وَوَاجِبُ الْوُقُوفِ: حُضُورُهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ مَارًّا فِي طَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ
وسميت مزدلفة من الازدلاف وهو: التقرب؛ لأن الحاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، ومن انتهى إليها قرب من منى.
وقيل: سميت بذلك لاجتماع الناس بها، ولذلك يقال لها: جمع، بفتح الجيم وسكون الميم.
وقيل: لاجتماع آدم وحواء.
وقيل: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين.
وحدها: ما بين وادي محسر ومأزمي عرفة، وليس الحدان منهما، وتدخل فيها تلك الشعاب والجبال الداخلة في حدها.
ومزدلفة كلها من الحرم.
قال: (وواجب الوقوف: حضور بجزء من أرض عرفات)، وإن كان مارًا في طلب آبق ونحوه).
أما وجوب الوقوف .. فلقوله صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر .. فقد أدرك الحج) رواه الأربعة بأسانيد صحيحة.
وأما الاكتفاء بأي جزء كان منها .. فلقوله صلى الله عليه وسلم: (عرفة كلها موقف) رواه مسلم [1218/ 149] عن جابر رضي الله عنه.
وأشار بقوله (مارًا) إلى أنه لا يشترط المكث وهو الصحيح، وبقوله: (في طلب آبق ونحوه) إلى أن صرفه إلى جهة أخرى لا يقدح.
وعلم منه أنه لا فرق بين العالم بالمكان وباليوم وبين غيره، وهو كذلك على الصحيح.
بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لَا مُغْمَىً عَلَيْهِ، وَلَا بَاسَ بِالنَّوْمِ.
وَوَقْتُ الْوُقُوفِ: مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ،
قال: (بشرط كونه أهلًا للعبادة) أي: فيمن أحرم بنفسه (لا مغمًى عليه)؛ لعدم أهليته للعبادة، ولهذا لا يجزئه الصوم إذا أغمي عليه جميع النهار.
وقد صحح الرافعي في (الشرحين) أيضًا عدم الإجزاء على وفق (المحرر)، وسها المصنف فصحح في (أصل الروضة (: أنه يجزئه، ثم استدرك عليه فصحح عدم الإجزاء، ولهذا نقل الشيخ كمال الدين النشائي عن والده الشيخ عز الدين: أنه كان ينهى طلبته عن عزو النقل للرافعي من (الروضة)، ويقول: إنه لا يحل.
والسكران كالمغمى عليه، وقيل: إن تعدى بسكره .. لم يصح، وإلا .. فيصح.
ومن الحكم على المغمى عليه بعدم الإجزاء يعلم أن المجنون أولى بذلك.
والمراد بعدم الإجزاء: أنه لا يقع فرضًا.
قال المتولي: وإذا وقف مجنونًا .. يقع حجه نفلًا، والحكم في المغمى عليه كذلك من باب أولى، لكن كلام الشافعي رضي الله عنه صريح في خلاف ذلك؛ فإنه قال: فاته الحج وكان كمن لم يدخلها، وكذلك عبر صاحب (التنبيه).
والفرق بين حجهما وحج الصبي –حيث أثيب الصبي على فعله-: أن الصبي دخل في الحج ليكون تطوعًا، ولا كذلك المغمى عليه والمجنون، بل دخلا ليكون فرضًا فبطل فألغي اعتباره جملة، وفيه نظر لا يخفى.
قال: (ولا بأس بالنوم) أي: المستغرق لحضوره، فإذا دخلها قبل الوقوف ونام حتى خرج الوقت يجزئه ذلك كالصائم إذا نام جميع اليوم، وكذلك من حضرها ولم يعلم أنها عرفة، وفي الجميع وجه بناء على أنه يجب إفراد كل ركن بالنية.
واتفق الأصحاب على أن الجنون إذا تخلل بين الإحرام والوقوف، أو بينه وبين الطواف، أو بين الطواف والوقوف وكان عاقلًا في حال الأركان .. لا يضر، بل يصح حجه ويقع عن حجة الإسلام.
قال: (ووقت الوقوف: من الزوال يوم عرفة)؛ اتباعًا لفعله صلى الله عليه
وَالصَّحِيحُ: بَقَاؤُهُ إِلَى الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ .. أَرَاقَ دَمًا اسْتِحْبابًا، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ،
وسلم وعمل الناس في كل عصر، وبهذا قال كافة العلماء.
وقال أحمد: يدخل وقته بطلوع الفجر؛ لحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه المتقدم في أول (باب المواقيت)، وحمله الأصحاب على ما بعد الزوال.
وفي وجه: يدخل وقته بعد الزوال بمقدار صلاة ركعتين وخطبتين كما تقدم في وقت الأضحية، وهو متجه اعتبارًا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، والقول بالزوال خارج عن الدليلين القولي والفعلي.
قال: (والصحيح: بقاؤه إلى الفجر يوم النحر)؛ لحديث عروة رضي الله عنه السابق.
والوجه الثاني: يخرج بغروب الشمس.
والثالث: إن أحرم نهارًا .. جاز الوقوف ليلًا، وإلا .. فلا.
وكان ينبغي للمصنف أن يعبر بـ (المذهب)؛ فإنهما طريقان، والعجب أن عبارة (المحرر): والمذهب: أنه يمتد إلى طلوع الفجر يوم النحر.
قال: (ولو وقف نهارًا ثم فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد .. أراق دمًا استحبابًا)؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (فقد تم حجه) وما ذكره من الاستحباب هو الصحيح.
قال: (وفي قول: يجب)؛ لأنه ترك نسك، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (من ترك نسكًا .. فعليه دم) وصححه ابن الصلاح.
وأصل الخلاف: أنه هل يجب الجمع بين الليل والنهار أو هو سنة؟
وَإِنْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ .. فَلَا دَمَ، وَكَذَا إِنْ عَادَ لَيْلًا فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الْعَاشِرَ غَلَطًا .. أَجْزَأَهُمْ،
وقال مالك: المعتمد في الوقوف الليل، فإن لم يدرك شيئًا منه .. فقد فاته الحج، وهو رواية عن أحمد.
ووقع في (الكفاية): أن المصنف صحح هذا القول، والمصحح في كتبه كلها الاستحباب.
ومن الأصحاب من قطع بالاستحباب.
ومنهم من قال: إن أفاض وحده .. لزمه، وإلا .. فقولان، فتلخص ثلاث طرق: أصحهما: ما في الكتاب.
قال: (وإن عاد فكان بها عند الغروب .. فلا دم)؛ لأنه فعل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا خلاف فيه.
قال: (وكذا إن عاد ليلًا في الأصح)؛ لجمعه بينهما.
والثاني: يجب؛ لأن الوارد هو الجمع بين آخر النهار وأول الليل.
قال: (ولو وقفوا اليوم العاشر غلطًا .. أجزأهم) باتفاق العلماء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه) رواه أبو داوود [سيل 149] مرسلًا، وغيره مرفوعًا.
ولأنه لا يؤمن وقوع مثله في القضاء، سواء بان لهم الحال بعد العاشر أو بعد الزوال.
فلو تبين فيه قبل الزوال فوقفوا عالمين .. فقال البغوي: المذهب: أنه لا يحسب.
قال الرافعي: وعامة الأصحاب على خلافه، وصحح في (شرح المهذب) مقالة الرافعي.
وصور الرافعي مسألة الكتاب بما إذا غم هلال الحجة فأكملوا عدة القعدة ثلاثين، ثم قامت البينة إما بعد وقوفهم أو في أثناء ليلة النحر على زعمهم.
إِلَّا أَنْ يَقِلُّوا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فَيَقْضُونَ فِي الأَصَحِّ.
وَإِنْ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ وَعَلِمُوا قَبْلَ فَوْتَ الْوَقْتِ .. وَجَبَ الْوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ عَلِمُوا بَعْدَهُ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ
وفي إطلاق الغلط على هذا التصوير نظر؛ لأن هذا جهل لا غلط.
قال: (إلا أن يقلوا على خلاف العادة فيقضون في الأصح)؛ لانتفاء المشقة العامة.
والثاني: لا؛ لأنهم لا يأمنون مثله في القضاء.
قال: (وإن وقفوا في الثامن وعلموا قبل فوت الوقت .. وجب الوقوف في الوقت) تداركًا لما سلف.
قال: (وإن علموا بعده .. وجب القضاء في الأصح) أي: في عام آخر وفرق الأكثرون بوجهين:
أحدهما: أن تأخير العبادة أقرب إلى الاحتساب من تقديمها.
والثاني: أن الغلط بالتقديم يمكن الاحتراز عنه؛ فإنه إنما يقع لغلط في الحساب، أو لخلل في الشهود الذين شهدوا بتقديم الهلال.
والثاني: لا يلزمهم كالغلط في العاشر.
تتمة:
علل في (الوسيط) وجوب القضاء في الثامن بأن ذلك نادر لا يتفق إلا بتوارد شهادتين كاذبتين في شهرين، والمراد من سنتين سنة الأداء وسنة القضاء، وقد أطال في تقريره ابن الصلاح في (مشكلة).
وأشعر كلام المصنف بأنهم لو غلطوا في المكان أو بيومين تقديمًا أو تأخيرًا .. لم يصح حجهم بحال، وهو الذي قطع به الرافعي والجمهور.
ولو شهد واحد أو عدد برؤية هلال الحجة فردت شهادتهم .. لزم الشهود الوقوف في التاسع عندهم وإن كان الناس يقفون بعده.
فَصْلٌ:
وَيَبِيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ وَعَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي .. أَرَاقَ دَمًا،
وإذا غلطوا في المكان فوقفوا بغير عرفات .. لا يجزئهم قطعًا.
قال: (
فصل
:
ويبيتون بمزدلفة) اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد: يمكثون في بقعة منها على أي حالة كانت.
ويستحب الاغتسال بها بعد نصف الليل للعيد وللوقوف بها ولما فيها من الاجتماع، ومن عجز عن الماء .. تيمم.
قال: (ومن دفع منها بعد نصف الليل) أي: ولم يعد (أو قبله وعاد قبل الفجر .. فلا شيء عليه) سواء كان بعذر أم بغيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم النساء والضعفة بعد نصف الليل.
قال: (ومن لم يكن بها في النصف الثاني .. أراق دمًا) هذا والذي قبله ينبني على معرفة المقدار الذي يحصل به مبيت مزدلفة، وفيه أربعة أقوال:
أظهرها: معظم الليل، كما لو حلف لا يبيت في موضع .. فإنه لا يحنث إلا أن يقيم فيه المعظم.
والثاني: يحصل بلحظة من النصف الثاني، وصححه المصنف.
والثالث: بساعة بين نصف الليل وطلوع الشمس.
وَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ.
وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى مِنَىً،
.
والرابع: العبرة بالحضور حال طلوع الفجر.
ثم اختلفوا في وجوب هذا المبيت على طرق ينبني عليها حكم إراقة الدم، هل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب:
أحدها: يجب قطعًا.
والثاني: يستحب قطعًا.
والأظهر: أنه على القولين فيمن دفع من عرفة قبل الغروب، فلذلك قال المصنف: (وفي وجوبه القولان).
لكن هذا يقتضي: أن يكون الصحيح عند الرافعي عدم وجوب الدم، وعدم وجوب المبيت بمزدلفة كما تقدم، والمصنف صحح خلافه، وهو المنصوص في (الأم)، فهو الصحيح من جهة المذهب، ولم ينبه المصنف عليه هنا.
ومحل القولين: إذا لم يكن عذرًا، أما المعذور بما سيأتي في مبيت منًى .. فلا دم عليه، وكذلك من انتهى إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بمزدلفة .. فلا شيء عليه باتفاق الأصحاب.
وفي وجه: أن المبيت بمزدلفة ركن لا يصح الحج إلا به، قاله ابن بنت الشافعي وابن خزيمة، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه؛ لأن الأصل في كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من شأن الحج أن يكون ركنًا، ما لم يقم دليل على أنه يجبر بالدم أو على كونه سنة.
وفي (مسند أبي يعلى الموصلي) [946]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن لم يدرك جمعًا .. فلا حج له)، وحمله على نفي الكمال بعيد.
والجواب: أنه صرفنا عن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم بعض أهله قبل الفجر، فلو كان ركنًا .. لم يختلف في حق المعذور وغيره كسائر الأركان؛ فإن المعذور إنما يفارق غيره في الواجب أو السنة لا في الأركان.
قال: (ويسن تقديم النساء والضعفة بعد نصف الليل إلى منًى) ليرموا الجمرة قبل زحمة الناس؛ لأن سودة رضي الله عنها استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
وَيَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ إِلَى مِنَىً وَيَاخُذُونَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَصَى الرَّمْيِ،
ذلك –وكانت امرأة ثقيلة- فأذن لها، وكانت عائشة رضي الله عنها لا تفيض إلا مع الإمام وتقول: (وددت لو كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في الضعفة من جمع بليل) كل هذا في (الصحيحين) [خ 1678 - م 1293].
قال الشيخ: وهذا يدل على أن التقديم لهم رخصة لا سنة.
قال: (ويبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مغلسين، ثم يدفعون إلى منًى)؛ لما روى الشيخان [خ 1683 - م 1289] عن ابن مسعود رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) يعني قبل ميقاتها المعتاد في باقي الأيام، والسبب في ذلك اتساع الوقت لما بين أيديهم؛ فإن عليهم في ذلك اليوم أعمالًا كثيرة.
ومراد المصنف: أن التغليس بها أشد استحبابًا إذا تحقق طلوع الفجر، فإن استحباب التغليس ثابت في جميع الأيام، ففي (الصحيحين) [خ 872 - م 645]: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الصبح بغلس).
وقال ابن حزم: فرض على الرجال صلاة الصبح مع الإمام بمزدلفة، فمن لم يفعل ذلك .. فلا حج له.
قال: (ويأخذون من مزدلفة حصى الرمي)؛ ليكونوا متأهبين للرمي، ولأن به جبلًا في أحجاره لين، هكذا استدل به الأصحاب، ولم يرد في شيء من الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلقط الحصى من مزدلفة، إنما أمر بلقطها من أواخر منًى عن وادي محسر.
ففي (سنن النسائي) [5/ 269] والبيهقي [5/ 127] بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه وسلم قال للفضل بن العباس رضي الله عنهما غداة النحر: (التقط لي حصيات مثل حصى الخذف) فالتقطها له, فلما وضعت في يده .. قال: (بمصل هذ فارموا).
ولأن السنة: إذا أتى منى أن لا يعرج على غير الرمي, فاستحب أن تكون معه حتى لا يشتغل عنه.
و (الخذف) في الحديث بالخاء والذال المعجمتين.
وقوله: (يأخذون): الجملة معطوفة على قوله أول الفصل: (ويبيتون) لا على قوله: (يدفعون)؛ لأن الثاني يلزم منه قصر الاستحباب على غير الضعفة والنساء وهو يعمهم.
ويلزم أن يكون استحباب الأخذ منها في النهار, والجمهور على استحبابه ليلًا, إلا أن البغوي قال: يأخذها بعد صلاة الصبح, وهو منصوص (الأم) و (الإملاء) , وصريح رواية مسلم وابن حبان.
والصحيح: أنه يأخذ سبع حصيات فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الفضل رضي الله عنه أن يلتقط له حصيات, وهي جمع قلة.
وقيل: يأخذ سبعين حصاة لجميع الرمي, وبه جزم في (التنبيه (, وأقره عليه في (تصحيحه (, وهو ظاهر عبارة المصنف.
فائدة:
قال الجوهري: الحصاة واحدة الحصى, والجمع: حصيات, مثل: بقرة وبقرات, وحصاة المسك: قطعة صلبة توجد في فأرته, وفلان ذو حصاة, أي ذو عقل ولب, قال كعب بن سعد الغنوي [من الطويل]:
وأعلم ليس بالظن أنه .... إذا مولى المرء فهو ذليل
وأن لسان المرء ما لم تكن له .... حصاة على عوراته لدليل
فَإِذَا بَلَغُوا المَشعَرَ الحَرَامَ .. وَقَفُوا وَدَعَوا إلَى الإسفَاِر,
ويجوز أخذ الحصا من غير مزدلفة, ولكن يكره من المسجد والحش ومن الحل والمرمى.
وينبغي تجريم أخذه من المسجد إن كان جزءًا منه, أو للمسجد به نفع.
وفي (شرح المهذب (: الجزم بتحريم إخراج الحصى من المسجد؛ لما روى أبو داوود [461] بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الحصاة لتناشد مخرجها من المسجد (.
وقد صحح المصنف: أنه لا يجوز التيمم بتراب المجد.
ويندب غسل الحصى؛ لما روي: أن عائشة رضي لله عنها كانت تغسل جمار رسول الله صلى الله عليه وسلم, وخالف في ذلك ابن المنذر وعطاء والثوري ومالك؛ لأن الغسل مع الطهارة يحتاج إلى دليل.
ويندب التقاطها لا تكسيرها.
قال: (فإذا بلغوا المشعر الحرام .. وقفوا ودعوا إلى الاستغفار)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾.
وروى مسلم [1218] عن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام, واستقبل القبلة ودعا الله عز وجل وكبر وهلل ووحد, ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا).
وهذا الوقوف مستحب.
ولو وقف في موضع آخر من المزدلفة .. تأدي أصل السنة, وكذلك لو مر ولم يقف.
و (المشعر) بفتح الميم على المشهور, و (الحرام) معناه: المحرم, سمي مشعرًا لما فيه من الشعائر, أي: معالم الدين, وهو عند الفقهاء: جبل صغير آخر المزدلفة يقال له: قزح القاف وبالزاي المعجمة.
ثُمَّ يَسِيُرونَ
ويستحب أن يقول فيه: اللهم؛ كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوقفنا فيه وأريتنا إياه فوقفنا لذكرك كما هديتنا, واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك –وقولك الحق-: ﴿فَإذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ اللهم؛ هذا جمع, أسألك أن ترزقني جوامع الخير كله إنك على كل شيء قدير, وأسألك الخير كله عاجله وآجله, اللهم؛ هذا المشعر الحرام فأعتقني وأوسع علي من رزقك الحلال.
قال: (ثم يسيرون) وعليهم السكينة, وشعارهم التلبية والذكر, فإذا وجدوا فرجة .. أسرعوا, وإذا بلغوا وادي محسر .. أسرع الماشي وحرك الراكب دابته, وذلك قدر رمية حجر حتى يقطعوا الوادي اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه حين أتى بطن محسر حرك قليلًا.
وقيل: الماشي لا يسرع بخلاف الراكب, فلو ترك هذا الإسراع .. كره, وكان عمر وابنه رضي الله عنهما يسرعان في هذا المكان ويقولان [من الرجز]:
إليك تعدوا قلقًا وضينها ... مخالفًا دين النصارى دينها
معترضًا في بطنها جنينها ... قد ذهب الشحم الذي يزينها
رواه الطبري وغيره.
قال القاضي حسين: فيندب أن يقول هذا هناك.
وأصله: أن النصارى كانت تقف هناك فنسرع نحن مخالفة لهم.
وقيل: كانت الجاهلية تقف فيه وتتفاخر.
وقال شيخنا: إنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل .. فاستحب فيه الإسراع كما أمر المار بديار ثمود ونحوهم بذلك.
فَيَصِلُونَ مِنَى بَعدَ طُلُوعِ الشَّمسِ, فَيَرمِي كُلُّ شَخصٍ حِينَئِذٍ سَبعَ حَصَيَاتٍ إلَى جَمرَةِ العَقَبةِ, .
ويكره تأخير السير حتى تطلع الشمس.
و (وادي محسر) بين مزدلفة ومنى, ليس من واحد منهما سمي محسرًا؛ لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه, أي: أعيى.
قال: (فيصلون منى بعد طلوع الشمس, فيرمي كل شخص حينئذ) أي: حين وصوله (سبع حصيات إلى جمرة العقبة)؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك فعل, وهذه تحية منى فلا يبدأ فيها بغيرها, ولا ينزل الراكب حتى يرمي, وإلى ذلك أشار بقوله: (فيرمي).
والسنة: أن يستبطن الوادي ويجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل الجمرة.
وقيل: يقف مستقبل الكعبة والجمرة عن يمينه, كذا رواه الترمذي [901] والنسائي [5/ 273] من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
والصحيح الذي فعله صلى الله عليه وسلم: الأول, وفعل ابن مسعود رضي الله عنه ذلك وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه (سورة البقرة) , متفق عليه [خ 1749_ م 1296].
وخص (سورة البقرة)؛ لأنها اشتملت على معظم أعمال الحج.
وجمرة العقبة ليست من منى, بل هي حد منى من الجانب الغربي, وتسمى الجمرة الكبرى.
قال الماوردي: ويستدام وقت الفضيلة إلى الزوال.
وسميت جمرة قيل: لاجتماع الناس بها, يقال: جمر بنو فلان إذا اجتمعوا.
وقيل: لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما عرض له الشيطان بها .. حصبه فجمر بين يديه, أي: أسرع.
وَيقطَعُ التَّلبِيَةَ عِندَ ابتِدَاءِ الرَّميِ, وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلَّ حَصَاةِ, ثُمَّ بَذبَحُ مَن مَعَهُ هَديٌ, ....
وقيل: لأنها تجمر بالحصا, والعرب تسمي الحصا الصغار: جمارًا.
وجمرة العقبة مرتفعة قليلًا في حضيض الجبل.
قال الشافعي رضي الله عنه: الجمرة مجتمع الحصا لا ما سال منه, فمن رمى في المجتمع .. أجزأه, وإن رمى في السائل .. فلا.
وهذا الرمي واجب, بلا خلاف وليس بركن خلافًا لعبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك, وأجمعوا على أنه لا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة.
قال: (ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي)؛ لأنه شرع في أسباب التحلل, ولأنه عليه الصلاة والسلام لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة, رواه مسلم [1281].
وكذلك يستحب للمعتمر قطع التلبية بشروعه في الطواف.
ولو خالف الأولى فطاف للإفاضة, أو حلق قبل الرمي .. قطع التلبية بشروعه فيما ابتدأ به, ولو قطع التلبية قبل الرمي وكبر واستدامها إلى بعد الرمي .. كره, ولا شيء عليه.
وعن القفال: أنه يمزج التلبية بالتكبير من مزدلفة في ممره, فإذا شرع الرمي .. محض التكبير.
قال: (ويكبر مع كل حصاة)؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه جابر رضي الله عنه في حديثه الطويل فيقول: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر, لا إله إلا الله, والله أكبر, ولله الحمد (.
ولا يقف عند هذه الجمرة للدعاء.
ويندب أن يرفع يده إلى أن يرى بياض إبطه, وأن يرمي بيده اليمنى.
قال: (ثم يذبح من معه هدي)؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ يعني: نحر الهدي.
ثٌمَّ يَحلِقُ أَو يُقَصِّرُ, وَالَحلقُ أَفضَلُ,
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الرمي .. نصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بدنة, ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر, ثم أفاض إلى البيت, هكذا رواه مسلم [1218] عن جابر رضي الله عنه.
ويستحب أن يأكل من كبدها إن كانت تطوعًا قبل أن يمضي إلى طواف الإفاضة.
ثم الهدي ما يهدى إلى الحرم من الحيوان أو غيره, والمراد به هنا: ما يجزئ في الأضحية, وهو سنة غفل الناس عنها.
والأفضل أن يكون هدي الحاج والمعتمر معهما من الميقات, مشعرًا مقلدًا اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم, وسيأتي في (باب النذر) حكم الهدي وصفته وإشعاره وتقليده, وحكم الأكل منه وغير ذلك.
قال: (ثم يحلق أو يقصر)؛ لما روى جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يحلقوا أو يقصروأ).
قال: (والحق أفضل) بالإجماع, وصح: أنه صلى الله عليه وسلم حلق رأسه المقدس, وقسم شعره فأعطى نصفه الناس الشعرة والشعرتين, وأعطى نصفه الباقي كله أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه, وإنما خصه بذلك؛ لأنه ستر النبي صلى الله عليه وسلم بترسه يوم أحد من النبل, وكان يتطاول بصدره ليقيه ويقول: نحري دون نحرك, ونفسي دون نفسك.
والذي حلق رأسه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية خراش بن أمية الخزاعي رضي الله عنه, والذي حلق له في حجة الوداع معمر بن عبد الله العدوي رضي الله عنه, وصح أنه دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة.
قال السهيلي: ولم يقصر يومئذ إلا رجلان عثمان وأبو قتاده الأنصاري رضي الله
وَتُقَصِّرُ المَرأَةُ
عنهما, وإنما يفضل الحلق في الحج, أما العمرة: فنص الشافعي رضي الله عنه في (الإملاء) على أنه قدم مكة بزمن لو حلق حمم رأسه حتى يأتي عليه يوم النحر وله شعر يحلق .. استحب له الحلق, وإلا .. فلا, ولهذا قال في (شرح مسلم): يستحب للمتع التقصير في العمرة, والحلق في الحج.
فروع:
يستحب للمحرم أن لا يشارط على حلاق رأسه, وأن يبلغ بالحلق إلى العظمين من الأصداغ, وأن يكبر عنده إلى أن يفرغ منه.
ويسن للمحرم وغيره أن يبدأ بالشق الأيمن من أوله إلى آخره, ثم الأيسر, وأن يستقبل المحلوق القبلة.
وفي (مثير العزم الساكن) عن بعض الأئمة أنه قال: أخطأت في حلق رأسي في خمسة أحكام علمنيها حجام, وذلك أني أتيت إلى حجام بمنى فقلت له: بكم تحلق رأسي؟ فقال: أعراقي أنت؟ قلت: نعم, قال: النسك لا يشارط عليه, اجلس, قال: كبر كبر, فكبرت, فلما فرغت قمت لأذهب .. فقال لي: صل ركعتين ثم امض, قلت له: من أين لك ما أمرتني به؟ قال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعله.
ويسن أن يقول بعد الحلق: اللهم آتني بكل شعرة حسنة, وامح بها عني سيئة, وارفع لي بها درجة, واغفر لي وللمحلقين والمقصرين ولجميع المسلمين.
وأن يتطيب ويلبس.
قال: (وتقصر المرأة) ولا تؤمر بالحلق بالإجماع؛ لأنه في حقها مثلة, فإن حلقت .. أجزأها مع الكراهة.
وَالحَلقُ نُسُكٌ عَلَى المَشهُورِ,
وقال القضاة أبو الطيب والحسين والعبادي: لا يجوز لها الحلق؛ لأنه تشبه بالرجال, وينبغي الجزم به حيث كانت أمة أو متزوجة لم يؤذن لها فيه, ولا يصح نذرها الحلق قطعًا.
ويندب أن يكون قدر أنملة من جميع الرأس, والخنثى فيه كالمرأة.
قال: (والحلق نسك على المشهور) وكذلك التقصير, سواء في ذلك الحج والعمرة, فيثاب عليه, وبهذا قال الأئمة الثلاثة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله المحلقين).
وسئل عن تقديمه على الرمي والطواف وتأخيره فقال: (افعل ولا حرج).
والثاني: أنه استباحة محظور كسائر محرمات الإحرام لا ثواب فيه؛ لأنه محرم في الإحرام فلم يكن نسكًا كلبس المخيط, واختاره القاضي أبو الطيب.
وقال الماوردي: إنه الأقيس.
وقال أبو يوسف: إنه سنة.
فعلى الأول: الأصح: أنه ركن لا يصح الحج ولا العمرة إلا به, ولا يجبر بالدم كبقية الأركان, حتى لو كان برأسه علة لا يتأتى معها .. صبر إلى الإمكان ولا يفدي.
وقضية كلام الداركي: أنه واجب يجبر بالدم.
وفي (الإقليد) عن (تعليق الشيخ أبي حامد): أنه ركن في العمرة وواجب في الحج, وتبعه تلميذه سليم على ذلك.
فتخلص في الحلق خمسة آراء: ركن, وقيل: واجب, وقيل: واجب في العمرة دون الحج, وقيل: سنة, وقيل: مباح.
وَأقَلُهُ: ثَلاَثُ شَعَرَاتٍ, حَلقًا أو تَقصِيرًا أو نَتفًا أو إحرَاقًا أَو قَصًّا,
قال: (وأقله: ثلاث شعرات)؛ لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ﴾.
المراد: شعر رؤوسكم؛ لأن الرأس لا يحلق.
و (الشعر) جمع؛ وأقله: ثلاثة, كذا استدلوا به, وفيه نظر؛ لأن الجمع إذا كان مضافًا .. عم, وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يؤيد العموم, فلذلك قال مالك وأحمد: يجب الأكثر, وقال أبو حنيفة: الربع, وقال أبو يوسف: النصف, وأجمعوا على أنه لا يجب استيعابه.
وقال في (شرح المهذب) و (المناسك): إنه لا فرق في الشعرات بين أن يأخذها متواليًا أو في دفعات.
وخالف في (الروضة) فصحح القطع بعدم تأدي المسك به.
قال: (حلقًا أو تقصيرًا أو نتفًا أو إحراقًا أو قصًا)؛ لآن المقصود إزالة الشعر, وكل من هذه طريق إليها, ولا بد أن يكون من شعر الرأس, فلا يقوم مقامه شعر اللحية, ولا غيرها من شعور البدن بلا خلاف وإن استوى الجميع في وجوب الفدية.
ويجوز مما يحاذى الرأس قطعًا, وكذا مما استرسل على الأصح, بخلاف المسح؛ فإنه منوط بنفس الرأس وهذا بالشعر.
مهمة:
قال الشيخان: إنما يقوم غير الحلق مقام الحلق إذا لم ينذر الحلق, فإن نذره .. لم يقم غيره مقامه.
والمراد: أنه إذا أزيل بذلك .. بقي الحلق في ذمته حتى يتعلق بالشعر المستخلف كما لو نذر الحج ماشيًا فركب.
وفي (الروضة): أن الحلق يلزم بالنذر وإن قلنا: إنه ليس بنسك, وهو
وَمَن لاَ شَعرَ بِرَأسِهِ .. يُستَحَبُّ إِمرَارُ المُوسَى عَلَيهِ.
فَإذَا حَلّقَ أَو قَصَّرَ .. دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ طَواَفَ الرُّكنِ
مشكل؛ لأن المصنف جازم بأنه على هذا القول لا ثواب فيه, وإذا لم يثب عليه .. كيف يلزم بالنذر مع اتفاقهم على أن النذر لا يصح إلا في قربة؟! فالصواب: إما أن تقول باستحبابه ولزومه بالنذر, أو بإباحته وعدم لزومه, وأما الجمع بين الإباحة واللزوم .. فغير معقول.
قال: (ومن لا شعر برأسه .. يستحب إمرار الموسى عليه) سواء كان له شعر وحلقه أم لم يكن له أصلًا؛ لأنه فرض تعلق بجزء من الآدمي فسقط بفوات ذلك الجزء كغسل اليد في الوضوء, وأوجب أبو حنيفة إمراره, وقال داوود لا يستحب, وهو محجوج بالإجماع.
و (الموسى) من آلة الحديد, بألف في آخره, يذكر ويؤنث.
فروع:
إذا كان في بعض رأسه شعر .. الظاهر أنه يستحب إمرار الموسى على الباقي وفاء بالتشبيه بالحالقين.
وقال المتولي: يستحب أن يأخذ من الشعور التي يؤمر بإزالتها للفطرة كالشارب والإبط والعانة؛ لئلا يخلي نسكه من حلق.
ولو كان على رأسه شعرة أو شعرتان .. لزمه إزالة ذلك قطعًا.
قال ابن المنذر: وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه .. قلم أظفاره, وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعله.
قال: (فإذا حلق أو قصر .. دخل مكة وطاف طواف الركن)؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾.
(التفث) هنا: الرمي, و (النذور): الذبائح.
وَسَعَى إن لَم يَكُن سَعَى, ثُمَّ يَعُودُ إلَى مِنَىً
وأجمعت الأمة على أن الطواف ركن, وهذا الطواف يقال له: طواف الإفاضة وكواف الركن وطواف الوداع.
والأفضل: أن يرمي بعد ارتفاع الشمس قدر رمح, ثم ينحر, ثم يحلق, ثم يطوف ضحوة.
وقيل: الأفضل أن يمكث بمنى حتى يصلي بها الظهر مع الإمام ويشهد الخطبة, ثم يفيض إلى مكة فيطوف؛ لظاهر حديث جابر وعائشة رضي الله عنهما.
وفي وجه ثالث: إن كان في الصيف .. عجل, وإن كان في الشتاء .. أخر إلى بعد الزوال, وهذه الخطبة تكون يوم النحر والرمي والإفاضة ورمي أيام التشريق وحكم المبيت والرخصة للمعذورين.
واتفق الشافعي رضي الله عنه والأصحاب على أنها تكون بعد صلاة الظهر.
قال: (وسعى إن لم يكن سعى)؛ لأنه ركن من أركان الحج يشترط أن يفعل بعد طواف, ولم يتفق في الحج طواف يفعل بعد تمام التحلل غيره.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسع قبه؛ لأنه سعى مع طواف القدوم, فلو سعى .. كان مكروهًا عند الشيخ أبي محمد وولده, ولو لم يأت به وأتى بالمناسك التي بمنى .. اعتد بها وبقي عليه السعي.
قال: (ثم يعود إلى منى) والمستحب أن يعود قبل صلاة الظهر فيصليها بمنى ويشهد الخطبة؛ لما روى مسلم [1308] عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى) وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعله.
وروي أيضًا عن جابر رضي الله عنه: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة).
وَهَذَا الرَّميُ وَالذَّبحُ والحَلقُ يُسَنُّ تَرتيُبهَا كَمَا ذَكَرنَا, وَيَدخُلُ وَقتُهَا بِنِصفِ لَيلَةِ النَّحرِ,
وفي (سنن أبي داوود) [1993] عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم: (أنه عليه الصلاة والسلام أخر طواف يوم النحر إلى الليل).
قال ابن حزم: وهذا الذي أشكل علينا من صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم.
وجمع المصنف والحافظ المنذري بينها بأنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر بمكة, ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى إمامًا بأصحابه كما صلى بهم في بطن نخل مرتين, فروى جابر رضي الله عنه صلاته بمكة, وابن عمر رضي الله عنهما صلاته بمنى, وهما صادقان.
وأما حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم .. فمحمول على أنه أخر طواف نسائه وذهب معهم.
قال: (وهذا الرمي والذبح والحلق والطواف يسن ترتيبها كما ذكرنا)؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (افعل ولا حرج).
وقيل: يمتنع تقديم الحلق على الرمي والطواف معًا, ومن حلق قبل الرمي والطواف وقلنا: الحلق استباحة محظور .. لزمه الفدية على الصحيح.
قال: (ويدخل وقتها) أي: الأعمال المذكورة (بنصف ليلة النحر)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أم سلمة رضي الله عنها يوم النحر فرمت قبل الفجر ثم أفاضت, وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها.
وقيس الطواف والحلق على الرمي؛ لاشتراكهما في كونهما من أسباب التحلل, وبقولنا قال أحمد.
وَيبقَى وَقتُ الرَّميِ إلَى آخِرِ يَومِ النَّحرِ.
وَلاَ يَختَصُّ الذَّبحُ بِزَمَنٍ.
قُلتُ: الصَّحِيحُ: اخِتصَاصُهُ بِوَقتِ الأُضحِيَةِ, وَسَيَأتِي فِي آخِرِ بَابٍ مُحَرَّمَاتِ الإحرَامِ عَلَى الصَّوَابِ, واللُه أعلَمُ
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يدخل إلا بطلوع الفجر.
ولا يخفى أن جواز هذه الأشياء في هذا الوقت مشروط بتقديم الوقوف عليها, فإن فعلها بعد انتصاف الليل ثم وقف .. وجب عليه إعادتها, كل هذا في غير الذبح, أما الذبح .. فسيأتي: أنه لا يدخل إلا بوقت الأضحية.
قال: (ويبقى وقت الرمي إلى آخر يوم النحر)؛ لما روى البخاري [1723] عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني رميت بعدما أمسيت, قال: (لا حرج).
و (المساء): يطلق على ما بعد الزوال.
وقيل: يمتد الوقت تلك الليلة إلى الفجر, وصححه المصنف في (المناسك) عند الكلام على رمي التشريق.
قال: (ولا يختص الذبح بزمن.
قلت: الصحيح: اختصاصه بوقت الأضحية, وسيأتي في آخر باب محرمات الإحرام على الصواب والله أعلم) , كذا قال المصنف في (الروضة) و (شرح المهذب) , ومقصوده بهذا: أن الرافعي ذكر هنا أن ذبح الهدي لا يختص بزمان, لكن يختص بالحرم عكس الضحايا, وصحح في آخر (باب محرمات الإحرام) أنها تختص, وهو عكس ما ذكره هنا.
والجواب: أن مراد الرافعي هنا دم الجيران والمحظورات؛ فإنه لا يختص بزمان كوفاء الديون.
وأما ما يساق من هدي تقربًا إلى الله تعالى .. فإنه يختص بوقت الأضحية على الصحيح, وسيأتي هذا أيضًا في تتمة (باب محرمات الإحرام).
نعم؛ الاعتراض وارد على الرافعي من جهة أنه أطلق ذكر الهدي هنا, ولم بخصه
وَالحَلقُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعيُ لاَ آخِرَ لِوَقتِهَا
بواجب ولا غيره, ولسم الهدي يقع على الجميع.
قال: (والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها)؛ لأن الأصل عدم التأقيت فيجوز تأخير الحلق ما شاء الله, ويجوز تأخير الطواف سنين كثيرة – لكن يكره تأخيره عن يوم النحر, وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة, وخروجه من مكة بلا طواف أشد كراهة.
وفي (التتمة): أنه إذا أخره عن أيام التشريق .. فصار قضاء.
قال الرافعي: ومقتضى قول الأصحاب: (إنه لا آخر لوقته): أنه لا يصير قضاء – لكنه يبقى محرمًا حتى يأتي به, كذا في (شرح المهذب).
واعترض عليه بأن طواف الوداع واجب, ومتى طافه .. وقع عن الفرض, ثم الذي ذكروه من بقائه على إحرامه مشكل بمن فاته الحج فإنه ممنوع من مصابرة الإحرام إلى السنة القابلة؛ لأن استدامة الإحرام كابتدائه, وابتداؤه لا يصح فكذلك الاستدامة.
قال ابن الرافعة: والذي يظهر لي: أن قول من قال: (يجوز تأخير الطواف إلى آخر العمر) ليس على إطلاقه, بل هو محمول على ما إذا كان قد تحلل التحلل الأول, وأما غيره .. فلا يجوز له تأخير إلى العام القابل؛ لأنه يصير محرمًا بالحج في غير أشهره.
والتحقيق: أنها ثلاث مسائل:
فوات الحج يحرم فيه مصابرة الإحرام جزمًا.
والمحصر لا يجب عليه أن يتحلل بالكلية.
والطواف والحلق والرمي لا آخر لوقتها.
وَإذَا قُلنَا: الحَلقُ نُسُكٌ فَفَعَلَ اثنَينِ مِنَ الرَّميِ والحَلقِ والطَّوافِ .. حَصَلَ التَحَلُّلُ الَأوَّلُ, وحَلَّ بِهِ الِّلبسُ وَالحَلقُ وَالقَلمُ,
قال: (وإذا قلنا: الحلق نسك ففعل اثنين من الرمي والحلق والطواف .. حصل التحلل الأول, وحل به اللبس والحلق والقلم).
(التحلل) تفعل من الحل.
وأعمال يوم النحر أربعة: الرمي والنحر والحلق والطواف.
فالنحر لا أثر له في التحلل, والثلاثة الباقية إذا فعل اثنين منها .. حل له بعض ما حرم عليه بالإحرام, ويسمى هذا التحلل الأول؛ لما روى أبو داوود [1972] والنسائي [5/ 277] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رمى أحدكم جمرة العقبة .. فقد حل له كل شيء إلا النساء) لكنه من رواية الحسن البصري عن ابن عباس رضي الله عنهما, ويقال: إنه لم يسمع منه شيئًا.
وروى البيهقي [5/ 135]: (إذا رميتم وحلقتم .. فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء).
والمراد: الطواف مع السعي إن لم يكن سعى؛ فإن الطواف والسعي سبب واحد, هذا إذا قلنا: الحلق نسك, فإن فلنا: استباحة محظور .. سقط اعتباره, وحصل التحلل الأول بواحد من الرمي والطواف, وحصل الثاني بالباقي.
وفائدة التحلل الأول في الحج: حل المحرمات التي كانت متوقفة عليه, وأما العمرة .. فليس لها إلا تخلل واحد؛ لقصر زمانها وقلة أعمالها, بخلاف الحج.
وَكَذَا الصَّيدُ وَعقدُ النِكَاحِ فِي الأَظهَرِ.
قُلتُ: الأَظهَرُ: لاَ يَحِلُّ عَقدُ النِّكَاحِ, وَاللهُ أَعلَمُ.
وَإذَا فَعَل الثَّالِثُ .. حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي, وَحَلَّ بِهِ بَاقِي المحُرَمَاتِ .....
قال: (وكذا الصيد وعقد النكاح في الأظهر)؛ أنهما من المحرمات التي لا يترتب على فعلهما إفساد فأشبها الحلق.
وكذلك تحل المباشرة فيما دون الفرج بشهوة كالقبلة والملامسة في الأظهر كالنكاح.
والثاني: لا تحل المباشرة ولا عقد النكاح؛ لتعلقهما بالنساء, وفي الحديث استثناء ذلك.
قال: (قلت: الأظهر: لا يحل عقد النكاح والله أعلم)؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح المحرم ولا ينكح) وهذا الذي صححه الأكثرون.
قال: (وإذا فعل الثالث .. حصل التحلل الثاني, وحل به باقي المحرمات) بالإجماع, ومع ذلك يجب عليه الإتيان بما بقي من الحج وهو الرمي والمبيت, وهو في هذه الحالة غير محرم, كما يسلم التسليمة الثانية وإن كان قد خرج من لصلاة بالأولى.
تنبيه:
مقتضى كلام (المنهج) و (المحرر): أن الطيب لا يحل إلا بالثاني.
والمذهب: أنه يحل بالول, بل يستحب؛ لما روى الشبخان [خ 1754_ م 1189] عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لحله قبل أن يطوف بالبيت).
وذكر في (لمحرر) ستر الرأس مما يحل بالأول, وأهمله المصنف.
وذكر المصنف في) المنهاج) الحلق, ولم يذكره في (المحرر).
فَصلٌ:
إذَا عَادَ إلَى مِنَى .. بَاتَ بِهَا لَيلَتِيِ التَّشرِيقِ, وَرَمَى كُلُّ يَزمٍ إلَى الجَمَرَاتِ الثَّلاَثِ كُلِّ جَمرَةٍ سَبعَ حَصَيَاتٍ
تتمة:
من فاته الرمي ولزمه بدله .. يتوقف تحلله على الإتيان ببدله على الأصح؛ تنزيلًا للبدل منزلة المبل.
وقيل: لا كالمحصر العادم للهدي.
والثالث: إن افتدى بالدم .. توقف, وإن افتدى بالصوم .. فلا؛ لطول زمانه.
قال: (
فصل
:
إذا عاد إلى منى .. بات بها ليلتي التشريق)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام بات بها وقال: (خذوا عني مناسككم) وهذا المبيت واجب على الأظهر يجبر بدم.
وقيل: الاعتبار بطلوع الفجر.
قال: (ورمى كل يوم إلى الجمرات الثلاث كل جمرة سبع حصيات)؛ لما روى أبو داوود [1967] عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر, ثم رجع إلى منى فبات بها ليالي التشريق يرمي الحمرة إذا زالت الشمس, كل جمرة سبع حصيات يكبر مع كل حصاة) وهذا الرمي واجب بلا خلاف.
هذا فيمن لا عذر له, أما المعذور كأهل السقاية والرعاء .. فلهم إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن ينفروا ويدعوا المبيت بمنى؛ لما روى الشيخان [خ 1634_ م 1315] عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن العباس رضي الله عنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية .. فأذن له في ذلك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروى أبو داوود [1969]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاء الإبل في ذلك) فللصنفين جميعًا أن يدعوا رمي يوم ويقضوه في اليوم الذي يليه, وليس لهم أن يدعوا رمي يومين على التوالي.
وإذا غربت الشمس والرعاء بمنى .. لزمهم المبيت بها ورمي غدها, ولأهل السقاية النفر بعد غروب الشمس على الأصح؛ لتعهدها, ولا رعي بالليل, وحكم المعذورين في خكم ليلة مزدلفة حكم ليالي منى.
ولو حدثت سقاية للحاج .. فللقائم بها ترك المبيت, قاله البغوي ومنعه ابن كج.
ولو قيل: إن دعت الحاجة إليها كانت كسقاية العباس رضي الله عنه وإلا فلا .. لم يبعد.
وفي معنى السقاية من ضاع ماله, أو خاف على نفسه, أو كان به مرض يشق عليه معه المبيت, أو له مريض يحتاج إلى تعهده, أو يطلب آبقًا على الأصح.
وترك المبيت ناسيًا كتركه عامدًا إلا في الإثم.
ويستحب استقبال القبلة في رمي الجمرات الثلاث, وهي معروفة:
الأولى: تلي مسجد الخيف, وهي الكبرى.
والثانية: الوسطى.
والثالثة: جمرة العقبة, وليست منى, إنما منى تنتهي إليها.
ويستحب أن يصلي الخمس مع الجماعة بمسجد الخيف, ويكثر فيه من الصلاة عند الأحجار التي أمام المنارة؛ فذلك مصلى الني صلى الله عليه وسلم.
وروي: أنه صلى في ذلك المكان سبعون نبيًا, منهم موسى, وأن فيه قبر سبعين نبيًا عليهم الصلاة والسلام.
وَإذَا رَمَى اليَومَ الثَّانِي وَأرَادَ النَّفرَ قَبلَ غُرُوبِ الشَّمسِ .. جَازَ وَسَقَطَ مَبِيتُ اللَّيلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمَى يَومِهَا, فَإن لَم يَنفِر حَتَّى غَرَبَت .. وَجَبَ مَبِيتُهَا وَرَمى الغَّدِ
قال: (وإذا رمى اليوم الثاني وأراد النفر قبل غروب الشمس .. جاز وسقط مبيت الليلة الثالثة ورمى يومها) ولا دم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾.
لكن التأخير أفضل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستثنى من إطلاقه: من لا عذر له إذا لم يبت الليلتين الأوليين من التشريق ورمى في اليوم الثاني وأراد النفر الأول .. فليس له ذلك؛ لأنه لا عذر له فلم يجز له النفر.
قال: (فإن لم ينفر حتى غربت) الشمس (.. وجب مبيتها ورمى الغد) وهو يوم النفر الثاني وبه قال مالك وأحمد.
وعند أبي حنيفة: يجوز النفر ما لم يطلع الفجر.
لنا: ما روى مالك [1/ 407] بإسناد صحيح: أن ابن عمر رضي الله عنها قال: (من غربت عليه الشمس وهو بمنى من أوسط أيام التشريق .. فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد) وروي مثله عن أبيه عمر رضي الله عنه, وروي مرفوعًا لكن رفعه ضعيف.
ولو غربت وهو في شغل الارتحال, أو نفر قبل الغروب ثم عاد لشغل بعده .. جاز النفر على الصحيح.
ولو تبرع في هذه الحالة بالمبيت .. لم يلزمه الرمي في الغد نص عليه.
وإذا أوجبنا المبيت .. فتركه نظر, فإن كان مبيت مزدلفة وحدها .. أراق دمًا, وإن كان مبيت الليالي الثلاث .. فكذلك على الأرجح.
وفي قول: يجب لكل ليلة دم.
وإن ترك ليلة .. ففيه الأقوال الآتية في الشعرة والظفر:
وَيَدخُلُ رَميُ التَّشرِيقِ بِزَوالِ الشَّمسِ, وَيَخرُجُ بِغُرُوبِهَا,
أظهرها: مد.
والثاني: درهم.
والثالث: ثلث دم.
وإن ترك ليلتين .. فعلى هذا القياس.
وفي الليالي الأربع دمان, وقيل: دم للجميع.
قال: (ويدخل رمي التشريق بزوال الشمس) المراد: يدخل رمي كل يوم منها بزوال شمسه؛ لما روى جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة ضحى, وأما بعد .. فإذا زالت الشمس) رواه مسلم [1299].
وفي (البخاري) [1746] عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا نتحين إذا زالت الشمس رمينا).
وروى مالك [1/ 408] عن نافع ابن عمر رضي الله عنهما قال: (لا ترمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس).
قال الشافعي رضي الله عنه في (الإملاء): ويستحب قبل صلاة الظهر, فإن رمى قبل الزوال .. أعاد.
وقال عطاء: إن كان جاهلًا .. أجزأه.
وعن أبي حنيفة: يجوز الرمي في اليوم الثالث قبل الزوال.
قال: (ويخرج بغروبها) أي: رمي اليومين الأولين؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله في الليل, وظاهر كلام المصنف: أنه بغروبها يخرج رمي كل يوم.
وَقِيلَ: يَبقَى إلَى الفَجرِ, وَيَشتَرطُ: رَميُ السَّبعِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً, وَتَرتِيبُ الجَمَراتِ, ....
والصحيح: أنه لا يخرج إلا بغروبها من آخر أيام التشريق, وطريق تصحيح كلامه على ذلك: أن يكون أراد وقت الاختبار لا وقت الجواز كما حمله ابن الرفعة.
قال: (وقيل: يبقى إلى الفجر) تشبيهًا بالوقوف بعرفة.
ومحل هذا الوجه: في اليومين الأولين, أما الثالث .. فلا خلاف في انقضاء زمنه بغروب شمسه لفراغ أيام المناسك.
قال: (ويشترط: رمي السبع واحدة واحدة)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رماها كذلك.
فلو رماها جملة واحدة ووقعت في المرمى .. حسبت واحدة, بخلاف ما إذا ضربه في الحد بمئة سوط دفعة؛ لأن الغالب على الرمي التعبد, والحدود مبنية على التخفيف.
ولو رمى بحصاتين دفعة واحدة إحداهما بيمينه والأخرى بيساره .. لم تحسب إلا واحدة بالاتفاق.
وعبارة المصنف تقتضي: أنه لو رمى سبع حصوات سبع مرات .. لا تجزئ؛ لانتفاء صفة الوحدة, وهي تجتزئ جزمًا.
قال: (وترتيب الجمرات) فيرمي التي تلي مسجد الخيف, ويقف ويدعوا بقدر (سورة البقرة) , ثم الوسطى وقف ويدعو كذلك, ثم جمرة العقبة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقف عند هذه.
وَكَونُ الَمرمَيِّ حَجَرًا, وأن يُسَّمَى رَميًا, فَلا يَكفِي الوَضعُ
فلو عكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى .. حسبت له الأولى فقط.
ولو ترك حصاة ولم يدر من أيها تركها .. جعلها من الأولى, فيرمي إليها حصاة ويعيد ما بعدها.
وإن ترك ثلاث حصيات ولم يعلم موضعها .. أخذ بالاحتياط, فيجعل واحدة من يوم النحر وواحدة من الجمرة الأولى يوم القر وأخرى من الثانية يوم النفر الأول.
قال: (وكون النرمى حجرًا)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حين وضع الجمار في يده قال: (بأمثال هؤلاء فارموا).
وروى جابر رضي الله عنه: (أنه صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى) ,
فيجزئ الكذان والبرام والمرمر والزمرد وحجر النورة قبل أن يطبخ, وكذلك ما تتخذ منه الفصوص كالفيروزج والياقوت والبلور والزبرجد على الأصح؛ لأنها أحجار, وصحح الإمام والغزالي وابن الصلاح عدم الإجزاء به.
ولا يجزي الؤلؤ وما ليس بحجر من طبقات الأرض كالزرنيخ والإثمد والمدر والجص والآجر والطين والملح والرخام, ولا بالذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد.
ولو غصب حجرًا أو سرقه ورمى به .. أجزأه كالصلاة في الدار المغصوبة.
قال: (وأن يسمى رميًا, فلا يكفي الوضع) وكذلك الدفع بالرجل؛ لأن المأمور به الرمي فلا بد من صدق اسمه.
وقيل: يكفي الوضع اعتبارًا بالحصول في المرمى كما لو وضع المتوضئ يده المبتلة على رأسه بلا مد.
ولا يجوئ الرمي عن القوس.
ولا يفتقر الرمي إلى نية على المذهب.
والسُنَّةُ: أَن يَرمِيَ بِقَدرِ حَصَى الخَذفِ.
وَلاَ يُشتَرَطُ بَقاَءُ الحَجَرِ فِي المَرمَى , ولاَ كَونُ الرَّامِي خَارِجًا عَنِ الجَمرَةِ
ولا ينافي هذا اشتراط قصد الرمي؛ فإنه قد يقصد الرمي ولا يقصد النسك؟
قال: (والسنة: أن يرمي بقدر حصى الخذف)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بحصى الخذف) روله مسلم [1299].
و (الخذف) بالخاء والذال المعجمتين: الرمي بالحصا من بين إصبعين, ومقصود الحديث: أن الحصا تكون صغارًا, فإن رمى بأكبر منه أو بأصغر .. كره وأجزأ.
وحصى الخذف قدر الباقلاء, وقال الشافعي رضي الله عنه: إنه أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا, وقيل: قدر النواة.
والأصح عند الرافعي: أنه يرميه على هيئة الخذف, فيضعه على بطن الإبهام ويرميه برأس السبابة.
والأصح في (الروضة) و (شرح المهذب): أنه يرميه على غير هيئة الخذف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال: (إنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو, وإنه يفقأ العين ويكسر السن) وهذا عام في الحج وغيره.
قال: (ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى) فلو تدحرج وخرج منه بعد الوقوع فيه .. لم يضر؛ لأن اسم الرامي قد حصل لكن يشترط أن يقع فيه, فلو شك لم يكف على المذهب.
قال: (ولا كون الرامي خارجًا عن الجمرة)؛ لحصول اسم الرمي, فلو وقف في طرف منها ورمى إلى طرف آخر .. أجزأه.
ويستحب أن يكون الرامي في اليومين الأولين نازلًا, وفي اليوم الأخير راكبًا؛ لينفر عقبه ليتصل بركوب الصدر, كما أنه يرمي يوم النحر راكبًا ليتصل بركوبه من مزدلفة ثم ينزل.
وَمَن عَجَزَ عَنِ الرَّميِ ..... استَنَابَ
وعلى قياس هذا: يستحب إذا تعجل في اليوم الثاني أن يرمي راكبًا, وأن يرمي بيده اليمنى , ويرفعها عند الرمي حتى يرى بياض إبطه.
فرع:
يستحب للإمام أن يخطب في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الظهر؛ لما روى أبو داوود [1947] بإسناد صحيح عن رجلين من بني بكر قالا: (رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في أوسط أيام التشريق بمنى ونحن عند راحلته).
واستحب الشافعي رضي الله عنه أن تكون هذه الخطبة بعد الرمي وصلاة الظهر, يودع فيها الحاج, ويعلمهم جواز النفرين, وهذه تسمى خطبة الوداع؛ لأنها آخر الخطب الأربع.
ويستحب أن يأمرهم فيها بأن يختموا حجهم بتقوى الله عز وجل ويذكر لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (علامة الحج المبرور أن يكون المرء بعد حجه خيرًا منه قبله).
قال: (ومن عجز عن الرمي .. استناب) ولو بالأجرة, حلالًا كان النائب أم محرمًا؛ لأن الإنابة في الحج جائزة فكذلك في أبعاضه.
والعجز إما لمرض أو حبس ونحوه.
وشرط ابن الرفعة: أن يحبس بغير حق, وغيره أطلق ذلك.
ويشترط أن لا يرجى زوال العجز إلى خروج وقت الرمي, وأن يكون النائب قد رمى عن نفسه أولًا, فلو لم يفعل .. وقع عن نفسه.
ولو رمى النائب ثم وال عذر المستنيب والوقت باق .. لم يجب عليه إعادته, بل يستحب.
وقال الفوراني والبغوي وغيرهما: هو على القولين فيما إذا حج عن المعضوب ثم شفي.
وأطلق الأصحاب جواز الاستنابه, وهو ظاهر في غير الأجير إجارة عين, ففيه
وَإذَا تَرَكَ رَميَ يَومٍ .. تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الأَيَّامِ فِي الأَظهَرِ وَلاَ دَمَ, وإلَّا .. فَعَليهِ دَمٌ, ......
أطلقوا أنه لا يستنيب في شيء مما عليه من العمل, فإما أن يستثني هذه الصورة, وإما أن يغتفر ذلك للضرورة, وهو الأقرب.
قال: (وإذا ترك رمي يوم .. تداركه في باقي الأيام في الأظهر) سواء ترك ذلك عمدًا أم سهوًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جوز ذلك للرعاء وأهل السقاية, وقيس عليه غيره.
والثاني: لا يتدارك؛ قياسًا على ما بعد أيام التشريق, وإذا تدارك ما تركه في أيام التشريق .. فالأظهر: أنه أداء.
ووقع في (الكفاية): أن الإمام والغزالي صححا خلافه وهو وهم عليهما.
فعلى الأظهر إذا فعله بعد الزوال .. صح ويجب تقديمه على رمي اليوم, وإن فعله قبله .. فوجهان:
أصحهما في (الروضة) و (أصلها): الصحة؛ لأن القضاء لا وقت له على التعيين.
والأصح في (الشرح الصغير): المنع, وإن فعله في الليل .. فهو كما أخر قضاء رمضان إلى رمضان آخر.
قال: (وإلا .. فعليه دم) أي: إذا لم يتداركه؛ لأنه ترك نسكًا فعليه دم, سواء منعناه منه أو جوزناه فلم يفعل؛ لعموم قول ابن العباس رضي الله عنهما: (من ترك نسكًا .. فعليه دم).
وعن الزهري: أنه إذا ترك الرمي حتى مضت أيام التشريق .. كان عليه الحج من قابل.
وَالمَذهَبُ: تَكمِيلُ الدَّمِ في ثَلاَثِ حَصَياتٍ
فإن كان مراده رمي جمرة العقبة .. فهو الذي تقدم عن ابن الماجشزن أنه ركن, وإن أراد رمي أيام التشريق .. فهو غريب.
قال: (والمذهب: تكميل الدم في ثلاث حصيات)؛ ولا تلزمه زيادة عليه لو زاد في الترك على ثلاث, حتى إنه يلزمه دم كامل بترك يوم النحر وأيام منى؛ لاتحاد جنس الرمي فأشبه حلق الرأس.
وعلى هذا: ففي الحصاة والحصاتين الأقوال الثلاثة الآتية في حلق الشعرة والشعرتين:
أصحهما: مد.
والثاني: درهم.
والثالث: ثلث دم.
والقول الثاني: أنه يلزمه كل يوم دم كامل؛ لأنها عبادة مستقلة.
فعلى هذا: يلزمه في الأيام الأربعة أربعة دماء إذا لم يتعجل.
والقول الثالث: يلزمه ليوم النحر دم ولأيام التشريق كلها دم آخر؛ لاختلاف الرميين في القدر والوقت والحكم, وما ذكرناه من الخلاف في الحصاة والحصاتين محله في آخر جمرة من أيام التشريق.
فلو تركها من الجمرة الأخيرة يوم القر أو النفر الأول ولم ينفر .. فلأصح: يتم المتروك بما أتى به في اليوم الذي بعده, لكنه يكون تاركًا لرمي الجمرة الأولى والثانية في ذلك اليوم فعليه دم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن تركها من إحدى الجمرتين الأوليين في أي يوم كان .. فعليه دم؛ لأن ما بعدها غير صحيح لوجوب الترتيب في المكان، هذا في المتروك في أيام التشريق فأما إذا كان من رمي النحر .. فيلزمه به دم كامل على الأصح عند المتولي والأصحاب؛ لأنها من أسباب التحلل، فهذا ترك منها حصاة واحدة .. لم يتحلل إلا ببدل كامل.
وفي (النهاية) وجه غريب ضعيف: أن الدم يكمل في حصاة واحدة مطلقًا، فاجتمع فيما يكمل به الدم ستة أوجه:
أصحها: ثلاث حصيات.
والثاني: جمرة.
والثالث: ثلاثة أيام التشريق.
والخامس: حصاة واحدة.
والسادس: يكمل في الحصاة الواحدة من يوم النحر دون غيره.
تذنيب:
قال الشافعي رضي الله عنه في القديم: أحب للإنسان أن ينزل بمنيً في الخيف الأيمن منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويستحب إذا نفر من منىً أن ينصرف من جمرة العقبة راكبًا مهللًا مكبرًا.
وأن ينزل بالمُحَصَّب، وهو اسم لما بين الجبلين إلى المقبرة، ويقال له الأبطح وخيف بني كنانة، فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به ليلة الرابع عشر.
فلو تركه .. لم يؤثر في نسكه؛ لأنه سنة مستقلة ليست من مناسك الحج.
وإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ .. طَافَ لِلْوَدَاعِ،
وقال القاضي عياض: إنه مستحب عند جميع العلماء، وكذلك صرح به جماعة من الأصحاب.
وقال الماوردي: إنه ليس بسنة وإنما هو منزل استراحة.
وعلى هذا: يحمل ما ثبت في (الصحيحين) [خ 1765، 1766 - م1311، 1312] عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله النبي صلى الله عليه وسلم).
قال: (وإذا أراد الخروج من مكة .. طاف للوداع)؛ لما روى الشيخان [خ 1755 - م1328] عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيتن إلا أنه خفف عن المرأة الحائض).
فلو أراد الخروج إلى دون مسافة القصر .. فالصحيح: أنه مأمور به خلافًا للبغوي.
والمحرم من مكة إذا أراد الخروج إلى منىً يستحب له طواف الوداع، ولا يجبر تركه بدم قطعًا، وكذلك الخارج منها للعمرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن أن يعمر عائشة رضي الله عنهما من التنعيم، ولم يأمرها عند ذهابها بالوداع.
وفهم من كلام المصنف أنه لا يؤمر به من لم يرد الخروج، وهو كذلك بلا خلاف.
وأنه لا فرق بين أن يكون حاجًا أم لا، ولا بين أن يكون آفاقيًا أو مكيًا، يسافر لحاجة ثم يعود أم لا، وهو كذلك على الصحيح.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: يختص بمن فرغ من حج أو عمرة، والوجهان ينبنيان على أنه من المناسك أم لا؟ والمنصوص في (الأم) و (الإملاء (: أنه منها، وبه صرح جماعة من الأصحاب، خلافًا للبغوي والمتولي فإنهما قالا: ليس الوداع من المناسك، وإنما هو تحية البقعة.
وهل هو واجب أو لا؟ فيه القولان الآتيان، وتأويل كلامهما أنه ليس من الأركان، واتفقوا على جبره بدم عند الترك وهو دليل على أنه من الحج؛ لأن الدم إنما يجب للخلل الحاصل في النسك.
قال ابن الرفعة: ويظهر أثر النزاع في المكي إذا خرج من مكة لسفر وفي افتقاره إلى نية؟ إن جعلناه من المناسك .. لا يفتقر، وإلا .. افتقر.
وفي أنه هل يلزم الأجير فعله على القول بأنه سنة؟ ويقع عن المستأجر على القولين؛ فإن الشيخ عز الدين قال في (القواعد (: إن الإجارة تشمل الأركان والواجبات والسنن، ويظهر أثره في حط جزء من الأجرة عند تركه.
ثم إن قول المصنف: (من مكة) يوهم أن الحاج إذا أراد الانصراف من منىً .. لم يؤمر به، والمجزوم به في (شرح المهذب) أنه مأمور به.
فرع:
طواف الوداع لا يدخل تحت طواف آخر، حتى لو أخر طواف الإفاضة وفعله بعد أيام منىً وأراد السفر عقبه .. لم يكفهن وهذا فرع مهم أسقطه من (الروضة) لكون الرافعي ذكره في أثناء تعليل.
وَلاَ يَمْكُثُ بَعْدَهُ، وَهُوَ وَاجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَفِي قَوْلٍ: سُنَّةٌ لاَ يُجْبَرُ.
فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَخَرَجَ بِلاَ وَدَاعٍ وَعَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ .. سَقَطَ الدَّمُ،
قال: (ولا يمكث بعده)؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق.
فإن مكث لغير حاجة أو لحاجة لا تتعلق بالسفر كالزيارة والعيادة وقضاء الدين .. فعليه إعادته.
وإن اشتغل بركعتي الطواف أو بأسباب الخروج كشراء الزاد وشد الرحل .. لم يضر، وكذا لو أقيمت الصلاة فصلاها معهم.
وحقيقة طواف الوداع: أنه موقوف، إن سار بعده .. تبينا أنه انصرف إلى الواجب، وإلا .. كان نافلة.
قال: (وهو واجب يجبر تركه بدم)؛ للأمر به في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، وهذا على القول بأنه نسك ظاهر، وأما على خلافه .. فلا وجه لجبره بالدم.
قال: (وفي قول: سنة لا يجبر)؛ لأنه لو كان واجبًا .. لاستوى في جبرانه بالدم المعذور وغيره، وذو العذر لا دم عليه، وبهذا قال مالك رحمه الله.
ومراد المصنف بقوله: (لا يجبر) أي: وجوبًا، أما اصل الجبر .. فلا خلاف فيه، وعبارة المصنف توهم خلاف ذلك.
قال: (فإن أوجبناه، فخرج بلا وداع) عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلًا (وعاد قبل مسافة القصر .. سقط الدم)؛ لأنه في حكم المقيم.
قال الشيخ: كذا عللوه وفيه نظر إذا قلنا: إنه لا فرق بين السفر الطويل والقصير في وجوب الوداع فإن كان الخروج عامدًا .. عصى به، ويلزمه العود ما لم يبلغ مسافة القصر على الصحيح؛ فقد رد عمر رضي الله عنه رجلًا لم يودع من بطن مرٍّ.
وتعبير المصنف وغيره بـ (السقوط) يقتضي وجوب الدم بمجرد الخروج، وينبغي أن يأتي فيه ما سبق في مجاوزة الميقات.
أَوْ بَعْدَهَا .. فَلاَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلِلْحَائِضِ النَّفْرُ بِلاَ وَدَاع
وصورة المسألة: أن يطوف بعد العود كما صرح به في (المحرر)، فلو عاد ليطوف فمات قبل ذلك .. لم يسقط الدم.
وإذا أوجبنا عليه الرجوع فرجع من دون مسافة القصر .. قال الدارمي لا يلزمه الإحرام وإن قلنا: دخول مكة يوجبه.
وإذا اعتبرنا مفارقة الخطة فهل الاعتبار بمفارقة الحرم أو مكة؟ فيه وجهان:
أصحهما: الثاني.
وحاصل المنقول فيما يفوت به ويستقر الدم خمسة أوجه:
أصحهما: بمسافة القصر من مكة.
والثاني: من الحرم.
والثالث: بمجاوزة الحرم.
والرابع: بمجاوزة مكة.
والخامس: لا يفوت ولا يستقر ما دام حيًا.
قال: (أو بعدها .. فلا على الصحيح)؛ لاستقراره بالسفر الطويل وانقطاع حكم الإقامة.
والثاني: يسقط كما لو عاد قبل الانتهاء إليها.
قال: (وللحائض النفر بلا وداع) وكذلك النفساء؛ لما روى الشيخان [خ 1755 - م1328] عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض).
ورويا [خ 1757 - م1211]: أن صفية بنت حيي حاضت بعد ما أفاضت، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أحابستنا هي؟) قالوا: إنها كانت قد أفاضت، قال: (فلتنفر) فأمرها أن تنفر ولم يأمرها بالدم، ولو كان واجبًا .. لبينه.
ويستحب أن تقف عند باب المسجد وتدعو بالدعوات الآتية، فإن طهرت قبل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مفارقة بنيان مكة .. لزمها الوداع، وإن جاوزته وانتهت إلى مسافة القصر .. لم يلزمها العود، وإن لم تنته إليها .. فالنص: أنه لا وداع عليها.
والنص فيمن ترك الوداع بلا عذر ولم ينته إلى مسافة القصر: أنه يلزمه العود ويسقط عنه الدم بعوده، وقيل: فيهما قولان، والمذهب: تقريرهما.
والفرق: أن الحائض حين المفارقة لم تكن من أهل الوداع، بخلاف التارك بلا عذر.
فروع:
المستحاضة إذا نفرت في يوم حيضها .. لم يلزمها وداع، أو في يوم طهرها .. لزمها.
وإذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة .. فالأولى: أن تقيم حتى تطهر فتطوف إلا أن يكون عليها ضرر ظاهر، فإن أرادت النفر مع الناس قبل طواف الإفاضة .. جاز، وتبقى محرمة حتى تعود إلى مكة فتطوف ولو طال ذلك أعوامًا.
وفي كلام الشافعي رضي الله عنه والماوردي ما يشعر بأنه لا يجوز لها ان تنفر حتى تطوف، وحاول المصنف تأويله على الكراهة.
وإذا أرادت الإقامة حتى تطهر .. لم يلزم الجمَّال انتظارها- خلافًا لمالك- إذا كان الطريق آمنًا، فإن كان مخوفًا .. لم تَنْتَظِرْ بالإجماع.
وقال الشيخ محب الدين الطبري: لم يتعرض الأصحاب للمعذور بغير الحيض والنفاس إذ ترك الوداع كالخائف من ظالم أو فوت رفقة ونحو ذلكن قال: وفي ذلك عندي احتمالان:
أحدهما: يعذر كالحائض.