النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 405-444
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لَا عَينٌ صَحِيحَةٌ بِحَدَقَةٍ عَميَاءَ, ولَا لِسَانُ نَاطِقٍ بِأَخرَسَ  وعبارة المصنف تشمل ما لو ردها في حرارة الدم فالتصقت, وهو كذلك لا يسقط قصاصها ولا الدية عن الجاني؛ لأن الحكم متعلق بالإنابة وقد وجدت, ثم ذكر الشافعي والأصحاب: أنه لا بد من قطع الملتصق؛ لتصح صلاته.
وسببه: الحكم بنجاسة الأذن إن قلنا: ما أبين من الآدمي نجس, وإلا .. فسببه: الدم الذي ظهر في محل القطع, وقد ثبت له حكم النجاسة, فلا يزول بالاستبطان.
ويأتي فيه ما سبق في (كتاب الصلاة) في الوصل بعظم نجس, والتفصيل بين أن يثبت اللحم على موضع النجاسة أو لا يثبت, وبين أن يخاف التلف من القطع أو لا يخاف.
ولو قطعها قاطع .. لا قصاص عليه؛ لأنها مستحقة الإزالة.
قال: (لا عين صحيحة بحدقة عمياء)؛ لأنها أكثر من حقه ولو كان بياضها وسوادها باقيين؛ لأن البصر والنطق في العين واللسان بخلاف السمع والشم, وتؤخذ العين القائمة بالصحيحة إذا رضي بها المجني عليه؛ لأنها دون حقه.
ويقطع جفن البصير بجفن الأعمى؛ لتساوي العضوين في الجرم والصحة.
قال: (ولا لسان ناطق بأخرس)؛ لما تقدم, ولأن اللسان العاطل كاليد الشلاء.
ويقطع لسان الأخرس بلسان الناطق إذا رضي به المجني عليه.
قال الرافعي: ويقطع لسان المتكلم بلسان الرضيع إن ظهر فيه أثر النطق بالتحريك عند البكاء وغيره؛ لأن المراد ب (الناطق): من له قوة النطق, فإن بلغ أوان التكلم ولم يتكلم .. لم يقطع به لسان المتكلم.
ويشكل عليه: أنه صحح في (كتاب الديات): أن هذا اللسان تجب فيه الدية, وقال: إنه الذي يوجد في كتب الأصحاب, وعلله بأن الظاهر السلامة,

وَفِي قَلعِ السِّنِّ قِصَاصٌ, لاَ فِي كَسرِهَا, وَلَو قَلَعَ سِنَّ صَبِيٍّ لَم يُثغَر .. فَلاَ ضَمَانَ فِي الحَالِ, فَإن جَاءَ وَقتُ نَبَاتِهَا؛ بِأَن سَقَطَتِ البَوَاقِي وَعُدنَ دُونَهَا, وَقَالَ أَهلُ البَصَرِ: فَسَدَ المَنبَتُ .. وَجَبَ القِصَاصُ, .....

 والذي وقع له هنا تبع فيه الإمام والغزالي.
قال: (وفي قلع السن قصاص)؛ لقوله تعالى: ﴿والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ , فتقلع العليا بالعليا والسفلى بالسفلى.
قال: (لا في كسرها)؛ لما تقدم في كسر العظام.
وفي قول – نص عليه في (الأم) وقطع به في (المهذب) و (الحاوي) -: يراجع أهل الخبرة؛ فإن قالوا: تمكن فيه المساواة .. اقتص, واحتج الماوردي بحديث الربيع المتقدم؛ فإنها كسرت سن جارية من الأنصار فقال صلى الله عليه وسلم: (كتاب الله القصاص) , لكن حمله الشيخ أبو حامد على القلع من أصلها, وهو خلاف الظاهر, ولا تنافيه رواية مسلم: أنها جرحت إنسانًا؛ فإنهما قضيتان.
ولا تؤخذ السن الصحيحة بالمكسورة, وتؤخذ المكسورة بالصحيحة مع قسط الذاهب من الأرش, وتؤخذ الزائدة بالزائدة بالشرط الذي سبق.
ولو قلع سن رجل وليس للجاني تلك السن .. لا قصاص, بل الواجب الدية.
قال: (ولو قلع سن صبي لم يتغير) هو بمثناة تحت مضمومة ثم ساكنة ثم غين معجمة مفتوحة, أي: لم تسقط أسنانه التي هي رواضعه, مشتق من (الثغر): الذي هو مقدم الأسنان.
قال:) .. فلا ضمان في الحال)؛ لأنها تعود غالبًا, فأشبهت الشعر, وكذلك لا دية؛ لأنها لا يتحقق إتلافها, لكن عليه الحكومة إن نبتت سوداء أو معوجة أو خارجة عن سمت الأسنان أو بقي شين آخر بعد النبات, وإن نبتت أقصر ما كانت .. وجب تقدير النقصان من الأرش.
قال: (فإن جاء وقت نباتها؛ بأن سقطت البواقي وعدن دونها, وقال أهل البصر: فسد المنبت .. وجب القصاص)؛ لأنه قد قلع السن الحاصلة في الحال وأفسد المنبت, فيقابل بمثله, فإن قال أهل الخبرة: يتوقع نباتها إلى وقت كذا ..

وَلاَ يُستَوَفى لَهُ فِي صِغَرِهِ.
وَلَو قَلَعَ سِنَّ مَثغُورٍ فَنَبَتَت .. لَم يَسقُطِ القِصَاصُ فِي الأَظهَرِ  توقعناه, فإن مضت ولم تنبت .. وجب القصاص.
وملخص ما في المسألة طرقان: إحداهما – طريقة الجمهور -: القطع بالوجوب.
والثانية: على قولين: ثانيهما: لا يجب؛ لأن سن الصبي فضله في الأصل, نازلة منزلة الشعر الذي ينبت مرة بعد الأخرى.
قال: (ولا يستوفى له في صغره) , بل ينتظر بلوغه؛ فإن مات قبل البلوغ .. اقتص وارثه أو أخذ الأرش.
وسكت المصنف عما إذا نبتت لوضوحه؛ فإنه لا قصاص ولا دية, سواء كان ذلك في وقته أم بعد مدة طويلة.
والتقييد ب (الصغر) جري على الغالب؛ فإن قلع سن إذا لم يكن قد بدل في صغره حكمه كذلك.
فإن قيل: قوله: (لا يستوفى له في صغره) غير محتاج إليه؛ لأنه سيأتي في قوله: (وينتظر غائبهم وكمال صبيهم) .. فالجواب: أن ذاك في الوارث وهذا في المستحق نفسه, وذاك في النفس وهذا فيما دونها, فذكره لرفع توهم المغايرة.
ولو مات قبل اليأس, وقبل تبين الحال .. فلا قصاص, وفي الأرش وجهان.
قال: (ولو قلع سن مثغور فبنت .. لم يسقط القصاص في الأظهر)؛ لأنه لم تجر العادة بنبات سن المثغور, والذي اتفق نعمة جديدة من الله تعالى, فلا يسقط به حقه عن الجاني.
والثاني – وبه قال أحمد -: يسقط كالصغير إذا عاد سنه؛ لأن ما عاد قام مقام الأول, فكأنه لم يفت وصار كما لو عاد سن غير المثغور, وعلى القولين لا ينتظر العود, بل للمجني عليه أن يقتص ويأخذ الدية في الحال؛ لأن انتظار ذلك مستبعد.

وَإِن نَقَصَت يَدُهُ إصَبعًا كَامِلَةً .. قُطِعَ وَعَليهِ أَرشُ إصبَع, وَلَو قَطَعَ كَامِلٌ نَاقِصَةً: فَإِن شَاءَ المَقطُوعُ .. أَخَذَ دِيَةَ أَصَابِعِهِ الأَربَعِ, وَإن شَاءَ .. لَقَطَها, والأَصَحُّ: أَنَّ حُكُومَةَ مَنَابِتِهِنَّ تَجِبُ إِن لَقَطَ لَا إن أَخَذَ دِيَتَهُنَّ, وَأَنَهُ تَجِبُ فِي الَحاَلَينِ حُكُومَةُ خُمُسِ الكَّفِّ  قال: (وإن نقصت يده إصبعًا لم يستوف قصاصها فيكون له أرشها, واستدل له الرافعي بقوله صلى الله عليه وسلم: (في كل إصبع عشر من الإبل) رواه أحمد [2/ 182] وأبو داوود [4553] والنسائي [8/ 55] من حديث أبي موسى.
وقال أبو حنيفة: لا أرش له مع قطع اليد.
قال: (ولو قطع كامل ناقصة: فإن شاء المقطوع .. أخذ دية أصابعه الأربع, وإن شاء .. لقطها) , هذه الصورة عكس التي تقدمت؛ فليس للمجني عليه هنا قطع اليد الكاملة من الكوع؛ لما فيه من الزيادة, لكنه يلقط الأصابع الأربع إن شاء, وإن شاء .. أخذ ديتها.
وعند أبي حنيفة: ليس له لقط الأصابع, ولا يعدل عن محل القطع إلى غيره.
قال: (والأصح: أن حكومة منابتهن تجب إن لقط)؛ لأن الحكومة من جنس الدية فلا يبعد دخولها فيها, والقصاص ليس من جنسها.
والثاني: لا تجب وتدخل تحت قصاص الأصابع كما تدخل تحت ديتها؛ فإنه أحد موجبي الجناية.
قال: (لا إن أخذ ديتهن) كما أن حكومة جميع الكف تحت ديات الأصابع .. اندرج بعضها تحت البعض؛ لأن البعض من البعض كالكل من الكل.
وحكى الإمام وغيره وجهًا: أنه لا يندرج, وتختص قوة الاستتباع بالكل.
قال: (وأنه تجب في الحالين حكومة خمس الكف) , المراد: حكومة الخمس

وَلَو قَطَعَ كَفًا بِلَا أَصَابِعَ .. فَلَا قِصَاصَ إلاَّ أَن تَكُونَ كَفُهُ مِثلَهَا, وَلَو قَطَعَ فَاقِدُ الأَصَابعِ كَامِلَهَا .. قَطَعَ كَفَّهُ وَأَخَذَ دِيَةَ الأَصَابِعِ.
وَلَو شَلَّت إِصبَعَاهُ.
وَلو شَلَّت إصبَعَاهُ فَقَطَعَ يَدًا كَامِلَةً: فَإِن شَاءَ .. لَقَطَ الثَّلاثَ السَّليمَةَ وَأخَذَ دِيَةَ إِصبَعَينِ, وَإن شَاءَ .. قَطَعَ يَدَهُ وَقَنَعَ بِهَا  الباقي من الكف؛ لأنه لم يستوف في مقابلته شيئًا يتخيل اندراجه فيه.
والمراد ب (الحالين): حالة القصاص, وحالة أخذ الدية.
والثاني: أن كل إصبعين تتستتبع الكف كما يستتبعها كل الأصابع.
قال: (ولو قطع كفًا بلا أصابع .. فلا قصاص)؛ لأنه لا يمكن إلا بأخذ الزائد.
قال: (إلا أن تكون كفه مثلها) فيقتص للمساواة, كذا أطلقه الشيخان, وظاهره: أن وجود الأصايع مانع من الوجوب.
وينبغي أن يكون مانعًا من الاستيفاء لا الوجوب, حتى لو سقطت الأصابع بآفة أو جناية .. حصلت القدرة على القصاص في الكف فيقتص, كما صرحوا به فما إذا قطع سليم اليد الأنملة الوسطى ممن هو فاقد الأنملة العليا, وسيأتي في التتمة بعد سبعة أسطر.
قال: (ولو قطع فاقد الأصابع كاملها .. قطع كفه وأخذ دية الأصابع) لأنه لم يستوف شيئًا في مقابلتها, وهذه المسألة مكررة مع قوله أولا: (ولو نقصت يده إصبعًا فقطع كاملة .. قطع وعليه أرش إصبع).
قال: (ولو شلت إصبعاه فقطع يدًا كاملة: فإن شاء .. لقط الثلاث السليمة وأخذ دية إصبعين, وإن شاء قطع يده وقنع بها)؛ لأنه لو عم الشلل جميع اليد وقطع قنع بها.
فإذا كان الشلل في بعضها .. فهو أولى, وفي استتباع الثلاث حكومة منابتها, واستتباع دية الإصبعين حكومة الخلاف المتقدم.
تتمة: سليم اليد قطع الأنملة الوسطى من فاقد العليا .. فلا سبيل إلى الاقتصاص مع بقاء العليا.

