النجم الوهاج في شرح المنهاجكتاب القراض
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هو لغة أهل الحجاز، والمضاربة لغة أهل العراق، واشتقاق القراض: من القرض وهو: القطع؛ لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها وقطعة من ربحه، وقيل: مشتق من المساواة، يقال: تقارض الشاعران إذا تساويا فيما أنشداه.
واشتقاق المضاربة من الضرب في الأرض وهو: قطعها بالسفر؛ لأن أهل مكة كانوا يدفعون أموالهم للعمل يسافرون بها ابتغاء الربح، ثم لزمه هذا الاسم وإن لم يسافر العامل.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وءاخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾.
واشتهر في السير أن النبي صلى الله عليه وسلم اتجر لخديجة في أموالها إلى الشام وأرسلت معه عبدها ميسرة.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (كان العباس إذا دفع ماله مضاربة .. اشترط على عامله أن لا يسلك به بحراً، ولا ينزل به وادياً، ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل .. فهو ضامن، فرفع شرطة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه) رواه الدارقطني [3/ 78] لكن بإسناد ضعيف، وابن عدي [3/ 189]، وفي إسناده أبو الجارود الكوفي واسمه: زياد بن المنذر، قال ابن ميعن: كان كذاباً عدواً لله ليس يسوى فلساً، روى له الترمذي [2449] حديث (من أطعم مؤمناً على جوع ..) وإليه تنسب الطائفة الجارودية يقولون: إن علياً أفضل الصحابة، وإن الإمامة مقصورة على ولد فاطمة.
وروى مالك [2/ 687] عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر أنه لما انصرف هو وأخوه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عبيد الله إلى غزوة نهاوند .. اجتازا بالعراق وعليها أبو موسى الأشعري فقال لهما: (إني أريد أن أصلكما بشيء، وليس عندي ما أصلكما به سوى مئة ألف من مال بيت المال، فاتجرا فيها، ثم سلما المال إلى أمير المؤمنين بالمدينة، والربح لكما) فأخذا المال واشتريا به من متاع العراق، فربحا بالمدينة ربحا كثيراً، ثم أخبرا عمر بذلك فقال: (أو أعطى كل رجل من المسلمين مثل ما أعطاكما؟ فقال: لا، فقال: إنما أعطاكما لمكانكما مني، فأديا المال والربح إلى بيت المال، فسكت عبد الله ولم يراجع أباه بشيء، وقال عبيد الله: أرأيت لو تلف هذا المال أما كان من ضماننا؟ قال: نعم، قال: فالربح لنا إذن، فأعاد عمر كلامه فراجعه عبيد الله فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً ففعل فأخذ منهما المال ونصف ربحه).
فإن قيل: كان المال قرضاً فكيف جعله قراضاً؟ .. فالجواب: أنه استطاب قلوبهما في نصف الربح، وللإمام ذلك إذا رآه مصلحة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبي هوازن.
وحمله على ذلك ما فهمه من قصد أمير العراق إرفاقهما لكونهما ابني أمير المؤمنين، وقصد رعاية مصلحة بيت المال، وعليه نزل ابن سريج مشاطرة عمر لعماله؛ لأنهم كانوا يتجرون على جاه العمل بأموالهم، فنزل الجاه منزلة العامل وأخذ حصته لبيت المال.
والأصح: أن القراض مقيس على المساقاة؛ لأنها إنما جوزت للحاجة وهي موجودة في القراض.
وقيل: المساقاة مقيسة عليه، ولأجل قياس القراض على المساقاة كان تقديمها أولى على خلاف ترتيب المصنف وغيره.
وفي (سنن ابن ماجه) [2289]: عن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

الْقِرَاضُ وَالْمُضَارَبَةُ: أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالاً لِيَتَّجِرَ فِيهِ وَالرِّبْحُ مُشْتَرَكٌ.
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ: كَوْنُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ خَالِصَةٍ، فَلاَ يَجُوزُ عَلَى تِبْرٍ وَحُلِيٍّ وَمغْشُوشٍ  (ثلاثة فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط الشعير بالبر للبيت) لكنه ضعيف.
واختلف في حقيقة هذا العقد فقيل: أوله وكالة وآخره شركة.
وقيل: أوله وكالة وآخره جعالة.
فالأول على القول بأنه يملك الربح بالظهور، والثاني على أنه إنما يملك بالقسمة وقد جمع المصنف بين لفظي الباب فقال: (القراض والمضاربة: أن يدفع إليه مالاً ليتجر فيه والربح مشترك) هذا حده الشرعي.
واحترز بـ (الاشتراك في الربح) عن الوكيل والعبد المأذون.
وخرج بلفظ (الدفع) ما إذا قارضه على دين .. فإنه لا يصح، سواء كان على العامل أم على غيره.
قال الشيخ: وقوله: (أن يدفع) قد يشاحح فيه، فإن القراض: العقد المقتضي للدفع لا نفس الدفع.
قال: (ويشترط لصحته: كون المال دراهم أو دنانير) أي: (خالصة)؛ لأن القراض عقد يشتمل على غرر، وإنما جاز للحاجة فاختص بما يسهل التجارة عليه ويروج غالباً وهو الأثمان، فلا يجوز في غيرهما، ويجوز أن يكون دراهم ودنانير معاً.
قال: (فلا يجوز على تبر وحلي)؛ لاختلاف قيمتها كالعروض.
و (التبر) بكسر التاء: الذهب والفضة قبل ضربهما، وقال الجوهري: لا يقال تبر إلا للذهب.
قال: (ومغشوش) أي: وإن راج وعلم قدر غشه؛ لأنه عرض ونقد، فالنقد

وَعُرُوضٍ.
وَمَعْلُوماً  الذي فيه لا يجوز القراض عليه بمفرده لاختلاطه، وفي وجه: يجوز في المغشوش الذي يروج رواج الخالص كما هو الصحيح في الشركة.
قال الشيخ: وأنا اختاره وأفتي به وأحكم، فإنه لا دليل على منع القراض به، وبه قال أبو حنيفة.
وفي وجه ثان: أنه يجوز على المغشوش والفلوس.
وثالث في زوائد (الروضة): أنه يجوز على كل مثلي.
وقال محمد بن الحسن: يجوز القراض على الفلوس استحساناً.
وبنى المتولي الخلاف في المغشوشة على جواز المعاملة بها، وفيها أوجه تقدمت في (الزكاة) ثالثها: إن كان الغش معلوماً .. جاز، وإلا .. امتنع.
والرابع: تصح المعاملة بها في العين دون الذمة كالحنطة المختلطة بالشعير.
قال: (وعروض)؛ لأن منها ما لا مثل له فلا يمكن رده، والذي له مثل قد تكون قيمته حال العقد أقل من قيمته حال الرد وذلك يؤدي إلى فوز المالك بجميع الربح، وأما العامل .. فبجزء من رأس المال.
وخرج باشتراط النقدية: المنافع، كسكنى الدار؛ فإنه لا يجوز القراض عليها؛ لأنه إذا لم يجز على العرض المعين الموجود .. فعلى المنافع المعدومة أولى.
قال: (ومعلوماً) أي: قدراً وصفة، فلو قارضه على صبرة أو كف من الدراهم أو نقد في كيس مجهول القدر .. لم يصح؛ للجهل بالربح، بخلاف رأس مال السلم، فإنه يجوز أن يكون القدر مجهولاً على الأظهر كما تقدم؛ لأنه لم يوضع ليفسخ بخلاف القراض.
ولو دفع إليه ثوباً وقال: بعه وإذا قبضت ثمنه فقد قارضتك عليه .. لم يجز؛ للجهالة ولما فيه من تعليق القراض، وكلاهما مبطل له.

مُعَيَّناً، وَقِيلَ: يَجُوزُ عَلَى إِحدَى الصُّرَّتَيْنِ.
قال: (معيناً) فلا يجوز على الصبرة المجهولة وإن جاز أن يكون ثمناً قطعاً، فلو قارض على دراهم غير معينة ثم عينها في المجلس .. قطع القاضي والإمام بالجواز كما في الصرف ورأس مال السلم، ورجحه في (الشرح الصغير)، وقطع البغوي بمنعه.
قال: (وقيل: يجوز على إحدى الصرتين) أي: المعينتين لتساويهما، فعلى هذا: يتصرف العامل في أيهما شاء، فيتعين للقراض.
وضبط المصنف بخطه (الصرتين) بتشديد الراء عقب الصاد المهملة.
وهل تشترط الرؤية إن شرطناها في البيع أو لا؟ قال الشيخ: فيه نظر، والأقرب الثاني؛ لأنه توكيل ولعل عدول (المحرر) و (المنهاج) عن التعبير بأحد الألفين إلى إحدى الصرتين لهذه الفائدة، ولكن صورها الرافعي وصاحب (المهذب) بما إذا دفعهما إليه، فإن كان شرطاً .. فليقيد به إطلاق الكتاب، لكن أطلق الماوردي أنه لا يجوز القراض على مال غائب.
فروع: يصح أن يقارضه على المال المودع عند غيره إذا كان قد رآه، وأن يقارض الغاصب على المغصوب على الأصح.
وقال المتولي لو كان بينه وبين غيره دراهم شركة فقال لشريكه: قارضتك على

وَمُسَلَّماً إِلَى الْعَامِلِ، فَلاَ يَجُوزُ شَرْطُ كَوْنِ الْمَالِ فِي يَدِ الْمَالِكِ، وَلاَ عَمَلِهِ مَعَهُ، وَيَجُوزُ شَرْطُ عَمَلِ غُلاَمِ الْمَالِكِ مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
نصيبي منها .. صح؛ لأن الإشاعة لا تمنع صحة التصرف.
وعلى هذا لو خلط ألفين بألف لغيره ثم قال: قارضتك على أحدهما وشاركتك عل الآخر فقبل .. جاز وانفرد العامل بالتصرف في ألف القراض، ويشتركان في التصرف في باقي المال، ولا يخرج على الخلاف في جمع الصفقة الواحدة عقدين مختلفين؛ لأنهما يرجعان إلى التوكيل في التصرف.
قال: (ومسلماً إلى العامل) فلا يجوز شرط كون المال في يد المالك؛ لأن مقصود القراض التوسع، وعدم التسليم ينافيه؛ لأنه قد لا يجده وقت الحاجة.
وليس المراد اشتراط تسلمه حال العقد أو في المجلس، بل أن لا يشترط عدم تسليمه كما يشير إليه قوله: (فلا يجوز شرط كون المال في يد المالك) وكذلك لا يجوز أن يشترط عليه المراجعة في التصرف مطلقاً.
ولو شرط كون المال في يد وكيل رب المال، أو أن يكون عليه مشرفاً يطلع على تصرفه ولا يرجعه .. لم يصح أيضاً على الصحيح.
قال: (ولا عمله معه)؛ لأن موضوع القراض أن يكون المال من رب المال والعمل من العامل، وليس هذا مما احترز عنه بقوله: (مسلماً إلى العامل)، بل هو شرط آخر وهو: استقلال العامل بالتصرف، وقال أبو يحيى البلخي: يجوز على طريق المعاونة والتبعية، فلو شرط عليه أن يعطيه دابته يحمل عليها .. فالمذهب جوازه.
قال: (ويجوز شرط عمل غلام المالك معه على الصحيح)؛ لأنه ملك للسيد فجاز أن يجعل تبعاً لماله، وخالف عمل المالك؛ إذ لا وجه لجعله تبعاً.
والثاني: لا يجوز؛ لأن عمله كعمل سيده وهو القياس، وموضع هذا الخلاف إذا لم يصرح بالحجر على العامل، فإن صرح فقال: على أن يعمل معك غلامي ولا تتصرف دونه، أو يكون بعض المال في يده .. فسد جزماً.

وَوَظِيفَةُ الْعَامِلِ التِّجَارَةُ وَتَوَابِعُهَا كَنَشْرِ الثِّيَاب وَطَيِّهَا، فَلَوْ قَارَضَهُ لِيَشْتَرِيَ حِنْطَةً فَيَطْحَنَ وَيَخْبِزَ، أَوْ غَزْلاً يَنْسُجُهُ وَيَبِيعُهُ .. فَسَدَ الْقِرَاضُ،  والمراد بـ (غلام المالك) عبده المعلوم بالمشاهدة أو الوصف، فإن لم يكن معلوماً .. فسد العقد، وإنما عبر بالغلام لكراهة إطلاق لفظ العبد على المملوك، والظاهر أن الموصى له بمنفعته والمستأجر كذلك، ولو لم يشترط الغلام معه ولكن شرط له جزاء من الربح .. صح، وهو للمالك، نص عليه.
تنبيه: سكوته عن بيان ذكر نوع ما يتجر فيه مشعر بأنه لا يعتبر، ويحمل الإطلاق على العرف، وهو المصحح في (الروضة)، لكن جزم الجرجاني باشتراطه.
ولو قيل: إن اطرد العرف ببلد العقد بشيء نزل الإطلاق عليه وإلا وجب التعيين .. لكان متجهاً.
قال: (ووظيفة العامل التجارة وتوابعها كنشر الثياب وطيها) وهي الاسترباح بالبيع والشراء، لا الحرفة كالطحن والخبز.
و (الوظيفة) بالظاء المشالة، والجمع: وظائف، وهي: ما يتقدر على الإنسان في كل يوم ونحوه.
واحترز بقيد (التجارة) عن المسألة الآتية وهي: الطحن والخبز ونحوهما فإن العامل فيها يسمى محترفاً.
قال: (فلو قارضه ليشتري حنطة فيطحن ويخبز، أو غزلاً فينسجه ويبيعه .. فسد القراض)، وكذلك لو اشترط عليه أن يشتري الثوب ويقصره أو يصبغه أو يخيطه ويبيعه؛ لأنها أعمال مضبوطة يمكن الاستئجار عليها، فلا ضرورة إلى ارتكاب جهالة مستغنى عنها.

وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ شِرَاءَ مَتَاعٍ مُعَيَّنٍ أَوْ نَوْعٍ يَنْدُرُ وُجُودُهُ، أَوْ مُعَامَلَةَ شَخْصٍ  قال ابن الرفعة: فلو شرط أن يستأجر من يفعل ذلك من مال القراض وحظ العامل التصرف فقط .. فتظهر الصحة، فلو قارضه على نقد بمصر لينقله إلى الشام مثلاً ويشتري به هناك بضائع ويبيعها أو ينقلها إلى مصر ويبيعها بها .. ففي صحة العقد وجهان: ذهب الأكثرون إلى الفساد؛ لأن النقل عمل مقصود وقد شرطه مع التجارة.
وعلى هذا إذا سافر وتصرف .. صح ويستحق أجرة المثل دون المشروط، وعليه حمل بعض الأصحاب معاملة أبي موسى لولدي أمير المؤمنين عمر كما تقدم.
والثاني: يصح، وبه قال طائفة من المحققين، وقيده الإمام بالأموال الكثيرة والتجارات الثقيلة.
قال: (ولا يجوز أن يشرط عليه شراء متاع معين أو نوع يندر وجوده، أو معاملة شخص)؛ لأنه تضييق يخل بمقصود القراض.
ولو شرط شراء نوع لا يندر لكنه لا يدوم كالثمار الرطبة .. فالأصح الجواز، فلو قال: إذا انقطع فتصرف في غيره .. صح قطعاً.
ولو قال قبل إدراك البطيخ مثلاً: قارضتك على أنك تتصرف فيه إذا أدرك .. ففي صحته وجهان في (تعليق القاضي حسين).
ولو شرط التصرف في سوق معين .. صح، أو حانوت .. فلا؛ للتضييق، قاله الماوردي.
والإذن في البز تناول ما يلبس من منسوج من الإبريسم والقطن والكتاب والصوف

وَلاَ يُشْتَرَطُ بَيَانُ مُدَّةِ الْقِرَاضِ، فَلَوْ ذَكَرَ مُدَّةً وَمَنَعَةُ التَّصَرُّفَ بَعْدَهَا .. فَسَدَ، وَإِنْ مَنَعَهُ مِنَ الشِّرَاءِ بَعْدَهَا .. فَلا فِي الأَصَحِّ.
دون البسط والفرش، وفي الأكسية وجهان؛ لأنها ملبوسة، لكن لا يسمى بائعها بزازاً، والأصح في زوائد (الروضة): عدم التناول.
قال: (ولا يشترط بيان مدة القراض) بخلاف المساقاة؛ لأن مقصود القراض الربح وليس له أمد ينتظر بخلاف الثمرة، ولأنهما قادران على فسخ القراض متى أراد بخلاف المساقاة.
قال: (فلو ذكر مدة ومنعه التصرف بعدها .. فسد)؛ لأنه يخل بمقصود العقد فإنه قد لا يجد راغباً في المدة فلا تحصل التجارة والربح، ومع ذلك هو مخالف لمقتضى العقد أيضاً فإن مقتضاه بعد الفسخ تنضيض رأس المال، ومنعه من التصرف بعد المدة يمنع من ذلك.
قال: (وإن منعه من الشراء بعدها .. فلا في الأصح)؛ لأن المالك متمكن من منعه من الشراء في كل وقت، فجاز أن يتعرض له في العقد بخلاف المنع من البيع.
والثاني: يفسد؛ لأن ما كان وضعه على الإطلاق كان التأقيت منافياً له كالبيع والنكاح.
وصورة المسألة- كما قال الإمام-: أن تكون المدة يتأتى فيها الشراء لغرض الربح بخلاف ساعة ونحوها، فلو قال: قارضتك سنة ولم يزد .. فالأصح المنصوص: البطلان.
فرع: لا يجوز تعليق القراض بأن يقول: إذا جاء رأس الشهر .. فقد قارضتك؛ قياساً على غيره من العقود، فلو نجزه وعلق التصرف كقوله: قارضتك الآن ولكن لا تتصرف إلا بعد شهر .. فالأصح: البطلان.
وقيل: يصح كالوكالة، والفرق ظاهر.

وَيُشْتَرَطُ اخْتِصَاصُهُمَا بِالرِّبْحِ وَاشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ، فَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ الرِّبْحِ لَكَ .. فَقِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: قَرْضٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ قَالَ: كُلُّهُ لِي .. فَقِرَاضٌ فَاسدٌ، وَقِيلَ: إِبْضَاعٌ.
قال: (ويشترط اختصاصهما بالربح) فلو قال: قارضتك على أن يكون ثلث الربح لك والثلث لي والثلث لولدي أو لأجنبي مثلاً .. فسد الشرط والعقد إلا أن يشترط على من جعل له شيئاً من الربح العمل مع العامل فيكون قراضاً مع اثنين، فلو كان المشروط له عبداً لأحدهما .. صح.
ولو قال: نصف الربح لك ونصفه لي ومن نصيبي نصفه لزوجتي .. صح، وذلك منه لزوجته وعد هبة.
ولو أطلق قوله: قارضتك ولم يتعرض للربح .. فالمشهور في (المطلب) و (الكفاية) فساده.
وعن ابن سريج: يصح ويحمل على المناصفة، وعلى الأول في استحقاق أجرة المثل وجهان.
قال: (واشتراكهما فيه)؛ لأن ذلك موضوع القراض.
قال: (فلو قال: على أن كل الربح لك .. فقراض فاسد)؛ اعتباراً باللفظ.
قال: (وقيل: قرض صحيح) اعتباراً بالمعنى.
قال: (وإن قال: كله لي .. فقراض فاسد، وقيل: إبضاع) أي: بضاعة جميع ربحها للمالك والعامل وكيل متبرع.
ومثار التردد أن الاعتبار بصيغ العقود أم بمعانيها، فإذا قيل: قراض فاسد فيهما .. استحق أجرة المثل في الأولى لا الثانية في الأصح، ولو قال: تصرف والربح كله لي .. فإبضاع بلا خلاف.

وَكَوْنُهُ مَعْلُوماً بِالْجُزْئِيَّةِ، فَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ لَكَ فِيهِ شَرِكَةٍ أَوْ نَصِيباً .. فَسَدَ، ..

 و (الإبضاع): بعث المال مع من يتجر فيه متبرعاً، و (البضاعة): المال المبعوث.
قال: (وكونه معلوماً بالجزئية) كالنصف والربع والثلث، ولا يضر جهلهما بمقدار ذلك الجزء حالة العقد على الأصح.
قال: (فلو قال: على أن لك فيه شركة أو نصيباً .. فسد)؛ لجهالة العوض، وكذا لو قال: مثل ما شرطه فلان لفلان وكانا أو أحدهما جاهلين به.
ولو قال: على أن لك سدس تسع عشر الربح، فإن كان حاسباً يفهم معناه في الحال .. صح، وإلا .. فوجهان: أحدهما: يفسد للجهل.
والأصح: الصحة؛ لأنه معلوم من الصيغة وهو جزء من منتهى الضرب.
وطريقه: أن يضرب تسعة في عشرة تبلغ تسعين، ثم يضرب التسعين في ستة تبلغ خمس مئة وأربعين، فعشرها أربعة وخمسون، وتسع أربعة وخمسين ستة، وسدسها واحد، فيكون للعامل درهم واحد وهو جزء من خمس مئة وأربعين جزءاً قال الماوردي: إلا أنا نحب لهما أن يعدلا عن هذه العبارة الغامضة إلى ما يعرف بالبديهة من أول وهلة؛ لأن هذه العبارة قد ترجع إلى الإغماض كما قال أبو نواس في وصف محبوبته جنان [من الهز]: لها الثلثان من قلبي ... وثلثا ثلثه الباقي وثلثا ثلث ما يبقى ... وثلث الثلث للساقي وتبقى أسهم ست ... تقسم بين عشاقي فانظر إلى هذا الشاعر وبلاغته وحسن عبارته كيف أغض كلامه وقسم قلبه وجعله مجزءاً على أحد وثمانين جزءاً هي مخرج تسعة في تسعة، فجعل لمن خاطبه أربعة وسبعين جزءاً من ذلك، وعل للساقي جزءاً، وتبقى ستة أجزاء يقسمها على من يحب.

أَوْ بَيْنَنَا .. فَالأَصَحُّ: الصِّحَّةُ، وَيَكُونُ نِصْفَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: لِيَ النِّصْفُ .. فَسَدَ فِي الأَصَحِّ، فَلَو قَالَ: لَكَ النِّصْفُ .. صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا عَشَرَةً أَوْ رِبْحَ صِنْفٍ .. فَسَدَ.
قال: (أو بيننا .. فالأصح: الصحة، ويكون نصفين) كما لو قال: هذه الدار بين زيد وعمرو.
والثاني: لا يصح كما لو قال: بعتك بألف ذهباً وفضة.
قال: (ولو قال: لي النصف .. فسد في الأصح)؛ لأنه لم يشترط شيئاً للعامل.
والثاني: يصح ويكون النصف الآخر للعامل؛ لأنه السابق إلى الفهم حملاً على موجب القراض من اشتراكهما في الربح، فبيان نصيب أحدهما يظهر الآخر كقوله تعالى: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ فإن فيه دلالة على أن الباقي للأب.
ولو قال: لي النصف ولك الثلث .. فوجهان: أحدهما: يفسد للجهل بحكم السدس.
والثاني: يصح، ويكون المسكوت عنه للمالك مضموماً إلى النصف.
وفي هذه المواضع كلها إذا كان بلفظ (قارضتك) وفسد فللعامل أجرة المثل إذا قال: تصرف.
قال: (فلو قال: لك النصف .. صح على الصحيح)؛ لأنه بين نصيب العامل، وما بقي للمالك بحكم الأصل.
والثاني: لا يصح؛ لأنه لم يبين ما له من المال، ولو قال: لك ربح نصف المال .. لم يصح، وقيل: يصح كقوله: لك نصف ربحه.
قال: (ولو شرط لأحدهما عشرة) أي: بفتح العين والشين (أو ربح صنف .. فسد)؛ لأنه قد لا يربح غير العشرة، أو لا يربح غير ذلك الصنف، ولو قال: ربح أحد الألفين لك وربح الآخر لي وهما مميزان .. فسد، وكذا إن لم يتميز في الأصح.

فَصْلٌ: يُشْتَرَطُ إِيجَابٌ وَقَبُولٌ- وَقِيلَ: يَكْفِي الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ-  تتمة: قال: قارضتك ولم يزد عليه .. قال ابن سريج: يصح: ويحمل على أن الربح بينهما نصفين، وقال القاضي والإمام المتولي: لا يصح كما لو قال: بعتك هذا، فقال: اشتريت ولم يذكرا ثمناً.
ولو قال: قارضتك على أنك إن اتجرت في البز فلك نصف الربح وإن اتجرت في الخيل فلك ثلثه .. لم يصح، وكذا لو جعل له ربح الربح إن اتجر في البلد ونصفه إن سافر.
ولو قال: خذ هذه الدراهم وابتع بها على أن ما رزقه الله تعالى من ربح يكون بيننا نصفين .. لم يصح، وإن قال: خذها واعمل فيها .. صح لاقتضاء العمل البيع بخلاف الابتياع، قاله الروياني.
قال: (

فصل

: يشترط إيجاب وقبول)؛ لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع وغيره، ويشترط فيه الاتصال المعتبر في البيع، ومراده بـ (الشرط) ما لابد منه.
ولفظ الإيجاب المتفق عليه: قارضتك أو ضاربتك أو عاملتك على أن تشتري وتبيع ويكون الربح بيننا نصفين، وكذا إن لم يتعرض للشراء والبيع على الصحيح؛ لأن لفظ القراض يغني عنه، ويكفي قول الوارث: قررتك أو تركتك في الأصح.
قال: (وقيل: يكفي القبول بالفعل) كما في الوكالة والجعالة، ومحل هذا الوجه إذا كانت صيغة الإيجاب: خذ هذه الدراهم واتجر فيها أو نحو ذلك، أما لفظ: قارضتك أو ضاربتك أو عاملتك .. فلابد من القبول فيه باللفظ جزماً؛ لأن هذه الألفاظ تقتضي المفاعلة.

وَشَرْطُهُمَا كَوَكِيلٍ وَمُوَكِّلٍ.
وَلَوْ قَارَضَ الْعَامِلُ آخَرَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ لِيُشَارِكَهُ فِي الْعَمَلِ وَالرِّبْحِ .. لَمْ يَجُزْ فِي الأَصَحِّ،  وظاهر كلام القاضي أنه لا يحتاج إلى القبول فيما عقد بلفظ المضاربة ويكفي التصرف، وهو نظير وجه في الوكالة.
قال: (وشرطهما كوكيل وموكل)؛ لأن القراض توكيل وتوكيل، فاعتبر فيهما ما اعتبر ثم، فلا يجوز من صبي ولا سفيه.
وأما المحجور عليه بالفلس .. فلا يصح أن يقارض، ويصح أن يكون عاملاً على الصحيح.
ويجوز للإنسان أن يقارض على مال من هو في ولايته من صبي وسفيه ومجنون، سواء كان الولي أباً أو جداً أو وصياً أو حاكماً أو أمينه.
قال المتولي: ويستحب له أن يستقصي فيما يشترط من الربح للعامل حتى لا يستفيد أكثر من أجرة المثل، إلا أنه لو شرط أكثر من ذلك .. صح.
ولا يصح أن يقارض العبد المأذون بغير إذن سيده ولا يقارض.
فرع: قارض المريض في مرض الموت وشرط للعامل أكثر مما جرت به العادة .. صح، فإذا تصرف وربح .. سلم له ما شرطه وإن زاد على أجرة مثله، ولا يحسب من الثلث، كما تزوج المريضة نفسها بدون مهر المثل، ويؤجر المريض نفسه بدون أجرة المثل، ولا يحسب الناقص من الثلث على المذهب فيهما إلا إذا كان الزوج وارثاً، بخلاف ما إذا ساقى في مرض موته وجعل للعامل من الثمرة أكثر من أجرة مثله .. فإن الزيادة تحسب من الثلث على الأصح.
قال: (ولو قارض العامل آخر بإذن المالك ليشاركه في العمل والربح .. لم يجز في الأصح)؛ لأن القراض على خلاف القياس فلا يعدل به عن موضوعه وهو: أن

وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ فَاسِدٌ، فَإِنْ تَصَرَّفَ الثَّانِي .. فَتَصَرُّفُ غَاصِبٍ، فَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَقُلْنَا بِالْجَدِيدِ ..  يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له والآخر عاملاً لا ملك له.
والثاني: يجوز كما يجوز للمالك أن يقارض شخصين ابتداء، وقواه الشيخ.
وعلى هذا: إنما يشتركان في الربح إذا وجد العمل منهما، فلو عمل أحدهما فقط .. لم يستحق الآخر شيئاً بالكلية.
واحترز بقوله: (ليشاركه في العمل) عما إذا أذن له في ذلك على أن ينسلخ هو من القراض ويكون وكيلاً فيه عن المالك .. فإنه يصح جزماً كما لو قارضه المالك بنفسه، قال في (المطلب): ومحله إذا كان المال مما يجوز عليه القراض، فلو اتفق ذلك بعد تصرفه وصيرورته عرضاً .. لم يجز؛ لأنه ابتداء قراض على العروض.
قال: (وبغير إذنه فاسد)؛ لأن المالك لم يأذن فيه، سواء قصد المشاركة في العمل والربح أم في الربح دون العمل أم قصد الانسلاخ.
وشبهه الإمام- إذا قصد الانسلاخ بغير إذن- بما إذا أراد الوصي أن ينزل منزلته في حياته وصياً يقيمه مقام نفسه في جميع ما هو منوط به، وذلك ممنوع.
قال الشيخ: ومثله ناظر الوقف المشروط له النظر، ليس له أن يقيم غيره مقامه وإخراج نفسه منه، قال: وقد وقعت هذه المسألة في الفتاوى ولم أتردد في أن ذلك ممنوع، وسيتأتي المسألة في (باب الوقف) مبسوطة.
قال: (فإن تصرف الثاني .. فتصرف غاصب)؛ لأن الإذن صدر من غير مالك ولا وكيل.
قال: (فإن اشترى في الذمة) أي: وسلم ما أخذه من الأول ثمناً وربحاً.
قال: (وقلنا بالحديد) وهو أن الربح كله للغاصب لصحة الشراء في الذمة، ولم يتقدم للجديد ذكر حتى يفرع عليه.

فَالرِّبْحُ لِلْعَامِلِ الأَوَّلِ فِي الأَصَحِّ، وَعَلَيْهِ للِثَّانِي أُجْرَتُهُ- وَقِيلَ: هُوَ لِلثَّانِي- فَإِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ .. فَبَاطِلٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَ الْوَاحِدُ اثْنَيْنِ مُتَفَاضِلاً وَمُتَسَاوِياً، وَالاِثْنَانِ وَاحِداً  والقديم: أن الربح للمالك؛ إذ لو جعلناه للغاصب لاتخذه الناس ذريعة إلى الغصب.
قال: (.. فالربح للعامل الأول في الأصح)؛ لأنه تصرف بإذنه كالوكيل، سواء علم بالحال أم لا.
قال: (وعليه للثاني أجرته)؛ لأنه لم يتبرع، وهذه زيادة على (المحرر).
قال: (وقيل: هو الثاني)؛ لأنه المتصرف كالغاصب، وهو قوي عند علمه بالحال، واختاره الشيخ.
قال: (فإن اشترى بعين مال القراض .. فباطل)؛ لأنه فضولي، وفيه القول القديم القائل بوقف العقود.
هذا كله إذا تصرف الثاني وربح، أما لو هلك المال في يده، فإن كان عالماً بالحال .. فغاصب، وإن ظن العامل مالكاً .. فهو كالمستودع من الغاصب؛ لأن يده يد أمانه.
وقيل: كالمتهب منه، لعود النفع إليه، فعلى الأول قرار الضمان على الأول، وعلى الثاني على الثاني.
قال: (ويجوز أن يقارض الواحد اثنين متفاضلاً ومتساوياً)؛ لأن ذلك كعقدين، وليس كشركة الأبدان.
وشرط المسألة: أن يجعل لكل منهما الاستقلال، فإن شرط على كل مراجعة الآخر .. لم يجز، قاله الإمام.
قال الرافعي: وما أظن الأصحاب يساعدونه عليه، والمشهور في (المطلب) إطلاق الجواز كما قاله الرافعي، لكن لابد من تعيين مستحق الأكثر والأقل.
قال: (والاثنان واحداً)؛ لأن كلا منهما قارض على نصيبه مشاعاً.

وَالرِّبْحُ بَعْدَ نَصِيبِ الْعَامِلِ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ الْمَالِ.
وَإِذَا فَسَدَ الْقِرَاضُ .. نَفَذَ تَصَرُّفُ الْعَامِلِ، وَالرِّبْحُ لَلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ إِلاَّ إِذَا قَالَ: قَارَضْتُكَ وَجَمِيعُ الرِّبْحِ لِي .. فَلاَ شَيْءَ لَهُ فِي الأَصَحِّ.
وَيَتَصَرَّفُ الْعَامِلُ: مُحْتَاطاً ..

 قال: (والربح بعد نصيب العامل بنيهما بحسب المال) فلو شرطا خلافه .. فسد، وكذا لو شرطا كون الباقي بين المالكين على غير ما تقتضيه نسبة المالين .. فهو فاسد أيضاً، أما إذا جعل أحدهما له من نصيبه الثلث والآخر الربع .. جاز.
قال: (وإذا فسد القراض .. نفذ تصرف العامل)؛ لأن الفساد في القراض لا في الإذن.
قال: (والربح للمالك)؛ لأنه نماء ملكه.
قال: (وعليه للعامل أجرة مثل عمله) سواء حصل في المال ربح أم لا؛ لأنه عمل طامعاً في المسمى، فإذا لم يحصل له .. وجب أن يرد عليه أجرة مثل عمله، وقيل: إن لم يكن ربح .. فلا شيء له، وزيفة الإمام.
قال: (إلا إذا قال: قارضتك وجميع الربح لي .. فلا شيء له في الأصح)؛ لأنه عمل مجاناً.
والثاني: يستحق الأجرة كالمهر في النكاح الفاسد، وفي (الكفاية) و (المطلب): أن هذا الوجه هو الصحيح، والخلاف مفرع على الأصح وهو: أنه قراض فاسد، فإن قلنا: إبضاع .. لم يكن له شيء قطعاً.
فإن قيل: لو ساقاه شريكه على أن يكون له جميع الثمار فالأصح: استحقاق الأجرة .. فالجواب: إنما كان كذلك؛ لأن جميع العمل يصرف إليه.
قال: (ويتصرف العامل محتاطاً)؛ لأنه وكيل، والمراد: أنه يتصرف به في المصلحة كما عبر به في (الروضة).

لاَ بِغَبْنٍ وَلاَ نَسِيئَةٍ بِلاَ إِذْنٍ.
وَلَهُ الْبَيْعُ بِعَرْضٍ.
وَلَهُ الرَّدُّ بِعَيْبٍ تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَةٌ،

 وقوله: (محتاطاً) أحسن من قول (المحرر): (بالغبطة)؛ لأنه يفهم أنه لا ينعقد تصرفه إذا خلا عنها وعن المفسدة، كما إذا اشترى الشيء بقيمة مثله وليس كذلك.
نعم؛ قال الماوردي: ليس له أن يشتري شيئاً بثمن مثله وهو لا يرجو فيه ربحاً.
قال: (لا بغبن) أي: فاحش لا يحتمل كالوكيل.
قال: (ولا نسيئة بلا إذن)؛ لما فيه من الغرر، وهل يجب التعرض للمدة أو لا؟ قال ابن الرفعة: يأتي فيه من ذكر في (الوكالة).
فإن باع نسيئة .. وجب عليه الإشهاد، ويكون بتركه ضامناً، ولا حاجة إليه في البيع حالاً؛ لأنه يحبس المبيع إلى استيفاء الثمن، فإن سلمه قبل الاستيفاء .. ضمن.
أما الشراء بالنسيئة .. فسكت عنه الشيخان، وصرح الماوردي بجوازه وقال: لو شرط عليه البيع بالمؤجل دون الحال .. فسد، قال: ولا يجوز عند الإذن في النسيئة أن يبيع ويشتري سلماً؛ لأن عقد السلم أكثر غرراً.
قال: (وله البيع بعرض)؛ لأن المقصود منه الاسترباح والبيع بالعرض طريق منه، بخلاف الوكيل.
وهو مشكل بالمنع في الشريك، وقياس جواز البيع بالعرض جوازه بغير نقد البلد، والذي جزم به البندنيجي وابن الصباغ وسليم والروياني بالمنع، وسكت الشيخان أيضاً عن الشراء بالعرض، والظاهر أنه أولى بالجواز.
قال: (وله الرد بعيب تقتضيه مصلحة)؛ لتعلق حقه به بخلاف الوكيل، ومحله إذا ظن السلامة فبان معيباً، وله شراؤه مع علمه بعيبه إن رآه مربحاً.

فَإِنِ اقْتَضَتِ الإِمْسَاكَ .. فَلاَ فِي الأَصَحِّ، وَلِلْمَالِكِ الرَّدُّ، فَإِنِ اخْتَلَفَا .. عُمِلَ بِالْمَصْلَحَةِ.
وَلاَ يُعَامِلُ الْمَالِكَ.
وَلاَ يَشْتَرِي لِلْقِرَاضِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَاسِ الْمَالِ، وَلاَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى الْمَالِكِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ،  قال: (فإن اقتضت الإمساك .. فلا في الأصح)؛ لإخلاله بمقصود العقد.
والثاني: له الرد قياساً على الوكيل، وهذا ظاهر نصه في (المختصر)، وقال الإمام: إنه متجه، فإن حطه عن رتبة الوكيل .. لا وجه له.
قال: (وللمالك الرد) أي: حيث جوزنا للعامل، بل هو أولى بجواز ذلك.
قال: (فإن اختلفا .. عمل بالمصلحة) سواء طلب المالك دون العامل الإمساك أو بالعكس؛ لأن كلاً منهما له حق، فإن استوى الحال في الرد والإمساك .. ففي (المطلب): يرجع إلى العامل.
قال: (ولا يعامل المالك) المراد: أنه لا يعامله بمال القراض دون غيره؛ لأن مال القراض ملكه فهو كالعبد المأذون، وفي المأذون وجه لا يبعد مجيئه هنا.
قال: (ولا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال)؛ لأن المالك لم يأذن فيه.
فرع: ليس للعامل أن يشتري بغير جنس المال، فلو كان رأس المال ذهباً ووجد سلعة تباع بالدراهم .. لم يشترها بالدراهم، بل يصطرف الدراهم بالذهب ثم يشتريها به، قاله الماوردي وتبعه في (المطلب) و (الكفاية) و (الجواهر)، وفيه نظر.
قال: (ولا من يعتق على المالك بغير إذنه)؛ لأن ذلك ينافي مقصود القراض.
وشملت عبارته الأصول والفروع ومن أقر بحريته ومستولدته التي بيعت لكونها مرهونة، واحترز عما إذا أذن فيه .. فإنه يصح، ثم إن لم يكن في المال ربح .. عتق على المالك وصار الباقي هو رأس المال، وإن كان فيه ربح وقلنا: يملك العامل

وَكَذَا زَوْجُهُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ فَعَلَ .. لَمْ يَقَعْ لِلْمَالِكِ، وَيَقَعُ لِلْعَامِلِ إنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ.
بالقسمة .. عتق أيضاً، وإن قلنا: يملك بالظهور .. عتق نصيب المالك عليه ثم يسري إلى الباقي إن كان موسراً.
ولو أعتق المالك عبداً من عبيد التجارة .. كان الحكم فيه كذلك، وعلم منه أن رب المال إذا كان ممن لا يعتق عليه القريب بالتملك كالمبعض والمريض الممنوع من ذلك .. فيشتري عامل القراض قريبه قطعاً.
قال: (وكذا زوجه في الأصح)؛ لما فيه من إضرار رب المال بانفساخ النكاح فلم يتضمنه إذنه.
والثاني: يجوز؛ لأنه قد يكون مربحاً.
والزوج يقع على الذكر والأنثى قال الله تعالى: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، وقال تعالى: ﴿وأصلحنا له زوجه﴾، وهو أعلم من تعبير (المحرر) بـ (زوجته) بـ (التاء) قبل (الهاء).
قال: (فإن فعل) أي: ما منعناه منه من الشراء بأكثر من رأس المال وشراء القريب والزوج (.. لم يقع للمالك، ويقع للعامل إن اشترى في الذمة) أي: إذا لم يصرح بالسفارة لما تقدم.
واحترز بقوله: (في الذمة) عما إذا اشتراه بالعين .. فإنه باطل من أصله، وكذلك لو اشترى في الذمة بشرط أن يوفي الثمن من مال القراض، قال الروياني.
وقال في (المطلب): كلام الأصحاب في هذه المسألة ونحوها يدل على أنه لا يجوز للعامل شراء الحيوان، ولا يظهر جوازه للولي؛ لما فيه من الغرر.

وَلاَ يُسَافِرُ بِالْمَالِ بِلاَ إِذنٍ.
وَلاَ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ حَضَراً، وَكَذَا سَفَرٌ فِي الأَظْهَرِ.
قال: (ولا يسافر بالمال بلا إذن) وإن كان السفر قريباً والطريق آمناً ولا مؤنة فيه؛ لأن فيه غرراً وتعريضاً للهلاك، وعن البويطي قول: إنه يجوز عند أمن الطريق كمذهب أبي حنيفة ومالك.
هذا إذا لم ينهه ولم يأذن، فإن نهاه .. لم يجز إجماعاً، وإن أذن .. جاز بحسب الإذن، كذا أطلقه الرافعي.
وقال المصنف: لا يجوز في البحر، أي: الملح إلا أن ينص عليه، فإن أطلق الإذن .. سافر إلى المواضع المأمونة التي جرت عادة أهل تلك البلد بالسفر إليها للمتجر، ومتى خالف .. ضمن.
قال القاضي والإمام: ويستمر القراض.
قال: (ولا ينفق منه على نفسه حضراً)؛ لأن العرف قاض بذلك.
قال: (وكذا سفر في الأظهر)؛ لأن النفقة قد تكون قدر الربح فيؤدي إلى انفراده به، وقد تكون أكثر فيؤدي إلى أن يأخذ جزءاً من رأس المال وهو ينافي مقتضاه.
والثاني: ينفق ما يزيد بسبب السفر كالإداوة والكراء ونحو ذلك.
وقيل: يطرد في كل ما يحتاج إليه من طعام وكسوة وإدام وغيرها، فإن قلنا: لا يستحق فشرطها .. بطل في الأصح، وإن قلنا بالاستحقاق .. ففرع الرافعي عليه فروعاً: منها: أنه يرد بعد رجوعه ما بقي من الآلات وفضل الزاد على الأصح.
ومنها: أنه لو كان معه مال لنفسه .. وزعت النفقة على قدر المالين إن كان ماله قدراً يقصد بالسفر.

وَعَلَيْهِ فِعْلُ مَا يُعْتَادُ؛ كَطَيِّ الثَّوْبِ وَوَزْنِ الْخَفِيفِ كَالذَّهَبِ وَالْمِسْكِ لاَ الأَمْتِعَةِ الثَّقِيلَةِ ونَحْوِهَا.
ومَا لاَ يَلْزَمُهُ لَهُ الاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الْعَامِلَ يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ بِالْقِسْمَةِ لاَ بِالظُّهُورِ.
ومنها: أن المأخوذ محسوب من الربح، فإن لم يكن ربح .. فهو خسران لحق المال، وأما الذي يأخذه الرصدي والخفير والمأخوذ ظلماً .. فهو من مال القراض.
قال: (وعليه فعل ما يعتاد؛ كطي الثوب ووزن الخفيف كالذهب والمسك)؛ لقضاء العرف بذلك كما تقدم.
قال: (لا الأمتعة الثقيلة ونحوها) كنقل المتاع من الخان إلى الحانوت والنداء عليه لجريان العرف بالاستئجار له.
قال: (وما لا يلزمه له الاستئجار عليه) أي: من مال القراض لأنه من تتمة التجارة ومصالحها، فلو تولاه بنفسه .. فلا أجرة له، وإن استأجر على ما يلزمه .. كانت الأجرة في ماله لا في مال القراض.
قال: (والأظهر: أن العامل يملك حصته من الربح بالقسمة لا بالظهور)؛ لأنه لو ملك بالظهور .. لكان شريكاً في المال، ولو كان شريكاً .. لكان النقصان الحادث بعد ذلك محسوباً عليهما وليس كذلك، وإلى هذا ذهب مالك والمزني.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: أنه يملك بالظهور قياساً على المساقاة وعملاً بالشرط، فإن مدلوله اشتراكهما في الربح بمجرد حصوله، فعلى هذا القول: لا يصح تصرفه فيه؛ لأنه غير مستقر.
وقد فرع المصنف على القولين في (باب زكاة التجارة) زكاة مال القراض، وعلى القول الأول: له في حق مؤكد فيورث عنه ويتقدم به على الغرماء، ويصح إعراضه عنه، ويغرمه له المالك بإتلافه المال واسترداده، وعلى القول بأن الملك بالظهور: لا يتصرف فيه؛ لعدم استقراره وللمالك فيه حق الوقاية.
فإذا فسخ القراض ونض رأس المال واقتسما .. استقر وخرج عن كونه وقاية، وكذا إن لم يقتسما على المذهب، وإن فسخ وهو عرض .. فلا على المذهب.

وَثِمَارُ الشَّجَرِ وَالنِّتَاجُ وَكَسْبُ الرَّقِيقِ وَالمَهْرُ الْحَاصِلَةُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ يَفُوزُ بِهَا الْمَالِكُ، وَقِيلَ: مَالُ قِرَاضٍ.
وَالنَّقصُ الْحَاصِلُ بِالرُّخْصِ مَحْسُوبٌ مِنَ الرِّبْحِ مَا أَمْكَنَ وَمَجْبُورٌ بِهِ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ بِآفَةٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْعَامِلِ فِي الأَصَحِّ،  فرع: لا يجوز للمالك تزويج جارية القراض؛ لأنه ينقصها فيضر بالعامل، ولو كان في المال جارية .. لم يكن للمالك وطؤها، سواء كان فيه ربح أم لا؛ لأنه لا يتحقق انتفاء الربح من المتقومات إلا بالتنضيض.
قال: (وثمار الشجر والنتاج وكسب الرقيق والمهر الحاصلة من مال القراض يفوز بها المالك)؛ لأنها ليست من فوائد التجارة.
وصورة المسألة: أن يشتري الشجر والرقيق والحيوان للتجارة، ففي مدة التربص للبيع تحصل هذه الفوائد، أما إذا اشتراها لذلك .. فإنه لا يفوز، وكسب الرقيق يشمل الصيد والاحتطاب وقبول الهبة والوصية.
قال: (وقيل: مال قراض)؛ لأنها من فوائده وحاصلة بسببه، وبهذا جزم الإمام.
فعلى هذا: الأصح أنها من الربح، وقيل: شائعة في الربح ورأس المال.
قال: (والنقص الحاصل بالرخص محسوب من الربح ما أمكن ومجبور بها)؛ لأن العرف يقتضي ذلك، وكذلك النقص الحاصل بالعيب والمرض الحادثين.
قال: (وكذا لو تلف بعضه بآفة أو غصب أو سرقة بعد تصرف العامل في الأصح)؛ لأنه نقص حصل في المال فيجبر بالربح كالنقص الحاصل بالرخص قياساً على ما سبق، لأن العامل إنما يستحق من الفاضل عن رأس المال.
والثاني: لا؛ لأن الحاصل بالرخص نقصان متعلق بتجارته، والحاصل بالعيب والمرض ناشئ من نفس المال الذي اشتراه.

فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ .. فَمِنْ رَاسِ الْمَالِ فِي الأَصَحِّ

فَصْلٌ: لِكُلٍّ فَسْخُهُ،  تنبيه: ما ذكره من صورة الغصب والسرقة هو فيما إذا تعذر أخذ البدل من المتلف، فإن أخذ .. استمر القراض فيه كما كان، والمخاصم المالك فقط إن لم يكن في المال ربح، وهما جميعاً إن كان فيه ربح.
وقيل: للعامل المخاصمة مطلقاً حفظاً للمال.
قال: (فإن تلف قبل تصرفه .. فمن رأس المال في الأصح) كما إذا دفع ألفين فتلف منهما ألف؛ لأن العقد لم يتأكد بالعمل.
والثاني: من الربح؛ لأنه قد صار مال قراض بقبضه.
تتمة: احترز المصنف بتلف البعض عن تلف الجميع، فإن كان بآفة سماوية قبل التصرف أو بعده .. ارتفع القراض، وكذا إن أتلفه المالك، وإن أتلف أجنبي جميعه أو بعضه، فإن أخذ منه بدله .. استمر القراض، وإن أتلفه العامل .. قال الإمام: يرتفع القراض وقال المتولي: لا يرتفع؛ لقيام البدل مقامه، وأبداه الرافعي بحثاً.
وبقي ما إذا تلف بعد التصرف فيه بالشراء دون البيع، كما إذا اشترى بألفين عبدين فتلف أحدهما .. فالمذهب أنه يتلف من الربح أيضاً، وقيل: من رأس المال.
قال: (

فصل

: لكل فسخه) متى شاء؛ لأنه في الابتداء وكالة، وفي الانتهاء إما شركة إذا ملكنا العامل بالظهور وإما جعالة إذا لم نملكه به، وكلها عقود جائزة.

وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ .. وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ الاِسْتِيفَاءُ إِذَا فَسَخَ أَحَدُهُمَا، وَتَنْضِيضُ رَاسِ الْمَالِ إِنْ كَانَ عَرْضاً،  وللفسخ ألفاظ سبق بعضها في الوكالة، ويقوم مقام قول المالك: (فسخت) قوله: (لا تتصرف)، وكذا استرجاعه المال منه.
ولو حبس العامل ومنعه التصرف أو قال: لا قراض بيننا أو باع ما اشتراه العامل .. لم ينعزل في أشبه الوجهين، وفي (الروضة) من زوائده: ينبغي أن يكون الأصح انعزاله بالإنكار، وصحح في (المهمات) الفرق بين أن يكون له غرض أو لا، قال: والواقع في (الروضة) لا اعتماد عليه.
قال: (ولو مات أحدهما أو جن أو أغمي عليه .. انفسخ) كالوكالة، وقد تقدم في الوكالة خلاف يعود هنا، وأن الشيخ اختار أن الإغماء لا يوجب العزل ولا يسلب الولايات وذكره هنا أيضاً.
وإذا كان الميت المالك .. فللعامل البيع واستيفاء الديون بغير إذن الوارث، بخلاف ما إذا مات العامل .. فإنه لا يملك وارثه والاستيفاء دون إذن المالك؛ لأنه لم يرض بتصرفه.
قال: (ويلزم العامل الاستيفاء إذا فسخ أحدهما) ليرد كما أخذ، ومقتضى إطلاقه أنه يجب عليه استيفاء رأس المال فقط، لكن صرح في (المرشد) بأنه يلزمه تنضيض جميع الدين.
وصورة المسألة: أن يكون المالك قد أذن له في المعاملة بالدين، فإذا انفسخ القراض وهناك دين .. لزم العامل أن يتقاضاه لينض سواء كان هناك ربح أم لا، وعند عدم الربح وجه غريب في (رفع التمويه).
قال (وتنضيض رأس المال إن كان) أي: ما بيده عند الفسخ (عرضاً) فيصيره نقداً من غير جنس المال، أو من

وَقِيلَ: لاَ يَلْزَمْهُ التَّنْضِيضُ إِنُ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ.
وَلَوِ اسْتَرَدَّ الْمَالِكُ بَعْضَهُ قَبْلَ ظُهُورِ رِبْحٍ وَخُسْرَانٍ .. رَجَعَ رَاسُ الْمَالِ إِلَى الْبَاقِي.
جنسه ولكنه من غير نوعه كالصحاح والمكسرة.
قال: (وقيل: لا يلزمه التنضيض إن لم يكن ربح)؛ لأن الغرض من البيع أن يظهر الربح فيصل العامل إلى حقه منه، وقد زال هذا المعنى.
وأفهمت عبارته أنه لا يلزمه تنضيض الجميع.
قال الإمام: والذي قطع به المحققون أن الذي يلزمه تنضضه قدر رأس المال، وأما الزائد عليه .. فهو كعرض مشترك لا يكلف أحدهما بيعه، وبهذا جزم في (الشرخ الصغير).
قال في (المطلب): إلا أن يكون بيع بعضه ينقص القيمة كالعبد، فالذي يظهر وجوب بيع الجميع فراراً من التشقيص.
وأطلق الرافعي استيفاء الدين، وظاهره التعميم وبه صرح ابن أبي عصرون ومال إليه في (المطلب)، وفي الفرق عسر، وإنما يلزم العامل البيع إذا طلبه المالك، وليس للعامل تأخير البيع إلى موسم رواج المتاع؛ لأن حق المالك معجل خلافاً لمالك.
ولو قال العامل للمالك: تركت حقي لك فلا تكلفني بالبيع .. لم تلزمه إجابته في أقرب الوجهين.
قال: (ولو استرد المالك بعضه قبل ظهور ربح وخسران .. رجع رأس المال إلى الباقي) كالتلف بآفة، فلو كان مئة فاسترد عشرة .. صار رأس المال تسعين؛ لأنه لم يبق في يده غيره.

وَإِنِ اسْتَرَدَّ بَعْدَ الرِّبْحِ .. فَالْمُسْتَرَدُّ شَائِعٌ رِبْحاً وَرَاسَ مَالٍ؛ مِثَالُهُ: رَاسُ الْمَالِ مِئَةٌ وَالرِّبْحُ عِشْرُونَ وَاسْتَرَدَّ عِشْرِينَ .. فَالرِّبْحُ سُدُسُ الْمَالِ، فَيَكُونُ الْمُسْتَرَدُّ سُدسُهُ مِنَ الرِّبْحِ، فَيَسْتَقِرُّ لِلْعَامِلِ الْمَشْرُوطُ مِنْهُ، وَبَاقيِهِ مِنْ رَاسِ الْمَالِ.
وَإِنِ اسْتَرَدَّ بَعْدَ الْخُسْرَانِ .. فَالْخُسْرَانُ مُوَزَّعٌ عَلَى الْمُسْتَرَدِّ وَالْبَاقِي، فَلاَ يَلْزَمُ جَبْرُ حِصَّةِ الْمُسْتَرَدِّ لَوْ رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ مِثَالُهُ: الْمَالُ مِئَةٌ وَالْخُسْرَانُ عِشْرُونَ ثُمَّ اسْتَرَدَّ عِشْرِينَ .. فَرُبُعُ الْعِشْرِينَ حِصَّةُ الْمُسْتَرَدِّ، وَيَعُودُ رَاسُ الْمَالَ إِلَى خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ.

 قال: (وإن استرد بعد الربح .. فالمسترد شائع ربحاً ورأس مال)؛ لعدم التمييز، وذلك على النسبة الحاصلة من جملة الربح ورأس المال، ويستقر ملك العامل على ما يخصه بحسب الشرط، ولا يسقط بالخسران الحاصل بعده.
قال: (مثاله: رأس المال مئة والربح عشرون واسترد عشرين .. فالربح سدس المال، فيكون المسترد سدسه من الربح، فيستقر للعامل المشروط منه، وباقية من رأس المال) فلا يجبر بما يحصل بعد ذلك من الخسران، فيستقر للعامل في مثالنا درهم وثلثان إن شرط له نصف الربح؛ لأن ما جعلناه ربحاً- وهو سدس العشرين- ثلاثة وثلث فيستقر له نصفها وهو درهم وثلثان حتى لا يسقط بالخسران الواقع بعده، فلو انحط بانخفاض السعر بعد ذلك إلى ثمانين .. أخذ العامل ما قلناه، والباقي- وهو ثمانية وسبعون وثلث- للمالك.
قال: (وإن استرد بعد الخسران .. فالخسران موزع على المسترد والباقي، فلا يلزم جبر حصة المسترد لو ربح بعد ذلك؛ لأنه لو رد الجميع بعد الخسران .. لم يلزمه شيء، ويصير رأس المال الباقي بعد المسترد وحصته من الخسران.
قال: (مثاله: المال مئة والخسران عشرون ثم استرد عشرين .. فربع العشرين حصة المسترد، ويعود رأس المال إلى خمسة وسبعين)؛ لأن الخسران يوزع على الثمانين لكل عشرين خمسة، فتحط العشرون المستردة وحصتها من الخسران وهو خمسة، فلو ربح بعد ذلك خمسة فبلغ ثمانين .. لم يأخذ المالك الجميع بل للعامل منها درهمان ونصف.

وَيُصَدَّقُ الْعَامِلُ بِيَمِينِهِ فِي قَوْلِهِ: لَمْ أَرْبَحْ، أَوْ لَمْ أَرْبَحْ، أَوْ لَمْ أَرْبَحْ إِلاَّ كَذَا، أَوِ اشْتَرَيْتُ هَذَا لِلْقِرَاضِ أَوْلِي، أَوْ لَمْ تَنْتَهِنِي عَنْ شِرَاءِ كَذَا، وَفِي قَدْرِ رَاسِ الْمَالِ،  قال: (ويصدق العامل بيمينه في قوله: لم أربح، أو لم أربح إلا كذا) عملاً بالأصل، فلو أقر بالربح ثم قال: غلطت في الحساب فلم أربح إلا كذا، أو لم أربح شيئاً، أو كذبت خوفاً من أن ينزع المالك المال مني .. لم يقبل؛ لأنه أقر بحق لغيره، لكنه إن ذكر شبهة محتملة .. فله تحليف المالك أنه لا يعلم ذلك، وإلا .. فوجهان.
ولو قال: خسرت بعد الربح الذي أخبرت به .. قبل منه عند الاحتمال بأن حدث كساد، فإن لم يحتمل .. لم يقبل.
قال: (أو اشتريت هذا للقراض أولى)؛ لأنه أخبر بقصده، وهذا يكون عند ظهور الربح تارة والخسران أخرى.
فرع: أقام بينة على أنه اشتراه بمال القراض .. ففي الحكم بها وجهان في (الروضة) و (أصلها) بلا تصحيح، الصحيح منهما: عدم الحكم، وعلى هذا: ترد العين إلى البائع، ويعاد الثمن إلى مال القراض.
وجزم في (المطلب) بالحكم بالبينة، وهو غريب لم يقل به سوى الإمام.
قال: (أولم تنهني عن شراء كذا)؛ لأن الأصل عدم النهي.
قال: (وفي قدر رأس المال)؛ لأن الأصل عدم دفع الزيادة، هذا إذا لم يكن ربح، وكذا إن كان على الصحيح، وفيه وجه: أن المصدق المالك، وهما مبنيان

وَدَعْوَى التَّلَفِ، وَكَذَا دَعْوَى الرَّدِّ فِي الأَصَحِّ، وَلَوِ اخْتَلَفَاَ فِي الْمَشْرُوطِ لَهُ .. تَحَالَفَا، وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
......

 على أن العامل شريك فيصدق، أو وكيل فيصدق المالك.
وفي وجه ثالث: أنهما يتحالفان، فإن اختلفا في جنس رأس المال .. صدق المالك ولا أجرة للعامل.
قال: (ودعوى التلف) كالمودع والوكيل، فإن ذلك السبب .. فعلى التفصيل في الوديعة.
قال: (وكذا دعوى الرد في الأصح)؛ لأنه أمين فأشبه المودع.
والثاني: لا؛ لأنه قبض العين لغرض نفسه فأشبه المرتهن والمستأجر، وفرق الأولون بأن العامل أخذ العين لمنفعة المالك، وهو إنما انتفع بالعمل في العين لا بالعين بخلاف المرتهن والمستأجر.
قال: (ولو اختلفا في المشروط له .. تحالفاً)؛ لأنهما اختلفا في عوض العقد مع اتفاقهما على مسمى صحيح فأشبها المتبايعين والمتآجرين.
قال: (وله أجرة المثل)؛ لأن مقتضى التحالف رجوع كل من العوضين لصاحبه، فإن تعذر .. فقيمته، وقد رجع المال وربحه للمالك فقياسه رجوع العامل للعمل لكنه تعذر فأوجبنا أجرة مثله.
وقيل: إن زادت على ما ادعاه العامل .. لم تجب الزيادة.
ثم إذا تحالفا .. فظاهر كلام المصنف يشعر بأن العقد ينفسخ بذلك، وفي زوائد (الروضة): أن حكمه حكم البيع، وهو القياس.
فرع: تلف المال فادعى المالك القرض والأخذ القراض .. فالمصدق الآخذ، أفتى به البغوي وابن الصلاح؛ لأنهما اتفقا على جواز التصرف، والأصل: عدم الضمان.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولو أقاما بينتين .. ففي المقدم منهما وجهان في زوائد (الروضة).
تتمة: قارض إنساناً على ألف، فتصرف فيها فخسر مئة ونض المال في يده تسع مئة، فخاف من المالك أن يراه ناقصاً فيسترجع منه المال فاستقرض من غيره مئة وأضافها إلى المال، ثم عرضه على المالك كاملاً رجاء أن يقره في يده فيرد القرض إلى مالكه، ففسخ المالك العقد واسترد الألف .. نقل المتولي عن الشافعي أنه نقل عن ابن القاسم صاحب مالك أن للمقرض أن يسترجع المئة من رب المال.
قال الشافعي: وهذا غلط؛ لأن العامل ملكها بالقرض واعترف أن جميع المال حق المالك وسلمه إليه، فإذا رجع فيه .. لم يقبل رجوعه، والمقرض لم يعطه شيئاً فلا مطالبة له عليه.


خاتمة مات العامل ولم نجد مال القراض بعينه في تركته .. أفتى ابن الصلاح وفاقاً لصاحبي (البيان) و (الشامل) بأنه يضمن، ولا شك أنه أولى بالتضمين من المودع؛ لأن الوديعة ليس له التصرف فيها بخلاف القراض، وصرح الخوارزمي بعكس ما قاله ابن الصلاح وغيره.
وقال الشيخ: إن وجد في التركة ما يمكن أن يكون اشترى بمال القراض .. يوفى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القراض منه مقدماً على الديون، وإن لم يوجد ما يحتمل .. فلا ضمان، وتختص التركة بالغرماء والورثة، والمسألتان في غاية الإشكال؛ لتعارض الأمانة ووجوب الأداء وبراءة الذمة وبقاء المال، وللشيخ رحمه الله في المسألة تصانيف شهيرة.
والله سبحانه وتعالى أعلم


كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ تَصِحُّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَلِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ بِالْوِلاَيَةِ

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل