه: ضيقوا له, وقالت عائشة رضي الله عنها: (لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان) , وهو مردود برواية البخاري [1909]: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا).
وقال ابن سريج وابن قتيبة: معناه: قدروه بحسب المنازل.
ولا عبرة بكبر الهلال في الليلة الثانية؛ ففي الحديث: (من علامات الساعة انتفاخ الأهلة).
وإذا عرف المنجم والحاسب ذلك .. فلا خلاف أنه لا يجب عليهما الصوم, وهل يجوز لهما؟ فيه طريقان:
أصحهما: أنه يجوز لهما دون غيرهما, ولا يجزئهما عن فرضهما.
وقيل: للحاسب دون المنجم.
وقيل: لهما ولغيرهما.
واستشكل الشيخ تصحيح المصنف الجواز لهما مع عدم الإجزاء, وقال: الصواب: أنه إذا جاز .. أجزأ.
وجمع شعبان: شعبانات.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فرع:
قال شخص: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وأخبرني: أن الليلة أول رمضان, لا يصح الصوم بهذا لصاحب المنام ولا لغيره بالاجماع كما قاله القاضي عياض؛ وذلك لاختلال ضبط الرائي لا للشك في لرؤية.
قال القرافي: وكذلك لو أخبره بطلاق زوجته التي يعلم أنه لم يطلقها, وأخبره عن حلال أنه حرام, أو بالعكس, أو غير ذلك من الأحكام .. قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما يراه في النوم, كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة صحيحان .. فإنا نقدم الأرجح بالسند أو اللفظ, فقدم خبر اليقظة على المنام.
حادثة:
شهد برؤية الهلال واحد أو اثنان فقط, واقتضى الحساب عدم إمكان رؤيته, قال الشيخ: لا تقبل الشهادة به؛ لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية والظن لا يعارض القطع, والبينة شرطها: إمكان ما شهدت به حسًا أو عقلًا أو شرعًا؛ لاستحالة المشهود به, والشرع لم يأت بالمستحيلات, ولم يأت لنا نص من الشرع أن كل شاهدين تقبل شهادتهما.
ولأن الشاهد قد يشتبه عليه أو يرى ما يظنه هلالًا وليس بهلال, أو تريه عينه ما لم ير, أو يكون جهله عظيمًا يحمله على أن يعتقد أن في حمله الناس على الصيام أجرًا, أو يكون ممن يقصد إثبات عدالته فيتخذ ذلك وسيلة إلى أن يزكى ويصير مقبولًا عند الحكام.
وكل هذه الأنواع قد سنعناها ورأيناها فيجب على الحاكم في مثل ذلك أن لا يقبل هذه الشهادة ولا يحكم بها ويستصحب الأصل في بقاء الشهر؛ فإنه دليل شرعي محقق
وَثُبوتُ رُؤيَتِهِ بِعَدلٍ, وَفِي قَولٍ: عَدلاَنِ
حتى يتحقق خلافه, ولا يقول: الشرع الغى قول الحساب مطلقًا والفقهاء قالوا: لا يعتمد, فذلك إنما قالوه في عكس هذه الصورة؛ لأن ذلك فيما إذا دل الحسلب على إمكان الرؤية وهذا عكسه.
قال: (وثبوت رؤيته بعدل) نص عليه في القديم ومعظم الكتب الجديدة, سواء كانت السماء مصحية أم لا؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما رآه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فصامه وأمر الناس بصيامه, رواه أبو داوود [2335] بإسناد صحيح وصححه ابن حبان [3447] والحاكم [1/ 423] , وروى الأربعة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إني رأيت هلال رمضان, فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟) قال: نعم, قال) (أتشهد أني رسول اللله؟) قال: نعم, قال: (يا بلال أذن في الناس فليصوموا).
قال: (وفي قول: عدلان) كسائر الشهادات.
وعلى هذا: فلا بد من: الذكورة, والبلوغ, والحرية, والعدالة الباطنة, ولفظ الشهادة في مجلس القضاء, لكنها شهادة حسبة لا ارتباط لها بالدعاوى.
وهذا آخر قولي الشافعي في (الأم) , وفي (المهمات): أنه المعتمد في الفتوى.
وأفاد في (الإحياء) في (باب الأخوة): أن (الأم) رواها البويطي عن الشافعي ومات قبل ترتيبها, فربها الربيع واستدرك فيها أشياء.
وقيل: إن صح الحديث .. فعدل, وإلا .. فعدلان.
وَشَرطُ الوَاحِدِ: صِفَةُ العُدُولِ فِي الأصَحِّ, لاَ عَبدٍ وَامرَأَةٍ
فروع:
ثبوته بعدل بالنسبة إلى الصوم العام, فأما غيره من الأحكام .. فلا يثبت به, فلا يقع به الطلاق والعتق المعلقان به, ولا يتم به حول الزكاة والدية والجزية, ولا تنقضي به العدة, ولا يحل الدين المؤجل إلبه إلا على شاهده فإنه يؤاخذ به لاعترافه إذا كانت الشهادة عليه لا له.
قال الرافعي: لو قال: (هلا ثبت ذلك ضمنًا كما سبق نظيره) .. لأحوج إلى الفرق.
وعنى ب (نظيره) ما سيأتي إذا صمنا بواحد وثلاثين يومًا ولم نر الهلال؛ فإنا نفطر في الأصح.
وإذا رئي الهلال بالنهار ,, فهو لليلة المستقبلية سواء رئي قبل الزوال أم بعده.
ولو نذر صوم شعبان, فشهد به واحد وقلنا: يقبل في رمضان .. فأصح الوجهين في (البحر): لزومه بذلك.
قال: (وشرط الواحد: صفة العدول في الأصح, لا عبد وامرأة) والمراد: أنا إذا قبلنا قول الواحد, فهل هو شهادة أو رواية؟ وجهان:
أصحهما: شهادة, فلا يقبل فيه العبد والمرأة.
والثاني: أنه رواية, فيقبل فيه العبد والمرأة
ولا يشترط لفظ الشهادة ولا العدالة الباطنة على الصحيح.
واحتجوا لقبول المستور بقصة الأعرابي وليس بجيد؛ لأن الصحابة كلهم عدول.
واعترض على المصنف في قوله: (وشرط الواحد: صفة العدول) بعد قوله: (بعدل)؛ فإن العدل من كانت فيه صفة العدول.
وبأن ما زعمه من أن العبد والمرأة ليسا عدلين باطل, إذ العدل من لا يرتكب كبيرة ولا يثر على صغيرة, نعم؛ ليسا من أهل قبول الشهادة فالتبس عليه أحدهما بالآخر وعبارة (المحرر) و) الروضة: وشرط الواحد: صفة الشهود.
وَإذَا صُمنَا بِعَدلٍ وَلَم نَرَ الهِلاَلَ بَعدَ ثَلاَثِينَ .. أَفطَرنَا فِي الأصَحِّ وَإن كَانَتِ السَّمَاءُ مُصحِيَةً .....
فروع:
الأول: في ثبوت هلال رمضان بالشهادة على الشهادة طريقان:
أصحهما: القطع بثبوته كالزكاة, وقيل: لا كالحدود.
الثاني: إذا أخبره من يثق به .. قال الإمام وابن الصباغ: يلزمه العمل به إن جعلناه رواية, وإلا .. فلا.
وقال جماعة: يجب مطلقًا.
الثالث: قال ابن أبي الدم: قول الشاهد: أشهد أني رأيت الهلال غير مقبول؛ لأنها شهادة على فعل نفسه, بل طريقه: أن يشهد بطلوع الهلال أو أن الليلة من رمضان ونحو ذلك, وليس كما قال؛ فقد صرح الرافعي في (صلاة العيدين) بقبول ذلك وسبقه إلى ذلك ابن سراقة وشريح والروياني, والحديث الصحيح شاهد لقبول شهادته.
قال: (وإذا صمنا بعدل ولم نر الهلال بعد ثلاثين .. أفطرنا في الأصح وإن كانت السماء مصحية)؛ لقوله تعالى: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ ورمضان قد كملت عدته.
والثاني: لا؛ لأن الفطر يؤدي إلى إثبات شوال بقول واحد.
والجواب: أن الشيء يجوز أن يثبت ضمنًا بما لا يثبت به أصلًا, كما أن شهادة النساء لا تقبل في النسب استقلالًا, ولو شهد أربع بالولادة .. ثبتت وثبت النسب والميراث تبعًا بلا خلاف.
واعترض الإمام بأن النسب لا يثبت بقولهن , لكن إذا ثبتت الولادة ثبت النسب بالفراش وهنا بخلافه.
قال الرافعي: وللمحتج أن يقول: لا معنى للثبوت الضمني إلا هذا, وقد سبق عن الرافعي طلب الفرق بين هذا وبين كون الطلاق ونحوه لا يثبت تبعًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفرق ابن الرفعة بأن هذا لاوم للمشهود به؛ والطلاق والعتاق ليسا لازمين لاستهلال الهلال.
وقيل: إن كانت السماء مغيمة .. أفطرنا, وإن كانت مصحية .. فلا لقوة الريبة, وإلى هذه الطريقة أشار بقوله: (وإن كانت السماء مصحية) أي: لا فرق بين جيران الوجهين بين الصحو والغيم.
واحترز بقوله: (بعدل) عما إذا صمنا بعدلين؛ فإنا نفطر حالة الغيم قطعًا, وكذا حالة الصحو عند الجمهور,
وقال ابن سريج: لا نفطر؛ لأن قولهما إنما يفيد الظن, وقد تيقنا خلافه, وبهذا قال ابن حداد أيضًا.
وفرع بعضهم على قوله فقال: ولو ثبت هلال شوال بعدلين , فمضت ثلاثون يومًا ولم نر الهلال والسماء مصحية, قضينا يوم الفطر؛ لأنه تبين أنه من رمضان, لكن لا كفارة على من جامع فيه لسقوطها بالشبهة.
قال الرافعي: وعلى ظاهر المذهب لا قضاء ولا كفارة.
فرع:
من رأى هلال رمضان وحده ولم يقبل قوله .. وجب عليه الصوم في حق نفسه, وتجب عليه الكفارة بالجماع فيه كما سيأتي في آخر الباب في قول المصنف: (وتلتزم من انفرد برؤية الهلال وجامع في يومه) ,
فإن رأى هلال شوال وحده .. قال مالك وأحمد والليث: لا بجوز له الإفطار.
وقال الشافعي رضي الله عنه وأكثر العلماء: يفطر سرًا؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤسته: , فإن اطلع الإمام عليه .. عزره.
فإن شهد بعد الأكل .. لم نقبل شهادته للتهمة, وإن شهد قبل الأكل فردت شهادته ثم أكل .. لم يعزر لعدم التهمة حال الشهادة.
وَإذَا رُئَيَ بِبَلدٍ .. لَزِمَ حُكمُهُ البَلَدَ القَرِيبَ دُونَ البَعِيدِ فِي الأصَحِّ
فإن قيل: (الصحيحين) [خ 1912_ م 1089]: شهر عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة (, ولا خلاف أنه لو شهد عدلان ليلة الثلاثين من رمضان برؤية الهلال قبل .. فالجواب: أنه ليس المراد أنه لا يتصور نقصهما مشاهدة؛ فقد قال ابن مسعود رضي الله عنهم/ (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعًا وعشرين أكثر ما صمنا معه ثلاثين) رواه أبو داوود [2316] والترمذي [689] , وقال بعض الحفاظ: (أن النبي صلى الله عليه ويلم صام تسعة رمضانات, منها رمضانان ثلاثون ثلاثون, وسبعة تسع وعشرون تسع وعشرون).
ثم قيل: إن المراد: لا ينقصان من سنة, بل إن نقص أحدهما تم الآخر وفيل: أشار بذلك إلى سنة معينة, وقبل: أراد أن العمل في عشر ذي الحجة لا ينقص في الثواب عن رمضان , وقيل: هما وإن نقص عددها فثوابها كامل,
قال في شرح مسلم: يجوز أن تتوالى أربعة أشهر نواقص لا خمسة.
قال: (وإذا رئي ببلد .. لزم حكمه البلد القريب) بالإجماع.
قال: (دون العبد في الأصح)؛ لما روى مسلم [1087] عن كريب أنه قال: (قدمت الشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة, ثم قدمت المدينة فقال عبد الله بن العباس رضي الله عنهما: متى رأيتم الهلال؟ قلت: ليلة الجمعة قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معوية رضي الله عنه, فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه, فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية رضي الله عنه وصيامه! قال: لا؛ هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عبيه وسلم)
قال الترمذي [693]: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل أهل بلد رؤيتهم.
وَالْبَعِيدُ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ: بِاخْتِلاَفِ الْمَطَالِعِ.
قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
وبالقياس على أوقات الصلوات؛ فإن لكل بلد حكمها في طلوع الشمس وغروبها.
والثاني: يلزم البعيد أيضًا؛ لأن الهلال واحد والخطاب شامل، واحتج له القاضي أبو الطيب بأن الأرض مسطحة، فإذا رئي الهلال ببلد .. رئي في غيره، وأهل الهيئة مُطْبِقُونَ على خلاف ذلك.
قال: (والبعيد: مسافة القصر)؛ لأن الشارع علق بها كثيرًا من الأحكام.
قال: (وقيل: باختلاف المطالع.
قلت: هذا أصح والله أعلم)؛ لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر، ولأن الجميع اتفقوا في الصلاة على أن الاعتبار باختلاف المطالع، وذلك دليل على ترجيحه في الصوم.
وقد حررها الشيخ تاج الدين التبريزي فقال: رؤية الهلال في بلد توجب ثبوت حكمها إلى أربعة وعشرين فرسخًا؛ لأنها في أقل من ذلك لا تختلف، وأما مسافة القصر .. فهي سنة عشر فرسخًا منها، فاختلاف المطالع قدر مسافة القصر ونصفها.
ووقع في (الفتاوى): أخوان أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب ماتا في يوم واحد وقت الزوال، أيهما يرث الآخر
أجاب الجميع فيها بأن المغربي يرث المشرقي بناء على اختلاف المطالع.
وفي وجه ثالث: أن الاعتبار باختلاف الإقليم واتحاده فإن اتحد فمتقاربان، وإلا .. فمتباعدان، وهو بعيد.
وفي وجه رابع: يلزم أهل الأرض برؤية موضع فيها.
وخامس: يختص ببلد الرؤية فقط.
وسادس: يلزم أهل كل بلد لا يُتَصَوَرُ خفاؤُه عليهم.
قال الشيخ: قد تختلف المطالع وتكون الرؤية في أحد البلدين مستلزمة للرؤية في الآخر من غير عكس؛ لأن الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل دخوله في البلاد الغربية، فمتى اتحد المطلع .. لزم من رؤيته في أحدهما رؤيته في الآخر، ومتى اختلف .. لزم
وَإِذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَى اٌلْبَلَدِ اٌلآخَرِ، فَسَارَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِ اٌلرُّؤيَةِ .. فَاٌلآصَحُّ: أَنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِي اٌلصَّوْمِ آخِرا.
ومَنْ سَافَرَ مِنَ اٌلْبَلَدِ اٌلآخَرِ إِلَى بَلَد اٌلرُّؤْيَةِ .. عَيَّدَ مَعَهُمْ وَقَضَى يَوْما.
وَمَنْ أَصْبَحَ مُعَيِّدا فَسَارَتْ سَفِينَتُه إِلَى بَلْدَةٍ أَهْلُهَا صِيَامٌ .. فَاٌلأَصَحُّ: أَنَّهُ يُمْسِكُ بَقِيَّةَ اٌلْيَوْمِ
من رؤيته فى الشرقي رؤيته في الغربى من غير عكس، وعلى هذا حديث كريب؛ فإن الشام غربية بالنسبة إلى المدينة، فلا يلزم من رؤيته فى الشام رؤيته فى المدينة.
قال: (وإذا لم نوجب على البلد الآخر، فسار (1) إليه من بلد الرؤية .. فالأصح: أنه يوافقهم في الصوم آخرا) زإن كان قد أتم العدد ثلاثين؛ لأنه بالانتقال إلى بلدهم صار منهم فلزمه حكمهم.
وقد قيل: إن ابن عباس رضي الله عنهما أمر كريبا بموافقة أهل المدينة.
والثانى: يفطر؛ لأنه التزم حكم البلد الأول فيستمر عليه، وصححه في (الكافى).
والوجهان إذا قلنا: لكل بلد حكمها، أما إذا قلنا: يعم حكم الرؤية كل البلاد .. فعلى أهل البلد الثانى موافقته إن ثبت بقوله أو بقوله غيره، وعليهم قضاء اليوم، فإن لم يثبت عندهم .. لزمه الفطر سرا كما لو رأى هلال شوال وحده.
قال: (ومن سافر من البلد الآخر) أى: الذى لم ير فيه (إلى بلد الرؤية .. عبَّد معهم وقضى يوما) سواء صام ثمانية وعشرين فقط بأن كان رمضان أيضا عندهم ناقصا فوقع عيده معهم فى التاسع والعشرين فى صومه، أو صام تسعة وعشرين بأن كان تاما؛ بناء على أن للمنتقِل حكم المنتقَل إليه، ولأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين، بخلاف ما إذا كان تعييده معهم يوم الثلاثين فإنه لا قضاء؛ لأنه يكون تسعة وعشرين.
قال: (ومن أصبح معيدا فسارت سفينته إلى بلدة بعيدة أهلها صيام .. فالأصح: أنه يمسك) معهم (بقية اليوم) وجوبا بناء على أن لكل بلد حكمها، وأن للمنتقِل حكم البلد المنتقَل إليه.
فَصْلٌ:
النِّيةُ شَرْطٌ لِلصَّوْمِ،
وتستبعده الإمام من حيث إنه لم يرد فيه أثر، وتجزئة إمساك اليوم الواحد وإيجاب بعضه [دون بعض] بعيد، وتابعه الغزالى، وهذا هو المقابل لأصح فى كلام المصنف.
ولو أصبح صائما فسارت سفينته إلى قوم معيّديت، فإن عممنا أو قلنا: له حكم الثانى ... أفطر، وإلا .. فلا، وإذا أفطر .. قضى يوما.
تتمة:
فى (مسند الدرامى ([1729] وصحيح ابن حبان [888]: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول عند رؤية الهلال: (الله أكبر، اللهم أَهِلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربُّنا وربك الله)، وفى (أبى داود ([5051]: كان يقول الصلاة والسلام: (هلال رشدٍوخيرٍ) مرتين (آمنت بالذى خلقك) ثلاث مرات.
ويستحب أن يقرأبعد ذلك (سورة تبارك الملك) لأثرورد فيه، ولأنها المنجية الواقية (1).
قال الشيخ: وكأن ذلك؛ لأنها ثلاثون آية بعدد أيام الشهر، ولأن السكينة تنزل عند قراءتها، وقدم فى (صفة الصلاة): (أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها عند النوم)
قال: (
فصل
: النية شرط للصوم)؛ لعموم: (إنما الأعمال بالنيات ((3) وبالقياس على الصلاة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والزكاة والحج، ولأن الأمساك يقع عادة وعبادة فلا يد من تية تميز بينهما.
وقال عطاء ومجاهد وزُفَر: إذا كان الصوم متعينا بأن كان صحيحا مقيما فى شهر رمضان .. لا يفتقر إلى نية؛ لأنه لايقبل غيره.
ومراد المصنف بـ (الشرط): مالا بد منه لا الشرط الاصطلاحي.
ومحل النية: القلب، وقال في (الروضة (: لا يشترط التلفظ بها بلا خلاف، لكن حكى الروباني عن الزبيري اشتراط التلفظ بها فى كل عبادة.
ولو تسحر ليقوى على الصوم .. قال المتولى وصاحب (العدة (: لايصح، وفى (البحر (: لا يصح بلاخلاف.
وقال الرافعي: يجزاء إن خطر بباله الصوم بالشروط المعتبرة.
ولو قال: أصوم غدا إن شاء الله .. فقيل: لا، والثالث: الأصح: إن قصد التبرك .. صح، أو التعليق والشك .. فلا.
ولو قال: إن شاء زيد أو إن نشطت .. لم يصح، أوما بقيت صحيحا مقيما .. أجزأه.
ولو نوى وشك: هل كانت نيته قبل الفجر أوبعده؟ لم يصح صومه على الصحيح.
ولو شك فى نهار رمضان: هل كانت نيته قبل الفجر أو بعده؟ لم يصح صومه على الصحيح.
ولو شك فى نهار رمضان: هل نوى من الليل، ثم تذكر بعد مضى أكثر النهار أنه نوى .. صح صومه بلاخوف، صرح به القاضي حسين في (الفتاوى) والبغوي وآخرون، وقاسه البغوي على مالو شك المصلي في النية ثم تذكرها قبل إحداث ركن.
ـ
قال آهل اللغة والأصول: لفظة (إنما) موضوعة للحصر لتثبت المذكور وتنفى ما سواء.
قال الخطابي: وأفاد قوله صلى الله عليه وسلم: (ولكن امراء ما نوى) فائدة لم تحصل بقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، وهى: أن تعيين العبادة المنوية شرط لصحتها والله أعلم.
وَيُشَتَرَطٌ لِفَرْضِهِ اٌلتَّبْيِيتُ.
وَاٌلصَّحِيحُ: أَنَّهُ لاَيُشْتَرَطُ اٌلنِّصْفُ اٌلآخِرُ مِنَ اٌللُيْلِ،
قال: (ويشترط لفرضه التبييت) وبه قال مالك وأحمد، سواء كان رمضان أو غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر .. فلاصيام له، رواء الأربعة، وصححه الدارقطني ﴿2/ 472﴾ والخطٌابى والبيهقي ﴿4/ 20﴾.
والمراد بـ (التبييت): إقاع النية فى ليلة كل يوم.
وقال مالك: إذا نوى فى أول الشهر صوم جميعه .. كفاه؛ لأنه عبادة واحدة كركعات الصلاة.
واحتج أصحابنا بأن كل يوم عبادة مستقلة لا يرتبط بعضها ببعض، ولا يفد بعضها بفساد بعض، فإذا نوى الشهر كله .. صحت لليوم الأول على الأصح (وقال أبوحنيفة: يصح صوم رمضان والنذر المعين بنية قبل الزوال.
وعبارة المصنف تقضي: أنه لا يصبح بنية مقارنة للفجر، وهو الأصح.
لكن يرد عليه: صوم الصبي؛ فإن شرطه التبييت وليس بفرض، ولذلك قال الروبانى: ليس لنا صوم نفل يشترط له التبيت سواء.
والجواب: أنه يساوي البالغ فيه، ولهذا ينوي الفرضية كالبالغ.
ومما يشترط فيه التبييت: النذر على المذهب.
قال: (والصحيح: أنه لايشترط النصف الآخر من الليل)؛ لإطلاق مفهوم الحديث المتقدم ولما فيه من المشقة.
والثاني: يشترط؛ لقربه من العبادة كما فى أذان الصبح، وغسل العيد، والدفع من مزدلفة، واستدل له القاضي حسين بأن النصف الأول تابع لليوم الأول والنصف الثاني تابع لليوم الثاني تقول العرب: أمسيت في الثاني.
وَأَنَّهُ لاَيَضُرٌ اٌلأَكْلُ وَاٌلْجِمَاعُ بَعْدَهَا، وَأَنٌهٌ لاَ يَجِبُ اٌلتَّجْدِيدُ إذَا نَامَ ثُمَّ تَنَبَّة وَيَصِحُ اٌلنِّفّلُ بِنِيَّةِ قَبْلَ اٌلزَّوَالِ،
قال: (وأنه لا يضر الأكل والجماع بعدها)؛ لأن الله تعالى أحل ذلك إلى طلوع الفجر، ولو كان يبطل النية .. لما جاز.
وعن أبي إسحاق المروزي أنه قال: تبطل بالأكل والجماع وغيرهما من المنافيات، فإن لم يجددها .. لم يصح صومه.
وقال ابن الصباغ وطائفة: إن هذا النقل لم يصح عنه.
وقيل: إن أبا إسحاق رجع عنه عام حجّ وأشهد على نفسه.
وحكى عن الأصطخري: أنه لما بلغه قول أبي إسحاق .. قال: عذا خرق للإجماع ويستتاب أبو إسحاق منه.
ولو عبر المصنف بـ (المنافي) .. لكان أعم.
قال: (وأنه يجب تقريبا للنية من العبادة بقدر الواسع، وقوله هنا أضعف مما تقدم.
أما إذا استمر النوم الى الفجر .. فإنه يصح صومه قطعا.
فرع:
من دخل فى صوم ثم نوى الخروج منه .. فالأصح: لا يبطل صومه، ولو نوى الانتقال من صوم إلى صوم .. لم ينتقل إليه قطعا (1).
قال: (ويصح النفل بنية قبل الزوال)؛ لما روى الدارقطني ﴿2/ 176﴾ والبيهقي ﴿2/ 203﴾ بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها
وَكَذا بِعَدّهُ في قَوْل،
ذات يوم فقال: (هل عندكم شئ؟) قالت: لا، قال: (فإني إذن أصوم)، قالت: ودخل يومًا آخر فقال: (هل عندكم من غذاء؟) قلت: نعم، قال: (إذا أفطر وإن كنت فرضت الصوم).
و (الغذاء) بفتح الغين وهو: اسم لما يؤكل قبل الزوال، والذي يؤكل بعده: عشاء.
وبمذهبنا قال جماعة من الصحابة، وقال المزني وأبو يحي البلخي: لا يصح كل صوم إلا بنية من الليل؛ لعموم الحديث.
قال الإمام: وقولهما القياس، لكن الحديث يرد عليهما.
فرع:
قال لله علي إتمام كل صوم أدخل فيه، فنوى صوم نقل بعد الفجر .... صح وصار فرضًا بعد الشروع، قاله الروياني.
قال: (وكذا بعده في قول) تسوية بين أجزاء النهار كما سوينا في الليل.
وروى الشافعي رضي الله عنه (أم 7/ 190) بإسناده عن حذيفة رضي الله عنه: (أنه عليه الصلاة والسلام بدا له الصوم بعدما زالت الشمس فصام).
وشرط هذا القول أن يبقي بعد المية جزء من النهار وإن قل.
ثم إذا نوى قبل الزوال أو بعده وصححناه، فهل هو صائم من وقت النيه فقط ولا يحصل له ثواب ما قبله، أو من طلوع الفجر؟ فيه وجهان:
أصحهما له ثواب ما قبله، أو من طلوع الفجر؟ فيه وجهان:
أصحهما: الثاني، كمن أدرك الإمام راكعًا يثاب على جميع الركعة بإدراك بعضها بالاتفاق.
وَالصَحِيح: اشْتَرَطَ حُصُول شَرْط الصَوْم مَن أَوَّلَ النَهار.
وَيَجُب التَعْيِين ِفي الفَرْض،
والثاني: أنه صائم من وقت النية؛ لأن الأعمال بالنيات والنية لا تنعطف على ما مضى.
قال: (والصحيح: اشترط حصول شرط الصوم من أول النهار) أى: من ترك أكل وجماع وكفر وحيض وجنون؛ لأن ذلك لو لم يشترط لبطل مقصود الصوم، ويجوز أن يتقدم شرط الشئ عليه كما يشترط تقديم الخطبة على الجمعة.
والثاني: لا يشترط ذلك؛ لأن الصوم إذا كان محسوبًا من وقت النية كان بمثابة جزء من الليل.
لكن يرد على المصنف المسألة الفسية المهمة التي في (الروضة) و (شرح المهذب) وهي: ما إذا أصبح ولم ينو صومًا، فتمضمض ولم يبالغ فسبق الماء إلى جوفه، ثم نوى صوم تطوع ... صح في الأصج، سواء قلنا: أفطر بذلك أم لا.
قال: (ويجب التعيين في الفرض) وهو أن ينوي أنه صائم من رمضان مثلًا أو عن قضاء أو كفارة؛ لأنه قربة مضافة إلى وقتها فوجب التعيين في نيتها كالصلوات الخمس.
وقال الحليمي: يصح الصوم بنية مطلقة.
وأحترز ب (الفرض) عن النقل؛ فإنه يصح بنية مطلق الصوم، كذا أطلقه الأصحاب.
قال في (شرح المهذب): ينبغي أن يشترطالتعيين في الصوم الراتب كعرفة وعاشوراء وأيام البيض ونحوها كما يشترط ذلك في رواتب الصلاة، وكذا ما له سبب مالاستسقاء إذا لم يأمر به الإمام.
وَكَمالهُ ِفي رَمَضان: أَن يَنْوِي صُوَّم غَد عَن أَداء فَرَضّ رَمَضان هاذِهِ السَنَة لِاللّاه تَعالَى.
وَفِيَّ الأَداء وَالفَرْضِيَّة وَالإِضافَة إِلَى اللّاه تَعالَى الخِلاف المَذْكُور في الصَلاَة.
وَالصَحِيح: أَنَّهُ لا يَشْتَرِط تَعْيِين السَنَة.
وَلُو نَوَى لَيْلَة الثَلاثِيْنَ مَن شَعْبان صُوَّم غَد عَن رَمَضان إِن كانَ مِنهُ، فَكّانِ مِنهُ ... لِمَ يُقْع عَنهُ إِلّا إِذا أَعْتَقِد كَوَّنَهُ مِنهُ بُقُول مَن يَثِق بِهِ: مَن عَبَدَ أَو امْرَأَة أَو صَبِيّانِ رُشَداء
قال: (وكماله في رمضان) أي: كمال التعيين (أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى) لتتميز عن أضدادها.
فاحترز ب (الأداء) عن القضاء وب (الفرض) عن النفل وب (رمضان) عن النذر والكفارة وب (هذة السنة) عن سنة أخري.
و (رمضان) المذكور هنا مكسور؛ لأنه مجرور بالإضافة إلى الإشارة بخلاف المذكور قبله.
قال: (وفي الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى الخلاف المذكور في الصلاة)
فيكون الأصح: اشتراط الفرضية دون الأداء والإضافة، وقد سبق توجيه ذلك.
وما ذكره هنا في الفرضية وقع مثله في كتب الرافعي و (الروضة)، وخالف في (شرح المهذب) فقال: الأكثرون على عدم اشتراطها بخلاف الصلاة، والفرق: أن صوم رمضان من البالغ لا يكون إلا فرضًا، وصلاة الظهر منه قد تكون نقلًا في حق من صلاها ثانيًا.
قال: (أنه لا يشترط تعيين السنة)؛ لأن التعرض لليوم المعين يغني عنها.
والثاني: يشترط ليمتاز ذلك عما يأتي به في سنة أخرى، وأبعد منه وجه حكاه البغوي في اشتراط تعيين الشهر.
قال: (ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد عن رمضان إن كان منه، فكان منه ... لم يقع عنه إلا إذا اعتقد كونه منه بقول من يتق به: من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء)؛ لأنا مكلفون في الفروع بغلبة الظن.
وَلُو نَوَى لَيْلَة الثَلاثِيْنَ مَن رَمَضان صُوَّم غَد إِن كانَ مَن رَمَضان ... أَجْزاهُ إِن كانَ مِنهُ.
وَلُو اشْتَبَهَ .... صامَ شَهَرا بِالاجْتِهاد،
وقوله: (اعتقد) أي: ظن.
وقوله: (بقول كذا وكذا) أحترز به عما إذا لم يستند اعتقاده إلى شئ بالكلية، وعما إذا استند إلى الحساب وطلوع النجم ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام مخبرًا بذلك على ما في الثلاث من الخلاف المتقدم.
وقوله: (صبيان) فيه إشعار بأن الواحد لا يعتمد، ونقل في (المهمات) التصريح بالأكتفاء به عن خلائق منهم القضاة: ابن كج والبندنتجي والحسين والجرجاني والمحاملي والدرامي والقزويني وغيرهم، وبه صرح في موضعين من (شرح المهذب).
وقوله: (رشداء) قيد في الصبيان، ويحتمل أن يكون قيدًا في الجميع.
فإن قيل: سيأتي أن من صور يوم الشك الذي يحرم صومه ولا ينعقد: أن يشهد به صبيان أو عبيد أو فسقة، فكيف يجمع بينهما؟.
أجاب الشيخ بأنه يمكن الجمع بأن المراد هنا إذا حصل الظن بقولهم بخلافه هناك.
قال: (ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان صوم غد إن كان من رمضان .... أجزاه إن كان منه)؛ لأن الأصل بقاء رمضان فاستصحب كما لو قال: هذه زكاة مالي الغائب إن كان باقيًا إلا فتطوع سالمًا ... فإنه يجزئه.
قال: (ولو اشتبه) أي: شهر رمضان على أسير أو محبوس أو نحوهما (..... صام شهرًا بالأجتهاد) كما يجتهد في القبلة وأوقات الصلاة، فلو صام بغير اجتهاد ووافق
فإن وافق ما بعد رمضان .. أجزأه وهو قضاء في الأصح، فلو نقص رمضان وكان تاماً لزمه يوم آخر، ولو غلط بالتقديم وأدرك رمضان لزمه صومه
ــــــ
رمضان .... لم يجزه وتازمه الإعاده وكذا في الصلاة.
وإن اجتهد وصام واستمر الإشكال ولم يعلم: أصادف رمضان أو لا؟ أجزاهولا إعادة عليه؛ لأن الظاهر من الاجتهاد الإصابة، وبهذا قال جميع العلماء إلا الحسن بن صالح فقال: عليه الإعادة؛ لأنه صام شاكًا، وقوله مردود بإجماع السلف قبله.
قال: (فإن وافق ما بعد رمضان ... أجزاه) بالاتفاق كما لو وافقوا العاشر غلطًا؛ إذ غايته أنه أوقع القضاء بينة الأداء، ولا يأتي فيه الخلاف المذكور في الصلاة؛ لأن هذا موضع ضرورة.
قال: (وهو قضاء في الأصح) لوقوعه بعد الوقت.
والثاني: أداء؛ لأن الهذر قد يجعل غير الوقت وقتًا كما في الجمع بين الصلاتين.
قال: (فلو نقص وكان تامًا ... لزمه يوم آخر)؛ لأنه ثبت في ذمته كاملًا.
وهذا تفريغ على الأصح، وعلى مقابله: لا يلزمه شئ؛ لأنه صام شهرًا كاملًا.
فلو انعكس الحال فكلن ما صامه تامًا ورمضان ناقصًا، فإن قلنا: قضاء ..... فله إفطار اليوم الأخير إذا عرف الحال، وإن قلنا: أداء .... فلا.
وإن كان الذي صامه ورمضان تامين أو ناقصين ... أجزاه بلا خلاف.
وإن وافق صومه شوالًا ... فالصحيح منه تسعة وعشرون إن كان كاملًا، وثمانية وعشرون إن كان ناقصًا.
وإن وافق ذا الحجة ... فالصحيح منه ستة وعشرون إن كان كاملًا، وخمس وعشرون إن كان ناقصًا.
قال: (ولو غلط بالتقديم وأدرك رمضان) أي: يعد أن تبيم له الحال (.... لزمه صومه)؛ لتمكنه من العبادة في وقتها.
وَإِلّا ... فَالجَدِيد: وُجُوب القَضاء.
وَلُو نُوت الحائِض صُوَّم غَد قَبِلَ انْقِطاع دَمَّها، ثُمَّ انْقَطَعَ لَيْلا .. صَحَّ إِن تَمَّ ِفي اللَيْل أَكْثَر الحَيْض، وَكَذا قَدْر العادَة ِفي الأَصَحّ
قال: (وإلا ... فالجديد: وجوب القضاء) يعني: وإن لم يدرك شيئًا منه، بأن لم يظهر له الحال إلا بعد فوات رمضان بجملته، يجب عليه القضاء؛ لأنه أتى بالعبادة قبل وقتها فوجب قضاؤها كالصلاة المفعولة قبل الوقت.
والقديم: أنه لا يقضي الحجيج إذا أخطؤوا ووقفوا الثامن.
ومنهم من قاسه على ما إذا وقفوا في العاشر؛ لأنه فعله في غير وقته.
وفي المسألة طريقة قاطعة بوجوب القضاء، والصحيح: طريقة القولين.
ولو ظهر له الحال في بعض رمضان ... صام ما أدركه منه بلا خلاف، وأما الباقي ... فالأصح: أنه كما لو بان بعد مضي جمعيه.
وبقي من أقسام المسألة:
ما إذا وافق صومه رمضان وهو واضح، وإذا ظهر له أنه كان يصوم الليل دون النهار ... فعليه القضاء بالأتفاق؛ لأن الليل ليس محلًا للصوم.
وما إذا اجتهد فغلب على ظنه فوات رمضان فصام شهرًا ثم تبين له أنه رمضان ....
فالظاهر: الإجزاء كما قاله ابن الرفعة بحثًا، والروياني نقلًا عن والده.
وما إذا اجتهد ولم يغلب على ظنه شئ ... فالأصح عند ابن الصباغ والمتولي والروياني: لا يلزمه الصوم كمن شك في دخول الوقت.
قال: (ولو نوت الحائض صوم غد قبل انقطاع دمها، ثم انقطع ليلًا ... صح أن تم في الليل أكثر الحيض) بلا خلاف؛ لأنها تعلم النقاء نهارًا.
قال: (وكذا قدر العادة في الأصح)؛ لأن نيتها مستندة إلى الظن المستفاد من العادة.
والثاني: لا؛ لأن العادة قد تختلف.
وفيما سوى الصورتين لا يصح بلا خلاف.
: فَصَّلَ
شَرْط الصَوْم: الإِمْساك: عَن الجِماع، والاستقاءة،
والمراد: العادة المستقرة دون أكثره، فإن لم يكن لها عادة ولم يتم الأكثر من الليل، أو كانت لها عادات مختلفة
لم يصح؛ لأنها لم تجزم ولم تبن على أصل ولا أمارة.
والنفساء كالحائض.
تتمة:
قال المتولي: لو نوي في الليل ثم قطعها قبل الفجر ... سقط حكمها؛ لأن ترك النية ضد للنية، بخلاف ما لو أكل بعد النية؛ لأن الأكل ليس ضدها، وبخلاف ما لو قطعها بعد الفجر؛ لأن أول العبادة اقترن بالنية.
ومن علم أن عليه صومًا واجبًا لا يدري: هل هو رمضان أو نذر أو كفارة؟ فنوى صومًا واجبًا ... أجزاه كمن نسى صلاة من خمس ولم يعرف عينها.
ولو كان عليه قضاء اليوم الأول من رمضان فصام ونوى قضلء اليوم الثاني:
فوجهان:
أحداها: يجزئه.
والثاني: لا؛ لعدم التعيين.
قال
: (فصل:
شرط الصوم: الإمساك: عن الجماع) أما جماع العامد .. فبالإجماع، وأما الناسي ... فسيأتي حكمه.
فإن قيل: قدم المصنف أن النية شرط، وذكر هنا أن الإمساك شرط وحينئذ فلا حقيقة للصوم .. فالجواب: أن المراد بالشرط ما لابد منه؛ فإن الإمساك عن المفطرات أحد ركني الصوم كما تقدم.
قال: (والا ستقاءة) فإذا تقيأ عامدًا .... أفطر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من ذرعه القئ وهو صائم ... فليس عليه قضاء، ومن استقاء .... فليقض) رواه أصحاب
وَالصَحِيح: أَنَّهُ لُو تَيْقِننَ أَنَّهُ لِمَ يُرْجَع شَئْ إِلَى جَوْفهُ ... بَطُلَ.
وَلُو غَلَبَهُ القئ .. فَلًّا بَأَسَ، وَكَذا لُو اقْتَلَعَ نُخامَة وَلِفَظّها ِفي الأَصَحّ،
السنن الأربعة، وصححه الحاكم (1/ 427) وابن حبان (3518)، وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وكذلك قال أحمد.
وقال المصنف: إنه حسن ولا يضره أن هشام بن حسان تفرد به؛ فإنه ثقة، وأما حديث: (ثلاث لا تفطر الصائم: القئ والحجامة والاحتلام) ... فلم يصح.
والصحيح: أن الأستقاءة مفطرة لعينها كالإنزال.
وقيل: لرجوع شئإلى الجوف وإن قل.
وينبني عليهما: ما لو احتاط حتى لم يرجع شئ، أو تقيأ وهو منكوس.
كل هذا في العالم، فإن جهل أن ذلك مفطر ... قال القاضي حسن: يفطر أيضًا إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة.
ومال في (البحر) إلى أنه يعذر مطلقًا، وإطلاق (المهذب) و (التنبيه) يقتضيه، ولم يستدركه المصنف عليه.
قال: (والصحيح: أنه لو تيقن أنه لم يرجع شئ إلى جوفه ... بطل) هذا الخلاف تقدم مدركه، وعبر عنه في (الروضة) بالصحيح.
قال: (ولو غلبه القئ .... فلا بأس) للحديث، وهو معنى (ذرعه) بالذال المعجمة.
قال: (وكذا لو اقتلع نخامة ولفظها في الأصح) أي: اقتلعها من الباطن ولفظها إلى الظاهر؛ لأن الحاجة إلى ذلك تكرر فرخص فيه.
والثاني: يفطر كالأستقاءة.
فَلَو نَزِلتَ مَن دِماغهُ وَحَصَلتُ ِفي حَدَّ الظاهِر مَن الفَم ... فَلِيُقْطِعها مَن مَجَرّاها وَلِيَمُجها، فَإِنَّ تَرَّكَها مَعَ القُدْرَة فَوَصَلتَ إِلَى الجُوف ... أَفْطُر ِفي الأَصَحّ
ومحل الخلاف: إذا قلنا: الاستقاءة مفطرة، وإلا ... لم يفطر جزمًا.
واحترز بقوله: (فلفظها) عما إذا بقيت في محلها وسيأتي حكمه.
ولو خرجت بغلبة السعال فلفظها ... فلا بأس عليه، فإن ابتلعها عمدًا ... أفطر جزمًا، وكلام الماوردي يفهم أن فيه خلافًا وهو بعيد.
وتعبيره ب (الأصح) صريح في إثبات الخلاف وقوته، وهو مخالف لما في (الروضة) و (شرح المهذب) فإنه صحح فيهما طريقة القطع بأنه لا يضر.
و (النخامة) هي: الفضلة الغليظة التي يلفظها الشخص من فيه، ويقال لها أيضًا: النخاعة بالعين.
ويقال: لفظت الشئ من فمي ألفظه لفظًا: رميته، ولفظ الكلام وتلفظ به أي: رماه من فيه، ولفظت الأرض الميت: إذا لم تقبله، ولفظ الشئ البحر: إذا رمابه إلى الساحل ...
قال: (فلو نزلت من دماغه وحصلت في حد الظاهر من الفم ... فليتقطعها من مجراها) وهو الثقبة النافذة من الدماغ إلى أقصى الفم فوق الحلقوم.
(وليمجها) حتى لا تصل إلى الباطن، يقال: مج الرجال الريق والشراب من فيه: إذا رمى به، والمجاج: الذي تمجه من فيك، والعسل: مجاج النحل.
قال: (فإن تركها مع القدرة فوصلت إلى الجوف) أى: بنفسها وهو عالم بها (أفطر في الأصح)؛ لتقصيره.
والثاني: لا؛ لأنه لم يفعل شيئًا وإنما أمسك عن الفعل.
و (الدماغ): حشو الرأس، والجمع: أدمغة ودمغ.
تنبيهان:
أحدهما: فهم من كلام المصنف: أنها لا تضر إذا لم تحصل في حد الظاهر من الفم، أو حصلت فيه ولم يقدر على مجها.
وَعَن وَصُول العَيْن إِلَى ما يُسَمَّى جَوْفا، وَقَيْل: يَشْتَرِط مَعَ هاذا أَن يُكَوِّن فِيهِ قُوَّة تَحَيُّل الغِذاء أَو الدِواء
الثاني: (الباطن): مخرج الهاء والهمزة، و (الظاهر): مخرج الخاء المعجمة فما بعده إلى صوب الشفتين.
وأما مخرج المهملة ... فقال الرافعي تبعًا للغزالي: إنه من الباطن، وقال المصنف: إنه من الظاهر.
قال الشيخ: والأقرب: أنها من الباطن كما قاله الرافعي.
قال: (وعن وصول العين إلى ما يسمى جوفًا) سواء كانت العين مما يؤكل ويشرب أم لا كتراب وحصاة، يسيرًا كانت أو كثيرًا؛ لأن الصوم هو: الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف.
وروى البيهقي (4/ 261) - بإسناد حسن أو صحيح - عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (إنما الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل، وإنما الفطر مما دخل وليس مما خرج).
وخالف بعض السلف فيما لا يؤكل ويشرب عادة.
وروي عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه: (أنه كان يستف البرد ويقول: ليس بطعام ولا شراب)، وإليه ذهب الحسن بن صالح فقال: لا يفطر إلا بطعام أو شراب.
وخالف أبو حنيفة في حبة السمسم ونحوها.
وإحترز المصنف ب (العين) عن الأثر؛ فلا أثر لوصول الريح بالشم إلى دماغه، ولا لوصول الطعم بالذوق إلى حلقه.
وب (الجوف) عما لو طعن فخذه أو ساقه أو داوي جرحه، فدخل ذلك إلي داخل المخ أو اللحم ... فإنه لا يفطر؛ لأنه لا يسمى جوفًا، وكذلك إذا اقتصد ووصل المبضع إلى داخل العرق، فكل ذلك لا خلاف فيه.
قال: (وقيل: يشترط مع هذا: أن يكون فيه) أي: في الجوف (قوة تحيل الغذاء أو الدواء)؛ لأن ما تحيله لا تغتذي به النفس ولا ينتفع به البدن، فأشبه الواصل إلى غير الجوف.
فَعَلِيّ الوَجْهَيْنِ: باطِن الدِماغ وَالبَطْن وَالأَمْعاء وَالمَثانَة مفطر بالاستعاط أَو الأَكْل أَو الحُقْنَة / أَو الوُصُول مَن جائفة أَو مأمومة وَنَحُّوهُما
ويرد عليه: أنهم جعلوا الحلق كالجوف في بطلان الصوم بالوصول إليه وليس في الحلق قوة الإحالة.
و (الدواء) ممدود: واحد الأدوية، و (الدواء) بكسر الدال بغة فيه.
و (الغذاء) بكسر الغين وبالذال المعجمة: ما يغتذي به من طعام وشراب، يقال: غذوت الصبي باللبن أي: ربيته به، ولا يقال: غذيته بالياء.
و (الغداء) بفتح الغين وبالدال المهملة: خلاف العشاء.
قال: (فعلى الوجهين: باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة مفطر بالاستعاط أو الأكل أو الحقنة / أو الوصول من جائفة أو مأمومة ونحوهما)؛ لأنه جوف محيل.
واستدلوا على الفطر بالوصول إلي باطن الدماغ بما تقدم في (الوضوء) من قوله صلى الله عليه وسلم (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا).
وعلى الفطر بالحقنة بأنها تصل إلى الجوف، فهي أولى من السعوط الواصل إلى الدماغ.
وفي الحقنة والمثانة وجه، وفي كلام المصنف لف ونشر؛ فالاستعاط للدماغ، والأكل للبطن، والحقنة للأمعاء والمثانة أيضًا، والوصول من الجائفة والمأمومة يعود للجميع.
واعترض على المصنف في تعبيره ب (باطن الدماغ)؛ لأنه لو وضع الدواء على المأمومة فوصل إلى خريطة الدماغ ... أفطر وإن لم يصل إلى باطن الخريطة، فباطن الدماغ ليس بشرط، ولا الدماغ نفسه؛ فإن الدمااغ في باطن الخريطة، وكذلك الأمعاء لا يشترط باطنها.
وَالتَقْطِير ِفي باطِن الأُذُن وَالإِحْلِيل مفطر ِفي الأَصَحّ
فائدة:
(الأمعاء): المصارين، واحدها: معى على وزن رضًا، قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يأكل في معى واحد، والكافرفي سبعة أمعاء)، والرجل الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك: ثمامة بن أثال الحنفي رضي الله عنه عند ابن إسحاق، وعند السهيلي: أو بصرة الغفاري، وفي (مصنف ابن أبي شيبة) (5/ 569): جهجاه الغفاري، وفي (دلائل النبوة) نضلة بالام.
وقيل: هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمن وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها؛ لأن المؤمن لا يأكل إلا من الحلال ويتوقي الحرام والشبهة، والكافر لا يبالي ما أكل ومن أين أكل وكيف أكل.
وقال الأصمعي: العرب تقول للجائع: صاحت عصافير بطنه، يعنون بالعاصفير: الأمعاء.
و (المثانة) بفتح الميم وبالثاء: مجمع البول.
و (الحقنة): الأدوية التي يحقن بها المريض، و (الأحتقان): االفعل، ولو عبر به ... كان أولى، والجائفة والمأمومة يأتي بياتهما في (الديات).
قال: (والتقطير في باطن الأذن والإحليل مفطر في الأصح) وإن لم يصل إلى الدماغ بل جاوز القحف، وإن لم يصل إلى المثانة ولم يجاوز الحشفة بناء على الوجه الأول - وهو اعتبار كل ما يسمى جوفًا - فيفطر بذلك.
والثاني: لا؛ بناء على مقبله إذ ليس فيه قوة الإحالة.
وفي الإحليل وجه ثالث: إن جاوز الحشفة ... أفطر، وإلا ... فلا.
فعلى الصحيح: لو أدخل في إحليله أو أذنه عودًا أو درودا ً وهو ذاكر للصوم بطل صومه.
وَشَرَّطَ الواصل: كَوَّنَهُ مَن مَنْفِذ مَفْتُوح، فَلًّا يُضَرّ وَصُول أَلْذَهُنَّ بِتَشَرُّب المُسِمّ، وَلا الاكتحال وَإِنَّ وَجَدَ طُعْمهُ بَحْلَقَهُ،
وينبغي الاحتراز حالة الاستنجاء؛ فإنه لو أدخل طرف إصبعه دبره .... بطل صومه، وكذلك حكم فرج المرأة.
و (الإحليل والتحليل): مخرج البول من الإنسان، ومخرج اللبن من الثدي والضرع، ووزنه إفعيل.
فرع:
ابتلع طرف خيط باليل، وطرفه الآخر خارج، وأصبح كذلك، فإن تركه ... لم تصح صلاته لاتصاله بالنجاسة، وإن نزعه أو ابتلعه .. لم يصح صومه، فالطريق: أن يقلعه شخص مكرهًا أو غافلًا، فإن لم يتفق .. فالأصح: أنه يحافظ على الصلاة وينزعه أو يبلعه ويقضي يومًا.
وقيل: يصى على حاله وبعيد.
قال: (وشرط الواصل: كونه من منفذ مفتوح، فلا يضر وصول الدهن يتشرب المسام، ولا الاكتحال وإن وجد طعمه بحلقه) كما لا يضر الانغماس في الماء وإن وجد أثره بباطنه.
والأصل في ذلك: ما في (الصحيحين) (خ 1930 - م 1109): (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبًا وهو صائم ثم غتسل)، وفي (الموطأ) (1/ 294) - بإسناد على شرط الصحيح - عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال: (حدثني من رأي النبي صلى الله عليه وسلم وجهالة الصحابي لا تقدح؛ لأنهم كلهم عدول.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل بالإثمد وهو صائم رواه البيهقي (4/ 262)،
وَكَوَّنهُ بِقَصْد، فَلَو وَصَّلَ جَوْفهُ ذُباب، أَو بَعُوضَة، أَو غُبار الطَرِيق، وَغَرْبَلَة الدَقِيق ... لِمَ يُفْطَر
وفي (سنن أبي داوود) (2370) عن أنس رضي الله عنه أنه كان يكتحل وهو صائم.
ولا يكره الاكتحال للصائم عندنا وعند أبي حنيفة، وكرهه مالك وأحمد وقالا: إن وصل إلى الحلق أفطر؛ لما روى أبو داوود (2369): أن النبي صلالله عليه وسلم أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال: (ليتقه الصائم) ثم قال أبو داوود: قال لي يحيي بن معين: هو حديث منكر.
و (المنفذ) ضبطه المصنف بخطه بفتح الفاء كالمدخل والمخرج.
و (المسام) بفتح الميم والسين: منافذ البدن وثقبه، وكأن مفرده: سم وهو الثقب، قال تعالى: ﴿يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ وفي سينه ثلاث لغات، وأفصحها الفتح، وكذلك قرأها الجمهور بالفتح، وقرئ شاذا بالضم والكسر.
قال: (وكونه بقصد، فلو وصل جوفه ذباب، أو بعوضة، أو غبار الطريق، وغربلة الدقيق .... لم يفطر) وإن أمكنه اجتناب ذلك بإطباق الفم أو غيره؛ لما فيه من المشقة الشديدة، بل لو فتح فاه حتى وصل الغبار إلى جوفه ... لم يفطر على الصحيح.
قلت: وإنما جمع المصنف الذباب وأفرد البعوض مراعاة للفظ القرآن، قال الله تعاالى: ﴿يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ وقال ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، و (المحرر) أفردهما ففاته ذلك.
فائدة:
(الغربلة): إدارة الحب في الغربال لينتفي خبثه وينصع طيبه، قالت العرب: من غربل الناس ... نخلوه، أى: من فتش عن أمورهم وأصولهم ... جعلوه نخالة، وفي
وَلا يُفْطَر بِبَلْع رَيِّقهُ مَن مَعْدِنهُ،
الحديث: (كيف بكم وبزمان تغربل الناس فيه غربلة) أي: يذهب خيارهم ويبقي أرذالهم.
قال الزمخشري: ويجوز أن يكون من الغربلة وهي: القتل، والمغربل: الميت المنتفخ، كما قال الشاعر (من الرجز):
أحيا أباه هاشم بن حرمله .... ترى الملوك حوله مغربلة
يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب لة
وقيل: عنى بالغربلة أنه ينتقي السادة فيقتلهم، فهو على هذا من الأول.
قال: (ولا يفطر ببلع ريقه من معدنه) بالإجماع؛ ولأنه لا يمكن الاحتراز عنه، وبه حياة الإنسان.
واحترز ب (ريقه) عما لو مص ريق غيره وبلعه؛ فإنه يفطر باتفاق العلماء، وفي حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها ويمص لسنها) رواه أبو داوود (2378) بإسناد فيه ضعيفان، وإن صح ... فإنه محمول على أنه مصه ولم يبتلعه.
و (الريق): الرضاب، و (معدنه): الموضع الذى فيه قراره ومنه ينبع، وهو الحنك الأسفل تحت اللسان، أنبعه الله تعالى لتليين المأكول اليابس وتليين اللسان، وعليه حمل بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
وجمع الريق: أرياق، والريقة أخص منه، قال الشاعر (من الرجز):
يا عجبًا لهذه الفليقة .... هل تغلبن القوباء الريقة
فَلَو خَرَّجَ عَن الفَم ثُمَّ رَدَّهُ وَأَبْتَلِعهُ، أَو بَلّ خَيْطًا بِرِيقهُ وَرَدّهُ إِلَى فَمهُ وَعَلِيّهُ رُطُوبَة تَنْفَصِل، أَو أَبْتَلِع رَيِّقهُ مَخْلُوطا بِغَيْرهُ أَو متنجسا ... أَفْطُر .....
قال: فلو خرج عن الفم ثم رده وابتلعه، أو بل خيطًا بريقه ورده إلى فمه وعليه رطوبة تنفصل، أو ابتلع ريقه مخلوطا بغيره أو متنجسًا ... أفطر).
أما في الأولى .... فلأنه خرج من معدنه فصار كالأعيان المنفصلة، فلو أخرجه على لسانه ثم أخله وابتلعه ... فالأصح: لا يفطر؛ لأنه لم يفصل واللسان كيفما تقلب معدود من باطن الفم، لكن الصحيح في (الشرح الصغير): الفطر به، ويوافقه إطلاق (المحرر).
وأما الثانية ... فلأنه لا ضرورة إليه وقد ابتلعه بعد مفارقة المعدن.
وفي (فوائد المهذب) للفارقي: أن الخياط إذا بل الخيط بريقه سواء كان عليه صبغ أم لا، يعفى عنه لمشقة الاحتراز عنه.
وأما في الثانية ... فلأنه أجنبي عن الريق، وسواء كان ذلك طاهرًا كصبغ الثوب، أو نجسًا كما إذا دميت لثته، فلو بصق حتى صفا ريقه ولم يبق فيه تغير ... ففي فطره بابتلاعه وجهان، أصحهما عند الأكثرين: تعم؛ لأنه متنجس، ولا يطهر الفم إلا بالغسل بالماء كسائر النجاسات.
وعلى هذا: لو أكل في الليل شيئًا نجسًا ولم يغسل فمه وأصبح صائمًا فابتلع ريقه .. أفطر.
وَلُو جَمَّعَ رِيقَة وَأَبْتَلِعهُ ... لِمَ يُفْطَر ِفي الأَصَحّ.
وَلُو سَبَق ماء المَضْمَضَة أَو الاسْتِنْشاق إِلَى جَوْفهُ ... فَالمُذَهَّب: أَنَّهُ إِن بالِغ ... أَفْطُر، وَإِلّا ... فَلًّا
قال: (ولو جمع ريقه وابتلعه .... لم يفطر في الأصح) سواء جمعه بمضغ شئ كالعلك أم لا؛ لأنه لم يخرج من معدنه .. وابتلاعه متفرقًا جائز.
والثاني: يفطر؛ لأنه يسهل الاحتراز عنه.
ولا خلاف أنه لو اجتمع من غير قصد بالغ ... أفطر، وإلا ... فلا)؛ لأن المبالغه فيهما في الصوم مكروهة، وما تولد من سبب منهي عنه ... كان كمباشرته.
وقيل: يبطل مطلقًا، وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني؛ لتشبيه القبلة بالمضمضة.
ولو قبل فأنزل ... بطل، وقيل: لا يبطل مطلقًا لعدم اختياره، وبه قال أحمد وأبو ثور.
وفي المسألة طرق هذا ملخصها، ولا فرق بين صوم الفرض والنقل.
وسبق الماء عند غسل الفم لنجاسة كسبقه في المضمضة.
ولو سبق من الغسل تبردًا، أو المضمة في الكرة الرابعة ... ضر؛ لأنها منهي عنها فصارت كالمبالغة، وكذلك الأستنشاق.
ومحل ما ذكره المصنف: في الذاكر للصوم، أما الناسي والجاهل ... فلا يفطر بلا خلاف.
وإذا كان الماء في فيه أو أنفه فعطس فنزل بذلك إلى جوفه أو دماغه .... لم يفطر.
وأتفقوا على أنه لا يلزم الصائم أن ينشف فاه من المضمضة؛ لأنه لا يبقي من ذلك إلا رطوبة لا تنفصل عن المحل.
وَلُو بَقَّيْ طَعام بَيَّننَ أَسْنانهُ فَجَرَى بِهِ رَيِّقهُ ... لِمَ يُفْطَر إِن عَجَّزَ عَن تَمْيِيزهُ وَمَجّهُ، وَلُو أَوْجَزَ مَكْرها ... لِمَ يُفْطَر، فَإِنَّ أَكْرَهَ حَتَّى أُكَلّ ... أَفْطُر ِفي الأَظْهَر.
قَلَت: الأَظْهَر: لا يُفْطَر، وَالله أَعْلَمَ.
وَلُو كانَ ناسيا ... لِمَ يُفْطَر
قال: (ولو بقي طعام بين أسنانه فجرى به ريقه .. لم يفطر إن عجز عن تمييزه ومجه)؛ لأنه معذور فيه غير مقصر، فإن لم يعجز ..... أفطر لتقصيره.
واحترز بقوله: (جرى) عما إذا ابتلعه قصدًا؛ فإنه يفطر بلا خلاف.
قال: (ولو أوجر مكرهًا .... لم يفطر) لعدم الفعل والقصد منه، وفي وجه غريب: يفطر.
قال: (فإن أكره حتى أكل) أو شرب (... أفطر في الأظهر)؛ لأنه حصل بفعله مع علمه بالحال لدفع الضرر عن نفسه، فيبطب كما لو فعله لدفع الجوع والمرض، وبهذا قال أبو حنيفة رحمه الله، وصححه الغزالي في (الوجيز) في النسخ المعتمدة.
قال: (قلت: الأظهر: لا يفطر والله أعلم)؛ لأن أكله ليس منهيًا عنه فأشبه الناسي.
ويجري القولان فيما لو أكرهت على الوطء، أو أكره الرجل وقلنا: يتصور إكراهه، لكن إذا حكمنا بالفطر ... فلا كفارة للشبهة، وإن قلنا: لا يتصور الإكراه .. أفطر ولزمته الكفارة.
وفي كتاب (الكافي) لمحمد بن عبد الصمد المصري: أن من جاءه قطاع الطريق فابتلع الذهب خوفًا عليه منهم، حكمه حكم المكره على فعل نفسه فيأتي فيه ما تقدم.
قال: (ولو أكل ناسيًا ... لم يفطر)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أفطر في شهر رمضان ناسيً ... فلا قضاء عليه ولا كفارة) صححه الحاكم (1/ 430)، وفي (الصحيحين) (خ 1933 - م 1155): (من نسى وهو صائم فأكل أو شرب ... فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه).
إِلّا أَن يُكْثَر ِفي الأَصَحّ.
قَلَت: الأَصَحّ: لا يُفْطَر، وَاللّاه أَعْلَمَ.
الجِماع كَالأَكْل عَلِيّ المُذَهَّب.
وَعَن الأستمناء
وقال مالك وربيعة: عليه القضاء في الأكل ناسيًا قياسًا على تارك النية.
والفرق: أن الني مأمور بها، والأكل منهي عنه، فاختلفا كما في الصلاة لو تكلم ناسيًا ... لا تبطل، وإن ترك الركوع ناسيًا ... أبطل.
قال: (إلا أن يكثر في الأصح)؛ لأن النسيان يندر في الكثير فيضر، ولهذا تبطل الصلاة بالكلام الكثير ناسيًا.
وضابط الأكل الكثير: ثلاث لقم.
قال: (قلت: الأصح: لا يفطر والله أعلم)؛ لعموم الأحاديث.
والفرق بينه وبين الصلاة: أن المصلي مشتغل بأقوال وأفعال تذكره أنه في الصلاة فيندر وقوع ذلك منه بخلاف الصائم.
ولم يتعرض المصنف للآكل جاهلًا، والذي في (الروضة) و (شرح المهذب): أنه إن كان قريب عهد بالإسلام بأن من جهل كون الأكل مفطرًا .... جهل حقيقة الصوم فلا تصح نيته.
وأجاب الشيخ بفرض ذلك في مفطر خاص من الأشياء النادرة كالحصاة ونحوها؛ فإن العامي يعتقد أن الصوم هو الإمساك عن المعتاد.
قال: (والجماع كالأكل على المذهب) فلا يؤثر مع النسيان قياسًا على سائر المفطرات، ورواية الحاكم المتقدمة نص في ذلك، وهو مروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة.
والطريقة الثانية: أنه على القولين في جماع ناسيًا.
والفرق على المذهب: أن للمحرم هيئة يتذكر بها، فهو مقصر بخلاف الصائم.
قال: (وعن الاستمناء) فيشترط عنه أيضًا، وهو إخراج المني بغير جماع.
فَيَفْطُر بِهِ، وَكَذا خُرُوج أَلَّمَنِي بِلَمْس وَقِبْلَة وَمُضاجَعَة، لا الفِكْر وَالنَظَر بِشَهْوَة.
قال: (فيفطر به)؛ لأن الإنزال هو المقصود الأعظم من الجماع، فإذا حرم الجماع من غير إنزال ... كان الإنزال أولى بالتحريم، إلا أنه لا كفارة فيه.
ولو حك ذكره لعارض فأنزل ... فالأصح: لا يفطر؛ لأنه تولد من مباشرة مباحة، ولو احتلم ... لم يفطر بلا خلاف.
قال: (وكذا خروج المني بلمس وقبلة ومضاجعة) نقل الماوردي الإجماع فيما إذا كان بقلبة مباشرة فيما دون الفرج وغيره مقيس عليه.
وحكى الإمامعن والده وجهين فيمن ضم المرأة إلى نفسه وبينهما حائل فأنزل، قال: وهو عندى كسبق الماء من المضمضة، قال: فإن ضاجعها متجردًا .... فهو كالمبالغة فيها.
وجزم المتولي بأنه لو قبلها فوق خمار فأنزل ... لا يفطر لعدم المباشرة، قال: ولو لمس شعرها فأنزل ففي بطلان صومه وجهان بناء ععلى انتقاض الوضء بلمسه.
ولو قبلها وفارقها ساعة ثم أنزل ... فالأصح: إن كانت الشهوة مستصحبة والذكر قائمًا حتي أنزل ... أفطر، وإلا ... فلا.
كل هذا في الواضح، أما الخنثي إذا باشر بشهوة وأمنى بأحد فرجيه، أو رأي الدم يومًا وليلة ... فإنه لا يفطر، وإن إجتمعا .... أفطر.
ولو قبل أو لمس فأمذى ... لم يفطر خلافًا لأحمد.
لنا: أنه خارج لا يوجب الغسل فكان كالبول.
قال: (لا الفكر والنظر بشهوة)؛ لأنه إنزال بغير مباشرة فأشبه الاحتلام.
فائدة:
(الفكر): إعمال الخاطر في الشئ، والجمع: فكر أفكار، ونقل ابن سيدة عن سيبويه: أن الفكر لا يجمع، وكذلك العلم والنظر، أشار بذلك إلى قوله في (باب جمع الجمع).
وَتُكْرَه القُبْلَة لِمَن حَرَّكتُ شَهْوتهُ،
أعلم أنه ليس كل جمع يجمع، كما أنه ليس كل مصدر يجمع كالأشغال والعقول والحلوم والألباب، ألا ترى أنك لا تجمع الفكر والعلم والنظر؟ كأنهم لا يجمعون كل اسم يقع على الجميع.
قال: (وتكره القبلة لمن حركت شهوته) شيخًا كان أو شابًا، رجلًا كان أو امرأة؛ (من حام حول الحمي
يوشك أن يقع فيه)، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا: أنه أرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب، وروي البيهقي (4/ 232) - بإسناد صحيح -عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في القبلة للشيخ وهو صائم، ونهى عنها الشاب وقال: (الشيخ يمك إربه، والشارب يفسد صوم)، ففهمنا من التعليل أنه دائر مع تحريك الشهوة.
والمراد بتحريك الشهوة: أن يصير بحيث يخاف معها الجماع أو الإنزال.
ويرى عن مالك: أنه فصل بين الشيخ والشاب، وروى ابن وهب عنه: أنه أباحها في النفل ومنعها في الفرض.
وأباحها أحمد مطلقًا؛ لما روى مسلم (1108) عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سل هذه) لأم سلمة، فأخبرته: أن النبي صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله؛ قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له).
وَالأُولى لَغَيْرهُ تَرَّكَها.
قَلَت: هِيَ كَراهَة تَحْرِيم ِفي الأَصَحّ، وَاللّاه أَعْلَمَ
وأفاد البيهقي والمصنف في (شرح المهذب) وغيرهما: أن عمر بن أبي سلمة هذا هو الحميري مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وليس باين أم سلمة رضى الله عنها وهو في (الموطأ) (1/ 291) بمعناه.
قال: (والأولى لغيره تركها) أي: لمن لم تحرك شهوته حسمًا للباب؛ إذ قد يظنها غير محركة وهى محركة، ولأن الصائم يستحب له ترك الشهوات مطلقًا، ولكنها لا تكره لضعف احتمال أدائها إلى الإنزال، وفي (الصحيحين) (خ1927 - م 1106) عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم وكان أملككم لإربه) استدل في (المهذب) بأن جابرًا رضي الله عنهما قال: (قبلت وأنا صائم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: قبلت وأنا صائم! فقال (أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم؟) هكذا ذكره.
والصواب: عن جابر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما؛ لأنه صاحب القصة، هكذا رواه أحمد (1/ 21) وأبو داوود (2377) والحاكم (1/ 431) وقال: على شرط البخاري، ولا عبرة بقول النسائي: إنه منكر.
وفي (البيهقي) (4/ 232) و (ابن عدي) (5/ 19) في ترجمة عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فرأيته لا ينظر إلي، فقلت: يا رسول الله؛ ما شأني؟ فالتفت إلي وقال: (ألست المقبل وأنت صائم؟ فوالذي نفسي بيده لا أقبل أمرأة وأنا صائم ما بقيت.
قال: (قلت: هى كراهة تحريم في الأصح والله أعلم)؛ لأنه يعرض الصوم
وَلا يُفْطَر بِالفَصْد وَالحِجامَة
لإفساده، وصحح هذا جماعة منهم: صاحبا (المهذب) و (التهذيب
)، وهي من الصغائر لا من الكبائر.
والثاني: أنها كراهة تنزيه.
ولو قبل ولم ينزل .... لم يبطل صومه قطعًا.
قلت: ينبغي اختصاص الحرمة بصوم الفرض، والكراهة بالتطوع؛ لأن الأصح: جواز الخروج من صوم التطوع، وهو لو جامع كان ما ذكرناه، فكيف يكون الجماع مكروهًا والقبلة محرمة؟!
وقال الشيخ: والذي أقوله: إن كان الحاصل مجرد تلذذ ... فلا وجه إلا القطع بالإباحة؛ لحديث (مسلم) و (الموطأ)، وإن كان الحاصل غلبة الظن بالإنزال أو الوقاع بذلك .... اتجه التحريم حفظًا من غير دليل .... فالأولى الاقتصار على الكراهة.
فائدة:
الصوم يمنع الجماع، وفي دواعيه التفصيل السابق، والحج يمنع الجماع ودواعيه، وكذلك العمرة، والحيض يمنعه دون دواعيه، والاعتكاف يمنعه وفي دواعيه قولان.
قال: (ولا يفطر بالفصد والحجامة) أنا الفصد .... فبلا خلاف، وأما الحجامة ... فهو قول أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم؛ لما روي البخاري (1938) عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أحمد: بالحجامة يفطر الحاجم والمحجوم، وبه قال جماعة من أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث، كأبن المنذر وابن خزيمة وأبي الوليد النيسابوري والحاكم؛ لما روى ابو داوود (2361) وغيره بأسانيد صحيحة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يحجم آخر في رمضان فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم).
وفي (الدارقطني) (2/ 182): أن المحجوم: جعفر بن أبي طالب.
وأجب الشافعي رضي الله عنه بأنه منسوخ بحديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ فإنه صح عنه بالإسناد الصحيح عن شداد بن أوس أنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم زمان الفتح، فرأى رجلًا يحتجم لثماني عشرة خلت من رمضان، فقال - وهو آخذ بيدي: (افطر الحاجم والمحجوم)، قال الشافعي رضي الله عنه: وابن عباس رضي الله عنهما إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم محرمًا في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، وكان الفتح سنة ثمان.
والأولى للصائم: ترك الفصد والحجامة؛ لأنهما يضعفانه، وخروجًا من الخلاف، وجزم الجرجاني بعدم كراهتهما.
فائدة:
روي ابن السني (166و 167) عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ آية الكرسي عند الحجامة ... كانت منفعة حجامته، وإذا طنت أذن أحدكم .... فليذكرني وليصل علي وليقل: ذكر الله بخير من ذكري).
وفي الحديث: (الحجامة علي الريق فيها شفاء وبركة، وتزيد في العقل وفي الحفظ، فمن احتجم .... فيوم الخميس أو الأحد كذباك، أو يوم الأثنين أو الثلاثاء؛ فإنه اليوم الذي كشف الله فيه عن أبواب البلاء وأصابة يوم الأربعاء، ولا يبدأ بأحد جام أو برص إلا في يوم الأربعاء) قوله: (كذباك) أي: عليك بهما.
وَالأحتياط أَن لا يَاكُل آخَر إِلّا بِيَقِين، وَيَحْلَ بِالاجْتِهاد ِفي الأَصَحّ، وَيُجَوِّز إِذا ظَنّ بَقاء اللَيْل.
قَلَت: وَكَذا لُو شَكَّ، وَاللّاه أَعْلَمَ
قال: (والأحتياط أن لا يأكل آخر النهار إلا بيقين)؛ ليأمن الغلط، والأصل بقاء النهار فيستحبه، وفي الحديث الصحيح: (دع ما يريبك إلى ما لا يبريبك)، واليقين أن يرى غروب الشمس.
ويجب إمساك جزء من اليل ليتحقق غروب الشمس، فإن حال بينه وبين رؤية الغروب حائل ... فبظهور الليل من المشرق.
ولو أخبره بغروبها عدلان .... كان كرؤيته .... ولو أخبره عدل واحد ... قال الروياني: لا يعتمد، بل لابد من عدلين كالشهادة على هلال شوال.
قال الشيخ: سيأتى أنه يحل الفطر بالأجتهاد في الأصح، وإخبار العدل أقوى من الاجتهاد، فكان بالاعتبار أولى، كما في القبلة ووقت الصلاة والأوان وغيرها، ويدل له ما روى ابن حبان (3510) والحاكم (1/ 343) عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم)، و (كان صلى الله عليه وسلم إذا كان صائمًا .... أمر رجلًا فأوفي على نشز، فإذا قال: قد غابت الشمس .... أفطر).
قال: (ويحل بالإجتهاد في الأصح)، كالقراءة والأوراد ونحوها قياسًا على أوقات الصلاة.
والثاني - وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني والقاضي أبو الطيب -: لا يجوز لقدرته علي اليقين بالصبر.
وعبر في (الروضة) بالصحيح، فاقتضي ضعف الخلاف، ويجب أن يكون موضع الوجهين فيمن أمكنه درك اليقين بذلك.
قال: (يوجوز إذا ظن بقاء الليل) أى: بالإجتهاد؛ لأن الأصل استمراره.
قال: (قلت: وكذا لو شك والله أعلم)؛ لأن الأصل بقاء الليل، وقال الله