فَصلٌ: قَدَّ مَلفٌوفًا وَزَعَمَ مَوتَهٌ .. صَدَّقَ الوَلِيٌّ بِيَمِينِهِ فِي الأَظهَرِ  فإن سقطت بآفة أو جناية .. ففي القصاص الآن ثلاث طرق: أصحها وأشهرها: القطع بأن له ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا قصاص في الوسطى؛ لتعذر الاستيفاء حال الجناية.
لنا: أن الامتناع كان لاتصال محل الجناية بغيره, فإذا زال الاتصال .. استوفى القصاص, كالحامل إذا وضعت.
وهل له طلب أرش الأنملة للحيلولة إلى أن تزول العليا؟ فيه وجهان: أصحهما: ليس له ذلك.
وشبه الوجهان بالوجهين في أن من أتلف مثليًا وغرم القيمة لإعواز المثل ثم وجد المثل .. هل يردها ويطالب به؟ وكالوجهين في أن من أخذ أرش العيب القديم لامتناع الرد بالعيب الحادث ثم زال العيب .. هل له أن يرد المبيع والأرش ويسترد الثمن؟ وكالوجهين فيما إذا أتلف طعامًا لغيره فلقيه ببلد آخر فأخذ منه قيمته للحيلولة ثم اجتمعا ببلد الإتلاف .. هل له ردها وأخذ المثل؟ وبناهما الغزالي على الخلاف فيما إذا ثبت القصاص لصبي أو مجنون .. هل لوليهما طلب المال في الحال؟ وقيده المتولي وغيره بالفقير, وهو كما ذكراه في (كتاب اللقيط).
قال: (فصل) عقده للاختلاف الواقع بين ولي الدم والجاني.
قال: (قد ملفوفًا وزعم موته .. صدق الولي بيمينه في الأظهر)؛ لأن الأصل استمرار الحياة؛ لأنه كان مضمونًا, والأصل استمرار تلك الحياة, فأشبه ما إذا قتل من عهده مسلمًا وادعى ردته.
والثاني: المصدق الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته عن القصاص, وصححه الشيخ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والمحامل والروياني وصاحب (المعتمد) والشيخ في (التنبيه) , وأقره عليه في (التصحيح) , وقال الماوردي: نص عليه الشافعي في أكثر كتبه.
والمشهور: طرد القولين مطلقًا, وفرق أبو الحسن الطيبي – بكسر الطاء وبالباء الموحدة – بين أن يكون ملفوفًا في ثياب الأحياء أو ما هو على صورة الكفن.
قال الإمام: وهذا لا أصل له, وقواه في (المطلب) , وقال الجاجرمي: إنه متجه.
وقال أبو إسحاق: ينظر إلى الدم السائل؛ فإن قال أهل الخبرة: إنه دم حي .. صدق الولي, وإن قالوا: دم ميت .. صدق الجاني, وإن اشتبه .. ففيه قولان.
وتصوير المسألة بالملفوف يشعر بأنه لو لم يكن ملفوفًا بل كان لابسًا كالحي .. أن المصدق الولي قطعًا, والظاهر: أنه لا فرق.
ثم إذا صدقنا الولي بلا بينة .. فالواجب الدية دون القصاص, كما نقله في زوائد (الروضة) عن البغوي والمحاملي وأقرهما؛ لأن القصاص يسقط بالشبهة.
وظاهر قوله: (بيمينه): أن الولي يحلف يمينًا واحدة, وبه صرح ابن الصباغ, وليس كذلك, بل لا بد من خمسين يمينًا.
ولو أقام الولي بينة بحياته .. عمل بها, سواء قلنا: هو المصدق أو الجاني؛ لأن الشخص تارة يصدق بالبينة وتارة باليمين, كالمودع في دعوى الرد, وللشهود أن يشهدوا بالحياة إذا كانوا رأوه يتلفف في الثوب وإن لم يتيقنوا حياته حالة القد؛ استصحايًا لما كان.
وإذا قتله ثم ادعى: رقه, وقريبه: حريته .. نص: أنه يصدق القريب, ونص في مثلها من القذف: أنه يصدق القاذف, فقيل: بتقريرهما.
والأصح: أنهما على قولين: أظهرهما: تصديق القريب.

وَلَو قَطَعَ طَرَفًا وزَعَم نَقصَهُ .. فَالمَذهَبُ: تَصدِيقُهُ إِن أَنكَرَ أَصلَ السَّلاَمَةِ فِي عُضوٍ ظَاهِرٍ, وَإلاَّ .. فَلَا  قال: (ولو قطع طرفًا وزعم نقصه .. فالمذهب: تصديقه إن أنكر أصل السلامة في عضو ظاهر, وإلا .. فلا) , في المسألة نصوص وطرق مختصرها أربعة أقوال: أحدها: يصدق المجني عليه, وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: الجاني, وبه قال أحمد.
والثالث: يصدق المجني عليه إن ادعى السلامة من الأصل, فإن ادعى زوال النقص يعد وجوده .. صدق الجاني.
والرابع – وهو المذهب -: إن كان العضو ظاهرًا كاليد والرجل واللسان والأنف والأذنين والعينين .. فالمصدق الجاني إن أنكر أصل السلامة؛ لأن الأصل: أنه لا قصاص والمجني عليه متمكن من إقامته البينة على السلامة التي يدعيها لظهور العضو, وإن اتفقا على: أنه كان سليمًا, وادعى الجاني: حدوث النقصان .. فقولان: أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأن الأصل البراءة عن القصاص.
وأظهرهما: تصديق المجني عليه؛ لأن الأصل استمرار السلامة.
وإن كان العضو باطنًا كالذكر والأنثيين .. فقولان: أصحهما: تصديق المجني عليه؛ لعسر إقامة البينة على سلامة الأعضاء الباطنة لعدم الاطلاع.
والثاني: طرد القولين في الأعضاء الظاهرة والباطنة.
والمراد بالعضو الباطن: ما يعتاد ستره مروءة, وقيل: ما يجب, وهو العورة, والظاهر: ما سواه.

أَو يَدَيهِ وَرِجلَيهِ فَمَاتَ وَزَعَمَ سِرَايَةً, وَالَوَلِيُّ انِدمَالًا مُمكِنًا أَو سَبَبُا .. فَالَأصَحُّ: تَصدِيقُ الَوِليُّ,  وإذا صدقنا الجاني .. احتاج المجني عليه إلى بينة بالسلامة, ثم الأصح: أنه يكفي قول الشهود: كان صحيحًا, ولا يشترط تعرضهم لوقت الجناية.
وقيل: إن شهدوا بالسلامة عند الجناية .. كفى ولا يحتاج معها إلى يمين, فإن شهدوا: أنه كان سليمًا .. احتاج معها إلى اليمين؛ لجواز حدوث النقص.
قال: (أو يديه ورجليه فمات وزعم سراية, والولي اندمالًا ممكنًا أو سببًا .. فالأصح: تصديق الولي) أي: بيمينه.
هذا مخرج أيضًا على تقابل الأصلين: براءة الذمة من جانب وعدم التداخل من جانب.
والثاني: إن مضت مدة طويلة لا يمكن أن تبقى الجراحة فيها غير مندملة .. صدق الولي بلا يمين, وإلا .. فبيمين.
والثالث: إن كان احتمال الاندمال مع إمكانه بعيدًا .. صدق الجاني بيمينه, وإلا .. فالولي, وادعى الإمام: اتفاق الأصحاب عليه, ونوزع في ذلك.
أما إذا لم يمكن الاندمال؛ لقصر الزمان كيوم أو يومين .. فإن القول قول الجاني في تلك الحالة بلا يمين.
وقيل: بيمين؛ لاحتمال الموت بسم مذفف أو حية, وهو ضعيف.
وقال الرافعي: يشبه أن يقال: ليس لمدة الاندمال ضبط؛ فقد تبقى الجراحة سنين كثيرة والشخص مألوم بسببها إلى أن يموت منها, فينبغي أن يكون التصديق عند الاندمال بيمين, وهذا الذي في (التهذيب) وغيره.
وأما السبب .. فكما إذا قال الولي: أكل سمًا فمات, أو قتل نفسه, ونحو ذلك, وقال الجاني: مات بالسراية.
ووجه تصديق الجاني: احتمال ما يقوله, وأن الأصل براءة الذمة.

وَكَذَا لَو قَطَعَ يَدَهٌ وَزَعَمَ سَبَبًا وَالوليُّ سِرَايَةً.
وَلَو أَوضَحَ مُوضِحَتَينِ وَرَفَعَ الحَاجِز َوَزَعمَهُ قَبلَ اندِمَالِهِ .. صُدِّقَ إِن أَمكَنَ, وَإلاَّ .. حٌلِّفَ الجَريحُ وثَبَتَ أَرشَانِ, قِيلَ: وَثَالِثٌ  ووجه الأصح: أن الأصل بقاء الديتين الواجبتين, والأصل: عدم اليبب الآخر, وهذه الحالة فيها وجهان فقط, والحالة المتقدمة ثلاثة أوجه كما تقدم.
قال: (وكذا لو قطع يده) أي: ومات (وزعم سببًا والولي سراية)؛ لأن الأصل: أنه لم يوجد سببًا آخر.
والثاني: يصدق الجاني؛ لأن الأصل براءة الذمة ولم يثبت ما يوجب تمام الدية.
ولو قال الجاني: مات بعد الاندمال فعلي نصف الدية, وقال الولي: مات بالسراية, والزمن محتمل للاندمال .. فالأصح: تصديق الجاني.
قال: (ولو أوضح موضحتين ورفع الحاجز وزعمه قبل اندماله .. صدق إن أمكن)؛ وذلك بأن يقصر الزمان؛ لأن الظاهر معه.
قال: (وإلا) أي: وإن طال الزمان) .. حلف الجريح وثبت أرشان) للأولى والثانية.
قال: (قبل: وثالث)؛ لأنه ثبت رفع الحاجز باعترافه وثبت الاندمال بيمين المجني عليه فحصلت موضحة ثالثة.
والأصح: المنع وتصديق الجاني؛ لأنه يقول: رفعت الحاجز حتى لا يلزمني أرش بل يعود الأولان إلى واحدة, فإن لم يقبل قوله في الاتحاد .. وجب أن لا يقبل في الثالث الذي لم يثبت موجبه.
تتمة: ذكر في السبب الرابع في اختلاف الحكم من (الروضة): أنه لو أوضحه موضحتين عمدًا ورفع الحاجز بينهما خطأ, وقلنا بالصحيح: إنه لو رفعه عمدًا تداخل الأرشان .. فهل يلزمه أرش ثالث أو أرش واحد؟ وجهان.
قلت: أصحهما: أرش فقط.
اهـ

فصل: الصَّحِيحُ: ثُبوتُهُ لِكُلِّ وَارِثٍ,  واعترض عليه في ذلك بأن الرافعي قال: فيه وجهان؛ لاختلاف الحكم, فإن جعلناه مؤثرً .. فعليه أرش ثالث, وإلا .. لم يلزمه إلا أرش واحد.
والصحيح: التأثير, فتلزمه ثلاثة أروش, وهذا هو الصواب.
قال: (فصل: الصحيح ثبوته لكل وارث) أي: على فرائض الله تعالى, فتشترك فيه العصبات وأصحاب الفروض, المكلف منهم وغير المكلف, ومن يرث بالسبب كالزوجين والمعتق ومن يرث بالنسب, وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم أنتم يا معشر خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل, وأنا والله عاقله, فمن قتله بعده قتيلًا .. فأهله بين خيرتين .. إن أحبوا .. قتلوا, وإن أحبوا أخذوا الدية) رواه أبو داوود [1406] والدارقطني [3/ 96] عن أبي شريح الخزاعي.
وفي (الصحيحين) [خ 2434_ م 1355]: (من قتل له قتيل .. فهو بخير النظرين).
فخير الورثة بين الدية والقتل, والدية تثبت للجميع بالاتفاق .. فكذلك القصاص.
وفي (سنن أبي داوود) [2919]: (أن عمر كان يقول: لا ترث المرأة من دية زوجها حتى قال له الضحاك بن سفيان: كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أورث زوج أشيم الضبابي من دية زوجها).
ووقع في (المهذب) هنا: أن القائل لعمر الضحاك بن قيس, وهو وهم, ثم ذكره في (الأقضية) على الصواب.
ويقابل الأصح وجهان: أحدهما: ستحقه العصبة الذكور خاصة؛ لأنه لدفع العار فاختص بهم كولاية النكاح, وبه قال مالك.

وَيُنتَظَرُ غَائِبُهُم وَكَمَالُ صَبِيِّهِم ومَجنُونِهِم,  والثاني: يستحقه من يرث بنسب دون سبب, فلا يثبت للزوج والمعتق؛ لأن النكاح والملك يزولان بالموت فيقدم المعنى الذي لأجله شرع القصاص.
هذا إذا كان له وارث خاص, فإن لم يكن .. فهل للسلطان أن يقتص من قاتله أو يتعين أخذ الدية؟ فيه قولان: أصحهما: أن له أن يقتص من القاتل وله أن يعفو عن الدية على ما يراه مصلحة؛ لما روى البيهقي [8/ 61]: (أن أبا لؤلؤة لما طعن عمر .. وثب عبيد الله بن عمر على الهرمزان فقتله, فقيل لعمر: إن عبيد الله ابنك قتل الهرمزان, قال: ولم قتله؟ قالوا: قال: إنه قتل أبي, قيل له: وكيف ذلك؟ قال: رأيته قبل ذلك مستخليًا بأبي لؤلؤة, وهو الذي أمره بقتله, قال عمر: ما لأدري ما هذا؟ انظروا إذا أنا مت؛ فاسألوا عبيد الله البينة على الهرمزان: أهو قتلني؟ فإن أقام البينة .. فدمه ب\مي, وإن لم يقم البينة .. فأقيدوا عبيد الله من الهرمزان.
فلما ولي عثمان .. قيل له: ألا تمضي وصية عمر رضي الله عنه في عبيد الله؟ قال: ومن ولي الهرمزان؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين, قال: قد عفوت عن عبيد الله بن عمر).
ولو كان الوارث لا يستوعب القصاص كبنت أو جدة أو أخ لأم, فإن قلنا: للسلطان الاستيفاء إذا لم يكن وارث .. استوفاه مع صاحب الفرض, وإلا .. فالرجوع إلى الدية.
قال: (وينتظر غائبهم وكمال صبيهم ومجنونهم)؛ لأن اقصاص للتشفي فحقه التفويض إلى خيرة المستحق, ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينتظر بلوغ الصبي ولا إفاقة المجنون؛ لأن الحسن بن علي قتل ابن ملجم بأبيه وكان لعلي أولاد صغار, وقيس عليه المجنون.
وأجاب أصحابنا بأنه قتله حدًا لكفره لا قصاصًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عنه: أنه أشقى الآخرين, ولهذا حكى في (المهذب) في (باب البغاة)

وَيُحبَسُ القَاتِل  وجهين في أن قال الإمام يقتل قصاصًا أو حدًا حتى يتحتم قتله كقاطع الطريق؛ لأن قتل الإمام من الإفساد في الأرض.
وعن أحمد في ذلك روايتان.
ولا فرق في ذلك بين قصاص النفس والطرف, وقد سبق من المصنف التنصيص على ذلك.
وعند أبي حنيفة: للولي استيفاء القصاص, وللوصي استيفاء قصاص الطرف, وسلم أن القيم لا يستوفي واحدًا منهما, وتقدم في تتمة الباب قبله: أن الصبي أو المجنون إذا قتل الجاني .. لم يصر مستوفيًا بذلك على المذهب.
فرعان: أحدهما: إذا كان الصبي أو المجنون فقيرين محتاجين إلى من ينفق عليهما .. كان لوليهما العفو على الدية للضرورة كبيع عقارهما, وكذا في (التنبيه) , وأقره عليه المصنف.
وقيل: لا يجوز؛ لأنهما يستحقان النفقة في بيت المال فلا احتياج.
وقيل: يجوز في المجنون دون الصبي؛ لأن الصبي غاية تنتظر, بخلاف المجنون, وهذا هو الأصح في (الروضة) في (كتاب اللقيط) , لكنه فرضها في قطع طرفه, فلو كان له قريب تلزمه نفقته .. لم يجز العفو جزمًا.
الثاني: لو حكم حاكم للكبير باستيفاء القصاص وهناك صغير .. هل ينقض حكمه؟ فيه وجهان: أصحهما: لا, حكاه والد الروياني عن جده.
قال: (ويحبس القاتل) إلى أن يزول المانع؛ حفظًا لحق المستحق, ففي (سنن أبي داوود) [3625]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس قومًا في تهمة دم) , فعند التحقق أولى.
وكلام المصنف وغيره يقتضي: أن هذا الحبس واجب, وبه صرح الماوردي والروياني, وكلام (البسيط) يفهم: أنه ليس بواجب.

وَلَا يُخلَّى بِكَفِيلٍ, وَليَتَّفِقُوا عَلَى مُستَوفٍ, وَإلَّا .. فَقُرعًةٌ يَدخُلُهَا العَاجِزُ وَيَستَنِيبُ, .....

 وعن الشيخ أبي علي: أن القاتل لا يحبس؛ لأنه عقوبة زائدة, وحمل الحبس في كلام الشافعي على التوقف للانتظار, والصحيح الذي عليه الجمهور: الأول؛ لأن حبسه أهون عليه من تعجيل القتل, ولا طريق إلى حفظ الحق سواه.
قال (ولا يخلى بكفيل)؛ لأنه قد يهرب فيفوت الحق, ولذلك يحبس إلى أن يقدم الغائب, كما لو وجد الحاكم مال ميت مغصوبًا والوارث غائب .. فإنه يأخذه؛ حفظًا لحق الميت.
وذكر ابن الصباغ: أنه لا يحبس في قصاص الطرف إلى قدوم الغائب؛ لأن الحاكم لا ولاية له على الغائب المكلف, كما لا يأخذ ماله المغصوب.
وفي كلام الإمام وغيره ما ينازع فيه, ويشعر بأنه يأخذ مال الغائب ويحفظه, وأنه يحبس في قصاص الطرف.
قال: (وليتفقوا على مستوف)؛ يعني: إذا كان القصاص لجماعة حضور كاملين .. لم يكن لهم أن يجمعوا على مباشرة قتله؛ لأن فيه تعذيبًا, ولكن يتفقون على واحد يستوفيه, أو يوكلون أجنبيًا.
قال: (وإلا .. فقرعة) إذا لم يحصل اتفاق, بل قال كل واحد: أنا أستوفيه, فيقطع تنازعهم بها, وهذا الإقراع واجب كما صرح به الروياني, فمن خرجت له القرعة تولاه, ولكن بإذن الباقين, فإن منعه غيره .. امتنع؛ لأن حقه ن الاستيفاء لا يسقط بخروجها لغيره, بدليل صحة إبرائه منه, والعفو على مال بخلاف تنازع الأولياء في الترويج إذا خرجت قرعة واحد؛ فإنه يزوج ولا يحتاج إلى إذن الباقين؛ لأن القصاص مبني على الإسقاط, والنكاح لا يجوز تأخيره.
وفي وجه: لا حاجة بعد خروج القرعة إلى إذن الباقين؛ لتظهر فائدة القرعة.
قال: (يدخلها العاجز) كالشيخ والمرأة (ويستنيب)؛ لأنه صاحب حق, وهذا صححه البغوي.

وَقِيلَ: لَا يَدخُلُ.
وَلَو بَدَرَ أَحَدُهُم فَقَتَلَهُ .. فَالأظهَرُ: لاَ قِصَاصَ, ......

 قال: (وقيل: لا يدخل)؛ لأنه ليس أهلًا للاستيفاء, والقرعة إنما تلأتي بين المستوين في الأهلية, وهذا هو الصحيح في (الشرح) و (الروضة) , وهو المعتمد المنصوص في (الأم) وعليه الأكثرون, بل قال الروياني في (التجربة): إن الأول غلط.
وفي (فتاوى القاضي حسين): أن المرأة إذا كانت قوية جلدة .. كان لها أن تستوفي القصاص.
قال: (ولو بدر أحدهم فقتله .. فلأظهر: لا قصاص) , قال الرافعي رحمه الله: هذه المسألة توصف بالإشكال والاعتياص, حتى حكي عن الماسرجسي أنه قال: سمعت أبا بكر الصبغي يقول: كررتها على نفسي ألف مرة حتى تحققتها, فأول ما يذكر أن من عليه القصاص إذا قتله أجنبي لزمه القصاص, ويكون ذلك لورثته لا لمن كان يستحق القصاص عليه.
قال البغوي: فلو عفا ورثته عن القصاص على الدية .. فالدية للورثة على الصحيح.
وقيل: لمن له القصاص, كما إذا قتل المرهون تكون قيمته مرهونة, وهو ضعيف.
وأما إذا بادر أحد ابني المقتول الحائزين فقتل الجاني بغير إذن الآخر .. فينظر؛ أوقع ذلك قبل عفو أخيه أم بعده؟ الحالة الأولى: إذا قتله قبل العفو .. ففي وجوب القصاص عليه قولان: أظهرهما: لا يجب؛ لأنه صاحب حق في المستوفى فيدفع استحقاقه العقوبة, كما إذا وطء أحد الشريكين الجارية .. لا يلزمه الحد, لأن من علماء المدينة من جوز لكل واحد من الورثة الانفراد باستيفاء القصاص, حتى لو عفا بعضهم .. كان لمن لم يعف أن يستوفي, وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأحمد, ويروى عن مالك, واختاره المزني, واختلاف العلماء شبهة تدرأ العقوبة.
والثاني: يجب القصاص؛ لأن حق القصاص لهما, فإذا قتله أحدهما .. فكأنه

وَلِلباقِينَ قِسطُ الِّديَة ِمِن تَركِهِ, وَفي قَولٍ: مِنَ المٌبَادِرِ, وَإِن بَادَرَ بَعدَ عَفوٍ غَيرِهِ .. لَزِمَمهُ القِصَاصُ, [وَقِيلَ: لاِ إِن لَم يَعلَم وَيحكُمُ قَاضٍ بِهِ]  استوفى نصف النفس متعديًا, وذلك يوجب القصاص, كما إذا قتل اثنان واحدًا.
والقولان فيما إذا قتله عالمًا بالتحريم, فإن جهل .. فلا قصاص بلا خلاف.
و [الحالة الثانية]: إن قتله بعد العفو’ فإن علمه وحكم الحاكم بسقوط القصاص عن الجاني .. لزمه القصاص قطعًا, وإن لم يحكم به .. لزمه أيضًا على المذهب, وقبل: لا؛ لشبهة اختلاف العلماء.
وإن جهله, فإن قلنا: لا قصاص إذا علمه .. فههنا أولى, وإلا .. فوجهان.
ولو قتله العافي, أو عفوا ثم قتله أحدهما .. لزمه القصاص قطعًا.
قال: (وللباقين قسط الدية)؛ لفوات القصاص لغير اختيارهم.
قال: (من تركته) أي: من تركة الجاني؛ لأن المبادر فيما وراء حقه كالأجنبي, ولو قتله أجنبي .. أخذ الورثة الدية من تركة الجاني, ولوارث الجاني على المبادر قسط ما زاد على قدر حقه من الدية.
قال: (وفي قول: من المبادر)؛ لأنه صاحب حق في القصاص, فإذا بادر إلى القتل .. فكأنه استوفى حق الآخر مع حق نفسه, فأشبه ما إذا مات المودع عن ابنين فأخذ أحدهما الوديعة وأتلفها .. فإن الآخر يرجع عليه بضمان نصيبه لا على المودع.
وفي قول مخرج: لهم الخيار بين الأخذ من المبادر أو من تركة الجاني ويبرأ؛ لأنه بمنزلة الغاصب والمتلف في يد الغاصب.
قال: (وإن بادر بعد عفو غيره .. لزمه القصاص)؛ لارتفاع الشبهة.
[قال: (وقيل: لا إن لم يعلم ويحكم قاض به)].

وَلَا يُستَوفَى قِصَاصٌ إلاَّ بِإذنِ الِإمَامِ,  قال: (ولا يستوفى قصاص إلا بإذن الإمام)؛ لاحتياجه إلى نظر واجتهاد, ولأن أمر الدم عظيم سواء حكم للمستحق بالقصاص أم لا.
وقال أبو إسحق المروزس ومنصور التميمي: إن المستحق يستقل بالاستيفاء كالأخذ بالشفعة وسائر الحقوق.
والصحيح المنصوص: الأول, وسواء فيه قصاص النفس والطرف, وتستثنى من ذلك صور: أحدهما: السيد يستوفي من عبده على الأصح.
الثانية: إذا كان المستحق مضطرًا .. قتله قصاصًا وأكله, كما قاله الرافعي في بابه.
الثالثة: إذا انفرد بحيث لا يرى .. قال الشيخ عز الدين: ينبغي أن لا يمنع منه, لا سيما إذا عجز عن الإثبات, أو كان في موضع لا إمام فيه.
وقد جزم الماوردي بأن من وجب له على شخص تعزير أو حد قذف وكان في بادية بعيدًا عن السلطان .. له اسيفاؤه إذا قدر عليه بنفسه.
الرابعة: القاتل في المحاربة لكل من الإمام والولي الانفراد بقتله.
والمراد ب (الإمام): السلطان أو نائبه, وكذلك القاضي كما صرح به الماوردي,

فَإِنَ استَقَلَّ .. عُزِّرَ, وَيَأذَنُ لِأهلٍ  وهو مقتضى كلام الرافعي في (باب أدب القضاء)؛ فإنه ذكر أن القاضي يستفيد بولايته إقامة الحدود.
فروع: يستحب للإمام أن يحضر الاقتصاص عدلين متيقظين؛ ليشهدا إن أنكر المقتص, ولا يحتاج إلى القضاء بعلمه إن كان الترافع إليه.
ويستحب أن يستوفي بحضرة الناس؛ لينتشر الخبر فيحصل به الزجر, وأن يأمر المقتص منه بما تعين عليه من صلاة يومه, وأن يأمره بالوصية فيما له وعليه من حق, وأن يأمره بالتوبة من ذنوبه, وأن يساق إلى موضع القصاص برفق, وأن يستر عورته.
ولا يجوز أن يذبح كما تذبح البهيمة إلا إذا فعل بقتيله كذلك, وعلى الإمام أن يتفقد الآلة ويقتص بصارم لا كال, فإن كان الجاني قتل بكال .. اقتص منه بمثله على الأصح.
ويضبط الجاني في قصاص الطرف؛ لئلا يضطرب فيؤدي إلى اسيفاء زيادة, وينبغي أن يسرع الضارب بالضرب بقوة؛ ليحصل المقصود بضربة واحدة؛ لما روى مسلم [1955] عن شداد بن أوي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قتلتم .. فأحسنوا القتلة).
قال: (فإن استقل) أي: باستيفائه) .. عزر)؛ لافتئاته على الإمام, ومع ذلك لا غرم عليه ويقع عن القصاص.
ولو استقل المقذوف باستيفاء حد القذف بإذن القاذف أو بغير إذنه .. ففي الاعتداد به وجهان: أصحهما: أنه لا يعتد به؛ لأنه لا يتعلق بموضع معين ولا يهتدي إليه كل أحد.
وعلى هذا يرك حتى يبرأ ثم يحد, فإن مات .. وجب القصاص إن كان جلده بغير إذنه, وإن كان بإذنه .. فلا قصاص, والتعزير كحد القذف.
قال: (وبإذن لأهل) وهو: الرجل القوي النفس واليد العارف بالمفصل.

فِي نَفسٍ, لاَ طَرَفٍ فِي الأَصَحِّ,  قال: (في نفس)؛ يعني: إذا طلب ذلك من الإمام ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ , ولأن التشفي يكمل بذلك.
فإن لم يكن أهلًا كالشيخ والزمن .. لم يجبه؛ لما فيه من التعذيب ويأمره بالاستنابة.
وخرج بقوله: (نفس) حد القذف؛ فلا يجوز للإمام أن يأذن فيه؛ لأن نفاوت الضربات عظيم وهو حريص على المبالغة فيه.
قال: (لا طرف في الأصح)؛ لأنه لا يؤمن منه الحيف, وهذا هو المنصوص في (الأم).
والثاني: يفوضه إليه؛ لعموم الآية.
وادعى القاضي حسين: أنه المنصوص, فإن صح .. كانت المسألة على قةلين.
وظاهر إطلاق المصنف: أنه لا فرق في ذلك بين المجني عليه وبين وارثه إذا مات قبل الاستيفاء, وهو كذلك؛ لأن الحيف متوقع من الوارث أيضًا, وكلام (الشرح) و (الروضة) مقيد بالصورة الأولى.
ويستثنى من الاسيفاء بنفسه صورة أخرى, وهي: ما إذا قتل ذميًا ثم أسلم القاتل .. فالقصاص باق, وإنما يستوفيه الإمام بطلب الوارث ولا يفوضه إليه وإن كان أهلًا؛ لما فيه من تسليط الكافر على المسلم, وقد تقدم من المصنف التبيه عليه في (فصل تخلل المهدر).
تنبيه: سكت المصنف عن المنافع, وحكمها حكم الطرف, فإذا قلع عينه .. لم يمكن من الاستيفاء بالقلع, بل يؤمر بالتوكيل فيه كما ذكره في (التنبيه) , وأقره عليه المصنف, لكن محله إذا قلعت عيناه, فإن وجب القصاص في واحدة وكان يبصر بالأخرى بحث لا يحصل منه حيف إذا قلع .. فإنه يمكن من الاستيفاء, كذا نقله ابن الرفعة عن تصريح الماوردي والقاضي أبي الطيب وابن الصباغ.

فَإِن أَذِنَ فِي ضَربِ رَقَبةٍ فَأَصَابَ غَيرَهَا عَمدًا .. عُزِّرَ وَلَم يَعزِلهُ, وَإن قَالَ: أخطَأتُ وَأمكَنَ .. عَزلُهُ ولَم يُعَزَّر.
وَأُجرَةُ الجَلاَّدِ عَلَى الجَانِي عَلَى الصَّحِيحِ,

 قال: (فإن أذن في ضرب رقبة فأصاب غيرها عمدًا .. عزر)؛ لتعديه ومخالفته.
قال: (ولم يعزله)؛ لأنه أهل له وإن تعدى بما فعل.
وفي وجه أو قول ضعيف: يعزله.
قال: (وإن قال: أخطأت وامكن .. عزله ولم يعزر) إذا ادعى الخطأ فيما يمكن أن يقع في مثله الخطأ, كما إن ضربه على الكتف أو الرأس مما يلي الرقبة فيحلف, ولا يعزر إذا حلف, لكن يعزل؛ لأن الحال يشعر بعجزه وخرقه.
وفي وجه أو قول: أنه يعزر بالخطأ ولا يعزل.
قال الإمام: وهذا الوجه ينبغي أن يكون مخصوصًا بما إذا لم يتكرر الخطأ ولم يظهر خرقه, فإن ظهر .. فليمنع بلا خلاف.
قال: وعزله على الصحيح ينبغي أن يكون مخصوصًا بما إذا لم تعرف مهارته في ضرب الرقاب, فأما الماهر .. فينبغي أن لا يعزل بخطأ اتفق بلا خلاف.
واحترز بقوله: (وأمكن) عما إذا ادعى الخطأ فيما لا يقع الخطأ بمثله, كما إذا ضربه على رجليه أو وسطه؛ فإنه يعزر.
فرع: يمنع من استيفاء القصاص بالسيف المسموم على الأصح, وأما قصاص الطرف .. فيمتنع بالمسموم بلا خلاف, فلو اقتص به فمات .. فلا قصاص على الأصح؛ لأنه قتل بمستحق وغيره, ويجب نصف الدية, ولأشبه: أنها عليه, وقيل: على عاقلته.
فلو كان السم موحيًا .. وجب عليه القصاص قطعًا؛ لأنه مات به دون الجراحة.
قال: (وأجرة الجلاد على الجاني على الصحيح)؛ لأنها مؤنة حق لزمه أداؤه, فكان كأجرة الكيال على البائع وأجرة وزان الثمن على المشتري.

وَيَقتَصُّ عَلَى الفَورِ, وَفِي الحَرَمِ وَالحَرِّ وَالبَردِ وَالمَرَضِ,  والثاني – وبه قال أبو حنيفة, ويروى عن مالك-: أنها على المستوفي, كما أن أجرة نقل الطعام المشترى على المشتري, والصحيح المنصوص: الأول.
وفي أجرة الجلاد في الحدود والقاطع في السرقة وجهان: أصحهما: على المجلود والسارق؛ لأنها تتمة الحد الواجب عليه.
والثاني: في بيت المال.
وأجرة الجلاد في القذف كأجرة الاقتصاص.
كل هذا إذا لم يكن منصوب مرزق من بيت المال يعطى رزقه, فإن كان .. فلا أجرة له؛ لأنه عمل واجب عليه, إذ الإمام مأمور أن ينصب من يقيم الحدود, ويستوفي القصاص بإذن المستحقين له, ويرزقه من خمس خمس الفئ والغنيمة المرصد للمصالح, فإن لك يكن عنده شيء أو كان واحتاج إليه لأهم منه .. فأجرة الاقتصاص على المقتص منه.
ولو الجاني قال: أنا أقتص من نفسي ولا أؤدي الأجرة .. فوجهان: أصحهما: لا يقبل منه؛ لفقد التشفي.
والثاني: يقبل؛ كما لو قطع السارق يد نفسه.
والفرق: أن الغرض التنكيل وقد حصل؛ بخلاف القصاص, كذا قاله الرافعي.
والصحيح أن السارق لا يمكن من قطع يد نفسه.
قال: (ويقتص على الفور)؛ لأن القصاص موجب الإتلاف فيتعجل كقيم المتلفات.
والمراد: أن له ذلك إن شاء وله التأخير, وشمل كلامه النفس والطرف, وهو في النفس بلا خلاف, وفي الطرف على المذهب المنصوص كما قاله في (الروضة) قبل (باب اختلاف الجاني ومستحق الدم) , لكن يستثنى من إطلاقه الحامل كما سيأتي.
قال: (وفي الحرم والحر والبرد والمرض) , سواء كان الواجب قصاص النفس أو الطرف؛ لأنه قتل لو وقع في الحرم .. لم يوجب ضمانًا فلا يمنع منه, كقتل الحية

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والعقرب, وسواء الملتجئ إلى الحرم فرًارا من القتل وغيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح .. قيل له: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة؟ قال: (اقتلوه).
ولأن القصاص على الفور فلا يؤخر, وبهذا قال مالك.
وعن أبي حنيفة: لا يستوفى قصاص النفي في الحرم إلا أن ينشأ القتل فيه, ولكن يضيق عليه, فلا يكلم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل, وسلم أنه يستوفى قصاص الطرف مطلقًا في الحرم.
وعن أحمد: لا يستوفى من الملتجئ واحد من القصاصين.
واحتج الأصحاب على أبي حنيفة بما سلمه في الطرف, وبقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الحرم لا يعيذ فارًا بدم) وهو حديث متفق عليه.
ولو لاذ بالمسجد الحرام أو غيره من المساجد .. لم يقتل فيه على الأصح, بل يخرج ويقتل؛ لأنه تأخير يسير.
والثاني: تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد؛ تعجيلًا لتوفية الحق.
ولو التجأ إلى الكعبة أو بيت إنسان .. أخرج قطعًا, كذا في (الروضة) , واعترضته في (المهمات) بحكاية المتولي فيه الخلاف.
قال: والتأخير بالمرض في حدود الله تعالى محله إذا كان المرض غير مخوف, فإن لم يرج زواله .. لم يؤخر كما صرح به الرافعيفي (باب حد الزنا) , وكلامه هنا لا يأباه.

وَتُحبَسُ الحَامِلُ فِي قِصَاصِ النَّفسِ أَوِ الطَّرفِ حَتَّى تُرضِعَهُ اللِّبَأَ وَيَستَغنِيَ بِغَيرِهَا, أَو فِطَامٍ لِحَولَينِ, ....

 قال: (وتحبس الحامل في قصاص أو الطرف حتى ترضعه اللبأ ويستغني بغيرها, أو فطام لحولين).
قال القاضي أبو الطيب: أجمعوا على أن الحامل لا يقام عليها قصاص النفس ولا قصاص الطرف ولا حد القذف ولا حدود الله تعالى قبل الوضع؛ لما في إقامها من هلاك الجنين أو الخوف عليه, وهو بريء لا يهلك بجريمة غيره.
ولا فرق بين أن يكون الولد من حلال أو حرام, ولا بين أن يحدث لعد وجوب العقوبة أو قبله, حتى إن المرتدة إذا حبلت من الزنا لعد الردة .. لا تقتل حتى تضع, وإذا وضعت .. لا تستوفي العقوبة أيضًا حتى ترضع الولد اللبأ.
واسدل لعدم قتل الحامل بقوله تعالى: ﴿فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ﴾ , وفي قتل الحامل إسراف؛ لأنه قتل نفسين بنفس.
وفي (صحيح مسلم) [1695]: (تأخير الغامدية الحامل من الزنا).
وأما في الطرف .. فلأن فيه إجهاض الجنين وهو متلف له.
وروى البيهقي: (أن عمر أمر برجم حامل من الزنا, فقال له علي: لا سبيل لك على ما في بطنها, فقال عمر: لولا علي لهلك عمر).
وقيل: القائل ذلك لعمر معاذ بن جبل.
فتحبس الحامل في القصاص إلى أن يمكن الاستيفاء كما قدم فيما إذا كان في المستحقين صبي.
ولو كان عليها رجم أو غيره من حدود الله تعالى .. لم تحبس على الصحيح؛ لأنه مبني على التخفيف.
وقيل: تحبس كالقصاص.

وَالصَّحِيحُ: تَصدِيقُهَا فِي حَملِهَا بِغَيرِ مَخِيلَةٍ  قال الإمام: وإطلاق هذا الوجه بعيد, والأقرب: أنه مخصوص بما إذا ثبت بالبينة, فإن ثبت بالإقرار .. فلا معنى للحبس مع أنه يعرض السقوط بالرجوع عن الإقرار.
وأما التأخير لإرضاع الولد اللبأ .. فإن الولد لا يعيش إلا به غالبًا, وقد تقدم ما فيه.
قال ابن الرفعة: ولا بد بعد الولادة من انقضاء النفاس أيضًا.
ثم إن كان هناك غيرها يرضع .. فلا كلام, وإن لم يكن إلا هي .. فعن ابن خيران: أنها تقتل ولا يبالى بالطفل, كما لو كان للقاتل عيال يضيعون ظاهرًا بموته.
والصحيح: أنها تؤخر إلى أن يوجد من يرضعه أو ما يعيش به ولو بهيمة, لكن الأولى للولي أن يؤخر الاستيفاء؛ لأن الولد يتضرر باختلاف اللبن عليه وبسرب لبن البهائم, ويخالف الرجم؛ فإنه يؤخر إلى أن يوجد من يكفل ولدها؛ لأن الرجم محض حق الله تعالى وليس في تأخيره ضرر, وهنا بخلاف ذلك.
فإن بادر المستحق في هذه الحالة وقتلها فما الطفل .. فالصحيح المنصوص: أنه قاتل له عمدًا يلزمه القود, كما إذا حبس رجلًا ومنعه الطعام والشراب والطلب حتى مات.
وقيل: لا يضمنه, كما لو غصب طعامه في البادية حتى مات.
وإذا قتل المستحق الحامل .. فغرة الجنين على عاقلته؛ إذ لا نتيقن حياته, فهو شبه عمد, ولا عهدة على الجلاد عند جهله بكل اعتبار.
قال: (والصحيح تصديقها في حملها بغير مخيلة)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ أي: من حمل أو حيض, ومن حرم عليه كتمان شيء .. وجب قبول قوله إذا أظهره كالشهادة.
والثاني: لا تصدق؛ لأن الأصل عدم الحمل, إلا أن تقيم بينة, وللولي قتلها قبل إقامتها, وبهذا قال الإصطخري.

وَمَن قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ أَو خَنِقٍ أَو تَجوِيعٍ وَنَحوِهِ .. اقتُصَّ بِهِ,  قال الإمام: ولا أدري أيقول هؤلاء بالصبر إلى انقضاء مدة الحمل أم إلى ظهور المخايل؟ والأظهر: الثاني, فإن التأخير إلى أربع سنين من غير دليل بعيد.
وأراد المصنف ب (المخيلة): شهادة النسوة أو إقرقر المستحق كما صرح به الرافعي, والمراد: تصديقها في الحمل مع اليمين كما صرح به الماوردي وغيره.
فائدة: على المرأة الإخبار بالحمل, فإن سكتت عنه فمات .. وجب الضمان على عاقلتها, وينبغي أن يمنع وزجها من الوطء؛ لئلا يقع حمل يمنع استيفاء ولي الدم, ولم أره منقولًا.
قال الرافعي: وليس المراد مما أطلقه الأصحاب من العلم بالحمل وعدم الحمل: حقيقة العلم, وإنما المراد: الظن المؤكد بظهور مخايله.
وأحسن من هذه العبارة عبارة الشيخ أبي حامد؛ فإنه عبر بالحكم فقال: هذا إذا حكم بأنها حامل.
قال: (ومن قتل بمحدد أو خنق) وحرق وتغريق (أو تجويع ونحوه .. اقتص به) أي: بمثله؛ فإن المماثلة معتبرة في الاستيفاء, قال تعالى: ﴿وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ , ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾.
وفي (الصحيحين): (أن النبي صلى الله عليه وسلم رض رأس اليهودي بحجرين, كما فعل بالجارية).
رورى البيهقي [8/ 43]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حرق .. حرقناه, ومن غرق .. غرقناه).
ولأن المقصود من القصاص التشفي, وإنما يحصل إذا قتل القاتل بمثل ما قل, وبمثل قولنا قال مالك.
وخالف أبو حنيفة فيه وقال: يتعين القتل بالسيف.

أَو بِسِحرٍ .. فَبِسَيفٍ,  ثم كما ترعى المماثلة في طريق القتل ترعى في الكيفية والمقدار؛ ففي التجويع: يحبس مثل تلك المدة ويمنع الطعام.
وفي الإلقاء في الماء والنار: يلقى في ماء ونار مثلهما ويترك تلك المدة.
وفي الإلقاء من شاهق: يلقى من مثله مع مراعاة صلابة الموضع.
وفي الضرب بالمثقل: يراعى الحجم وعدد الضربات.
وإذا تعذر الوقوف على قدر الحجم أو قدر النار أو عدد الضربات .. فالأصح عند المصنف: أنه يؤخ1 باليقين, وعن القفال: يقتل بالسيف, واعترضه في (المهمات).
وقوله: (اقتص به) لا يقتضى تعيينه, بل المراد: أن له ذلك؛ لأنه لو أراد العدول إلى السيف .. جاز جزمًا؛ فإنه أسهل, وقد صرح به المصنف بعد هذا.
وقوله: (خنق) الأفصح فيه فتح الخاء وكسر النون ككذب مصدر خنقه يخنقه يضم النون خنقًا, كذا قيده الجوهري, وجوز خاله الفارابي إسكان النون, وتبعه المصنف في (تحريره).
قال: (أو بسحر .. فسيف) , هذه الصورة والصورتان بعدها مستثنيات من القاعدة المتقدمة, فهذه لا خلاف فيها, لأن عمل السحر حرام ولا ينضبط وتختلف تأثيراته.
وقد روى الترمذي [1460] وصحح الحاكم [4/ 360] عن جندب بن كعب العبدي – ويقال: الأزدي, وقيل: جندب بن زهير -: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسير إذ هوَّم فجعل يقول: (زيد ما زيد؟ جندب ما جندب؟) يكرر ذلك, فسئل عنه, فقال: (رجلان من أمتي؛ أما أحدهما .. فتسبقه يده إلى الجنة ثم يتبعها سائر جسده, وأما الآخر .. فيضرب ضربة يفرق بها بين الحق والباطل).

وكذا خَمرٌ وَلِوَاطٌ فِي الأَصَحِّ,  فأصيبت يد زيد بن صوحان يوم جلولاء, ثم قتل يوم الجمل مع علي رضي الله عنهما.
وأما جندب بن كعب .. فإنه رأى ساحرًا يقال له: أبو بستان بالكوفة كان يلعب بين يدي الوليد بن عقبة, ويريهم: أنه يدخل من دير الحمار ويخرج من فيه, ويدخل من فيه ويخرج من دبره, وأنه يقطع رأس نفسه ثم يعيدها, فلما رآه جندب على تلك الحالة .. ضربه بسيفه فقتله, فحبس الوليد جندبًا, فبلغ عثمان, فكتب إليه: أن خل سبيله وسبيل أصحلبه.
و (السحر) في اللغة: صرف الشيء عن وجهه, يقال: ما سحرك عن كذا, أي: ما صرفك عنه.
قال: (وكذا خمر ولواط في الأصح)؛ لأن المماثلة ممتنعة للفاحشة, وأمر بإحسان القتلة.
والثاني: لأنه في الأولى: يوجر مائعًا كخل أو ماء أو شيء مر, وقيل: يسقى البوب, وفي الثانية: يعمل له مثل الذكر من الخشب, فيقتل به؛ لقرله من فعله, وتكون الخشبة قريبة من آلته كما صرح به الرافعي.
وظاهر كلام الجمهور: أنه لا يتقدر بذلك, بل تعمل خشبة يقتل مثلها القاتل.
قال الإمام: هذا إذا توقع موته بالخشبة, وإلا .. فالسيف.
واقتصاره على استثناء هذه الصورة أورد عليه: ما لو سقاه بولًا؛ فإنه كالخمر على الأصح, وما لو أوجره ماءً نجسًا؛ فإنه يوجر الماء الطاهر.
وبقيت صور مفزعة على الأصل: منها: إذا شهدوا بالزنا فرجم ثم رجعوا .. فعليهم القصاص, والأصح: بالسيف, وقيل: بالرجم.

وَلَو جُوِّعَ كَتَجوِيعِهِ فَلَم يَمُت زِيدَ, وَفِي قَولٍ: السَّيفُ, وَمَن عَدَلَ إلَى سَيفٍ .. فَلَهُ  ومنها: لو قتله بسيف مسموم .. ففي قتله بمثله وجهان: الأصح: نعم كما تقدم.
ومنها: الذبح كالبهائم إذا كان الجاني قد فعل ذلك, وفيه وجهان كما تقدم, وقال في (المطلب): يتعين السيف, وهو كذلك في (الحاوي).
ومنها: لو أنهشه حية .. هل يقتاد بمثلها؟ وجهان.
وإن قتله بالغرق في ماء مالح .. جاز تغريقه في وفي العذب؛ لأنه أسهل, ولو غرقه في العذب .. لم يجز في الملح؛ لأنه أشق.
قال: (ولو جوع كتجويعه فلم يمت .. زيد)؛ ليكون الجزاء من جنس العمل, ولا بالى بزيادة الإيلام, كما لو ضرب رقبة إنسان ضربة واحدة ولم تزل رقبته إلا بضربتين .. فإنه يضرب ضربتين.
قال: (وفي قول: السيف)؛ لأن المماثلة قد حصلت, ولم يبق إلا تفويت الروح فيجب تفويتها بالأسهل, ولم يرجح الرافعي شيئًا من القولين في (شرحيه) , إنما مسب ترجيح الأول للبغوي, والبغوي أرسل الخلاف, وصحح المصنف في (تصحيحه) ما صححه هنا, وعبارة (المحرر) رجح الأول بصيغة البناء للمفعول, والصواب: العدول إلى السيف؛ فإنه منصوص (الأم) و (البويطي).
وقال القاضي حسين: لم يختلف مذهب الشافعي فيه, وجرى عليه الجمهور؛ لظاهر قوله: (فأحسنوا القتلة).
قال: (ومن عدل إلى السيف .. فله) , وسواء رضي الجاني أم لا؛ لأنه أسهل, قال البغوي: وهو أولى, وأشار لإمام إلى وجه: أنه لا يعدل إلى السيف عن الخنق, ثم إن المماثلة مرعية في قصاص الطرف كما هي مرعية في قصاص النفس إذا أمكن رعايتها.
فلو أبان طرفًا من أطرافه بمثقل أو رضخ رأسه بحجر .. لم يستوف القصاص إلا بالسيف, ولو أوضح رأسه بالسيف .. لم يوضح إلا بحديدة خفيفة.

وَلَو قَطَعَ فَسَرَى .. فَلِلوَلِيِّ حَزُّ رَقَبَتِهِ, وَلَهُ القَطعُ ثُمَّ الحَزُّ, وَإن شَاءَ .. انتُظِرَ السِّرَايَةَ.
وَلَو مَاتَ بِجَائِفَةٍ أَو كَسرِ عَضُدٍ .. فَالحَزُّ.
وَفِي قَولٍ: كَفِعلِهِ, فَإن لَم يَمُت .. لَم تُزَدِ الجَوَائِفُ فِي الأَظهَرِ  قال: (ولو قطع فسرى .. فللولي حز رقبته)؛ لأنه أسهل على الجاني من القطع ثم الحز, وأشار المصنف إلى أن هذا الحكم محله فيما إذا كانت الجراحة السراية مما يشرع فيه القصاص كقطع الكف والموضحة.
قال: (وله القطع ثم الحز)؛ طلبًا للمماثلة.
وعند أبي حنيفة: يقتصر على الحز الرقبة.
قال: (وإن شاء .. انتظر السراية) أي: بعد القطع, وليس للجاني أن يقول: أمهلوني مدة بقاء المجني عليه بعد جنايتي؛ لثبوت حق القصاص ناجزًا, ولا أن يقول: أريحوني بالقتل أو العفو, بل الخيرة للمستحق.
قال: (ولو مات بجائفة أو كسر عضد .. فالحز)؛ لأن المماثلة لا تتحقق في هذه الحالة؛ بدلسل عدم إيجاب القصاص في ذلك عند الاندمال, فيتعين للمماثلة في فعله.
قال الرافعي: وهذا عليه الأكثرون, ولم ينقل تصحيح الأول إلا البغوي, ووقع في (المحرر) نسبة الأول إلى الأكثرين, فتبعه المصنف, وكأنه سبق فلم, وصحح في (تصحيح البيه) الثاني.
وقال في (أصل الروضة): إنه الأظهر عند الأكثرين.
قال: (فإن لم يمت .. لم تزد الجوائف في الأظهر)؛ لاختلاف تأثيرها باختلاف محالها, فهي كقطع الأطراف المختلفة.
والثاني: نعم؛ ليكون إزهاق الروح قصاصًا بطريق إزهاقه عدوانًا, وهو مخرج من التجويع والإلقاء في النار ونحوهما, والمصنف تبع (المحرر) في كونهما قولين, وهما في (الشرح) و (الروضة) وجهان.

وَلَوِ اقتَصَّ مَقطُوعٌ ثُمَّ مَاتَ سِرَايَةً .. فَلِوَليِّهِ حَزٌ وَلَهُ عَفوٌ بِنِصفِ دِيَةٍ, وَلَو قُطِعَت يَدَاهُ فَاقتَصَّ ثٌمَّ مَاتَ .. فَلِوَلِيِّهِ الحَزُّ, فَإِن عَفَا .. فَلا شَيءَ.
وَلَو مَاتَ جَانٍ مِن قَطعِ قِصَاصٍ .. فَهَدَرٌ, ......

 قال: (ولو اقتص مقطوع) أي: من قاطعه (ثم مات سراية .. فلوليه حز, وله عفو بنصف دية) , فالحز في مقابلة نفس موروثه, والعفو بنصف الدية واليد المستوفاة مقابلة بالنصف, وهذا عند استواء الديتين.
فإن قطعت امرأة يد رجل فاقتص منها الرجل فعفا وليه على مال .. فوجهان: أحدهما: له نصف الدية, وهو ظاهر إطلاق الكتاب و (الروضة) هنا.
وأصحهما: ثلاثة أرباعها؛ لأنه استحق دية رجل سقط منها ما استوفاه, وهو يد امرأة بربع دية رجل, كذا صححه في (الروضة) و (الشرح) في آخر (باب العفو عن القصاص) , وهو تقييد لما أطلقاه هنا.
ومثله لو قطع ذمي يد مسلم فاقتص منه ثم مات المسلم .. فعلى الأصح: يستحق خمسة أسداس دية مسلم, وعلى الثاني: نصفها.
فإن مات الجاني حتف أنفه أو قتل ظلمًا أو في قصاص .. وجب أخذ نصف الدية من تركته.
قال: (ولو قطعت يداه فاقتص ثم مات) أي: المجني عليه بالسراية) .. فلوليه الحز, فإن عفا .. فلا شيء)؛ لأنه استوفى ما يقابل الدية وهو الدان.
قال الرافعي: وهذه صورة يجب فيها القصاص ولا تستحق الدية بالعفو عليها, ومثلها: إذا عفا عن الدية وفرعنا على أن موجب العمد أحد الأمرين فإنه يجوز أن يقتص, وإذا أراد أن يعفو عنه إلى الدية .. لم يكن له ذلك على الأصح.
قال: (ولو مات حان من قطع قصاص .. فهدر)؛ لقوله تعاالى: ﴿ولَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾.
وبهذا قال مالك وأحمد؛ لأن القطع قصاصًا قطع بحق فلا تكون سرايته مضمونة كقطع السرقة.

وَإِن مَاتَا ِسِرَايَةً مَعًا أو سَبَقَ المَجنِيُّ عَلَيهِ .. فَقَدِ اقتَصَّ, وَإِن تَأخَرَ .. فَلَهُ نِصفُ الدِّيَةِ فِي الأَصَحِّ  وروى البيهقي [8/ 68] عن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: (من مات من حد أو قصاص .. فلا دية له والحق قتله).
وقال أبو حنيفة: يلزمه كمال الدية.
وعن ابن سيرين: نصفها, قال في (البحر): وهو أقيس من قول أبي حنيفة.
قال: (وإن ماتا سراية معًا أو سبق المجني عليه .. فقد اقتص) أي: حصل قصاص اليد باليد والسراية بالسراية, ولا شيء على الجاني.
وقيل في الثانية: لولي المجني عليه مضمونة, قال الرافعي: هذا هو المشهور, وحكاه ابن كج عن عامة الأصحاب, وحكي الأول عن أبي علي الطبري.
ومثل هذه الصورة: ما إذا اقتص في الطرف فعاد الجاني فقتل المجني عليه, ثم سرى قطع القصاص إلى نفس الجاني.
قال: (وإن تأخر) أي: موت لمجني عليه عن موت الجاني بالسراية) .. فله) أي: فلولي المجني عليه (نصف الدية في الأصح) , وتكون في تركة الجاني, لأن القصاص لا يسبق الجناية, فإن ذلك يكون في معنى السلم في القصاص, وهو لا يتصور.
والثاني: لا شيء له ويحصل القصاص بما جرى؛ لأن الجاني مات بسراية فعل المجني عليه فحصلت المقابلة, وادعى الروياني: أن هذا هو الصحيح.
وهذا الخلاف محله في قطع يد مثلًا, فإن كانت الصورة في قطع يدين .. فلا شيء جزمًا, وإن كانت في موضحة .. فتسعة أعشار دية ونصف عشرها؛ فإنه أخذ بقصاص الكوضحة نصف العشر.

وَلَو قَالَ مُستَحِقُّ يَميِنٍ: أَخرِجهَا, فَأخرَجَ يَسَارًا وَقَصَدَ إِبَاحَتِهَا .. فَمُهدَرَةٌ, ....

 قال: (ولو قال مستحق يمين: أخرجها, فأخرج يسارًا وقصد إباحتها .. فمهدرة) لا قصاص فيها ولا دية.
قال الرافعي: هذه مسألة كثيرة الشعب وحق مثلها التثبت وإحضار الذهن, ويقدم عليها: أن اليمين لا تقطع باليسار ولا بالعكس كما تقدم, فإذا وجب القصاص في اليمين واتفقا على قطع اليسار بدلًا عن اليمين .. لم يكن بدلًا, كما لو قتل غير القاتل برضاه بدلًا لا يقع بدلًا, ولكن لا قصاص في اليسار؛ لشبهة البدل, وتجب ديتها, ومن علم منهما فساد هذه المصالحة .. أتم بقطع اليسار, وهل يسقط قصاص اليمين بما جرى؟ وجهان: أصحهما نعم.
ولو قال مستحق قصاص اليمين للجاني: أخرج يمينك, فأخرج يساره فقطعها المستحق .. فللمخرج أحوال: أحدها: أن يعلم أن اليسار لا تجزئ عن اليمين, وأنه يقصد بإخراجها الإباحة للمقتص, فلا قصاص في اليسار ولا دية, نص عليه الشافعي رضي الله عنه, واتفق عليه الأصحاب؛ لأن صاحبها بذلها مجانًا وإن لم يتلفظ بإباحة, كما لو قال: ناولني متاعك لألقيه في البحر, فناوله .. كان كما لو نطق بالإذن, فلا يجب ضمانه إذا ألقاه في البحر.
وحكى ابن القطان وجهًا: أنه يجب ضمان اليسار إذا لم يتلفظ المخرج بالإذن في القطع, وحمل نص الشافعي على ما إذا أذن لفظًا.
والصحيح: الأول, وبه قطع الأصحاب , وسواء علم القاطع أنها اليسار وأنها لا تجزئ أم لا, لكن على الأصح: يعزر العالم.
وأما قصاص اليمين .. فيبقى كما كان, لكن إذا سرى قطع اليسار إلى النفس .. فات القصاص, فيعدل إلى دية اليد.
فلو قال القاطع: قطعت اليسار على ظن أنها تجزئ عن اليمين .. فوجهان: أصحهما: يسقط؛ لأنه رضي بسقوطه اكتفاء باليسار.
فعلى هذا: يعدل إلى دية اليمين؛ لأن اليسار وقعت هدرًا.

وَلَو قَالَ: جَعَلتُهَا عَنِ اليَمِينِ وَظَنَنتُ إِجزَاءَهَا فَكَذَّبَهُ: فَالأَصَحُّ: لاَ قِصَاصَ فِي اليَسَارِ, وَتَجِبُ دِيَّةٌ, وَيَبقَى قِصَاصُ اليَمِينِ,  فإن قيل: يرد على قوله: (فمهدرة) ما إذا كان المقطوع عبدًا فلا إهدار .. فالجواب: أن كلامه في الحر؛ بدليل قوله بعد: (وتجب الدية).
قال: (ولو قال: جعلتها عن اليمين وظننت إجزاءها فكذبه .. فالأصح: لا قصاص في اليسار) , هذه الحالة الثانية, والأصح فيها: لا قصاص؛ لأنا أقمنا ذلك مقام إذنه في القطع, وهو كما لو قال لغيره: اقطع يدي فقطعها .. لا قصاص عليه.
والثاني: يجب؛ لعلمه بأنه قطع ما لا يستحقه.
وقد وهم المصنف في قوله: (فكذبه)؛ فإن هذا ليس في (المحرر) ولا في (الروضة) , وليس هذا موضع تنازعهما, والذي في (المحرر): ولو قال: قصدت إيقاعها عن اليمين وظننتها تجزئ عنها, وقال القاطع: عرفت أن المخرج اليسار وأنها لا تجزئ .. فلا قصاص في الأصح.
أي: عرفت أنا ذلك, بضم تاء المتكلم, فظن المصنف: أنها تاء الخطاب المفتوحة فعبر عنها بالتكذيب, وهو فاسد لأمرين: أحدهما: أن هذا ليس موضع تنازعهما, والذي في (الروضة) وغيرها في هذا القسم كله: ظن القاطع أو علمه, وعبر فيها بالصحيح لا بالأصح كما هنا.
والثاني: أنه يقتضي: أنه إذا صدقه .. يجب قطعًا, والذي في (الشرح) و (الروضة) في هذه الحالة: أنه لا قصاص أيضًا على الأصح.
قال: (ويبقى قصاص اليمين) أي: على الوجهين؛ لأنه لم يستوفه ولا عفا عنه, لكنه يؤخر حتى تندمل يساره؛ لما في الموالاة من الإتلاف.
هذا إذا لم يسر القطع إلى الإتلاف, فإن سرى .. وجب عليه دية النفس, وتدخل فيها دية اليسار, وينتقل حقه من القصاص في النفس إلى نصف الدية, فيتاقاصان في

وَكَذَا لَو قَالَ: دُهِشتُ فَظَنَنتُهَا اليَمِينَ, وَقَالَ القَاطِعُ: ظَنَنتُهَا اليَمِينَ  النصف ويغرم له النصف الآخر.
قال: (وكذا لو قال: دهشت فظننتها اليمين, وقال القاطع: ظننتها اليمين) , هذه الحالة الثالثة, والحكم فيها كالتي قبلها: لا قصاص في اليسار على الأصح؛ لأن هذا الاشتباه قريب, ويبقى قصاص اليمين.
وإذا قال القاطع: علمت أنها اليسار, فإن قال مع ذلك: وعلمت أنها لا تجزئ .. فيلزمه القصاص في الأصح ويبقى قصاص اليمين.
وإن قال القاطع: دهشت فلم أدر ما صنعت .. قال الإمام: لم يقبل منه ويلزمه القصاص في اليسار؛ لأن الدهشة السالبة للاختيار لا تليق بحال القاطع.
ولو قال المخرج: قصدت بالإخراج إيقاعها عن اليمين, وقال القاطع: أخرجتها بقصد الإباحة .. فالمصدق المخرج؛ فإنه أعرف بقصده.
تتمة: جميع ما قرر في القصاص فإن جرى في السرقة, فقال الجلاد للسارق: أخرج يمينك, فأخرج يساره فقطعها .. فالمذهب المنصوص: أنه يكتفي بما جرى للحد ويسقط قطع اليمين.
والفرق: أن المقصود بالحد التنكيل وتعطيل الآلة الباطشة وقد حصل, والقصاص مبني على المماثلة.
وعن الحارث بن سريج النقال حكاية قول قديم: إن الحكم كما تقدم في القصاص.
وحيث أوجبنا دية اليسار في الصور السابقة .. فهي في ماله؛ لأنه قطع متعمدًا, وعن نصه في (الأم): أنها تجب على العاقلة.

فَصلٌ: مُوجَبُ العَمدِ القَوَدُ,  وحيث قلنا: يبقى القصاص في اليمين .. لا يستوفى حتى يندمل قطع اليسار؛ لما في توالي القطع من خطر الهلاك, نص عليه.
ولو قطع طرفي رجل معًا .. فيهما معًا ولا يلزمه التفريق, نص عليه, فقيل: فيهما قولان, والمذهب: تقريرهما.
والفرق: أن خطر الموالاة في الصورة الأزلى يحصل من قطع مستحق وغير مستحق.
قال: (فصل) عقده لبيان حكم العفو: وهو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه, وهو مستحب؛ لقوله تعالى: ﴿وأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ , وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
وروى البيهقي [8/ 54] وغيره عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما رفع إليه قصاص قط إلا أمر فيه بالعفو).
وأما ما رواه مسلم [1680] عن وائل بن حجر: أن رجلًا أتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اعترف بالقتل, فقال لأخي القتيل: (اعف عنه) فأبى, فقال: (اذهب به) , فلما ولى قال: (إن قتله فهما في النار) .. فهو من مشكلات الأحاديث.
وأجيب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمره بالعفو, وقيل: لأن القاتل قال: ما أردت قتله.
قال: (موجب العمد القود) حكم العمد على أن موجب العمد في النفس والطرف ماذا؟ وفيه قولان: أظهرهما عند الأكثرين: أنه القود المحض, وإنما الدية

وَاُلدِّيَةُ بَدَلٌ عِندَ سُقُوطِهِ , وَفِي قَولٍ: أَحَدَهُمَا مُبهَمًا , ... .

 بدل عنة عند سقوطه؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى﴾ ولأنه بدل متلف فيعتبر جنسه كسائر المتلفات.
وخالف المصنف هذا في (نكته) فصحح الثاني وفاقًا لابن يونس.
و (موجب) بفتح الجيم: الذى يلزم بقتل العمد.
و (القوَد) بالفتح: القصاص , تقول: أقدت القاتل بالقتيل , أي: قتلته به.
وخرج بذكر العمد: الخطأ؛ فإن موجبه الدية خاصة , وكان ينبغي أن يقول: الدية أو الأرش؛ ليشمل الجراحات.
كل هذا إذا كان للقتيل وارث خاص ,فإن لم يكن .. فهل للسلطان أن يقتص أو تتعين الدية؟ قولان تقدما.
قال: (والدية بدل عند سقوطه) , يرجع إليهما بالعفو بشرطه أو تعذر الاستيفاء بموت ونحوه.
وأطلق المصنف القولين , ولا شك في تقييدهما بما إذا كان العمد يوجب القود, فإن تخلف لمانع كما إذا قتل الوالد ولده والمسلم الذمي .. فهل نقول: الواجب الدية عينًا , عكس القاعدة , أو هو كغيره يجب القود عينًا , ثم يعدل إلى الدية؛ لأن الأبوة وشرف الدين مستقطعان؟ الظاهر: الأول.
قال: (وفي قول: أحدهما مبهمًا)؛ لما تقدم عند قول المصنف: (الصحيح: ثبوته لكل وارث): عن أبي شريح الخزاعي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل , وأنا والله عاقله , فمن قتل بعده قتيلًا .. فأهله بين خيرين: إن أحبوا .. قتلوا , وإن أحبوا .. أخذوا العقل) , نحوه من رواية أبي هريرة.
[خ 2434 - م1335] وفي (الصحيحين) وفي (سنن البيهقي) [8/ 51] عن مجاهد وغيره: كان في شرع موسى عليه الصلاة والسلام تحتم القصاص جزمًا , وفي شرع عيسى عليه الصلاة والسلام أخذ الدية فقط ,

وَعَلَى القَولَينِ لِلوَليِّ عَفوٌ عَنِ الدِّيَةِ بِغَيرِ رِضَا الجَانِي ,وَعَلَى الأَوَّلِ لَو أَطلَقَ العَفوَ .. فَالمَذهَبُ: لاَ دِيَةَ,  فخفف الله عن هذه الأمة وخيّرها بين الأمرين؛ لما في الإلزام بأحدهما من المشقة.
قال: (وعلى القولين للولي عفو عن الدية بغير رضا الجاني)؛ لحديث أبي شريح , ولأنه محكوم عليه فلا يحتاج إلى رضاه ,كما لا يشترط رضا المحال عليه والمضمون.
وقال أبو حنيفة: لا يعدل إلى المال إلا برضا الجاني , وإذا مات الجاني .. سقطت الدية.
وحكي عن القديم قول مثله ,وعن مالك روايتان: أشهرهما: مساعدة أبي حنيفة.
والثانية: تخيير الولي.
وعلم من كلامه: أنه إذا عفا بعض المستحقين .. سقط القصاص وإن لم يرض الاَخرون , واحتج له بما روى البيهقي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما ولا مخالف لهما في ذلك فكان إجماعًا , وبأن القصاص لا يتجزأ , ويغلّب جانب السقوط؛ لحقن الدماء , وكذلك لو عفا عن عضو من أعضاء الجاني .. سقط القصاص كله , كما أن تطليق بعض المرأة تطليق كلها , وكذا لو أقت .. تأبد.
قال: (وعلى الأول لو أطلق العفو .. فالمذهب: لا دية) لأن القتل لم يوجبها على هذا القول , والعفو إسقاط ثابت لا إثبات معدوم.
والثاني – واختاره المزني -: تجب لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: اتباع بالمال , وذلك يشعر بوجوب الدية , والأولون حملوا الاَية على ما إذا عفا على الدية.
وموضع الخلاف: إذا أمكن ثبوت المال.
فإن لم يمكن كما إذا قتل أحد عبدي الرجل عبده الاَخر .. فإن للسيد أن يقتص وله أن يعفو ولا يثبت له على عبده مال , فإن أعتقه .. لم يسقط القصاص , فلو عفا بعد العتق مطلقًا .. لم يثبت المال بلا خلاف؛ لأن القتل لم يثبته ولا يخرج على الخلاف

وَلَو عَفَا عَنِ اٌلدِيَةِ .. لَغَا, وَلَهُ اٌلعَفوُ بَعدَهُ عَلَيهَا.
وَلَو عَفَا عَلَى غَيرِ جِنسٍ اٌلديةِ .. ثَبَتَ إن قَبِلَ الجَانِي, وَإلِا .. فَلاَ , وَلاَ يَسقُطُ القَودِ فِي اٌلأصَحِّ  هنا , إن عفا على مال .. ثبت كذا حكاه الشيخان في الفروع المنثورة اَخر الباب وإقراء.
ولو أقر السفينة بقصاص وعفا المستحق على مال .. ففي ثبوته وجهان في (باب الحجر): أصحهما: نعم؛ لأنه يتعلق باختيار غيره لا بإقراره.
وصورة العفو المطلق: أن يقول: عفوت عن القصاص, ولا يتعرض للدية بنفي ولا إثبات, وكذلك لو قال: عفوت عنك, ولم يتعرض لقود ولا دية.
ولو قال: عفوت عما وجب لي عليك بهذه الجناية, أو عن حقي الثابت عليك, وما أشبهه .. فلا مطالبة له بشيءٍ.
فلو قال: عفوت عن حقي .. قال الماوردي: يسقط القود؛ لأنه يستحقه, ولا تسقط الدية؛ لأنه يستحقها.
وسكت المصنف عن التفريغ على المرجوح؛ لأنه طويل لا عمل عليه.
قال: (ولو عفا عن الدية .. لغا) لأنه عفا عما ليس مستحقًا.
قال: (وله العفو بعده عليها)؛ لأن حقه لم يتغير بالعفو بالماضي.
قال: (ولو عفا على غير جنس الدية .. ثبت) وإن كان أكثر من الدية (إن قبل الجاني, وإلا .. فلا)؛ لأنه اعتياض, فتوقف على الاختيار كغيره.
قال: (ولا يسقط القود في الأصح)؛ لأنه رضي به على عوض ولم يحصل له, وليس كالصلح علو عوض فاسد؛ لأن الجاني هناك قبل والتزم.

وَلَيسَ لِمَحجُورِ فَلَسٍ عَفوٌ عَن مَالٍ إِن أَوجَبنَا أَحَدُهُمَا , وَإلاَ: فَإِن عَفَا عَلَى الدِّيَةِ .. ثَبَتَت , وَإن أَطلَقَ .. فَكَما سَبقَ , وَإن عَفَا عَلَى أَنَّ لاَ مَالَ .. فَالَمذهَبُ: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ شَيءٌ  والثاني: يسقط؛ لأنه رضي به حيث أقدم على الصلح وطلب العوض.
ولو عفا عن القود على نصف الدية .. قال القاضي حسين: هذه معضله أسهرت الجلة.
وقال غيره: هو كعفوه عن القود ونصف الدية , فيسقط القود ونصف الدية.
ولو تضرع إليه الجاني وسأله العفو عن القصاص بمال فإخذ المال من غي تصريح بعفو .. فهل يكون ذلك عفوًا عن القصاص؟ فيه وجهان.
قال: (وليس لمحجور فلسٍ عفوُ عن مال إن أوجبنا أحدهما)؛ للتفويت على الغرماء , وإذا تعين المال بالعفو عن القصاص .. صرف إلى غرمائه , ولا يكلف تعجيل القصاص أو العفو ليصرف المال إليهم.
واحترز ب (محجور الفلس) عن المحجور بسلب العبارة كالصبي والمجنون؛ فإن عفو هما لغو.
قال: (وإلا) أي: وإن قلنا: الواجب القود عينًا.
قال: (فإن عفا عن الدية .. ثبتت, وإن أطلق .. فكما سبق) فيما إذا عفا مطلقًا فإن قلنا: إنه يوجب الدية ثبتت وإن قلنا لا يوجبهما لم تثبت.
قال: (وإن عفا على أن لا مال .. فالمذهب: أنه لا يجب شيء)؛لأن القتل لم يوجب المال , ولو كلفنا المفلس أن يطلق ليثبت المال .. كان ذلك تكليفًا بأن يكتسب وليس عليه الاكتساب.
وقيل: يجب؛ لأنه لو أطلق العفو .. لوجب المال, فالنفي كالإسقاط؛ لما له حكم الوجوب, فكان الصواب: التعبير بالأصح؛ لأنها ذات وجهين لا ذات طرق.

واٌلمبَذِّرُ فِي الدِّيَةِ كَمُفلِسٍ, وَقِيلَ: كَصَبيّ.
وَلَو تَصَالَحا عَنِ القَودِ عَلى مِئَتَي بَعِير ٍ .. لَغَا إِن أَوجَبنَا أَحَدَهُمَا , وَإلاَّ فَالأصَحٌّ: الصِّحَّةُ  واقتضى كلام المصنف في (باب الفلس): الجزم بالصحة أيضًا؛ فإن قال: (يصح اقتصاصه وإسقاطه) , ومقتضاه: أنه لا فرق في الإسقاط بين أن يكون على مال أو مجانًا.
قال: (والمبذر في الدية كالمفلس) , فيصح منه إسقاط القصاص واستيفاؤه؛ لوجود التشفي منه , وفيما يرجع إلى الدية عند الأكثرين كالمفلس , والمراد: المحجور عليه بالتبذير.
أما من بذر بعد رشده ولم يحجر عليه ثانيًا .. فتصرفه نافذ على المذهب كالرشيد.
وقوله: (في الدية) احتراز من القود؛ فيصح منه إسقاطه واستيفاؤه قطعًا كالرشيد.
قال: (وقيل: كصبي) فلا يصح عفوه عن المال بحال , ويفارق المفلس؛ لأنه إذا صدى للمحجور مال .. لم يجز تركه, كما لو وهب له شيء أو وصي له به فلم يقبل .. فوليه يقبل عليه جبرًا , والغرماء لا يقبلون على المفلس ولا الحاكم؛ لأنه لا يجب له إلا ثبت في ملكه.
ويشهد له ما نقله الشيخان في (السير) عن الإمام وأقراه: انه لا يصح إعراض المحجور عليه لسفه عن الغنيمة , بخلاف المفلس.
وعفو المريض مرض الموت ومرض الورثة عن القصاص مع نفي المال إذا كان على التركة دين أو وصية كعفو المفلس.
وعفو المكاتب عن الدية تبرع , فلا يصح بغير إذن سيده , وبإذنه قولان.
قال: (ولو تصاحا عن القود على مئتي بعير .. لغا إن أوجبنا أحدهما)؛ لأنه زيادة على الواجب نازل منزلة الصلح من ألف على ألفين.
قال: (وإلا .. فالأصح: الصحة) أي: إذا قلنا الواجب القود المحض .. ففيه وجهان: أصحهما: الصحة؛ لأنه مال يتعلق باختيار المتعاقدين , فأشبه الخلع.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل