النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 323-362
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشهادات

صفحات 323-362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ادعى الإلهية لنفسه, وهؤلاء يعتقدون أن الكذب كفر, وأن من كان على مذهبهم لا يكذب فيصدقونه على ما يقول ويشهدون له بمجرد إخباره, ومنهم من يستظهر عليه بتحليفه, وهذه شهادة زور.
ومحل رد شهادتهم إذا شهدوا على مخالفيهم ولم يبينوا سبب الشغل, فإن شهدوا على موافقيهم أو على مخالفيهم وصرحوا بمعاينة الفعل .. قبلت شهادتهم, صرح به القاضي وغيره.
وجمهور أصحابنا وغيرهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة, لكن اشتهر عن الشافعي تكفير الذين ينفون علم الله تعالى بالمعدوم, ولا شك في ذلك.
وأما النافين للرؤسة والقائلين بخلق القرآن .. فنقل العراقيون عن الشافعي تكفيرهم, وكان يقول لحفص الفرد: نصفك مؤمن ونصفك كافر, تقول بخلق القرآن فتكفر, وتقول بالرؤية فتؤمن.
قال المصنف: والصواب أنهم لا يكفرون, وتأول النص على أن المراد كفران النعم, لا الخروج عن الملة.
ونقل الربيع عن الشافعي أنه قال: لا تقبل شهادة القدرية؛ لأنهم كفار, وقال القفال: لا يكفرون, واختاره الإمام والغزالي والمصنف, وهو ظاهر النص.
أما من نفى إمامة أبي بكر أو قذف عائشة .. فقد كفر, وقال الشافعي: ما أحد أشهد بالزور من أهل الأهواء من الرافضة.
فائدة: قال الشيخ عز الدين في (القواعد (: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة, قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة, فإن دخلت في قواعد الإيجاب .. فهي واجبة أو في قواعد التحريم .. فمحرمة, أو المندوب .. فمندوبة, أو المكروه .. فمكروهة, أو المباح .. فمباحة.
فمن أمثلة الواجبة الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله, وذلك

لاَ مُغَفَّلٍ لاَ يَضبُطُ وَلَا مُبَادِرٍ  واجب؛ حفظًا للشريعة, وكذلك تدوين أصول الفقه وحفظ الغريب.
وللبدع المحرمة أمثلة منها: مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة, والرد على هؤلاء من البدع الواجبة.
ومن أمثلة المندوبة: إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول كصلاة التراويح.
ومن المكروهة: زخرفة المساجد وتزويق المصاحف.
ومن المباحة: المصافحة عقب الصبح والعصر, والتويع في المآكل والملابس.
وروى البيهقي بإسناده في (مناقب الشافعي ((1/ 469) أنه قال: المحدثات ضربان: أحدهما: ما خالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا .. فهو بدعة ضلالة.
والثاني: ما أحدث من الخير .. فهو غير مذموم, وقد قال عمر في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه, يعني: أنها محدثة لم تكن.
قال: (.. لا مغفل لا يضبط)؛ لعدم الوثوق بقوله, والغلظ اليسير لا يقدح في الشهادة؛ لأن أحدًا من الناس لا يسلم, فمن غلب عليه الغلظ والنسيان .. فالأكثرون على عدم قبول شهادته, ومن تعادل غلظه وضبطه .. فالظاهر: أنه كمن غلب عليه الغلظ.
قال: (ولا مبادر) أي بالشهادة قبل الاستشهاد؛ للتهمة.
ففي (الصحيحين ([خ 6428_ م 2535] عن عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في معرض الذم: (يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون (. وفي (صحيح مسلم ([1719] من حديث زيد بن خالد الجهني: (ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها (فجمع بينهما بحمل الثاني على ما تجوز المبادرة إليه وهو شهادة الحسبة, وحمل الأول على ما لا تجوز.
و (المبادر): من يشهد من غير تقدم دعوى.
فإن شهد بعد الدعوى قبل أن يستشهد .. ردت شهادته أيضًا على الأصح؛ للتهمة.

وَتُقبَلُ شَهَادَةُ الحِسبَةِ فِي حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى, وَفِيمَا لَهُ فِيهِ حَقٌ مُؤَكَدٌ كَعِتقٍ ....

 وإذا رددناها .. ففي صيرورته مجروحًا وجهان: الأصح: لا, وبناهما الهروي على أن المبادرة من الصغائر أم من الكبائر.
ولا فرق في رد شهادة المبادرين بين أن يكون صاحب الحق عالمًا بشهادته أم لا.
نعم؛ إن لم يكن عالمًا يندب له إعلامه حتى يستدعيه فيشهد, وقيل: إن لم يعلم .. فله المبادرة.
فرع: تقبل شهادة من اختبأ وجلي في زاوية محتبيًا لتحمل الشهادة, ولا يحمل على الحرص؛ لأن الحاجة قد تدعوا إليه.
وحكى الفوراني قولًا قديمًا: إنها لا تقبل, وهو شاذ, وفي كراهة ذلك وجهان في (أدب القضاء (لشريح الروياني.
وقال مالك: إن كان المشهود عليه جلدًا لا ينخدع .. قبلت الشهادة عليه, وإلا .. فلا, وعلى المشهور يستحب أن يخبر الخصم أني شهدت عليك؛ لئلا يبادر إلى تكذيبه فيعزره القاضي.
فلو قال رجلان لثالث: توسط بيننا لنتحاسب ونتصادق, ولا تشهد علينا بما جرى .. فهذا باطل, وعليه أن يشهد, قال ابن القاص: وترك الدخول في ذلك أحب إلي.
قال: (وتقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى, وفيما له فيه حق مؤكد) وهو ما لا يتأثر برضا الآدميين.
و (الحسبة): اسم من الاحتساب, وهو طلب الأجر.
قال: (كعتق) سواء كان عبدًا أو أمة, خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: تقبل في عتق الأمة دون العبد, وتقبل في الاستيلاد دون التدبير, وتقبل في العتق بالتدبير ولا تقبل في الكتابة, فإن أدى النجم الأخير .. شهد بالعتق.
وفي شراء القريب قولان: أصحهما: لا تقبل فيه شهادة الحسبة؛ لأنهم يشهدون

وَطَلاَقٍ وَعَفوٍ عَن قِصَاصٍ, وَبَقَاُء العِدَّةِ وَانقِضَاؤُهَا, وَحَدٌ للهِ, وَكَذَا النَّسَبُ عَلَى الصَّحِيحِ,  بالملك, والعتق يترتب عليه, فيحمل إطلاق على إرادة العتق غير الضمني.
قال: (وطلاق) أي: بلا عوض, سواء الرجعي والبائن؛ لأن المغلب فيه حق الله تعالى بدليل أن الواقع لا يرتفع بتراضي الزوجين, وأما الخلع .. فأطلق البغوي المنع فيه؛ لأنه لا ينفك عن المال, وهي لا تقبل فيه.
وقال الإمام: تسمع للفراق دون المال, وهو الذي ذهب إلييه القاضي والغزالي وصاحب (الحاوي الصغير (, ولم يصحح الشيخان فيه شيئَا.
قال: (وعفو عن قصاص)؛ لأنها شهادة على إحياء نفس وهو حق الله تعالى.
وقيل: لا, لأن ترك القاتل الدعوى مع الحرص على الحياة يورث تهمة في شهادتهم, ومن ذلك تحريم الرضاع والمصاهرة والبلوغ والإسلام والاستلام والزكوات والكفارات والوقوف والوصايا العامة.
فإن كانت لجهة خاصة .. فالأصح: المنع.
(و) منه: (بقاء العدة وانقضاؤها) وتحريم المصاهرة.
قال: (وحد الله) أي: كالزنا والشرب وقطع الطريق, وكذلك السرقة على الصحيح, لكن الأفضل في الحدود الستر.
واحترز المصنف عن حق الآدمي, فلا تقبل فيه كالقصاص وحد القذف والبيع والإقرار.
وقيل: تقبل الحسبة في الدماء فقط, وقبل: والأموال أيضًا, وقيل: تقبل إن لم يعلم المستحق به, والأصح: المنع مطلقًا.
قال: (وكذا النسب على الصحيح)؛ لأنه متعلق حقوق الله تعالى كالطلاق والعتاق.
والثاني: لا تقبل, وصححه الغزالي وفاقًا للقاضي حسين.

وَمَتَى حَكَمَ بِشَاهِديَنِ فَبَانَا كَافِرَينِ أَو عَبدَينِ أَو صَبِيَّينِ .. نَقَضَهُ هُوَ وَغَيُرهُ,  وكيفية شهادة الحسبة: أن الشهود يجيئون إلى القاضي ويقولون: نحن نشهد على فلان بكذا, فأحضره لنشهد عليه, فإن جاؤوا وقالوا: فلان زنى .. فهم قذفة.
فروع: تقبل الشهادة بالرضاع المحرم, قال الرافعي: وفي (فتاوى القفال (: أنهما لو شهدا أن فلانًا أخو فلانة من الرضاع .. لم يكف حتى يقولا: وهو يريد أن ينكحها, وأنه لو شهد اثنان بطلاق وقضى القاضي بشهادتهما ثم شهد آخران أن بينهما رضاعًا محرمًا .. لم تقبل؛ إذ لا فائدة لها في الحال, وهو كما مر أن الشهادة بالعتق لا تقبل حتى يكون المشهود عليه يسترقه, وهذا يقتضي أن شهادة الحسبة إنما تسمع عند الحاجة.
اهـ قال في (المهمات (: ظاهر كلام الغزالي وآخرين –كما قاله في (المطلب (- يشعر بخلاف ما في الفتوى المذكورة, ولو جاء عبدًا إنسان وقالا: إن سيدنا أعتق أحدنا, وقامت على ما يقولان بينة .. سمعت وإن كانت الدعوى فاسدة؛ لأن البينة على العتق مستغنية عن تقدم الدعوى.
قال: (ومتى حكم بشاهدين فبانا كافرين أو عبدين أو صبيين .. نقضه هو وغيره)؛ لأن الحق أحق أن يتبع.
وقوله: (فبانا) ليس بقيد, فلو بان أحدهما .. كان كذلك.
والمراد: ظهور ذلك يوم الحكم, فلو شهد عدلان على فسقهما مطلقًا ولم يسندا ذلك إلى حالة الحكم .. لم ينقض؛ لاحتمال حدوثه بعد الحكم, والمعنى بالنقض أنا نتبين أن القضاء لم ينفذ, فإن القضاء عندنا لا يغير الحكم, خلافًا لأبي حنيفة.
وتظهر ثمرة هذا في الفوائد الحادثة من العين المحكوم بها من وقت الحكم إلى أن ينقض فيكون لرب العين, قال الماوردي: وليس تمزيق السجل نقضًا للحكم حتى ينقضه بالقول ويجب عليه أن يسجل بالنقض, فإن لم يسجله في الحكم .. لم يلزمه في النقض.

وكَذَا فَاسِقَانِ فِي الأَظهَرِ.
وَلَو شَهِدَ كَافِرٌ أَو عَبدٌ أَو صَبِيٌ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعدَ كَمَالِهِ .. قُبِلَت, أَو فَاسِقٌ تَابَ .. فَلَا,  قال: (وكذا فاسقان في الأظهر)؛ لأن النص والإجماع دلا على اعتبار العدالة.
والثاني –وبه قال أبو حنيفة- لا ينقض؛ لأن فسقهم إنما يعرف ببينة تقم=وم عليه, وعدالة تلك البينة لا تدرك إلا بالاجتهاد, والاجتهاد لا ينقص بالاجتهاد.
وقيل: ينقص قولًا واحدًا.
وأطلق المصنف وغيره إذا بان فسقهما عند الحاكم .. نقضه, وقيده القاضي بما إذا كان الفسق ظاهرًا غير مجتهد فيه, وترك ابن الرفعة إظلاق البينة عليه.
قال القاضي: فإن كان الفسق مجتهدًا فيه .. فلا خلاف أنه لا ينقض.
وهذه المسألة مكررة في الكتاب في قوله في (النكاح): (ولو بان فسق الشاهد عند العقد .. فباطل على المذهب).
قال: (ولو شهد كافر أو عبد أو صبي ثم أعادها بعد كماله .. قبلت)؛ لأنه لا عار عليهم فيما لأجله ردت شهادتهم, فإن الكافر يفتخر بدينه, والصبي والعبد ليس زوال مانعهما إليهما فلا تهمة في الإعادة.
وأطلق المصنف الكافر تبعًا ل (المحرر) , ومرادهما إذا كان يظهر كفره, فإن كان يستره وأعادها .. فالأصح في (الروضة) –وهو القياس في (الرافعي) -: عدم القبول, وقد سوى المصنف بينهما في (باب صلاة الجماعة) فصحح أن مخفي الكفر كمعلنه, فيحتاج إلى الفرق, وكذا ينبغي أن يكون حكم كل من يكفر ببدعة إذا رجع عنها وتاب.
ولو ردت شهادته لعداوة فزالت وأعادها .. لم تقبل في الأصح, ويجريان فيما لو شهد لمكاتبه بمال أو لعبده بنكاح فردت فأعادها بعد عتقها.
قال: (أو فاسق تاب .. فلا)؛ لأنه قد يخفى فسقه والرد يظهره, فيسعى في دفع عار الرد السابق, ويواء في هذا المعلن بفسقه وغيره, وقال المزني في (المنثور (وأبو ثور: تقبل كما لو أعادها الثلاثة قبله.

وَتُقبَلُ شَهَادَتُهُ بِغَيرِهَا بِشَرطِ اختِبَارِهِ بَعدَ التَّوبَةِ مُدَّةً يُظَنُّ بِها صِدقُ تَوبَتِهِ,  وصورة المسألة: أن يخفى على القاضي حكمهم.
وجوزنا سماع الشهادة عند الجهل بالحرية والإسلام, وإلا .. فلو علم القاضي بالصبا والرق .. لا يصغي لسماع شهادتهم, وأما الفاسق, فإن احتاج إلى نظر فيه .. أصغى إليه ولم يمنعه إقامتها, وإن كان معلنًا به .. لم يصغ إليه, ويمنعه من إقامتها على الأصح.
ثم إن أراد لا يختص بالفسق, بل من لا مرؤة له إذا خفيت حاله كذلك, نص عليه الشافعس, ولهذا جمع في (التنبيه (بينهما.
فرع قال القاضي: بعد الحكم بشهادة شاهدين بان لي أنهما كانا فاسقين ولم تظهر بينة .. أفتى الغزالي بأنه إذا لم يتهم في قضائه بعلمه .. مكن من نقضه.
قال: ولو قال: أكرهني السلطان على الحكم بقولهما وكنت أعرف فسقهما .. قبل قوله من غير بينة الإكراه.
ولو بان بالبينة أن الشاهدين كانا والدي المشهود له أو لديه أو عدوي المشهود عليه .. نقض الحكم.
قال: (وتقبل شهادته بغيرها) أي: غير تلك الشهادة التي يشهد بها حال فسقه بالاتفاق؛ إذ لا تهمة فيها.
فرع: التائب من الكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .. قال ابن الصلاح: لا تقبل روايته, ونقله الصيمري في (شرح الإيضاح (كذلك, وقال: إنه مما تخالف فيه الرواية الشهادة.
وخالفهما المصنف فقال في (شرح مسلم (: المختار القبول, ولا يقوى الفرق بينه وبين الشهادة.
قال: (بشرط اختباره بعد التوبة مدة يظن بها صدق توبته)؛ لأن التوبة من أعمال القلوب, وهو متهم بترويج شهادته, فاعتبر الشرع ذلك؛ ليقوى ما ادعاه.

وَقَدَّرَهَا الأَكثَرُونَ بِسَنَةٍ  والكلام مسوق لبيان التوبة من المعصية الفعلية كالزنا والسرقة والشرب والغصب وغيرها من الكبائر إذا ظهرت على مرتكبيها, فمجرد إظهار التوبة عنها لا يكفي في قبول الشهادة, بل لا بد من اختباره.
قال: (وقدرها الأكثرون بسنة)؛ لأن لمضي فصولها الأربعة أثرًا بينًا في تهييج النفوس وانبعاثها لشهواتها, فإذا مضت على السلامة .. أشعر ذلك بحسن السريرة, وقد اعتبر الشرع السنة في العنة والزكاة والجزية والتغريب.
ثم هل المدة تقريب أو تحديد؟ وجهان في (الحاوي) , أظهرهما الأول.
وقيل: تكفي ستة أشهر, ونسب إلى النص, قال القاضي أبو الطيب: ولا معنى له؛ لأنه لم يرد في الشرع التقدير بهذه المدة إلا في أقل الحمل.
وقيل: شهران, وقيل: شهر واحد, نقله إبراهيم المروروذي والبغوي في (التعليقة).
وعن البخاري: خمسين يومًا بدليل المخلفين في غزوة تبوك.
وقيل: لا يتقدر شيء من ذلك,, وإنما المعلر حصول غلبة الظن بصدقه, ويخلف الحال فيه بالأشخاص وأمارات الصدق, فرب شخص كوم يعسر الوقوف على سرائره يطول استبراؤه, ورب معلن لا يتماسك في الإخفاء فيقرب, وصحح هذا القاضي حسين والعبادي والبغوي في (التعليقة) , والإمام والغزالي والشاشي وصاحب (الترغيب) , والشيخ عز الدين وغيرهم.
تنبيهات: أحدها: احراز المصنف عمن ردت شهادته لغلطة في الشهادة .. فإنه لا يستبرأ, أو لحرصه على أدائها قبل الاستشهاد .. فإنه لا يستبرأ كما قاله البغوي.
وقال الإمام: يستبرأ دون استبراء الفاسق.

وَيُشتَرَطُ فِي تَوبَةِ مَعصِيَةٍ قَولِيَّةٍ القَولُ, فَيَقولُ القَاذِفُ: قَذفِي بَاطِلٌ, وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيهِ وَلاَ أَعُودُ إِلَيهِ,  ومن ردت شهادته في القذف لنقصان العدد, إذا أوجبنا عليه الحد .. لا يجب استبراؤه عند الجمهور, فإن قذف سبًا .. اشترط استبراؤه بالمدة المذكورة.
الثاني: يستثنى من إطلاقه ما إذا عصى الولي بالعضل والممتنع من القضاء إذا تعين عليه, فيزوج وتقبل في الحال كما تقدم, وكذلك ناظر الوقف بشرط الواقف بشرط الواقف إذا فسق ثم عاد عادت ولايته.
وكذلك من كان يخفي الفسق إذا أقر به ليقام عليه الحد .. تقيل شهادته بعد توبته من غير استبراء, قاله الماوردي والروياني؛ لأنه لم يظهر التوبة عما كان مستورًا عليه إلا من صلاح.
الثالث: ظاهر عبارته تخصيص الاستبراء بالفسق, فلو زال غيره من الموانع كالصبا والجنون والكفر والرق .. لا يشترط فيها مدة؛ لأنها لا يطول النظر في زوالها.
قال: (ويشترط في توبة معصية قولية القول) أي: مع ما تقدم في التوبة الباطنة والظاهرة.
وقال الشافعي: توبته إكذابه نفسه؛ لأنه أذنب حيث نطق بالقذف, كما أن التوبة من الردة بكلمة الشهادة.
قال: (فيقول القاذف: قذفي باطل, وأنا نادم عليه ولا أعود إليه) , ولا يكلف أن يقول: كذبت, فربما كان صادقًا فكيف نأمره بالكذب؟! وقال الإصطخري: يشترط أن يقول: كذبت فيما قدمت ولا أعود إلى مثله؛ لما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توبة القاذف إكذابه نفسه (كذا استدل به الرافعي, وهو غريب.
ولا فرق بين أن يكون موجبًا للحد أو التعزير بأن قذف غير محصن, ولا بين أن يكون على صورة السب أو الشهادة كما تقدم.

وَكَذَا شَهَادَةُ الزُّورِ.
قُلتُ: وَغَيرُ القَولِيَّةِ يُشتَرَطُ إِقلَاعٌ, وَنَدَمٌ, وَعَزمٌ أَن لاَ يَعوُد, َ وَرَدٌّ ظُلاَمَةِ آدَمِيِّ إِن تَعَلَقَت بِهِ, واللهُ أَعلَمُ  قال: (وكذا شهادة الزور) فيقول في التوبة منها: كذبت فيما قلت ولا أعود إلى مثله.
قال: (قلت: وغير القولية بشرط إقلاع, وندم, وعزم أن لا يعود, ورد ظلامة آدمي إن تعلقت به والله أعلم) فلا تكمل التوبة إلا بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ وهو الندم , ﴿ولَمْ يُصِرُّوا﴾ وهو العزم.
وروي عن عمر أنه قال: (بقية عمر المرء لا قيمة لها, يدرك بها مما فات, ويحيي بها ما مات, ويبدل سيئاته حسنات).
ولأن الإقلاع يتعلق بالحال, والندم بالماضي, والعزم بالمستقبل.
والمراد ب (الإقلاع): تركه في الحال إذا كان ملتبسًا به أو مصرًا على معاودته.
وشرط القاضي حسين في التوبة أن يستغفر الله بلسانه.
هذا في حقوق الله الخالية عن الحد, فإن تعلق بآدمي .. وجب رابع وهو خروجه عنه إلى مستحقه إن أمكنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال .. فليستحله قبل أن لا يكون دينار ولا دررهم, فإن كان له عمل .. يؤخذ منه بقدر مظلمته, وإلا .. أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه (رواه مسلم.
قال المصنف: حتى لو تلفت عنده وكان مفلسًا .. وجب عليه التكسب والأداء لتصح التوبة.
وعلى هذا: لا تصح التوبة المكاس حتى يرد أموال الناس, وكذلك سائر الظلمة, ولا السارق حتى يرد ما سرق, فإن تعذر عليه المستحق أو وارثه .. سلمه للإمام أو قاض عادل, فإن تعذر .. تصدق به عنه عند انقطاع خبره بنية الغرامة؛ فإن لم يفعل .. لم تصح توبته, كذا في (الإحياء) و (الرقم) للعبادي.
وفي (سنن أبي داوود) [2930] عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل صاحب مكس الجنة) قال البيهقي [7/ 16]: (المكس): هو النقصان.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فإذا كان العامل في الصدقات ينقص من حقوق المساكين ولا يعطيهم إياها بالتمام .. فهو حينئذ صاحب مكس يخاف عليه الإثم والعقوبة.
وقال في (الكفاية (: شرط الأصحاب الندم والعزم خاصة, والإقلاع زاده الرافعي وغيره من المتأخرين, وكأن الجمهور إنما لم يتعرضوا له؛ لأنه من ثمرات التوبة, وكذلك اقتصر في (الإرشاد (على حدها بالندم.
وقال في (الأحياء (: كثيرًا ما يطلق اسم التوبة على الندم, وجعل الترك كالثمرة والتابع, وعليه حمل قوله صلى الله عليه وسلم: (الندم توبة (رواه ابن ماجه [4252] , وصححه الحاكم [4/ 243] وابن حبان [612]. واعتبر الأستاذ أبو إسحاق وغيره من الأصوليين شرطًا رابعًا وهو: الإخلاص لله تعالى, وحتى لو عوقب على جريمة فندم وعزم على عدم العودة لأجل ما حل به خوفًا من وقوع مثله .. لم يكف, وهذا لا يحتاج إليه؛ لأنه شرط في كل عبادة, والكلام في خصوص التوبة.
وزاد غيره خامسًا وهو: أن لا يغرغر؛ لقوله تعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ , وسادسًا وهو: أن لا تطلع الشمس من مغربها.
وقد تكون التوبة بالندم خاصة في حق من ليس متلبسًا بها في الحال ولا في المستقبل كتوبة المجبوب من الزنا؛ فإنها مقبولة خلافًا لبعض المعتزلة.
والتوبة من أعظم العبادات فلا بد فيها من النية.
ولا يشترط في التوبة عن ذنب التوبة عن غيره, فقد يتوب عن ذنب دون ذنب.
ولا يبطل التوبة عن ذنب العود إليه, خلافًا للمعتزلة.
وعبارة المصنف تشمل المال والقصاص وحد القذف, وكان الأحسن أن يقول: والخروج منها إن أمكنه؛ ليشمل الرد والإبراء من المال والعرض, ولئلا يوهم أنه إذا تعذر الرد .. لا تصح التوبة, وليس كذلك؛ فقد ذكر الأصحاب أن المغتاب يستحل ممن اغتابه, فإن تعذر بموته أو غيبته الشاسعة .. استغفر الله, ولا اعتبار بتحليل الورثة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال العبادي: والحسد كالغيبة في ذلك, وهو أن يهوى زوال نعمة المحسود, فيخبر المحسود بما أضمره ويستحله, ويسأل الله أن يزيل عنه هذه الخلة.
قال في (الروضة): المختار بل الصواب: أنه لا يجب إخبار المحسود, بل لا يستحب, ولو قيل: يكره .. لم يبعد, ثم قال:: وهل يكفي الاستحلال من الغيبة المجهولة, أو تشترط معرفتها للعافي؟ وجهان سبقا في (كتاب الصلح) , وهما إنما سبقا في (الضمان) بلا ترجيح, ورجح في الأذكار الاشتراط؛ لأن الإنسان قد يسمح بالعفو من غير بيان غيبة دون ما إذا كانت معينة, وكلام الحليمي يقتضي الجزم بالأول.
تنبيه: مقتضى كلامهم أن ما توقف من المعاصي على حد واستوفى لا يكفي, بل لا بد معه من التوبة, وبه صرح البيهقي في (شعب الإيمان ([4062] فقال: وقد جاءت أحاديث في أن الحدود كفارة, وكأن هذا إذا تاب, بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم للسارق حين قطعه: (تب إلى الله (, فقال أتوب إلى الله, ولكن صرح المصنف في (شرح مسلم (و (الفتاوى (: أن الاستيفاء مسقط للإثم وللطلب في الآخرة, وقضيته عدم الاحتياج للتوبة, والأشبه: التفصيل بين من سلم نفسه امتثالًا لأمر الله .. فيكون ذلك توبة, أو قهرًا .. فلا يبعد تنزيل الأحاديث على ذلك.
فروع: الأول: لو قصر الشخص فيما عليه من الدين أو المظلمة ومات المستحق واستحقه وارث بعد وارث .. فمن المستحق له في الآخرة؟ إن كان صاحبه ادعاه فجحده وحلف .. فهو المستحق له بلا خلاف, وإلا .. ففيه أوجه.
أصحها: أنه للأول.
والثاني: لآخر من مات من ورثته أو ورثة ورثته.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثالث: -ذكره العبادي في (الرقم) -: أنه يكتب الأجر لكل وارث مدة حياته, ثم بعده لمن بعده.
ولا خلاف أنه لو دفع الحق إلى بعض الوارثين عند انتهاء الاستحقاق إليه أو أبرأه .. أنه يسقط ويتوب عن معصية المماطلة, فإن كان من عليه الحق معسرًا ونوى الغرامة إذا قدر .. قال القاضي حسين: يستغفر الله له أيضًا, فإن مات قبل أن يقدر .. قالالرافعي: فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة.
قال المصنف: وظواهر السنة الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة إذا كان معسرًا عاجزًا إن كان عاصيًا بالتزامه, فأما إذا استدان حيث تباح له الاستدانة كما لو استدان في غير معصية ولا سرف وهو يرجو الوفاء من سبب ظاهر فاستمر العجز إلى الموت, أو أتلف شيئًا خطأ وعجز عن غرامته حتى مات .. فالظاهر: أن هذا لا يطالب في الآخرة, والمرجو من فضل الله تعالى أن يعوض صاحب الحق.
الثاني: من تاب عن معصية ثم ذكرها .. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: يجب عليه تجديد التوبة منها كلما ذكرها.
وقال إمام الحرمين: لا يجب, بل يسنحب, وعلى الأول: لو لم يجددها .. كان ذلك معصية جديدة تجب التوبة منها, والتوبة الأولى صحيحة.
الثالث: قال ابن عبد السلام: إذا مات شخص وعليه دين تعدى بسببه أو بمظلمة .. أخذ من حسناته بمقدار ما ظلم به, فإن فنيت حسناته .. طرح عليه من عقاب سيئات المظلومين ثم ألقي في النار, وإن لم يتعد بسببه ولا بمظلمة .. أخذ من حسناته في الآخرة كما تؤخذ في الدنيا حتى لا يبقى له شيء, ولا يؤخذ ثواب إيمانه كما لا تؤخض في الدنيا ثياب بدنه, فإن فنيت حسناته لم يطرح عليه شيء من سيئات خصمه.
تتمة: المرتد يعود إلى الإسلام, هل تقبل توبته بمجرد العود أو لا بد من الاستبراء كالفاسق يتوب؟ يصعب القول بعدم استبرائه مع أن معصيته أغلظ المعاصي, ويصعب

فَصلٌ: لاَ يٌحكَمٌ بِشَاهِدٍ إِلاَّ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ فِي الأَظهَرِ,  استبراؤه والإسلام يجب ما قبله, والذي اقتضاه كلام الأصحاب: أن توبته تقبل بمجرد الإسلام, وبه صرح الإمام, قال: وليس إسلامه توبة من كفره, وإنما توبته ندمه على كفره, ولا يتصور أن يؤمن ولا يندم على كفره, بل تجب مقارنة الندم على الكفر, ولذلك انعقد الإجماع الكافر إذا أسلم وتاب عن كفره .. صحت توبته وإن استدام معاصي أخر؛ لأنه لما أسلم أتى بضد الكفر, فلم يبق بعده احتمال, وليس كذلك إذا تاب بعد الزنا والشرب.
وقلب الماوردي: إذا أسلم عاد إلى حاله قبل الردة, فإن كان مقبول الشهادة .. قبل, وإلا .. فلا.
قال: (فصل): لا يحكم بشاهد إلا في هلال رمضان في الأظهر)؛ لما تقدم في (كتاب الصيام) , وليست مكررة في الكتاب؛ لأنها ذكرت هنا لقصد الحصر وهو زائد على ذلك.
ولا يرد على حصره القضاء بشاهد ويمين وإن قلنا: إن القضاء فيه شاهد على وجه؛ فإنا لم نكتف فيه به, بل اشترطنا معه اليمين.
وإذا حكم حاكم في هلال رمضان بشهادة واحد .. لم ينقض بلإجماع, ووجب صومه بالاتفاق.
وقال أبو حنيفة: يثبت رمضان في الغيم بواحد, وفي الصحو تعتبر الاستفاضة والاشتهار, ويختلف ذلك بصغر البلد وكبره, وقد تقدم في (الصيام) أن ثبوته بواحد بالنسبة إلى الصوم فقط.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومما يقبل فيه الشاهد الواحد: إذا مات ذمي فشهد عدل أنه أسلم .. لم يكف في إرثه وحرمانه, وفي الاكتفاء به في الصلاة عليه وجهان بناء على القولين في هلال رمضان.
ومنها: الشهادة بالبلوغ, نقل ابن الفركاح عن الماوردي أنه يكتفى فيها بشاهد , وتكون شهادة لا خبرًا, والماوردي إنما قال: شاهدًا عدل بالبينة.
ومنها: المسمع للقاضي كلام الخصوم, ولخصوم كلام القاضي, يقبل فيه كلام الواحد وهو من باب الشهادة كما ذكره الرافعي قبيل (القضاء على الغائب).
ومنها: حكى الرافعي عن (التهذيب (أنه لا شهادة, وهو خلاف ما فهمه الرافعي عنه هنا.
ومنها: سبق عن الغزالي في (اللقطة) الميل إلى الاكتفاء بواحد في الشهادة لمدعي ملكها.
ومنها: سبق في (الأقضية): أن للقاضي أن يكتفي بخبر العون الواحد العدل في امتناع الخصم المتعزز.
وذكر المصنف في 0القسامة) أن شهادة الواحد لوث, وفي (القسمة) الاكتفاء بقاسم واحد, وفي (زكاة النبات) الاكتفاء بخارص, وبقيت مسائل فيها خلاف: منها: لو نذر صوم شعبان فشهد واحد برؤيته .. قيه وجهان تقدما في أول (كتاب الصيام).
ومنها: ثبوت هلال الحجة بواحد .. فيه وجهان حكاهما الدارمي والقاضي حسين.

وَيُشتَرَطُ لِلِزِنَا أَربَعَةُ رِجَالٍ, وَلِلإقرَارِ بِهِ اثنَانِ – وَفِي قَولٍ: أَربَعَةٌ -  ومنها: هلال شوال .. قال أبو ثور: يثبت بواحد, قال الإمام: وهو متجه.
وحكى الرافعي في (الباب الثالث) عن أبي الفرج السرخسي وجهًا: أنه يجوز اعتماد خبر الشخص الواحد إذا سكن القلب إليه.
قال: (ويشترط لللزنا أربعة رجال)؛ لقوله تعالى: (والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) , وقوله تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ).
وفي (صحيح مسلم ([1498/ 15] عن سعد بن عبادة أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: (نعم (ولأنه من أغلظ الفواحش, فغلظت فيه الشهادة ليكون أستر.
وإنما تقبل إذا قالوا: حانت منا التفاتة فرأينا, وهذا لا خلاف فيه, وكذا لو قالوا: تعمدنا النظر لإقامة الشهادة على الصحيح, فإن قالوا: تعمدنا لغير الشهادة .. فسقوا بتعمده وردوا جزمًا.
قال: (وللإقرار به اثنان) كغيره من الأقارير.
قال: (وفي قول: أربعة)؛ لأنه تتعلق به إقامة الحد فأشبه نفس الزنا, وهذا الخلاف لا يختص بالإقرار بالزنا, بل يجري في الأقارير بالقذف فيقبل فيه اثنان على الصحيح.
وإذا شهد بالإقرار على الزنا اثنان وقلنا: لا يثبت بذلك .. فلا حد عليهما جزمًا؛ لأنهما لم ينسباه إلى الزنا, وكذلك الحكم في اللواط وإتيان البهيمة لا يثبت إلا بأربعة على المذهب.
ومقدمات الزنا كالقبلة والمفاخذة صرح الماوردي بأن فيها الخلاف في اللواط, وكلام القاضي حسين يقتضي أنه لا خلاف في ثبوتها بشاهدين.
ويشترط في شهود الزنا أن يذكروه مفسرًا فيقولون: رأيناه أدخل فرجه في فرجها, وهل يشترط التشبيه بالمرود في المكحلة أو كالإصبع في الخاتم؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.
والمراد بالذكر هنا: الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الأصح, وأن يعينوا المزني

وَلِمَالٍ وَعقدٍ مَالِيٍّ كَبَيعٍ وَإقَالَةٍ وَحَوَالَةٍ وَضَمَانٍ وَحَقِّ مَالِيِّ كَخِيَارٍ وَأجَلٍ .. رَجُلانِ أَو رَجُلٌ وَامرَأَتَانِ,  بها, وأن يذكروا مكان الزنا, وفي ذكر زمانه وجهان.
واعتبر الروياني شرطًا رابعًا وهو تقدم لفظ الشهادة على لفظ الزنا, فإن العكس .. لم تسمع؛ لأنه صار متهمًا في دفع حد القذف عنه.
ويستحب للشاهد أن يتوقف عن الشهادة فيه وفي الشرب ونحوهما.
قال: (ولمال وعقد مالي كبيع وإقالة وحوالة وضمان وحق مالي كخيار وأجل .. رجلان أو رجل وامرأتان)؛ لعموم قوله تعالى: (واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ) , فكان على عمومه إلا ما خص بدليل, قال أبو الطيب: وهو إجماع, والمعنى في تسهيل ذلك: كثرة جهات المداينات وعموم البلوى بها.
ودخل في (الخيار) خيار المجلس والشرط, ولا الفرق في الرجل والمرأتين بين أن تتقدم شهادته عليهما أو تتأخر عنهما, وسواء قدر على رجلين أو لم يقدر إلا على رجل وامرأتين, والخنثى كالمرأة.
ومما يثبت بذلك الوقف وإن قلنا بانتقاله لله تعالى كما تقدم.
وأما الشركة والقراض .. فلا يثبتان إلا برجلين على الراجح في (الشرح (و (الروضة (. قال في (المطلب (: ينبغي أن يقال: إن كان المدعي فيهما يروم إثبات التصرف .. فهو كالوكيل لا بد فيه من شاهدين, وإن كان يروم إثبات حصته من الربح .. ثبت برجل وامرأتين؛ إذ المقصود المال كما سيأتي في مسألة الصداق.
تنبيهان: أحدهما: جعله الإقالة من أمثلة العقد إنما يأتي على الوجه الضعيف لا على الصحيح القائل: إنها فسخ, فلو قال: وعقد مالي وفسخه .. لاستقام, وكذا عطفه الحوالة على البيع, وهي بيع دين بدين.
وَلِغَيرِ ذَلِكَ مِن عُقُوَبةٍ للهِ تَعالَى أو لِآدمِيِّ وَمَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ رِجَالٌ غَالِبًا كَنِكَاحٍ وَطَلاَقٍ وَرَجعَةٍ وَإسلاَم وَرَدَّةٍ وَجَرحٍ وَتَعدِيلٍ وَمَوتٍ وَإعسَارٍ وَوَكَالَةٍ وَوِصَايةٍ وَشَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ .. رَجُلاَنِ,  الثاني: مما يثبت برجل وامرأتين: الشفعة والمسابقة وحصول السبق, وقد تصحفت اللفظة على المصنف فقال: وخيول السبق بالخاء المعجمة والياء آخر الحروف.
ومما يثبت بذلك: الصلح والمساقاة والمزارعة والرهن على الصحيح, والعارية والهبة والوصية بالمال أو بما ينتفع به, والصداق والجناية التي لا تقتضي إلا المال كقتل الخطأ, وقتل الصبي والمجنون, وقتل الحر العبد والمسلم الكافر, والأصل فرعه, والجائفة والخاشمة والمنقلة إذا لم يتقدمها إيضاح.
إنما هو الأداء والعتق يترتب عليه.
ومن هذا النوع: اللشهادة بطاعة المرأة؛ لاستحقاقها مؤن النكاح , واستحقاق الصيد بأزمانه , والسلب بقتل الكافر , والإقرار بكل ما ثبت برجل وامرأتين.
قال (ولغير ذلك) أي: ما ليس بمال ولا يقصد به المال (من عقوبة الله تعالى أو لأدمى وما يطلع عليه رجل غالبا كنكاح وطلاق ورجعة وإسلام وردة وجرح وتعديل وموت وإعسار ووكالة ووصاية وشهادة .. رجلان) أما العقوبات .. فلما رواه مالك عن الزهري أنه قال: (مضت السنة أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا فى النكاح والطلاق) وهذا وإن كان مرسلا .. فهو حجة على أبى حنيفة؛ لأنه يقول بحجيته , وقد رواه ابن حزم [المحلى 9/ 397] بلفظ: مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده ...) وألحق به التقارير؛ لأنها في معناه , ومقتضى هذا أنه لا يثبت بعلم القاضى كما صرح به في (الأقضية).
وأما مايطلع عليه الرجال غالبا .. فلأن الله تعالى قضى في الشهادة فيما سوى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأموال على الرجال دون النساء في ثلاثة مواضع: الطلاق والرجعة والوصية , ونص عليه الصلاة والسلام عليها فى النكاح , وفى حديث الزهري النص على أنه لا تقبل شهادة النساء فى النكاح ولا في الطلاق.
وأما الوكالة فى الأموال .. فلا تثبت إلا برجلين؛ لعموم الآية , وقيل: تثبت بما يثبت به المال , وأختاره ابن سريج والقاضي حسين.
تنبيه: يستثنى من مسألة النكاح ما إذا ادعت أنه ادعت أنه نكحها وطلقها وطلبت شطر الصداق , أو أنها زوجه فلان وطلبت الإرث , فيثبت نكاحها برجل وامرأتين , وبشاهد ويمين؛ لأن مقصودها المال , قال الرافعي في أخر (الدعاوى) , وبه أفتى الغزالي.
ويستثنى من الجرح: ما لو ادعى تكذيب المدعي لشهوده بالمال .. فأنه يحكم فيه بشاهد ويمين كما نقله ابن الرفعة عن (البحر (, وعلله بأن تكذيبه لبينته يوجب سقوط حقه لا جرح الشهود.
ويستثنى من الإسلام ما لو ادعاه واحد من الكفار قبل أسره وأقام شاهدا وامرأتين .. فإنه يكفيه؛ لأن المقصود نفي الاسترقاق, والمفادة دون نفي القتل, نقله الماوردي قبيل مسألة العلج.
فروع: إذا كان المدعى به على إنسان مالًا وشهد به اثنان, فإن كان عينًا وطلب المدعي الحيلولة بينها وبين المدعى عليه إلى أن يزكى الشاهدان .. أجيب إليه على الأصح, وإن كان دينًا .. لم يستوف قبل التزكية على الصحيح.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلو سأل المدعي الحاكم أن يحجو على المدعى عليه في المال خشية أن يضيع ماله أو يحتال فيقر به لإنسان .. حكى الإمام عن الأكثرين أنه لا يجاب, ورجحه.
وقال القاضي حسين: إن توهم القاضي ذلك فيه بأن عرفه محتالًا .. أجابه, وإلا .. فلا.
وإن سأل المدعي أن يحبس المدعى عليه حتى تثبت عدالته .. حبس على الأصح إلى أن يزكي شاهديه؛ لأن الظاهر العدالة, ولأن المدعي فعل ما عليه من إحضار البينة, وبقي ما على الحاكم من التعديل والمرجع في مدة حبسه إلى القاضي.
وفي وجه: لا يحبس, وصححه جماعة؛ لأنه عقوبة والأصل برتءة الذمة.
والحق أنه لم يثبت بعد, ولا خلاف أنه لا يحبس؛ لاستزكاء البينة في حدود الله تعالى.
ولو كان المدعى به نكاح امرأة .. فتجعل المرأة عند ثقة وتمنع من الخروج على الصحيح, فإن كانت المرأة مزوجة .. قال القاضي أبو سعد: لم يمنع منها زوجها قبل التعديل, وأقره الشخان عليه, واستشكله في (المهمات (بأنهما قالا في الأمة بتحتم الحيلولة احتياطًا للبضع.
وكذا لو ادعت المرأة الطلاق وأقامت شاهدين .. يفرق الحاكم بينهما قبل التزكية, ومراعة الاحتياط في الحرة معتبرة أكثر.
ولو أقام شاهدًا واحدًا وسأله أن يحبسه حتى يأتي بالثاني من مكان قريب .. ففي إجابته قولان: أظهرهما عند الجمهور: لا يحبس؛ لأن الحق لم يثبت بعد.
والثاني: يحبس؛ لأنه لما حبس لكمال العدد ونقص العدالة .. فليحبس لكمال العدالة ونقص العدد, فلو كان الشاهد الثاني بعيدًا يتعذر حضوره في ثلاثة أيام .. لم يحبس قطعًا.
فإن كان المدعى قصاصًا أو حد قذف .. حبس المشهود عليه؛ لأن الحق يتعلق ببدنه فيحتاط له, قال البغوي: سواء قذف زوجته أو أجنبية.

وَمَا تَختَصٌّ بِمَعرِفَتِهِ النِّسَاءٌ أَو لاَ يَرَاهُ رِجَالٌ غَالِبًا كَبَكَاَرةٍ وَوِلاَدَةٍ وَحَيضٍ وَرَضَاعٍ وَعُيُوبٍ تَحتَ الثِّيابِ يَثبُتُ بِمَا سَبَقَ وَبِأرَبعِ نِسوَةٍ  والثمرة والغلة الحادثتان بعد شهادة الشاهدين وقبل التعديل للمدعي, وبين شهادة الشاهد الأول والثاني لا تكون له, إلا إذا أرخ الثاني ما شهد به بيوم شهادة الأول, أو بما قبله, حكاه القاضي عن النص.
قال: (وما تختص بمعرفته النساء أو لا يراه رجال غالببًا كبكارة وولادة وحيض ورضاع وعيوب تحت الثياب يثبت بما سبق وبأربع نسوة) أما النسوة المنفردات .. فلما تقدم عن الزهري, والمعنى فيه: الحاجة؛ لتعذر إثباتها بالرجال غالبًا.
وحكى الشافعي في (أحكام القرآن) الإجماع في الولادة وعيوب النساء.
وأما اعتبار الأربع .. فلأن ما ليس بمال لا يثبت إلا برجلين, والله قد أقام الرجل مقام امرأتين, وفي (صحيح مسلم) [80]: (شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل).
وعن الاصطخري: أن الرضاع وعيوب النساء الباطنة لا تثبت إلا بالنساء المتحضات, حكاه الإمام في (كتاب الرضاع).
قال الماوردي في (كتاب اللعان): ويشترط في شهادة الرجال بالولادة أن يذكروا مشاهدة ذلك من غير تعمد نظر.
ونبه ب (البكارة) على مقابلها وهي الثيوبة كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾.
تنبيهات: أحدها: كلامه صحيح في أن الحيض مما تمكن الشهادة عليه, وهو الصحيح كما صرح به في (الروضة) ههنا, بخلاف ما ذكره فيها وفي (أصلها) في (كتاب الطلاق)؛ لأن الدم وإن شوهد لا يعلم أنه حيض لاحتمال أنه استحاضة, وصرح بمثله في (الديات) عند الكلام على دية الشم, ويمكن حمل كلامه على عسر البينة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا على تعذرها بالكلية, لكن مسألة الرضاع مكررة؛ فإنها تقدمت في بابها, ثم إن الرافعي قيده هناك عن المتولي بما إذا كان من الثدي, فإن كان من إناء حلب فيه .. لم تقبل الشهادتين, لكن تقبل على أن هذا اللبن من هذه المرأة, وهذا قد يخرج من قول المصنف: (أو لا يراه رجال).
واحترز ب (العيوب تح الثياب) عن العيوب الظاهرة في الوجه والكفين, فلا تقبل شهادتين بها؛ لأن العلة في قبولها مفقودة في ذلك, وقد صرح به الماوردي فقال: إنه لا تقبل في ذلك إلا شهادة الرجال إجماعًا, ولم يفصل بين الحرة والأمة.
وعبارة المصنف أشمل من قول (المحرر (و (الروضة (: تحت الأزرار, فبين العبارتين كثير تفاوت.
والجراحة على فرج المرأة لا تلحق بالعيب؛ لأن جنس الجراحة مما يطلع عليه الرجال غالبًا, قاله البغوي, وصوب المصنف أنها ملحقة بالعيوب تحت الثياب.
والذي قاله البغوي نقله ابن الرفعة عن القاضي حسين والبندنيجي, قال: وقد أشار إليه الأصحاب, بل ادعى القاضي أبو الطيب الإجماع عليه.
الثاني: ما قبل فيه شهادة النسوة على فعله لا يقبل على الإقرار به, وهو مفهوم من عبارة المصنف هنا؛ فإنه مما يسمعه الرجال غالبًا كسائر الأقارير.
الثالث: قوله: (بما سبق وبأربع نسوة) يقتضي أنه لا يثبت بشاهد ويمين, وبه صرح الماوردي في (الرضاع) , قال الرافعي: وهو المرفق لإطلاق عامة الأصحاب.
ولو اقتصر على قوله: (وبأربع) .. لعلم اختصاصه بالنسوة؛ لأن التاء لا تحذف إلا من المؤنث.
الرابع: حبث قبلنا الشهادة بالعيوب يشترط في الشهادتين العلم بالطب كما حكاه الرافعي في (الوصية) عن (التهذيب (.

وَمَا لاَ يَثبُتُ بِرَجُلٍ وَامَرأتَينِ لَا يَثبُتُ بِرَجُلٍ وَيَمينٍ, وَمَا يَثبُتُ بِهِم يَثبُتُ بِرَجُلٍ وَيَمينٍ  قال: (وما لا يثبت برجل وامرأتين لا يثبت برجل ويمين) لأن الرجل والمرأتين أقوى وما لا يثبت بالأقوى لا يثبت بما دونه.
قال: (وما بثبت بهم) أي: برجل وامرأتين (يثبت برجل ويمين)؛ لما روى مسلم [1712] وغيره عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين) قال عمرو بن دينار الراوي عن ابن عباس: وذلك في الأموال, رواه الشافعي [1/ 149] عقب روايته الحديث, ورواه أحمد [3/ 305] وأبو داوود [3605] والترمذي [1343] وابن ماجه [2368] والحاكم [3/ 517] عن جابر وأبي هريرة, ورواه البيهقي في (الخلافيات (مرفوعًا عن نيف وعشرين صحابيًا منهم: علي وابن عباس وأبو هريرة وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وسعد بن عبادة, وبهذا يندفع قول بعض الحنفية: إنه خبر واحد لا ينسخ القرآن.
وقال ابن الصلاح: الذي عليه جمهور الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: أن حديث الشاهد واليمين لا يضره أننه من رواية ربيعة الرأي عن سهيل بن أبي الصالح عن أبيه عن أبي هريرة.
قال عبد العزيز الدراوري: ولقيت سهلًا فسألته عنه فلم يعرفه, ولهذ كان سهيل بعد ذلك يقول: حدثني ربيعة ويسوق الحديث, فقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعدما حدثوا بها عمن سمعها منهم, وكان أحدهم يقول: حجثني فلان عني بكذا وكذا, ولأجل أن الإنسان معرض للنسيان كره من كره من العلماء الرواية عن الأحياء, منهم الشافعي, وقال لابن عبد الحطم: إياك والرواية عن الأحياء.
وروى الدارقطني عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استشرت جبريل عليه السلام في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار بذلك في الموال (وبه قال جمهور العلماء, منهم الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم, زإليه ذهب مالك وأحمد, وخالف أبو حنيفة.
ولا فرق في ذلك بين أن يتمكن من البينة الكاملة وهي رجلان أو رجل وامرأتان أو لا.

إلَّا عُيُوبَ النِسَاءِ وَنَحوَهَا, وَلاَ يَثبُتُ شَيءٌ بِامرَأَتَينِ وَيَمِين.
وَإِنَّمَا يَحلِفُ المُدَّعِي بَعدَ شَهَادَةِ شَاهِدِةِ وَتَعدِيلِهِ, وَيَذكُرُ فِي حِلفِهِ صِدقَ الشَّاهِدِ,  وفي وجه: إن تمكن من البينة .. امتنع الحكم بالشاهد واليمين.
وظاهر عبارة المصنف: أن القضاء بالشاهد واليمين معًا, وهو الصحيح.
وقيل: باليمين فقط والشاهد يعضد جانب الحالف, وقيل: بالشاهد.
وأثر الخلاف يظهر في الغرم عند الرجوع, فعلى الأصح: عليه نصف الغرم, وعلى الثالث: جميعه, وعلى الثاني: لا شيء.
فرع: ادعى ملكًا تضمن وقفية بأن قال: هذه الدار كانت لأبي وقفها علي وأنت غاصب, وأقام شاهدًا وحلف معه .. حكم له الملك, ثم يصير وقفًا بإقرقره وإن قلنا في دعوى الوقف: لا يقبل شاهد ويمين, قاله في (البحر (. قال: (إلا عيوب النساء ونحوها) من الرضاع وغيره, فإنها لا تثبت بشاهد ويمين؛ لأنها أمور خطرة, بخلاف الأموال.
وينبغي تقييد إطلاق المصنف وغيره بالحرة, أما الأمة .. فتثبت بذلك قطعًا؛ لأنه مال, وبذلك جزم الماوردي في الرهن المشروط في البيع.
قال: (ولا يثبت شيء بامرأتين ويمين) , هذا في الأموال قطعًا, وكذا فيما تقبل فيه النسوة المنفردات في الأصح.
قال: (وإنما يحلف المدعي بعد شهادة شاهدة وتعديله)؛ لأن جانبه إنما يتقوى حينئذ, وإنما يحلف من يقوى جانبه.
وجوز ابن أبي هريرة تقديم اليمين على شهادة شاهدة, كما يجوز تقديم شهادة المرأتين على الرجل.
قال: (ويذكر) أي: وجوبًا (في حلفه صدق الشاهد) فيقول: والله إن شاهدي لصادق؛ لأن اليمين والشهادة حجتان مختلفتا الجنس, فاعتبر ارتباط إحداهما بالأخرى؛ لتصيرا كالنوع الواحد.

فَإِن تَرَكَ الحَلِفَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصمِهِ .. فَلَهُ ذَلِكَ, وَإِن نَكَلَ .. فَلَهُ أَن يَحلِفَ يَميِنَ الرَّدِّ في الأَظهَرِ ...

 والأحسن أن يقول: إن شاهدي لصادق فيما يشهد به.
وفي وجه: لا يجب أن يذكر صدق الشاهد؛ لأن اليمين بمنزلة شاهد آخر, ولا يلزم الشاهد أن يشهد بصدق الآخر.
وأفاد تعبير المصنف ب (الواو) دون 0ثم9 أنه لا ترتيب بين الحلف على إثبات الحق وصدق الشاهد, وحكى الإمام فيه الاتفاق.
قال: (فإن ترك الحلف) أي: مع الشاهد (وطلب يمين خصمه .. فله ذلك)؛ لأنه قد يكون له غرض في التورع عن اليمين, فإن حلف .. سقطت الدعوى.
قال ابن الصباغ: وليس له أن يحلف بعد ذلك مع شاهده؛ لأن اليمين قد انتقلت من جانبه إلى جانب خصمه, إلا أن يعود في مجلس آخر فيستأنف الدعوى ويقيم الشاهد .. فحينئذ يحلف معه, كذا قاله الرافعي في آخر الباب, والظاهر أن هذه طريقة العراقيين.
وكلام الرافعي أن الدعوى لا تسمع منه في مجلس آخر.
قال: (وإن نكل) أي: المدعى عليه (.. فله) أي: فللمدعي (أن يحلف يمين الرد في الأظهر) كما أن له ذلك في الأصل؛ لأنها غير التي امتنع عنها, لأن تلك لقوة جهته بالشاهد, وهذه لقوة جهته بنكول المدعى عليه, ولأن تلك لا يقضى بها إلا في المال, وهذه يقضى بها في جميع الحقوق.
والثاني: لا؛ لأنه يمكنه الحلف مع الشاهد.
ويجري القولان فيما لو ادعى مالًا ونكل المدعى عليه ولم يحلف المدعي يمين الرد .. فالمنقول: أنه يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر؛ لأن يمينه حق للمدعي فلا يتمكن من إسقاطه.
فرع: ادعى عليه أنه غصب مالًا فقال: إن كنت غصبته منه فامرأتي طالق, فأقام المدعي على الغصب شاهدًا وحلف معه أو رجلًا وامرأتين .. ثبت الغصب, وترتب عليه

وَلَو كَانَ بِيَدِهِ أَمَةٌ وَوَلَدُهَا فَقَالَ رَجُلٌ: هَذِهِ مُستَولَدَتِي عَلِقَت بِهَذَا ِفي مِلكِي وَحَلَف مَعَ شَاهِدٍ .. ثَبَتَ الٍاسِتيلاَدُ, لاَ نَسَبُ الوَلَدِ وَحُرِّيَتَهُ فِي الأَظهَرِ.
وَلَو كَانَ بِيَدِهِ غُلاَم ٌفَقَالَ رَجُلٌ: كَاَن لِي وَأعتَقُتُهُ وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ .. فَالمَذهَبُ: انتِزَاعَهُ وَمَصِيُرهُ حُرًا  الضمان, ولا يقع الطلاق كما لو قال: إن ولدت فأنت طالق, فأقامت أربع نسوة على الولادة .. ثبتت الولادة والنسب ولا تطلق.
فإن كان الغصب قد قضى فيه القاضي برجل وامرأتين, فقال المدعى عليه: إن كنت غصبته فزوجتي طالق .. فقال ابن سريج -ووافقه الأصحاب-: يقع الطلاق؛ صومًا للحكم عن النقض, وقال الجويني: لا يقع.
قال: (ولو كان بيده أمة وولدها فقال رجل: هذه مستولدتي علقت بهذا في ملكي وحلف مع شاهد .. ثبت الاستيلاد)؛ لأن المستولدة ومنافعها ملك السيد, فهي كسائر الأموال الثابتة بالحجة الناقصة, فتسلم إليه وتعتق بإقراره لا بالشاهد واليمين, وفيه وجه: أنه بهما.
قال: (لا نسب الولد وحريته في الأظهر)؛ لأنهما لا يثبتان بهذه الحجة فيبقى الولد في يد صاحب اليد.
والثاني: يثبتان تبعًا لها, فينزع الولد ويكون حرًا نسبيًا بإقرار المدعي.
ولم يصرح في (المحور (بالنسب وإنما قال: وهل يحكم له بالولد وينزع من يد المدعى عليه؟ قولان: أشبههما: المنع.
قال: (ولو كان بيده غلام فقال رجل: كان لي وأعتقته وحلف مع شاهد .. فالمذهب: انتزاعه ومصيره حرًا) أي: بإقراره, وأن يضمن استحقاق الولاء؛ لأنه تابع, وهذا ما نص عليه, واحتج به المزني لمقابل الأظهر فيما سبق, ومن الأصحاب من خرج هنا قولًا من المسألة قبلها؛ لأنها شهادة تملك فتقدم.
ومنهم من قطع بالنص, وفرق بأن المدعي ها يدعي ملكًا, وحجته تصلح لإثباته, والعتق يترتب عليه بإقراره, وفي صورة الاستيلاد إنما قدمت الحجة على ملك الأم, لا جرم أثبتناه ورتبنا عليه العتق إذا جاء وقته بإقراره, وأما الولد .. فقضية

وِلِوِ ادَّعَت وَرَثَةٌ مَالًا لِمُورِّوثِهِم وَأَقامُوا شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ بَعضُهُم .. أَخَذَ نَصِيبَهُ وَلا يُشَارِكَهُ فِيهِ.
وَيبَطُلُ حَقُ مَن لَم يَحلِف بِنُكُولِهِ إِن حَضَرَ وَهُوَ كَامِلٌ, فَإِن كانَ غَائِبًا أَو صَبِيًا أو مَجنُونًا .. فاَلمَذهَبُ: أنَّهُ لَا يَقبِضُ نَصِيبَهُ, فَإِذَا زَالَ عُذرُهُ .. حَلَفَ وَأَخَذَ بِغَيرِ إِعَادَةِ شَهَادَةٍ  الدعوى في الحجة كونه حر الأصل نسبيًا, والحرية لا يثبتان بهذه الحجة فافترقا.
قال: (ولو ادعت ورثة مالا لموروثهم وأقاموا شاهدًا) أي: بالمال (وحلف معه بعضهم .. أخذ نصيبه ولا يشاركه فيه) أي: من لم يحلف, كذا نص عليه.
ونص في (كتاب الصلح) أنهما لو ادعيا دارًا إرثًا وصدق المدعى عليه أحدهما في نصيب .. يشاركه المكذب, فخرج بعضهم من الصلح هنا قولًا: إن ما أخذه الحالف يشاركه فيه من لم يحلف؛ لأن الإرث ثبت على الشيوع.
وقطع الجماهير بأنه لا شركة هنا كما نص عليه, وفرقوا بأن الثبوت هنا بشاهد ويمين, فلو أثبتنا الشركة .. لملكنا الناكل بيمين غيره, وهناك ثبت بإقرار المدعي, ثم رتب عليه إقرار المصدق بأنه إرث, وعلى المنصوص: تقضى من نصيب الحالف حصته من الدين لا جميعه.
قال: (ويبطل حق من لم يحلف بنكوله إن حضر وهو كامل) , حتى لو مات .. لم يكن لوارثه أن يحلف, كذا ذكره الإمام والغزالي, وبه جزم القاضيان الحسين والماوردي.
قال: (فإن كان غائبًا أو صبيًا أو مجنونًا .. فالمذهب: أنه لا يقبض نصيبه) , نص الشافعي في المجنون أنه يوقف نصيبه, قال الجمهور: مراده أنا نمتنع من الحكم في نصيبه, ونتوقف حتى يفيق فيحلف أو ينكل, ولا يؤخذ نصيبه.
وقيل: مراده أنه يؤخذ نصيبه ويوقف, والصبي والغائب كالمجنون.
وتعبيره ب (المذهب) مخالف لتعبيره في (الروضة (ب (الصحيح (. قال: (فإذا زال عذره) بأن حضر الغائب وبلغ الصبي وأفاق المجنون (.. حلف وأخذ بغير إعادة شهادة)؛ لأن الشهادة تثبت في حق البعض, فتثبت في حق الجميع وإن لم تصدر الدعوى منهم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا بخلاف ما إذا أوصى لشخصين فحلف أحدهما مع شاهد والثاني غائب, فإذا عاد .. فلا بد من إعادة الشهادة؛ لأن ملكه منفصل, بخلاف حقوق الورثة؛ فإنها إنما تثبت أولا لحق شخص واحد وهو الميت.
وما جزم به من عدم الإعادة محله إذا لم يتغير حال الشاهد بما يقتضي رد شهادته, فإن تغير .. فوجهان في (الشرح (و (الروضة (من غير ترجيح.
والأقوى: منع الحلف؛ لاتصال الحكم في حق الحالف فقط, ولهذا لو رجع الشاهد .. لم يكن له أن يحلف.
وينبغي أن يكون هذا فيما إذا ادعى الأول بجميع الحق, فإن ادعى بقدر حصته .. فلا بد من الإعادة جزمًا.
فرعان: أحدهما: أقام بعضهم شاهدين, فثبت المدعى كله, فإذا حضر الغائب زكمل غير المكلف .. أخذ نصيبه بلا دعوى ولا بينة.
ويقبض القاضي نصيب الصبي والمجنون عينًا كان أو دينًا.
وأما نصيب الغائب, فإن كان عينًا .. قبضها حتمًا, وإن كان دينًا .. ففي وجوب قبضه وجهان جاريان فيمن أقر لغيره بدين وحمله إلى القاضي, والأصح فيهما: عدم الوجوب.
الثاني: قال السرخسي: من حلف على دين أو عين للميت .. يحلف على الجميع لا على حصته فقط, سواء حلف كلهم أو بعضهم, وكذا الغريم والموصى له إذا قلنا: يحلفان, قال الرافعي: وفي كلام غيره ما يشعر بخلافه.
والمراد: إذا امتنع جميع الورثو عن الحلف وعلى الميت دين .. فهل للغريم أن يحلف؟ فيه قولان: الجديد: المنع, وأجريا فيما لو كان قد أوصى لإنسان بشيء ولم يحلف الورثة هل يحلف الموصى له؟ فإن كانت الوصية بعين وادعاها في يد أجنبي .. فلا ينبغي أن يكون موضع خلاف, ويقطع بالجواز.

وَلاَ تَجُوزُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعلٍ كَزِنًا وَغَصْبٍ وَإتْلاَفٍ وَوِلاَدَةٍ إِلا بِالإبْصَارِ, وَتُقْبَلُ مِنْ أَصَم, وَالأَقْوَالُ كَعَقْدٍ يُشْتَرَطُ سَمْعُهَا وَإِبْصَارُ قَائِلِهَا,  قال: (ولا تجوز شهادة على فعل كزنًا وغصب وإتلاف وولادة إلا بالإبصار) أي: لها ولفاعلها, لأنه يصل به إلى العلم من أقصى جهاته, ولا يكفي السماع, لأن الأصل فى الشهادة البناء على العلم واليقين, قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ, وقال: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وتقدم في أول الباب حديث: (على مثل هذا فاشهد أو دع (إلا أن فى الحقوق ما اكتفى فيه بالظن المؤكد, لتعذر اليقين فيه وتدعو الحاجة إلى إثباته كالملك, فإنه لا سبيل إلى معرفته يقينًا, وكذلك العدالة والإعمار.
وقسم الشافعى والأصحاب المشهود به ثلاثة أقسام: ما يتوقف على البصر خاصة, وما يتوقف على السمع دون البصر, وما يتوقف عليهما معًا, وهو لا ينحصر فى ذلك, فإن الشهادة تجوز بما علم بباقى الحواس الخمس.
فأما الذي يكفي فيه البصر دون السمع .. فالأفعال كالزنا والشرب والقتل والغصب والإتلاف والولادة والرضاع والاصطياد, فتشترط فيه الرؤية لها ولفاعلها, لأنها مشتقة من المشاهدة التى هى أقوى الحواس إدراكًا, فلم يجز أن يشهد إلا بأقوى أسباب العلم إدراكًا, ويجوز تعمد النظر إلى ما تحت الثياب للتحمل على ظاهر النص, لأن الزانيين هتكا حرمة أنفسهما.
وقيل: عكسه: لأن الزنا مندوب إلى ستره, وحقوق الله تعالى مبنية على المساهلة.
ولو وقعت فى يد امرأة أكلة .. جاز للرجل أن يراها ويداويها.
ولا خلاف أنه يتعمد النظر إلى الوجه عند تحمل الشهادة لها وعليها, وكذا عند الأداء إن كان لا يعرفها, ليضبط حلاها, إلا أن يخاف الفتنة فلا ينظر, ويكف نفسه عن الشهادة إلا أن تكون متعينة فينظر ويضبط نفسه.
قال: (وتقبل من أصم) لحصول العلم له بالمشاهدة.
قال: (والأقوال كعقد يشترط سمعها وإبصار قائلها) فلابد من مشاهدة المقر أو

وَلاَ يُقْبَلُ أَعْمَىَ إِلا أَنْ يُقِر فِى أُذُنِهِ فَيَتَعَلقَ بِهِ حَتى يَشْهَدَ عِنْدَ قَاضِ بِهِ عَلَى الصحِيحِ, وَلَوْ حَمَلَهَا بَصِير ثُم عَمِىَ .. شَهِدَ إِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ مَعْرُفَىِ الإِسْمِ وَالنسَبِ ......

 العاقد حال تلفظه ببصره أو سماعه ما يتلفظ به, حتى لو نطق به من وراء حجاب وهو يتحققه .. لم يكف, لأن ما أمكن إدراكه بعلم الحواس لا يجوز أن يعمل فيه بالظن, لجواز إشتباه الاصوات, وقد يحاكى الانسان صوت غيره فيتشبه به.
قال الماوردي: ولو حال بينهما ثوب خفيف يشف .. ففي جواز الشهادة وجهان, ومقتضى ما صححه الرافعى في نقاب المرأة الجواز.
ويوجد فى بعض النسخ ههنا: (كعقد وإقرار وطلاق) , وليس ذلك فى أصل المصنف, لكن فيه كشط, وفى (المحرر (: كالنكاح والبيع وسائر العقود.
قال: (ولا يقبل أعمى) , لإنسداد طريق المعرفة عليه مع إشتباه الاصوات.
وقال مالك وأحمد: إذا عرف صوت شخص وتحققه .. جاز له الشهادة عليه, كما يجوز له أن يطأ زوجته إعتمادًا على حسها.
والجواب: أن وطء الزوجة أخف, فإنه أبيح إعتمادًا على اللمس, أو بقول إمرأة واحدة إذا زفتها إليه, ولا تجوز الشهادة بمثل ذلك, لأنها فى حكم الولاية.
والوجه المتقدم فى قضاء الاعمى جاز هنا.
قال: (إلا أن يقر فى أذنه فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به على الصحيح) , لحصول العلم بأنه المشهود عليه, فإن كان بمال .. فلابد أن يكون المشهود له معروف الاسم والنسب.
والثاني – وبه قال أبو حنيفة:- لا يقبل, لجواز أن يكون المقر غيره, وحسمًا للباب.
وقوله: (على الصحيح) يصح عودة إلى المستثنى على حدته, وإلى المستثنى منه على حدته, ففي كل وجهان, ويصح عوده إليهما جميعًا, وهو الاولى.
قال: (ولو حملها بصير ثم عمى .. شهد إن كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب) , لحصول العلم.

وَمَنْ سَمِعَ قَوْلَ شَخْصٍ أَوْ رَأَى فِعْلَهُ: فَإِنْ عَرَفَ عِينَهُ وَاسْمَهُ وَنَسَبَهُ .. شَهِدَ عَلَيْهِ فِى حُضُورِهِ إِشَارَةٌ, وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ وَمَوْتِهِ باسْمِهِ وَنَسَبِهِ, فَإِنْ جَهِلَهُمَا .. لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ مَوْتِهِ وَغَيْبَته  وكذا لو عمى ويد المقر فى يده فشهد عليه .. وتقبل شهادته فيما شهد فيه بالإستفاضة كالموت والنسب والملك على الأصح, بشرط أن لا يحتاج إلى تعيين وإشارة بأن يكون الرجل مشهورًا بأسمه وصفته.
والثاني: لا تقبل, وقال الروياني: فإنه يصح عند عامة الاصحاب, وعليه يدل النص, وقال القاضى أبو الطيب: مراد الأصحاب بقبولها إذا سمع ذلك مرارًا وتكرارًا من قوم مختلفين من أزمان مختلفة, حتى صار بحيث لا شك فيه كالتواتر عنده.
ولا تجوز له الشهادة إلا على هذا الوجه, وهو إشارة إلى أن الأستفاضة فى حق الأعمى لا تحصل إلا بذلك وإن كانت تحصل فى حق البصير بعدلين, والأصح: أنه تقبل أيضًا فى الترجمة كما تقدم فى (كتاب القاضي).
وأما رواية ما تحمله قبل العمى .. فتصح قطعًا, وفى الذى سمعه فى زمن عماه وجهان: أصحهما عند الإمام والغزالى فى كتبه الفقهية: لا تقبل.
وأصحهما عند الجمهور: القبول.
قال: (ومن سمع قول شخص أو رأى فعله: فإن عرف عينه واسمه ونسبه .. شهد عليه فى حضوره إشارة, وعند غيبته وموته بإسمه ونسبه) , لحصول التمييز بذلك.
قال: (فإن جهلهما) أي: اسمه ونسبه (.. لم يشهد عند موته وغيبته) , لعدم العلم, بخلاف ما إذا كان حاضرًا .. فإنه يشهد على عينه بالإشارة.
فإن مات .. أحضر ليشهد على عينه, فإن دفن .. فقد تعذرت الشهادة عليه.
وعبارته تفهم أن لو جهل أحدهما وعرف الاخر .. شهد, والمعروف أن ذلك لا يجوز, وكما لا يؤدى لا يتحمل.
قال إبن أبى الدم: وأما شهادة الشاهد على من لا يعرفه اعتمادا على حليته وصفته

وَلاَ يَصِحُ تَحَمُلُ شَهَادَةٍ عَلَى مُتَنَقبَةٍ إعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا, فِإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ .. جَازَ, ......

 كما يفعله كثير من جهلة الشهود, حتى إنهم يؤدونها على المشهود عليه فى غيبته أو موته .. فهذا لا يجوز قولًا واحدًا, ولا أعرف فيه خلافًا.
نعم, يستثنى من إطلاقه ما إذا جهلها ثم سمع الناس من بعد يقولون: إنه فلان ابن فلان, واستفاض عنده ذلك .. فله أن يشهد في غيبته على اسمه ونسبه كما لو عرفها عند التحمل, حكاه الرافعي عن الأصحاب.
وقد يدخل هذا في قوله أولًا: (عرفهما) وتعتمد في النسب معرفته أو الاستفاضة.
وليس له اعتماد قول المشهود عليه: إنه فلان بن فلان كما يفعله شهود الزمان, بل يكتب حذر من ذكر أن اسمه فلان واسم ابيه فلان.
وقد سئل القفال: هل يجوز أن يكتب فلان بن فلان وإن حلاه؟ فقال: لا يجوز, لأنه كذب, بل يكتب: جاءني رجل حليته كذا, وذكر أنه فلان بن فلان.
قال: ولو أخبره ألف رجل أنه فلان بن فلان .. لا يجوز أن يشهد بذلك إلا أن يسمعه من الناس بحيث يستفيض عنده.
قال: (ولا يصح تحمل شهادة على منتقبة إعتمادًا على صوتها) , كما لا يتحمل الأعمى والبصير فى الظلمة إعتمادًا عليه, لأن الاصوات تتشابه.
وعلم منه الامتناع فيما إذا لم يسمع صوتها ولم يرها من باب أولى, لكن تستثنى من إطلاقه مسألتان: إحداهما: إذا كان النقاب رقيقًا فيجوز التحمل على الأصح كما تقدم, لأنه لا يمنع المشاهدة.
والثانية: إذا تحقق صوتها من وراء النقاب الكثيف ولازمها حتى أدعى على عينها,, فإنه يصح التحمل كنظيره من الاعمى.
وقد أشار إليه الرافعي بحثًا, قال في (المطلب (: ولا إشكال فيه.
قال: (فإن عرفها بعينها أو بإسم أو نسب .. جاز) أي: التحمل, ولا يضر النقاب, بل لا يجوز كشف الوجه حينئذ كما قال صاحب (الحاوى (و (العدة (وغيرهما.

وَيَشْهَدُ عِنْدَ الأَدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ, وَلاَ يَجُوزُ التَحَملُ عَليْهَا بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ عَلَى الأَشْهَرِ, وَالعَمَلُ عَلَى خِلاَفِهِ.
وَلَوْ قَامَتْ بَيْنَهٌ عَلَى عَيْنِهِ بِحَق فَطَلَبَ المُدعِىِ التَسْجِيل .. سَجلَ القَاضِىِ بِالحِليَة لاَ بِالإِسْمِ وَالنَسَبِ مَا لَمْ يَثْبُتَا  (قال): (ويشهد عند الأداء بما يعلم) فإذا لم يعرف شيئًا منها .. فلتكشف وجهها ليراها ويظبط حليتها, وتكشفه أيضًا عند الأداء.
ويجوز إستيعاب وجهها بالنظر للشهادة عند الجمهور.
وقال الماوردى: الصحيح: أنه ينظر إلى ما يعرفها به, فإن عرفها بالنظر إلى بعضه .. لم يتجاوزه, ولا يزيد على مرة إلا أن يحتاج إلى التكرار.
قال: (ولا يجوز التحمل عليها بتعريف عدل أو عدلين على الاشهر) وهو الذى أورده الأكثرون بناء على المذهب في أن التسامع لابد فيه من جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب.
قال: (والعمل على خلافه) فيجوز التحمل عليها بذلك سلوكًا به مسلك الأخبار.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا سمع من عدلين أنها فلانة بنت فلان.
جاز التحمل, ويشهد على إسمها ونسبها عند الغيبة.
وقال الشيخ عز الدين في (الفتاوى الموصلية (: إنه المختار, لمسيس الحاجة.
وتوسع الإصطخرى فقال: له إعتماد ولدها الصغير إذا قال له وهى فى نسوة: من أمك؟ فأشار إليها, وأدعي ابن كج أنه أشد وقعًا فى القلب وأثبت, فلو أقرت متنقبة فأمسكها الشاهد وأتى بها إلى الحاكم فقال: هذه أقرت بكذا .. ففيه ما تقدم فى شهادة الأعمى على مثل ذلك.
قال: (ولو قامت ببنة على عينه بحق فطلب المدعى التسجيل .. سجل القاضى بالحلية لا بالإسم والنسب ما لم يثبتا) , لتعذر التسجيل على العين, فيكتب: حضر رجل ذكر أنه فلان, بن فلان ومن حليته كيت وكيت.
ولا يكفى فى الاسم والنسب قول المدعى, ولا إقرار المدعى عليه, فإن نسبه لا يثبت بإقراره, فلو قامت بينة بنسبه على وجه الحسبة .. أثبته على الأصح.

وَلَهُ الشَهَادَةُ بِالتَسَامُعِ عَلَى نَسَبٍ مِنْ أَبٍ أَوْ قَبِيلَةٍ, وَكَذَا أُم فِىِ الأَصَحُ  ولم يتعرض المصنف لكيفية التحلية, وهي ذكر ما دل على المحلى من أوصافه الظاهرة كالطول والقصر , والبياض والسواد والسمرة والهزال, والكلام كاللثغة والفأفأة والتمتمة والسرعة, وعجلة اللسان وثقله.
وما في العين من الكحل والشهلة.
وما في الشعر من جعوده وسبوطه وبياض وسواد.
وبما فى الفم من الأسنان دون الأضراس.
ويجوز بالجراح والشجاج والآثار اللازمة ولا يجوز باللباس ونحوه.
قال: (وله الشهادة بالتسامع على نسب) بالإجماع, لأن نسبه لا يدرك بالبصر, وغاية الممكن رؤية الولادة على الفراش, فأكتفي فيه بالاستفاضة للحاجة, ويجوز ذلك وإن لم يعرف عين المنسوب إليه, حكاه في (الكفاية) عن (الإشراف).
كل هذا إن لم تكن ريبة, فإن كانت بأن كان المنسوب إليه حيًا فأنكر .. لم تجز الشهادة, فإن كان مجنونًا .. جازت على الصحيح, فإن طعن بعض الناس فى ذلك النسب .. امتنعت الشهادة على الأصح.
والفرق بين الخبر المستفيض والمتواتر قد يلتبس, وبسببه أعترض على ابن الرفعة هنا.
فالمتواتر: الخبر الذي بلغت رواته مبلغًا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب, والمستفيض: الذي لا ينتهي إلى ذلك, بل أفاد الأمن من التواطؤ على الكذب, والأمن معناه: الوثوق, وذلك بالظن المؤكد.
قال: (من أب أو قبيلة) هذا من تفصيل (المنهاج) وهو حسن, والذي في (المحرر) إطلاق النسب.
قال: (وكذا أم في الأصح) كالأب.
والثاني: لا, لإمكان رؤية الولادة.
وأطلق الأكثرون الوجهين بلا ترجيح حتى في (الشرحين) و (الروضة) وقضية

وَمَوْتٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لاَ عِتْقٌ وَوَلاَءُ وَوَقْفٌ وَنِكَاحٌ وَمِلْكٌ فِي الأَصَحِّ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالأَكْثَرِينَ فِي الْجَمِيعِ: الْجِوِازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ  كلام القفال وغيره أن يكون الأصح هنا عدم الجواز، وشذ في (الوسيط) فنقل طريقة قاطعة بالجواز.
قال: (وموت على المذهب) كالنسب، ولأن أسبابه منها ما يخفى ومنها ما يظهر، والاطلاع عليها قد يعسر، فجاز أن يعتمد فيها على الاستفاضة.
والطريق الثاني: أنه على الخلاف في الولاء وما في معناه؛ لأنه تمكن فيه المعاينة.
قال: (لا عتق وولاء ووقف ونكاح وملك في الأصح)؛ لأن مشاهدته أسبابها متيسرة.
وقال في (المهمات): إن هذا هو الصواب المنصوص.
قال: (قلت الأصح عند المحققين والأكثرين في الجميع: الجواز والله أعلم)؛ لأن هذه الأمور إذا طالت مدتها .. عسر إقامة البينة عليها، والحاجة ماسة إلى إثباتها بالتسامع، فلا يشك أحد أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأن فاطمة زوجة علي رضي الله عنهما، والمستند الاستفاضة.
وفي الحديث: (الولاء لحمة كلحمة النسب).
وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، ومن أصحابنا ابن القاص وابن أبي هريرة والطبري، ورجحه ابن الصباغ، وقال في (العدة): إن الفتوى عليه للحاجة.
وقول المصنف: (إن الأكثرين عليه) صحيح في الملك ممنوع في الباقي.
وقد نص الشافعي والأصحاب في أن الحاكم يستحب له أن يجدد كتب الأوقاف مهما خاف انقراض الأصل.
وأفهم إطلاقه أنه لا فرق في الوقف بين ما على الجهة العامة وعلى معين.
وخص أبو محمد الخلاف بالعامية، وقطع في المعين بالمنع، قال الإمام: وهذا لا أعتد به.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال في (البسيط): إن المحققين على عدم الفرق، ومال ابن الرفعة إلى قول أبي محمد.
وصورة الاستفاضة بالملك: أن يشتهر أنه ملكه من غير إضافة إلى سبب، فإن كان المستفيض سبب الملك كبيع ونحوه .. لم يتحمل عنه؛ لإمكان مشاهدته، اللهم إلا أن يكون ميراثًا .. فيجوز؛ لأن الميراث يستحق بالنسب والموت، وكل منهما يثبت بالاستضافة، قاله الماوردي والروياني وابن الصباغ.
وموضع الخلاف في الملك بمجرد الاستضافة، فإن انضم إليها اليد والتصرف .. جازت قطعًا.
والذي صححه المصنف في الملك مخالف لما رجحه في (الروضة)؛ فإنه قال: فيه وجهان: أقربهما لإطلاق الأكثرين: الجواز، والظاهر: أنه لا يجوز، وهو محكي عن نص حرملة وجماعة.
تنبيهات: أحدهما: الذي صححوه من ثبوت الوقف بالاستفاضة هو في أصله، أما شروطه وتفاصيله .. فأفتى المصنف بأنها لا تثبت بالاستفاضة، بل إن كان وقفًا على جماعة معينين أو جهات متعددة .. قسمت الغلة بينهم بالسوية.
وإن كان على مدرسة مثلًا وتعذرت معرفة الشروط .. صرف الناظر الغلة فيما يرى من مصالحها.
وهذا مخالف لفتوى شيخه ابن الصلاح؛ فإنه قال: الشروط إذا شهد بها مفردة .. لا تثبت بالاستفاضة، وإن ذكرها في شهادته في أصل الوقف .. سمعت؛ لأن حاصلها يرجع إلى كيفية الوقف وذلك مسموع، ووافقه الشيخ برهان الدين بن الفركاح.
والذي أفتى به المصنف هو المنقول كما قاله ابن سراقة في كتاب (أدب الشاهد).
وأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بأن الشهادة بالاستفاضة لا تثبت بها حدود

وَشَرْطُ التَّسَامُعِ: سَمَاعُهُ مِنْ جَمْعٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ: يَكْفِي مِنْ عَدْلَيْنِ،  الوقف، ذكر ذلك في إسجاله على تركة الجيش وفيه: ولم تثبت حدودها؛ لأن الحدود لا تثبت بالاستفاضة، وهو كلام صحيح، وإذا ثبت النكاح بالاستفاضة .. لا يثبت الصداق، بل يرجع إلى مهر المثل.
الثاني: شهد جماعة أن النظر في الوقف الفلاني لزيد، لم يزيدوا على ذلك، ولم يكونوا شهدوا على الواقف، ولا قالوا: إن مستندنا الاستفاضة، وسئلوا عن مستندهم فلم يبدوه، بل صمموا على الشهادة؟ أجاب ابن الصلاح بأن هذا محمول على استنادهم إلى الاستفاضة، والشروط لا تثبت بذلك كما تقدم.
الثالث: مما يثبت بالاستفاضة ولا ية القضاء والجرح والتعديل، وذكرهما المصنف في موضعها، والشهادة بالإعسار عن الإمام، وكذا بالرشد كما أفتى به ابن الصلاح، وعلى أن فلانًا وارث فلان أو لا وارث له غيره، نص عليه في (البويطي)، وعلى الغضب، قاله الماوردي في (الأحكام).
قال: (وشرط التسامع: سماعه من جميع يؤمن تواطؤهم على الكذب)؛ لأن ذلك يغلب على الظن الصدق، وعبارة (الشرح) و (الروضة): جمع كثير يقع العلم أو الظن القوي بخبرهم، ويؤمن تواطؤهم، قال: وينبغي أن لا تشترط فيهم العدالة ولا الحرية والذكورة.
وفي وجه: يكفي عدل واحد إذا سكن القلب إليه، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا.
قال: (وقيل: يكفي من عدلين)؛ لأن الحاكم يعتمد قولهما.
وحكى شريح وجهًا: أن الشهادة بالملك أقل ما يكتفي فيها بأربعة، ووجهًا آخر: أنه لابد من الزيادة على أربعة.

وَلاَ تَجُوزُ الشَّهّادّةُ عَلَى مِلْكٍ بِمُجَرَّدِ يَدٍ، وَلاَ بِيَدٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَتَجُوزُ فِي طَوِيلَةٍ فِي الأَصَحِّ،  وحكى الرافعي في (قسم الصدقات) وجهًا: أن أقل درجات الاستفاضة ثلاثة؛ للخبر: (حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه).
ونقل ابن كج وجهين في أنه هل يشترط أن يقع في قلب السامع صدق المخبرين؟ تنبيه: لا يشترط عند الأداء التصريح بالاستضافة، بل لو صرح بها .. قال ابن أبي الدم: الصح: لا تقبل.
لكن ذكر الرافعي في الجرح إذا جازت الشهادة فيه بالاستضافة .. أن الشاهد يبين ذلك فيقول: سمعت الناس يقولون فيه كذا.
وذكر في الشهادات بالملك أنه لا يجوز الشهادة فيه بالاستصحاب، فلو بين ذلك فقال: أشهد له بالملك استصحابًا .. قطع القاضي بالقبول، والغزالي بالمنع، وهذا شاهد للخلاف الذي ذكره ابن أبي الدم، وصحح الشاشي وابن الصلاح جواز الشهادة بالعدالة بالاستفاضة.
قال: (ولا تجوز الشهادة على ملك بمجرد يد)؛ لأن اليد لا تستلزم الملك، فقد يكون مستأجرًا أو مستعيرًا.
وفي قول بعيد: يشهد بمجرد ذلك؛ لأن الظاهر من اليد الملك.
قال: (ولا بيد وتصرف في مدة قصيرة) كاليد المجردة، ويجوز أن يشهد له باليد.
قال: (وتجوز في طويلة في الأصح)؛ لأن امتداد المدة والتصرف من غير منازع يغلب على الظن الملك.

وَشَرْطُهُ: تَصَرُّفُ مُلاَّكٍ مِنْ سُكْنَى وَهَدْمِ وّبِنَاءٍ وَبَيْعٍ وَرَهْنٍ، وَتُبْنى شَهَادَةُ الإِعْسَارِ عَلَى قَرَائِنِ وَمَخَائِلِ الْضُّرِّ وَالإِضًاقَةِ  والثاني: المنع؛ لأن الغاصب والوكيل أصحاب يد وتصرف، لكن يشترط في هذا أن لا يعرف له منازع.
وقيل: لا يمنع بمنازعة من لا حجة له.
وضابط طولها: العرف، وقيل: أقلها سنة، وقيل: شهران، وقيل: فوقهما، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عشرة أيام، وقيل: ما زاد على ثلاثة أيام، حكاها في (الكفاية).
فإذا رأى صغيرًا في يد إنسان يستخدمه وهو يقول: هذا مولاي، وهو يدعوه كالأرقاء .. فالأصح في (الروضة) في (باب اللقيط): أنه يشهد أنه عبده.
وهذا بخلاف ما لو رأى صغيرة في يد إنسان يدعي نكاحها فبلغت وأنكرت .. فإنها تصدق، والأصح: أنه لا يحكم عليا بالنكاح في صغرها.
والفرق أن اليد في الجملة دالة على الملك، ويجوز أن يولد وهو مملوك ولا يجوز أن تولد وهي منكوحة، فلما كان النكاح طارئًا .. افتقر إلى بينة.
واستثنى ابن سراقة في (التلقين) الدراهم والدنانير والثياب والحبوب ونحوها مما يتماثل، قال: فلا تجوز الشهادة فيها بالملك ولا باليد، إلا أن يكون ثوبًا منقطع النظير، أو عليه علامة يتميز بها، وموضع الخلاف إذا لم ينضم إليها تسامع، فإن انضم إليها .. أفاد الملك قطعًا.
قال: (وشرطه: تصرف ملاك من سكنى وهدم وبناء وبيع ورهن)؛ لأن هذه الأمور ظاهرة في إثبات الملك.
ووجه المنع: أنها قد تصدر ممن استأجر مدة طويلة ومن الموصى له بالمنفعة.
قال الرافعي: وليجر هذا في الرهن؛ لأنه قد يصدر من المستعير.
ودخل في إطلاقه (البيع) الإجازة؛ فإنها بيع منفعة.
قال: (وتبنى شهادة الإعسار على قرائن ومخائل الضر وافضافة) وذلك بأن يرى

فَصْلٌ: تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي النِّكَاحِ، وَكَذَا إِقْرَارٌ وَتَصَرُّفٌ مَالِيٌ وَكِتَابَةُ صَكِّ فِي الأَصَحِّ  فى خلوته؛ لأنه مما يعسر الاطلاع عليه، وقد تقدم في (باب الإعسار) أن شرط شاهده: خبرة باطنة، بخلاف الشهادة بالملك؛ فإنه يكتفى فيها بأسباب ظاهرة.
و (الإضاقة) مصدر أضاق؛ أي: ذهب ماله، قاله الجوهري.
ولو كان المراد هنا الفقر وسوء الحال .. لأتى بالضيق؛ فإنه مصدر لذلك.
تتمة: لا يثبت الدين بالاستفاضة على الأصح، وما جازت الشهادة فيه اعتمادًا على الاستفاضة .. جاز الحلف عليه اعتمادًا عليها، بل أولى؛ لأنه يجوز الحلف على خط الأب دون الشهادة.
قال: (فصل: تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُو﴾، ولأن النكاح مهم ديني يتوقف انعقاده عليه، فلو امتنع الجميع .. أثموا، وإذا طلب من اثنين وهناك غيرهما .. لم يعينا، بخلاف ما إذا تحمل جماعة وطلب من اثنين منهما الداء.
وأشار بـ (النكاح) إلى كل ما يجب فيه الإشهاد كالرجعة إن أوجبناه فيها، والتوكيل في البيع المشروط فيه الإشهاد ونحوه.
قال: (وكذا إقرار وتصرف مالي وكتابة صك في الأصح)؛ للحاجة إلى جميع ذلك، ولأن لكتابة الصكوك أثرًا في التذكر.
ويقابل الأصح في الجميع الاستحباب؛ لأن استيفاء المقاصد لا يتوقف على ذلك، ثم إذا قلنا بالافتراض فيهما .. فذلك إذا حضره المتحمل له، أما إذا دعي للتحمل .. فلا تجب الإجابة في الأصح، إلا أن يكون المحتمل له معذورًا بمرض أو حبس، أو كانت مخدرة إذا أثبتنا للتخدر أثرًا.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل