النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 247-286
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَإِنْ نَكَلَ .. حُلِّفَتْ  المذهب تصديقه؛ لأصل بقاء النكاح.
الثالثة: إذا ادعت المطلقة ثلاثًا نكاح زوج آخر ووطأه وفراقه وانقضاء عدته مع إمكان ذلك وكذبها الزوج الثاني .. فإنها تصدق؛ لتحل للزوج الأول كما تقدم.
الرابعة: إذا عتقت الأمة تحت عبد وقلنا يمتد خيارها إلى الوطء فادعاه وأنكرت المرأة .. ففي المصدق منهما وجهان حكاهما الرافعي من غير ترجيح، وعلل تصديق الزوج أن الأصل بقاء النكاح، وينبغي ترجيحه كما في مسألة البوشنجي.
اهـ وخامسة: إذا قال رجل: هذا ابني من هذه المرأة .. استحقت عليه مهر المثل، ولا يحمل ذلك على استدخال الماء.
وسادسة: إذا ادعت الوطء وقد وجدت الخلوة فأنكر .. صدقت في قول.
قال: (فإن نكل .. حلفت) كغيرها، قال الشيخان: وفيه الخلاف السابق، ونازعهما الشيخ في ذلك.

فَإِنْ حَلَفَتْ أَوْ أَقَرَّ .. اسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ، وَقِيلَ: يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْقَاضِي أَوْ فَسْخِهِ  قال: (فإن حلفت أو أقر .. استقلت بالفسخ) كما يستقل بالفسخ من وجد بالمبيع تغيرًا وأنكر البائع كونه عيبًا وأقام المشتري على ذلك بينة عند القاضي، لكن يشترط بعد حلفها أو إقراره أن يقول القاضي: ثبتت العنة أو حقَّ الفسخُ فاختاري على الأصح، وهو وارد على المصنف.
قال: (وقيل: يحتاج إلى إذن القاضي أو فسخه)؛ لأنه محل نظر واجتهاد، فإما أن يفسخ وإما أن يأذن لها فيه بخصوصه، وإذا فسخت ولم يقل القاضي: نفذته، ثم رجعت .. لم يبطل الفسخ في الأصح، قال الرافعي: ويشبه أنهما مفرعان على الاستقلال بالفسخ، أما إذا فسخت بإذنه .. فإذنه كالتنفيذ.
والذي رجحه الرافعي والمصنف من استقلالها بالفسخ تبعا فيه المتولي وغيره، والذي نص عليه في (الأم) ورجحه العراقيون: أنها لا تستقل به، وبه جزم الرافعي في اختلاف المتبايعين.
قال الشيخ: ويجب تأويل كلام (المنهاج) على أن المراد: استقلت بالفسخ بعد حكمه، فالحاصل ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمجرد الإقرار بين يدي الحاكم أو حلفها أنه لم يطأ تستقل بالفسخ كما هو ظاهر كلام المصنف.

وَلَوِ اعْتَزَلَتْهُ أَوْ مَرِضَتُ أَوْ حُبِسَتْ فِي الْمُدَّةِ .. لَمْ تُحْسَبْ، وَلَوْ رَضِيَتْ بَعْدَهَا بِهِ .. بَطَلَ حَقُّهَا،  والثاني - وهو الصحيح -: استقلالها بشرط أن يكون القاضي حكم بتمكينها من الفسخ.
والثالث: أنها لا تستقل أصلاً، بل لابد من تعاطي القاضي الفسخ بنفسه، أو الإذن لها فيه.
قال: (ولو اعتزلته أو مرضت أو حبست في المدة .. لم تحسب)؛ لأن عدم الوطء حينئذ يضاف إليها، وهذا من فقه الإمام؛ لأن المهلة إنما يظهر أثرها إن كان الزوج مخلى معها.
فلو قال الزوج: لا تمهدوا لي عذرًا؛ فإني لم أستشعر في نفسي قدرة في المدة .. قلنا: لا تعويل على ذلك؛ فإن للنفس نهوضًا في ممارسة المرأة كما لها ركود في التعزب.
واحترز المصنف عن حبسه أو مرضه؛ فإنه لا يمنع احتساب المدة، وهو ما حكاه الرافعي عن ابن القطان، وأسقطه في (الروضة)، وفيه نظر، وكذلك حيضها لا يمنع الاحتساب، وفي سفره وجهان: أصحهما: أنه لا يمنع أيضًا؛ لئلا يدافع بذلك.
وإذا عرض ما يمنع الاحتساب في بعض المدة وزال .. قال الرافعي: القياس أن يستأنف السنة، أو ينتظر مضي ذلك الفصل من السنة الأخرى، قال ابن الرفعة: وفيه نظر؛ لأن ذلك يستلزم الاستئناف، لأن ذلك الفصل لا يأتي إلا في سنة أخرى، قال: ولعل المراد أن يخلى بينها وبينه في ذلك الفصل فقط قدر تلك المدة.
قال: (ولو رضيت بعدها به .. بطل حقها) كسائر العيوب، وهذا بناء على أنه فوري، وفيه الوجه المتقدم.
وقوله: (بعدها) زيادة على (المحرر)، وهي حسنة؛ فإنها إذا رضيت في أثناء المدة أو قبل ضربها .. لم يبطل حقها في الجديد، ولها الفسخ بعد المدة؛ لأنها

وَكَذَا لَوْ أَجَّلَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ  رضيت بإسقاط حقها قبل ثبوته فلم يسقط كالعفو عن الشفعة قبل البيع، وهذا بخلاف النفقة إذا أعسر بها الزوج ورضيت به .. كان لها الفسخ؛ لتجدد الضرر، وكذا في الإيلاء، وفي الإجارة إذا انهدمت الدار فلم يفسخ في الحال ورضي به .. كان له الفسخ بعده؛ لتجدد الضرر، ولا يسقط الحق بالرضا.
قال: (وكذا لو أجلته على الصحيح) أي: زمنًا آخر بعد المدة فيبطل حقها بهذا التأخير؛ لأنه على الفور.
والثاني: لها العود إلى الفسخ متى شاءت كإمهال رب الدين بعد حلول الأجل.

فروع: الأول: إذا فسخت بالعنة فهل لها كل المهر أو نصفه أو لا شيء .. أقوال أصحها ثالثها؛ لأنه فسخ قبل الدخول.
الثاني: إذا ادعت امرأةُ الصبي والمجنون العنة .. لم تسمع دعواها ولم تضرب مدة؛ لأن المدة والفسخ يعتمدان إقرار الزوج أو يمينها بعد نكوله، فقولهما ساقط.
ونقل المزني أنه إن لم يجامعها الصبي .. أجِّل، ولم يثبته عامة الأصحاب قولاً، وقالوا: غلط المزني، وإنما قال الشافعي: إن لم يجامعها الخصي .. أجِّل.
الثالث: إذا ادعت الإصابة وأقامت شاهدًا واحدًا على مشاهدتها أو على إقراره بها .. حلفت معها؛ لأن مقصودها المال، ولو ادعاها الزوج وأقام بها شاهدًا واحدًا .. لم يحلف معه.

وَلَوْ نَكَحَ وَشُرِطَ فِيهَا إِسْلاَمٌ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا نَسَبٌ أَوْ حُرِّيَّةٌ، أَوْ غَيْرُهُمَا فَأُخْلِفَ .. فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ، .....

 قال: (ولو نكح وشرط فيها إسلام، أو في أحدهما نسب أو حرية، أو غيرهما فأخلِف .. فالأظهر: صحة النكاح)؛ لأن خلف الشرط في البيع لا يوجب فساده، والبيع عرضة للفساد بالشروط الفاسدة، فالنكاح أولى، وهذا هو الجديد، وبه قال أبو حنيفة والمزني.
والثاني - وهو قديم وجديد -: أن النكاح لا يصح؛ لأن النكاح يعتمد الصفات والأسماء دون التعيين والمشاهدة، فيكون اختلاف الصفة كاختلاف العين.
والقولان فيما إذا شرطت حريته فبان عبدًا مفروضان فيما إذا كان السيد أذن له في النكاح، وإلا .. لم يصح النكاح؛ لعدم الإذن، وفيما إذا شرط حريتها فخرجت أمة مفروضان فيما إذا أذن السيد في نكاحها، وكان الزوج ممن يحل له نكاح الأمة، فإن فقد أحد هذين الشرطين .. لم يصح النكاح بلا خلاف.
وصحح في (أصل الروضة) فيما إذا شرط حريتها فبانت أمة ثبوت الخيار إذا كان حرًا دون ما إذا كان عبدًا.
وقوله: (أو غيرهما) أي: سواء كان وصف كمال أو نقص، أو خال عنهما كعلم وشباب وجمال وطول ويسار وبياض وبكارة وأضدادها.

ثُمَّ إِنْ بَانَ خَيْرًا مِمَّا شُرِطَ .. فَلاَ خِيَارَ، وَإِنْ بَانَ دُونَهُ .. فَلَهَا الْخِيَارُ، وَكَذَا لَهُ فِي الأَصَحِّ  ونص الشافعي في (الأم) على أنه لا خيار للزوج إذا شرط شيئًا من ذلك، قال: ومن شرط ذلك: فقد ظلم نفسه.
اهـ والظاهر: أن الخيار يختص باختلاف شروط الكفاءة لا مطلقًا.
واحترز بما إذا شرط الإسلام فيها عن شرطه فيه وهي مسلمة؛ فلا يصح جزمًا إذا أخلف، ولو شرطت حريته فخرج مبغضًا .. فالذي يظهر أنه كما لو خرج عبدًا.
قال: (ثم إن بان خيرًا مما شرط .. فلا خيار)؛ لأنه أفضل كما لو شرط أنها كتابية فخرجت مسلمة، أو أمة فكانت حرة، أو ثيب فبانت بكرًا.
قال: (وإن بان دونه .. فلها الخيار)؛ للخلف، وعبارته تشمل ما إذا بان دون الشرط مطلقًا.
والأظهر في (الروضة) و (الشرح الصغير) - وهو مقتضى ما في (الكبير) -: أنها إذا شرطت نسبًا شريفًا في الزوج فبان خلافه، إن كان نسبه دون نسبها .. فلها الخيار، وإن رضيت هي .. فلأوليائها الخيار؛ لفوات الكفاءة، وإن كان نسبه مثل نسبها أو فوقه إلا أنه دون المشروط .. فقولان: أصحهما: لا خيار لها؛ لأنها لا تتعير به.
والثاني: يثبت للتغرير وطمعها في زيادة شرفه، ولولا ذلك .. لما اشترطته، فلا فرق بين أن يكون فوق نسبها أو لا، وكذلك لو شرطت أن يكون فقيهًا أو طبيبًا أو نحو ذلك، واختار الشيخ ما اقتضته عبارة الكتاب من ثبوت الخيار مطلقًا وفاقًا لما أطلقه المزني والقاضي أبو الطيب، وحمل عبارة المصنف على العموم.
قال: (وكذا له في الأصح)؛ قياسًا على البيع فثبت له إن كان دون نسبه،

وَلَوْ ظَنَّهَا مُسْلِمَةً أَوْ حُرَّةً فَبَانَتْ كِتَابِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ وَهِيَ تَحِلُّ لَهُ .. فَلاَ خِيَارَ فِي الأَظْهَرِ  وإلا .. ففيه القولان.
والثاني: المنع؛ لأن النكاح بعيد عن الخيار، وإنما جرى الخلاف هنا لإمكان الفراق بالطلاق، ولأنه لا يتضرر ولا يتعير بدناءة نسب الزوجة.

فرع: تزوجها بشرط البكارة فوجدت ثيبًا وقالت: كنت بكرًا فزالت البكارة عندك، وقال: كنت ثيبًا .. أفتى البغوي بأن القول قولها بيمينها؛ لدفع الفسخ، ولو قالت: كنت بكرًا فافتضضتني .. فالقول قولها بيمينها لدفع الفسخ، والقول قوله بيمينه لدفع كمال المهر؛ يعني: إذا طلق أو فسخ، أو قلنا: إن النكاح باطل وكان لم يدخل بها حتى لا يطالب بالشطر ولا بالجميع.
وأما إذا ظن بكارتها فإذا هي ثيب .. فقال الغزالي: لا يبعد إثبات الخيار؛ لأن النفرة هنا أعظم مما سيأتي بعده.
قال: (ولو ظنها مسلمة أو حرة فبانت كتابية أو أمة وهي تحل له .. فلا خيار في الأظهر) أي: في الصورتين؛ لأن النكاح بعيد عن الخيار، والظن لا يثبت الخيار كما لو ظن العبدَ المبيعَ كاتبًا.
والثاني: يثبت؛ لأن ظاهر الدار الإسلام والحرية.
وقيل: يثبت بإخلاف ظن الإسلام دون الحرية، وهو النص فيهما.
والفرق: أن ولي الكافرة كافر، وللكافر علامة يتميز بها، فخفاء الحال عن الزوج إنما يكون بتلبيس الولي، وولي الرقيقة لا يتميز عن ولي الحرة فلا تغرير، بل الزوج هو المقصر.

وَلَوْ أَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا بِمَنْ ظَنَّتْهُ كُفْءًا فَبَانَ فِسْقُهُ أَوْ دَنَاءَةُ نَسَبِهِ أَوْ حِرْفَتِهِ .. فَلاَ خِيَارَ لَهَا.
قُلْتُ: وَإِنْ بَانَ مَعِيبًا أَوْ عَبْدًا .. فَلَهَا الْخِيَارُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَمَتَى فُسِخَ بِخُلْفٍ .. فَحُكْمُ الْمَهْرِ وَالرُّجُوعِ بِهِ عَلَى الْغَارُ مَا سَبَقَ فِي الْعَيْبِ، وَالْمُؤَثِّرُ تًغْرِيرٌ قَارَنَ الْعَقْدَ  قال: (ولو أذنت في تزويجها بمن ظنته كفءًا فبان فسقه أو دناءة نسبه أو حرفته .. فلا خيار لها)؛ لأنه لم يجر شرط، والتقصير منها ومن الولي حيث لم يبحثا، وحكى الإمام الاتفاق عليه، وليس هذا كظن السلامة من العيب؛ لأن الظن هناك ينبني على أن الغالب السلامة، وهنا لا يمكن أن يقال: إن الغالب كفاءة الخاطب.
قال: (قلت: وإن بان معيبًا أو عبدًا .. فلها الخيار والله أعلم) أما المعيب .. فكما سبق، وأما العبد .. فلأن نقص الرق مؤثر في حقوق النكاح؛ لما لسيده من منفعة منها بالخدمة، ولا يلزمه إلا نفقة المعسرين، ولما يلحق الولد من العار برق الأب، وهذه الزيادة كان تركها أولى؛ فإن المعيب قد علم من أول الباب ثبوت الخيار به.
وأما العبد .. فبناه على ما نقله في زوائد (الروضة) عن (فتاوى ابن الصباغ)، وبه جزم الماوردي في (الإقناع)، لكنه مخالف لنص (الأم) و (البويطي)؛ فإنه قال فيهما: وإذا تزوج العبد المرأة ولم يذكر لها الحرية ولا غيرها فقالت: ظننتك حرًا .. فلا خيار لها.
قال: (ومتى فسخ بخلف .. فحكم المهر والرجوع به على الغارِّ ما سبق في العيب) فإن كان قبل الدخول .. سقط المهر، أو بعده .. وجب مهر المثل على الأصح، ولا يرجع الزوج على الغار على الأظهر.
وكذا الحكم في النفقة والكسوة في مدة العدة، وكذا السكنى على ما سبق عند قول المصنف: (والفسخ قبل الدخول يسقط المهر).
قال: (والمؤثر تغرير قارن العقد) بأن كان مشروطًا فيه؛ لأن الشروط إنما تؤثر

وَلَوْ غُرَّ بِحُرُيَّةِ أَمَةٍ وَصَحَّحْنًاهُ .. فَالْوَلَدُ قَبْلَ الْعِلْمِ حُرُّ،  في العقود إذا ذكرت في صلبها، وأما التغرير السابق .. فلا يؤثر في صحة العقد ولا في الخيار على الصحيح.
وفي وجه: أن السابق كالمقارن، وقد سبق في ذلك في (نكاح المحلل)، واستدل له الإمام بنص الشافعي على أن التغرير من الأمة يثبت هذه الأحكام، فاقتضى أن التغرير لا يراعى ذكره في العقد.
قال: (ولو غُرَّ بحرية أمة وصححناه .. فالولد قبل العلم حر) وإن كان الزوج عبدًا؛ لاعتقاد حريتها، فاعتبر ظنه كما لو وطىء أمة الغير على ظن أنها زوجته الحرة، وخالف القفال فقال: حديث النفس لا تتغير به الأحكام، كذا نقله عنه ابن الصلاح في (رحلته).
ولا فرق في ذلك بين أن يجيز العقد أو يفسخه؛ لاستوائهما في الظن، والمشهور: أنه ينعقد حرًا وعن أبي علي ينعقد رقيقًا ثم يعتق على المغرور.
وقال أبو حنيفة: إن كان الزوج عبدًا .. فأولاده أرقاء.
واحترز المصنف بقوله: (فالولد قبل العلم حر) عن الولد الحاصل بعد العلم؛ فإنه رقيق.
وقوله: (وصححناه) قيد مضر؛ فإن الولد حر، صححنا النكاح أو أفسدناه؛ للتعليل السابق.

وَعَلَى الْمَغْرُورِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهَا وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَارُ-  قال: (وعلى المغرور قيمته لسيدها)؛ لأنه فوت ماليته على السيد بظنه.
وفي قول أو وجه: لا شيء عليه؛ لأنه لم يتلف مالاً، وإنما منع المالية والمغرور معذور في ظنه الحرية.
وإذا أوجبنا القيمة، فإن كان المغرور حرًا .. فهي في ماله، وإن كان عبدًا .. فالأصح: أنها تتعلق بذمته؛ لأنه لا جناية منه.
والثاني: تتعلق برقبته.
والثالث: بكسبه.
وتعتبر القيمة يوم الولادة؛ لأنه أول أحوال إمكان التقويم، وعن أبي حنيفة: تعتبر يوم المحاكمة، حتى لو ماتوا قبله .. لم يجب شيء.
لكن يستثنى ما إذا كان الزوج عبدًا، وما إذا كانت هي الغارَّة وكانت مكاتبة وقلنا: قيمة الولد لها كما قاله الرافعي في آخر المسألة الرابعة؛ لأنه لو غرم .. لرجع عليها.
واستثنى البارزي في (التمييز) ما إذا كان السيد أبًا للزوج، ولا يستثنى؛ فإن الأصح في (باب العتق) من (الشرح) و (الروضة) لزوم القيمة أيضًا، خلافًا للشيخ أبي علي.
قال: (ويرجع بها على الغارُ)؛ لأنه لم يدخل في العقد على أنه يضمنها، وادعى الإمام فيه الإجماع، وفيه قول حكاه ابن خيران وابن الوكيل: أنه لا رجوع

وَالتَّغْرِيرُ بِالْحُرِّيَّةِ لاَ يُتَصَوَّرُ مِنْ سَيِّدِهَا بَلْ مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْها .. تَعَلَّقَ الْغُرْمُ بِذِمَّتِهَا -  كالمهر، ثم إنما يرجع إذا غرم، وقيل: له الرجوع قبله.
قال: (والتغرير بالحرية لا يتصور من سيدها)؛ لأنه إذا قال: هي حرة، أو زوجتها على أنها حرة .. عتقت، وخرجت الصورة عن أن يكون نكاح غرور، وكذا قاله الشيخان، واعترضهما ابن الرفعة بأن هذا يفهم أنه صريح في إنشاء العتق، وفيه نظر إن لم يقصده به، لأن هذه صيغة وصف لا إنشاء، فكيف يجعل إنشاء من غير قصد؟! ثم ما ذكروه من عدم التصوير من السيد ممنوع، فذلك ممكن في صور كما إذا رهنها وهو معسر ثم أذن له المرتهن في تزويجها، وكذا لو كانت جانية وهو مفلس أو محجور عليه بفلس وأذن له الغرماء، وكذا لو كان اسمها حرة، أو كان مكاتبًا وزوجها منه بإذن السيد، أو زوجها المشتري قبل القبض وقلنا: لا ينفذ عتقه حينئذ.
وصوره الجيلي بأن يقول السيد: هذه أختي، وفيه نظر؛ فإنه لا يدل على الحرية؛ لجواز كونها ملكه وهي أخته، وإن كان يغلب على الظن حريتها .. فهو من قبيل ظن الحرية من غير شرط.
قال: (بل من وكيله أو منها)؛ لانتفاء المحذور المذكور، وقد يكون منها ومن الوكيل جميعًا، وهو يدخل في عبارة المصنف؛ لأن (أو) لا تمنع الجمع ولا غيره، فإذا غرا جميعًا .. فالرجوع عليهما، وفي كيفيته وجهان: أحدهما: يرجع بالجميع على من شاء منهما.
وأقربهما: يرجع بالنصف على الوكيل في الحال، وعليها بعد العتق.
قال: (فإن كان منها .. تعلق الغرم بذمتها) فتطالب به إذا عتقت؛ لأنه لا مال لها

وَلَوِ انْفَصَلَ الْوَلَدُ مَيْتًا بِلاَ جِنَايَةٍ .. فَلاَ شَيْءً فِيهِ  في الحال، ولا يتعلق بكسبها؛ لأن السيد لم يأذن في ذلك، ولا برقبتها؛ لأن ذلك إنما يكون في بدل المتلفات ولم يوجد منها إتلاف، هذا هو المذهب المشهور.
وعن الموفق بن طاهر حكاية وجه غريب: أن حق الرجوع يتعلق برقبتها؛ لأنها متسببة في التفويت.
واستثنى في (الأم) و (المختصر) المكاتبة؛ فإنه يرجع عليها في الحال لأنه كجنايتها.
وسكت المصنف عما إذا كان التغرير من الوكيل؛ لوضوحه وعما إذا كان من السيد ولا شيء له؛ لأنه الذي أتلف.
قال: (ولو انفصل الولد ميتًا بلا جناية .. فلا شيء فيه)؛ إذ لا قيمة له في ذلك الوقت، قال الرافعي: وحكينا فيما إذا وطئ الغاصب أو المشتري منه الجارية

وَمَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ رَقِيقٍ أَوْ مَنْ فِيهِ رِقٌ .. تَخَيَّرَتْ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ،  المغصوبة عن جهل بالتحريم وأحبلها وانفصل الولد ميتًا وجهًا: أن قيمته تجب لو كان حيًا؛ لأن الظاهر الحياة، فليجر هنا قال القَمُولي: وهو ظاهر النص هناك، واختاره جماعة.

فرع: الأصح: أن خيار الغرور على الفور كخيار العيب، وقيل: تجري فيه الأقوال التي سنذكرها في خيار العتق.
قال البغوي: وإذا أثبتنا الفسخ .. انفرد به من له الخيار، ولا يفتقر إلى الحاكم كخيار عيب المبيع، قال الرافعي: لكن هذا الخيار مختلف فيه، فليكن كخيار عيب النكاح.
قال: (ومن عتقت تحت رقيق أو من فيه رق .. تخيرت في فسخ النكاح).
من أسباب الخيار حدوث عتق المنكوحة، فإذا عتقت الأمة تحت عبد .. ثبت لها الخيار؛ لما روى البخاري ومسلم وغيرهما: أن بريرة عتقت .. فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيها ثلاث سنين، وكان زوجها عبدًا، قال ابن عباس: كان عبدًا أسود يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة، وأنه كلم العباس ليكلم فيه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال لشيخ: وأنا أعجب من قول ابن عباس هذا مع ما جاء في قصة الإفك من قول علي: سل الجارية .. تصدقك، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أي بريرة ...) كذا في (البخاري) وغيره في جميع طرق حديث الإفك، واحتمال كون بريرة هذه أخرى بعيد، وقصة الإفك قبل الفتح بزمان طويل، وابن عباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، وأبوه قبل الفتح في نوبة الأسارى، فلعل بريرة كانت تخدم عائشة قبل شرائها إياها، أو أنها اشترتها وتأخر عتقها إلى بعد الفتح، أو دام حزن زوجها عليها هذه المدة الطويلة.
وأجمع أهل النقل على أن النبي صلى الله عليه وسلم خيرها، وأنها اختارت

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نفسها، وشفع عندها النبي صلى الله عليه وسلم فيه فقال: (زوجك وأبو ولدك) فقالت: يا رسول الله؛ أتأمرني؟ قال: (لا، ولكني أشفع) قالت: لا حاجة لي فيه.
ولذلك أجمعوا على أن الأمة إذا عتقت تحت رقيق .. تخيرت، وإذا عتقت تحت من فيه رق .. ملحق به؛ لأن نقص الرق باق، وأكثر أحكام الرق جارية عليه، ولا فرق بين قليل الرق وكثيره.
ومفهوم كلام المصنف: أنها إذا عتقت تحت حر لا خيار لها، وهو كذلك عندنا وعند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لها الخيار.
لنا: أن الكمال الحادث لها حاصل للزوج، فأشبه ما إذا أسلمت كتابية تحت مسلم، وقال البخاري: رواية من روى أن زوجها كان عبدًا أصح من رواية من روى أنه كان حرًا.
وشملت عبارة المصنف المكاتب والمدبر ومعلق العتق بصفة، وهو كذلك، واحترز بها عما إذا عتقا معًا؛ فإنه لا خيار لها، لأنه وقت عتقها كان حرًا، ولو كان الزوج طلقها رجعيًا ثم عتقت في العدة .. فلها الفسخ، لدفع سلطنة الرجعة وتطويل الانتظار.

تنبيهان: أحدهما: يستثنى من إطلاق المصنف إذا زوج أمته بعبد غيره وقبض الصداق وأتلفه ثم أعتقها في مرض موته، أو أوصى بإعتاقها وعتقت قبل الدخول وهي ثلث ماله .. فليس لها خيار العتق؛ لأنها لو فسخت النكاح .. لوجب رد مهر المثل من تركة السيد، ولو رد ذلك .. لما خرجت هي من الثلث، وإذا بقي الرق في البعض .. لم يثبت لها الخيار، فإثبات الخيار يؤدي إلى عدم إثباته فيمتنع من أصله، وكذا الحكم لو لو يتلف الصداق وكانت الأمة ثلث ماله مع الصداق.

وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ؛  الثاني: لو عتق بعدها وقبل اختيارها الفسخ .. مقتضى عبارته ثبوت الخيار لها، والأظهر: سقوطه، ولو مات .. انقطع خيارها، ولم يذكروه؛ لوضوحه.
وظاهر إطلاقه أنه لا يحتاج في هذا الفسخ إلى حاكم، وهو كذلك؛ لثبوته بالنص، وفي (التلقين) لابن سراقة: يفسخه الحاكم إذا اختارت فراقه.
قال: (والأظهر: أنه على الفور) كخيار العيب في البيع والشفعة.
والثاني: يمتد ما لم يمسها أو يختاره؛ لأن بريرة كان زوجها يطوف ويترضاها ويستشفع إليها فلم تختره، وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إن قربك .. فلا خيار لك) رواه أبو داوود.
وفي (سنن النسائي) عن عمرو بن أمية الضمري عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت .. فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها)، ورواه الشافعي في (الأم) عن ابن عمر وشقيقته حفصة، وأنها أفتت بذلك، ثم قال: وبهذا نأخذ، قال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة، ولهذا قال المحاملي في (المجموع): إن هذا هو الصحيح، وقال ابن الصباغ: إنه ظاهر السنة، ورجحه صاحب (البيان) وابن أبي عصرون وابن عبد السلام، واختاره الشيخ.
فعلى هذا: إذا قال الزوج: أصبتها وأنكرت .. ففي المصدق منهما وجهان حكاهما ابن كج، ولم يرجح الشيخان منهما شيئًا، قال في (المهمات): والأقيس تصديق الزوج.
والثالث: أن خيارها يمتد ثلاثة أيام؛ لما روي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى لبريرة بالخيار ثلاثًا) كذا استدل به ابن الرفعة، ولأنه يحتاج إلى تأمل، وهي مدة مغتفرة شرعًا، وابتداؤها من العلم بالخيار.
وعلى المذهب وغيره: تستثنى الصغيرة والمجنونة؛ فإن خيارهما يتأخر إلى زوال المانع، وفي كونه على الفور إذ ذاك الأقوال الثلاثة، وله الوطء في حال صغرها وجنونها على الصحيح، ولا يختار الولي فسخًا ولا إجازة؛ لأنه خيار شهوة.

فَإِنْ قَالَتْ: جَهِلْتُ الْعِتْقَ .. صُدِّقَتُ بِيَمِينِهَا إِنْ أَمْكَنَ، بِأَنْ كَانَ الْمُعْتِقُ غَائِبًا، وَكَذَا إِنْ قَالَتْ: جَهِلْتُ الْخِيَارَ بِهِ فِي الأَظْهَرِ، فَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ وَطْءٍ .. فَلاَ مَهْرَ،  قال: (فإن قالت: جهلت العتق .. صدقت بيمينها إن أمكن بأن كان المعتق غائبًا)؛ لأن ظاهر الحال يصدقها، فإن كانت معه في بيته ويبعد خفاء العتق عليها .. فالمصدق الزوج.
وعبارة (المحرر) و (الروضة): صدقت إن لم يكذبها ظاهر الحال، وهي أحسن؛ فإن الإمكان موجود في الحالتين.
قال: (وكذا إن قالت: جهلت الخيار به في الأظهر)؛ لأن هذا لا يعلمه إلا الخواص.
والثاني: لا تصدق، ويبطل الخيار كالمشتري إذا قال: لم أعلم أن العيب يثبت الخيار في المبيع.
فإن ادعت الجهل بالفور .. قال الغزالي: لا تعذر، قال الرافعي: ولم أرها لغيره.
نعم؛ ذكرها العبادي في (الرقم) فقال: إن كانت قديمة الإسلام وخالطت أهله .. لم يقبل، وإلا .. فقولان، قال في (المهمات): وقياس نظائر المسألة الفرق بين من يخفى عليه ذلك أو لا.
قال: (فإن فسخت قبل وطء .. فلا مهر)؛ لأن الفسخ من جهتها، وفي (سنن البيهقي) عن ابن عباس أنه قال: (لا يجمع عليه فراقها وذهاب ماله).
وشبهه الماوردي بما إذا قال لزوجته قبل الدخول: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت .. فإنها تطلق ولا مهر لها، وهذا وجه ضعيف، وكما لا يجب هنا مهر .. لا متعة.

وَبَعْدَهُ: بِعِتْقٍ بَعْدَهُ .. وَجَبَ الْمُسَمَّى، أَوْ قَبْلَهُ .. فَمَهْرُ مِثْلٍ، (وَقِيلَ: الْمُسَمَّى)، وَلَوْ عَتَقَ بَعْضُهَا أَوْ كُوتِبَتْ أَوْ عَتَقَ عَبْدٌ تَحْتَهُ أَمَةً .. فَلاَ خِيَارَ  وعلم من مجموع ما تقدم: أن للزوج الوطء قبل الفسخ، ولا خلاف فيه.
قال: (وبعده: بعتق بعده) أي: بعد الوطء (.. وجب المسمى)؛ لاستقراره بالوطء، ونقل الإمام الاتفاق عليه.
وصورة المسألة: أمة تزوجت بعبد ثم عتقت، فاختارت الفسخ بعد أن دخل بها .. فالمسمى قد وجب واستقر بالدخول المتقدم على العتق، فلا يتغير حكمه.
قال: (أو قبله .. فمهر مثل، (وقيل: المسمى) صورتها: أمة متزوجة بعبد، فعتقت ولم تعلم بالعتق حتى وطئت، ثم علمت ففسخت .. ففيه وجهان لا ترجيح فيهما في (الشرحين): أحدهما: يجب مهر المثل؛ لأن الفسخ يستند إلى حالة العتق، فكأنه وطء في نكاح فاسد.
والثاني: يجب المسمى، واختاره جماعة؛ لأنه فسخ بسبب طارئ، ولأن المهر للسيد لا لها، وهو بالإعتاق محسن إليها، فينبغي أن لا ترد بالإعتاق إلى مهر المثل.
قال: (ولو عتق بعضها أو كوتبت أو عتق عبد تحته أمة .. فلا خيار).
أما في الأولى .. فلبقاء أحكام الرق عليها، خلافًا للمزني.
وصورة عتق بعضها: أن يكون المعتق معسرًا، وإلا .. فالموسر يعتق عليه الجميع.
وأما الثانية: فلكمال الرق، وكذا لو دبرت أو علق عتقها أو استولدت، والمزني مخالف في المسألتين.
واحترز بقوله: (كوتبت) عما إذا زوجت بعبد وهي مكاتبة فعتقت تحته؛ فإنه يثبت لها الخيار كما نقله أبو الفرج الزاز في (تعليقه).
وإذا عتق العبد وتحته أمة .. فلا خيار على المشهور؛ لأن المعتمد الحديث،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وليس الرجل كالمرأة، ولأن الحر لو تزوج امرأة فبانت أمة .. فلا خيار له، والمرأة لو تزوجت رجلاً فبان عبدًا لها الخيار، والدوام كالابتداء.

تتمة: يحل للزوج جميع الاستمتاعات كالقبلة والمعانقة والمضاجعة والمفاخذة واللمس والنظر، والوطء على أي حالة كانت قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، ويستثنى النظر إلى الفرج؛ فإنه منهي عنه كما تقدم، والإتيان في الدبر حرام ملعون فاعله، وفي العزل عن الزوجة أربعة أوجه: أصحها: الجواز، لكن يكره كراهة تنزيه، والأولى تركه على الإطلاق، ولا يحرم في السرية بلا خلاف صيانة للملك.
وقيل: يحرم في الزوجة مطلقًا، وقيل: يحرم بغير إذن، وقيل: يحرم في الحرة دون غيرها.
قال الرافعي: والاستمناء باليد نقل عن أحمد الترخيص فيه، وذكر القاضي ابن كج أن فيه توقفًا في القديم، والمذهب الظاهر: تحريمه؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ملعون من نكح يده) واحتج له أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وهذا مما وراء ذلك.
ويجوز أن يستمني بيد زوجته وجاريته كما يستمتع بسائر بدنهما، ولا بأس أن يطوف على إمائه بغسل واحد، لكن يستحب أن يخلل بين كل وطأتين وضوءًا وغسل الفرج، ولا يتصور ذلك في الزوجات إلا بإذنهن، وأما حديث (الصحيحين): (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه بغسل واحد) فمحمول على إذنهن.

فَصْلٌ: يَلْزَمُ الْوَلَدَ إِعْفَافُ الأَبِ وَالأَجْدَادِ عَلَى الْمَشَهُورِ؛  ويكره أن يطأ واحدة بحضرة أخرى، وأن يكونا متجردين، وأن يتحدث بما جرى بينه وبين زوجته وأمته.
وتسن ملاعبة الزوجة إيناسًا وتلطفًا ما لم يترتب عليه مفسدة، ويستحب أن لا يعطلها، وأن لا يطيل عهده بالجماع من غير عذر، وأن لا يترك ذلك عند قدومه من سفره.
والسنة أن يقول عند الجماع: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا.
ولا يكره الجماع مستقبل القبلة ولا مستدبرها، ويحرم على الزوجة والأمة تحريمًا غليظًا أن تمتنع إذا طلبها للاستمتاع الجائز، ولا يكره وطء المرضع والحامل، ويكره أن تصف المرأة امرأة أخرى لزوجها من غير حاجة.
وقال في (الإحياء): يكره الجماع في الليلة الأولى من الشهر والأخيرة منه وليلة نصفه؛ فيقال: إن الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي.
وأفتى ابن عبد السلام بأنه لا يحل للمرأة أن تستعمل دواء يمنع الحبل، وكذا أفتى به الشيخ عماد الدين بن يونس، قال: ولو رضي به الزوج.
ويجوز له وطء زوجته وأمته في الموضع الذي يعلم أنه يدخل عليه وقت الصلاة ويخرج ولا يجد ما يغتسل به، ولا يمنعه من ذلك علمه بأنها لا تغتسل عقبه وتؤخر الصلاة عن وقتها.
وكره أحمد الوطء في السفينة؛ لأنها تجري على كف الرحمن.
قال: (فصل: يلزم الولد إعفاف الأب والأجداد على المشهور)؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ وفي ترك الإعفاف تعريض للزنا، وذلك غير لائق بحرمة الأبوة، ولأنه

بِأَنْ يُعْطِيَهُ مَهْرَ حُرَّةٍ، أَوْ يَقُولَ: اِنْكِحْ وَأُعْطِيَكَ الْمَهْرَ، أوْ يَنْكِحَ لَهُ بِإذْنِهِ وَيُمْهِرَ، أوْ يُمَلِّكَهُ أَمَةً أوْ ثَمَنَهَا،  من حاجاته المهمة، فوجب على الولد القيام به كالنفقة والكسوة.
وعن ابن خيران تخريج قول: إنه لا يجب، وبه قال أبو حنيفة والمزني، لأنه من التلذذ كأكل الفاكهة والحلوى، وكما أن الابن لا يجب إعفافه بالاتفاق.
وحكى الدارمي وجهًا: أنه يجب إعفاف الأب دون الجد، وعلى المذهب: المراد الأجداد من الجهتين وإن علوا.
ولو كان الأب كافرًا .. ففي وجوب إعفافه وجهان: أصحهما: يجب كما تجب نفقته، فكل من وجبت نفقته .. وجب إعفافه.
وقيل: لا تجب نفقة الكافر؛ إذ لا حرمة له.
ولا يجب إعفاف الأم، قال الإمام: بل لا يتصور؛ إذ لا مؤنة عليها في النكاح.
قال ابن الرفعة: وحكى من لا يوثق به فيه وجهًا، أشار بذلك إلى الجيلي ولم ينصفه في ذلك؛ فقد حكى الوجه المذكور الجرجاني في (الشافي)، لكنه غريب، والفرق على المشهور: أن إعفاف الأب إكرام، وإعفافها اكتساب فلم يجب عليه.
لكن يستثنى من إطلاق المصنف الأب الرقيق؛ فإنه لا يجب إعفافه.
ومن اجتمع له أصلان وقدر على إعفافهما .. وجب، أو على إعفاف أحدهما فقط .. قدم العصبة، وإن كان كأب أب الأب على أب الأم، فإن استويا كأب أم الأب وأب أب الأم .. أقرع، وقيل: يقدمُ القاضي باجتهاده.
ومن له فرعان .. لزم الأقرب، فإن استويا .. فالوارث كابن الابن مع ابن البنت، فإن استويا .. وزع عليهما، وفي (البحر) و (الحاوي): يجب على البنين، فإن تعذر .. فعلى البنات.
قال: (بأن يعطيه مهر حرة، أو يقول: انكح وأعطيك المهر، أو ينكح له بإذنه وبمهر، أو بملكه أمة أو ثمنها) هذه الطرق الخمسة كل منها يحصل به المقصود،

ثُمَّ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُمَا  ولا يلزمه تسليم الصداق إليه، بل يقول: أنا أسوقه إلى الزوجة، ولا فرق بين أن تكون الحرة المنكوحة مسلمة أو كتابية.
وعلم من قوله: (يملكه) أنه ليس له إنكاحه الأمة وهو الأصح، والمراد: يملكه أمة تحل له بأن لا تكون موطوءة الابن ولا مجوسية، ولابد أن تكون ممن تعفه، فلا تكفي الصغيرة، ولا العجوز الشوهاء، كما ليس له أن يعطيه في النفقة طعامًا فاسدًا لا ينساغ.
والتخيير بين هذه الخصال الخمس للمُطلَقِ التصرفِ، أما غيره .. فعلى وليه أن لا يبذل إلا أقل ما تندفع به الحاجة، إلا أن يلزمه الحاكم بغيره، وللابن أن لا يسلم المهر أو الثمن إلا بعد عقد النكاح أو الشراء.
قال: (ثم عليه مؤنتهما) كذا بخط المصنف بالتثنية، والمراد: الأب والتي أعفه بها من زوجة أو أمة، ويقع في بعض النسخ كما في (المحرر) بالإفراد، وهو أحسن؛ لأن مؤنة الأب ذكرها في (كتاب النفقات)، ولأنه لا يلزم من إعفاف الأب وجوب نفقته؛ لأنه قد يكون قادرًا على النفقة دون النكاح، وفي هذه الحالة: الأصح: وجوب إعفافه، وقيل: لا يجب؛ لأن النفقة إذا سقطت .. سقط الإعفاف.
والمراد بـ (المؤنة) النفقة والكسوة، وقال البغوي: لا يلزمه الأدم ولا نفقة

وَلَيْسَ لِلأَبِ تَعْيِينُ الْنِكَاحِ دُونَ الْتَسْرِّي، وَلاَ رَفِيعَةٍ.
وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى مَهْرٍ .. فَتَعْيِينُهَا لِلأَبِ.
وَيَجِبُ الْتَّجْدِيدُ إِذَا مَاتَتْ أَوْ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ أَوْ فُسِخَ بِعَيْبٍ،  الخادم؛ لأن فقدهما لا يثبت الخيار.
قال الرافعي: وقياس قولنا: إنه يتحمل ما لزم الأب لزومهما؛ لأنهما يلزمان الأب مع إعساره، وأما فطرتهما .. فتقدمت في بابها.
وتلزمه مؤنة مستولدة أبيه، غير أنه لا يلزم إلا بمؤنة واحدة، فلو كان للأب زوجتان .. أنفق على واحدة فقط، وقيل: لا يلزمه شيء؛ لأن المستحقة لم تتعين، حكاه الرافعي في (النفقات)، وعلى الصحيح: تقسم النفقة بينهما، وقال ابن الرفعة من عند نفسه: يظهر أن تتعين الجديدة؛ لئلا يثبت لها الخيار.
قال: (وليس للأب تعيين النكاح دون التسري، ولا رفيعة) أي: بجمال أو شرف أو يسار؛ لأن ذلك قد يضر بالولد، والحاجة تندفع بغيرها كما أنه ليس له تعيين مفاخر الأطعمة والملبوس.
قال: (ولو اتفقا على مهر .. فتعيينها للأب)؛ لأنه مطلق التصرف غير محجور عليه، ولأنه لا غرض للابن في تعيينها، وغرض الأب ظاهر.
قال: (ويجب التجديد إذا ماتت أو انفسخ بردة أو فسخ بعيب) كما لو دفع إليه النفقة فسرقت منه، وكذلك الحكم إذا انفسخ نكاحها برضاع، بأن أرضعت التي كان نكحها صغيرة، كانت زوجة له فصارت أم زوجته، أو فسخت بعيبه، وفي وجه بعيد: لا يجب التجديد؛ لأن الإعفاف عقد مواساة، فلو قلنا بتكررة .. لشق، وخرج عن موضوع المواساة.
وإطلاق المصنف يقتضي: أنه لا فرق بين ردته وردتها، والصواب: تخصيصه بردتها، أما ردته .. فكطلاقه بغير عذر، بل أولى.

وَكَذَا إِنْ طَلَّقَ بِعُذْرٍ فِي الأَصَحِ.
وَإِنْمَا يَجِبُ إِعْفَافُ فَاقِدِ مَهْرٍ مُحْتَاجٍ إِلَى الْنِكَاحِ،  قال: (وكذا إن طلق بعذر في الأصح) ولو تكرر مرارًا كما في الموت، وحكم الخلع حكم الطلاق.
والعذر: شقاق، أو نشوز، أو ريبة ونحوها.
والثاني: المنع؛ فإن الأب قصد قطع النكاح، فإن طلق بغير عذر .. لم يجب التجديد؛ لأنه المفوت على نفسه، وبه صرح في (المحرر)، وحذفه المصنف؛ اكتفاء بالمفهوم.
والثالث: يجب التجديد مطلقًا؛ لأن تكليفه إمساك واحدة فيه عسر.
وموضع الخلاف إذا لم يكن مطلاقًا، فإن كان .. لم يجب التجديد اتفاقًا، ولكن يسريه جارية، ويسأل القاضي الحجر عليه في الإعتاق.
ثم إذا كان الطلاق بائنًا .. وجب التجديد في الحال، وإن كان رجعيًا .. فبعد انقضاء العدة.
قال: (وإنما يجب إعفاف فاقد مهر) حرة؛ لأن القادر عليه مستغن عن الابن، ويلتحق به القادر على تحصيله بكسب أو غيره، قال الرافعي: وينبغي أن يجيء فيه الخلاف المذكور في النفقة.
قال: (محتاج إلى النكاح)؛ لغلبة شهوته لا لخدمته، فإن ذلك يجب بلا خلاف، ولا يحل له طلب الإعفاف إلا إذا صدقت شهوته بحيث يخاف العنت، أو يضر به التعزب، ويشق عليه الصبر، قال الإمام: ويحتمل أن يشترط خوف العنت كما في نكاح الأمة، لكن الأول أظهر.

وَيُصَدَّقُ إِذّا ظَهَرَتِ الْحَاجَةُ بِلاَ يَمِينٍ  ولو كان تحته عجوز أو شوهاء أو رتقاء لم تندفع الحاجة بها .. وجب إعفافه.
قال: (ويصدق إذا ظهرت الحاجة)؛ لأنها لا تعلم إلا من جهته.
قال: (بلا يمين)؛ لأن تحليفه في هذا المقام لا يليق بحرمته.

فروع: حيث وجب الإعفاف .. استوى فيه الابن والبنت كالنفقة، وإذا قلنا: لا يجب الإعفاف .. فللأب المحتاج أن ينكح أمة، وإن أوجبناه .. فوجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه غير مستطيع طول حرة وخائف العنت.
وأصحهما: المنع؛ لأنه مستغن بمال ولده، فإن قلنا بالأول .. حصل الإعفاف بأن يزوجه أمة.
هذا كله في الإعفاف لأجل قضاء الشهوة، فلو احتاج الأب إلى النكاح لأجل الخدمة بسبب مرض .. قال ابن الرفعة: فإعفافه واجب على الابن كما يجب عليه شراء الدواء ونحوه له؛ لأن ذلك من جملة كفايته، ويشبه أن لا يكون في ذلك الخلاف في وجوب الإعفاف لأجل الشهوة، قال الشيخ: والذي قال صحيح، لكنه لا يسمى إعفافًا.
وإذا أيسر الأب بعد تمليك الابن الجارية له أو تمليك الصداق .. لم يكن للابن استرداده اتفاقًا، قال المحاملي: كما لو دفع إليه النفقة في وقت حاجته ثم أيسر.

وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ: وَطْءُ أَمَةِ وَلَدِهِ - وَالْمَذْهّبُ: وُجُوبُ مَهْرٍ لاَ حَدٍّ  قال: (ويحرم عليه وطء أمة ولده)؛ لأنها لا زوجة ولا ملك يمين.
وشكلت عبارته أمة الابن والبنت والأحفاد، وهي أحسن من تعبير (المحرر) بـ (أمة الابن).
قال: (والمذهب: وجوب مهر لا حد) سواء كانت موطوءة الابن أم لا؛ لشبهة الملك؛ ففي (سنن أبي داوود) و (ابن ماجة) عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك) وظاهر اللفظ ليس مرادًا؛ لاستحالة ملك المالكين، ولأنه لا يملك ذات الابن، وإنما المراد: التشبيه، وهذا معنى قولنا: شبهة الملك؛ أي: أن ملك الولد يشبه ملك الأب، فهو كحقيقة الملك، بل أقوى.
وعن الإصطخري تخريج قول في وجوب الحد، والصحيح: أنه يعزر لحق الله تعالى لا لحق الابن، وقيل: لا يعزر.
وعلى المذهب: هو كوطء الشبهة، فعليه المهر للابن، فإن كان موسرًا .. أخذ منه وإن كان معسرًا .. ففي ذمته إلى أن يوسر، وقيل: إن كان معسرًا .. لم يثبت في ذمته، والصحيح الأول.
وكما يسقط الحد ويجب المهر للشبهة .. تثبت المصاهرة، فتحرم الجارية على الابن أبدًا، ويستمر ملكه عليها إذا لم يوجد من الأب إحبال، ولا شيء على الأب بتحريمها؛ لأن مجرد الحل في ملك اليمين غير متقوم، وإنما المقصود الأعظم فيه المالية، وهي باقية، فأشبه ما إذا اشترى جارية فخرجت أخته من الرضاع .. لا رد، وله تزويجها وتحصيل مهرها، بخلاف ما لو وطئ زوجة أبيه أو ابنه بالشبهة .. فإنه يغرم المهر؛ لأنه فوت الملك والحل جميعًا، ولأن الحل هناك هو المقصود.
كل هذا إذا لم تكن الأمة موطوءة الابن، أو موطوءته ولم يكن أحبلها، فإن كانت مستولدته .. وجب على الأب الحد بوطئها بلا خلاف.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه المهر إذا وطئ جارية ابنه بكل حال.

فَإِنْ أَحْبَلَ .. فَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، فّإِنْ كَانَتْ مُسْتَوْلَدَةَ الابْنِ .. لَمْ تَصِرْ مُسْتَوْلَدَةَ الأَبِ  فرع: قال القاضي حسين: إذا قلنا: المهر يجب على الأب، فوطئها في مجالس مكررة .. لاتتداخل؛ لأنه حق آدمي، ولا خلاف أنه إذا وطئها وطأة واحدة لا يتكرر مهرها بتكرر الإيلاجات، ولو وطئها في مجلس واحد مرارًا .. ففيه وجهان: أحدهما: يتكرر كما في مجالس.
والثاني: لا يجوز أن يفرق بين المجلس الواحد والمجالس في الغرامات، ألا ترى أن المحرم لو تسربل وتقمص في مجلس واحد .. لزمه فدية واحدة، وإن كان في مجالس .. لزمه فديات، وهكذا الحكم في أحد الشريكين إذا وطىء الجارية المشتركة، وفي السيد إذا وطىء مكاتبته.
أما إذا وطىء امرأة بشبهة أو في النكاح الفاسد في مجلس واحد أو مجالس .. فيلزمه مهر واحد، والفرق: أن الشبهة هنا متحدة، وفي تلك المسائل متعددة، بدليل أنه يأثم بكل وطأة إذا كان عالمًا، والواطىء بالشبهة لا يأثم.
قال: (فإن أحبل .. فالولد حر نسيب) كما لو وطىء جارية أجنبي بشبهة، وهذا تفريع على الصحيح، وهو أنه لا حد، ولذلك عطفه بـ (الفاء)، أما إذا قلنا: يحد .. فالولد رقيق غير نسيب.
قال: (فإن كانت مستولدة الابن .. لم تصر مستولدة الأب)؛ لأنها لا تقبل النقل، وهذا لا خلاف فيه.

وَإِلاَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهَا تَصِيرُ، وَأَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا مَعَ مَهْرٍ، لا َقِيمَةَ وَلَدٍ فِي الأَصَحِّ-  قال: (وإلا .. فالأظهر: أنها تصير) وبه قال أبو حنيفة؛ للشبهة التي اقتضت انتفاء الحد ووجوب المهر.
والثاني - وبه قال المزني -: لا تصير أم ولد لأنها ليست ملكًا له وقت الإحبال.
وفي قول: إن كان موسرًا .. نفذ، وإلا .. فلا كاستيلاد أحد الشريكين.
هذا إذا كان الأب حرًا، فإن كان رقيقًا أو مكاتبًا أو مبعضًا .. فإن الاستيلاد لا يثبت؛ إذا لا شبهة له في ماله، وسيأتي في تتمة (أمهات الأولاد) حكم ذلك.
قال: (وأن عليه قيمتها مع مهر) كما إذا استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة .. يجب عليه نصف القيمة مع نصف المهر، وإنما وجب المهر مع القيمة؛ لأنهما وجبا بشيئين مختلفين: المهر بالإيلاج والقيمة بالاستيلاد.
والثاني: لا تلزمه القيمة، وهما مبنيان على القولين في الاستيلاد، إن ثبت .. غرم، وإلا .. فلا.
وما أطلقه من وجوب المهر محله إذا تأخر الإنزال عن مغيب الحشفة، فإن حصل الإنزال مع تغييبها .. فقد اقترن موجب المهر بالعلوق، فينبغي أن ينزل المهر منزلة قيمة الولد كما قاله الإمام، وأقره الشيخان.
وإذا اختلفا في القيمة .. فالقول قول الأب الغارم، ولو كانت بكرًا فافتضها .. لزمه مع ذلك أرش بكارتها؛ لأنه استهلك عضوًا من بدنها، قاله الماوردي.
قال: (لا قيمة ولد في الأصح)؛ لأنه التزم قيمتها، والولد جزء منها فاندرج، ولأن القيمة إنما تجب بعد انفصاله، وذلك واقع في ملكه.
والثاني: يجب كوطء الشبهة، والخلاف ينبني على أن ملك الأم ينتقل قبل العلوق أو بعده، فإن قلنا بعده .. وجبت قيمة الولد.
وقيل: إن أثبتنا الاستيلاد .. لم تجب قيمة الولد، وإلا .. وجبت، والخلاف إذا انفصل حيًا، فإن انفصل ميتًا .. فلا شيء قطعًا.

وَنِكَاحُهَا، فَلَوْ مَلَكَ زَوْجَةَ وَالِدِهِ الَّذِي لاَ تَحِلُّ لَهّ الأَمَةُ .. لَمْ يَنْفَسِخِ الْنِكَاحُ فِي الأَصَحِّ  قال: (ونكاحها) أي: يحرم على الحر نكاح جارية ابنه، أوجبنا الإعفاف أو لم نوجبه، خاف العنت أم لا؛ لأن له فيها شبهة تسقط الحد فلم يحل له نكاحها كالأمة المشتركة بينه وبين غيره.
وقيل: يجوز بناء على عدم ثبوت استيلاد أمة ولده، أو على عدم وجوب الإعفاف، وقطع الأكثرون بالأول بناء على مقابلهما.
هذا إذا كان الوالد حرًا، فإن كان رقيقًا .. فله أن ينكح جارية ابنه؛ لأنه لا يجب إعفافه ولا نفقته، وإذا استولد الرقيق جارية ابنه .. لم تصر أم ولد.
قال: (فلو ملك زوجة والده الذي لا تحل له الأمة .. لم ينفسخ النكاح في الأصح).
صورة المسالة: أن يكون والده نكحها حيث يجوز له نكاح الأمة، ثم ملكها الابن والأب بحيث لا يحل له ابتداء نكاح الأمة .. فلا ينفسخ النكاح في الأصح؛ لأن الأصل في النكاح الثابت الدوام، وللدوام من القوة ما ليس للابتداء، وقد سبق أن النكاح الطارىء على نكاح الأمة لا يرفعه.

وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةِ مُكَاتَبِهِ، فَإِنْ مَلَكَ مُكَاتَبٌ زَوْجَةَ سَيِّدِهِ .. انْفَسَخَ الْنِكَاحُ فِي الأَصَحِّ.

 والثاني: يمتنع كما يمتنع نكاح أمة نفسه، وهذا صححه الفارقي، وزيفه الإمام، ونسبه لبعض الخلافيين وقال: لست أعده من المذهب.
واحترز بقوله: (زوجة والده الذي لا تحل له الأمة) عما إذا ملك زوجة والده العبد .. فإن النكاح لا ينفسخ جزمًا؛ لأن العبد يجوز له أن يتزوج بأمة ولده كما تقدم، وإنما الوجهان إذا كان الأب حرًا وهو معسر خائف للعنت، فمسألة الكتاب فرد من أفراد نكاح أمة الولد، ونكاح أمة الولد أخص من نكاح مطلقة الأمة.
قال: (وليس له نكاح أمة مكاتبه)؛ لأن له فيها حق الملك كأمة ابنه، والمراد: المكاتب كتابة صحيحة.
قال: (فإن ملك مكاتب زوجة سيده .. انفسخ النكاح في الأصح)؛ لأن تعلق السيد بمال المكاتب فوق تعلق الأب بمالك الابن، فحدوث ملك المكاتب يقرب مما إذا ملك زوجة نفسه.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأنه كالأجنبي من السيد.
فإن قيل: إذا ملك أبا سيده لم يعتق عليه .. فلم تنزلوه منزلة ملك نفسه؟ فالجواب: أن الملك قد يجتمع مع القرابة في بعض الصور، والملك والنكاح لا يجتمعان.

تتمة: يجوز نكاح جارية ابنه من الرضاع، ونكاح جارية أبيه وأمه قطعًا؛ لعدم وجوب الإعفاف.

فَصْلٌ: السَّيِّدُ بَإِذْنِهِ فِي نِكَاحِ عَبْدِهِ لاَ يَضْمَنُ مَهْرًا وَنَفَقَةً فِي الْجَدِيدِ، وَهُمَا فِي كَسْبِهِ

 قال: (فصل: السيد بإذنه في نكاح عبده لا يضمن مهرًا ونفقة في الجديد)؛ لأن الإذن إنما يدل على التمكين، وليس فيه تصريح بالتزام، هذا هو المنصوص في (الأم).
والقديم: أنهما على السيد؛ لأن الإذن في النكاح يتضمن الالتزام، وهل يجبان على السيد ابتداء، أو على العبد ثم يتحملهما السيد؟ فيه وجهان: أصحهما عند أبي الفرج الزاز - وهو الراجح في (الشرح الصغير) - الثاني.
فعلى الأول: لا تتوجه المطالبة على العبد، ولو أبرأته .. كان لغوًا، ولو أبرأت السيد .. سقط.
وعلى الثاني: للمرأة مطالبتها بهما جميعًا، ولو أبرأت العبد .. برىء السيد.
قال القاضي حسين: ويجريان في كل دين لزم العبد بإذنه كما لو أذن له في ضمان غيره، أو في التمتع بالحج.
وإذا قلنا بالجديد .. فلا مطالبة على السيد أصلاً إلا بالتمكين من الاكتساب على ما سيأتي.
ولو أذن بشرط الضمان .. لم يلزمه، ولو ضمن قبل العقد .. كان ضمان ما لم يجب، وإن ضمن بعد العقد .. صح في المهر المعلوم، ولا يصح في النفقة.
قال: (وهما في كسبه)؛ لأنهما من لوازم النكاح، وكسب العبد أقرب شيء يصرف إليهما، فالإذن في النكاح إذن في صرف مكاسبه إلى مؤناته، وهل يتعلقان مع الكسب بذمة العبد؟ وجهان: أصحهما: نعم، وظاهر كلام المصنف خلافه، والتعلق بذمة العبد هنا أقوى منه في دين التجارة؛ لأن الغرض هنا له، وهناك للسيد.

بَعْدَ الْنِكَاحِ الْمُعْتَادِ وَالْنَّادِرِ.
فَإِنْ كَانَ مَاذُوناً لَهُ فِي تِجَارَةٍ .. فَفِيمَا بِيَدِهِ مِنْ رِبْحٍ،

 قال: (بعد النكاح) يعني: الذي يكسبه بعد النكاح، فيعد النكاح ظرف للكسب؛ لأن الأكساب التي قبله وإن كانت باقية .. فهي خاصة بالسيد كسائر أمواله، فلو كان المهر مؤجلاً .. صرف إليه مما يكسبه بعد حلول الأجل، لا من المكتسب قبله، وهذه الصورة تستثنى من إطلاق المصنف.
وطريق الصرف إلى المهر والنفقة: أن ينظر في الحاصل كل يوم فيؤدي منه النفقة إن وفى بها، فإن فضل شيء .. صرف إلى المهر، وهكذا كل يوم حتى يتم المهر، وما فضل بعد ذلك للسيد، ولا يدخر للنفقة، هكذا رتب الرافعي.
وفي (الوسيط) يكتسب للمهر أولاً ثم للنفقة، وهذه المسألة تقدم في (باب الضمان) الفرق بينها وبين نظيرها منه.
قال: (المعتاد) وهو الذي يحصل من صنعة وحرفة واحتطاب واحتشاش واصطياد.
قال: (والنادر) كالهبة والوصية، وهذا بناء على أن النادر يدخل في المهايأة، وهو الصحيح.
والثاني: لا يتعلق به؛ بناء على عدم دخوله.
قال: (فإن كان مأذونًا له في تجارة .. ففيما بيده من ربح)؛ لأنه من جملة كسبه.
والأصح: أنهما يتعلقان بجميع الربح الحاصل في يده قبل النكاح والحادث بعده، ولهذا أطلقه، بخلاف الكسب، وذلك أن العبد إذا كان مأذونًا وفي يده مال فأطماع المعاملين تمتد إلى ما في يده، وإذا أذن له في النكاح .. كأنه التزم صرف ما في يده إلى مؤناته، ولهذا تعلق برأس المال كما سيأتي.
وقيل: يختصان بالربح الحاصل بعد النكاح، فلو كان المأذون مكتسبًا .. فقد سكت الرافعي في (الشرح) عن حكمه، وهو يدخل في إطلاق (المحرر) و (المنهاج)، ويقتضي أنهما يتعلقان بالربح والكسب جميعًا، وهو الظاهر، ويحتاج إلى ذلك؛ فإنه قد لا يكفي أحدهما ويتكمل من الآخر.

وَكَذَا رَاسُ مَالٍ فِي الأَصَحِّ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْتَسِبًا وَلاَ مَاذُونًا لَهُ .. فَفِي ذِمَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: عَلَى الْسَّيِّدِ.
وَلِلسَّيِّدِ الْمُسَافَرَةُ بِهِ وَيَفُوتُ الاسْتِمتَاعُ  قال: (وكذا رأس مال في الأصح)؛ لأنه دين لزمه بعقد مأذون فيه، فكان كدين التجارة.
والثاني: لا يتعلق برأس المال؛ لأنه لم يحصل بكسبه، فهو كرقبته.
قال: (فإن لم يكن مكتسبًا ولا مأذونًا له .. ففي ذمته)؛ لأنه دين لزمه برضا مستحقه فتعلق بذمته كبدل القرض.
قال: (وفي قول: على السيد)؛ لأن الإذن في النكاح لمن هذا حاله التزام للمؤنات.
قال الشيخ: كذا وجهوه، وهو يشبه توجيه القول القديم، ولا يناسب قواعد الشافعي في الجديد، والرافعي في (الشرح) تردد في كونهما قولين أو وجهين، وجزم في (المحرر) بأنهما قولان، وتبعه عليه المصنف.
والظاهر: أنهما قولان غير القولين المصدر بهما الجديد والقديم، أما الأول .. فبلا شك؛ لاختلاف علته وعلة الجديد، وأما الثاني .. فلا يتجه إلا على القديم.
وفي قول ثالث: يتعلق برقبته كأروش الجنايات.
قال: (وللسيد المسافرة به)؛ لأنه مالك لرقبته فيقدم حقه، كما لو أراد أن يسافر بالأمة المزوجة .. فله ذلك، وللعبد أن يسافر بزوجته معه، وحينئذ فعليه أن يخليه للاستمتاع بها كالحضر، قال البغوي: ويكون الكراء في كسبه، فلو لم تخرج الزوجة معه، أو كانت رقيقة فمنعها سيدها .. سقطت نفقتها، وإن لم يطالبها الزوج بالخروج .. فالنفقة بحالها.
قال: (ويفوتُ الاستمتاع) أنَّى ودَّع يفوت الاستمتاع بسبب السفر، وعبارة

وَإِذَا لَمْ يُسَافِرْ بِهِ .. لَزِمَهُ تَخْلِيَتَهُ لَيْلاً لِلاسْتِمْتَاعِ، وَيَسْتَخْدِمُهُ نَهَارًا إِنْ تَكَفَّلَ الْمَهْرَ وَالْنَّفَقَةَ، وَإِلاَ .. فَيُخْلِيهِ لِكَسْبِهِمَا،

 (المحرر): (وإن فات الاستمتاع) وهي أحسن، وبالجملة: لا حاجة إلى ذكر ذلك؛ فإنه معلوم من الأول، ولذلك لم يذكرها الشافعي في (المختصر).
وعبارة المصنف تقتضي: أن له المسافرة به وإن لم يتكفل المهر والنفقة؛ لأن شرط التكفل في استخدامه نهارًا، ولم يذكرها فيما إذا سافر به، والحكم في الحالين سواء كما صرح به الرافعي وغيره.
قال: (وإذا لم يسافر به .. لزمه تخليته ليلاً للاستمتاع)؛ لأنه مقصود النكاح، ولاقتضاء العرف ذلك، كما يلزمه تخليته في أوقات راحته وأكله وشربه، وصرح الماوردي بأن السيد إذا كان معاشه ليلاً كالحارس .. يلزمه تخليته نهارًا كما جزموا به في (القسم).
والمراد بتخليته ليلاً على العادة في الفراغ من الخدمة كما نص عليه الشافعي رضي الله عنه، وسيأتي في نظيره من الأمة.
كل هذا إذا لم تكن الزوجة في بيت سيده، فإن كانت .. لم تلزمه تخليته بالليل؛ لأنه متمكن من الاستمتاع بها في منزله، ذكره الشيخ أبو حامد والماوردي.
قال: (ويستخدمه نهارًا إن تكفل المهر والنفقة) المراد بتكفلهما: التزامهما وأداؤهما، وليس على حقيقة ضمان الديون، وحق المهر والنفقة متعلق بالكسب، وإنما السيد بالتزامه منعه من ذلك.
كل هذا في السيد الموسر، فلو كان معسرًا .. فالمتجه: أن التزامه لا يفيد؛ لتفويت حق الزوجة بذلك.
وقوله: (تكفل المهر والنفقة) كذا هو بغير باء؛ لأن تكفل متعد بنفسه، وهو في (المحرر) معدى بـ (الباء).
قال: (وإلا .. فيخليه لكسبهما)؛ لوجوبهما عليه؟، وتعلقهما بكسبه.

وَإِنْ اسْتَخْدَمَهُ بِلاَ تَكَفُّلٍ .. لَزِمَهُ الأَقَلُّ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِ وَكُلِّ الْمَهْرِ وَالْنَفَقَةِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ والنَّفَقَةُ.
وَلَوْ نَكَحَ فَاسِدًا وَوَطِىءَ .. فَمَهْرُ مِثْلٍ فِي ذِمَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: فِي رَقِبَتِهِ  قال: (وإن استخدمه بلا تكفل .. لزمه الأقل من أجرة مثل وكل المهر والنفقة)؛ لأن أجرته إن زادت .. كان له أخذ الزيادة، وإن نقصت .. لم يلزمه إتمام النفقة.
والمراد: استخدمه نهارًا؛ فإن حقه في استمتاعه ليلاً لا بدل له، فلو استخدمه ليلاً ونهارًا .. ضمن زمان نهاره دون ليله.
قال: (وقيل: يلزمه المهر والنفقة) أي: كمالهما وإن زادت على أجرة المثل؛ لأنه ربما كسب ذلك اليوم ما يفي بالجميع، ورجحه الماوردي.
وعلى الوجهين: المراد قدر نفقة الاستخدام، وقيل: نفقة مدة النكاح وإن امتدت؛ لأنه ربما كان يكتسب ما يفي بجميع ذلك.
واحترز باستخدام السيد عما إذا استخدمه أجنبي .. فإنه لا يلزمه غير أجرة المثل بالاتفاق.
قال الرافعي: وإذا اختصرت الخلاف في استخدام السيد .. حصلت ثلاثة أوجه فيما إذا استخدمه يومًا: أحدها: كمال المهر ونفقة العمر.
والثاني: المهر ونفقة اليوم.
والثالث - وهو الأصح -: أنه لا تلزمه إلا أجرة المثل كالأجنبي.
وصورة المسألة: أن تكون أجرة المثل أقل.
قال: (ولو نكح فاسدًا ووطىء .. فمهر مثل في ذمته)؛ لحصوله برضا المستحق كما لو اشترى بغير إذن السيد وأتلف.
قال: (وفي قول: في رقبته)؛ لأنه إتلاف، فبدله في رقبته كديون الإتلافات، وموضع الخلاف إذا مكنته برضاها وهي مالكة لأمرها، فلو تزوج الحرة ووطئها مكرهة أو نائمة .. تعلق برقبته قولاً واحدًا، ذكره صاحب (الكافي)، ولم يقف ابن الرفعة

وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ .. اسْتَخْدَمَهَا نَهَارًا وَسَلَّمَهَا لِلزَّوْجِ لَيْلاً،  على نقل فيه، إنما استنبطه من تعليلهم للصحيح.
نعم؛ يستثنى من إطلاق المصنف ما لو أذن له السيد في النكاح الفاسد .. فإنه يتعلق بكسبه، كما قال الرافعي: إنه القياس؛ لأنه فعل ما أذن له فيه.
قال: (وإذا زوج أمته .. استخدمها نهارًا، وسلمها للزوج ليلاً)؛ لأن السيد يملك من أمته منفعتين: منفعة الاستمتاع ومنفعة الاستخدام، فإذا زوجها عقد على إحدى منفعتيها، وبقيت المنفعة الأخرى فيستوفيها في وقتها وهو النهار، وهذا كما إذا أجر أمة .. يسلمها إلى المستأجر نهارًا، ويمسكها لاستيفاء المنفعة الأخرى في وقتها وهو الليل، فلو أراد السيد أن يمسكها نهارًا بدلاً عن الليل .. لم يجز له ذلك؛ لأن الليل وقت الاستراحة والاستمتاع، وعليه التعويل في القسم بين النساء، اللهم إلا أن تكون حرفة الزوج والسيد ليلاً.
كل هذا إذا أمكن استخدامها، فإن امتنع لزمانه أو مرض .. فالظاهر أن عليه التسليم مطلقًا، ويحتمل خلافه.
وظاهر عبارته: أنه يسلمها من الغروب، وفي (مختصر البويطي): أنه يسلمها بعد فراغ الخدمة، وهو بعد ثلث الليل، وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: يسلمها إذا فرغت من الخدمة بحكم العادة، وهو حسن؛ لأن تحكيم العادة هو الذي اختاره المصنف فيما إذا استأجر للخدمة.
فإن قيل: صحح المصنف أن السيد لا يجوز له أن ينظر إلى أمته المزوجة وأن يخلو بها، فكيف يبيح له استخدامها؟ فالجواب: أنه لا يلزم من الاستخدام النظر ولا الخلوة.
كل هذا في غير المكاتبة، أما المكاتبة .. فجزم الماوردي بأنها كالحرة تسلم ليلاً ونهارًا.
وسكتوا عن المبعضة، والقياس: إن كانت مهايأة .. فهي في نوبتها كالحرة،

وَلاَ نَفَقَةَ عَلَى الْزَّوْجِ حِينَئِذٍ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ أخْلَى فِي دَارِهِ بَيْتًا وَقَالَ لِلزَّوْجِ: تَخْلُو بِهَا فِيهِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الأَصَحِّ.
وَلِلسِّيِّدِ الْسَفَرُ بِهَا  وفي نوبة السيد كالقنة، وإن لم تكن مهايأة .. فللسيد أن يمتنع من تسليمها فيهما نهارًا.
قال: (ولا نفقة على الزوج حينئذ في الأصح)؛ لعدم التمكين التام.
والثاني: تستحق تمام النفقة؛ لحصول التسليم الواجب، ويروى هذا عن المزني في (المنثور)، ونص (البويطي) يقتضيه.
والثالث - وبه قال ابن أبي هريرة وأحمد بن ميمون الفارسي، وإليه ذهب الماوردي وابن الصباغ والغزالي-: يجب قسط النفقة لتشطير الزمان.
وأفاد المصنف بقوله: (حينئذ) أنه إذا سلمها ليلاً ونهارًا .. وجبت النفقة كلها، والأصحاب متفقون على ذلك، وأجرى الأول والثالث فيما إذا سلمت الحرة نفسها ليلاً واشتغلت عن الزوج نهارًا.
قال المصنف: والصحيح: الجزم في الحرة بأنه لا يجب شيء بحال.
وأما المهر .. فقال الشيخ أبو حامد: لا يجب تسليمه كالنفقة، وقال القاضي أبو الطيب: يجب؛ لأن التسليم الذي يتمكن معه من الوطء حصل، وليس كالنفقة؛ فإنها لا تجب بتسليم واحد، وهذا هو الأصح في (الروضة) و (الشرح الصغير).
قال: (ولو أخلى في داره بيتًا وقال للزوج: تخلو بها فيه .. لم يلزمه في الأصح)؛ لأن الحياء والمروءة يمنعانه من ذلك، وعلى هذا: فلا نفقة على الزوج.
والثاني: تلزم الزوج إجابة السيد إلى ما قال؛ ليدوم به السيد على ملكه مع تمكن الزوج من الوصول إلى حقه، وعلى هذا: فتلزمه النفقة، والخلاف في (المحرر) و (الكتاب) وجهان، وفي (الشرح) و (الروضة) قولان، وهو الصواب.
فإن قلنا بالأظهر وكانت محترفة فقال الزوج: دعوها تحترف للسيد في بيتي وسلموها ليلاً ونهارًا .. لم يجز له ذلك في الأصح.
قال: (وللسيد السفر بها)؛ لأنه مالك للرقبة، وملكها مقدم على ملك المنفعة، كذا علله الرافعي، وأورد على تعليله تقديم المستأجر، وأجيب بأن المنفعة

وَلِلزَّوْجِ صُحْبَتُهَا.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْسَّيِّدَ لَوْ قَتَلَهَا أَوْ قَتَلَت نَفْسَهَا قَبْلَ دُخَولٍ .. سَقَطَ مَهْرُهَا،  هنا خاصة لا تقتضي يدًا وحيلولة بينها وبين السيد.
لكن يستثنى ما إذا كانت مرهونة أو مستأجرة أو مكاتبة .. فيوقف ذلك على رضا من له الحق.
والموصى بمنفعتها للموصى له المسافرة بها على الأصح؛ لأن استحقاقه لا فرق فيه بين الليل والنهار، فإذا تزوجها .. سافر بها بغير إذنه، وكذلك إذا تزوجت اللقيطة ثم أقرت بالرق لشخص وصدقها .. فإن إقرارها مقبول، إلا فيما يؤدي إلى إبطال حق وجب عليها كما تقدم في بابه.
قال: (وللزوج صحبتها) أي: إذا سافر السيد بها .. لم يمنع الزوج من مصاحبتها ليستمتع بها في وقته؛ لأن السفر كالحضر، لكنه لا يكلف ذلك؛ لأن الحق في الاستمتاع له لا عليه.
قال: (والمذهب: أن السيد لو قتلها أو قتلت نفسها قبل دخول .. سقط مهرها)؛ لانقطاع النكاح قبل الدخول من جهة المستحق، فأشبه الردة قبل الدخول.
والثاني: لا يسقط شيء من المهر؛ لأنها فرقة حصلت بانتهاء العمر فكانت كالموت، وسيأتي في الباب الذي بعده أن هذا مستثنى من استقرار المهر بموت أحد الزوجين.
وحاصل المذهب: أن النص فيما إذا قتل الأمة سيدها قبل الدخول سقوط جميع

وَأَنَّ الْحُرَّةَ لَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا، أَوْ قَتَلَ الأَمَةَ أَجْنَبِيٌّ أَوْ مَاتَتْ .. فَلاَ كَمَا لَوْ هَلَكتَا بَعْدَ دُخُولٍ.
وَلَوْ بَاعَ مُزُوَّجَةً .. فَالْمَهْرُ لِلبَائِعِ،  مهرها، وفيما إذا قتلت الحرة نفسها قبل الدخول أنه لا يسقط شيء من المهر، فقيل: قولان بالنقل والتخريج.
والأصح: السقوط في الأمة وعدمه في الحرة على وفق النصين، والفرق: أن الحرة كالمسلمة إلى الزوج بالعقد بدليل أن له منعها من السفر، والأمة لا تصير مسلمة بالعقد بدليل أن للسيد أن يسافر بها، فلا يستقر مهرها إلا بالدخول، وأيضًا فإن الحرة إذا قتلت نفسها .. غنم زوجها ميراثها فجاز أن يغرم مهرها، وفي قتل الأمة لا ميراث له.
قال: (وأن الحرة لو قتلت نفسها، أو قتل الأمة أجنبي أو ماتت .. فلا).
أما الحرة .. فلانتهاء العمر، ولأنه يأخذ الميراث في مقابلة المهر، وأما الأمة إذا قتلها أجنبي أو ماتت .. فلأنه لم يحصل من المستحق ما يقتضي إسقاط شيء فلم يسقط.
قال: (كما لو هلكتا بعد دخول) فإنه لا يسقط بلا خلاف، وهذا لا يختص بقتل الحرة نفسها، بل لو قتلها الزوج أو أجنبي أو ماتت .. لم يسقط بالاتفاق أيضًا.
قال: (ولو باع مزوجة .. فالمهر للبائع)؛ لوجوبه بالعقد، فحصل في ملكه، سواء كان مسمى صحيحًا أو فاسدًا، وليس للبائع ولا للمشتري حبسها؛ لأنها خرجت عن تصرف البائع، والمشتري لا يملك المهر.

فَإِنْ طُلِقَتْ قَبْلَ الْدُخُولِ .. فَنِصْفُهُ لَهُ  هذا في النكاح الصحيح، فلو أنكحها فاسدًا ثم باعها ووطئها الزوج .. فمهر مثلها للمشتري؛ لأنه وجب بالوطء الواقع في ملكه، وإن وطىء قبل البيع .. فهو للبائع، وكذلك إذا فوضها ثم جرى الفرض أو الدخول بعد البيع .. فالمفروض أو مهر المثل للمشتري على الأصح؛ لوجوبه في ملكه.

فائدة: علم من كلام المصنف دوام النكاح مع البيع، وأنه لا يكون طلاقًا، وهي مسألة اختلف الصحابة فيها إذا كان المشتري غير زوجها، فقال ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وأنس وجابر وآخرون: إن بيعها طلاق، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ فيقتضي أن كل مزوجة ملكتها يمينتا تحل لنا، ومن ضرورة ذلك انفساخ نكاح زوجها بملكنا إياها.
وتعجب الناس من ابن عباس كيف يقول بذلك وهو يروي حديث بريرة؟! ويعلم أن نكاحها استمر قطعًا حتى اختارت نفسها بنص النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال ابن خزيمة: إن الشخص قد يكون عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ويغفل عنه فيقول بخلافه، وحاول الناس الاعتذار عنه بأنه إنما يقول ذلك إذا اشتراها رجل بحيث يدخل في ذلك، وهو اعتذار حسن إن كان مذهب ابن عباس يوافقه.
والأكثرون قالوا: لا يكون بيع الأمة المزوجة طلاقًا ولا فسخًا، وممن قال ذلك عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعامة أهل العلم مستدلين بحديث بريرة، واستمرار نكاحها حتى اختارت نفسها، وحملوا المحصنات التي ملكت أيماننا في الآية الكريمة على المسبيات إذا ملكناهن .. انفسخ نكاح أزواجهن الكفار.
وفرق الإمام بين هذه والمسبية بأن السبي يغير صفتها، وهذه لم تتغير صفتها وإنما تبدل المالك، وفرق غيره بأن السبي يزيل ملك الكافر فأزال نكاحه.
قال: (فإن طلقت قبل الدخول .. فنصفه له)؛ لأنه ملكه بالعقد المتقدم في ملكه.

وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ .. لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ.

 قال: (ولو زوج أَمتَه بعبده .. لم يجب مهر)؛ لأن السيد لا يجب له على عبده دين، ولذلك لو جنى عليه أو أتلف ماله .. لا يجب له أرش ولا ضمان، لا في الحال ولا بعد العتق، لكن هل نقول: وجب ثم سقط أو لم يجب أصلاً؟ وجهان: أشهرهما: الثاني، وهما كالخلاف في القصاص بقتل الابن.
وفائدة الخلاف تظهر في المفوضة، فإن قلنا: لم يجب شيء .. وجب لئلا يخلو النكاح عن المهر، وإن قلنا: وجب ثم سقط .. فلا، كما إذا استوفاه.
واحترز بـ (عبده) عن مكاتبه؛ فإنه معه كالأجنبي، وأما المبعض .. فالظاهر أنه يجب عليه بقسط ما فيه من الحرية.
وعلم من عبارته صحة النكاح، وفي (الشرح الصغير): أنه لا خلاف فيه، وحكى في (الكبير) في (كتاب الرضاع) وجهًا: أن النكاح لا يصح، وكذا حكاه الإمام هناك.
وقوله: (عبده بأمته) لغة تميم وأزد شنوءة، واللغة الفصحى: زوَّج عبده أمته؛ فالعرب لا يقولون: تزوجت بها، وإنما يقولون: تزوجتها، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَكَهَا﴾.
واستدل للغة الأخرى بقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾؛ فإن مجاهدًا قال: معناه: أنكحناهم.
والجواب: أن المراد: قرناهم بهن وليس من عقد التزويج، وقد نبه المصنف على بعض ذلك في (باب زكاة الفطر) من (تحريره).

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل