. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شملكما، وأسعد جدكما، وأخرج منكما كثيرا طيبا قال جابر: فو الذي بعثه بالحق! لقد أخرج الله منهما كثيرا طيبا.
تتمة:
يستحب أن يدعى لهما بعد العقد فيقال: بارك الله لكل منكما في صاحبه وجمع بينكما في خير، ويكره أن يقال: بالرفاء والبنين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
و (الرفاء): الالتئام والاتفاق والبركة والنماء، وهو من قولهم: رفأت الثوب، والبنين: جمع ابن.
ويستحب أن يأخذ الزوج بناصيتها أول ما يلقاها ويقول: بارك الله لكل منا في صاحبه، وأن يقول عند إرادة الجماع: (باسم الله .. اللهم؛ جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا).
وفي (الإحياء): يكره الجماع في الليلة الأولى من الشهر والأخيرة منه وليلة النصف؛ فيقال: إن الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي، ويقال: إنه يجامع، قال: وإذا قضى وطره فليمهل عليها حتى تقضي وطرها، قال: وفي الوطء ليلة الجمعة أجران، ويستحب ألا يترك الجماع عند قدومه من سفره، ولا يحرم وطء الحامل والمرضع.
فَصْلٌ:
إِنَّمَا يَصِحُّ الْنِّكَاحُ بِإِيجَابٍ- وَهُوَ: زَوَّجْتُكَ أَوْ أَنْكَحْتُكَ- وَقَبُولٍ؛ بِأَنْ يَقُولَ الْزَّوْج: تَزَوَّجْتُ، أَوْ نَكَحْتُ، أَوْ قَبِلْتُ نِكَاحَهَا أَوْ تَزْوِيجَهَا
قال: (فصل:
إنما يصح النكاح بإيجاب- وهو: زوجتك أو أنكحتك- وقبول؛ بأن يقول الزوج: تزوجت، أو نكحت، أو قبلت نكاحها أو تزويجها) أما اعتبار أصل الإيجاب والقبول .. فبالاتفاق كسائر العقود، وأما خصوص هذا اللفظ .. فلما سيأتي.
ولا يشترط توافق الإيجاب والقبول في اللفظ بلا خلاف، وبهذا يتم كون (أو) في كلام المصنف للتخيير.
وقول الزوج: تزوجت أو نكحت قائم مقام القبول، ويسمى قبولا، ونقل الوزير ابن هبيرة عن الأئمة الأربعة انعقاده بقبوله: رضيت نكاحها، قال الشيخ: ونقل ذلك يجب التوقف فيه، والذي يظهر أنه لا يصح، لكن عبارته تفهم وجوب إضافة الضمير إليها، فلو قال: قبلت النكاح أو التزويج ... لا يصح، وهو الذي في (الرافعي)، لكن نص في (الأم) على الصحة، وحكى الشيخ أبو حامد والمحاملي الاتفاق عليه، وجميع ما ذكره المصنف بالنسبة إلى صحة النكاح، أما المسمى .. فلا يلزم إلا إذا صرح به الزوج في لفظه، فإن لم يذكره .. وجب مهر المثل، صرح به الماوردي والروياني وابن يونس في (شرح التعجيز).
وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ لَفْظِ الْزَّوْجِ عَلَى الْوَلِيِّ.
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ الْتَّزْوِيجِ أَوِ الإِنْكَاحِ.
وَيَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ فِي الْأَصَحِّ،
قال: (ويجوز تقدم لفظ الزوج على الولي)؛ لحصول المقصود تقدم أو تأخر، هذا فيما إذا قال: تزوجت أو نكحت؛ لأنه أحد شقي العقد فلا فرق بينه وبين إيجاب الولي في التقديم والتأخير، كما لو قال المشتري: اشتريت، فقال البائع: بعت، أما لفظ قبلت .. فلا يجوز تقديمه.
قال: (ولا يصح إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الحج: (اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) وليس في القرآن والسنة كلمة مستعملة في العقد غيرهما، ولأن النكاح نزع إلى العبادات؛ لورود الندب فيه، والأذكار في العبادات تتلقى من الشارع ولم يرد غيرها بين اللفظتين.
وقال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بلفظ التمليك والبيع والهبة والصدقة مع ذكر المهر، ولا ينعقد بلفظ الإحلال والإباحة.
وقال مالك: ينعقد بسائر الألفاظ بشرط ذكر المهر.
وقول المصنف: (لا يصح إلا بلفظ) ليس تكرارا مع قوله: (إنما يصح بإيجاب ...)؛ إلى آخره؛ لأن الكلام ثم في اشتراط الصيغة، وهنا في التعيين.
قال: (ويصح بالعجمية في الأصح)؛ لأنه لفظ لا يتعلق به إعجاز فاكتفى بترجمته عند العجز كالتكبير، هذا إذا أتى بمعنى لفظ التزويج أو الإنكاح، سواء عرف العربية أم لا.
لَا بِكِنَايَةٍ قَطْعا
ومراده ب (العجمية): غير العربية من اللغات.
والثاني: لا يصح؛ لأنه عدل عن الإنكاح والتزويج مع القدرة، فصار كما لو عدل إلى البيع والتمليك، ويحكى هذا عن أحمد، فعلى هذا: يصبر إلى أن يتعلم أو يوكل.
والثالث: إن لم يحسن العربية ... انعقد، وإلا .. فلا.
وفي (البسيط) وجه رابع فارق بين من يمكنه التعلم وبين غيره.
وخامس في (التجريد) لابن كج عن الشيخ أبي حامد: إن أتى بلفظ صريح في ذلك اللسان .. جاز، وإلا ... فلا، وإذا صححنا فذاك إذا فهم كل منهما كلام الآخر، فإن لم يفهم وأخبره ثقة عن معنى اللفظ .. ففي الصحة وجهان في (الشرح) و (الروضة) من غير ترجيح، والقياس: المنع.
ويشترط علم الشهود بلغة المتعاقدين على الصحيح.
وقيل: ينعقد بمن لا يعرف لسانهما؛ لأنه ينقله إلى الحاكم.
قال: (لا بكناية قطعا)؛ لأنه لا مطلع للشهود على النية، ولهذا لا ينعقد بها البيع المشروط فيه الإشهاد، فإن قال: نويت .. فهم شهود على إقراره بالعقد لا على نفس العقد.
وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ، فَقَالَ: قَبِلْتُ .. لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى الْمَذْهَبِ
وقوله: (قطعا) من زيادات المصنف على (المحرر) و (الروضة) ألحقها بخطه، وهي زيادة صحيحة لا يعترض عليها بأن في (المطلب) في (كتاب الطلاق) خلافا؛ فهو واه لا يعتد به، لكن يشكل على ما قطعوا به من عدم الصحة ما إذا قال: زوجتك بنتي ونويا معينة .. فإنه يصح مع أن الشهود لا إطلاع لهم على ما نوياه.
ويتفرع على عدم انعقاده بالكناية: ما إذا كتب بالنكاح إلى غائب أو حاضر .. فإنه لا يصح.
وقيل: يصح في الغائب، وليس بشيء؛ لأنه كناية.
ولو خاطب غائبا بلسانه فقال: زوجتك بنتي، ثم كتب فبلغه الكتاب أو لم يبلغه وبلغه الخبر فقال: قبلت نكاحها .. لم يصح على الصحيح.
وإذا صححنا في المسألتين .. فشرطه القبول على الفور، وأن يقع بحضرة شاهدي الإيجاب.
وإذا استخلف القاضي فقيها في تزويج امرأة .. لم تكلف الكتابة، بل يشترط اللفظ على المذهب، وليس للمكتوب إليه اعتماد الخط على الصحيح.
قال: (ولو قال: زوجتك، فقال: قبلت .. لم ينعقد على المذهب)؛ لأنه لم يوجد منه التصريح بواحد من لفظي النكاح والتزويج، والنكاح لا ينعقد بالكنايات.
والثاني: يصح؛ لأن القبول ينصرف إلى ما أوجبه الولي فكان كالمعاد لفظا، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد.
وقيل: يصح قطعا، وقيل: لا يصح قطعا.
وَلَوْ قَالَ: زَوِّجْنِي، فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ، أَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: تَزَوَّجْهَا، فَقَالَ: تَزَوَّجْتُ .. صَحَّ: وَلَا يَصِحُّ تَعْلِقُهُ، .....
ولو قال: قبلت النكاح أو قبلتها .. فخلاف مرتب وأولى بالصحة.
قال: (ولو قال: زوجني، فقال: زوجتك، أو قال الولي: تزوجها، فقال: تزوجت .. صح)؛ لوجود الاستدعاء الجازم.
وفي (الصحيحين) عن سهل بن سعد: أن الأعرابي الذي خطب الواهبة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: زوجنيها، فقال: (زوجتكها) ولم ينقل أنه قال بعد ذلك: قبلت، وهذا ظاهر المذهب، وقيل: فيه الخلاف في البيع.
وتشترط الموالاة بين الإيجاب والقبول على ما سبق في البيع، فلا يضر الفصل اليسير، ويضر الطويل وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول.
وإذا وجد أحد شقي العقد من أحد العاقدين .. فلا بد من إصراره عليه حتى يوجد الشق الآخر، فلو رجع عنه .. لغا العقد.
وكذا لو أوجب ثم جن أو أغمي عليه .. لغا إيجابه وامتنع القبول.
وكذا لو أذنت المرأة في تزويجها حيث يعتبر إذنها ثم أغمي عليها قبل العقد .. بطل إذنها.
ويشترط وقوعه على الجزم، فلو كان هازلا .. فوجهان: رجح الغزالي و (الحاوي الصغير) عدم الصحة، والأصح في (الروضة): الانعقاد؛ لحديث: (ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد).
ويشترط في كل من الزوجين أن يكون معينا.
قال: (ولا يصح تعليقه) مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر .. فقد زوجتك؛
وَلَوْ بُشِّرَ بِوَلَدٍ فَقَالَ: إِنْ كَانَ أُنْثى .. فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، أَوْ قَالَ: إِنْ كَانَتْ بِنْتِي طَلُقَتْ وَاعْتَدَّتْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا .. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ.
ولَا تَوْقِيتُهُ،
لأن البيع والمعاوضات لا تقبل التعليقات، فالنكاح مع اختصاصه بوجه الاحتياط أولى.
ولو قال: زوجتك إن شاء الله .. فأطلق في (التلخيص) البطلان، ولا تبعد الصحة إذا أراد التبرك.
قال: (ولو بشر بولد فقال: إن كان أنثى .. فقد زوجتكها، أو قال: إن كانت بنتي طلقت واعتدت فقد زوجتكها .. فالمذهب: بطلانه) ولو وافق ذلك الواقع في نفس الأمر؛ لفساد الصيغة.
وقيل: وجهان كمن باع مال أبيه ظانا حياته فبان ميتا.
قال البغوي: ولو بشر ببنت فقال: إن صدق المخبر فقد زوجتكها .. صح، ولا يكون ذلك تعليقا، بل هو تحقيق كقوله: إن كنت زوجتي .. فأنت طالق، وتكون (إن) بمعنى (إذ)، قال: وكذا لو أخبر من له أربع نسوة بموت إحداهن، فقال لرجل: إن صدق المخبر فقد تزوجت بنتك، فقال ذلك الرجل: زوجتكها .. صح.
قال الرافعي: وهذا الذي قاله البغوي يجب أن يكون مفروضا فيما إذا تيقن صدق المخبر، وإلا .. فلفظ (إن) للتعليق، وقال الشيخ: هو تعليق تيقن صدقه أم لا لصورة التعليق.
قال: (ولا توقيته) سواء قيده بمدة مجهولة أو معلومة، وهو نكاح المتعة، سمي به لأن الغرض منه مجرد التمتع دون التوالد وسائر أغراض النكاح، وكان ذلك جائزا في ابتداء الإسلام لمن اضطر إليها كأكل الميتة، ثم حرمت عام خيبر، ثم رخص فيها عام الفتح، وقيل: عام حجة الوداع، ثم حرمت إلى يوم القيامة.
وفي (الصحيحين)] خ 5115 - م 1406/ 21 [: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قال كنت قد أذنت في الاستمتاع بهذه النسوة، ألا وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء .. فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا).
وَلَا نِكَاحُ الْشِّغَارِ،
قال الشافعي رضي الله عنه: لا أعلم شيئا حل ثم حرم ثم حل ثم حرم إلا المتعة.
وقال الحافظ المنذري: نكاح المتعة نسخ مرتين، ونسخت القبلة مرتين، وحرم لحوم الحمر الأهلية مرتين.
فإذا وطئ في نكاح المتعة جاهلا بفساده .. فلا حد، وإن علم .. فلا حد أيضا على المذهب وحيث لا حد يجب المهر والعدة ويثبت النسب.
ولو قال: نكحتها متعة، ولم يزد على ذلك .. فوجهان: أصحهما في زوائد (الروضة): البطلان.
قال: (ولا نكاح الشغار)؛ لما روى الشيخان] خ 5112 - م 1415 [وغيرهما عن عبد الله بن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح الشغار).
والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق، وفي رواية: (وبضع كل واحدة منهما مهر الأخرى).
قال الأئمة: وهذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعا، ويجوز أن يكون من عند ابن عمر رضي الله عنهما، وهو أعلم بتفسير الحديث من غيره.
واختلفوا في علة البطلان، والمشهور: أنه التشريك في البضع؛ لأنه جعله مورد العقد وصداقا فأشبه تزويجها من رجلين، وقيل: لخلوه عن المهر.
وعول الإمام على الخبر، وضعف المعنيين المذكورين.
وهو بكسر الشين وبالغين المعجمتين، سمي به من قولهم: شغر البلد عن السلطان إذا خلا؛ لخلوه عن المهر، ويقال: لخلوه عن بعض الشرائط.
وقيل: من قولهم: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول؛ لأن كل واحد منهما كأنه يقول: لا ترفع رجل ابنتي ما لم أرفع رجل ابنتك.
وَهُوَ: زَوَّجْتُكهَا عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنُتَكَ وَبُضْعُ كُلِّ وّاحِدَةٍ صَدَاقٌ لِلأُخْرَى فَيَقْبَلُ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلِ الْبُضْعَ صَدَاقاً.
فَالْأَصَحُّ: الْصِّحَّة، ولَوْ سَمَّيَا مَالاً مَعَ جَعْلِ الْبُضْعِ صَدَاقاً .. ْ بَطَلَ فِي الأَصَحِّ.
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ،
قال: (وهو: زوجتكها على أن تزوجني بنتك وبضع كل واحدة صداق للأخرى فيقبل)؛ لما تقدم في حديث ابن عمر.
ومثله أن يقول: زوجتك بنتي وتزوجت بنتك أو أختك على أن يكون بضع كل واحدة صداقا للأخرى، فيقول المخاطب: تزوجت على ما ذكرت.
قال: (فإن لم يجعل البضع صداقا .. فالأصح: الصحة)؛ لأنه ليس فيه إلا شرط عقد في عقد، وذلك لا يفسد النكاح، فعلى هذا: يصح النكاحان ولكل واحدة مهر المثل.
والثاني: لا يصح؛ لمعنى التعليق والتوقف.
وخص الإمام الوجهين بما إذا كانت الصيغة: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، فيقبل الآخر ولم يذكر مهرا، فأما إذا قال: زوجتك بنتي بألف على أن تزوجني بنتك .. فهذه يقطع فيها بالصحة، وضعفه الرافعي بأن هذا التفسير حاصل وإن ذكر المهر.
قال: (ولو سميا مالا مع جعل البضع صداقا .. بطل في الأصح) سواء سميا لهما أم لأحدهما؛ لقيام معنى التشريك، وهذا منصوص (الأم).
والثاني: يصح، وهو ظاهر نص (المختصر)؛ لأنه ليس على تفسير صورة الشغار لعدم خلوه عن المهر، وكان ينبغي التعبير ب (الأظهر)؛ فإن الخلاف قولان منصوصان.
قال: (ولا يصح إلا بحضرة شاهدين) سواء كانت الزوجة مسلمة أو ذمية؛ لما
وَشَرْطُهُمَا: حُرِّيَّةٌ، وَذُكُورَةٌ،
روى الحسن مرسلا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، وفي رواية: (وما كان من نكاح على غير ذلك .. فهو باطل، فإن تشاجروا .. فالسلطان ولي من لا ولي له) رواها ابن حبان عن عائشة] 4075 [.
ولا يصح ذكر الشاهدين إلا فيه، وكذا قال ابن حزم، واعتمد الشافعي رضي الله عنه على المرسل هنا؛ لاعتضاده بعمل أكثر أهل العلم، والمعنى فيه الاحتياط للأبضاع؛ لئلا تضيع بالجحود.
ولا يشترط عندنا الإعلان، بل يستحب، وأن يحضره جمع من الصالحين زيادة على الشاهدين، واشترط مالك: الإعلان وترك التواصي بالكتمان دون الشهادة، واشترط ابن حزم: إما الإعلان أو الإشهاد.
قال: (وشرطهما: حرية) فلا تنعقد بحضور عبدين؛ لأنه لا يثبت بهما عند الجحود.
قال: (وذكورة) فلا ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين ولا بأربع نسوة.
وقال أبو حنيفة وأحمد: ينعقد بشهادة رجل وامرأتين.
لنا: ما روى أبو عبيدة في (كتاب الأموال) عن الزهري قال: مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق.
والخنثى كالمرأة، لكن لو عقد بشهادة خنثيين ثم بانا رجلين .. فالأصح في زوائد (الروضة): الصحة، بخلاف نظيره من الصلاة؛ للتردد في النية، ويشكل على هذا ما قاله ابن الرفعة: إنه لو عقد على مشكل أو له ثم بان أن له ذلك .. لم يصح؛ لأن الشرط في النكاح تحقق الشروط حالة العقد كما قاله في (الروضة) في (باب الربا).
وَعَدَالَةٌ، وَسَمْعٌ، وَبَصَرٌ، وَفِي الْأَعْمَى وَجْهٌ
قال: (وعدالة) فلا ينعقد بحضور الفاسقين خلافا لأبي حنيفة.
لنا: قوله صلى الله عليه وسلم: (وشاهدي عدل)، وأيضا: فإن النكاح لا يثبت بشهادة الفاسقين .. فلا ينعقد بشهادتهما.
قال: (وسمع، وبصر) كسائر الشهادات التي تتعلق بالسمع والبصر.
قال: (وفي الأعمى وجه)؛ لأنه أهل للشهادة في الجملة، وهذا الوجه حكاه في (البحر) عن النص، فكان ينبغي أن يقول: وفي قول.
واشترط في (المحرر): الإسلام والتكليف، فاكتفى المصنف عنهما بالعدالة، وأهمل المصنف تبعا ل (المحرر) شروطا:
منها: النطق، فلا ينعقد بالأخرس على الأصح.
ومنها: الرشد، فلا ينعقد بالمحجور عليه بسفه.
ومنها: الضبط، فمن لا يضبط لغفلة أو نسيان .. لا يقبل وإن كان عدلا.
ومنها: معرفة لسان المتعاقدين، فلا ينعقد بحضرة من لا يعرف لسانهما على الأصح كما تقدم.
وفي انعقاده بشهادة المحرم وجهان: أصحهما: الانعقاد، لكن الأولى أن لا يحضر، قاله الرافعي في (سوالب الولاية).
ومنها: أن لا يكون متعينا للولاية، فالولي المعين كالأب والجد والأخ المنفرد لو وكل غيره في الإيجاب ثم حضر شاهدا مع آخر .. لم يصح ولو اجتمعت فيه جميع الشروط.
فإن قيل: ما الفرق بين تحمل الشهادة في النكاح وبين سائر الشهادات حيث لا تعتبر فيها الصفات المعتبرة إلا حال أداء الشهادة؟ فالجواب: أن سائر التحملات ليست بواجبة، بخلاف التحمل هنا؛ فإنه لما كان واجبا .. أشبه حالة الأداء في غيره.
وَالأَصَحُّ: انْعِقَادُهُ بِابْنَيِ الْزَّوْجَيْنِ وَعَدُوَّيْهِمَا.
وَيَنْعَقِدُ بِمَسْتُورَيِ الْعَدَالَةِ عَلَى الْصَّحِيحِ،
قال: (والأصح: انعقاده بابني الزوجين وعدويهما)؛ لأنهما أهل للشهادة في الجملة.
والثاني: لا يصح؛ لتعذر إثباته بشهادتهما، واختاره الغزالي.
والثالث: ينعقد بعدوى أحدهما دون عدويهما، واختاره العراقيون.
والرابع: إن كان عدوا أو ابنا من طرف .. صح، أو من الطرفين ... فلا، ولا يختص بمن ذكره، بل الجدان كذلك، فلو حضر ابنا الزوج وابنا الزوجة .. قال الإمام: انعقد بإجماع الأصحاب، وقال ابن الرفعة: في النفس منه شيء، وفيه وجه في (التتمة) وهو يقوي توقف ابن الرفعة.
فرع:
ذمية أبوها مسلم ورقيقة أبوها حر يجوز للأب أن يكون شاهدا فيهما لا وليا.
قال: (وينعقد بمستوري العدالة على الصحيح)؛ لأنها تعرف بالاجتهاد، والنكاح يجري بين أوساط الناس والعوام، فلو كلفوا بالعدالة الباطنة .. لطال الأمر وشق، بخلاف الحكم حيث لا يجوز بشهادة المستورين؛ لأنه تسهل على الحاكم مراجعة المزكين، والمراد: من عرف بها ظاهرا لا باطنا، أو من يجهل حاله.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: المنع؛ لأن النكاح في حكم أداء الشهادة فلا بد من تحقق الشرط، قال الإمام في (الأساليب): وهو الوجه.
هذا إذا كان العاقد غير حاكم، فإن كان حاكما .. لم يكف المستور؛ لسهولة البحث عليه، وهي طريقة في المذهب، جزم بها ابن الصلاح، والمصنف في (نكت التنبيه)، والشيخ؛ لأن فعل الحاكم ينبغي أن يصان عن النقض، ولأنه نائب الشرع في الأقوال والأفعال، وأيضا الحكم بالصحة لا يجوز بشاهدين مستورين.
وصحح المتولي: أن الحاكم كغيره، وينبغي أن يتخرج ذلك على أن فعل الحاكم هل هو حكم أو لا؟ ومحل الخلاف في الانعقاد بالمستورين في الظاهر، وجواز الإقدام عليه، أما في الباطن .. فلا ينعقد إلا بعدلين على الصحيح، فليحترز من ذلك.
فرع:
تستحب إستتابة المستورين قبل العقد احتياطا، وكذا استتابة الولي المستور.
لَا مَسْتُورِ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ.
وَلَوْ بَانَ فِسْقُ الْشَاهِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ .. فَبَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِبَيِّنَةٍ
قال: (لا مستور الإسلام والحرية) كما إذا كان في موضع يختلط فيه المسلمون بالكفار والأرقاء بالأحرار ولا غالب، والفرق: سهولة الإطلاع عليهما بخلاف العدالة والفسق، وعن الشيخ أبي محمد تردد في مستور الحرية.
وجزم القاضي أبو الطيب في أوائل (الأقضية) بالانعقاد بمستور الإسلام، وهو ظاهر إطلاق (التنبيه) حيث قال بجواز الانعقاد بشهادة مجهولين، وظن ابن الرفعة تفرده به فأوله، وليس كذلك.
قال: (ولو بان فسق الشاهد عند العقد .. فباطل على المذهب)؛ لأنا إنما حكمنا بصحته في الظاهر، فإذا تحقق فواته .. بطل كما لو بان كافرا أو عبدا، وقيل: قولان: أصحهما: هذا.
والثاني: لا يبطل اكتفاء بالستر يومئذ، ولم يرجح الرافعي شيئا من الطريقين، بل رجح البطلان من حيث الجملة.
واحترز بقوله: (عند العقد) عما إذا تبين قبله .. فلا يضر، وينبغي تقييده بزمن يتأتى فيه الاستبراء المعتبر، وإلا .. فهو كتبينه حالة العقد، وعما إذا تبين في الحال ولم يعلم قدمه ولا حدوثه .. فلا يحكم بفساده؛ لجواز حدوث الفسق كما صرح به الماوردي.
والمراد ب (البطلان): تبين البطلان كما عبر به في (المحرر)، لا أنه بطل بعد الصحة.
قال: (وإنما يتبين) أي: الفسق (ببينة)؛ لأنها حجة شرعية ولا تحتاج هذه البينة إلى استفسار في المستور، وأما في العدل الظاهر .. فلا بد من الاستفسار.
أَوْ اتِّفَاقِ الْزَّوْجَيْنِ،
قال: (أو اتفاق الزوجين) على أنهما كانا فاسقين، سواء قالا: لم نعلمه إلا بعد العقد، أو كنا نعلمه ونسيناه عند العقد، فأما لو قالا: علمنا فسقهما حينئذ أو علمه أحدهما .. فقال الإمام: يتبين البطلان بلا خلاف؛ لأنهما لم يكونا مستورين عند الزوجين وعليهما التعويل.
ومثله لو اعترفا بوقوع العقد في إحرام أو عدة أو ردة أو بولي فاسق .. فإنا نتبين بطلانه، ولا مهر إلا إذا كان دخل بها فيجب مهر المثل، فلو نكحها بعد ذلك .. ملك ثلاث طلقات.
ولو قالت المرأة: وقع العقد بلا ولي ولا شهود، وقال الزوج: بل بهما .. نقل ابن الرفعة عن (الذخائر): أن القول قولهما؛ لأن ذلك إنكار لأصل العقد، قال: وكان ينبغي تخريجه على دعوى الصحة والفساد إلا أن يقال: إنكارها الولي إنكار العقد بالكلية، والحق ما قاله في (الذخائر)، وهو المنصوص في (الأم) في (باب الدعوى في الشر والهبة).
ومقتضى حصر المصنف: أنه لا يثبت بعلم القاضي، وليس كذلك، فسيأتي في (الأقضية) أن القاضي يقضي فيه بعلمه على المذهب.
قال الشيخ: وينبغي أن يحمل ما أطلقه الأصحاب في تصادقهما على ما إذا كانا رشيدين؛ لأن الزوجة إذا كانت سفيهة .. فإقرارها بذلك يقتضي إسقاط المهر فلا تسمع.
وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ: كُنَّا فَاسِقَيْنِ.
وَلَوِ اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ وَأَنْكَرَتْ .. فُرِّقَ بَيْنَهُمَا،
تنبيه:
محل ما تقدم إذا لم يتعلق به حق الله تعالى، فلو كان طلقها ثلاثا ثم توافقا على فساد النكاح بهذا السبب أو غيره .. فلا يجوز أن يوقعا نكاحا جديدا من غير تحليل؛ لمكان التهمة، ولأنه حق لله تعالى فلا يسقط بقولهما، قاله الخوارزمي، وهو حسن.
قال: (ولا لأثر لقول الشاهدين: كنا فاسقين)؛ كما لا أثر لقولهما ذلك بعد الحكم بشهادتهما، ولأنهما مقران على غيرهما، ونفى المصنف التأثير مطلقا ممنوع؛ فقد يظهر تأثيره فيما إذا حضرا عقد أختهما ونحوها ثم قالا ذلك وماتت وهما وارثاها .. فيؤثر قولهما في سقوط المهر قبل الدخول، وفي فساد المسمى بعده.
قال: (ولو اعترف به الزوج وأنكرت .. فرق بينهما)؛ مؤاخذة له بقبوله، وهي على الصحيح فرقة فسخ، لا ينقص بها عدد الطلاق كما لو أقر الزوج بالرضاع.
وقيل: فرقة طلاق بائن كما لو تزوج أمة ثم قال: كنت حال العقد واجدا طول حرة.
واحترز ب (اعتراف الزوج) عما إذا اعترفت به الزوجة وأنكر؛ فإنه لا يفرق بينهما على الأصح، وهو أحسن من قول (الحاوي): أحد الزوجين، فعلى الصحيح: لو مات .. لم ترثه، وإن ماتت أو طلقها قبل الدخول .. فلا مهر؛ لإنكارها، وبعد الدخول .. لها أقل الأمرين من المسمى ومهر المثل، وما ذكره من أنه لا مهر لها
وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِلَّا .. فَكُلُّهُ.
وَيُسْتَحَبُّ الإِشْهَادُ عَلَى رِضَا المَرْأَةِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ رِضَاهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ
قبل الدخول .. هو فيما إذا لم يعطها الزوج ذلك، فإن أعطاها .. لم يكن له استرداده كما قرر الرافعي في نظيره من (كتاب الرجعة).
قال: (وعليه نصف المهر إن لم يدخل بها، وإلا .. فكله)؛ لأنه لا يقبل قوله فيه.
وحكى في (الروضة) وجها عن العراقيين: أنه يقبل قوله في المهر، فلا يلزمه قبل الدخول شيء، وبعده أقل الأمرين من المسمى ومهر المثل، ولا خلاف أنه إذا مات لا يرثها.
قال: (ويستحب الإشهاد على رضا المرأة حيث يعتبر رضاها)؛ احتياطا، ومراده ب (الرضا) الإذن.
قال: (ولا يشترط)؛ لأن رضاها ليس من نفس النكاح، وإنما هو شرطه، وليس كالشهادة في النكاح؛ فتلك ركن فيه لا يصح إلا بها.
وقال الشيخ عز الدين: ليس للحاكم أن يزوج امرأة حتى يثبت عنده إذنها، فلو أخبره واحد فزوجها به معتمدا عليه .. لم يصح، وإن ثبت من بعد أنها كانت أذنت.
فَصْلٌ:
لَا تُزَوِّجُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِإذْنٍ، وَلَا غَيْرَهَا بِوَكَالَةٍ، وَلَا تَقْبَلُ نِكَاحا لِأَحَدٍ
وأفتى البغوي بأن رجلا لو قال للحاكم: أذنت لك فلانة في تزويجها مني، فإن وقع في نفسه صدقه .. جاز تزويجها به، وإلا .. فلا، ولا يعتمد تحليفه.
تتمة:
من مسائل الفصل: أنه لا يشترط إحضار الشاهدين، بل إذا حضرا بأنفسهما وسمعا الإيجاب والقبول .. صح، وإن لم يسمعا الصداق.
قال: (فصل:
لا تزوج امرأة نفسها بإذن، ولا غيرها بوكالة، ولا تقبل نكاحا لأحد).
المرأة عندنا لا عبارة لها في النكاح إيجابا ولا قبولا، فلا تزوج نفسها بإذن الولي ولا بدون إذنه، ولا غيرها بولاية ولا بوكالة، ولا تقبل النكاح لا بولاية ولا بوكالة، ولا فرق بين الشريفة والدنيئة.
وقال أبو حنيفة: تزوج البالغة العاقلة الحرة نفسها وابنتها الصغيرة، وتتوكل عن الغير، لكن لو وضعت نفسها تحت من لا يكافئها .. فلأوليائها الاعتراض.
وقال مالك: الدنيئة تزوج نفسها دون الشريفة.
لنا: قوله تعالى:} فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن {قال الشافعي رضي الله عنه: هي أصرح آية في اعتبار الولي، وإلا .. لما كان لعضله معنى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسبب نزولها: أن معتقل بن يسار زوج أخته، فطلقها زوجها طلقة رجعية، وتركها حتى انقضت عدتها، ثم رام رجعتها فحلف أن لا يزوجها، قال: (ففي نزلت هذه الآية) رواه البخاري] 5130 [، زاد أبو داوود] 2080 [: (فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه) فلو كان لها تزويج نفسها .. لم يعاتب أخاها على الامتناع ولا أمر بالحنث.
وقيل: إن الضمير راجع إلى الأزواج، واختاره الإمام فخر الدين في (تفسيره) وسبب النزول يرد عليه، وقوله تعالى:} الرجال قوامون على النساء ﴿وقوله﴾ فانكحوهن بإذن أهلهن {.
وفي (سنن أبي داوود)] 2076 [و (الترمذي)] 1102 [و (ابن حبان)] 4074 [و (الحاكم)] 2/ 168 [عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها .. فنكاحها باطل ثلاثا، فإن دخل بها .. فلها المهر بما أصاب منها) وفي رواية: (بما استحل من فرجها).
وأما حديث: (لا نكاح إلا بولي) .. فصححه أحمد وابن معين] مع 3/ 86 [والترمذي] 3/ 407 [وابن حبان] 4075 [والحاكم] 2/ 169 [وغيرهم.
قال ابن العربي وصح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تخطب وتقرر المهر ثم تقول: (اعقدوا؛ فإن المرأة لا تلي عقدة النكاح).
واستدل المخالف بأن عائشة زوجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن، وهو محمول على أنها شهدت أسباب تزويجها، ثم أشارت على من ولي أمرها عند غيبة أبيها.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما إذا وكل رجل امرأة في أن توكل رجلا في أن يزوج وليته .. فإنه يصح على النص، وكذا لو قال: وكلي عني من يزوجك أو أطلق في الأصح عند المصنف، واختار الشيخ وفاقا للمزني والقاضي حسين المنع في الصورتين.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والخنثى في جميع ذلك كالأنثى، فلو زوج الخنثى أخته ثم بان رجلا، صح كما جزم به ابن المسلم في (كتاب الخناثى)، وهو قياس ما سبق في الشاهدين.
فرعان:
أحدهما: كانت المرأة في موضع لا حاكم فيه وليس لها ولي .. فقيل: تزوج نفسها للضرورة، واختار المصنف أنها ترد أمرها إلى عدل وإن لم يكن مجتهدا، وهو ظاهر النص الذي نقله يونس بن عبد الأعلى.
وقال صاحب (المهذب): تحكم فقيها مجتهدا، وصححه المصنف؛ بناء على جواز التحكيم في النكاح، سواء كان هناك حاكم أم لا، وسواء في ذلك السفر والحضر، وعلى كل تقدير: ليس قولا في تجويز النكاح بلا ولي.
قال الشيخ: والذي رواه يونس ينبغي أن يتوقف فيه حتى يتحقق وروده عنه؛ فقد روى الدارقطني] 3/ 225 [والشافعي] شم 1/ 290 [: أن رفقة جمعتهم الطريق فيهم امرأة فولت أمرها رجلا فزوجها .. فجلد عمر رضي الله عنه الناكح والمنكح.
الثاني: لا يشترط في العاقد علمه بجهة الولاية، فلو أذنت لحاكم في تزويجها من كفء، فزوجها ظانا أن لا ولي لها غير الحاكم، فبانت ابنته أو أخته .. صح، وكذا
وَالْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ، لَا الْحَدَّ
لو وكل زيد عمرا في تزويج هذه فقال: هي موليتي، فزوجها عمرو ظانا ذلك ثم بان أنها ابنة عمرو أو أخته .. صح.
قال: (والوطء في نكاح بلا ولي يوجب مهر المثل)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: (فإن دخل بها .. فلها المهر).
وشملت عبارته: الوطء في القبل والدبر؛ لأن كلا منهما يقرر المهر.
واقتصاره على (مهر المثل) يفهم: أنه لا يلزم معه أرش البكارة لو كانت بكرا، وهو كذلك كما صرح به في (شرح المهذب) في الكلام على البيع الفاسد؛ فإنه نقل ذلك عن النص والأصحاب، وفرق بينه وبين البيع الفاسد بأن إتلاف البكارة مأذون فيه في النكاح الفاسد كما في النكاح الصحيح، بخلاف البيع الفاسد؛ فإنه لا يلزم منه الوطء، لكن ينبغي أن يستثنى: ما إذا كان المتناكحان محجورا عليهما بالسفه كما سيأتي.
قال (لا الحد)؛ لشبهة اختلاف العلماء وتعارض الأدلة، سواء صدر ممن يعتقد تحريمه أو إباحته، باجتهاد أو تقليد، لكن يعزر معتقد التحريم.
وقال أبو بكر الصيرفي والإصطخري والفارسي: يجب الحد على معتقد التحريم محتجين بما روى ابن ماجة] 1882 [عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها)، ولأن شارب النبيذ يحد مع الاختلاف في إباحته.
وقياس إيجاب الحد: أن لا مهر، وبه صرح الرافعي، والحديث يرد عليهم؛ فإنه أثبت المهر، فيؤخذ منه سقوط الحد؛ فإنهما لا يجتمعان.
ومحل الخلاف: إذا حضر العقد شاهدان، فإن لم يحضرا ولا حصل فيه إعلان .. فالحد واجب؛ لانتفاء الشبهة.
وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْوَلِيُّ بِالنِّكَاحِ إِنِ اسْتَقَلَّ بِالإِنْشَاءِ، وَإِلَّا .. فَلَا.
وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلِةِ بِالْنِّكَاحِ عَلَى الْجَدِيدِ
ومحله أيضا: قبل الحكم بصحته، فإن حكم بصحته .. فلا حد قطعا، قاله الماوردي.
ومحله أيضا: ما لم يحكم حاكم ببطلانه ويفرق بينهما، فإن كان ذلك .. وجب الحد جزما، وامتنع على الحنفي حينئذ الحكم بصحته.
ولو رفع النكاح بلا ولي إلى قاض يصححه وحكم بصحته، ثم رفع إلينا، لم ينقض قضاؤه على الصحيح، وقال الإصطخري: ننقضه.
وإذا طلق فيه .. لم يقع، فلو طلق ثلاثا .. لم يفتقر إلى محلل، وقال أبو إسحاق: يقع، ويفتقر إلى محلل؛ احتياطا للأبضاع.
قال: (ويقبل إقرار الولي بالنكاح إن استقل بالإنشاء) كالأب في البكر؛ لأن من يملك الإنشاء يملك الإقرار إلا ما استثنى، والمراد: أن يكون حين الإقرار قادرا عليه.
وقيل: إن كانت بالغة .. فلا بد من موافقتها كالوكيل إذا ادعى أنه أتى بما وكل فيه، وعلى هذا: لا تسمع الدعوى عليه، وعلى الأول وجهان.
وعبارة (المحرر): إذا كان مستقلا بالإنشاء، وهو أحسن، وعبارة (المنهاج) يدخل فيها ما إذا استقل بالإنشاء، وزال ذلك بأن كانت ثيبا فادعى أنه زوجها وهي بكر .. فلا يقبل.
قال: (وإلا .. فلا) أي: وإن لم يستقل به إما لعدم إجباره أو لكون الزوج غير كفء .. فلا يقبل؛ لعجزه عن الإنشاء إلا بإذنها.
ولو أقر ولي السفيه بنكاحه .. لم يقبل؛ لأنه لا يستقل به.
قال: (ويقبل إقرار البالغة العاقلة بالنكاح على الجديد) المراد: يقبل إقرارها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع تصديق الزوج بلا بينة؛ لأن النكاح حقهما، فيثبت بتصادقهما كالبيع وغيره، ولا فرق على هذا بين الثيب والبكر، ولا بين الغريبين والبلديين، وهذا مستثنى من قاعدة: من لا يملك الإنشاء لا يملك الإقرار.
والقديم- وبه قال مالك- أنهما إن كانا غريبين .. ثبت النكاح، وإلا .. طولبا بالبينة؛ لسهولتها عليهما، وللاحتياط للنكاح.
فعلى الجديد: هل يكفي إطلاق الإقرار؟ أو تفصل فتقول زوجتي به وليي بحضرة شاهدين عدلين ورضائي؟ إن كانت معتبرة الرضا .. وجهان: أصحهما: الثاني.
ثم إذا أقرت وكذبها الولي فثلاثة أوجه:
أصحها: يحكم بقولها؛ لأنها مقرة على نفسها.
والثاني: لا؛ لانها كالمقرة على الولي.
والثالث: يفرق بين العفيفة والفاسقة، ولا فرق على هذا الخلاف بين أن تفصل الإقرار وتضيف التزويج إلى الولي فيكذبها، وبين أن تطلق فيقول الولي: لا ولي لك غيري وما زوجتك، ويجري الخلاف أيضا في تكذيب الشاهدين إذا كانت قد عينتهما.
والأصح: أنه لا يقدح تكذيبهما؛ لاحتمال النسيان والكذب، فإن قلنا: تكذيب الولي يمنع قبول إقرارها فكان غائبا .. لم ينتظر حضوره، بل تسلم للزوج في الحال
وَلِلأَبِ تَزْويجُ الْبِكْرِ صَغِيرَةً وَكَبِيرَةً بِغَيْرِ إِذْنِهَا،
للضرورة، فإذا عاد وكذبها .. فهل يحال بينهما لزوال الضرورة أو يستدام؟ وجهان: رجح الغزالي الأول، وغيره الثاني.
قال: (وللأب تزويج البكر صغيرة وكبيرة بغير إذنها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يزوجها أبوها) رواه الدارقطني] 3/ 240 [من رواية ابن عباس، وهو في (صحيح مسلم)] 1421 [بغير زيادة: (والبكر يزوجها أبوها).
قال البيهقي: قال الشافعي رضي الله عنه: وهذه الزيادة لو ثبتت .. لكانت حجة في تزويج كل بكر، ولكنها غير محفوظة انفرد بها سفيان بن عيينة.
وقول المصنف: (بغير إذنها) راجع إلى الكبيرة؛ فإن الصغيرة لا إذن لها، وقد يعود إليهما معا؛ لما نقل عن الإمام أحمد: أن المميزة تستأذن.
قال الشافعي في القديم: (أستحب أن لا تزوج البكر الصغيرة حتى تبلغ فتستأذن) فعلة الإجبار عند الشافعي البكارة، وعند أبي حنيفة الصغر، وعند الشيخ وابن حزم مجموعهما.
وشرط ولاية الإجبار: أن تكون غير موطوءة، وأن يزوجها من كفء موسر بمهر المثل وبنقد البلد، وأن لا يكون بينها وبين الأب عداوة ظاهرة كما قاله ابن كج وابن المرزبان، لكن جزم الماوردي والروياني في هذه الحالة بالإجبار؛ لأن الولي يحتاط لنسبه، وقال في (المطلب): إنه المذهب.
فعلى هذا تكون الشروط خمسة، وعلى مقالة ابن المرزبان وابن كج تكون ستة.
وأن لا يكون طرأ لها سفه بعد البلوغ؛ فإن الصحيح أن الذي يلي مالها الحاكم،
وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانِهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ ثَيِّبٍ إِلا بِإِذْنِهَا،
فعلى هذا: هو الذي يلي تزويجها، وهو الذي يقتضيه كلام الرافعي.
قال: (ويستحب إستئذانها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (والبكر تستأمر وإذنها صماتها) وأوجبه أبو حنيفة؛ لظاهر الأمر.
قال في (الأم): ويكره للأب أن يزوجها ممن يعلم أنها تكرهه، فإن فعل وزوجها منه .. جاز ذلك عليها؛ فقد يجعل الله لها فيه خيرا كما اتفق لفاطمة بنت قيس لما كرهت أسامة أولا.
فرع:
إذا التمست البكر البالغة التزويج وقد خطبها كفء .. لزم الأب أو الجد إجابتها؛ تحصينا لها، كما يجب إطعام الطفل إذا استطعتم، فإن امتنع .. أثم ويزوجها السلطان؛ لما روى أحمد] 1/ 105 [والترمذي] 171 [وابن ماجة] 1486 [والحاكم] 2/ 162 [عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفءا).
وفيه وجه: أنه لا تجب الإجابة ولا يأثم بالامتناع؛ لأن الغرض يحصل بتزويج السلطان، وأيضا: فإنها مجبرة من جهة الأب والجد فكيف يجبرهما على النكاح، والواجب عند الطلب أصل التزويج لا خصوص تزويجها بمن عينته.
ولو التمست التزويج ولم تعين أحدا ولا خطبها أحد .. فالظاهر من كلام الغزالي: أنه يجب على الأب السعي في زواجها كما لو عينت كفءا.
قال: (وليس له تزويج ثيب إلا بإذنها)؛ للحديث المتقدم.
وفي (البخاري)] 5139 [عن خنساء بنت خذام بن خالد الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد نكاحها.
فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةٌ .. لَمْ تُزَوَّجْ حَتَّى تَبْلُغَ، وَالْجَدُّ كَالْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ.
وَسَوَاءٌ زَالَتِ الْبَكَارَةُ بِوَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ،
وفي رواية للنسائي] سك 5361: [أنها كانت بكرا، والصحيح الأول.
وروى هو] 6/ 85 [وأبو داوود] 2093 [عن ابن عباس مرفوعا: (ليس للولي مع الثيب أمر) قال البيهقي في (خلافياته): رواته ثقات.
ومن جهة المعنى: أن الثيب عرفت مقصود النكاح .. فلم تجبر، بخلاف البكر.
قال: (فإن كانت صغيرة .. لم تزوج حتى تبلغ)؛ لأن الأب إنما يجبر البكر، والثيب يشترط في تزويجها الإذن، ولا يعتبر إلا بعد البلوغ إجماعا، فامتنع تزويجها قبله.
وقال أبو حنيفة: تزوج؛ بناء على أن علة الإجبار عنده الصغر.
قال الأصحاب: وإنما قلنا تبقى ولاية الأب عليها في المال؛ لأن علته موجودة وهي الصغر، وعلة الإجبار منتفية وهي البكارة؛ لكن يستثنى من ذلك المجنونة والأمة وسيأتي بيانهما.
قال: (والجد كالأب عند عدمه)؛ لاشتراكهما في الولاية والتعصيب وولاية المال، وهل ألحق به قياسا أو لمشاركته له في الاسم؟ فيه وجهان في (الحاوي) و (البحر): أصحهما الأول، ولا تظهر لذلك فائدة حكمية.
وفي قول: ليس له إجبار البالغة، واختاره ابن القاص وابن سلمة، وقد يزيد الجد على الأب، وذلك في تولي الطرفين كما سيأتي.
قال: (وسواء زالت البكارة بوطء حلال أو حرام)؛ لأنها ثيب فشملها الخبر، ولذلك لا تدخل في عتق الأبكار ولا في الوصية لهن، وكذلك الحكم لو وطئت مجنونة أو مكرهة أو نائمة على الأصح.
وعن القديم: أن المصابة بالزنا حكمها حكم الأبكار، لكن يرد على المصنف
وَلَا أَثَرَ لِزَوَالِهَا بِلَا وَطْءٍ كَسَقْطَةٍ فِي الْأَصَحِّ.
وَمَنْ عَلَى حَاشِيةِ الْنَّسَبِ كَأَخٍ وَعَمٍّ لَا يُزَوِّجُ صَغِيرَةً بِحَالٍ
الموطوءة بالشبهة؛ فإنه لا يوصف بحل ولا حرمة وحكمه حكم الوطء الحلال والحرام.
قال: (ولا أثر لزوالها بلا وطء كسقطة في الأصح) بل حكمها حكم الأبكار؛ لأنها لم تمارس الرجال.
والثاني: أنها كالثيب لزوال العذرة، وصححه المصنف في (شرح مسلم)، وذكر الرافعي في (باب القسم): أن الخلاف يجري فيما لو زالت بمرض.
ونص في (الأم) على أنها لو زال حياؤها بخروج الأسواق ومخالطة الرجال ولم تزل بكارتها .. كان حكمها حكم الأبكار.
وكالسقطة زوالها بإصبع، وحدة طمث، وطول تعنيث وهو: الكبر، وكل هذا مندرج في قوله: (بلا وطء)، فإن وطئت في الدبر فبكر في الأصح، فلو خلقت بلا بكارة .. كان لها حكم الأبكار بلا خلاف، قاله الماوردي والروياني والصيمري.
ولو ادعت الثيوبة أو البكارة .. كان القول قولها؛ لأنها أعلم ولا تسأل عن سبب الثيوبة.
ولو ذهبت بكارتها ثم عادت .. لا يكون لها حكم الأبكار، قاله أبو خلف الطبري في (شرح المفتاح).
قال: (ومن على حاشية النسب كأخ وعم لا يزوج صغيرة بحال) بكرا كانت أو ثيبا؛ لأنهم ليسوا في معنى الأب والجد، ولم يرد نص في ذلك.
وصحح الترمذي] 1109 [: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن).
وقال أبو حنيفة: ينعقد موقوفا على إجازتها.
وَتُزَوَّجُ الْثَّيِّبُ الْبَالِغَةُ بِصَرِيحِ الإِذْنِ،
ويؤخذ من تنصيص المصنف على (الأخ والعم): أن من هو أبعد منهما كبنيهما والمعتق أولى بالمنع.
فائدة:
مذهب الشافعي رضي الله عنه: أن الصغيرة إذا لم يكن لها ولي خاص .. لا تزوج حتى تبلغ.
وعند أبي حنيفة: للقاضي تزويجها إذا نص له السلطان على الإذن في تزويج الصغار.
وكان قضاة الشام يأذنون في ذلك الوقت للحنفية، لما كانت العادة أن لا يكون في هذه البلاد إلا قاض شافعي، فأذن ابن سناء الدولة قاضي دمشق مرة لحنفي في تزويج صغيرة فزوجها، فرفع الأمر إلى القاضي كمال الدين التفليسي الشافعي فنقضه، وصنف في ذلك تصنيفا، وصنف أبو شامة تصنيفا، في الرد عليه، وذكر عن الشيخ عز الدين أنه أفتى بعدم النقض، واستشكله الشيخ وصوب قول التفليسي وجزم بالقول بأنه لا يحل لشافعي أن يأذن في ذلك لحنفي.
قال: (وتزوج الثيب البالغة بصريح الإذن) سواء زوجها أبوها أم غيره من الأولياء؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: (الثيب أحق بنفسها من وليها)، وقوله: (ليس للولي مع الثيب أمر).
وأشار بقوله: (بصريح الإذن) إلى أنها لو قالت: وكلتك بتزويجي .. لم يكف.
قال الرافعي: والفرع ليس بمسطور، والذين لقيناهم من الأئمة لا يعدون ذلك إذنا، والذي قاله الرافعي أفتى به البغوي، ونقله صاحب (البيان) عن النص،
وَيَكْفِي فِي الْبِكْرِ سُكُوتُهَا فِي الْأَصَحِّ
وصوبه المصنف، والنص المذكور نقله البيهقي في (المبسوط).
قال: (ويكفي في البكر سكوتها في الأصح)؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: (والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها).
هذا إذا كانت بالغة، سواء علمت أنه إذن أم لا، خلافا لابن المنذر.
والثاني: لا بد من صريح نطقها كالثيب، قال الإمام: وهو القياس.
والثالث: لا حاجة إلى استئذانها، بل إذا عقد بحضرتها ولم تنكر .. كان ذلك رضا.
تنبيهات:
أحدها: أطلق المصنف والجمهور أن إذن البكر صماتها، وقيده ابن المنذر بما إذا علمت أن ذلك إذنها وهو حسن، لكن قال المصنف في (شرح مسلم): الذي عليه الجمهور أن ذلك لا يشترط.
الثاني: محل الخلاف في غير المجبر، أما المجبر .. فالسكوت فيه كاف بلا خلاف، ويكفي السكوت أيضا إذا كان الولي حاكما نص عليه.
وكذلك إذا حكمت البكر في التزويج- وجوزناه وهو الأصح- فقال لها المحكم: حكمتني لأزوجك من هذا؟ فسكت .. كفى ذلك كما لو استأذنها الولي فسكتت، نقله الرافعي في آخر (الدعاوى) عن (فتاوى البغوي) وأقره.
وإذا اكتفيا بالسكوت .. حصل الغرض ضحكت أو بكت، إلا إذا كان مع ذلك صباح أو ضرب خد .. فلا يكون رضا.
الثالث: جميع ما ذكره المصنف بالنسبة إلى تزويجها من كفء بمهر المثل، فإن كان من غير كفء .. ففي اشتراط التصريح بالإذن وجهان، وإذا كان بغير مهر المثل أو بغير نقد البلد .. فنقل في زوائد (الروضة) عن صاحب (البيان): أنه يكفي في رضاها السكوت كبيع مالها، لكنه حكى بعد ذلك عن (فتاوى البغوي) ما يخالفه.
وَالْمُعْتِقُ وَالْسُّلْطَانُ كَالْأخِ
والأوجه: أنه لا يكفي سكوتها في المسائل الثلاث.
وقال الصيمري: ليس له تزويجها بشيخ هرم، ولا مقطوع اليدين والرجلين، ولا أعمى ولا زمن، ولا فقير وهي غنية، فإن فعل .. فسخ، قال العمراني: ويحتمل أنه ليس لها الفسخ.
ولو قال: أزوجك من شخص ... كفى؛ لأن الأصح: أنه لا يشترط تعيين الزوج في الإذن، ذكره الرافعي بحثا، وصوبه المصنف.
ولو أذنت ثم رجعت قبل التزويج .. لم يصح، فإن زوجها بعده وقبل العلم .. ففي صحته وجهان كنظير من الوكيل.
قال: (والمعتق والسلطان كالأخ) فيزوجان البوالغ بإذنهن، ولا يزوجان الصغائر، خلافا لأبي حنيفة كما سبق في الأخ والم.
لنا: قوله صلى الله عليه وسلم: (الولاء لحمة كلحمة النسب)، وقوله: (فإن تشاجروا .. فالسلطان ولي من لا ولي له).
وأَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ أَبُّ ثُمَّ جَدُّ ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ أَخُّ لِأَبَوْيْنِ أَوْ لِأَبٍ ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ عَمِّ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَصَبَةِ كَالإِرْثِ،
ولأن المعتق أخرجها من الرق إلى الحرية فأشبه الأب في إخراجه لها إلى الوجود.
ثم السلطان يزوج في ستة مواضع:
عدم الولي الخاص، وعضله، وسيأتيان في هذا الفصل.
وغيبته، وإحرامه، وإذا أراد الولي أن يتزوجها، وستأتي هذه الثلاثة في الفصل الذي بعده.
والسادس: تزويج المجنونة، وسيأتي في الفصل الثالث.
وقد جمع بعضهم خمسة في قوله] من الرجز [:
خمس محررة تبين حكمها .... فيها يرد العقد للحكام
فقد الولي وعضله ونكاحه .... وكذاك غيبته مع الإحرام
قال: (وأحق الأولياء أب)، لأن من عداه يدلي به، كذا علله الرافعي، ويرد عليه المعتق والسلطان؛ فإنهما لا يدليان به.
قال: (ثم جد)؛ لأنه كالأب عند عدمه.
قال: (ثم أبوه)؛ لان له ولاية وعصوبة فقدم على من ليس له إلا عصوبة، وهو مع الجدة كالجد مع الأب.
قال: (ثم أخ لأبوين أو لأب)؛ لأنه يدلي بالأب فكان أقرب.
وقدم مالك الأخ على الجد كما يقدم عليه في (باب الولاء).
قال: (ثم ابنه وإن سفل)؛ لأنه أقرب من العم.
قال: (ثم عم، ثم سائر العصبة كالإرث)؛ لأن المأخذ فيهما واحد.
وَيُقَدَّمُ أَخٌ لِأَبَوَيْنِ عَلَى أَخٍ لِأَبٍ فِي الأَظْهَرِ.
وَلَا يُزَوِّجُ ابْنٌ بِبُنُوَّةٍ،
ومراده بقوله: (كالإرث) بالنسبة إلى سائر العصبة فقط، فترتيبهم هنا كترتيبهم هناك، فيقدم بعد العم من الأبوين أو من الأب ابنه وإن سفل، ثم سائر العصبات، ولا يصح عوده إلى جميع ما ذكره؛ لأن الجد والأخ يستويان في الإرث، وهنا يقدم الجد، ثم يرد على إطلاق المصنف مسائل تأتي في خاتمة (كتاب العتق).
قال: (ويقدم أخ لأبوين على أخ لأب في الأظهر)؛ لزيادة القرب والشفقة، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والمزني.
والثاني- وهو القديم وبه قال أحمد-: أنهما سواء؛ لأن قرابة الأم لا مدخل لها في النكاح لأنه لا تفيد ولايته، بخلاف الميراث؛ فإن الأخ من الأم يرث.
والجواب: أن إخوة الأم إذا لم تفد ولاية النكاح .. فهي توجب ترجيحا، كما أن العم لأبوين يقدم في الإرث على العم للأب وإن لم يكن العم للأم وارثا، ويجري الخلاف في ابني الأخ والعمين وابني العم إذا كان أحدهما من الأبوين والآخر من الأب.
قال: (ولا يزوج ابن ببنوة) خلافا للأئمة الثلاثة والمزني.
لنا: أنه لا مشاركة بينهما في النسب؛ لأنها تنسب إلى أبيها والابن إلى زوجها، والزوج لا ولاية له على امرأته، والأم لا تزوج نفسها فكذا من يدلي بها.
واحتج المخالفون بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد تزويج أم سلمة .. قالت لابتها عمر: قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجه، رواه النسائي] 6/ 81 [.
والجواب: أنه كان صغيرا؛ لأنه ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة، وزواج النبي صلى الله عليه وسلم بأمه كان في الرابعة فكان يومئذ ابن سنتين، ولو صح أن ابنها زوجها وأنه كان بالغا .. فيكون زوجها ببنوة العم؛ فإنه ابن ابن عم أبيها، على أن نكاح النبي صلى الله عليه وسلم لا يفتقر إلى ولي.
وأجاب ابن الجوزي بأنه أراد عمر بن الخطاب، وهو ابن عمها، واسمه موافق لاسم ابنها فظن بعض الرواة أنه ابنها، قال: وما يروى من قول بعض الرواة: قم
فَإِنْ كَانَ ابْنَ ابْنِ عَمِّ أَوْ مُعْتِقاً أَوْ قَاضِيا .. زَوَّجَ به.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَسِيبٌ .. زَوَّجَ الْمُعْتِقُ، ثُمَّ عَصَبَتُهُ كَالإِرْثِ
يا غلام فزوج أمك .. فباطل لا أصل له.
قال: (فإن كان ابن ابن عم أو معتقا أو قاضيا .. زوج به) أي: بذلك الوصف لا بالبنوة، وكذا لو كان وكيلا لوليها؛ لأنا إنما قلنا: البنوة لا تقتضي الولاية، ولم نقل إنها مانعة، فإذا وجد معها سبب آخر يقتضي الولاية .. لم يمنعه، وهذه أسباب الولاية.
وكذلك لو اتفق وطء بشبهة، أو نكاح مجوس أن يكون ابنها أخاها أو ابن أخيها أو ابن عمها.
قال: (فإن لم يوجد نسيب .. زوج المعتق) يعني: إذا كان رجلا (ثم عصبته) سواء كان المعتق رجلا أو امرأة.
قال: (كالإرث)؛ لما تقدم من أنه لحمة كلحمة النسب.
والمراد: أن ترتيب عصبات العتق هنا كترتيب عصبات النسب، لكن يستثنى من ذلك جد النسب؛ فإنه أولى من الأخ.
وأصح القولين هنا: أن أخ المعتق أولى من جده، وأن المرأة لا يزوجها ولدها، وابن المعتق يزوج، ويقدم على أبيه؛ لأن التعصيب له، والشقيق هنا يزوج قطعا.
وقيل: قولان كما في النسب، وقيل: يستويان قطعا.
وَيُزَوِّجُ عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُ الْمُعْتِقَةَ مَا دَامَتْ حَيَّةً، وَلَا يُعْتَبَرُ إِذْنُ الْمُعْتِقِّةِ فِي الْأَصَحِّ،
قال: (ويزوج عتيقة المرأة من يزوج المعتقة ما دامت حية) فتجعل الولاية عليها تبعا للولاية على المعتقة، فيزوجها الأب ثم الجد على ترتيب الأولياء، ولا يزوجها ابن المعتقة، ويشترط في تزويجها رضاها إن كانت بكرا .. فالبسكوت، وإن كانت ثيبا .. فالبنطق كما في غيرها.
وقيل: لا يزوجها إلا السلطان.
وقيل: يزوجها ابن المعتقة في حياتها، ويقدم على الأب، وهذا هو القياس كما لو كانت ميتة، ويؤيده: أن الولاء يثبت لعصبة المعتق في حياته.
وإطلاق المصنف يقتضي: أن العتيقة لو كانت كافرة والمعتقة مسلمة ووليها كافر .. لا يزوجها، وليس كذلك، فلو قال: يزوج عتيقة المرأة من له الولاء .. لاستقام.
وحكم أمة المرأة كذلك، فيزوجها من يزوج سيدتها، فإن كانت السيدة كاملة .. اشترط إذنها نطقا ولو كانت بكرا؛ لأنها لا تستحيي من ذلك، وإن كانت صغيرة ثيبا .. امتنع على الأب تزويج أمتها إلا إذا كانت مجنونة.
ويستثنى من إلحاقها بها صورتان:
البكر البالغ: للأب إجبارها وليس له إجبار أمتها.
والسيدة الكافرة: لا يزوج أمتها المسلمة من يزوجها.
قال: (ولا يعتبر إذن المعتقة في الأصح)؛ لأنه لا ولاية لها ولا إجبار.
والثاني: يشترط إذنها؛ لأن العصبات يزوجون بإدلائهم بها، فلا أقل من مراجعتها، واختاره الشيخ.
فَإِذَا مَاتَتْ .. زَوَّجَ مَنْ لَهُ الوِلَاءُ،
فعلى هذا: إن لم تأذن .. ناب السلطان عنها في الإذن، قال: ولا نعلم من أوجب إذنها إذا قلنا: الابن يزوج.
قال: (فإذا ماتت) أي: المعتقة (.. زوج من له الولاء) فيقدم الابن ثم الأب ثم سائر العصبات على ترتيبهم في الولاء.
وفي وجه: أن أب المعتقة هو الذي يزوجها وإن ماتت المعتقة؛ لأنه كان أولى بتزويج المعتقة فيستدام هذا الحكم وهو شاذ ضعيف.
فرع:
كان المعتق خنثى مشكلا .. ينبغي أن يزوجها أبوه بإذنه؛ ليكون قد زوجها وليه بتقدير الذكورة ووليها بتقدير الأنوثة.
فرع:
أعتق اثنان أمة .. اشترط في تزويجها رضاهما، إما أن يوكلا، أو يوكل أحدهما الآخر أو يباشرا العقد، ولو مات أحدهما عن ابنين أو أخوين .. كفي موافقة أحدهما للمعتق الآخر، ولو مات كل منهما عن ابنين أو أخوين .. كفى موافقة أحد ابني هذا أحد ابني ذاك.
فرع:
فيمن بعضها مبعض خمسة أوجه:
أصحها: يزوجها مالك البعض ومعه وليها القريب، فإن لم يكن .. فمعتق بعضها، فإن عدم .. فالسلطان.
والثاني: يكون معه معتق البعض.
والثالث: معه السلطان.
والرابع: يستقل مالك البعض.
فَإِنْ فُقِدَ الْمُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ .. زَوَّجَ السُّلْطَانُ، وَكَذَا يُزَوِّجُ إِذَا عَضَلَ الْقَرِيبُ والْمُعْتِقُ
والخامس: لا يجوز تزويجها اصلا؛ لضعف الملك والولاية بالتبعيض.
قال: (فإن فقد المعتق وعصبته .. زوج السلطان)؛ لأنه ولي من لا ولي له، والمراد به: من له الولاية العامة، واليا كان أو قاضيا، في محل حكمه خاصة دون غيره.
قال: (وكذا يزوج إذا عضل القريب والمعتق) واحدا كان أو جماعة مستوين؛ لأن التزويج حق عليه، فإذا امتنع من فعله .. فعله الحاكم كمن عليه دين وامتنع من أدائه، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، ولم يصر أحد هنا إلى انتقال الولاية إلى الأبعد، بخلاف الغيبة؛ فإن فيها خلافا.
وَإِنَّمَا يَحْصَلُ الْعَضْلُ إِذَا دَعَتْ بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ إِلَى كُفْءٍ وَامْتَنَعَ
قال المصنف في (الفتاوي): العضل كبيرة بإجماع المسلمين.
أ. هـ.
والذي اختاره الإمام في (النهاية) أنه لا يحرم إلا إذا لم يكن في الخطة حاكم.
ثم إذا زوج الحاكم هل ذلك بطريق النيابة أو اولاية؟ فيه خلاف تظهر ثمرته في صور:
منها: لو كانت ببلد وأذنت لحاكم بلد آخر والولي فيه، فإن قلنا بالولاية .. امتنع، أو بالنيابة .. جاز.
ومنها: إذا زوجها بإذنها من غير كفء، إن قلنا: ولاية .. صح، أو نيابة .. فلا، قاله في (الترغيب).
ومنها: إذا اكتفينا بالبينة على العضل فزوج القاضي، ثم قامت ببينة رجوعه .. قبل تزويجه، إن قلنا بالنيابة .. خرج على عزل الوكيل، وإن قلنا ولاية .. فعلى الخلاف في انعزال القاضي قبل علمه بعزله، قاله في (المطلب).
قال: (وإنما يحصل العضل إذا دعت بالغة عاقلة إلى كفء وامتنع)؛ لأن إجابتها عليه حينئذ واجبة، فأما إذا دعت إلى غير كفء .. فله الامتناع، ولا يكون عضلا، وإذا حصلت الكفاءة .. فليس له الامتناع لنقصان المهر؛ لأنه محض حقها.
وَلَوْ عَيَّنَتْ كُفْءاً وَأَرَادَ الأَبُ غَيْرَهُ .. فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ
واحترز ب (البالغة) عن الصغيرة إذ لا اعتبار بالتماسها، ولا بد من ثبوت العضل عند الحاكم ليزوجها، قال البغوي: ولا يتحقق العضل حتى يمتنع بين يدي القاضي، وذلك بأن يحضر الخاطب والمرأة والولي ويأمره القاضي بالتزويج فيقول: لا أفعل أو يسكت، فحينئذ يزوجها القاضي.
قال الرافعي: وكأن هذا فيما إذا تيسر إحضاره عند القاضي، فأما إذا تعذر بتعزز أو توار .. وجب أن يثبت بالبينة كسائر الحقوق، وفي (تعليق الشيخ أبي حامد) ما يدل عليه، وعند الحضور لا معنى للبينة؛ فإنه إن زوج وإلا .. عضل.
ومحل تزويج الحاكم عند العضل إذا لم يتكرر، فإن تكرر ثلاثا .. صار كبيرة يفسق بها، فيزوج الأبعد تفريعا على أن الفاسق لا يلي، كذا قاله الشيخان، وفي اعتبارهما الثلاث مخالفة لما ذكراه في (الشهادات): أنه لا تضر المداومة على نوع واحد من الصغائر مع غلبة الطاعات عند الجمهور.
قال: (ولو عينت كفءا وأراد الأب غيره .. فله ذلك في الأصح)؛ لأنه أكمل منها نظرا، والمراد: أنه عين كفءا غيره؛ لأنه لو أراد غير الكفء .. لا يجاب قطعا.
والثاني: عليه أن يزوجها بمن عينته إعفافا لها، وهذا ظاهر نص (الأم)، واختاره الشيخ.
والخلاف كالخلاف فيما إذا عينت الزوجة خادما في الابتداء والزوج غيره، والأصح: إجابة الزوج، وكالخلاف فيما إذا أراد الإمام التغريب إلى جهة وطلب الزاني جهة أخرى، والأصح: أن المتبع رأي الإمام كما سيأتي.
فَصْلٌ:
لَا وِلَايَةَ لِرَقِيقِ وَصَبِيِّ وَمَجْنُونٍ
تتمة:
أفهم تمثيله ب (الأب): أن الخلاف في الولي المجبر، فأما غيره كالأخ إذا عين كفءا وعينت غيره .. فهي المجابة قولا واحدا؛ لأن إذنها كما هو شرط في أصل التزويج، كذلك هو شرط في تعيين من عينته.
قال: (فصل:
لا ولاية لرقيق)؛ لما فيه من النقصان وعدم تفرغه للبحث والنظر، ويجوز أن يتوكل لغيره في قبول النكاح بإذن سيده قطعا؛ وبغير إذنه على الأصح، ولا يصح توكيله في الإيجاب على الأصح عند الجمهور، وقد سبق هذا في (الوكالة).
قال: (وصبي ومجنون)؛ لسلب نظرهما وبحثهما عن حال الأزواج واختيارهم، فإذا كان الأقرب صبيا .. زوجها الأبعد، ولا يخفى أن ذلك لا يتصور في الأب والجد.
وَمُخْتَلِّ الْنَّظَرِ بِهَرَمٍ أَوْ خَبَلٍ،
والجنون المطبق اتفق الأصحاب على أنه يسلب الولاية، وفي المتقطع وجهان: أصحهما في (أصل الروضة): أنه كذلك، فيزوج الأبعد يوم جنونه؛ لبطلان أهليته وزوال ولايته عن نفسه وماله.
والثاني: لا يزيل الولاية؛ لأنه يشبه الإغماء من حيث إنه يطرأ ويزول، ولم يصحح الرافعي في (الكبير) شيئا، بل نقل الأول عن ابن كج والإمام والغزالي، وتصحيح الثاني عن البغوي، وجعله في (الشرح الصغير) الأشبه، وفي (التذنيب) الظاهر، وعلى هذا: تنتظر إفاقته على الأصح، وقيل: يزوج الحاكم.
والخلاف جار في الثيب المتقطع جنونها، فعلى رأي: تزوج في حال الجنون، وعلى رأي: تنتظر إفاقتها لتأذن.
ولو وكل المتقطع الجنون في إفاقته .. اشترط عقد وكيله قبل عود الجنون، وكذا إذا أذنت الثيب .. يشترط تقدم العقد على عود جنونها.
قال: (ومختل النظر بهرم أو خبل) سواء كان الخبل جبليا أو عارضا، فلا ولاية له؛ للعجز عن اختيار الأكفاء، وعدم العلم بمواضع الحظ الواجب على الأولياء، وكذلك الحكم في أذى الآلام والأسقام الشاغلة عن النظر، نص عليه.
فائدة:
(الخبل): فساد في العقل، وهو بإسكان الباء الموحدة وتحريكها.
و (الهرم) بالتحريك: كبر السن.
روى ابن ماجه] 3436 [وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا الهرم) فاستثناه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه اضمحلال طبيعي، وطريق إلى الفناء ضروري؛ فإن كل نقصان وفساد يدخل على المصباح له