هو في اللغة: الثبوت والدوام، ومنه: الحالة الراهنة، أي: الثابتة.
وقال الماوردي: هو الاحتباس، ومنه: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾.
وتقول: رهنت الشيء وأرهنته بمعنىً.
قال عبد الله بن همام السلولي [من المتقارب].
فلما خشيت أظافيرهم .... نجوت وأرهنتهم مالكا
وهو في الشرع: جعل المال وثيقة بدين.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهن مقبوضة﴾، وقرئ: ﴿فرهن﴾، وهي جمع: رهن، وقيل: الرُّهُن جمع الجمع.
ورهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي بالمدينة يقال له: أبو الشحم على ثلاثين صاعًا من شعير لأهله، رواه البخاري [2069]، ومسلم [1603] بمعناه، وهو حجة على مجاهد وداوود في منعهما الرهن في الحضر.
ثم قيل: إنه صلى الله عليه وسلم افتكه قبل موته؛ لما روى ابن حبان [3061]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك.
والأصح: أنه لم يفتكه؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: (توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي)، وحديث ابن حبان محمول على من لم يخلف وفاء، وإنما اقتصر صلى الله عليه وسلم على معاملة اليهودي؛
لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ.
فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مُقْتَضَاهُ كَتَقَدُّمِ الْمُرْتَهَنِ بِهِ، أَوْ مَصْلَحَةٌ لِلْعَقْدِ كَالإِشْهَادِ، أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ .. صَحَّ الْعَقْدُ.
وَإِنْ شُرِطَ مَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ .. بَطَلَ الرَّهْنُ
بيانًا لجواز معاملة أهل الكتاب.
وقيل: لأنه لم يكن عند أحد من مياسير أهل المدينة طعام فاضل عن حاجته غيره.
قال: (لا يصح إلا بإيجاب وقبول)؛ لأنه عقد بين اثنين على مال فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالبيع، والخلاف في انعقاد البيع بالإيجاب والاستيجاب وبالمعاطاة، فيجيء في الرهن مثلهما، ويقوم مقام الصيغة إشارة الأخرس كما تقدم.
وقيل: إن كان الرهن مشروطًا في بيع .. أغنى شرطه عن الصيغة بعد البيع، وهو ظاهر النص، ونقله في (المطلب) عن الجمهور.
قال: (فإن شرط فيه مقتضاه كتقدم المرتهن به، أو مصلحة للعقد كالإشهاد، أو ما لا غرض فيه .. صح العقد) كالبيع في الأقسام الثلاثة، وجميع ما تقدم هناك يأتي هنا.
قال: (وإن شرط ما يضر المرتهن .. بطل الرهن) كشرط أن لا يبيعه عند المحل، أو لا يبيعه إلا بعد شهر، أو بأكثر من ثمن المثل، أو لا يقدم به، أو يكون مضمونًا؛ لأنه يخالف مقتضاه، وقيل: في جميع هذه الصور الست القولان الآتيان فيما يضر الراهن:
أحدهما: يبطل الرهن.
والثاني: يصح ويبطل الشرط.
وَإِنْ نَفَعَ الْمُرْتَهِنَ وَضَرَّ الرَّاهِنَ كَشَرْطِ مَنْفَعَتِهِ لِلْمُرْتَهِنِ .. بَطَلَ الشَّرْطُ، وَكَذَا الرَّهْنُ فِي الأَظْهَرِ.
وَلَوْ شُرِطَ أَنْ تَحْدُثَ زَوَائِدُهُ مَرْهُونَةً .. فَالأَظْهَرُ: فَسَادُ الشَّرْطِ وَأَنَّهُ مَتَى فَسَدَ .. فَسَدَ الْعَقْدُ.
وَشَرْطُ الْعَاقِدِ: كَوْنُهُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَرْهَنُ الْوَلِيُّ مَالَ الصَّبيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَرْتَهِنُ لَهُمَا
قال: (وإن نفع المرتهن وضر الراهن كشرط منفعته للمرتهن .. بطل الشرط)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) متفق عليه [خ2735 - م1504/ 6].
قال (وكذا الرهن في الأظهر)؛ لأنه ليس من مقتضاه ولا من مصلحته.
والثاني: لا يبطل؛ لأنه تبرع، فلم يؤثر ذلك فيه، كما لو أقرضه الصحاح بشرط أداء المكسر .. يلغو الشرط ويصح العقد، ثم البطلان فيما إذا أطلق المنفعة، فلو قيدها بسنة مثلًا .. فهذا جمع بين بيع وإجارة في صفقة، والأظهر فيه: الصحة.
قال: (ولو شرط أن تحدث زوائده مرهونة .. فالأظهر: فساد الشرط)؛ لأنها معدومة ومجهولة.
والثاني: يصح الشرط ويكون رهنًا؛ لأن الرهن عند الإطلاق إنما لا يسري إلى الزوائد لضعفه، فإنه قوي بالشرط .. سرى.
واحترز بـ (الزوائد) عن الكسب؛ فإن اشتراطها مبطل على القولين.
قال: (وأنه متى فسد .. فسد العقد)؛ لأنه جمع بين معلوم ومجهول، وفي صحة المعلوم قولا تفريق الصفقة.
قال: (وشرط العاقد) راهنًا كان أو مرتهنًا (كونه مطلق التصرف) كعاقد البيع.
قال: (فلا يرهن الولي مال الصبي والمجنون، ولا يرتهن لهما)؛ لأن الولي في حال الاختيار لا يبيع إلا بحال مقبوض قبل التسليم بلا رهن ولا ارتهان.
والمراد بـ (الولي) هنا: الأب أو الجد أو الوصي أو الحاكم أو أمينه، ولو عبر
إِلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ.
وَشَرْطُ الرَّهْنِ: كَوْنُهُ عَيْنًا فِي الأَصَحِّ،
بمال المحجور .. لعم السفيه وكان أولى، وحكم الرهن والارتهان سواء، ونصوص الشافعي رضي الله عنه تقتضي: أن الارتهان يجوز بالمصلحة، والرهن لا يجوز إلا بالضرورة.
قال: (إلا لضرورة) فيجوز الرهن والارتهان، كأن يحتاج إلى النفقة أو الكسوة، أو باع ماله مؤجلًا لضرورة نهب ونحوه، أو كان مؤجلًا بسبب إرث وغيره؛ لأن في الارتهان مفسدة، لأنه قد يتلف المرهون ويرفعه إلى حاكم يرى سقوط الدين فيه.
قال: (أو غبطة ظاهرة) كما إذا اشترى ما يساوي ألفين بألف نسيئة ورهن به ما يساوي ألفًا من ماله؛ لأنه إن تلف .. كان في المشتري ما يجبره، وكذا إذا باع الولي ماله مؤجلًا بغبطة وارتهن على الثمن، وسيأتي حكم قرض مال الطفل في آخر (باب الحجر).
قال: (وشرط الرهن) أي: المرهون (كونه عينًا في الأصح) فلا يجوز رهن المنفعة جزمًا؛ لأنها تتلف شيئًا فشيئًا، ولا رهن الدين؛ لأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، ومتى قبضه المالك .. خرج عن أن يكون دينًا.
والثاني: يصح رهن الدين إذا كان على مقر مليء كبيعه تنزيلًا؛ لما في الذمم منزلة الأعيان.
هذا في الابتداء، أما إذا جنى على المرهون .. فإنا نحكم على الأرش وهو في الذمة بأنه مرهون على الأصح.
ولو مات وعليه دين وخلف منفعة أو دينًا .. فإن الدين يتعلق بجميع التركة تعلق رهن على الصحيح.
ويلغز بهذه الصورة فيقال: عين مرهونة من غير صدور عقد عليها، وكذا التي قبلها.
وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ وَالأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا وَعَكْسُهُ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ يُبَاعَانِ، وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ تُقَوَّمُ الأُمُّ وَحْدَهَا ثُمَّ مَعَ الْوَلَدِ فَالزَّائِدُ قِيمَتُهُ
وكذلك إذا رهن عصيرًا فانقلب في يد المرتهن خمرًا .. فإن التخمر يخرجه عن المالية، فإن عاد خلًا .. عاد الرهن على المشهور كما يعود الملك.
قال: (ويصح رهن المشاع) سواء رهنه من شريكه أو غيره وقبضه بقبض الجميع؛ قياسًا على البيع، وبهذا قال مالك وأحمد.
قال: (والأم دون ولدها وعكسه)؛ لأن ذلك ليس بتفريق، إذ الملك فيهما باق.
قال: (وعند الحاجة يباعان، ويوزع الثمن)؛ لأن بيعهما معًا ممكن والتفريق منهي عنه، فلما التزم بالرهن بيع الأم .. جعل ملتزمًا لما هو من أحكامه وهو بيع الولد معها، هذا هو الأصح المنصوص.
والثاني: يجوز بيع الأم وحدها؛ لأنه موضع ضرورة فيحتمل التفريق لذلك.
قال: (والأصح: أنه تقوَّم الأم وحدها ثم مع الولد فالزائد قيمته) فتقوَّم الأم وحدها موصوفة بكونها ذات ولد حاضة له، فيقال: قيمتها –مثلًا- مئة، ثم تقوَّم هي والولد جميعًا، فيقال: قيمتهما –مثلًا- مئة وخمسون، فالخمسون الزائدة لا حق للمرتهن فيها.
والثاني: أن الأم تقوَّم وحدها، ثم يقوَّم الولد وحده محضونًا مكفولًا، ثم يقسَّط الثمن عليهما.
هذا إذا كانت الأم مرهونة، فإن كان الولد .. انعكس الحكم في التقويم، فكان ينبغي أن يقول: يقوَّم المرهون وحده، ثم يقوم مع الآخر، فالزائد قيمة الآخر.
وحكم الولد مع الأب وغيره ممن يمتنع التفريق بينهما كحكمه مع الأم، وهذه المسألة مستثناة من قولنا: ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه.
وَرَهْنُ الْجَانِي وَالْمُرْتَدِّ كَبَيْعِهِمَا.
وَرَهْنُ الْمُدَبَّرِ، وَمُعَلَّقِ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ يُمْكِنُ سَبْقُهَا حُلُولَ الدَّيْنِ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ
قال: (ورهن الجاني والمرتد كبيعهما) فيصح في الأصح فيهما إذا كانت الجناية عمدًا، ولا يصح في الجاني خطأ في الأصح.
وقد تقدمت مسألة بيع الجاني في (البيع)، ومسألة المرتد في (الرد بالعيب) حيث قال: (ولو قتل بردة سابقة .. ضمنه البائع في الأصح) فجزم بصحة بيعه، وهو الأصح، فيكون الراجح: صحة رهنه.
فرع:
رهنُ الأرض المستغلة بالزراعة .. باطل، وكذا رهن سواد العراق؛ لأن عمر رضي الله عنه وقفه على المسلمين كما سيأتي في (السير).
وأما الأبنية التي كانت به كالدور .. فالصحيح: أنه ليست وقفًا فيجوز رهنها وبيعها.
قال: (ورهن المدبر، ومعلق العتق بصفة يمكن سبقها حلول الدين باطل على المذهب)؛ لتعلق حق العتق بهما، أما معلق العتق .. فالمنصوص فيه: البطلان، والقول بالصحة فيه مخرج، وأم المدبر .. ففيه ثلاث طرق:
الصحة قطعًا.
والبطلان قطعًا.
وإجراء قولين: أصحهما: البطلان.
وأصل القولين: أنه تعليق عتق بصفة أو وصية، إن قلنا: تعليق .. لم يصح رهنه، وإن قلنا: وصية صح، لكن قال في (الروضة): القوي في الدليل صحة رهن المدبر.
واحترز المصنف عن الصفة التي يقطع بتأخيرها فيصح، أو بسبقها فيبطل، فإن احتمل الأمران .. فالأظهر: بطلانه؛ للغرر.
وَلَوْ رَهَنَ مَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ: فَإِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ كَرُطَبٍ .. فُعِلَ، وَإِلَّا: فَإِنْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ، أَوْ مُؤَجَّلٍ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ، أَوْ شَرَطَ بَيْعَهُ وَجَعَلَ الثَّمَنَ رَهْنًا .. صَحَّ، وَيُبَاعُ عِنْدَ خَوْفِ فَسَادِهِ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا، وَإِنْ شَرَطَ مَنْعَ بَيْعِهِ .. لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَسَدَ فِي الأَظْهَرِ
ووجه الصحة: أن الأصل استمرار الرق.
أما رهنه بدين حالٍّ .. فيصح على ما جزم به الأصحاب، وفيه إشكال من جهة: أن رهن المدبر باطل مطلقًا.
ومحل الخلاف: إذا لم يشرط بيعه قبل وجود الصفة، فإن شرطه .. صح، قاله في (المرشد)، وهو ظاهر.
قال: (ولو رهن ما يسرع فساده: فإن أمكن تجفيفه كرطب .. فعل)؛ حفظًا للرهن، وكذلك العنب الذي يتزبب، واللحم الذي يمكن تقديده.
قال ابن الرفعة: والمجفف هو المالك ومؤنته عليه، أما إذا رهنه بحالٍّ أو مؤجل يحل قبل فساده .. فإنه يباع على حاله.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يمكن تجفيفه كالبقول وما لا يجفف من الثمار (فإن رهنه بدين حال، أو مؤجل يحل قبل فساده، أو شرط بيعه وجعل الثمن رهنًا .. صح)؛ لانتفاء المحذور.
قال: (ويباع عند خوف فساده ويكون ثمنه رهنًا) أي: من غير إنشاء عقد.
قال: (وإن شرط منع بيعه .. لم يصح)؛ لأنه ينافي مقتضاه، وهذا اتفق الأصحاب عليه.
قال: (وإن أطلق .. فسد في الأظهر)؛ لأنه لا يمكن بيعه في الدين عند محله فلم يجز رهنه كأم الولد.
والثاني –وبه قال أبو حنيفة وأحمد-: يصح ويباع كما لو شرط بيعه، لأن الظاهر: أنه لا يقصد إتلاف ماله، ونقل في (الشرح الصغير) تصحيحه عن
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ يَفْسُدُ قَبْلَ الأَجَلِ .. صَحَّ فِي الأَظْهَرِ.
وَلَوْ رَهَنَ مَا لَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ فَطَرَأَ مَا عَرَّضَهُ لِلْفَسَادِ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ .. لَمْ يَنْفَسِخِ الرَّهْنُ بِحَالٍ
الأكثرين، وهو موافق لنص (المختصر)، ولأن مطلق العقد يحمل على المتعارف ويصير كالمشروط، والمتعارف فيما يفسد: أن يباع قبل فساده، ولم يصحح في (الشرح الكبير) شيئًا من القولين وفاقًا للقاضي أبي الطيب.
قال الشيخ: ولي به أسوةٌ؛ فإن النظر بينهما متجاذب.
وإذا قلنا بالصحة، فإذا أشرف على الفساد .. بيع ويكون ثمنه رهنًا كما لو شرطه، ويجبر الراهن على ذلك عند الجمهور.
قال: (وإن لم يعلم هل يفسد قبل الأجل .. صح في الأظهر)؛ لأن الأصل البقاء.
والثاني: يفسد؛ للجهل بإمكان البيع عند المحل، ويشكل على هذا: ما تقدم في المعلق العتق بصفة لا يعلم هل تتقدم أو تتأخر: أنه لا يصح، وهما في المعنى مستويان.
قال: (ولو رهن ما لا يسرع فساده فطرأ ماعرضه للفساد كحنطة ابتلت .. لم ينفسخ الرهن بحال)؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، بل يباع عند الإشراف على الفساد ويجعل ثمنه رهنًا مكانه.
هذا إذا عرض بعد القبض، فإن عرض قبله ولم يمكن تجفيفه .. ففي الانفساخ وجهان: أصحهما: أنه لا ينفسخ أيضًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا لِبَرْهَنَهُ، وَهُوَ فِي قَوْلٍ: عَارِيَّةٌ.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ فِي رَقَبَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيُشْتَرَطُ: ذِكْرُ جِنْسِ الدَّيْنِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ،
قال: (ويجوز أن يستعير شيئًا ليرهنه) أشار بهذا إلى أنه لا يشترط أن يكون المرهون ملكًا للراهن، فإذا استعار شيئًا ليرهنه .. جاز على النص؛ لأن المقصود التوثقة وهي حاصلة بذلك، وبهذا قال الجمهور خلافًا لابن سريج.
ومقتضى إطلاق المصنف: أنه لو كان المستعار دراهم أو دنانير .. فالمتجه: الصحة وإن منعنا إعارتها لغير ذلك.
ويجوز أن يرهن ماله على دين غيره، وأن يوكل المديون في أن يرهن على دين نفسه مال الموكل.
قال: (وهو في قول: عارية)؛ لأنه قبضه بإذن مالكه لمنفعة نفسه، فأشبه ما لو استعاره للخدمة.
قال: (والأظهر: أنه ضمان دين في رقبة ذلك الشيء)؛ لأن العارية ينتفع المستعير بها مع بقاء عينها، والانتفاع بها هنا ببيعها في الدين فيبطل كونها عارية، فلم يبق إلا الضمان، كما لو أذن لعبده في ضمان دين غيره؛ فإنه يصح وتكون ذمته فارغة.
قال الإمام: وليس القولان في أنه يتمحض عارية أو ضمانًا، وإنما هما في المغلب منهما.
قال: (فيشترط: ذكر جنس الدين وقدره وصفته) أي: في الحلول والأجل والصحة والتكسير وغير ذلك كما في الضمان؛ لاختلاف الأغراض بذلك، وإذا عين قدرًا .. جاز أن يرهنه بما دونه جزمًا، فإن زاد .. بطل في الجميع على الأصح المنصوص؛ للمخالفة، كما لو باع الوكيل بالغبن الفاحش.
وقيل: يبطل في الزائد فقط، واختار الشيخ تخريجه على تفريق الصفقة.
ولو قال: ارهنه بمئة دينار فرهنه بمئة درهم .. لم يصح، وكذا إذا قال: بمئة درهم فرهنه بمئة دينار.
وَكَذَا الْمَرْهُونُ عِنْدَهُ فِي الأَصَحِّ.
فَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ .. فَلَا ضَمَانَ وَلَا رُجُوعَ لِلْمَالِكِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهَنِ.
وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ أَوْ كَانَ حَالًّا .. رُوجِعَ الْمَالِكُ لِلْبَيْعِ، وَيُبَاعُ إِنْ لَمْ يَقْضِ الدَّيْنَ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ بِمَا بِيعَ بِهِ ...
ولو قال: ارهنه بما شئت .. جاز أن يرهنه بأكثر من قيمته؛ لاقتضاء العرف ذلك، ولو أراد المالك إجباره على فكه .. فله ذلك بكل حال، إلا إذا كان الدين مؤجلًا وقلنا: إنه ضمان، فإن أعتقه المالك وقلنا: إنه ضمان .. ففي (التهذيب): أنه كإعتاق المرهون، وإن قلنا: عارية .. صح وكان رجوعًا.
قال: (وكذا المرهون عنده في الأصح)؛ لاختلاف الناس طلبًا واستيفاء.
والثاني: لا يجب؛ لضعف الغرض في ذلك.
وهما مأخوذان من القولين في اشتراط تعيين المضمون له، فإن قلنا: عارية .. لم يشترط ذلك، وعلى القولين: إذا عين شيئًا من ذلك .. لم تجز مخالفته.
قال: (فلو تلف في يد المرتهن .. فلا ضمان) أي: عليه؛ لأن يده يد أمانة، وهل يضمنه الراهن؟ ينبني على أنه عارية أو ضمان، إن قلنا: عارية .. غرمنا الراهن، وإن قلنا: ضمان .. فلا، أما إذا تلف في يد الراهن .. فالمذهب: الضمان؛ لأنه مستعير.
قال: (ولا رجوع للمالك بعد قبض المرتهن)؛ إذ لو رجع .. لما حصلت فائدة الرهن، ولم يكن به توثق، وهذا على قول الضمان قطعًا، وكذا على قول العارية على الأصح.
قال: (وإذا حل الدين أو كان حالًا .. روجع المالك للبيع) كما لو رهنه المالك.
قال: (ويباع إن لم يقض الدين) أي: إن لم يوفه واحد منهما .. بيع على القولين موسرًا كان الراهن أو معسرًا، كما يطالب الضامن في الذمة مع وجود الأصيل.
قال: (ثم يرجع المالك بما بيع به) أي: على قول الضمان سواء بيع بالقيمة أم بأكثر أم بأقل بقدر يتغابن به، أما على قول العارية، فإن بيع بالقيمة أو بأقل .. رجع بالقيمة، أو بأكثر .. رجع بالقيمة عند الجمهور.
فَصْلٌ:
شَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ: كَوْنُهُ دَيْنًا
وقيل: بما بيع به، واستحسنه الرافعي، وصوبه المصنف، فيستثنى من قوله: (بما بيع به) إذا بيع بأقل على قول العارية.
تتمة:
لو قضى المالك الدين من مال نفسه .. انفك الرهن، ورجوعه بما أداه يتعلق بكونه أداه بإذن الراهن أو بدونه، وسيأتي في (الضمان).
فإن اختلفا في الإذن .. فالمصدق الراهن.
ولو رهن عبده بدين غيره دون إذن .. جاز، فإن بيع به .. فلا رجوع.
وقال ابن الصلاح: لو كان مؤجلًا فمات الراهن .. لا يحل الدين، بخلاف ما إذا ضمن الدين في ذمته.
قال (
فصل
:
شرط المرهون به: كونه دينًا) فلا يصح الرهن بالأعيان سواء كانت مضمونة أم لا؛ لأنه يستحيل استيفاء العين من المرهون، ولا فرق في الدين بين الأموال والمنافع المستحقة بالإجارة الواردة على الذمة، فإن وردت على العين .. لم يصح الرهن بها؛ لفوات الدين، ومن هذا يؤخذ البطلان فيما جرت العادة به من أخذ رهن على عارية الكتب الموقوفة وغيرها، كما صرح به الماوردي وغيره.
لكن أفتى القفال بلزوم اشتراط ذلك وجعله شرطًا معتبرًا، وقياسه: أن يجوز ضمانه، وفائدة ذلك في حالة التعدي أو التفريط، أما إذا تلف من غير تقصير .. فلا ضمان عليه.
ثَابِتًا لَازِمًا، فَلَا يَصِحُّ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمُسْتَعَارَةِ فِي الأَصَحِّ،
قال: (ثابتًا) فلا يصح الرهن بما لم يثبت سواء جرى سبب وجوبه، كنفقة الغد، أو لا، كما إذا رهنه على ما سيقرضه غدًا؛ لأن الرهن وثيقة بحق فلا يقدم على الحق كالشهادة.
قال: (لازمًا) فلا يصح بغير اللازم كمال الكتابة؛ لأنه لا فائدة في الوثيقة مع تمكن المديون من إسقاط الدين.
فإن قيل: كان يستغني باللازم عن الثابت؛ لأن كل لازم ثابت ولا ينعكس .. فالجواب: أنه لا يستغنى بذلك؛ لأن اللزوم وعدمه صفة للدين نفسه، كما تقول: دين الكتابة غير لازم وثمن البيع بعد انقضاء الخيار لازم، والثبوت يستدعي الوجود في الحال، فلا يصدق قبل حصول سببه.
وبهذا يتبين: أن الثبوت واللزوم ينفك كل منهما عن الآخر، وقد يجتمعان، فلهذا لابد من ذكرهما.
وبقي عليه قيد رابع: أن يكون معلومًا لكل منهما؛ لأن العلم بقدر الدين وصفته شرط في الرهن كما هو شرط في الضمان ونص (الأم) يشهد له، وبه جزم ابن عبدان وصاحب (الإستقصاء).
وخامس: أن يمكن استيفاؤه من عين الرهن، واحترز به عن العمل في الإجارة إذا اشترط أن يعمل بنفسه؛ فإنه كالعين لا يجوز الرهن به، أما على العمل الذي في الذمة .. فيجوز على المذهب.
قال: (فلا يصح بالعين المغصوبة والمستعارة في الأصح)؛ لأنه إن رهن بقيمتها إذا تلفت .. كانت رهنًا قبل ثبوت الدين، وإن رهن على عينها .. لم يمكن استيفاء العين من الرهن.
ولو قال: بالعين المضمونة .. كان أشمل؛ ليدخل المستام، والمأخوذ ببيع فاسد، والمبيع، والصداق قبل القبض، وسائر الأعيان المضمونة في ذلك سواء.
والوجه الثاني –وهو مذهب أبي حنيفة-: يصح الرهن بكل عين مضمونة كما يصح
وَلَا بِمَا سَيُقْرِضُهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَقْرَضْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَارْتَهَنْتُ بِهَا عَبْدَكَ، فَقَالَ: اقْتَرَضْتُ وَرَهَنْتُ، أَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِكَذَا وَارْتَهَنْتُ الثَّوْبَ بِهِ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ.
وَلَا يَصِحُّ بِنُجُومِ الْكِتَابَةِ، .....
ضمانها، وكان الصواب: التعبير بـ (الصحيح)؛ فإن الخلاف ضعيف جدًا.
قال: (ولا بما سيقرضه) وكذلك بما سيبيعه؛ لعدم الثبوت، لأن الرهن يتبع الدين فلا يصح قبله.
وملخص ما في المسألة أربعة أوجه:
أصحها: البطلان.
والثاني: صحته بعد ثبوت الدين.
والثالث: صحته الآن.
والرابع: إن لم يتفرقا حتى يتبايعا أو حتى أقرضه .. صح الرهن؛ إلحاقًا للحاصل في المجلس بالمقارن للإيجاب والقبول، ولا خلاف أنه لو قال: إن أقرضتني ألفًا فهذا رهن .. لم يصح.
قال: (ولو قال: أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك، فقال: اقترضت ورهنت، أو قال: بعتكه بكذا وارتهنت الثوب به، فقال: اشتريت ورهنت .. صح في الأصح)؛ للحاجة إلى عقده مع العقد على الدين؛ لأنه قد يشترطه فلا يفي به.
قال القاضي: فيقدر وجود الثمن وانعقاد الرهن عقبه، كما لو قال: أعتق عبدك عني على كذا؛ فإنه يقدر الملك له ثم يعتق عليه، لاقتضاء العتق تقدم الملك.
والثاني –وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك-: لا يصح، وهو القياس؛ لتقدم أحد شقي الرهن قبل ثبوت الدين.
وهذا الترتيب الذي أشار إليه –وهو تقدم الخطاب بالبيع أو القرض على الخطاب بالرهن- شرط فيه، فلو قال: ارتهنت وبعت، وقال المشتري: رهنت واشتريت .. لم يصح.
قال: (ولا يصح بنجوم الكتابة)؛ لأنها غير لازمة، ولا تؤول إلى اللزوم؛ لأن
وَلَا بِجُعْلِ الْجَعَالَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بَعْدَ الشُّرُوعِ.
وَيَجُوزُ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَبِالدَّيْنِ رَهْنٌ بَعْدَ رَهْنٍ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ الْمَرْهُونَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ آخَرَ فِي الْجَدِيدِ
المكاتب قد يعجز نفسه فتبطل الوثيقة، وحكى الروياني وجهًا: أنه يجوز أخذ الرهن عن دين المكاتب، وهو غريب.
قال: (ولا بجعل الجعالة قبل الفراغ)؛ لأن العمل غير لازم.
قال: (وقيل: يجوز بعد الشروع)؛ لأنه جرى سبب وجوبه فتجتمع ثلاثة أوجه: ثالثها: يصح بعد الشروع لا قبله.
وصورة المسألة: أن يقول: من رد عبدي .. فله دينار، فقال رجل: ائتني برهن وأنا أرده، ومثله: إن رددته .. فلك دينار وهذا رهن به.
قال: (ويجوز بالثمن في مدة الخيار)؛ لقربه من اللزوم.
قال: (وبالدين رهن بعد رهن) أي: ويجوز إنشاء رهن بعد رهن بالدين الواحد؛ لأنه زيادة في الوثيقة، فهو كما لو رهنهما معًا به؛ فهي زيادة في قدر المرهون.
قال: (ولا يجوز أن يرهنه المرهون عنده بدين آخر في الجديد) ولو وفى بالدينين، كما لا يجوز رهنه عند غير المرتهن.
والقديم –ونقل عن الجديد أيضًا، واختاره المزني وأبو ثور وابن أبي عصرون-: يجوز كما يجوز على الرهن بدين واحد.
والفرق على الأول: أن الرهن مشغول بالدين بخلاف الدين، فالزيادة في الرهن شغل فارغ؛ فصح، والزيادة في الدين شغل مشغول، فلا يصح.
وإذا قلنا بالقديم فكان أحد الدينين دراهم والآخر دنانير .. فوجهان في (الإستقصاء): أقيسهما: الجواز.
واحترز المصنف عن رهنه عند غيره؛ فإنه لا يجوز قطعًا.
ويستثنى من ذلك: ما لو جنى العبد المرهون ففداه المرتهن بإذن الراهن ليكون
وَلَا يَلْزَمُ إِلَّا بِقَبْضِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ.
وَتَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ لَكِنْ لَا يَسْتَنِيبُ الرَّاهِنَ،
مرهونًا بالدين والفداء، فأصح الطريقين: القطع بالجواز؛ لأنه تعلق بالرقبة ما كان متعلقًا بها وفيه مصلحة الوثيقة، ولأنه بالجناية صار الرهن جائزًا، ويجري الطريقان: فيما لو أنفق المرتهن بإذن الراهن ليكون مرهونًا بهما.
وقوله: (المرهون عنده) منصوب على أنه أحد مفعولي (يرهن).
قال: (ولا يلزم إلا بقبضه)؛ لأنه عقد إرفاق يحتاج إلى القبول فلا يلزم إلا بالقبض كالبيع والقرض، ولقوله تعالى: ﴿فرهن مقبوضة﴾.
وجه الدلالة: أنه وصف الرهن بالقبض، فوجب أن يكون شرطًا في صحته كوصف الرقبة بالإيمان، وبقولنا قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يلزم الرهن بنفس العقد، وبه قال أحمد إلا في المكيلات والموزونات.
وكون الرهن يلزم بالقبض هذا من جهة الراهن، أما المرتهن .. فلا يلزم في حقه بحال، فهو لازم من طرف، جائز من طرف كالكتابة.
والمراد بـ (قبضه): القبض المعهود في البيع، لكن لنا صورة يلزم فيها الرهن بقبض المرتهن، ومع ذلك له التوصل إلى نقض لزومه، وهو إذا كان مشروطًا في بيع شرط فيه الخيار للراهن؛ فإنه متى اختار الفسخ .. انفسخ لزوم الرهن.
قال: (ممن يصح عقده) أي: يشترط في القابض للرهن أن يكون ممن يصح عقده عليه، فلا يصح ممن لا يصح منه الرهن كالمجنون والصبي، ولا يصح القبض إلا بإذن الراهن، فلو أذن له فجن أو أغمي عليه .. لم يجز أن يقبضه وإن كان الرهن باقيًا بحاله على المذهب.
قال: (وتجري فيه النيابة) أي: من الطرفين؛ قياسًا على عقد الرهن.
قال: (لكن لا يستنيب الراهن)؛ لئلا يؤدي إلى اتحاد القابض والمقبض، فلو
وَلَا عَبْدَهُ، وَفِي الْمَاذُونِ لَهُ وَجْهٌ، وَيَسْتَنِيبُ مُكَاتَبَهُ.
وَلَوْ رَهَنَ وَدِيعَةً عِنْدَ مُودَعٍ أَوْ مَغْصُوبًا عِنْدَ غَاصِبٍ .. لَمْ يَلْزَمْ مَا لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إِمْكَانِ قَبْضِهِ، وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ إِذْنِهِ فِي قَبْضِهِ،
كان الراهن وكيلًا في الرهن فقط فوكله المرتهن في القبض من المالك .. فعبارة المصنف تقتضي المنع، والمعروف: الجواز؛ لانتفاء ما سلف، وهي واردة على إطلاقه.
قال: (ولا عبده) أي: عبد الراهن، قنًا كان أو مدبرًا أو مأذونًا له أو أم ولد؛ لأن يدهم كيده.
قال: (وفي المأذون له وجه)؛ لانفراده باليد والتصرف.
وفي وجه ثالث: إن كان قد ركبته الديون .. صحت استنابته، وإلا .. فلا.
قال: (ويستنيب مكاتبه)؛ لأنه معه كالأجنبي، والظاهر: أن المبعض كالمكاتب، وينبغي اعتبار زمن الاستنابة، فإن وافق نوبته .. صح، أو نوبة سيده .. فلا.
قال: (ولو رهن وديعة عند مودع أو مغصوبًا عند غاصب .. لم يلزم ما لم يمض زمن إمكان قبضه)؛ لأن القبض لا يحصل إلا بالاستفتاء أو التمكن منه كالإجارة، ولا يشترط ذهابه إليه على ما صححه البغوي والرافعي.
وقيل: يشترط، وصححه الأكثرون.
وقيل: إن أخبره ثقة ببقائه .. لم يجب، وإلا .. وجب.
وعن حرملة: أنه لا يحتاج إلى مضي زمان، ورد الأصحاب هذا النقل عليه.
قال: (والأظهر: اشتراط إذنه في قبضه)؛ لأن اليد كانت عن غير جهة الرهن، ولم يقع تعرض للقبض بحكم الرهن.
وَلَا يُبْرِئُهُ ارْتِهَانُهُ عَنِ الْغَصْبِ،
والثاني: لايشترط؛ لأن العقد مع صاحب اليد يتضمن الإذن.
قال: (ولا يبرئه ارتهانه عن الغصب)؛ لأن الدوام أقوى من الابتداء، ودوام الرهن لا يمنع الضمان بالتعدي في المرهون ويبقى الرهن بحاله فلأن لا يرفع ابتداء الرهن دوام الضمان أولى، بخلاف البيع؛ فإنه يزيل الملك.
وقال الأئمة الثلاثة والمزني: يبرأ بالارتهان، وإذا أراد المرتهن البراءة .. فطريقه أن يرده إلى الراهن ثم يسترده بحكم الرهن، فلو امتنع الراهن من أخذه .. ففي إجباره وجهان.
وعلى المذهب: لا تبرئه إجارة وتوكيل وقراض وتزويج.
ورهن العارية والمستام والمقبوض بالشراء الفاسد عند صاحب اليد كرهن المغصوب، فلا يختص الحكم بالارتهان ولا بالغصب.
ولو صرح بإبراء الغاصب عن ضمان الغصب والمال باق في يده .. ففي براءته ومصير يده أمانة وجهان: أصحهما عند الرافعي: لا يبرأ، وصحح المصنف: أنه يبرأ.
فرع:
يجوز اجتماع الرهن والإجارة عندنا، فلو عقد على عين رهنًا وإجارة وأذن له في القبض .. صارت مقبوضة عنهما، وكذا إن أذن في القبض عن الرهن فقط؛ لأن قبض الإجارة مستحق لا يفتقر إلى إذن، وإن أذن في القبض عن الإجارة فقط .. لم يصر مقبوضًا عن الرهن.
وَيُبْرِئُهُ الإِيدَاعُ فِي الأَصَحِّ.
وَيَحْصُلُ الرُّجُوعٌ عَنِ الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِتَصَرُّفٍ يُزِيلُ الْمِلْكَ كَهِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ وَبِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ وَكِتَابَةٍ وَكَذَا تَدْبِيرُهُ فِي الأَظْهَرِ، وَبِإِحْبَالِهَا، لَا وَطْءٍ وَتَزْوِيجٍ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَاقِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ جُنَّ أَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ .. لَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ فِي الأَصَحِّ
قال: (ويبرئه الإيداع في الأصح)؛ لأن مقصود الإيداع: الائتمان، والضمان والأمانة لا يجتمعان.
قال: (ويحصل الرجوع عن الرهن قبل القبض بتصرف يزيل الملك كهبة مقبوضة)؛ لزوال محل الرهن.
قال: (وبرهن مقبوض)؛ لتعلق حق الغير، وإنما أتى بحرف الجر، ليخرجه عن أن يكون من أمثلة ما يزيل الملك.
وتقييد الكتاب و (الروضة) و (أصليهما) الرهن والهبة بالقبض يقتضي: أنهما قبل القبض ليسا رجوعًا، والنص: أنه رجوع، وعلى تخريج الربيع: لا يكون رجوعًا.
قال: (وكتابة)؛ لتعلق حق الغير.
قال: (وكذا تدبيره في الأظهر)؛ لأن مقصود التدبير العتق وهو ينافي الرهن.
والثاني –وهو مخرج-: لا؛ لأن الرجوع عن التدبير ممكن، وتعليق العتق كالتدبير.
ولو أجره إلى مدة تنقضي قبل الحلول .. لم يكن رجوعًا، أو بعده، فإن جوزنا بيع المستأجر .. فليس برجوع، وإلا .. فرجوع في الأصح.
قال: (وبإحبالها)؛ لامتناع بيعها.
قال: (لا وطء وتزويج)؛ لعدم منافاتها للرهن، سواء كان المزوج عبدًا أو أمة.
قال: (ولو مات العاقد قبل القبض أو جن أو تخمر العصير أو أبق العبد .. لم يبطل الرهن في الأصح) أما في الموت .. فلأنه عقد مصيره إلى اللزوم فلا يتأثر بالموت.
وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ الْمُقْبِضِ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ– لَكِنْ فِي إِعْتَاقِهِ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا: يَنْفُذُ مِنَ الْمُوسِرِ ......
والثاني: ينفسخ؛ لأنه عقد جائز كالوكالة.
وأما إذ جن أحد المتعاقدين أو أغمي عليه .. فذلك مرتب على موته، فإن قلنا: لا ينفسخ بالموت .. فهنا أولى أن لا ينفسخ، وإن قلنا: ينفسخ به .. فههنا وجهان.
ولو طرأ على أحدهما حجر سفه أو فلس .. فكالجنون.
والعصير إذا تخمر قبل القبض .. الصحيح: لا يبطل كما بعد القبض.
والثاني: يبطل؛ لضعف الرهن وعدم لزومه، فإن تخمر بعد قبضه .. فالصحيح: بطلان الرهن؛ لخروجه عن المالية.
وقيل: إن عاد .. بان أن الرهن لم يبطل.
وإباق العبد المرهون قبل القبض كذلك؛ لأنه باق على ملك المالك فلم يبطل الرهن.
وقيل: يبطل؛ لأنه عاد إلى حالة تمنع ابتداء الرهن.
ولو ماتت الشاة المرهونة فدبغ جلدها .. لم يعد رهنًا على الأصح؛ لأن ماليته بالمعالجة بخلاف الخل.
قال: (وليس للراهن المقبض تصرف يزيل الملك)؛ لأنه لو جاز .. لبطل معنى التوثق.
هذا إذا لم يكن التصرف معه أو بإذنه، فإن كان كذلك .. فسيأتي.
ملغزة:
لنا مرهون: يباع بغير إذن المرهون عنده جزمًا، وهو المستعار ليرهن إذا بيع من الراهن الذي استعاره؛ فإنه يصح بغير إذن المرهون عنده جزمًا؛ لعدم تفويت الوثيقة في ذلك.
قال: (لكن في إعتاقه أقوال، أظهرها: ينفذ من الموسر)؛ لأنه عتق في ملكه
وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ يَوْمَ عِتْقِهِ رَهْنًا،
يبطل به حق غيره فاختلف فيه الموسر والمعسر، كالعتق في العبد المشترك، وبه قال مالك.
والثاني: ينفذ مطلقًا؛ لأنه مالكه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
والثالث: لا ينفذ مطلقًا؛ لأجل الحجر، وبه قال عطاء.
ومحل الأقوال: ما إذا لم يعتقه عن كفارة غيره، فإذا أعتقه عنها .. لم يصح، كذا قاله في (الروضة)، ولا يرد؛ لأنه بيع ضمني.
واحترز بقوله: (في إعتاقه) عن الحكم بإعتاقه لا بإعتاق الراهن له بل بالسراية، كما إذا رهن نصف عبد ثم أعتق الآخر أو أطلق .. فالأصح: أنه يعتق ويسري إلى النصف المرهون، لكن يشترط اليسار على الأصح.
وقوله: (ينفذ) بضم الفاء وبالذال المعجمة.
أما إذا أضاف العتق إلى النصف المرهون .. ففيه الأقوال الثلاثة في عتق الراهن، ومسألة عتق الراهن هي التي بحث فيها الشافعي مع فتيان فكانت سبب موته شهيدًا رضي الله عنه.
ووقف المرهون باطل على المذهب، وقيل: على الأقوال.
قال: (ويغرم قيمته) أي: إذا نفذ من الموسر .. غرم القيمة؛ جبرًا لحق المرتهن.
قال: (يوم عتقه)؛ لأنه وقت الإتلاف والأكثرون قطعوا بأنه يعتق بنفس اللفظ.
وقيل: بدفع القيمة.
وقيل: موقوف، إن دفع .. حكمنا بأنه عتق من حين الإعتاق، وإن لم يدفع .. حكمنا بأنه لم يعتق حالة الإعتاق.
قال: (رهنًا) أي: من غير إنشاء عقد لذلك؛ لقيامها مقام الرهن، وعبارة الكتاب أحسن من قول (المحرر) و (الشرح) و (الروضة) و (التنبيه): ويجعل رهنًا مكانه، وهل يوصف بالرهن قبل الغرم وهي في ذمة المعتق؟ يظهر: أن يكون كالأرش في ذمة الجاني، والأرجح فيه: أنه مرهون.
فَإِنْ لَمْ نُنْفِذْهُ فَانْفَكَّ .. لَمْ يَنْفُذْ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ عَلَّقَهُ بَصِفَةٍ فَوُجِدَتْ وَهُوَ رَهْنٌ .. فَكَالإِعْتَاقِ، أَوْ بَعْدَهُ .. نَفَذَ عَلَى الصَّحِيحِ- وَلَا رهْنُهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا التَّزْوِيجُ،
قال: (فإن لم ننفذه فانفك .. لم ينفذ في الأصح)؛ لأنه أعتق في حال لا ينفذ فيها إعتاقه، فأشبه ما لو أعتق المحجور عليه بسفه ثم زال حجره.
والثاني: ينفذ؛ لزوال المانع، وكان الصواب: التعبير بالأظهر؛ لأنهما قولان منصوصان.
قال: (ولو علقه بصفة) أي: علق الراهن العتق بصفة (فوجدت وهو رهن .. فكالإعتاق) فتأتي فيه الأقوال؛ لأن التعليق مع الصفة كالتنجيز، والمراد: أنه علقه بعد الرهن، أما لو علق قبله .. فقد سبق في الكتاب تصحيح بطلان الرهن.
قال: (أو بعده .. نفذ على الصحيح)؛ لأنه لا يبطل حق المرتهن.
والثاني: لا ينفذ؛ إبطالًا للتعليق مطلقًا.
والوجهان كالوجهين فيما إذا قال العبد: إن فعلت كذا فأنت طالق ثلاثًا، ثم عتق، ثم فعله .. تقع الطلقة الثالثة في الأصح.
هذا إذا لم توجد الصفة إلا بعد الفكاك، فلو وجدت أيضًا وهو رهن ولم يحكم بالعتق بالإعسار .. فإن اليمين تنحل فلا يعتق بوجودها بعده.
فرع:
المبعض إذا كان له على سيده دين فرهن عنده نصفه .. صح، ولا يجوز إعتاقه إلا بإذنه كالمرتهن الأجنبي.
قال: (ولا رهنه لغيره)؛ لمزاحمة حق الأول فيفوت مقصود الرهن، أما رهنه منه .. فقد تقدم.
قال: (ولا التزويج) عبدًا كان أو أمة؛ لما فيه من تنقيص القيمة خلية كانت عند الرهن أو مزوجة، وسواء زوجها لزوجها الأول أم لغيره.
وَلَا الإِجَارَةُ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ يَحِلُّ قَبْلَهَا، وَلَا الْوَطْءُ، فَإِنْ وَطِئَ .. فَالْوَلَدُ حُرٌّ
وتجوز الرجعة؛ لقدم حق الزوج وتقديمه على حق السيد.
ولو قلنا: إن الرجعة ابتداء نكاح، فإن خالف فزوج العبد أو الأمة المرهونين .. فالنكاح باطل؛ لأنه ممنوع منه قياسًا على البيع.
وقال أبو حنيفة: يجوز التزويج.
قال: (ولا الإجارة إن كان الدين حالًّا أو يحل قبلها)؛ لأن الرغبة فيها تقل وتنقص قيمتها بذلك.
هذا إذا أجرها لغيره بغير إذنه، فإن أجرها له أو بإذنه .. صح واستمر الرهن.
واحترز بذلك عما إذا حل بعدها أو معها، والأصح: الصحة، وقيل: تصح مطلقًا، وقيل: تبطل في الزائد، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، وبهذا جزم الماوردي، واختاره الشيخ.
ووقع في (الشرحين) و (الروضة) التعبير عن هذا الوجه بالعكس، وهو خلاف الصواب، وشرط جواز الإجارة: أن يكون المستأجر عدلًا، وكذلك الإعارة أيضًا.
قال: (ولا الوطء) صغيرة كانت أم كبيرة، بكرًا أم ثيبًا، عزل أم لا، لأن البكر تنقص قيمتها بالافتضاض، والثيب قد تموت من الطلق، وإذا عزل .. فقد يسبق الماء.
وفي وجه ضعيف: يجوز الوطء إن أمن الحبل كالصغيرة والآيسة والحامل من الزنا.
وقال ابن أبي عصرون: إذا كانت دون تسع سنين .. فلا منع مطلقًا.
قال: (فإن وطئ .. فالولد حر) بلا خلاف؛ لأنها علقت به في ملكه، ولا قيمة عليه؛ لأن المرتهن لا حق له في ولد المرهونة بحال ولا حد عليه، لكن يعزر لوطئه وإن لم تحبل، ولا يجب عليه حد ولا مهر، لكن عليه أرش البكارة إذا كان بكرًا وتكون رهنًا، فإن أفضاها .. وجب عليه قيمتها، ثم يتخير الراهن في ذلك، فإن شاء .. جعله له رهنًا، وإن شاء .. صرفه إلى قضاء الدين.
وَفِي نُفُوذِ الِاسْتِيَلَادِ أَقْوَالُ الإِعْتَاقِ، فَإِنْ لَمْ نُنْفِذُهُ فَانْفَكَّ .. نَفَذَ فِي الأَصَحِّ.
فَلَوْ مَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ .. غَرِمَ قِيمَتَهَا رَهْنًا فِي الأَصَحِّ
قال: (وفي نفوذ الاستيلاد أقوال الإعتاق) بل هو أولى بالنفوذ عند الأكثرين؛ لأن إحبال المجنون والسفيه نافذ وإعتاقهما لا ينفذ، وكذا إحبال الأب جارية ابنه نافذ.
قال: (فإن لم ننفذه فانفك .. نفذ في الأصح) وهذا بخلاف العتق؛ لما تقدم من قوة الإحبال.
وقيل: هو كما لو بيعت ثم ملكها، وقد قال فيما لو بيعت ثم عادت إلى ملكه .. نفذ الاستيلاد في الأظهر، لكن كان ينبغي له أن يقول: نفذ على المذهب، كما قاله في (الروضة).
قال: (فلو ماتت بالولادة .. غرم قيمتها رهنا في الأصح)؛ لأنها هلكت بسبب تعديه.
والثاني: لا تجب عليه القيمة؛ لأن إضافة الهلاك إلى الوطء بعيدة، وإضافته إلى شدة الطلق أقرب.
وقوله: (رهنًا) أي: من غير إنشاء رهن، ولا يبعد إجراء وجه فيه، والخلاف جار: فيما لو أولد أمة غيره بشبهة وماتت بالولادة، والأصح: الوجوب.
ولو كانت حرة .. لم تجب الدية على الأصح؛ لأن الوطء سبب ضعيف والحر لا يدخل تحت اليد، وحيث أوجبنا القيمة .. فالأصح: قيمة يوم الإحبال؛ لأنه سبب التلف.
والثاني: قيمة يوم الموت.
والثالث: أقصى القيم من الإحبال إلى الموت.
ومع قولنا: لا يثبت الاستيلاد .. لا تباع وهي حامل؛ لأنها حامل بحر، ولا بعد الولادة حتى تسقي ولدها اللبأ، وإذا سقته ولم يوجد من ترضعه .. لم تبع حتى توجد غيرها؛ خوفًا من أن يهلك الولد.
وَلَهُ كُلُّ انْتِفَاعٍ لَا يَنْقُصُهُ كَالرُّكُوبِ وَالسُّكْنى، لَا الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ، فَإِنْ فَعَلَ .. لَمْ يَقْلَعْ قَبْلَ الأَجَلِ، وَبَعْدَهُ يَقْلَعُ إِنْ لَمْ تَفِ الأَرْضُ بالدَّيْنِ وَزَادَتْ بِهِ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ الاِنْتِفَاعُ بِغَيْرِ اسْتِرْدَادٍ .. لَمْ يَسْتَرِدَّ،
قال: (وله) أي: للراهن (كل انتفاع لا ينقصه كالركوب والسكنى)؛ لما روى الدارقطني [3/ 34] والحاكم [2/ 58] والبيهقي [6/ 38] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرهن مركوب ومحلوب).
وفي (البخاري) [2512]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة).
وقوله: (ينقصه) الأفصح فيه التخفيف على وزن: أكله يأكله، قال تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئًا﴾، وكذا ضبطه المصنف بخطه.
قال: (لا البناء والغراس)؛ لنقص قيمة الأرض بهما.
وفي وجه في (النهاية): يجوز إذا كان الدين مؤجلًا.
قال: (فإن فعل .. لم يقلع قبل الأجل)؛ لأنه قد يقضي الدين من غير الأرض.
وقيل: يقلع؛ لأنه وضع غير مستحق، وبه جزم الغزالي.
قال: (وبعده) أي: بعد حلول الأجل (يقلع إن لم تف الأرض بالدين وزادت به) أي: بالقلع، ولم يأذن الراهن، أي: في بيع الغراس مع الأرض؛ لتعلق حق المرتهن بأرض فارغة، فإن أذن في بيع الغراس .. لم يقلع، ويباعان ويوزع الثمن عليهما، ويحسب النقصان على الغراس.
وكذا لو حجر على الراهن بالفلس .. لم يقلع بحال؛ لتعلق حق الغرماء بل يباعان ويوزع الثمن عليهما، فما قابل الأرض .. اختص به المرتهن، وما قابل الأشجار .. قسم بين الغرماء، فإن نقصت قيمة الأرض بسبب الأشجار .. حسب النقص على الشجر؛ لأن حق المرتهن في الأرض فارغة.
قال: (ثم إن أمكن الانتفاع بغير استرداد .. لم يسترد) أي: من المرتهن، كما
وَإِلَّا .. فَيَسْتَرِدُّ، وَيُشْهِدُ إِنِ اتَّهَمَهُ، وَلَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ
إذا رهن عبدًا له صنعة يمكن أن يعملها عند المرتهن فأراد السيد أن يعملها عنده، فإنه لا يمكن؛ لأن اليد للمرتهن كما سيأتي.
قال: (وإلا .. فيسترد)؛ للحاجة إلى ذلك، كما إذا رهن دارًا أو عبدًا لا يحسن إلا الخدمة، أو كان يحسن الصنعة ولم يرد السيد إلا الاستخدام .. استخدمه نهارًا ويرده إلى المرتهن ليلًا، ويكون ذلك في الوقت الذي جرت العادة بالراحة فيه كالأمة المزوجة.
وشرط جواز الاسترداد في الأمة: أن يؤمن غشيانها كمحرم، أو كان ثقة وله أهل.
قال: (ويشهد إن اتهمه) فيشهد شاهدين: أنه أخذه للانتفاع، فإن وثق به .. لم يكلف الإشهاد في الأصح؛ لما فيه من المشقة.
فروع:
يجوز ختان العبد الصغير إن كان في وقت يندمل الجرح قبل حلول الدين، وأما ختان الكبير .. فقال المتولي ونصر المقدسي وشيخه سليم وابن داوود: يجوز أيضًا، وفي (التهذيب): أنه لا يجوز، وقال المصنف: إنه ظاهر النص، وفيه نظر، والمختار: الجواز.
وليس للراهن المسافرة بالعين المرهونة بحال وإن قصر سفره؛ لما فيه من الخطر، ويمنع من زرع الأرض إن ضر، وإلا؛ فإن كان يحصد قبل محل الدين .. جاز، وإن لم يحصد إلا بعده .. فقولان: أصحهما: المنع؛ لقلة الرغبة في الأرض المزروعة.
قال: (وله بإذن المرتهن ما منعناه) فيحل الوطء، ويصح التزويج والإعتاق وغيرها من الانتفاعات إذا أذن فيها؛ لأن المنع كان لحقه وقد زال بإذنه.
وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ جَاهِلًا بِرُجُوعِهِ .. فَكَتَصَرُّفِ وَكِيلٍ جَهِلَ عَزْلَهُ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِهِ لِيُعَجِّلَ الْمُؤَجَّلَ مِنْ ثَمَنِهِ .. لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ،
ومقتضى إطلاقه: جواز الرهن بالإذن، ويجعل فسخًا للرهن السابق، فإن كان كذلك .. فيشكل عليه ما سبق من منع رهنه عند المرتهن بدين آخر؛ فإن ارتهانه يتضمن الرضا به، فينبغي أن يصح ويكون فسخًا، وقد صرح الإمام وغيره بأن البيع وغيره من التصرفات مع المرتهن جائز؛ لأنه في معنى الإذن، لكن إذا ابتدأ الراهن بالإيجاب .. ففي الصحة تردد حكاه الإمام عن شيخه؛ لأنه لم يكن إذ ذاك مأذونًا له فيه، وحكى فيه في (البسيط) وجهين.
قال: (وله الرجوع قبل التصرف الراهن) كما للمالك أن يرجع قبل تصرف الوكيل، وإذا رجع .. فالتصرف بعده تصرف بغير إذن.
نعم؛ يستثنى منه: ما إذا وهب ولم يقبض، أو وطئ ولو تحبل .. فله الرجوع؛ ليمتنع الوطء بعده.
وأفهمت عبارة المصنف: أنه إذا باع بشرط الخيار فرجع المرتهن .. لم يصح رجوعه ولم يبطل البيع، وهو كذلك على الأصح.
قال: (فإن تصرف جاهلًا برجوعه .. فكتصرف وكيل جهل عزله) وفيه وجهان: الأصح: عدم النفوذ كما سيأتي في بابه.
قال: (ولو أذن في بيعه ليعجل المؤجل من ثمنه .. لم يصح البيع) المراد: إذا شرط ذلك لفظًا .. يفسد العقد؛ لأنه شرط في الإذن شرطًا فاسدًا فأبطله، أما إذا قصده ولم ينطق به .. فلا يلتفت إليه، فلو نطق به لا على صورة الشرط، بل أتى بما اقتضته عبارة المصنف فقال: أذنت لك في بيعه لتعجل المؤجل .. قال الشيخ: فالذي
وَكَذَا لَوْ شَرَطَ رَهْنَ الثَّمَنِ فِي الأَظْهَرِ.
فَصْلٌ:
إِذَا لَزِمَ الرَّهْنُ .. فَالْيَدُ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ،
يظهر: أن هذا ليس بشرط ولا يلتفت إليه أيضًا، ويكون الإذن صحيحًا والبيع صحيحًا؛ لأنه ليس فيه إلا التصريح بقصده، وأنه الحامل له على الإذن وذلك لا يقتضي اشتراطًا.
قال: (وكذا لو شرط رهن الثمن في الأظهر) أي: أذن في البيع بشرط أن يجعل الثمن رهنًا مكانه .. لم يصح؛ لأن الثمن مجهول عند الإذن، كذا علله الرافعي وغيره، ومقتضى هذه العلة: أن الثمن لو كان معلومًا .. صح.
والثاني: يصح؛ لأن الرهن قد ينتقل من العين إلى البدل.
قال الشيخ: ومحل القولين: إذا كان الدين مؤجلًا سواء شرط كون الثمن رهنًا أم جعله رهنًا، فلو كان حالًا وشرط كون ثمنه رهنًا .. فيصح قطعًا؛ لأنه زاد تأكيدًا، لأن ذلك حكمه إذا أطلق الإذن، وفي المؤجل إذا أطلق الإذن .. بطل الرهن بالبيع.
تتمة:
يجرى القولان: فيما إذا أذن له في الإعتاق بشرط جعل القيمة رهنًا، أو في الوطء بهذا الشرط إن أحبل، وإذا اختلفا في الإذن بعد البيع فقال المرتهن: أذنت في البيع بشرط أن يرهن الثمن، وقال الراهن: بل مطلقًا .. فالقول قول المرتهن بيمينه، كما لو اختلفا في أصل الإذن.
قال: (
فصل
: إذا لزم الرهن .. فاليد فيه للمرتهن)؛ لأن الثقة بالتوثق إنما تحصل بجعله في يده، لكن يستثنى: ما لو رهن عبدًا مسلمًا، أو مصحفًا من كافر، أو سلاحًا من حربي .. فإنه يوضع عند عدل.
وَلَا تُزَالُ إِلَّا لِلِانْتِفَاعِ كَمَا سَبَقَ.
وَلَوْ شَرَطَا وَضْعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ .. جَازَ، أَوْ عِنْدَ اثْنَيْنِ وَنَصَّا عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى حِفْظِهِ أَوِ الِانْفِرَادِ بِهِ .. فَذَاكَ، وَإِنْ أَطْلَقَا .. فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَدْلُ أَوْ فُسِّقَ .. جَعَلَاهُ حَيْثُ يَتَّفِقَانِ، وَإِنْ تَشَاحَّا .. وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدْلٍ
ولو رهن جارية، فإن كانت محرمًا له أو طفلة، أو كان المرتهن امرأة، أو أجنبيًا ثقة وعنده زوجة أو امرأة أو نسوة ثقات .. وضعت عنده، وإلا .. فعند محرم لها أو امرأة ثقة أو عدل بالصفة المذكورة، والخنثى كالجارية لكن لا يوضع عند امرأة.
قال: (ولا تزال إلا للانتفاع كما سبق)؛ جمعًا بين الحقين.
قال: (ولو شرطا وضعه عند عدل .. جاز)؛ لأن كلًا منهما قد لا يثق بالآخر ويثق بثالث، وكما يتولى العدل الحفظ يتولى القبض أيضًا.
وعبارة (الشرحين)، و (الروضة): في يد ثالث، وهو الصواب؛ فإن الفاسق كالعدل في ذلك، ولا يجوز له أن يسلمه لأحدهما إلا بإذن الآخر، ولا إلى ثالث بغير إذنهما، فإن فعل .. ضمن، ولو كانا غائبين وأراد السفر ولا وكيل لهما .. فحكم تسليمه إلى حاكم حكم الوديعة.
قال: (أو عند اثنين ونصا على اجتماعهما على حفظه أو الانفراد به .. فذاك) أي: فيتبع الشرط.
قال: (وإن أطلقا .. فليس لأحدهما الانفراد في الأصح)؛ لعدم الرضا بيد واحد.
والثاني: يجوز؛ لما في الاجتماع على الحفظ من المشقة.
قال: (ولو مات العدل أو فسق .. جعلاه حيث يتفقان، وإن تشاحا .. وضعه الحاكم عند عدل)؛ قطعًا للمنازعة.
وكذا إن كان فاسقًا فزاد فسقه، أو كان غير فاسق ولكن تبين عجزه؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
وكذا لو اتفقا على إبقائه عنده وقد طرأ فسقه، أو اتفقا على نقله عنه من غير تغير حال .. جاز.
وَيَسْتَحِقُّ بَيْعَ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْحَاجَةِ،
وصورة التشاح قد تستشكل؛ لأنه إن كان قبل القبض .. فالتسليم غير واجب وإجبار الحاكم إنما يكون في واجب، وإن كان بعده .. فلا يجوز نزعه ممن هو في يده.
والجواب: أنها مصورة بما إذا وضعاه عنده ففسق أو مات، كما هو ظاهر كلام المصنف.
فرع:
لو مات المرتهن أو تغير حاله والرهن عنده .. كان للراهن نقله إلى آخر، وليس عليه الرضا بيد وارثه وإن ساوى مورثه في العدالة، فيضعه الحاكم عند عدل.
وقيل: لا تزال يدهم، بل يضم إليهم غيرهم إن طلبه الراهن.
قال: (ويستحق بيع المرهون عند الحاجة)؛ لأن ذلك فائدة الرهن.
واستنبط ابن الرفعة من استحقاق البيع: أنه لا يجب على الراهن الوفاء من غير الرهن كما صرح به الإمام، واستشكله الشيخ عز الدين في (مختصره)؛ لما فيه من تأخير الحق الواجب على الفور بسبب الرهن، ورده الشيخ عليه، وأختار: أنه يجب الوفاء إما من الرهن، وإما من غيره إذا كان أسرع وطالب المرتهن به .. فإنه يجب؛ تعجيلًا للوفاء، وكذلك يستحق بيع المرهون عند الإشراف على التلف قبل الحلول.
ووقع في (الفتاوى): أن رجلًا رهن دارًا بدين عليه، ثم غاب وله دار أخرى غير مرهونة، فادعى المرتهن على الغائب عند الحاكم وأثبت الدين والرهن، وكانت كل من الدارين يمكن وفاء الدين من ثمنها، فترك القاضي الدار المرهونة وباع التي ليست بمرهونة؟.
فاختبط الفقهاء في ذلك:
وَيُقَدَّمُ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ، وَيَبِيعُهُ الرَّاهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ لَمْ يَاذَنْ .. قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: تَاذَنُ أَوْ تُبْرِئُ.
وَلَوْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ فَأَبَى الرَّاهِنُ .. أَلْزَمَهُ الْقَاضِي قَضَاءَ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ .. بَاعَهُ الْحَاكِمُ ....
فمن قائل بالجواز؛ لأن الواجب الوفاء من مال المديون ولا فرق في ذلك بين المرهون وغيره، كما لو لم يكن بالدين رهن.
ومن قائل بعدم الجواز؛ لأن بيع الرهن مستحق وبيع غيره غير مستحق ولا وجه لبيع غير المستحق مع إمكان بيع المستحق.
وأفتى الشيخ بأن للحاكم بيع ما يرى بيعه من المرهون وغيره؛ لأن له ولاية على الغائب فيفعل ما يراه مصلحة.
وإن كان للغائب نقد حاضر من جنس الدين وطلب المرتهن .. فإنه يوفى منه ويأخذ الرهن، وكذلك إذا كان بيع الرهن أروج .. فإنه يباع دون غيره إذا لم يكن نقد حاضر وطلبه المشتري.
قال: (ويقدم المرتهن بثمنه)؛ لأن حقه كان معلقًا به وبالذمة.
قال: (ويبيعه الراهن)؛ لأنه المالك.
قال: (أو وكيله)؛ لأنه قائم مقامه.
قال: (بإذن المرتهن)؛ لاشتراكهما في الحق، ووكيل المرتهن كالمرتهن.
قال: (فإن لم يأذن) وأراد الراهن بيعه (.. قال له الحاكم: تأذن أو تبرئ)؛ دفعًا لضرر الراهن.
قال: (ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن .. ألزمه القاضي قضاء الدين أو بيعه) وذلك بالحبس ثم بالتعزير.
وقال أبو حنيفة: لا يبيعه بل يحبسه إلى أن يبيع.
قال: (فإن أصر .. باعه الحاكم)؛ دفعًا للضرر، فإن كان الراهن غائبًا .. أثبت
وَلَوْ بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ بَاعَ بِحَضْرَتِهِ .. صَحَّ، وَإِلَّا .. فَلَا
ذلك عند الحاكم ليبيعه، فإن لم تكن بينة أو لم يكن حاكم .. فله بيعه بنفسه كمن ظفر بمال من له عليه دين وهو جاحد.
حادثة:
رجل رهن عينًا بدين مؤجل وغاب من له الدين، فأحضر الراهن المبلغ إلى الحاكم وطلب منه قبضه ليفك الرهن .. هل له ذلك؟
أجاب الشيخ بأن له ذلك ويجب عليه؛ لما روى الشافعي [أم 3/ 137] عن أنس رضي الله عنه: أنه كاتب غلامًا، فأتى الغلام بالنجوم وأراد إقباضها ليعجل له العتق، فامتنع أنس رضي الله عنه، فأتى المكاتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذكر له ذلك، فأمره عمر رضي الله عنه بأخذها منه.
وسيأتي نظير هذا في (باب الكتابة) عن أبي سعيد المقبري.
قال: (ولو باعه المرتهن بإذن الراهن .. فالأصح: أنه إن باع بحضرته .. صح، وإلا .. فلا)؛ لأنه يبيعه لغرض نفسه فيتهم في الاستعجال وعدم الاحتياط.
والثاني: يصح مطلقًا، وبه قال الأئمة الثلاثة، واختاره الشيخ، كما لو أذن له في بيع غيره من أمواله.
والثالث: لا يصح مطلقًا؛ لأنه توكيل فيما يتعلق بحق نفسه.
كل هذا إذا لم يقدر الثمن، فإن قدره، فمن علل بالاستحقاق .. فالمنع مستمر، ومن علل بالتهمة .. صح وهو الأصح، ولو كان الدين مؤجلًا .. انتفى الأمران فيصح في حضرته وغيبته.
وحيث صححنا إذنه، فإن قال: بعه لي .. صح، وإن قال: بعه لنفسك .. لم
وَلَوْ شُرِطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْعَدْلُ .. جَازَ، وَلَا تُشْتَرَطُ مُرَاجَعَةُ الرَّاهِنِ فِي الأَصَحِّ.
فَإِذَا بَاعَ .. فَالثَّمَنُ عِنْدَهُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ.
وَلَوْ تَلِفَ ثَمَنُهُ فِي يَدِ الْعَدْلِ ثُمَّ اسْتُحِقَّ الْمَرْهُونُ، فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي .....
يصح في الأصح، وإن أطلق .. فالأصح: الصحة.
وإذن السيد للمجني عليه في بيع العبد الجاني، وإذن الوارث للغرماء في بيع التركة كإذن الراهن للمرتهن.
قال: (ولو شرط أن يبيعه العدل .. جاز) أي: صح الشرط سواء كان الدين حالًا أو مؤجلًا.
فلو عزله الراهن .. انعزل، أو المرتهن .. فلا في الأصح؛ لأنه وكيل الراهن وإذن المرتهن شرط فيه.
قال: (ولا تشترط مراجعة الراهن في الأصح)؛ استصحابًا لحكم الإذن الأول.
والثاني: يشترط؛ لأنه قد يكون له غرض في استبقائه وقضاء الحق من غيره.
واحترز بـ (الراهن) عن المرتهن؛ فإنه لابد من مراجعته، لأنه ربما أمهل أو أبرأ، كذا جزم به العراقيون.
وقال الإمام: لا خلاف أن المرتهن لا يراجع؛ لأن غرضه توفية الحق، بخلاف الراهن؛ لما تقدم، وبيَّن في (المهمات) تبعًا للشيخ: أنه لا تنافي بين الطريقين.
قال: (فإذا باع .. فالثمن عنده من ضمان الراهن حتى يقبضه المرتهن)؛ لأنه ملكه.
وقال أبو حنيفة ومالك: هو من ضمان المرتهن، ولو ادعى العدل تلفه .. قُبل قوله كالمودع.
قال: (ولو تلف ثمنه في يد العدل ثم استحق المرهون، فإن شاء المشتري .. رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ، وَإِنْ شَاءَ .. عَلَى الرَّاهِنِ، وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ.
وَلَا يَبِيعُ الْعَدْلُ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ حَالًّا مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ ....
رجع على العدل)؛ لوضع يده (وإن شاء .. على الراهن، والقرار عليه)؛ لأنه ألجأ المشتري شرعًا إلى التسليم للعدل بحكم توكيله.
والمراد بـ (التلف في يد العدل): أن يكون ذلك بغير تفريط، فإن فرط .. اقتصر الضمان على العدل.
هذا إذا لم يكن العدل مأذونًا له من جهة الحاكم لموت الراهن أو غيبته، فإن كان .. فالأصح: أن المشتري يرجع على الراهن فقط إن كان حيًا، وإلا .. ففي تركته، ولا يكون العدل طريقًا في الضمان؛ لأنه نائب عن الحاكم، فإن كان البائع الحاكم .. لم يطالب به قطعًا ابتداء ولا قرارًا.
فرع:
انتهى الثمن إلى يد الراهن وتلف في يده وخرج المبيع مستحقًا .. طالب المشتري الراهن قطعًا، وأما الوكيل، فإن لم يمر الثمن بيده .. لا مطالبة عليه، وإن مر بيده .. فوجهان: أصحهما: يطالب والقرار على الراهن، وهذا الفرع كثيرًا ما يلتبس على الحكام، وسيأتي في (الوكالة).
قال: (ولا يبيع العدل إلى بثمن مثله حالًّا من نقد بلده) كالوكيل، هذا عند إطلاق الإذن، فلو باع بأقل من ثمن المثل بقدر يسير في العرف .. صح، وإلا .. فلا.
وعبارته توهم: أن الراهن والمرتهن ليسا كذلك، والمتجه: إلحاقهما به، فلو قال: ولا يباع .. لكان أعم، وقد يقال: إنهما إذا اتفقا على بيعه بشيء .. لا اعتراض عليهما؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
فَإِنْ زَادَ رَاغِبٌ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ .. فَلْيَفْسَخْ وَلْيَبِعْهُ
قال: (فإن زاد راغب قبل انقضاء الخيار .. فليفسخ وليبعه) سواء كان خيار مجلس أو شرط، وهو أحسن من قول (المحرر) و (الشرح): قبل التفرق.
والمراد: أنه لا ينفسخ بمجرد الزيادة وهو كذلك في الأصح، لكن لا يبادر إليه إلا بعد ظهور استقرار الزيادة، فإن ظهر له استقرارها فلم يفسخ .. انفسخ في الأصح.
ولو باع العدل من الراغب ولم يفسخ .. صح على الأصح، بل قد يقال: البيع بدون الفسخ أولى؛ لأنه قد يفسخ فيرجع الراغب، فلو قال له: تخير بين الفسخ وبين البيع بلا فسخ .. كان أولى.
وإذا قلنا بالأصح فلم يعلم الوكيل حتى انقضى الخيار والزيادة مستقرة .. قال الشيخ: فالأقرب: أنه يبين الفسخ، لكن لم أر من صرح به.
حادثة:
رجل عليه دين رهن به كرمًا، وحل الدين وهو غائب، وأثبت صاحب الدين الإقرار والرهن والقبض وغيبة الراهن، وثبت عند الحاكم: أن قيمته قدر الدين، فأذن في تعويضه للمرتهن عن دينه، ثم بعد مدة قامت بينة: أن قيمته يوم التعويض أكثر، وكان يوم التعويض يوم التقويم الأول.
أجاب الشيخ: يستمر التعويض ولا يبطل بقيام البينة الثانية مهما كان التقويم الأول محتملًا؛ لأنه بيع في دين واجب على صاحبه فلا يبطل بالبينة المعارضة، ولأن فعل هذا المأذون كفعل الحاكم، وقد اختلف فيه هل هو حكم أو لا؟ وعلى كل تقدير لا يجوز نقضه إلا بمستند، والبينة المعارضة لا تصح مستندًا.
وَمُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْهُونِ كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ
قال: (ومؤنة المرهون على الراهن) بالإجماع، ولا يقدح في ذلك قول الحسن بن صالح: إنها على المرتهن.
وشملت عبارته: النفقة والكسوة والعلف والسقي وتجفيف الثمار وأجرة الإصطبل والبيت الذي يحفظ فيه المتاع.
قال: (ويجبر عليها لحق المرتهن على الصحيح)؛ استبقاءً للوثيقة.
والمراد: أنه يجبر عليها من ماله لا من الرهن.
والثاني: لا يجبر، لكن يبيع الحاكم عند امتناعه جزءًا من المرهون بحسب الحاجة، فلو كانت المؤنة تستغرقه قبل الأجل .. بيع ورهن ثمنه.
وقوله: (لحق المرتهن) أشار بذلك إلى أن له المطالبة بها، وكان الأحسن حذف (الواو) أو حذفها وما عطفته؛ لأنه حشو، وجزم الأكثرون بأن الراهن لا يجبر على المداواة، وأجرى المتلوي فيها الوجهين.
والظاهر: أنه لا فرق بين المداواة عن جراحة أو مرض.
قال: (ولا يمنع الراهن من مصلحة المرهون كفصد وحجامة) أي: عند الحاجة إليهما؛ لأنه يحفظ به ملكه، وكذلك له المعالجة بالأدوية المظنونة النفع.
وفي معنى (الفصد) توديج الدابة، وهو: فتح الودجين، وهما: عرقان عريضان في صفحتي العنق.
وكذلك تبزيغها، وهو: فتح الرهصة، وهو: الماء في الحافر.
وكذلك له المعالجة بالمراهم ونحوها.
وله أن يفعل ما فيه مصلحة كدهن الماشية الجرباء.
وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ
وله رعيها في وقت الأمن وتأوي ليلًا إلى من له عليه اليد.
وله تأبير النخل.
وما يحصل من السعف والليف الذي يقلع كل سنة والعراجين للراهن كالثمرة، وما كان موجودًا عند الرهن مرهون.
قال: (وهو أمانة في يد المرتهن)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه).
وفي رواية: (لا يغلق الرهن على راهنه، له غنمه وعليه غرمه) رواه الدارقطني [3/ 32] وابن حبان [5934] والحاكم [2/ 51]، وقال: على شرط الشيخين.
ومعنى قوله: (من راهنه) أي: من ضمان راهنه.
قال الشافعي رضي الله عنه: هذا من أفصح ما قالت العرب: الشيء من فلان، أي: من ضمانه.
وقوله: (لا يغلق) معناه: لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية فأبطله الإسلام.
وممن قال بأن الرهن أمانة من الصحابة: أبو هريرة رضي الله عنه، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، ومن أتباعهم: ابن أبي ذئب وأحمد وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: إنه مضمون بأقل الأمرين من قيمته أو الحق المرهون به.
وقال مالك: إن كان تلفه ظاهرًا .. فغير مضمون، وإن كان باطنًا .. ضمن بقيمته.
قال: (ولا يسقط بتلفه شيء من دينه)؛ لأنه وثيقة في دين ليس بعوض فيه فلا يسقط الدين بتلفه كالضامن والشاهد.
قال الشيخ: وقول المصنف: (ولا يسقط) بـ (الواو) أحسن من حذفها في (المحرر) و (الشرحين) و (الروضة)؛ لأنها تدل على ثبوت حكم الأمانة مطلقًا حتى يصدق في التلف، ولا يلزمه ضمانه لا بقيمة ولا بمثل خلافًا لمن خالف فيه،
وَحُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ
لكنه لو عطف بـ (الفاء) كصاحب (التنبيه) .. كان أحسن؛ فإنه يفيد ثبوت الأمانة مطلقًا، ويسبب عدم السقوط عنها.
فروع:
ليس للراهن أن يقول: أحضر المرهون وأنا أقضي دينك من مالي، بل لا يلزمه الإحضار بعد قضائه، وإنما عليه التمكين كالمودع، والإحضار وما يحتاج إليه من مؤنة على رب المال.
ولو قال: خذ هذا الكيس واستوف حقك منه .. فهو أمانة في يده إلى أن يستوفي، فإذا استوفاه .. صار مضمونًا عليه.
ولو قال: خذه بدراهمك وكانت الدراهم التي فيه مجهولة القدر أو كانت أكثر من دراهمه .. لم يملكه ودخل في ضمانه بحكم الشراء الفاسد، وإن كانت معلومة بقدر حقه .. ملكها إذا لم تكن للكيس قيمة، فإن كانت .. فهو من مسألة مد عجوة.
قال: (وحكم فاسد العقود حكم صحيحها في الضمان) أي: في أصل الضمان لا في مقداره، فالذي يقتضي صحيحُه الضمان بعد التسليم كالبيع والقرض والعمل في القراض والإجارة يقتضيه فاسده أيضًا، وما لا يقتضيه كالرهن والعين المستأجرة والهبة لا يقتضيه فاسده.
أما الأول .. فلأن الصحيح إذا وجب الضمان فالفاسد أولى، وأما الثاني .. فلأن إثبات اليد عليه بإذن المالك ولم يلتزم بالعقد ضمانه، وهذه القاعدة ذكرت هنا؛ لأنه يترتب عليها فروع كرهن المغصوب وما سيأتي.
ويستثنى من طردها: إذا قال: قارضتك على أن الربح كله لي، أو ساقيتك على أن الثمرة كلها لي .. فلا أجرة لهما كما سيأتي في موضعه.
وإذا عقد الجزية غير الإمام .. فإنها لا تصح على الصحيح، ولا جزية فيها على الذمي على الأصح.
وإذا استأجر الأب الأم لإرضاع الولد وقلنا بالفساد .. لا أجرة على الأصح.
وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ الْمَرْهُونِ مَبِيعًا لَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ .. فَسَدَا.
وَهُوَ قَبْلَ الْمَحِلِّ أَمَانَةٌ،
وإذا قال الإمام لمسلم: إن دللتني على القلعة الفلانية فلك منها جارية ولم يعينها .. فالأصح: صحة العقد كما لو جرى مع كافر.
فإن قلنا: لا تصح هذه العجالة فدل .. لا يستحق أجرة، ومن عكسها: عمل الشريك في نصيب صاحبه غير مضمون إذا كانت الشركة صحيحة، ومضمون إذا كانت فاسدة، وهذه ذكرها المصنف في بابها.
وكذلك الهبة إذا صحت .. تكون العين غير مضمونة، وكذا إذا فسدت على الأصح، كما صححه المصنف في زياداته في آخر (باب الهبة)، واعترض به على الرافعي في (باب محرمات الإحرام)، لكه جزم في (الشرح الصغير) بمقابله.
وما لا يقتضي صحيحه الضمان إذا صدر من سفيه أو صبي .. يكون مضمونًا أيضًا على قابضه منه مع فساده.
قال البغوي في (الفتاوى): إذا استأجر الولي رجلًا لأمر من أمور الصبي إجارة فاسدة ككثير من الإجارات الواقعة في هذا الزمان .. فأجرة المثل على الولي؛ لأن العقد لم ينعقد في حق الصبي.
قال: (ولو شرط كون المرهون مبيعًا له عند الحلول .. فسدا) أي: الرهن والبيع، أما الرهن .. فلتأقيته بالحلول، والبيع .. لتعليقه.
وخرج بقوله: (ولو شرط) ما إذا قال: رهنتك وإذا لم أقضك عند الحلول فهو مبيع منك .. فسد البيع.
قال الشيخ: ويظهر أن الرهن لا يفسد؛ لأنه لم يشترط فيه شيئًا، وكلام الروياني يقتضيه، ولم يتعرض الرافعي لها.
قال: (وهو قبل المحل أمانة)؛ لأنه مقبوض بحكم الرهن الفاسد، وهذا من ثمرة القاعدة المتقدمة.
وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ.
وَلَوْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَةَ بِلَا شُبْهَةٍ .. فَزَانٍ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: جَهِلْتُ تَحْرِيمَهُ إِلَّا أَنْ يَقْرُبَ إِسْلَامُهُ، أَوْ يَنْشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ
وأما بعد المحل .. فهو مضمون؛ لأنه مقبوض بحكم الشراء الفاسد.
وفي وجه: إنما يضمنه إذا أمسكه بعد المحل على جهة البيع، أما إذا أمسكه على جهة الدين .. فلا.
قال: (ويصدق المرتهن في دعوى التلف بيمينه)؛ لأنه أمين، ولا يلزمه شيء، وما أوهمه كلام (الوسيط) من خلاف في تصديقه لا يغتر به؛ إذ لا خلاف فيه.
هذا إذ لم يذكر سببًا، أو ذكر سببًا خفيًا، فإن ذكر ظاهرًا .. ففيه التفصيل المذكور في (الوديعة).
قال: (ولا يصدَّق في الرد عند الأكثرين)؛ لأنه قبضه لغرض نفسه فكان كالمستعير، وأيضًا إقامة البينة على الرد ممكنة، وكذا الحكم في دعوى المستأجر ردَّ العين، وقيل: يصدَّق كالمودع.
ولو ادعى وارث المرتهن الرد .. لم يقبل قطعًا، ولو ادعى المرتهن الرد على رسول الراهن .. لم يصدَّق في الأصح.
قال: (ولو وطئ المرتهن المرهونة بلا شبهة .. فزانٍ) يجب عليه الحد إجماعًا، فإن كانت شبهة كأن ظنها زوجته أو أمته .. فلا حد، وعليه المهر، والولد حر نسيب، وعليه قيمته للراهن، وأسقط أبو حنيفة الحد؛ لشبهة كونها مرهونة، ولم يقل أحد من المسلمين بحل الوطء.
واعترض الشيخ على المصنف في قوله: (فزانٍ)؛ لأنه (لو) لا تجاب بـ (الفاء)، وكان الصواب أن يقول: كان زانيًا.
قال: ويقع في كلام الفقهاء هذا، كأنهم أجروها مجرى (إن).
قال: (ولا يقبل قوله: جهلت تحريمه، إلا أن يقرب إسلامه، أو ينشأ ببادية بعيدة عن العلماء)؛ لأنه يخفى عليه ذلك.
وَلَوْ وَطِئَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ .. قُبِلَ دَعْوَاهُ جَهْلَ التَّحْرِيمِ فِي الأَصَحِّ فَلَا حَدَّ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ إِنْ أَكْرَهَهَا، وَالْوَلَدُ حُرٌ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلرَّاهِنِ
قال: (ولو وطئ بإذن الراهن .. قبل دعواه جهلَ التحريم في الأصح فلا حد)؛ لأن التحريم مع الإذن قد يخفى على كثير من الناس.
والثاني: لا تقبل دعواه؛ لبعدها، ويحدُّ.
وذكر الإمام في (النهاية) عن عطاء: أنه كان يجيز إعارة الجواري للوطء، وكان يبعث بالجواري إلى ضيفانه، وهذا تبعد صحته عنه، وبتقدير صحته ليس بشبهة؛ لضعفه، والحدُّ لا يُدرأ بالمذاهب إنما يدرأ بما يتمسَّك به أهل المذاهب من الأدلة، وليس لعطاء في هذا متمسك.
قال: (ويجب المهر إن أكرهها)؛ لأن وجوبه حيث لا يجب الحد حق للشرع فلا يؤثر فيه الإذن كالمفوضة.
وفي قول: لا يجب، للإذن، وهذا حكاه في (المحرر) وجهًا، وأسقطه المصنف.
وأفهم كلامه: أنها إذا طاوعته .. لم يجب المهر، وهو كذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا مهر لبغي).
قال: (والولد حر نسيب) كسائر الشبهات.
قال: (وعليه قيمته للراهن)؛ لأن المالك رضي بإتلاف المنفعة لا بالإحبال، ولا تصير الأمة أم ولد في الحال، وكذا لو ملكها بعد ذلك.
ويلغز بهذه فيقال: رجل وطئ أمة لغيره لم نوجب عليها مهرها ويجب عليه قيمة أولادها؟