هي جمع شهادة، وهي: الإخبار بما شوهد وعلم بلفظ خاص مأخوذ من الشهود وهو الحضور.
قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والشاهد: حامل الشهادة ومؤديها؛ لأنه مشاهد لما غاب عن غيره.
وقيل: مأخوذة من الإعلام، قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: أعلم وبين.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ﴾، ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وهذا أمر إرشاد.
وروى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشهادة فقال: (هل ترى الشمس؟) قال: نعم، قال: (على مثلها فاشهد أو دع) صححه الحاكم [4/ 98]، وضعفه البيهقي [10/ 156].
وافتتح الباب في (المحرر) بحديث: (أكرموا الشود؛ فإن الله يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظلم) رواه العقيلي [1/ 64] عن ابن عباس وضعفه، ورواه الخطيب البغدادي [5/ 94] وابن النجار، والبانياسي في (جزئه) المشهور، والنقاش في كتاب (القضاة والشهود)، وابو منصور الديلمي في (مسند الفردوس) بإسناد غريب.
وقال الذهبي في (الميزان) [4/ 355]: إنه حديث منكر.
ولأن الحاجة داعية إليها، ولا خلاف بين المسلمين فيها.
قال: (شرط الشاهد: مسلم) قلا تقبل شهادة الكافر على مسلم ولا كافر؛ لقوله تعالى: ﴿شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾، والكافر ليس من رجالنا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي عبارة المصنف تجوز، والذي في (المحرر) و (الروضة) وغيرهما الإسلام والحرية والتكليف، وهو الصواب.
وقبل أبو حنيفة شهادة بعض الكفار على بعض، وأحمد في الوصية عند فقد المسلم؛ لقوله تعالى ﴿أَوْءِاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ عملاً بتفسير ابن عباس وأبي موسى الأشعري.
وعورضا بقول الحسن والزهري وغيرهما: من غير عشيرتكم، وأيده الشافعي بقوله تعال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾، والصلاة للمسلمين.
وقيل: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، وأنكر ابن حزم دعوى النسخ فيها؛ لأن المائدة من آخر ما نزل لم ينسخ منها شيء، ولا خلاف أنها نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن بداء.
روى البخاري [2780] والدارقطني [4/ 168] وغيرهما عن ابن عباس قال: كان تميم الداري وعدي يختلفان إلى مكة، فخرج معهما فتى من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جامًا من فضة مخوصًا بالذهب، فاستحلفهما النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كتمتما ولا اطلعتما؟) ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشترينا من عدي وتميم، فجاء الرجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا قال: (فأخذوا الجام) وفيه نزلت هذه الآية، لفظ الدارقطني.
وروى الترمذي [3059] عن تميم الداري في هذه الآية: أن تميمًا وعدي بن بداء كانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام بتجارتهما وقدم عليهما مولىَ لبني سهم يقال له: بديل ابن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله.
قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناها أنا وعدي بن بداء، فلما قمنا إلى أهله .. دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره.
حُرٌّ، مُكَلَّفٌ،
قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمس مشة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستخلفوا بما يعظم على أهله دينه فحلف فأنزل الله تعالى الآية قم قال: حديث غريب ليس إسناده بصحيح.
وقال أبو عمر وغيره: ولا يعرف لعدي إسلام وهو الصواب، خلافًا لابن منده وأبي نعيم.
واحتج الأصحاب بأن المعروف بالكذب ومرتكب الكبيرة من المسلمين لا تقبل شهادته، والكافر يكذب على الله، وشهد الله بكذبه وفسقه، وهو متلبس بأكبر الكبائر فأولى أن لا تقبل شهادته.
وفي (سنن البيهقي) [10/ 163]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلا المسلمون؛ فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم).
قال: (حر) فلا تقبل شهادة الرقيق قنًا كان أو مكاتبًا أو مدبرًا أو مبعضًا أو أم ولد؛ لأنه ناقص الحال قليل المبالاة، فلا يصلح لهذه الأمانة، ووافقنا أبو حنيفة على عدم قبول شهادته، وقبلها أحمد وإسحاق وابن المنذر، وقال الطبري: إنه القياس؛ إذ ليس للحرية أثر في التصديق والتكذيب، وحكى الشيخ تاج الدين الفزاري في (فتاويه) عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال: أنا أعتقده، وقبل الشعبي والنخعي شهادته في الشيء التافه.
قال: (مكلف) فلا تقبل شهادة الصبي؛ لأنه لا حكم لقوله ولو كان مراهقًا.
وقبل مالك شهادة الصبيان في الجراحة الحاصلة بينهم في اللعب ما لم يتفرقوا، وجعله الهروي قولاً للشافعي، وعن أحمد قولان كمذهبنا ومذهب مالك.
عَدْلٌ، ذُو مُرُوءَةٍ،
لنا: ما روى الحاكم [2/ 286] عن ابن عباس: أنه سئل عن شهادة الصبيان فقال: قال الله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وليسوا ممن نرضى.
ولا تقبل شهادة المجنون؛ لأنه إذا لم تقبل شهادته على نفسه .. فعلى غيره أولى.
قال: (عدل) وهو الذي اعتدلت أحواله دينًا ومروءة، فلا تقبل شهادة الفاسق؛ لقوله تعالى: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
وروى أبو داوود [3596] عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية).
وقبله أبو حنيفة إذا غلب على الظن احترازه عن الكذب، لكن يستثنى منه إذا كان فسقه من جهة الدين كأهل الأهواء .. فإنهم فساق وتقبل شهادتهم وروايتهم على الصحيح الذي استمر عليه عمل السلف والخلف.
وقال الروياني: إذا جلس الشهود عند عقد النكاح على الحرير .. لا ينعقد؛ لأن التحمل للشهادة كالأداء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ينعقد، ولا نحكم بفسقهم بهذا القدر إذا لم يواظبوا عليه ولم يتكرر، قال: وهذا أصح عندي؛ لأن الصحيح: أن ذلك معدود من الصغائر كما سيأتي.
وروى البيهقي في (الشعب) [4885] عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مدح الفاسق في الأرض .. غضب الرب، واهتز له عرش الرحمن).
قال: (ذو مروءة)؛ لأن من لا مروءة له .. لا يستحي، ومن لا يستحي .. يصنع ما يشاء.
و (المروءة) بالهمز، ويجوز تركه مع تشديد الواو، وقيل: الرجولية، وقيل: الإنسانية، وقيل: أن لا يعمل عملاً في السر يستحي منه في العلانية، وحفظها من الحياء ووفور العقل، وطرحها إما لخبل أو قلة حياء وعدم مبالاة بنفسه.
و (ذو المروءة): من يصون نفسه من الأدناس، ولا يشينها عند الناس، وقيل: من يسير بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه.
غَيْرُ مُتَّهَمٍ، وَشَرْطُ الْعَدَالَةِ: اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَالإِصْرَارِ عَلَى صَغِيرَةٍ،
ولا يشترط أن يكون الشاهد معصومًا عن المعاصي كلها؛ فإنه لا معصوم إلا من عصم الله.
قال: (غير متهم)؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾، والريبة حاصلة بالمتهم.
وروى الحاكم [4/ 99] على شرط مسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجوز شهادة ذي الظنة ولا ذي الحنة) فـ (الظنة): التهمة، و (الحنة): العداوة.
وأهمل المصنف شرطًا سابعًا وهو: النطق، فشهادة الأخرس لا اعتبار بها، وثامنًا وهو: أن لا يكون محجوزًا عليه، ونقله في (الروضة) عن الصيمري، وجزم به الرافعي في (كتاب الوصية) ثم قال: فإن كان كما قال .. فهو شرط آخر غير ما تقدم.
واعترضه ابن الرفعة بأن السفه في المال مؤذن بخبل في العقل، فهو داخل فيما تقدم.
وجزم في (الجواهر) بقبول شهادة السفيه إذا كان سفهه بالتبذير وهو متصف بصفات العدالة، ولعل هذا في غير المحجور عليه وذاك في المحجور عليه.
قال: (وشرط العدالة: اجتناب الكبائر) أي: جميعها، فيفسق بواحدة منها؛ لأن الله تعالى حكم في قذف المحصنات برد الشهادة، وفيه تنبيه على ردها بجميع الكبائر.
قال: (والإصرار على صغيرة) فلا يشترط أن لا يقع منه، بل المضر الإصرار عليها؛ لأن الصغائر قل من يسلم منها إلا من عصم الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ وهي الصغائر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واعتبر الشافعي الأغلب، فإن كان الغالب الطاعة وندرت المعصية في بعض الأوقات .. فهو عدل، وإن كان الغالب الصغائر .. فهو فاسق وترد شهادته؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم﴾، فاعتبر الكثرة والغلبة؛ لأن في النفس دواعي الطاعات ودواعي المعاصي فاعتبر الأغلب كما قيل [من الرجز]:
من لك بالمحض وليس محض .... يخبث بعض ويطيب بعض
وهو كما يعتبر في الماء إذا اختلط بمائع.
وفسر الرافعي الإصرار بالمداومة على الفعل، لكنه قال: هل هو المداومة على نوع من الصغائر أو الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع أو أنواع؟ فيه وجهان، كلام الشافعي والجمهور يوافق الثاني.
فعلى هذا: لا تضر المداومة على نوع من الصغائر غذا غلبت الطاعات، وعلى الأول تضر.
وقال ابن عبد السلام: الإصرار: أن تتكرر منه الصغيرة تكرارًا يشعر بقلة مبالاته بذنبه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به الإصرار على أصغر الصغائر.
وعطف المصنف (الإصرار) على (الكبائر) من عطف الخاص على العام؛ لأن الإصرار كبيرة.
وحكى الزبيلي في (أدب القضاء) وجهًا: أنها لا تصير بالإصرار كبيرة، كما أن الكبيرة لا تصير بالمواظبة كفرًا.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: ليس في الذنوب صغيرة، ولم ينفرد بذلك؛ فقد قال به ابن عباس وطوائف من المتكلمين، ونسبه القاضي عياض إلى المحققين، وهو مشهور عند الأشعرية وإن كان غريبًا عند الفقهاء.
وقال في (البسيط): إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقه، وقد فهما من مدارك الشرع.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشيخ عز الدين: المعاصي والطاعات إنما تكون كذلك بحسب ظن فاعلها، فمن أتى مصلحة يظنها أو يعتقدها مفسدة ثم ظهر كذب ظنه كما لو قتل من يظنه معصومًا فبان مستحق القتل ونحو ذلك .. فإنه يعصي ويفسق، وينعزل عن ولايته، وترد شهادته وروايته، لكن لا يحد؛ لعدم تحقق المفسدة.
ومن أتى مفسدة يظنها مصلحة واجبة أو مندوبة أو مباحة كما لو وطىء امرأة يظنها زوجته فبانت أجنبية .. لم يعص، ولم يقدح في شهادته.
قال: وقد يكون الشيء في الظاهر معصية، لكن تقترن به نية صالحة تخرجه عن ذلك كالشهادة على المكوس، وأخذ الظلمة الأموال إذا قصد بها الشاهد حفظها على أربابها، والشهادة لهم ليرجعوا به في وقت آخر عند إمكانه برجوع السلطان إلى العدل أو تولية عدل، فإن ذلك يجوز، وإن قصدوا إعانة الظلمة .. لم يجز، ويجوز أن يأخذوا الأجرة بنية ردها إلى أربابها، إلا أن يكونوا من العلماء الذين يقلدهم الناس .. فلا يجوز؛ لأنهم لا يطلعون على نياتهم.
وللأصحاب في حد الصغيرة والكبيرة وجوه:
أحدها: الكبيرة الموجبة للحد.
الثاني: ما يلحق صاحبه الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة، وهذان الوجهان أكثر ما يوجد لهم، وهم إلى ترجيح الأول أميل، ولكن الثاني أمثل؛ فإن أكل الربا ومال اليتيم وقطع الرحم والعقوق والسحر والنميمة وشهادة الزور وغيرها من الكبائر، ولا حد فيها.
الثالث: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة.
الرابع: كل فعل نص الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب حدًا.
الخامس: في (روضة الحكام) ما يوجب الحد أو القتل عمدًا بغير حق أو شبه عمد.
السادس: ما أوجب الحد أو الوعيد، ذكره في (الحاوي).
السابع: عن الحليمي: كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتحقيق: أنها كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك.
وقد أعرض جماعة عن حدها واقتصروا على عدها، فقال الروياني: هي سبع، وقال ابن عباس هي إلى السبع مئة أقرب.
منها: السبع الموبقات، وشهادة الزور، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عنه بلا عذر، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والديانة والقيادة، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا عذر، ونسيان القرآن بعد تعلمه؛ لما روى أبو داوود [462] والترمذي [2916]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها) لكن في إسناده رجل ضعيف.
ومن الكبائر إحراق الحيوان بالنار، والنشوز، والظهار، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكره، وأكل لحم الخنزير والميتة بلا ضرورة، والوطء في الحيض، والشرب من آنية الذهب والفضة، والتختم بالذهب للرجال، ولبس الحرير بلا ضرورة، وأخذ المال غصبًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي (صحيح البخاري) [216]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل النميمة كبيرة).
وفي (الأذكار) [1/ 431]: أن رجلاً أتى إلى عمر بن عبد العزيز فذكر له عن رجل شيئًا فقال: إن شئت .. نظرنا في أمرك، فإن كنت صادقًا .. فانت من أهل هذه الآية: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾، وإن كنت كاذبًا .. فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، وإن شئت .. عفونا عنك، قال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إلى ذلك أبدًا.
قال: ورفع رجل رقعة إلى الصاحب ابن عباد يحثه فيها على أخذ مال يتيم وكان مالاً كثيرًا، فكتب على ظهرها: النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة، والميت يرحمه الله، واليتيم جبره الله، والمال ثمَّره الله، والساعي لعنه الله.
وقال أبو طالب المكي: الكبائر سبع عشرة:
أربع في القلب: الإشراك بالله، والإصرار على معصية الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكره.
وأربع في اللسان: قذف المحصنات، وشهادة الزور، والسحر، واليمين الغموس.
وثلاث في البطن: أكل أموال اليتامى ظلمًا، وأكل الربا وهو يعلم، وشرب كل مسكر.
واثنان في الفرج: الزنا واللواط.
واثنان في اليد: القتل والسرقة.
وواحدة في الرجل: الفرار من الزحف.
وواحدة في جميع الجسد: عقوق الوالدين.
ومن الصغائر: النظر إلى ما لا يجوز، والضحك من غير عجب، والكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والاطلاع في بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، والنياحة والصياح وشق الجيب في المصائب، والجلوس مع الفساق إيناسًا لهم،
وَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ عَلَى الصَّحِيحِ،
والصلاة المكروهة في الأوقات المنهي عنها، والبيع والشراء في المسجد، وإمامة القوم وهم له كارهون، والكلام والإمام يخطب، والوصال في الصوم على الأصح، والاستمناء، وكثرة الخصومات وإن كان محقًا؛ لأن الخصومة لجاج في الكلام يوغر الصدر، ويهيج الغضب، ويورث الحقد، ويطلق اللسان في العرض، فمن خاصم .. تعرض لهذه الآفات، والخصومة مبدأ الشر.
روى الترمذي [1994] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (كفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصمًا).
ومنها: الغيبة، وفي إطلاق القول بأنها من الصغائر نظر؛ فقد نقل القرطبي وغيره الإجماع على أنها من الكبائر، وقد غلظ أمرها في الكتاب والسنة، ولم يصرح من الأصحاب بكونها صغيرة إلا الغزالي وصاحب (العدة).
وقال في (البحر): لو نوى العدلُ فعل كبيرة غدًا كالزنا أو القتل .. لم يصر به فاسقًا، بخلاف نية الكفر؛ لأن نية الاستدامة شرط في الإيمان، بخلاف هذا.
اهـ
وهذا ينبني على أن أفعال القلوب يؤاخذ بها، وورد في ذلك وعكسه أخبار، وحرره الغزالي فقال: الذي يرد على القلب أربعة أشياء: الخاطر وهو: حديث النفس، ثم بعده الميل، ثم بعدهما الاعتقاد، ثم العزم بعدها.
فالخاطر والميل لا يؤاخذ بهما، والعزم يؤاخذ به قطعًا، وأما الاعتقاد .. فقد يكون اختياريًا فيؤاخذ به، وقد يكون اضطراريًا فلا يؤاخذ به.
قال: (ويحرم اللعب بالنرد على الصحيح)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من لعب بالنرد .. فقد عصى الله ورسوله) رواه مالك [2/ 958] وأحمد [4/ 394] وأبو داوود [4899] وابن ماجه [3762] وابن حبان [5872] والحاكم [1/ 50] من حديث أبي موسى الأشعري.
وفي (صحيح مسلم) [2260] من رواية بريدة: (من لعب بالنردشير .. فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه).
والفرق بينه وبين الشطرنج: أن الشطرنج وضعت لصحة الفكر والتدبير، فهي
وَيُكْرَهُ شِطْرَنْجٌ،
تعين على الحروب، والنرد مصادفة كالأزلام، كذا قال ابن الرفعة وغيره، ومن هنا يؤخذ تحريم الطاب كما سيأتي.
والثاني: أن الترد مكروه كالشطرنج، لكن كراهته شديدة، ونقل الشيخ موفق الدين الحنبلي في (المغني) الإجماع على تحريم اللعب به، ولعله محمول على ما إذا قامر به كما هو الغالب، ثم على القول بتحريمه: الصحيح: أنه من الصغائر، وصحح الإمام أنه من الكبائر.
وقال الماوردي: النرد موضوع على البروج الاثني عشر والكواكب السبعة؛ لأن بيوته اثنا عشر، ونقطه من جانبي الفص سبعة، وهو فارسي معرب، ومعنى شير: حلو، وأول من وضعه أزدشير بن بابك.
قال: (ويكره شطرنج) وهو بفتح الشين وكسرها والفتح أشهر.
روى البيهقي [10/ 212] عن علي: أنه مر بقوم يلعبون به فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) وفي رواية [10/ 212]: (صاحبه أكذب الناس، يقول: قتلت، وما قتل).
وعن وائلة بن الأسقع أنه قال: إن الله لينظر إلى الخلق كل يوم مئة وستين نظرة، ليس لصاحب الشطرنج منها نصيب.
وسئل الأستاذ الإسفراييني عنه فقال: إذا سلمت اليدان من الخسران والصلاة من النقصان واللسان عن البهتان .. أرى ذلك أنسًا بين الخلان.
وأما تسمية الفرس والفيل .. فقال الروياني: لا يضر؛ لأنها مجازات.
والوجه الثاني: أنه حرام كالنرد، واختاره الروياني، وبه جزم الحليمي والأئمة الثلاثة، وإليه ذهب جمهور العلماء.
وسئل مالك عنه فقال: أحق هو؟ قالوا: لا، قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال.
فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مَالٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ .. فَقِمَارٌ،
وانفرد الغزالي بأنه مباح يصير بالمواظبة عليه مكروهًا، قال الرافعي: لأن اللعب به روي عن عبد الله بن الزبير وأبي هريرة وابن عباس وابن سيرين وأبي عمرو بن العلاء، وأقر لاعبه عمر والحسن بن علي، وكان يلعب به استدبارًا سعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وهشام بن عروة والشعبي والشافعي، كذا حكاه عنهم ابن شاكر في (مناقب الشافعي).
وظاهر كلام الرافعي: أن المراد بابن الزبير: الصحابي، ولهذا قدمه على أبي هريرة، وليس كذلك، بل المراد هشام بن عروة بن الزبير، كذا رواه البيهقي في (المعرفة) عن الشافعي.
وعلى الصحيح: قال الزبيلي: هو من الصغائر، فلو لعبه مستحله مع من يعتقد تحريمه .. فالأرجح عند الشيخ: التحريم؛ لما فيه من مساعدة الآخر على المعصية، وهو كالبيع وقت النداء مع من لا تلزمه الجمعة.
وقد تقدم في (السير) حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بالأزلام والشطرنج والنرد .. فلا تسلموا عليهم).
وروى البيهقي [10/ 216] عن الشافعي أنه قال: اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة.
قال: (فإن شرط فيه مال من الجانبين .. فقمار)، فيحرم حينئذ، واشار في (الأم) إلى نقل الإجماع فيه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإذا أخرج أحدهما المال ليبذله إذا غُلب ويمسكه إذا غَلب .. فليس بقمار، ولا ترد به الشهادة، ولكنه عقد مسابقة على ما ليس من آلات القتال فلا يصح.
ويشترط أن لا يقترن به فحش، ولا إخراج صلاة عن وقتها عمدًا، فإن وجد ذلك .. ردت به الشاهادة إن تكرر، واستشكله الشيخان؛ لما فيه من معصية الغافل الساهي.
والجواب: أنه لما عاد إليه وهو يعلم أنه يورث النسيان .. كان مستخفًا متهاونًا.
فرع:
أفتى الشيخ رحمه الله بتحريم اللعب بالطاب؛ لأن المعتمد فيه على ما تخرجه الجرائد الأربع، وسئل عنه شيخنا فأجاب بالكراهة كالشطرنج، والتحريم فيه أظهر؛ لما تقدم عن ابن الرفعة في النرد، وهو مأخوذ من قول الرافعي: ما يعتمد فيه على إخراج اللاعبين الكعبين؛ أي: الحصى ونحوه كالنرد، وما يعتمد فيه على الفكر كالشطرنج.
وكره في (الأم) اللعب بالمنقلة وشطرنج المغاربة، كما هو مبين في (المطلب) و (الجواهر) و (المهمات).
وأما الكنجفة، فإن كان فيها عوض .. فحرام بلا شك؛ لأنه قمار.
واللعب بالخاتم مقتضى كلام الرافعي في (باب المسابقة) تجويزه، وبه صرح الصيمري هنا.
وأما اللعب بالحمام .. فأطلق الشافعي كراهته كالشطرنج، وقال القاضي حسين: هذا إذا لم يسرق فيه طيور الناس، فإن فعل .. فهو حرام ترد به الشهادة، واتخاذها للفراخ أو حمل البطائق يجوز.
قال الحليمي: ويحرم التحريش بين الديوك والكباش؛ لما فيه من إيلام الحيوان بلا فائدة، ويحرم التفرج على هذه الأشياء المحرمة؛ لأن فيه إعانة لهم على ذلك وحثًا عليها.
وَيُبَاحُ الْحُدَاءُ وَسَمَاعُهُ،
ويكره اللعب بالمراجيح.
قال: (ويباح الحداء وسماعه)؛ لما روى النسائي في (عمل اليوم والليلة) [532]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن رواحة: (حرك بالقوم) فاندفع يرتجز، وكان يحدو بالرحال.
وروى البيهقي [10/ 227]: أن البراء بن مالك كان يحدو بهم أيضًا.
وروى الشيخان [خ6149 - م2323/ 70] عن أنجشة العبد الأسود: أنه حدا بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أنجشة؛ رفقًا بالقوارير) أراد النساء، وشبههن بالقوارير من الزجاج؛ لأنه يسرع إليها الكسر، وغذا كسرت لا تنجبر، وذلك أن الإبل إذا سمعت الحداء .. أسرعت في المشي، واشتدت فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة.
وواحد القوارير: قارورة، سميت بذلك لاستقرار المائع فيها.
و (الحداء) بضم الحاء وبالمد كما ضبطه المصنف بخطه، وهو كذلك في (المحكم) و (الصحاح) وغيرهما، ويقال له: الحدو أيضًا، وهو تحسين الصوت الشجي بالرجز المباح وغيره؛ ليخفف الكلال، ويحدث نشاط النفس، فلم يكن له من الكراهة وجه سواء فيه الحادي والمستمع.
وفي (الإحياء) و (رسالة القشيري) عن أبي بكر الدينوري: أنه كان بالبادية،
وَيُكْرَهُ الْغِنَاءُ بِلاَ آلَةٍ وَسَمَاعُهُ،
فأضافه رجل، فرأى عنده عبدًا أسود مقيدًا، فسأله عنه فقال مولاه: إنه ذو صوت طيب، وكانت لي عيس حملتها أحمالاً ثقيلة، وإنه حداها فقطعت مسيرة ثلاثة أيام في يوم، فلما حطت أحمالها .. ماتت كلها، قال: فشفعت فيه فشفعني، ثم سألته أن يحدو لي: فرفع صوته، فسقطت لوجهي من طيب صوته، حتى أشار عليه مولاه بالسكوت.
قال: (ويكره الغناء بلا آلة وسماعه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾؛ قال ابن مسعود: هو والله الغناء رواه الحاكم [2/ 411] وقال: صحيح الإسناد، وروى البيهقي [10/ 221] بإسناد حسن: أنه الملاهي.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ وهو الغناء والمزامير والملاهي؛ لأنها أصوات كلها مختصة بالمعاصي، فهي مضافة إلى الشيطان.
وفي (سنن البيهقي) [10/ 223] عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) والأصح: وقفه عليه.
وقال الغزالي: لا دلالة فيه؛ لأن كثيرًا من المباحات كلبس الثياب الجميلة ونحوها تنبت النفاق في القلب، وليس بمكروه.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي وابن حزم: لم يرد نص كتاب بتحريمه، ولا صحت به سنة، فهو مباح، لا سيما وقد ورد إباحته عن جماعة من الصحابة والتابعين.
وفي وجه حكاه أبو الفرج الزاز: يحرم سماع كثيره دون قليله.
وفي وجه: يحرم مطلقًا، وبه جزم الرافعي في (البيع) و (الغضب) فقال: إنه معصية، وتابعه المصنف في الموضع الثاني وحذف الأول.
والغناء من الصوت ممدود، ومن المال مقصور.
وكان الأحسن أن يعبر بـ (الاستماع) لا بالسماع، وحيث قلنا: يكره الإنشاد والاستماع .. فذلك إذا كان من زوجته أو أمته، فإن كان من امرأة أجنبية .. فهو أشد كراهة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحكى القاضي أبو الطيب تحريمه، وهذا هو الخلاف في أن صوتها عورة.
وإن كان في السماع منها خوف فتنة .. فحرام بلا خلاف، وكذا السماع من صبي تخاف منه الفتنة.
قال الشافعي: إذا صار الإنسان منسوبًا إلى الغناء وسمي به فيقال: فلان مغنٍ، يأخذ على غنائه أجرًا، ويدعوه الناس إلى دورهم أو يغشونه لذلك في داره .. فهو سفيه مردود الشهادة؛ لأنه تعرض لأخبث الأكساب، ونسب إلى أقبح الأنساب.
وأما تحسين الصوت بقراءة القرآن .. فمسنون، والقراءة بالألحان الموضوعة للأغاني إذا أفرط فيه في المد والإشباع والحركات .. فالصحيح: أنه حرام، وقال الماوردي: يفسق به القارىء، ويأثم به المستمع؛ لأنه عدل به عن نهجه القويم.
ويسن ترتيل القراءة وتدبرها، والبكاء عندها، وطلب القراءة من حسن الصوت، ولا بأس بترديد الآية للتدبر.
فائدة:
سئل القاضي حسين عن السماع فقال: من تعوده من الفقهاء أو غيرهم في كل أسبوع مرة أو في كل شهر مرارًا .. فسق وردت شهادته؛ إذ ليس كل فسق ترد به الشهادة.
وقسمه الغزالي إلى مندوب ومباح ومحرم، فمن غلب عليه حب الله وحب لقائه .. كان السماع له محبوبًا، ومن غلب عليه عشق مباح في زوجته أو أمته .. كان له مباحًا، ومن غلب عليه الهوى المحرم كان في حقه حرامًا.
وقال الشيخ عز الدين: الرقص لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، ولا يصلح إلا للنساء، قال: وأما الإنشاد المحرك للأحوال السنية المذكرة لأمور الآخرة .. فلا بأس به، قال: والسماع يختلف باختلاف السامعين والمسموعين، ثم ذكر له سبع مراتب، وحكى في فتواه التي سأله عنها الشيخ أبو عبد الله بن النعمان خلافًا للعلماء في السماع بالملاهي وبالدف والشبابة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحكى الخلاف في اجتماعهما ابن المنير المالكي في فتواه أيضًا.
وأفتى ابن الصلاح بالتحريم إذا اجتمعا كما سيأتي.
وقال الشيخ: السماع على الصورة المعهودة منكر وضلالة لم يرد به نبي من الأنبياء، ولا أتى في كتاب منزل من سماء، بل هو من أفعال الجهال والشياطين.
واجتماع الدف والشبابة قال جماعة من العلماء بتحريمه، ولم يقل الشافعي بإباحته، ومن زعم أن ذلك قربة .. فقد كذب وافترى على الله، ومن قال: إنه يزيد في الذوق .. فهو جاهل أو شيطان.
قال: وقولهم: إن من أنكر ذلك من القشور، إن أرادوا به الفقهاء .. فقائل ذلك يستحق الأدب، وإن أرادوا أنهم وصلوا إلى ما لم يصل إليه الفقهاء .. فالواصل لا يقول ذلك.
وكل يدعون وصال ليلى .... وليلى لا تقر لهم بذاكا
قال: ومن نسب السماع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. يؤدب أدبًا شديدًا، ويعزر تعزيرًا بليغًا، ويدخل في زمرة الكاذبين عليه صلى الله عليه وسلم، فليتبوأ مقعده من النار.
وليس هذا طريقة أولياء الله وحزبه وأتباع رسوله، بل طريقة أهل اللهو واللعب والباطل، ويسوغ الإنكار على هذا باللسان والقلب واليد، ومن قال من العلماء بإباحة السماع .. فذلك حيث لا يجتمع فيه دف ولا شبابة، ولا رجال ونساء، ولا من يحرم النظر إليه، ولا كلام فاحش.
والصغيرة إذا أصر عليها فاعلها .. صارت كبيرة، والاحتجاج بالذين لعبوا في المسجد بالحراب وبحديث بني النجار صحيح في النوع المباح من السماع،
وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ آلَةٍ مِنْ شِعَارِ الشَّرَبَةِ، كَطُنْبُورٍ وَعُودٍ وَصَنْجٍ وَمِزْمَارٍ عِرَاقِيٍّ، وَاسْتِمَاعُهَا،
لا في النوع المنهي عنه.
ووافق الشيخ رحمه الله على ذلك علماء عصره من المذاهب الأربعة.
والتصفيق باليد حكمه حكم اليراع من الغناء، قاله الشاشي وابن درباس.
وقال الحليمي: يكره للرجال، ويباح للنساء.
قال: (ويحرم استعمال آلة من شعار الشربة)؛ لأنها آلة الشرب، وتدعو إليه، وفيه تشبه بأهله وهو حرام.
وكذلك لو رتب جماعة مجلسًا وأحضروا آلة الشرب وأقداحه وصبوا فيها السكنجبين، ونصبوا ساقيًا يدور عليهم ويسقيهم، ويجيب بعضهم بعضًا بكلامهم المعتاد بينهم.
قال: (كطنبور وعود وصنج ومزمار عراقي، واستماعها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحِرَّ والحرير والمعازف) رواه البخاري عن شيخه هشام بن عمار بإسناده، إلا أنه قال: قال هشام، ولم يقل: حدثنا، فزعم ابن حزم أنه منقطع لم يسمعه منه، ووهم في ذلك؛ فإنه سمعه منه، إلا أنه أخذه عنه حال المذاكرة لا حال التحديث، وهذه عادة البخاري مبالغة في الاحتياط، وقد وصله الإسماعيلي في (صحيحه) وأبو نعيم في (المستخرج) وأبو داوود في (سننه) [4036] بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها.
قال الجوهري وغيره: المعازف: آلات اللهو، والمعنى فيه – كما قاله في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(الإحياء) -: أنها تدعو إلي شرب الخمر، والتشبه بأهل المعاصي حرام.
ومن المعازف الرباب والجنك والكمنجة، فيحرم الضرب بها، وهو الاستعمال الذي عناه المصنف.
وقال الغزالي: القياس تحليل العود وسائر الملاهي، ولكن ورد ما يقتضي التحريم.
أما العود ... ففي إباحته وجه في (الحاوي) و (البحر)، وعلل بأنه يخفف الأحزان وينعش روحانية الإنسان، ومال إليه أبو منصور البغدادي، ونقل عن صاحب (المهذب)، لكن لم يذكره في كتبه الفقهية، وعزاه إليه أبوطاهر المقدسي، وهذة النسبة باطلة قطعا؛ فقد صرح هو في (المهذب) هنا وفي (الوصايا) هنا وفي (الوصايا) بتحريمه، وهو قضية ما في (التنبيه)، ومن عرف حال الشيخ وشدة ورعه ومتين تقواه .... جزم ببراءة ساحته عن ذلك، وكيف ذو لب في هذا العبد القانت أنه يقول في دين الله ما لم يكن، وكل من ترجمه لم يذكر في ترجمته شيئًا من ذلك.
وأول من ضرب بالعود لامك بن المتوشلح.
قالوا: وهو مركب من حركات نفسانية يذهب الهم ويقوي الهمة ويزيد في النشاط، وهذا لا وجه له؛ لأنه أكثر الملاهي طربًا وأشتغلتها عن ذكر الله وعن الصلاة، وأشرت إلي ذلك في (المنظومة) بقولي (من الزجر):
ونغمات العود للمحزان .... قالوا تزيل أثر الأحزان
فأجزم علي التحريم أي جزم .... والجزمأن لا تتبع ابن حزم
فقد أبيحت عنده الأوتار .... والعود والطنبور والمزمار
ونبه المصنف بقوله: (استعمالها) علي أن المحرم الإصغاء إليها، لا السماع من غير قصد؛ فإنه لا يحرم، فإن استمع وأصغي .... أثم.
وقوله: (الشربة) هو بتاء في آخره، جمع شارب كظالم وظلمة، والأولي حذفها
لَا يَرَاعِ فِي الأَصَحِّ، قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ
كما عبر عنه في (الوجيز)، وهم الذين يجتمعون علي الشراب الحرام.
و (الطنبور) معروف، و (الصنج) قال الجوهري: يتخذ من صفر، يضرب أحدهما بالآخر، مختص بالعرب، وأما الصنج ذو الأوتار ... فيختص به العجم.
وقال الشيخ شرف الدين البازي: مراد الرافعي به ذو الأوتار، وهذا عجيب منه؛ فقد قال الرافعي بعد ذلك: إن الضرب بالصفاقتين حرام، ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وتوقف الإمام فيه، وهذا هو الصنج العربي.
وعبر عن الصنج في (المهذب) بالصليل، وهو بكسر الصاد وتشديد اللام المكسورة.
و (المزمار العراقي): هو الذي يضرب به مع الأوتار، وهو بكسر الميم واحد المزامير، وأول من أتخذها بنو إسرائيل.
قال: (لا يراع في الأصح)؛ لأنه ينشط علي السير في الأسفار فأشبه الحداء.
وفي (سنن أبي داوود) (4889) و (ابن حبان) (693) عن نافع عن ابن عمر: أنه سمع زمارة راع فجعل إصبعيه في أذنيه وعدل عن الطريق وجعل يقول: (يا نافع أتسمع؟) فأقول: نعم فلما قلت: لا ... راجع الطريق ثم قال: (هكذا رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يفعل).
قال ابن حزم: فلما لم يأمر نافعًا بسد أذنيه، ولم ينبه الراعي .... دل علي جوازه، وسد الأذن تورعًا، أو كان في حالة ذكر ليجتمع فكره.
قال الرافعي: ويروى: أن داوود عليه السلام كان يضرب بها في غنمه.
وعن الصحابه الترخص فيه، وهذا صححه الغزالي، وهو الأقرب في (الشرح الكبير)، والأظهر في (الصغير)، واختاره أبو الطيب المقدسي وتاج الدين الفزازي وابن عبد السلام وابن دقيق العبد والجاجرمي في (الإيضاح) والخطابي والماوردي والروياني.
قال: (قلت: الأصح: تحريمة والله أعلم) قياسًا علي المزمار، وهو الذي صححه البغوي وابن أبي عصرون، وقال في (الروضة): إنه الأصح، وهو هذه
وَيَجُوزُ دُفٌّ لِعُرْسٍ
الزمارة التي يقال لها: الشبابة، وقد صنف الإمام أبو القاسم الولعي خطيب الشام في تحريمها كتابًا مشتملًا علي نفائس، وأطنب في دلائل تحريمه.
وقال الماوردي: تكره في الأمصار وتباح في الأسفار والمرعي، وتبعه الروياني.
وقال ابن الصلاح: الخلاف في الدف الذي بالجلاجل وفي الشبابة محله إذا انفرد كل منهما، فأما إذا اجتمعا فيحرمان بإجماع من يعتد به، قال في (الجواهر): وكلام أصحابنا يأباه.
و (اليراع): الشبابة، سميت بذلك لخلو جوفها، ومنه: رجل يراع؛ أي: لا قلب له.
قال: (ويجوز دف) وهو الدائر المفتوح، وفي داله الفتح وهي لغة أهل الحجاز، والضم وهي لغة غيرهم.
قال: (لعرس)؛ لما روى البخاري (514) عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها: قالت جاء النبي صلي الله عليه وسلم فدخل حين بني علي، فجلس علي فراشي، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر؛ إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد فقال صلي الله عليه وسلم: (دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين) وترجم عليه: (باب الضرب بالدف في النكاح والوليمة).
وفي (الترمذي) (1089) و (سنن ابن ماجه) (1895) عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، وأضربوه عليه بالدف)، وصحح ابن حبان وجماعة حديث: (فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف) وحسنه الترمذي (1088).
وقال البغوي في (شرح السنة): يستحب في العرس والوليمة، ووقت العقد والزفاف، وقريبا منه من قبل ومن بعد.
وَخِتَانِ- وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي الأَصَحِّ- وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَلَاجِلُ.
وَيَحْرُمُ ضَرْبُ الكٌوبَةِ- وِهُوَ: طَبْلٌ طَوِيلٌ ضَيقُ الوَسَطِ-
وقال الحليمي: إذا قلنا بإباحته .. فإنما يجوز تعاطيه للنساء دون الرجال، والجمهور لم يفرقوا بينهما.
قال: (وختان)؛ لما روى ابن أبي شبية (3/ 321) عن عمر: أنه كان إذا سمع صوت الدف ... بعث، فإن كان في النكاح أو الختان ... سكت، وإن كان في غيرهما ... عمل بالدرة.
قال: (وكذا غيرهما في الأصح) كالعيد وقدوم الغائب إظهارًا للسرور؛ فقد روي الترمذي (3690) وابن حبان (4386): أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع إلى المدينة من بعض مغازيه ... جاءته جارية سوداء فقالت: يا رسول الله؛ إني نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها: (إن كنت نذرت .... فأوف بنذرك).
فمن الأصحاب من أطلق حله لذلك، وعليه جرى الإمام والغزالي.
وأطلق صاحب (المهذب) والبغوي تحريمه؛ لأر عمر السابق.
والثالث: يكره، وهو ما أورده القاضي أبو الطيب.
قال: (وإن كان فيه جلاجل)؛ لإطلاق ما ورد من الأخبار، وقيل: يحرم في هذه الحالة.
ولم يبين المصنف المراد بالجلاجل، وقال ابن أبي الدم: المراد به: الصنوج، وبه صرح في (الحاوي الصغير) حيث قال: ويدف بصنج، وقد يراد بها الحلق وغيرها مما يعمل في المزاهر التي جرت العادة بالضرب بها.
قال: (ويحرم ضرب الكوبة، وهو طبل طويل ضيق الوسط)؛ لما روى أبو داوود (3678) وصححه ابن حبان (5365) عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة).
قال الرافعي والمصنف تبعًا للغزالي: ولا يحرم من الطبول غيرها، والموجود لأئمة المذهب التحريم فيما عدا الدف.
لَا الرَّقْصُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَكَسُّرٌ كَفِعْلِ المُخَنَّثِ،
و (الكوبة) بضم الكاف وسكون الواو، قال في (المهمات): وتفسيرها بالطبل خلاف المشهور في كتب اللغة، قال الخطابي: غلط من قال: إنها الطبل، بل هي النرد، وذكر مئله ابن العرابي والزمخشري وابن الثير.
1هـ
وفيما قاله شيخنا نظر؛ فإن الجواليقي والجوهري قالا: إنها الطبل الصغير.
وقال في (المحكم): الكوبة: الطبل والنرد، فجعلها مشتركة بينهما فلا يحسن الاعتراض علي الرافعي رحمه الله.
قال: (لا الرقص) فإنه مجرد حركات علي استقامة أو اعوجاج، وفي (الصحيحين) (خ 455 - م 892/ 20) عن عائشة قالت: (جاء حبش يزفنون- أي: يرقصون- في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعت رأسي على منكبه وجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عنهم) وكانت عائشة إذ ذاك صغيرة أو قبل أن تنزل آية الحجاب؛ حتي لا يعارض ما رواه أبو داوود عن أم سلمة في قوله: (أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟!).
وقال القفال: يكره مطلقًا، وقال الأستاذ أبو منوصر البغدادي: تكلفه علي الإيقاع مكروه، وجزم الغزالي بإباحته.
وفرق الجاجرمي بين المداومة وغيرها، فحرمه عندها وأباحه عند غيرها.
وفرق القاضي حسين والغزالي في (الإحياء) بين أرباب الأحوال الذين يقومون بوجد وغيرهم، فأولئك جائز لهم وغيرهم يكره لهم.
قال: (إلا أن يكون فيه تكسر كفعل المخنث) فذلك حرام علي الرجال والنساء، قال الحليمي، ونقل في (المهمات) عنه الكراهة، ونقل ابن أبي الدم عن الشيخ أبي علي كراهته.
قال البيهيقي في (الشعب) (5123): إذا لم يكن في الرقص تكسر وتخنث ... فلا بأس به؛ فإنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزيد: (أنت مولانا) فحجل.
وهو أن يرفع رجلًا ويقفز علي الأخرى من الفرح.
وَيُبَاحُ قَوْلُ شِعْرٍ وَإِنْشَادُهُ،
وقال لجعفر: (أشبهت خلفي وخلقي) فحجل، وقال لعلي: (أنت مني وأنا منك) فحجل.
و (المخنث) بكسر النون وفتحها، والكسر أفصح والفتح أشهر، وهو الذي خلقته النساء في الحركات والهيئات.
فإن كان ذلك خلقة ... فلا إثم فيه ولا عيب، وإن تكلفه .. فهو حرام مذموم شرعًا، وعليه حملت أحاديث لعنه.
قال: (ويباح قول شعر وإنشاده) وكذا نظمه، وكذا يباح استماعه في الجملة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له شعراء يصغي إليهم، منهم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة.
وروى مسلم (2255): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للشريد الثقفي: (أمعك شئ من شعر أميه بن أبي الصلت؟) قال: نعم، قال: (هيه فأنشده) فقال: هيه، فلم يزل كذلك إلى أن أنشده مئة بيت فقال: (كاد أن يسلم) يعني أمية، وإنما استحسن شعره؛ لأن أكثره عبر وأمثال وإذكار بالبعث والنشور، ووعد ووعيد بالجنة والنار.
وأنشد النابغة الجعدي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم (من الطيل):
ولا خير في حلم إذا لم يكن له .... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
إلَّا أَنْ يَهْجُوَ،
ولم ينكره عليه صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم أهدر دم كعب بن زهير، فورد إلي المدينة مستخفيًا، وقام إليه بعد صلاة الصبح ممتدحًا فقال:
بانت سعاد .... إلى آخرها.
فرضي عليه وأعطاه بردة ابتاعها منه معاوية بشعرة الآف درف، وهي التي مع الخلفاء إلي اليوم.
وقال الأصمعي: سمعت شعر الهذليين علي محمد بن إدريس الشافعي.
وروي الشافعي (1/ 366) وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الشعر كلام حسنه كحسنه وقيبحه كقبيحه) والرافي جعله من كلام الشافعي نفسه، والصحيح: أنه مرسل.
قال: (إلا أن يهجو) ولو كان صادقًا في هجوه، وعليه حمل الشافعي قوله عليه الصلاة والسلام: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا) رواه مسلم (2258)، فحمله علي الهجو والفحش.
وقال أبو عبيدة: معناه: أن يغلب عليه فيشتغل عن القرآن والفقه، ولهذا ذم الامتلاء، والهجو والفحش قليله وكثيره مذموم، قال في (المطلب): وهو حسن، وليس إثم حاكيه كإثم منشئه.
قال الرافعي: ويشبه أن يكون التعريض هجوًا كالتصريح، وبه جزم في (الشرح الصغير)، وقال ابن كج: ليس التعريض هجوًا.
ويستثني من ذلك هجو المشركين، فإنه يجوز؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمر به حسان، والقياس في الفاسق المتظاهر كذلك.
أَوْ يُفْحِشَ، أَوْ يُعَرِّضَ بِأمْرَأَةٍ مَعَيَّنَةٍ، وَالْمُرُوءَةُ: تَخَلُّقٌ بِخُلُقِ أَمْثَالِهِ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ،
قال: (أو يفحش)؛ لما فيه من الأذي.
و (يفحش) بضم الياء وكسر مضارع أفحش، أي: تجاوز الحد.
روي الترمذي (1974) وابن ماجه (4185) عن أنس: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (أو يعرض بأمرأة معينه) فترد شهادته بذلك؛ لما في من الأذي والغيبة، وكذا ترد شهادته إذا كان يصف الأعضاء الباطنه؛ لما فيه من هتك الستر.
فإن قيل: كعب بن زهير شبب بأمرأة بحضرة النبي صلي الله عليه وسلم ولم ينكر عليه ... فالجواب: أنها كانت امرأته أو أبنة عمه، وطال عهده بها وغيبته عنها، وكان في هدنة من النبي صلى الله عليه وسلم.
وأورد على الأطلاق المصنف إذا شبب بزوجته أو أمته ... فإنه يجوز علي وجه، والأصح المنصوص: أن شهادته ترد بذلك إذا ذكرها بما حقه الإحقاء؛ لسقوط مروءته.
وإذا شبب بغلام وذكر أنه يعشقه .... قال الروياني: يفسق وإن لم يعينه؛ لأن نظره بالشهوة حرام، واعتبر في (التهذيب) وغيره فيه التعيين كالمرأة.
فرع:
المادح إذا أطرى، فإن أمكن حمله على نوع مبالغة ... جاز، وإلا .... فهو كذب محض، والصحيح رد الشهادة به إن كثر.
وخالف الصيدلاني والقفال؛ لأن الكاذب يوهم الكذب صدقًا، بخلاف الشاعر.
فعلى هذا: لا فرق بين قليله وكثيره، قال الرافعي: وهو حسن بالغ؛ لأن غرض الشاعر إظهار الصنعه لا التحقيق.
قال: (والمرءة: تخلق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه) وقد تقدم بيانها، فلا تقبل شهادة من لا مروءة له، واختلفوا في تعاطي ما يخل بها، فعن الشيخ تقي
فَالأَكْلُ فِي سُوقٍ، وَالمَشْيُ مَكْشُوفَ الرَّاسِ، وَقُبْلَةُ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَإِكْثَارُ حِكَايَاتٍ مُضْحِكَةٍ،
الدين بين رزين ثلاثة أوجه: الحظر، والإباحة، والثالث: إن تعلقت به شهادة .... حرم تعاطي ذلك، وإلا ... فلا.
قال: (فالأكل في سوق)؛ لما في (معجم الطبراني) (طب 8/ 249) عن أبي أمامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأكل في السوق دناءة) لكن إسناده لين.
والمراد ب (الأكل): أن ينصب مائدة ويأكل, وعادة مثله خلاف ذلك، فلو كان ممن عادته ذلك كالصنائعيين والسماسرة، أو كان ذلك في الليل
فلا، وكالأكل في السوق، والشرب من سقايات الأسواق، إلا أن يكون سوقيًا أو غلبه العطش.
قال: (والمشي مكشوف الرأس) كذلك البدن إذا لم يكن ممن يليق به ذلك، أو كان محرمًا بحج أو عمره.
قال: (وقبلة زوجة وأمة بحضرة الناس؛ إذ لا يصدر ذلك إلا عن ذي همة دننيئة، وكان الأحسن أن يقول: وقبلة زوجة أو أمه أو كذا أو كذا.
وعد في (الروضة) من هذا حكاية ما يتفق له مع زوجته في الخلوة، وجزم في (كتاب النكاح) بأن ذكر ذلك مكروه، وجزم في (شرح مسلم) بتحريمه، ومن هذا: أن يخرج عن حسن المعاشرة مع الأهلين والمعاملين وتضايق في اليسير.
قال: (وإكثار حكايات مضحكة)؛ لما في (الترمذي) (2315): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ويل للذي يحدث فيضحك به قومه فيكذب، ويل له ويل له) وقيل: إن هذا هو الهمزة اللمزة.
في الصحيح: (من تكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه ... يهوي بها في النار سبعين خريفًا).
وَلَبْسُ فَقِيهٍ قَبَاءً وَقَلَنْسُوَةً حَيْثُ لَا يُعْتَادُ، وَإِكْبَابٌ عَلَي لَعِبِ الشَّطَرَنْجِ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ سَمَاعِهِ، وَإِدَامَةُ رَقْصٍ يُسْقِطُهَا،
والمراد ب (الإكثار): أن يصير ذلك عادة له.
وتقييده ب (الإكثار) يخرج ما إذا لم يكثر، أو كان ذلك طبعًا لا تطبعًا كما اتفق لنعيمان بن عمرو، وكان رجلا صالحًا من قدماء الصحابه، ومع ذلك كان فيه دعابة زائدة وممازحة شاهدة، وله في ذلك أخبار ظريفه، منها: قصته مع سويبط التي ضحك منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا فأكثر، وقال فيه النبي صلي الله عليه وسلم: (إنه يحب الله ورسوله).
قال: ولبس فقيه وقلنسوة حيث لا يعتاد)، وكذلك عكسه؛ لأن الإقدام علي ذلك لا يكون إلا من منحل عن ربقة المروءة، فتسقط الثقة بقوله.
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحياء شعبة من الإيمان).
واحترز المصنف عما يعتاد كالمسافر وفي بعض الأمكنة، فلا يؤثر ذلك في قبول الشهادة؛ إذ لا يخل بالمروءة حينئذ.
و (القلنسوة): ما يلبس علي الرأس، وجمعها قلانس.
قال: (وإكباب على لعب الشطرنج) وذلك بحيث يغلب عليه ويشغله عن مهماته، وإن لم يقترن به ما يحرمه؛ لإخلال ذلك بالمروءة، ويرجع في قدر الكثرة إلي العادة، هذا في اللعب به في الخلوة، أما علي الطريق ... فخارم للمروءة وإن قل.
قال: (أو غناء أو سماعه، وإدامة رقص بسقطها)؛ لأن ذلك لا يدصر إلا من الأراذل الذين لا مروءة لهم.
وَالأَمْرُ فِيهِ يَخْتَلِفُ بِالأَشْخَاِص وِالأَحْوَالِ وَالأَمَاكِنِ، وَحِرْفَةٌ دَنِيئَةٌ كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ وَدَبْغٍ مِمَّنْ لَا تَلِيقُ بِهِ تُسْقِطُهَا، فَإنِ اعْتَادَهَا وَكَانَت حِرْفَةَ أَبِيهِ ... فَلَا فِي الأَصَحِّ ...
قال: (والأمر فيه يختلف بالأشخاص والأحوال والأماكن) ر فقد يستقيح من شخص دون شخص، وفي قطر دون قطر.
ونبه ب (السماع) علي أن الاستماع لذلك من باب أولي بالحكم، وألحق بذلك الاكتساب بالشعر والغناء.
قال: (حرفة دنيئة كحجامة وكنس) أي: للأخلية (ودبغ ممن لا تليق به تسقطها)؛ لإيذان ذلك بقلة المروءة، وكذلك ما أشبة ذلك كالزبال والحارس ونخال التراب- كما قاله الجرجاني في (التحرير) - والإسكاف، وقال القاضي: إن كان يخرز بشعر الخنزير ... لم تقبل شهادته، وإلا ... قبلت في الأصح، وكذلك الحكم في القصاب وقيم الحمام؛ لما روي ابن النجار في ترجمتة عبد الله بن خالد عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله عبدًا ... جعله قيم مسجد، وإذا أبغض عبدًا ... جعله قيم حمام).
وقوله: (دنيئة) هو بالهمز من الدناءى، وهي السقاطة، وأما غير المهموز ... فهو القريب.
قال: (فإن اعتادها وكانت حرفة أبيه ... فلا في الأصح)؛ لأنه لا يتغير بذبك، وهي حرفة مباحة، بل من فروض الكفايات؛ لاحتياج الناس إليها، ولو ردت بها الشهادة ... لربما تركت فتعطل الناس.
وقال صلى اله عليه وسلم: (اختلاف أمتي رحمة) وقد تقدم في شرح خطبة الكتاب بيان معناه.
الوجه الثاني: يسقطها؛ لأن رضاهم بهذة الحرف يشعر بالخسة وقلة المروءة.
قال في (الروضة): ولم يتعرض الجمهور لهذا القيد، وينبغي أن لا يقيد بصنعة آبائه، بل ينظر هل يليق به أم لا؟
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويستثنى المحترف بالغناء؛ فترد شهادته مطلقًا كما نص عليه الشافعي وصرح به الجمهور، وحكى شريح فيه وجهين.
والمراد: حرفة مباحة، بخلاف المنجم والعراف والكاهن والمصور والمستعبد، فلا تقبل شهادتهم؛ لأن شعارهم التلبيس علي العامة.
ومما عمت به البلوي: التكسب بالشهادة مع أن شركة لأبدان حرام، وذلك قادح في العدالة، لاسيما إذا منعنا أخذ الأجرة علي التحمل، أو كان يأخذ ولا يكتب.
فروع:
في الحاتك طريقان: أصحهما: طرد الوجهين، وقيل: يقبل قطعًا، واستحسنه الإمام؛ لأنه ينسج غزلًا كما أن الخياط غزلًا منسوجًا، وألحق الماوردي السماك بالحائك.
وفي الصباغ والصواغ أيضًا طريقان: المذهب: القطع بالقبول، وقيل بالوجهين؛ لما روي أبو داوود الطيالسي (2574) وغيره: أن النبي صلي الله عليه سلم قال: (أكذب الناس الصباغون والصواغون) قيل: المراد: الذين يصبغون الكلام ويصوغونه؛ أي يغيرونه، والمشهور: أنهم صباغوا الثياب وصاغة الحلي؛ لكثرة مواعيدهم الكاذبة.
قيل: رأي أبو هريرة قومًا يتعادون فقال: ما شأنهم؟ قالوا خرج الدجال، فقال: كذبة كذبها الصباغون.
وحكى شريح في قبول شهادة الأقلف وجهين، والصحيح: أنا إن أوجبنا الختان .... فتركه بلا عذر فسق.
ونص الشافعي علي أنه لا تقبل شهادة المتعصب المشهور بذلك؛ لأنه غير بعيد من تهمة الكذب.
وتقبل شهادة الطواف علي الأبواب وسائر السؤال، إلا أن يكثروا الكذب في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دعوى الحاجة وهو غير محتاج، أو يأخذ مالًا لا يحل له أخذه فيفسق بذلك.
وكلام الرافعي هنا يشعر بجواز السؤال للقادر علي الكسب.
وقد صرح المصنف في (صدقة التطوع) بتصحيح التحريم.
ومما يخرم المروءة: مد الرجل بين الناس بلا مرض، وحمل الأطعمة والماء إلي المنزل ممن لا يليق به ذلك، فإن فعله اقتداء بالسلف الصالحيين .. لم يقدح فيه.
وكذلك لبس الخشن والمرقع من الثياب، واعتياد البول قائمًا والبول في الماء حيث لا عذر، والبول في السوق والطرق ممن لا يليق به ذلك، والتحدث بمساوئ الناس؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (19)
وفي (روضة الحكام) وجهان في قبول شهادة ذي الصدغين، وفي معناه الدبوقه.
وفي ثالث: إن كان قوم يعتادون ذلك ... قبل، وإلا ... فلا، وهو الأقرب.
واضطرب كلام الروياني في نتف اللحية، فقال في موضع: لا ترد به الشهادة، وقال في آخر: ترد به، وهو الصواب المنصوص.
وألحق القاضي والزبيلي به نتف الأنف والإبط بحضرة الناس، وكذلك خضاب الشعر بالأسود؛ لأن الصواب تحريمه.
وحاضر الدعوة بغير طلب إذا لم تكن دعوة سلطان، هذا في الأكل فقط، أما الانتهاب .. فحرام ترد به الشهادة.
ومن ترك تسبيحات الركوع والسجود والسنن الراتبة أحيانًا ... لا ترد شهادته، فإن اعتاد تركها وترك غسل الجمعة ... ردت شهادته؛ لتهاونه بالدين.
وحكي أبو الفرج في ركعتي الفجر والوتر وجين.
وَالتُّهَمَةُ: أَنْ يَجُرَّ إِلَيْهِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَغَرِيمٍ لَهُ مَيْتٍ أَوْ عَلَيْهِ حَجْرُ فَلَسٍ، أَوْ بِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ،
قال: (والتهمة: أن يجر إليه نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، فترد شهادته لعبده) أي: المأذون له؛ لما في ذلك من التهمة.
قال: (ومكاتبه)؛ لأن له في ماله علقة، وفي (طبقات العبادي): أن أبا علي ابن خيران أجاز شهادته له.
نعم؛ يستثني منه ما يوجد تبعًا، كما إذا شهد بشقص فيه شفعة لمكاتبه .. قال الرافعي هناك: قال الشيخ أبو علي: تقبل، قال الإمام: وكأنه أراد أنه يشهد للمشتري إذا ادعي الشراء ثم ثبتت الشفعة تبعًا، فأما شهادته للمكاتب ... فلا تقبل بحال.
قال: (وغريم له ميت أو عليه حجر فلس)؛ لأنه إذا أثبت للغريم شيئًا .. أثبت لنفسه المطالبة، أما شهادة الغريم لغريمه الموسر ... فتقبل، وكذا المعسر قبل الحجر عليه علي الأصح؛ لتعلق الحق بذمته.
قال: (أو بما هو وكيل فيه)؛ لأنه يثبت بشهادته ولاية علي المشهود به، وكذا الوصي والقيم في محل تصرفها، وكذلك الشريك في المشترك بأن يقول: هذا بيننا، ويجوز أن يشهد له بالنصف.
فلو عزل الوكيل نفسه ثم شهد ... قبلت، إلا أن يكون قد خاصم .. فلا تقبل أبدًا، ذكره الهروي وابن القاص والعبادي.
وأشعر كلام المصنف وغيره بالقطع بقبول شهادة الوكيل بما ليس وكيلًا فيه، وقال الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لعدم تصرفه فيه.
والثاني: لا؛ لأنه صار بالنيابة عن ذي الحق منهما وذكر في نظيرها من الموصي له أنه يقبل وجهًا واحدا، وفرق بأن الوكيل يجوز أن يتقرب بشهادته إلي موكله، بخلاف الموصى له، فصار الوكيل متهمًا، والموصي له غير متهم؛ لأنه لا يتقرب بها إلي الموصي بعد الموت.
1هـ
وَبِبَرَاءَةِ مَنْ ضَمِنَهُ، وَبِجِرَاحَةِ مُوَرِّثِهِ.
وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثٍ لَهُ مَرِيضٍ أَوْ جَرِيحٍ بِمَالٍ قَبْلَ الاِنْدِمَالِ .. قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ،
وقد يقال: إنه يتقرب بها إلي الوارث؛ ليجعل له الموصى به، أو لا ينازعه فيه.
قال: (وببراءة من ضمنه)؛ لأنه يسقط به المطالبة عن نفسه.
قال: (وبجراحة مورثه)؛ للتهمة.
قال: (ولو شهد لمورث له مريض أو جريح بمال قبل الاندمال .... قبل في الأصح)؛ لأن شهادته لا تجر لنفسه نفعًا ولا تدفع عنه ضررًا.
والثاني- وبه قال أب إسحاق-: لا تقبل كما لو شهد أن مورثه جرح، أما بعد الاندمال فتقبل قطعًا، وقد تقدم في (باب دعوى الدم والقسامة) مسألة المريض أبسط من هذا.
فلو شهد الوارث لمورثه بالجراحة قبل الاندمال فردت- كما قاله المصنف- ثم أعادها بعد الاندمال ... لم تقبل في الأصح كالفاسق بعد التوبة.
فروع:
قال القاضي أبو سعيد الهروي: لا تقبل شهادة المودع في الورديعة للمودع إذا نازعه في الوديعة أجنبي؛ لأنه يستديم اليد لنفسه.
وكذا شهادة المرتهن للراهن لا تقبل وتقبل الأجنبي.
وأن الشهادة الغاصب علي المغصوب بالعين لأجنبي لا تقبل لغسقه، ولتهمته بدفع الضمان ومؤنة الرد، فإن شهد بعد الرد .. قبلت شهادته، وإن شهد بعد التلف .. لم تقبل؛ لأنه يدفع الضمان.
وأن شهادة المشتري شراء فاسدًا بعد القبض لا تقبل للأجنبي، وأن شهادة المشتري شراء صحيحًا بعد الإقالة والرد بالعيب لا تقبل للبائع؛ لأنه يستبقي لنفسه الغلات والفوائد.
وَتُرَدُّ شَهَادَةُ عَاقِلَةٍ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ، وَغُرَمَاءِ مُفْلِسٍ بِفِسْق شُهُودِ دَيْنٍ آخَرَ.
وَلَوْ شَهِدَا لِاثَنْيِن بِوَصِيَّةٍ فَشَهِدَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ التَّرِكَةِ .. قُبِلَتِ الشَّهَادَتَانِ فِي الأَصَحِّ
ولو شهد لأخيه بمال ثم مات المشهود له قبل استيفائه والأخ ورائه، فإن كان بعد حكم الحاكم .. لا ينقض، وإن كان قبله .. لا يحكم، قاله البغوي في (الفتاوي).
قال: (وترد شهادة عاقلة بفسق شهود قتل) أي: تحمله؛ لأنهم يدفعون عن أنفسهم ضرر التحمل، وهذة تكررت أيضًا في الباب المذكور.
أما لو شهد أن فلانًا تقبل لانتفاء التهمة، قاله ابن أبي عصرون.
قال: (وغرماء مفلس بفسق شهود دين آخر)؛ لدفع ضرر المزاحمة، وكان ينبغي أن يقول: مفلس حجر عليه؛ فإن شهادتهم قبل الحجر مقبولة علي الأصح كما سبق، فإن أجيب عنه بأن المفلس في الاصطلاح: من حجر عليه .. فيقال: فلم قيد به في صورة التهمة السابقة.
قال: (ولو شهدا لاثنين بوصية فشهدا للشاهدين بوصية فشهدا للشاهدين بوصية من تلك التركة .. قبلت الشهادتان في الأصح)؛ لانفال كل شهادة عن الأخرى، لأنها شهادة لا تجر نفعًا ولا تدفع ضررًا، وكذلك نقول في رفقاء القافلة: يجوز أن يشهد بعضهم لبعض في قطع الطريق إذا قال كل واحد منهم: أخذ مال فلان ولم يقل: أخذ مالنا، على ما هو مذكور في (باب قاطع الطريق).
والوجه الثاني- وبه قال أبو حنيفة-: المنع؛ لاحتمال الموطأة، وعبر في (الروضة) بالصحيح لا بالأصح.
فرع:
شهد فقيران أن هذا المال لزيد من أول الحول إلى آخره، قال الروياني: إن كانا من جيران المال ... لم تقبل؛ للتهمة، وإن كانا بعيدين .... فالأصح: القبول.
وَلَا تُقْبَلُ لِأصْلٍ وَلَا فَرْعٍ، .....
وفي (التهذيب): لو شهد عدلان من الفقراء أن فلانا أوصى بثلث ماله للفقراء .. قبلت شهادتهما، ويشترط لصحة الدعوى بالوية علي الورثة أن يقول: وأنا قبلت ذلك، قاله القفال في (الفتاوي).
قال: (ولا تقبل لأصل ولا فرع) وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأن المشهود له بعضه، قاله القفال في (الفتاوي).
قال: (ولا تقبل لأصل ولا فرع) وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأن المشهود له بعضة، فشهادته له كشهادته لنفسه.
وعن ابن القاص رواية قول القديم: أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة، وبه قال المزني، واختاره ابن المنذر.
والمذهب: الأول، واستدل له الرافعي وغيره بحديث: (لا تجوز شهاة الوالد للولد، ولا الولد للوالد) وهو موضوع لكن يدل له حديث مسلم (2449/ 95) عن المسور بن مخرمة أنه قال: سمعت النبي صلي الله عليه سلم يخطب الناس على هذا المنبر- يعني منبر المدينة- وأنا حينئذ محتلم فقال: (إن فاطمة بضعة مني) كذا في (حيح مسلم) ولهله وهم، فإن المسور ولد في السنة الثانية من الهجرة بعد مولد ابن الزبير بأربعة أشهر فلم يدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا نحو ثمان سنين، ومن سنه كذلك .. لا يكون محتلمًا، وقد رواه الإسماعيلي في (صحيحه) بلفظ: (وأنا حيئنذ كالمحتلم)، يعني: في فهمة وحفظه، فبينت هذة الراواية الصواب.
ولا عبرة بأبوة الرضاع وبنوته بالاتفاق، ولا تقبل أيضًا لمكاتب أصله وفرعه ومأذونهما.
ويؤخذ من إطلاق المصنف أنه لا تقبل تزكية الوالد لولده، وهو الأصح، وكذلك لا تقبل شهادته له بالرشد.
ولا فرق في المنع بين أن يكون المشهود له أجنبيًا أو أصلًا أو فرعًا، فلو شهد لأحد ابنيه علي الاخر .. لم تقبل، قاله الغزالي، وأفتي بهاء الدين بن الجميزي بجوازه، وبه صرح الشيخ عز الدين في (القواعد)؛ لأن الوازع الطبعي قد يعارض بظهور الصدق لضعف التهمة العارضة الفتاوي، وتقدم في انعقاد النكاح بابني الزوجين خلاف، والظاهر مجيئه هنا.
وَتُقْبَلُ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا عَلَى أَبِيهِمَا بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا أَوْ قَذْفِهَا فِي الأَظْهَرِ، وَإِذَا شَهِدَ لِفَزْعٍ وَأَجْنَبِيِّ .. قُبِلَتْ لِلأَجْنَبِيِّ فِي الأَظْهَرِ.
قُلْتُ: وَتُقْبَلُ لِكُلِّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ.
فائدة:
شهد الوالد لولده أو العدو علي عدوه أو الفاسق بما يعلمونه من الحق والحاكم لا يشعر بالولادة ولا بالعداوة ولا بالفسق، فهل يأثم الشهود بذلك؟ قال ابن عبد السلام: المختار جوازه؛ لأنهم لم يحملوا الحاكم علي باطل، إنما حملوه على إيصال حق إلي المستحق، ولا إثم علي الحاكم؛ لتوفر ظنه، ولا علي الخصم؛ لأخذ حقه، ولا علي الشاهد؛ لمعونته.
قال: وتقبل عليهما؛ لانتفاء التهمة، سواء شهد بمال أو عقوبة، وقيل: لا تقبل علي الأصل بقصاص أو حد قذف.
قال: (وكذا علي أبيها بطلاق ضرة أمهما أو قذفها في الظهر)؛ إذ لا تهمة في ذلك.
والثاني: لا تقبل؛ لأن أمهما تنتفع بذلك.
وموضع القولين إذا شهد بطلاقها ثلاثًا، فلو شهد بطلاق رجعي ... قبلا قطعًا.
ومحل الخلاف في الصورتين إذا كانت أمهما حيةر فإن كانت ميتة .. قبلا قطعًا، فلو شهدا بطلاق أمهما، فإن كانت شهادة حسبة .. سمعت، أو بعد دعواها .. فلا.
قال: (وإذا شهد لفرع وأجنبي ... قبلت للأجنبي في الأظهر)؛ لاختصاص المانع بالفرع.
والثاني: لا تقبل؛ لأن الصيغة واحدة وقد ردت في البعض، فكذا في البعض الآخر.
قال: (قلت: وتقبل لكل من الزوجين)؛ لأن الحاصل بينهما عقد يطرأ ويزول، فلا يمنع قبول الشهادة كعقد الإجازة.
واحتج له ابن المنذر بما تقدم من حكم النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة علي الذين
وَلِأَخٍ وَصَدِيقٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ
رموها بالقذف، وأقام عليهم الحد، وإذا جاز الحكم .. فالشهادة الأولي.
والثاني: تقبل شهادته لها دون عكسه؛ لأن لها النفقة عليه، فهي متهمة.
والثالث: لا تقبل من الجانبيين؛ لتهمة الإرث، وبه قال الأئمة الثلاثة، هذا ما حكاه الشيخان.
وفي رابع: إن كان موسرًا .. قبلت، وإلا .. فوجهان.
وفي خامس: إن شهدت له بمال هو قدر قوتها في ذلك اليوم ولا مال للزوج غيره ... ردت؛ لعود النفع إليها، وتقبل في غير هذة الحالة، حكاهما شريح في (روضته).
واحترز المصنف عن شهادة أحدهما علي الآخر، فإنها مقبولة؛ إذ لا تهمة إلا شهادته بزناها فلا تقبل لأمرين:
أحدهما: أنه شهد بجناية على محل حقه فأشبه الشهادة بالجناية على عباده.
والثاني: أن شهادته بزناها دالة على عداوتها، فإنها لطخت فراشة وأدخلت العار عليه، فهو أبلغ في العدواة من الضرب والسب.
قال: (ولأخ وصديق والله أعلم)؛ لأن الأخوة والصداقة لا يبعثان على شهادة الزور، فإنه يحب لأخيه وصديقه ما يحب لنفسه، ولا يحب لنفسه المال الحرام.
ومنع مالك من قبول شهادة الصديق الملاطف لصديقة بالهدية وغيرها، ومن قبول شهادة الخ لأخيه إذ كان منقطعًا إليه يصله ويبره.
ونبه ب (الأخ) على جميع الحواشي، وهم من عدا الأصول والفروع، ولا خلاف عندنا في ذلك.
وأما المولى من أعلي ومن أسفل .. فقبل شهادته جمهور الأئمة، ومنعها شريح.
قال الزمخشري عند قوله تعالي: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)﴾ جمع الشافع لكثرة الشافعين، ووحد الديق لقتله، ألا تري أن ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم .. مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له وإن يسبق له بأكثرهم معرفة، وأما الصديق ..... فهو الادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك، فأعز من بيض الأنوق.
وَلَا تُقْبَلُ مِنْ عَدُوٍّ
قيل لبعضهم: أيما أحب إليك أخوك أم ديقك؟ قال: لا أحب أخي إلا إذا كان صديقي.
وقال ابن عباس: الصديق آكد من القرابة؛ لأن الجهنميين لم يستغيثوا بالآباء والأمهات.
فرع:
قال: القاضي حسين والروياني: لا تقبل شهادة القانع لأهل البيت، وهو: الذي ينقطع عن مكاسبه ويلتجئ إلي أهل بيت يؤاكلهم، ويرمي عن قوسهم.
وقال القاضي شربيح: تقبل شهادته لهم كالصديق لصديقه.
ويدل لعدم القبول ما وراء أبو داوود (3595): (أن النبي صلي الله عليه وسلم رد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم).
وعلل الخطابي ذلك بالتهمة، وإلي هذا ذهب أبو حنيفة.
ومسألة القانع ليست في كلام الرافعي ولا المصنف ولا ابن الرفعة، والحق فيها أن الحديث إن صح .. كان حجة لمن منع قبول شهادته، لكن في إسناده محمد بن راشد، وهو متكلم فيه.
والذي أفتي به الشيخ: أن شهادته مقبوله كالصديق والزوج والوكيل في غير ما وكل فيه.
وشهادة المحدود في القذف وغيره مقبوله بعد التوبة، ورد مالك شهادة ولد الزنا.
قال: (ولا تقبل من عدو)؛ لأن العداوة من أقوي الريب، وتقدم في أول الباب: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (لا تجوز شهادة ذي ظنه ولا ذي حنة).
و (الظنة): التهمة و (الحتة): العداوة، والمراد: العداوة الدنيوية الظاهرة؛ لأن الباطنة لا يطلع عليها إلا مقلب القلوب، ففي (معجم الطبراني) (طس 437): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيأتي قوم في آخر الزمان إخوان العلانية أعداء السريرة) نسأل الله العافية.
وَهُوَ: مَنْ يُبْغِضُةُ بِحَيْثُ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ، وَيَحْزَنُ بِسُرُورِهِ، وَيَفْرَحُ بِمُيِبَتِهِ-
والمعني في منع شهادة العدو: أن العداوة تقتضي إلي الشهادة بالباطل؛ لأنها عظيمة الموقع في النفوس، تسفك بسببها الدماء وتقتحم العظائم.
و (العدو): ضد الولي، وجمعه أعداء وعدي.
وقيل لأيوب عليه اليلام لما شفي: أي شئ كان أشد عليك من جملة ما مر بك؟
قال: شماتة العداء، وكان نبينا لى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منها.
قال: (وهو: من يبغضه بحيث يتمني زوال نعمته، ويحزن بسروره، ويفرح بمصيبته) هذا التفسير لخصه الرافعي من كلام الغزالي وإمامه، والذي ذكره الرافعي والجمهور إنما هو مجرد البغض، ولا ينشأ تمني زوال النعمة إلا من الحسد، وهو من الكبائر.
والأشبه: الرجوع في ذلك إلي العرف؛ إذ لا ضابط له في الشرع ولا في اللغه، وسواء كانت العداوة مكتسبة أو موروثة.
فروع:
ولد العدو تقبل شهادته عندنا؛ إذ لا مانع بينه وبين المشهود عليه، ولمالك فيه ثلاثة أقوال:
تقبل مطلقًا، إن كان الأب المعادي حيًا ... لم تقبل، وإلا .. قبلت.
روي الحافظ أبو عمر النمري وابن النجار والعسكري في (الأمثال) عن محمد بن طلحة عن أبيه عن أبي بكر الديق: أن النبي صلى اله عليه وسلم قال: (الود والعداوة يورثان، والمودة في الآباء لة في الأبناء).
ولو عادى من يريد أن يشهد عليه وبالغ في خصومته فلم يجبه، ثم شهد عليه .. قبلت شهادته عليه دون عكسه؛ لئلا يتخذ خصومه الشهود وسيلة إلي ذلك.
وَتُقبَلُ لَهُ, وَكَذَا عَلَيهِ فِي عَدَاوَةِ دِينٍ كَكَافِرٍ وَمُبتَدَعٍ.
وَتُقبَلُ شَهَادَةُ مُبتَدِعٍ لاَ نُكَفِّرُهُ,
ولو زالت العداوة بعد الشهادة ثم أعادها .. لم تقبل في الأصح؛ للتهمة.
ولو شهد كافر أو صبي أو عبد فردت شهادته فزال المانع ثم أعادها .. قبلت شهادته.
ولو شهد لمكاتبه بمال أو لعبده بنكاح فردت فأعادها بعد عتقهما .. فبالقول أجاب في (الشامل (, وصححه الفارقي وابن عصرون.
قال: (وتقبل له)؛ إذ لا تهمة, والفضل ما شهدت به الأعداء.
قال: (وكذا عليه في عداوة دين ككافر ومبتدع) فتقبل شهادة المسلم على الكافر, والدين على الفاسق, لأن العداوة الدينية لا توجب رد الشهادة, وكذلك تقبل شهادة الجلاد على المحدود, وكذا لو قال العالم: لا تسمعوا الحديث من فلان؛ فإنه يخلط, أو لا تستفتوه؛ فإنه لا يحسن الفتوى .. لم يقدح ذلك في قبول شهادته؛ لأن هذا نصح للناس.
قال: (وتقبل شهادة مبتدع لا نكفره).
المبتدع: من أحدث في الشريعة ما لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم, كمذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة والرافضة, فهؤلاء قبول شهادتهم مبني على تكفيرهم, فمن كفرهم .. لم يقبل شهادتهم, ومن لم يكفرهم –وهم الأكثرون- اختلفوا فيهم:
قال زاهر السرخسي: لما قرب أجل أبي الحسن الأشعري .. دعاني وقال: اشهد علي أني لا أكفر أحدًا من أهل القبلة؛ لأن الجميع يشيرون إلى معبود واحد.
والذي نص عليه الشافعي والجمهور: أن شهادة جميعهم مقبولة إلا الخطابية, وهم أصحاب أبي الخطاب الأسدي الكوفي, كان يقول بإلهية جعفر الصادق, ثم