وَحِرْفَةٌ،
وفي (سنن أبي داوود) بإسناد حسن: (لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله).
وحكى ابن الصلاح في (طبقاته) عن أبي الحسن الجوري: أن الزاني والزانية لا يصح نكاحهما إلا ممن هو مثلهما، وأن الزنا لو طرأ على أحد الزوجين .. انفسخ النكاح.
وأطلق الأصحاب: أن الفاسق ليس كفء عفيفة، قال في (المهمات): والذي يتوجه عند زيادة الفسق أو اختلاف نوعه عدم الكفاءة.
قال الرافعي: ولا تعتبر الشهرة، فمن لم يشتهر بالصلاح كفء للمشهورة به، وإذا لم يكن الفاسق كفءًا للعفيفة .. فالمبتدع أولى أن لا يكون كفءًا للسنية.
ولا فرق في اعتبار هذا الوصف بين المسلمين والكفار، حتى لا يكون الكافر الفاسق في دينه كفءًا للعفيفة في دينها منهم، قال ابن الرفعة ثم قال: والفسق والعفة يراعيان في الزوجين أنفسهما لا فيمن سلف من آبائهما، بخلاف الحرية؛ فإنها تراعى في النوعين، والفرق مطرد في أصل الدين حتى نقول: من كان أبوه كافرًا كفءً لمن كان أبوها مسلمًا خلافًا لأبي حنيفة؛ لأن فضيلة الدين لا تتعدى إلى الأبناء بخلاف فضيلة النسب.
اهـ
لكن في (الروضة): ليس من أسلم بنفسه كفءًا لمن لها أبوان في الإسلام في الأصح، ومن المعلوم: أن الكافر ليس كفءًا للمسلمة، ومن أسلم بنفسه ليس بكفء للتي لها أبوان أو ثلاثة في الإسلام، وقيل: كفء.
وقيل: لا ينظر إلا إلى الأب الأول والثاني، فمن له أبوان في الإسلام كفء لمن لها عشرة آباء فيه؛ لأن الأب الثالث لا يذكر في التعريف فلا يلحق العار بسببه، والأول أصح.
قال: (وحرفة) الحرفة: الصناعة وما يعانيه الإنسان من جهة الكسب؛ لأنه يتحرف إليها.
فَصَاحِبُ حِرْفَةٍ دَنِيئَةٍ لَيْسَ كُفْءً أَرْفَعَ مِنْهُ؛ فَكَنَّاسٌ وَحَجَّامٌ وَحَارِسٌ وَرَاعٍ وَقَيُمُ الْحَمَّامِ .. لَيْسَ كفْءً بِنْتٍ خَيَّاطٍ، وَلاَ خَيَّاطٌ .. بِنْتَ تَاجِرٍ أَوْ بَزَّازٍ، وَلاَ هُمَا .. بِنْتَ عَالِمٍ وَقَاضٍ
قالت عائشة: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وقد شغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه.
قال: (فصاحب حرفة دنيئة ليس كفء أرفع منه) استدلوا له بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ قيل: أراد سبب الرزق، فبعضكم يصل إليه بسهولة وبعضكم بمشقة.
وقيل: لا تعتبر الحرفة حكاه الرافعي في كلامه على ألفاظ (الوجيز)، وحذفه من (الروضة)، واقتضى كلام الصيمري: أنه المذهب.
وضبط الإمام الحرفة الدنيئة بكل ما دلت ملابسته على انحطاط المروءة وسقوط النفس كملابسة القاذورات.
قال: (فكناس وحجام وحارس وراع وقيم الحمام .. ليس كفء بنت خياط، ولا خياط .. بنت تاجر أو بزاز، ولا هما .. بنت عالم وقاض)؛ لأن العرف قاض بذلك، واحتجوا له بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (العرب أكفاء بعضهم لبعض، قبيلة لقبيلة، وحي لحي، ورجل لرجل، إلا حائك أو حجام) رواه ابن أبي حاتم في (علله) وأبو عمر في (التمهيد)، والبيهقي من طرق كلها ضعيفة باطلة لا يصح منها شيء، إلا أن العرب كانت تعير بمثل ذلك، قال الشاعر (من الرجز):
لست براعي إبل ولا غنم .... ولا بجزار على ظهر وضم
باتوا نيامًا وابن هند لم ينم
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْيَسَارَ لاَ يُعْتَبَرُ،
وفي عد الرعي من الحرف الدنيئة إشكال لا يخفى؛ لأنه سنة الأنبياء في ابتداء أمرهم، وقد يقال: لا يلزم من ذلك أن يكون صفة مدح لغيرهم كما أن فقد الكتابة في حق نبينا صلى الله عليه وسلم مُعجزة وفي حق غيره مَعْجَزة.
وذكر في (الحلية): أنه تراعى العادة في الحرف والصناعات؛ لأن في بعض البلاد التجارة أولى من الزراعة، وفي بعضها بالعكس.
و (البزاز): بائع البز، وهو الثياب، وقيل: متاع البيت خاصة.
و (التاجر): الجالب من بلد إلى بلد.
قال الشيخان: والحرف الدنيئة في الآباء والاشتهار بالفسق مما يعبر به الولد، فيشبه أن يكون حال من كان أبوه صاحب حرفة دنيئة أو مشهورًا بفسق مع من أبوها عدل كما ذكرنا فيمن أسلم بنفسه مع من أبوها مسلم، والحق: أن يجعل النظر في حق الآباء دينًا وسيرة وحرفة من حيز النسب؛ فإن مفاخر الآباء ومثالبهم هي التي يدور عليها أمر النسب، قالا: وهذا يؤكد اعتبار النسب في العجم، ويقتضي أن لا تطلق الكفاءة بين غير قريش من العرب.
اهـ
والأشبه في (المهمات): الاعتبار بحال الزوجين في ذلك كما تقدم في ولد المعيب.
قال: (والأصح: أن اليسار لا يعتبر)؛ لأن المال غاد ورائح ولا يفتخر به إلا أرباب الرعونات، وهو ظل زائل، وحال حائل، ومال مائل، ومما ينسب إلى الشافعي رحمه الله (من الكامل):
ومن الدليل على القضاء وكونه .... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وسئل محمد بن خفيف الزاهد عن علامة رضا الله تعالى عن العبد فقال: إدبار الدنيا عنه.
وقال سفيان بن عيينة: الهم بالدنيا يسود القلب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: يعتبر اليسار في الكفاءة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أما معاوية .. فصعلوك لا مال له).
وفي (سنن ابن ماجه) و (الترمذي) و (البيهقي) عن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحسب المال والكرم التقوى).
وصحح هذا القفال وسليم والفارقي والروياني، وقال القاضي: الناس في زماننا يعدونه من أفضل الخصال وأعظم الفضائل، ولكن عامة الأصحاب لا يعتبرونه.
وتوسط الماوردي فقال: يعتبر في أهل القرى، وفي سكان البوادي وجهان.
وقال ابن أبي الدم: إن كان في العرب .. لم يعتبر، وفي العجم وجهان؛ لأن العرب تتفاخر بالأنساب، والعجم بالأموال.
وإذا اعتبرنا اليسار فوجهان:
أحدهما: أن المعتبر اليسار بقدر المهر والنفقة، فإذا أيسر بهما .. فهو كفء لصاحبة الألوف.
وأصحهما: لا يكفي ذلك، بل الناس أصناف غني وفقير ومتوسط، وكل صنف أكفاء وإن اختلفت المراتب.
وبقيت أمور أخرى اختلف في اعتبارها في الكفاءة:
منها: صحح الروياني أن الشيخ لا يكافئ الشابة، واختاره الشيخ، والأصح: أنهما كفآن، لكن الأولى للشيخ أن لا يتزوج شابة؛ لما روى البيهقي: أن شابة تزوجت شيخًا فقتلته، فرفعت القضية إلى عمر، فنادى الناسَ: (أيها الناس؛ لينكح الرجل لمته من النساء، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال) أي: شكله وتربه.
ومنها: قيل: الجاهل لا يكافئ العالمة، والأصح: أنه كفؤها.
ونقل صاحب (البيان) وابن الصلاح عن الصيمري: أن قومًا اعتبروا في الكفاءة البلد، فسكان الجبال ليسوا أكفاء لسكان مكة والمدينة والبصرة والكوفة.
ونقل القاضي أبو بكر بن العربي وغيره عن طاووس: أنه كان لا يحضر نكاح سوداء
وَأَنَّ بَعْضَ الْخِصَالِ لاَ يُقَابَلُ بِبَعْضٍ.
وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَمَةٌ، وَكَذَا مَعِيبَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ،
بأبيض، ولا بيضاء بأسود ويقول: هذا نهي عنه بقوله تعالى: ﴿فَلَيُغَيرُنَ خَلْقَ اللهِ﴾.
قال القاضي: وهذا وإن كان يحتمله اللفظ فهو مخصوص بما أنفذه النبي صلى الله عليه وسلم من نكاح مولاه زيد وكان أبيض بظئره بركة، وكانت سوداء، ثم أنكح أسامة وهو أسود فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء، وكانت تحت بلال أخت عبد الرحمن بن عوف الزهرية.
قال: (وأن بعض الخصال لا يقابل ببعض) فلا تزوج سليمة من العيوب دنيئة في النسب بنسيب معيب، ولا حرة فاسقة بعبد عفيف، ولا عربية فاسقة بعجمي عفيف، بل صفة النقص مانعة من الكفاءة.
ويقابل الأصح في كلام المصنف تفصيل للإمام؛ فإنه قال: السلامة من العيوب لا تقابل بسائر فضائل الزوج، وكذا الحرية والنسب، والأصح: أن العفة الظاهرة فيه لا تجبر دناءة نسبه.
قال: والتنقي من الحرف الدنيئة يقابله الصلاح وفاقًا، واليسار إن اعتبرناه يقابل بكل خصلة، وللخلاف شبه باجتماع عبد فقيه وحر غير فقيه في الإمامة، والأصح: التسوية.
وقال: (وليس له تزويج ابنه الصغير أمة)؛ لأنه مع الصغر لا يخاف عليه العنت.
قال: (وكذا معيبة على المذهب) يعني: بعيب يثبت الخيار كالرتق والقرن والجذام والبرص والجنون؛ لأنه خلاف الغبطة، ولا يصح النكاح.
وَيَجُوزُ مَنْ لاَ تُكَافِئُهُ بِبَاقِي الْخِصَالِ فِي الأَصَحِّ
قال: (ويجوز من لا تكافئه بباقي الخصال في الأصح)؛ لأنه متمكن من الخلاص بالطلاق بعد البلوغ، ولأنه قد تكون له مصلحة في ذلك، وأيضًا: فلا عار على الرجل في استفراش من دونه، وصرح الرافعي بأن له الخيار إذا بلغ.
والثاني: لا، وهما كالقولين في تزويج البنت الصغيرة بمن لا يكافئها، لكن التصحيح مختلف.
ولو قبل لابنه المجنون البالغ نكاح أمة .. جاز إن كان معسرًا ويخاف عليه العنت في الأصح.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه لا يخشى وطءًا يوجب حدًا أو إثمًا.
تتمة:
للسيد أن يزوج أمته برقيق ودنيء النسب، ولا يجوز أن يزوجها من مجذوم أو أبرص أو مجنون بغير رضاها، نص عليه، وكذلك لا يزوجها ممن به عيب يثبت الخيار، ولا بمن لا يكافئها بسبب آخر.
ولو زوجها بمعيب برضاها .. لم يكن لها الامتناع من تمكينه، وله بيعها ممن به بعض تلك العيوب؛ لأن الشراء لا يتعين للاستمتاع، ثم هل لها الامتناع من تمكينه؟ وجهان، قال المتولي: أصحهما: يلزمها التمكين.
قال في (المهمات): الصحيح: أنه لا يلزمها التمكين كما في (الشرح) و (الروضة) في (باب الاستبراء)، وسيأتي في تتمة ذلك الباب.
فَصْلٌ:
لاَ يُزَوَّجُ مَجْنُونٌ صَغِيرٌ، وَكَذَا كَبِيرٌ إِلاَّ لِحَاجَةٍ
قال: (فصل:
لا يزوج مجنون صغير)؛ لأنه لا يحتاج إليه في الحال، وبعد البلوغ لا يدرى كيف يكون الأمر، بخلاف الصغير العاقل؛ فإن الظاهر حاجته إلى النكاح بعد البلوغ، ولا نظر لحاجة التعهد والخدمة؛ فإن الأجنبيات يجوز أن يقمن بخدمته، هذا هو الصحيح.
وفي وجه: يزوجه الأب أو الجد، وطرده الشيخ أبو محمد في الصغير العاقل الممسوح.
قال: (وكذا كبير إلا لحاجة) فإذا لم تدع حاجة إليه .. لم يزوج؛ لما فيه من لزوم المهر والنفقة من غير حاجة تدعو إليه، وليس كالصغير؛ فإن له غاية يتوقع بعدها كماله، فلا يراعى في نكاحه إلا المصلحة، فإن كان بالمجنون حاجة إليه .. زوج، والحاجة تتوقع من وجهين:
أحدهما: أن تظهر رغبته في النساء بأن يدور حولهن ويتعلق بهن وما أشبه ذلك، أو يشهد طبيبان عدلان - وقيل: واحد - بتوقع شفائه به.
والثاني: أن يحتاج إلى امرأة تتعهده وتخدمه، ولا يوجد من محارمه من يقوم بذلك، فتكون مؤنة النكاح أخف من مؤنة شراء أمة.
قال الرافعي: إذا لم تجب على الزوجة خدمة الزوج وتعهده فكيف تزوج منه لهذا الغرض؟! وربما تمتنع من ذلك ولا تفي إن وعدت.
وأجاب بعضهم عن ذلك بأن طبعها يدعوها لخدمته، وفي الحديث: (النساء من فَوَاحِدَةً.
وَلَهُ تَزْوِيجُ صَغِيرٍ عَاقِلٍ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ
أسفه السفهاء، إلا صاحبة القسط والسراج) أراد: إلا التي تخدم زوجها في وضوئه وسراجه.
وإذا جاز التزويج منه .. تولاه الأب ثم الجد ثم السلطان دون سائر العصبات كولاية المال، وسكتوا عن الوصي، ونص في (الأم) في (باب الصداق) على أنه يزوجه؛ لأنه يلي المال، وبه صرح في (الشامل) في (كتاب الوصية).
كل هذا في مطبق الجنون، أما المتقطع .. فلا يزوج أصلاً؛ لأنه إذا احتاج إليه .. تزوج بنفسه في يوم إفاقته، وألحق به الماوردي المغمى عليه.
والمُخَبَّل كالمجنون في النكاح، وهو الذي في عقله خلل وفي أعضائه استرخاء، ولا حاجة به إلى النكاح غالبًا.
قال: (فواحدة)؛ لأن الحاجة تندفع بها.
قال: (وله تزويج صغير عاقل أكثر من واحدة) يعني: للأب والجد أو يزوج الصغير العاقل أربعًا على الصحيح؛ لأن المرعي في نكاحه المصلحة وقد تكون مصلحة وغبطة، وأما الوصي والقاضي .. فليس لهما ذلك على الصحيح؛ لانتفاء كمال شفقتهما، وفي (البيان) وجه: أن لهما ذلك كالأب.
والثاني: لا يزاد على واحدة؛ لئلا تكثر المؤنة عليه مع حصول الكفاية بواحدة.
وقيل: لا يزوج أصلاً، وعزاه في (الروضة) لـ (الإبانة)، وأنه صححه، والوجه المذكور ليس له في (الإبانة) ذكر فضلاً عن تصحيحه، بل فيها الجزم بالجواز، وحكاية وجهين في الزيادة على الواحدة.
كل هذا إذا لم يكن ممسوحًا، فإن كان .. فنقل الرافعي عن المتولي منه تزويجه، وهو ظاهر.
وَيُزَوِّجُ الْمَجْنُونَةَ أَبٌ أَوْ جَدٌ إِنْ ظَهَرَتْ مَصْلَحَةٌ، وَلاَ تُشْتَرَطُ الْحَاجَةُ، وَسَوَاءً صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ، ثَيِّبٌ وَبِكْرٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ أَوْ جَدٌّ .. لَمْ تُزَوَّجْ فِي صِغَرِهَا،
قال: (ويزوج المجنونة أب أو جد إن ظهرت مصلحة، ولا تشترط الحاجة) بالاتفاق، بخلاف المجنون؛ لأن النكاح يفيدها المؤن، والمجنون يغرم المهر والنفقة ولا يحصل له بذلك غني ولا عفاف.
قال: (وسواء صغيرة وكبيرة، ثيب وبكر) أما البكر .. فبلا خلاف، وأما الثيب .. فعلى الأصح.
وفي وجه: لا يزوج الثيب الصغيرة كالعاقلة.
وفي وجه: لا يستقل الأب بتزويج الثيب البالغة، بل لابد من إذن السلطان نيابة عن إذنها، وسواء التي بلغت مجنونة ومن بلغت عاقلة ثم جنت بناء على أن من بلغ عاقلاً ثم جن .. فولاية ماله لأبيه، وهو الأصح، وإن قلنا: إنها للسلطان .. فكذا التزويج.
ويشترط في البالغة إطباق جنونها، فإن كان متقطعًا .. فالراجح: أنها لا تزوج قبل الإفاقة كما تقدم في المجنون.
قال: (فإن لم يكن أب أو جد .. لم تزوج في صغرها)؛ لعدم الحاجة في الحال، وغير الأب والجد لا يملك الإجبار.
فَإِنْ بَلَغَتْ .. زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ فِي الأَصَحِّ لِلْحَاجَةِ، لاَ لِمَصْلَحَةٍ فِي الأَصَحِّ
قال: (فإن بلغت .. زوجها السلطان في الأصح) كما يلي مالها.
والثاني: يزوجها قريبها من أخ أو عم وغيرهما بشرط إذن السلطان نيابة عنها، فإن امتنع .. زوج السلطان بالعضل.
وإذا زوجها السلطان في هذه الحالة .. راجع أقاربها، وهل هذه المراجعة واجبة أو مستحبة؟ رجح البغوي الوجوب، والصحيح: الاستحباب، وهو ظاهر نص (الأم) كما قاله في (البحر)، وجزم به هو والماوردي، وكذلك الرافعي في الكلام على تحريم الخطبة على الخطبة.
والخلاف في وجوب المراجعة يجري فيما إذا كان المجنون ذكرًا وزوجه السلطان، قاله البغوي، ولم يتعرض له الرافعي.
قال: (للحاجة) بأن تظهر عليها علامات غلبة شهوتها، أو يشهد بذلك أهل الخبرة كما تقدم.
قال: (لا لمصلحة في الأصح) ككفايتها بالنفقة وغيرها، لأن تزويجها حينئذ يقع إجبارًا، وليس ذلك لغير الأب والجد.
والثاني: نعم كالأب والجد.
فرع: إذا جوزنا تزويج المجنونة فأفاقت .. لا خيار لها على المنصوص؛ لأن التزويج لها كالحكم لها وعليها، واختار المزني في غير (المختصر) أن لها الخيار.
وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ .. لاَ يَسْتَقِلُّ بِنِكَاحٍ، بَلْ يَنْكِحُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ يَقْبَلُ لَهُ الْوَلِيُّ.
قال: (ومن حجر عليه بسفه .. لا يستقل بنكاح)؛ لئلا يفني ماله بمؤن النكاح، فلابد له من مراجعة الولي، وهذه المسألة ذكرها المصنف بعد هذا بقليل، وفي (باب الحجر) أيضًا.
واحترز عن سيفه لا حجر عليه، وهو المهمل، فتزويجه كسائر تصرفاته، وفيها خلاف سبق في بابه.
ولو بلغ رشيدًا ثم سفه ولم يعد الحجر عليه وشرطناه .. فتصرفه نافذ على الأصح إلى أن يحجر عليه.
قال: (بل ينكح بإذن وليه)؛ لأنه مكلف صحيح العبارة، وإنما حجر عليه حفظًا لماله.
وعن أبي الطيب ابن سلمة وغيره: أنه لا يأذن له الولي في النكاح؛ لأنه محجور عليه فأشبه الصبي، والمذهب الأول.
قال: (أو يقبل له الولي) كما يتولى قبول البيع والهبة له.
وهل يشترط فيه إذن السفيه؟ قال قائلون: لا؛ لأنه فوض إليه رعاية مصالحه، فإذا عرف حاجته .. زوجه كما يطعمه ويكسوه، وبهذا قال الشيخ أبو حامد والعراقيون.
فَإِنْ أَذِنَ وَعَيَّنَ امْرَأَةً .. لَمْ يَنْكِحَ غَيْرَهَا، وَيَنْكِحُهَا بِمَهْرٍ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ .. فَالْمَشْهُورُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ بِمَهْرٍ الْمِثْلِ مِنَ الْمُسَمَّى
وأصحهما: نعم؛ لأنه حر مكلف.
ثم إذا قبل له الولي النكاح .. فليقبل بمهر المثل أو أقل، فإن زاد .. صح بمهر المثل في الأصح.
والولي هنا الأب ثم الجد إن بلغ سفيهًا، والقاضي أو منصوبه إن بلغ رشيدًا، وأما الوصي .. فكلام الغزالي في (الخلاصة) يمنع منه، والمفتى به: أن له التزويج بعد الجد كما صرح به الرافعي في (باب الوصية)، وهو المنصوص في (الأم) و (المختصر) في (باب ما يجوز للوصي أن يضعه في أموال اليتامى)، وبه صرح الشيخ أبو حامد والقاضي حسين والماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني وغيرهم.
والذي وقع في زوائد (الروضة) هنا معترض.
ثم إن المصنف أطلق نكاحه، وهو مقيد باحتياجه إليه؛ لئلا يتلف أمواله من غير حاجة، ولا يكتفى بقوله؛ لأنه قد يقصد إتلاف المال، خلافًا للإمام وهو أقيس؛ لأن احتياجه لا يعرف إلا من جهته وهو أعلم بحال نفسه، وكما لا يزوج امرأتين .. لا يجمع له بين أمتين للوطء وإن اتسع ماله، نص عليه.
قال: (فإن أذن وعين امرأة .. لم ينكح غيرها)؛ لأن الإذن مقصور عليها.
قال: (وينكحها بمهر المثل أو أقل)؛ مراعاة للإذن ومصلحته.
قال: (فإن زاد .. فالمشهور: صحة النكاح)؛ لأن خلل الصداق لا يفسد النكاح، وفي قول مخرج: إنه باطل للمخالفة.
قال: (بمهر المثل من المسمى) المراد: بقدر مهر المثل من الذي عينه، وتسقط الزيادة؛ لأنها تبرع من سفيه.
وَلَوْ قَالَ: انْكِحْ بِأَلْفٍ وَلَمْ يُعَيِّنِ امْرَأَةً .. نَكَحَ بِالأَقَلِّ مِنَ الأَلْفِ وَمَهْرٍ مِثْلِهَا
وقال ابن الصباغ: القياس أنه يبطل المسمى ويرجع إلى مهر المثل في ذمته، ثم إذا أبطلنا الزائد فقط .. فينبغي أن يجري في الباقي قولا تفريق الصفقة، ولم يذكروه، وهذه المسألة نظير قول المصنف في (الصداق): (ولو نكح لطفل بفوق مهر المثل، أو أنكح بنتًا لا رشيدة، أو رشيدة بكرًا بلا إذن بدونه .. فسد المسمى، والأظهر: صحة النكاح بمهر المثل) فلينظر في الفرق بينهما، وسوى صاحب (التنبيه) بينهما في أوائل (الصداق)، وحكم ببطلان الزائد في المسألتين، وأقره عليه في (التصحيح).
قال النشائي: وما جزم به الشيخ وجه، والأصح: بطلان الجميع والرجوع بمهر المثل، وسيأتي لها بسط في (الصداق).
قال: (ولو قال: انكح بألف ولم يعين امرأة .. نكح بالأقل من الألف ومهر مثلها)، فإن نكح امرأة بألف وكان مهر مثلها ألفًا وأكثر .. فالنكاح صحيح
وَإِنْ أَطْلَقَ الإِذْنَ .. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَيَنْكِحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مَنْ تَلِيقُ بِهِ.
فَإِنْ قَبِلَ لَهُ وَلَيَّهُ .. اشْتُرِطَ إِذْنُهُ فِي الأَصَحِّ، ...
بالمسمى، وإن كان مهر مثلها أقل من ألف .. صح النكاح بمهر المثل وسقطت الزيادة؛ لأنها تبرع، ولا مجال للتبرع في مال السفيه.
قال: (وإن أطلق الإذن .. فالأصح: صحته) كما لو أذن السيد لعبده في النكاح .. فيكفي الإطلاق.
والثاني: لا يصح، بل لابد من تعيين امرأة أو نساء قبيلة أو من تقدير المهر؛ لأنا لو اعتبرنا الإذن المطلق .. لم نأمن أن ينكح من تستغرق ماله.
قال: (وينكح بمهر المثل)؛ لأنه المأذون فيه، ومقتضاه: أنه لا ينكح بأكثر، وليس كذلك، بل يصح وتسقط الزيادة، ولو نكح بأقل .. صح بالمسمى.
قال: (من تليق به) فلو نكح شريفة يستغرق مهر مثلها ماله .. فوجهان: اختيار الإمام والغزالي أنه لا يصح النكاح، بل يتقيد بموافقة المصلحة.
فروع:
أحدها: ذكر ابن كج تفريعًا على اعتبار الإذن المطلق وجهين فيما لو عين الولي امرأة فعدل إلى غيرها فنكحها بمثل مهر المعينة؛ لأنه لا غرض للولي في أعيان الزوجات.
الثاني: قال له: انكح من شئت بما شئت .. نقل الشيخان عن بعضهم: أنه يبطل الإذن؛ لأنه رفع للحجر بالكلية، والذي نقلاه عن بعضهم جزم به الروياني في (البحر).
الثالث: إذا اشتدت حاجة السفيه وخاف الوقوع في الزنا ولم يجد إلا امرأة لا ترضى إلا بأكثر من مهر مثلها .. قال الإمام: في جواز إنكاحها احتمال عندي.
الرابع: قال ابن كج: الإذن للسفيه في النكاح لا يفيده جواز التوكل؛ لأنه لم يرفع الحجر إلا عن مباشرته.
قال: (فإن قبل له وليه .. اشترط إذنه في الأصح)؛ لأنه حر مكلف فلابد من استئذانه.
وَيَقْبَلُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ .. صَحَّ النكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ.
وَلَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِلاَ إِذْنٍ .. فَبَاطِلٌ، فَإِنْ وَطِئَ .. لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْء،
والثاني: لا يشترط كما يكسوه ويطعمه ويبيع له ويشتري بغير إذنه.
قال: (ويقبل بمهر المثل فأقل)؛ نظرًا له كما في الشراء له.
قال: (فإن زاد .. صح النكاح بمهر المثل) وتسقط الزيادة؛ لتبرعه بها.
قال: (وفي قول: يبطل) كما لو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، وهو كالخلاف في تزويج موليته بدون مهر المثل.
قال: (ولو نكح السفيه بلا إذن .. فباطل) كما لو استقل بالبيع والشراء، ويفرق بينهما قبل الدخول وبعده.
قال في (الدقائق): وهذه العبارة أولى من قول (المحرر): (ولو نكح السفيه بغير إذن الولي ...)؛ لأنه يدخل في عبارة الكتاب ما إذا استأذنه فمنعه وأذن الحاكم .. فإنه يصح قطعًا، مع أن الولي لم يخرج بمنعه مرة عن الولاية؛ لأنها صغيرة، والمسألة تقدمت قريبًا.
والألف واللام في (السفيه) للعهد وهو: المحجور عليه، أما من طرأ سفهه .. فتصرفاته صحيحة ما لم يحجر عليه على الأصح، وكذا المتعاطي لموجبات الفسق ولم يحجر عليه ليس حكمه حكم السفيه كما أفتى به ابن الفركاح، وذكر أن المصنف أفتى بفساد النكاح وعدم وقوع الطلاق فيه، قال: وهذا سبيل إلى استباحة المطلقة ثلاثًا وعمل الناس على خلافه.
قال: (فإن وطىء .. لم يلزمه شيء) كما لو اشترى شيئًا فأتلفه؛ وذلك لأن معاقدته والتسليم إليه تسليط على التصرف والإتلاف.
وَقِيلَ: مَهْرُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مُتَمَوَّلٍ
وعبارته تشمل الحد والمهر، أما الحد .. فبلا خلاف للشبهة، وإن أتت بولد .. لحقه، وأما المهر .. فكذلك على الصحيح، واستشكله الرافعي؛ لأنه حق الزوجة وقد تزوج ولا شعور لها بحال الزوج فكيف يبطل حقها؟ وأجيب بأن حقها يبطل بتمكينها.
ومقتضى إطلاق المصنف: أنه لا يلزمه شيء في الحال، ولا بعد فك الحجر، وهو المذهب، سواء علمت بسفهه أم لا؛ لتفريطها، ومرادهم: السقوط ظاهرًا، أما في الباطن .. فنص الشافعي على لزوم مهر المثل بعد فك الحجر عنه، وهو ظاهر منقاس.
وصورة المسألة: أن تكون المرأة رشيدة، فإن كانت سفيهة .. وجب لها مهر المثل قطعًا كما لو تبايع سفيهان .. فإن كلاً منهما يضمن ما أتلفه لصاحبه.
قال: (وقيل: مهر مثل)؛ لئلا يعرى الوطء عن عقر أو عقوبة.
قال: (وقيل: أقل متمول) أي: عادة؛ رعاية لحق السفيه، ووفاء بحق التعبد؛ إذ به يتميز عن السفاح، ولأن الخلو عن المهر بالكلية من خصائص خير البرية صلى الله عليه وسلم.
ومَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ .. يَصِحُّ نِكَاحُهُ، وَمُؤَنُ النكَاحِ فِي كَسْبِهِ، لاَ فِيمَا مَعَهُ.
وَنِكَاحُ عَبْدٍ بِلاَ إِذْنٍ سَيَّدِهِ بَاطِلٌ، ...
فرعان:
أحدهما: إقرار السفيه بالنكاح .. قال البغوي لا يصح؛ لأنه ليس ممن يباشره، واستشكله الرافعي بإقرار المرأة، وجزم الرافعي في (أول الإقرار) بما قاله البغوي، على أن البغوي قد جزم هناك بالصحة عكس ما جزم به هنا، ثم إن هذا إنما يتأتى إذا لم يأذن الولي للسفيه فيه، فإن أذن له فيه .. لزم القول بصحته.
وقال ابن الرفعة: قياس تزويجه له بغير إذنه أن يقبل إقراره عليه عند الحاجة، ولا يقبل عند عدمها وقت الإقرار، كالأب إذا أقر على البنت يقبل حالة البكارة دون الثيوبة.
الثاني: إذا كان السفيه مطلاقًا .. سري جارية، فإن تبرم بها .. أبدلت له.
وكثرة الطلاق أن يزوجه ثلاث نسوة على التدريج فيطلقهن، وقيل: امرأتين، ويحتمل أنه طلاق واحدة ثلاثًا بكلمة واحدة.
قال: (ومن حجر عليه بفلس .. يصح نكاحه)؛ لصحة عبارته وثبوت ذمته، وهذه تقدمت في (الفلس).
قال: (ومؤن النكاح في كسبه، لا فيما معه)؛ لأن الذي معه كالمرهون بحقوق الغرماء فلا يصرف إلى مؤن النكاح، فإن لم يكن له كسب .. ففي ذمته إلى أن ينفك الحجر.
قال في (المطلب): فإن لم تعلم المرأة بفلسه ولا كسب له .. يشبه أن يثبت لها الخيار، خصوصًا إذا قلنا: إن لها الفسخ بالإعسار بالنفقة والمهر جميعًا؛ لأن ماله الموجود لأجل الغرماء كالمفقود في حقها.
قال: (ونكاح عبد بلا إذن سيده باطل) سواء كان سيده ذكرًا أو أنثى، اتفق
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعي والأصحاب عليه، بل قال في (الأم): لا أعلم بين أحد لقيته - ولا حكي (لي) عنه - من أهل العلم اختلافًا في ذلك.
وقال الرافعي: خلافًا لمالك حيث قال: يصح وللسيد فسخه، ولأبي حنيفة حيث قال: يقف على إجازة السيد.
لنا: قوله صلى الله عليه وسلم: (أيما عبد تزوج بغير إذن سيده .. فهو عاهر)، وفي رواية صححها الحاكم: (فنكاحه باطل)، وفي (سنن أبي داوود) و (الترمذي) من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر.
وعبد الله بن محمد بن عقيل المذكور يحتج بحديثه هذا، وأما حديثه الذي رواه الأصوليون عن عبد الله بن أنيس أن جابر بن عبد الله رحل مسيرة شهر لسماعه .. فمردود؛ لتفرده به، واختلاف الناس في نسبه، قيل: جهني، وقيل: أنصاري، ومختلف في أنهما اثنان أو واحد، وفي أن جابرًا قدم عليه الشام أو مصر؟.
وابن عقيل معروف بالاضطراب وسوء الحفظ، وتكلم فيه أبو زرعة وابن معين وابن مهدي وأبو حاتم، وإنما يثني عليه من المحدثين من يرى بهذا المذهب الخبيث الحرف والصوت لدسيسة في معتقده.
واقتضى إطلاق المصنف: أن العبد إذا وطىء .. لم يلزمه شيء كالسفيه، وهو كذلك، إلا أن تكون المنكوحة أمة .. ففي لزومه خلاف؛ لأن الحق لغيرها.
وَبِإِذْنِهِ صَحِيحً، ولَهُ إِطْلاَقُ الإِذْنِ، وَلَهُ تَقْيِيدُهُ بِامْرَأَةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ أَوْ بَلَدٍ، وَلاَ يَعْدِلُ عَمَّا أَذِنَ فِيهِ
وجزم القاضي في (فتاويه) بنفي الحد عنه أيضًا.
قال: (وبإذنه صحيح)؛ لمفهوم الحديث، وفهم المعنى الذي اقتضى منعه من ذلك، حتى لو أذنت المرأة لعبدها فيه فنكح .. صح على المشهور وإن لم يكن لها عبارة في النكاح، لكن يشترط أن يقع الإذن والسيد غير محرم كما تقدم.
قال: (وله إطلاق الإذن، وله تقييده بامرأة أو قبيلة أو بلد، ولا يعدل عما أذن فيه) مراعاة له، وإذا أطلق الإذن .. فله أن يتزوج حرة أو أمة، وفي تلك البلد وغيرها، لكن للسيد منعه من الخروج إلى بلد أخرى، فإن قدر له مهرًا فزاد .. فالزيادة في ذمته يتبع لها إذا عتق.
فروع:
رجع السيد عن الإذن فتزوج العبد ولم يعلم .. فهو على الخلاف في الوكيل، ولو طلق بعدما نكح بإذن سيده .. لم ينكح أخرى إلا بإذن جديد، وهل له أن ينكح التي طلقها إذا كان الطلاق بائنًا؟ الذي يظهر: لا، فإن كان رجعيًا .. ففي استرجاعها بغير إذنه خلاف يأتي في بابه.
ولو نكح نكاحًا فاسدًا .. فهل له نكاح أخرى؟ فيه خلاف مبني على أن الإذن هل
وَالأَظْهَرُ: أَنَهُ لَيْسَ لِلسَيِّدِ إِجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَى الْنِّكَاحِ
يشمل الصحيح والفاسد أو يختص بالصحيح.
والمدبر ومعلق العتق كالقن، والمكاتب ينكح بالإذن، وقيل: قولان كتبرعه.
قال: (والأظهر: أنه ليس للسيد إجبار عبده على النكاح)؛ لأنه يملك رفع النكاح بالطلاق، فكيف يجبر على ما يملك رفعه والسيد لا يملك منفعة بضعه؟! ولأن النكاح عقد يلزم ذمة العبد مالاً فلا يجبر عليه كالكتابة، وهذا هو الجديد وبه قال أحمد.
والثاني- وهو القديم وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك-: له إجباره بالإكراه؛ لأنه مملوكه فأشبه الأمة، هذا إذا كان العبد بالغًا، فإن كان صغيرًا .. فطريقان:
أظهرهما: طرد القولين، ولذلك أطلقه المصنف.
والثاني: القطع بالإجبار نظرًا له دون الكبير، وسيأتي في (كتاب الرضاع) ما يوهم تصحيح إجبار الصغير في قوله: (ولو زوج أم ولده عبده الصغير)
والحكم في المجنون كالصغير، ومحل الخلاف في غير المكاتب والمبعض؛ فإنهما لا يجبران قطعًا.
قال في (المهمات): والذي رجحه الشيخان من عدم تزويج العبد الصغير مخالف لنص الشافعي والأصحاب والقياس الجلي، وربما جزما به في (باب التحليل) نقلاً عن الأئمة، ثم ذكر النص.
قال: وأما القياس .. فلأنه يجوز عندنا للأب والجد تزويج الولد الصغير؛ لأنهما يليان أمره، فإذا جاز لمن يملك التصرف في المال .. جاز للسيد من أولى؛ لأنه يملك التصرف في رقبته.
وَلاَ عَكْسِهِ وَلَهُ إِجْبَارُ أُمَتِهِ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ،
قال: (ولا عكسه) يعني: إذا طلب العبد النكاح هل يجب على السيد إجابته؟ وجهان:
أصحهما - وبه قال أبو حنيفة ومالك-: لا يجب؛ لأنه يشوش عليه مقاصد الملك وفوائده.
والثاني: يجب - وبه قال أحمد - لأنه قد يكون في المنع توريط له في الحرام، وعلى هذا: إذا طلبه من السيد فلم يأذن له فيه .. رفع العبد الأمر إلى السلطان ليزوجه كما لو عضل عن نكاح موليته.
فلو طلبه المكاتب .. ففيه القولان وأولى بالإجبار.
قال: (وله إجبار أمته بأي صفة كانت) صغيرة أو كبيرة، بكرًا أو ثيبًا، عاقلة أو مجنونة، رضيت أو سخطت؛ لأن النكاح يرد على البضع وهو مملوك له وبهذا فارقت العبد.
وتقدم في تتمة الفصل الذي قبل هذا: أنه لا يجوز أن يزوجها من مجذوم أو أبرص أو مجنون بغير رضاها.
ويستثنى من إطلاقه المبعضة والمكاتبة، فلا يجبرهما السيد كما تقدم.
وكذلك أمة المبعض لا تزوج؛ لأن مباشرة العقد منه ممتنعة؛ لأنه لا ولاية له ما لم تكمل الحرية، وإذا امتنعت مباشرته .. امتنعت إنابته غيره، وتزويجها بغير إذنه ممتنع فاستد باب تزويجها، كذا أفتى به البغوي وغيره.
ولا يزوج السيد أمة مكاتبه ولا عبده، ولا يزوجهما المكاتب بغير إذن سيده، وبإذنه قولان كتبرعه.
والأمة الوثنية والمجوسية يأتي حكمهما في أن السيد بماذا يزوج؟
فَإِنْ طَلَبَتْ .. لَمْ يَلْزَمْهُ تَزْوِيجُهَا، وَقِيلَ: إِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ .. لَزِمَهُ
فرع:
إذا كان لعبده المأذون في التجارة أمة، فإن لم يكن على العبد دين .. جاز للسيد تزويجها بغير إذن العبد على الأصح؛ لأن الملك له ولم يتعلق به حق غيره، وإن كان عليه دين، فإن زوجها بإذن العبد والغرماء .. صح، وإن زوجها بإذنه دون إذنهم أو بالعكس .. لم يصح على الصحيح، وبيع السيد هذه الجارية وهبتها ووطؤها كتزويجها في حالتي وجود الدين وعدمه، وإذا وطئها بغير إذن الغرماء .. فهل عليه المهر؟ وجهان، قال المصنف: ولعل أصحهما الوجوب.
وإن أحبلها .. فالولد حر والجارية أم ولد إن كان موسرًا، فإن كان معسرًا .. لم تصر أم ولد، بل تباع في الدين، فإن ملكها بعدُ .. فالحكم كما سبق في المرهونة، وكذا الحكم في استيلاد الجارية الجانية، وفي استيلاد الوارث جارية التركة إذا كان على المورث دين.
قال: (فإن طلبت .. لم يلزمه تزويجها)؛ لما فيه من تفويت الاستمتاع عليه، ونقصان القيمة.
قال: (وقيل: إن حرمت عليه .. لزمه)؛ إذ لا يتوقع منه قضاء الشهوة، ولابد من إعفافها.
هذا إذا حرمت عليه مؤبدًا، فإن كان تحريمها لعارض بأن ملك أختين فوطئ إحداهما ثم طلبت الأخرى تزويجها .. لم تجب الإجابة؛ لأن تحريمها عارض، لكن تستثنى أمة القراض فليس للسيد تزويجها كما تقدم في بابه.
وإِذَا زَوَّجَهَا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ بِالْمِلْكِ لاَ بِاِلْوِلاَيَةِ؛ فَيُزَوِّجُ مُسْلِمٌ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ وَفَاسِقٌ
وشمل إطلاقه ما إذا كانت الأمة لامرأة، وفي (البيان): ينبغي أن يكون في إجبارها الخلاف فيما إذا كانت لرجل وهو لا يملك الاستمتاع بها.
قال: (وإذا زوجها .. فالأصح: أنه بالملك لا بالولاية)؛ لأنه يملك الاستمتاع بها فتزويجه إياها تصرف في ذلك الاستمتاع المملوك له، والتصرف فيما يملك استيفاؤه ونقله إلى الغير يكون بحكم الملك، كاستيفاء المنافع ونقلها بالإجارة.
والثاني: أنه بالولاية؛ لأن عليه النظر ورعاية المصلحة لها، حتى لا يجوز تزويجها من معيب بغير رضاها، ونظير الخلاف إقامة الحد على الرقيق للسيد هل يقيمه بالولاية على ملكه كولاية التزويج أو تأديبًا أو إصلاحًا كالفصد والحجامة؟ وجهان: أصحهما: الثاني.
قال: (فيزوج مسلم أمته الكافرة) هذا تفريع على التزويج بالملك، ولهذا ذكره بـ (الفاء)، وفيه وجه: أنه لا يزوج كما لا يزوج ابنته الكافرة، وهو قول المزني والداركي وطائفة، وهو بناء على أنه يزوجها بالولاية.
وعكسه إذا كان لكافر أمة مسلمة أم ولد .. قال ابن الحداد: يزوجها بحق الملك، والأصح: المنع؛ لأن حق المسلم في الولاية آكد؛ لأنه تثبت له الولاية على الكافرات بالجهة العامة، ولأن المسلم يملك الاستمتاع ببضع الكافرة فيملك تزويجها، بخلاف العكس.
وتعبيره بـ (الكافرة) يشمل: المجوسية والوثنية، وفيهما وجهان مبنيان على العلتين: إن قلنا بالأولى .. فله تزويجها، وإن قلنا بالثانية .. فلا، وهو المذكور في (التهذيب)، والأول أصح عند الشيخ أبي علي، ولا ترجيح في (الشرح) ولا في (الروضة) لشيء من الوجهين، ولذلك عبر في (المحرر) بـ (الكتابية).
قال: (وفاسق) هذا إذا سلبناه الولاية؛ لأنه يتصرف بالملك كالإجارة، فإن قلنا: بالولاية .. فلا، لكن يستثنى الإمام الأعظم على هذا القول؛ فالأصح: أنه يزوج مع ذلك.
وَمُكَاتِبٌ، وَلاَ يُزَوَّجُ وَلِيُّ عَبْدَ صَبِيِّ، وَيُزَوِّجُ أَمَتَهُ فِي الأَصَحِّ
قال: (ومكاتب) تفريع على أنه يزوج بالملك، لكن لا يستقل به؛ لضعف ملكه.
قال: (ولا يزوج ولي عبد صبي) وكذلك المجنون والسفيه على الأصح في الجميع؛ لما فيه من انقطاع أكسابه وفوائده عنهم.
والثاني: يجوز؛ لأنه قد تقتضيه مصلحة، قال في (الدقائق): هذه العبارة أصوب من قول (المحرر): لا يجبر؛ لأنه لا يلزم من عدم إجباره منع تزويجه برضاه، والصحيح منعه، وبه قطع البغوي.
قال: (ويزوج أمته في الأصح)؛ اكتسابًا للمهر والنفقة، هذا إذا ظهرت الغبطة.
والثاني: المنع؛ لأنه قد تنقص قيمتها، وقد تحبل فتهلك.
والثالث: يزوج أمة الصبية دون الصبي؛ لأنه قد يحتاج إليها بعد البلوغ.
تتمة: أطلق المصنف (الأمة) والمراد: أمة يجوز له أن يزوجها لو كانت بالغة، فلو كانت مجوسية .. امتنع تزويجها عليه وعلى وليه، وكذا لو كان الصغير كافرًا وله أمة مسلمة .. لا يجوز لوليه تزويجها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خاتمة أعتق في مرض موته أمة .. قال ابن الحداد: لا يجوز لوليها تزويجها حتى يبرأ أو يموت وتخرج من ثلثه، وقال الجمهور: يجوز لوليها تزويجها؛ لأنها حرة في الظاهر كالموهوبة في المرض يتصرف المتهب فيها، وعلى هذا: النكاح صحيح ظاهرًا، فإن تحققنا بعد ذلك نفوذ العتق .. تحققنا نفوذ النكاح على الصحة، وإلا فإن رد الورثة أو أجازوا وقلنا: الإجازة عطية مبتدأة .. بان فساد النكاح، وإلا .. بانت صحته؛ اعتبارًا بما في نفس الأمر.
بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْنَّكَاحِ
باب ما يحرم من النكاح
لم يبوب عليه في (المحرر) ولا على ما بعده إلى (الصداق)، بل جعلها فصولاً، والمصنف أخذ الترجمة من (التنبيه) وهي حسنة.
والتحريم في العقد يطلق بمعنى عدم الصحة وهو المراد هنا، ويطلق بمعنى التأثيم مع الصحة كما في نكاح المخطوبة على خطبة الغير.
والتحريم هنا محصور في أربعة أجناس:
الأول: المحرمية، وهي الوصلة المانعة من النكاح على التأبيد، ولها ثلاثة أسباب: القرابة والرضاع والمصاهرة.
والجنس الثاني: ما لا يقتضي التحريم بصفة التأييد.
والثالث: رق المرأة.
والرابع: الكفر.
ودليل الباب: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية.
فقيل المحرم: العين، وقيل: الوطء، وقيل: العقد، وهو الصحيح، وأخذ ابن الرفعة منه تحريم الإقدام على العقود الفاسدة كما تقدم، وللأصحاب في ضبط القرابة عبارتان:
تَحْرُمُ الأُمَّهَاتُ، وَكُلُّ مّنْ وَلَدَتْكَ أَوْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ فَهِيَ أمُّكَ.
وَالْبَنَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدَتَهَا أَوْ وَلَدْتَ مَنْ وَلَدهَا فَبِنْتُكَ.
قُلْتُ: وَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ تَحِلُّ لَهُ,
إحداهما: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: يحرم على الرجل أصوله وفصوله، وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل بعد الأصل الأول.
فالأصول: الأمهات، والفصول: البنات، وفصول أول الأصول: الأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت، وأول فصل من كل أصل بعد الأصل الأول: العمات والخالات.
قال الجوهري: قولهم: لا أصل له ولا فصل، قال الكسائي: الأصل الحسب، والفصل: اللسان.
والثانية: عن تلميذه أبي منصور البغدادي يحرم نساء القرابة غير ولد الخؤولة والعمومة، وهو أوجز وأحسن؛ لتنصيصه على الإناث.
قال: (تحرم الأمهات) هذا هو السبب الأول من الجنس الأول وهي القرابة، ويحرم بها سبع وهي المذكورات في الآية إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ وابتدأ المصنف بما بدأ الله به.
قال الواحدي: أكثر استعمال العرب في الآدميات الأمهات، وفي غيرهن من الحيوانات أمات بحذف الهاء، وجاء في الآدميات أمات بحذفها وفي غيرهن بإثباتها.
قال: (وكل من ولدتك أو ولدت من ولدك فهي أمك) الأولى حقيقة، والثانية مجاز على الأصح.
قال (والبنات، وكل من ولدتها أو ولدت من ولدها فبنتك) هو كالذي سبق.
قال: (قلت: والمخلوقة من زناه تحل له) هذا هو أصح الأوجه، وبه قال مالك؛ لأنه لم يثبت لها شيء من أحكام البنوة من الميراث ونحوه بالإجماع، ولا يقدح في ذلك ما في (كتاب التبصرة) لأبي الحسن اللخمي، وفي (كتاب وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأةِ وَلَدُهَا مِنَ الْزِّنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ
الأموال) لأبي عبيد عن أحمد بن نصر الداوودي المالكي: أن ولد الزنا يلحق الزاني إذا علم أنه منه.
وعلى المذهب: يكره له من جهة الورع أن يتزوج بها خروجًا من الخلاف.
والوجه الثاني: أنها تحرم عليه وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وزعم ابن القاص أنه المذهب.
والثالث: يحرم إن تحقق أنها منه، واختاره الروياني وجماعة، ويحصل تيقن ذلك بأن يحبسها عنده من الزنا إلى الولادة.
وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: إنما يكون ذلك بإخبار الصادق، وسواء طاوعته على الزنا أو أكرهها.
والمنفية باللعان تحرم عليه إن كان قد دخل بالملاعنة؛ لأنها ربيبة امرأة مدخول بها، وكذا إن لم يدخل بها على الأصح؛ لأن انتفاءها عنه ليس قطعيًا؛ لأنه لو أكذب نفسه في النفي .. لحقته.
قال المتولي: وعلى هذا: ففي وجوب القصاص بقتلها والحد بقذفها والقطع بسرقة مالها وقبول شهادته لها وجهان.
قال: (ويحرم على المرأة ولدها من الزنا والله أعلم) وهذا مجمع عليه كما أجمعوا على أنه يرثها وترثه، ويتوارث ولداها بأخوة الأم، وهذه الزيادة داخلة في قول (المحرر) تحرم الأمهات.
وَالأَخَوَاتُ.
وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ.
وَالْعَمَاتُ.
وَالْخَالاَتُ.
وَكُلُّ مَنْ هِيَ أُخْتُ ذّكّرِ وَلَدَكَ فَعَمَّتُكَ، أَوْ أخْتُ أُنْثَى وَلَدَتْكَ فَخَالَتُكَ.
وَيَحْرُمُ هَؤُلاَءِ الْسَبْعُ بِالْرِضَاعِ أَيْضًا.
وَكُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أوْ أَرْضَعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ مَنْ وَلَدَكَ، أَوْ وَلَدَتْ مُرْضِعَتَكَ، أَوْ ذّا لَبَنِهَا فَأُمُّ رَضَاعٍ، وَقِسِ الْبَاقِي
قال: (والأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، والعمات، والخالات)؛ للآية قال: (وكل من هي أخت ذكر ولدك فعمتك، أو أخت أنثى ولدتك فخالتك) فأخت الأب والأم حقيقة، وأخت الجد والجدة مجاز على الأصح، ولا تحرم بناتهن.
قال: (ويحرم هؤلاء السبع بالرضاع أيضًا) وهو السبب الثاني من الجنس الأول، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمْ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرَّضَعَةِ﴾ نص على الأم والأخت وقسنا الباقي عليهما، وفي (الصحيحين): (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) ويروى: (ما يحرم من النسب)، وقال داوود: لا يحرم إلا ما في القرآن.
قال: (وكل من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو من ولدك، أو ولدت مرضعتك، أو ذا لبنها فأم رضاع) قوله: (من ولدك) يعني: بواسطة أو بغير واسطة، وقوله: (ذا لبنها) يعني: الفحل الذي لبن المرضعة منه.
قال: (وقس الباقي) أي: باقي الأصناف المتقدمة من البنات والأخوات، فكل امرأة أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو أرضعت من ولدك بواسطة أو بغير واسطة .. فهي أمك، وكذلك كل امرأة ولدت المرضعة أو الفحل، وكل امرأة ارتضعت بلبنك أو بلبن من ولدته أو أرضعتها امرأة ولدتها أنت .. فهي بنتك، وكذلك بناتها من النسب والرضاع.
وكل امرأة أرضعتها أمك أو ارتضعت بلبن أبيك .. فهي أختك، وكذلك كل امرأة ولدتها المرضعة أو الفحل.
وَلاَ تَحْرُمُ عَلَيْكَ مَنْ أَرْضَعَتْ أخَاكَ وَنافِلَتَكَ، وَلاَ أُمُّ مُرْضِعَةِ وَلَدِكَ وَبِنْتُهَا، ولاَ أُخْتُ أَخِيكَ بِنَسَبٍ وَلاَ رَضَاعٍ، وَهِيَ: أُخْتُ أَخِيكَ لأَبِيكَ لأُمِّهِ وَعَكْسُهُ
وأخوات الفحل والمرضعة وأخوات من ولدها من النسب والرضاع عماتك وخالاتك، وكذلك كل امرأة أرضعتها واحدة من جداتك أو ارتضعت بلبن جد لك من النسب والرضاع.
وبنات أولاد المرضعة والفحل من النسب والرضاع بنات أخيك وأختك.
قال: (ولا تحرم عليك من أرضعت أخاك ونافلتك، ولا أم مرضعة ولدك وبنتها، ولا أخت أخيك بنسب ولا رضاع، وهي: أخت أخيك لأبيك لأمه وعكسه) صورته في النسب ما ذكره.
وصورته في الرضاع: أن ترضعك امرأة ثم ترضع صغيرة أجنبية منك فلأخيك نكاحها.
وقوله: (وعكسه) ليست في (المحرر) ولا في (الشرحين) ولا في (الروضة)، وصورتها: أخت أخيك لأمك لأبيه وهي صورة صحيحة، فهؤلاء أربع نسوة يحرمن في النسب، وفي الرضاع قد يحرمن وقد لا يحرمن.
والضابط المبين لهذا: أن الرضاع ينتشر إلى الأصول والفروع ولا يسري إلى الحواشي فلذلك حلت هذه المسائل، واستثنيت من قولنا: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وعند التأمل لا يحتاج إلى استثنائها، بل ذلك الكلام على عمومه.
وهذه المسائل صحيحة، ولذلك قال الرافعي في (الرضاع) ونقله في (الروضة) هنا عن المحققين: لا تستثنى الصور الأربعة؛ لأنها ليست داخلة في الضابط، ولهذا لم يستثنها الشافعي وجمهور الأصحاب، ولا استثنيت في الحديث الصحيح؛ لأن أم الأخ لم تحرم لكونها أم أخ، وإنما حرمت؛ لأنها أم أو حليلة أب ولو يوجد ذلك، وكذا القول في باقيهن.
وأغرب الجيلي في (الإعجاز) في حكايته عن ابن القاص في (كتاب الوشائح): أنه جوز نكاح زوجة ابن البنت مستدلاً بان الله تعالى قال: ﴿وَحَلَئِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾
وَتَحْرُمُ زَوْجَةُ مَنْ وَلَدْتَ أَوْ وَلَدَكَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ،
وابن البنت ليس ابنًا بدليل قول الشاعر (من الطويل):
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا .... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وقد نظم الشيخ علاء الدين القونوي الأربعة التي ذكرها الرافعي فقال (من الخفيف):
أربع في الرضاع هن حلال .... وإذا ما انتسبن هن حرام
جدة ابن وأخته ثم أم .... لأخيه وحافد والسلام
قال: (وتحرم زوجة من ولدت أو ولدك من نسب أو رضاع) هذا هو السبب الثالث وهو المصاهرة، ودليله قوله تعالى: ﴿وَحَلَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُم مِنَ النِسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَف﴾.
وفي معنى حليلة الابن حلائل الأحفاد وإن سفلوا، وفي معنى زوجة الأب: زوجات الأجداد وإن علوا من قبل الأب والأم، وكان هذا في الجاهلية يسمى نكاح المقت قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَحِشَةً وَمَقْتًا﴾.
ولا فرق في ذلك بين النسب والرضاع، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ خرج به زوجة الذي يتبناه الإنسان كما كانت العرب تفعل، فلا تحرم.
وقوله: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ هنا وفي الأختين المراد: ما وقع في أنساب العرب قبل الإسلام، وقد حفظ الله تعالى نسب سيد المرسلين من آدم إليه صلى الله عليه
وَأُمْهَاتُ زَوْجَتِكَ مِنْهُمَا، وَكَذَا بَنَاتُهَا إِنْ دَخَلْتَ بِهَا وسلم، فلم يزل محفوظًا عن السفاح وغيره مما نهى عنه، ولم يدخل فيه شيء إلا من نكاح صحيح كنكاح الإسلام.
تنبيه:
عبارة (المحرر): يحرم بالنكاح الصحيح أمهات الزوجة إلى آخره، قال في (الدقائق): الصواب حذف لفظ (الصحيح)؛ فإن التحريم يثبت بالنكاح الفاسد، وليس كما قال، بل الصواب إثباتها، فإن من تحرم بالعقد وهن الثلاثة الأول إذا أبانهن قبل الوطء .. لا يحرمن إلا بعقد صحيح.
نعم؛ لو وطئهن في العقد الفاسد .. حرمن بالوطء فيه لا به، والعجب أنه صرح بهذا في (الروضة) تبعًا (للشرح).
وأما الرابعة - وهي بنت الزوجة - فلا تحرم إلا بوطء أمها ولو في نكاح فاسد.
قال: (وأمهات زوجتك منهما) يعني: من النسب والرضاع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَائِكُمْ﴾ وأمهاتها حقيقة من ولدتها وجداتها في معناها مجازًا.
قال: (وكذا بناتها إن دخلت بها)؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَئِبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِن نِسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ وهذا القيد يرجع إلى الثاني فقط؛ لأنه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مجرور بالحرف والأول بالإضافة، وإذا اختلف العامل .. لم يجز الإتباع ويتعين القطع، وذكر الحجر جريًا على الغالب.
وقال مالك: إنما تحرم إذا نشأت في حجره، وسواء بنت النسب والرضاع.
والفرق من جهة المعنى بين الأم والبنت: أن الرجل يبتلى عادة بمكالمة أم الزوجة عقب النكاح؛ لأنها التي ترتب أموره، فحرمها الشارع بنفس العقد حتى يتمكن من الخلوة بها ويسهل عليها ترتيب مصالحها، بخلاف البنت؛ فإنها لا تسعى في مصالح الأم فانتفى هذا الغرض.
وفي وجه ضعيف عن الحسن بن محمد الصابوني: أن أمهات الزوجة لا يحرمن إلا بالدخول كالربيبة، وتستثنى المنفية باللعان؛ فإنها تحرم عليه وإن لم يدخل بأمها على الصحيح.
قال الفقهاء: الربيبة مشتقة من التربية، قال في (شرح مسلم): وهو غلط؛ فإن شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية، قال: والصواب أنها مشتقة من الرب وهو الإصلاح؛ لأنه يقوم بأمورها ويصلح أحوالها.
فرع:
لا تحرم على الرجل بنت زوج الأم ولا أمه، ولا بنت زوج البنت ولا أمه، ولا أم زوجة الأب ولا بنتها، ولا أم زوجة الابن ولا بنتها، ولا زوجة الربيب ولا زوجة الراب وهو زوج الأم.
قال المصنف: ولا ربيبة ولده سواء كان الولد ولد من أمها أم لا، أما بنت الربيب .. فحرام باتفاق الطرق إذا دخل بالأم.
وَمَنْ وَطِئَ امْرَأةً بِمِلِكٍ .. حَرُمَ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا، وَحَرُمَتْ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَكَذَا الْمَوْطُوْءَةُ بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّهِ - قِيلَ: أَوْ حَقِّهَا -
قال: (ومن وطئ امرأة بملك .. حرم عليه أمهاتها وبناتها، وحرمت على آبائه وأبنائه) بالإجماع؛ لأن الوطء في ملك اليمين منزل منزلة عقد النكاح، ولهذا يحرم الجمع بين وطء الأختين في الملك كما يحرم الجمع في النكاح، ولا يحرم الجمع في الملك فقط.
قال: (وكذا الموطوءة بشبهة في حقه)؛ لأن الوطء تصير به المرأة فراشًا فيثبت النسب وتجب العدة فتتعلق به حرمة المصاهرة كالنكاح.
وحكي قول ضعيف: أن الوطء بالشبهة لا يثبت حرمة المصاهرة كالزنا.
ولا فرق بين الشبهة بالنكاح الفاسد والشراء الفاسد ووطء الأمة المشتركة وجارية الابن، كل ذلك يثبت حرمة المصاهرة كما يثبت النسب ويوجب العدة، وكذا إذا ظنها زوجته أو ظنته زوجها فالشبهة في هذه المسائل كلها شاملة للطرفين الواطئ والموطوءة.
فإن اختصت الشبهة بأحدهما .. فالآخر زان بأن ظنها زوجته وهي عالمة، أو كان يعلم وهي جاهلة أو نائمة أو مكرهة، أو مكنت العاقلة البالغة مجنونًا أو مراهقًا عالمة .. فوجهان:
أصحهما: أن الاعتبار بالرجل فتثبت المصاهرة إذا اشتبه عليه كما يثبت النسب والعدة، ولا تثبت عليه كما لا يثبت النسب والعدة، ولهذا قال المصنف: (بشبهة في حقه)؛ فإنه يشمل التي في حقه فقط والشاملة لهما، ويخرج به ما إذا لم تكن في حقه بأن كانت في حقها فقط أو لم تكن شبهة أصلاً.
وشرط الموطوءة أن تكون حية، فإن كانت ميتة .. لم تثبت حرمة المصاهرة بوطئها كما جزم به الرافعي في (الرضاع)؛ لأنها كالبهيمة، وكذا لو كان الواطيء خنثى .. لا تثبت المصاهرة بوطئه؛ لاحتمال كونه عضوًا زائدًا كما قاله أبو الفتوح.
قال: (قبل: أو حقها) هذا هو الوجه الثاني: أنه تثبت المصاهرة في أيهما كانت الشبهة، وعلى هذا وجهان:
لاَ الْمَزْنِيُّ بِهَا
أحدهما: يختص بمن اختصت الشبهة به، فإن كان الاشتباه عليه .. حرمت عليه أمها وبنتها، ولا تحرم هي على أبيه وابنه، وإن كان الاشتباه عليها .. حرمت على أبيه وابنه ولا تحرم عليه أمها وبنتها.
والثاني: أنه يعم الطرفين كالنسب.
تنبيه:
ما رجحه من أنه لا أثر للشبهة في حقها صحيح بالنسبة إلى التحريم لا المهر، ولهذا قال في (الوسيط): لكن يرجع في وجوب المهر إلى الاشتباه عليها فقط، وفي (الحاوي الصغير): وفي المهر بشبهتها، فتقرر أن شبهة الواطيء وحده تثبت حرمة المصاهرة والنسب والعدة لا المهر، وشبهة الموطوءة وحدها توجب المهر فقط ولا تثبت المصاهرة ولا العدة ولا النسب، وشبهتهما معًا تثبت جميع ما تقدم.
قال: (لا المزني بها) فلا يثبت الزنا حرمة المصاهرة؛ لأنها نعمة من الله امتن بها على عباده، فلا تثبت بالزنا كما لا يثبت به النسب، فيجوز للزاني نكاح أم من زنى بها وبنتها، ولابنه وأبيه نكاحهن.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يثبتها، وهي من أعظم مسائل الخلاف، وليس فيها حديث صحيح من جانبنا ولا من جانبهم، وبحث الشافعي فيها مع من باحثه نحو ورقتين، وبين أن لا دليل على التحريم.
فروع: زنت المرأة ولها زوج .. لم يبطل نكاحها.
وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةٌ بِشَهْوَةٍ كَوَطْءٍ فِي الأَظْهَرِ
وقال علي والحسن: تبين من زوجها.
وإذا زنت المرأة ولم تحبل .. حل لكل أحد نكاحها في الحال إذا كانت خلية.
وقال أحمد: لا يباح نكاحها حتى تمضي لها ثلاثة أقراء.
وإذا حملت من الزنا .. يجوز نكاحها خلافًا لأبي حنيفة ومالك، وسيأتي ذلك في فرع في (عدة الحامل).
ومن تلوط بغلام .. لم تحرم على الفاعل أمه وابنته خلافًا لأحمد والشعبي كما نقله البخاري في (صحيحه).
والوطء في النكاح وملك اليمين كما يوجب الحرمة يوجب المحرمية، فيجوز للواطيء الخلوة والمسافرة بأم الموطوءة وبنتها والنظر إليها.
وفي وطء الشبهة وجهان أو قولان: أصحهما عند الإمام: كذلك، وعند الجمهور: المنع، وحكوه عن نص (الإملاء).
قال: (وليست مباشرة بشهوة كوطء في الأظهر) فإذا لمس بشهوة أو قبل أو عانق أو فاخذ .. لا يكون كالوطء، حتى لا تثبت حرمة المصاهرة بها إذا وقعت بشبهة نكاح أو ملك، ولا تحرم الربيبة بها إذا وقعت في النكاح؛ لأنها لا توجب العدة فلا تثبت المحرمية، ولأن الله تعالى قال: ﴿مِن نِسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ فشرط الدخول في التحريم.
والثاني: نعم؛ لأنها استمتاع يوجب الفدية على المحرم فكانت كالوطء، وصححه الفوراني والبغوي والروياني، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء.
وموضع القولين إذا جرى ذلك بشهوة، فإن كان بغيرها .. فلا أثر له عند الجمهور، ولهذا قيده المصنف بها، وهي زيادة على (المحرر) لابد منها.
وأما النظر بشهوة .. فلا يثبت المصاهرة على المذهب، وقيل: قولان، وقيل:
وَلَوِ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةِ كَبِيرَةٍ .. نَكَحَ مِنْهُنَّ، لاَ بِمَحْصُورَاتٍ
إن نظر إلى الفرج .. فقولان، وإلا .. فلا، ولا أثر للمباشرة الحرام كالزنا، فلا يتعلق بها شيء قطعًا.
ولو استدخلت ماء زوجها أو ماء أجنبي بشبهة .. ثبتت المصاهرة كالنسب والعدة، لا الإحصان والتحليل والمهر في الأصح، واختلف كلام الرافعي في ثبوت الرجعة بذلك.
قال: (ولو اختلطت محرم بنسوة قرية كبيرة .. نكح منهن)؛ تغليبًا لجانب الحل، وإعمالاً للأصل؛ لأنا لو حرمنا عليه النكاح منها .. لاستد عليه بابه، ولو سافر إلى بلدة أخرى لم نأمن أن تسافر إليها، وهذا كما إذا اختلط صيد مملوك بصيود مباحة غير محصورة .. فإنه لا يحرم الاصطياد، هذا إذا عم الالتباس، فإن أمكنه نكاح من لا يرتاب فيها .. فالظاهر أنه لا حجر.
ولو اختلطت زوجته بأجنبيات .. لم يجز له وطء واحدة منهن بالاجتهاد، سواء اشتبهت بعدد محصور أم بغيره؛ لأن الوطء إنما يستباح بالعقد لا بالتحري، وقال في (شرح المهذب) في (باب الاجتهاد): لا خلاف فيه.
وقوله: (نكح منهن) يفهم أنه لا ينكح الجميع، لكن حكى الروياني عن والده احتمالين:
أحدهما: ينكح إلى أن تبقى واحدة.
والثاني: إلى أن يبقى عدد محصور، ورجح المصنف في نظيره من الأواني الأول.
قال: (لا بمحصورات) فلا ينكح واحدة منهن؛ احتياطًا للأبضاع مع انتفاء المشقة باجتنابهن، بخلاف الأولى.
وَلَوْ طَرَأَ مُؤَبَدُ تَحْرِيمٍ عَلَى نِكَاحٍ .. قَطَعَهُ كَوَطْءِ زَوْجَةِ ابْنِهِ بِشُبْهَةٍ.
وَيَحْرُمُ جَمْعُ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا
وفي (النهاية) قول بعيد: إنه يصح مع شدة الكراهة.
وعلى الصحيح: لو نكح .. بطل في الأصح، وهذا التفصيل يأتي أيضًا فيما لو أراد الوطء بملك اليمين.
و (المحصورات): ما لا يعسر عدهن بمجرد النظر، وقال الإمام: المحصورات ما سهل على الآحاد عدهن لا على الوالي؛ فإنه لا يعسر عليه حصر أهل أعظم بلاده.
قال: (ولو طرأ مؤبد تحريم على نكاح .. قطعة كوطء زوجة ابنه بشبهة) فإذا وطيء زوجة أبيه بشبهة أو ابنه .. انفسخ النكاح، وكذا إذا وطيء أم امرأته أو عمتها .. انفسخ نكاح امرأته؛ لأن الطارىء هنا كالمقارن، وكما يمنع انعقاده في الابتداء يدفعه في الدوام.
واحترز بطروئه على نكاح عما إذا طرأ على ملك كوطء الأب جارية ابنه .. فإنها تحرم على الابن أبدًا، ولا ينقطع على الابن ملكه إذا لم يوجد من الأب إحبال، ولا شيء عليه بمجرد تحريمها عليه؛ لأن مجرد الحل في ملك اليمين ليس بمتقوم، وإنما القصد الأعظم منه المالية وهي باقية.
ويصح أن يقرأ (ابنه) بالنون وبالباء، وبهما ضبط المصنف بخطه، وكلاهما في (المحرر).
قال: (ويحرم جمع المرأة وأختها).
لما أنهى الكلام في التحريم المؤبد .. شرع في ذكر الجنس الثاني وهو ما لا يقتضي حرمة مؤبدة، وهو أنواع:
أَوْ عَمِّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا
الأول: الجمع بين الأختين من النسب أو الرضاع، فيحرم الجميع بينهما بالإجماع المستند إلى قوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَد سَلَفَ﴾ واستدل الرافعي له أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم: (ملعون من جمع ماءه في رحم أختين) وهو غريب، وسواء كانتا من الأبوين أو من أحدهما ابتداء أو دوامًا.
قال: (أو عمتها أو خالتها) سواء كان ذلك في الابتداء أو الدوام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها) متفق عليه.
والمعنى فيه: أنه يؤدي إلى قطع الرحم، وفي بعض طرقه: (فإنكم إذا فعلتم ذلك .. قطعتم أرحامكم) والحكم ثابت ولو رضيت؛ لأن الطبع يتغير والقلوب بيد مقلبها.
ولا فرق في العمة والخالة بين الحقيقتين وغيرهما كأخت أب الأب وأب الجد وإن علا، وأخت أم الأم وأم الجدة من جهة الأب والأم وإن علت، فيحرم الجمع بين المرأة وخالة أحد أبويها أو عمة أحد أبويها، ولم يخالف في ذلك إلا الشيعة وداود وعثمان البتي، ولا عبرة بخلافهم.
وفي (سنن أبي داود) عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجمع بين العمة والخالة، وبين العمتين والخالتين) وقد أشكل هذا على بعض العلماء حتى حمله على المجاز، وإنما المراد: النهي عن الجمع بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى، وعن امرأتين كل منهما عمة الأخرى، وامرأتين كل منهما خالة الأخرى.
فأما الأولى .. فصورتها: أن يكون رجل وابنه تزوجا امرأة وابنتها، تزوج الرجل البنت وتزوج الابن الأم، فولد لكل منهما ابنة من هاتين الزوجتين فابنة الأب عمة ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الأب.
مِنْ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبِ، فَإِن جَمَعَ بِعَقْدٍ .. بَطَلَ، أَوْ مُرَتّبِاً .. فَالْثَانِي.
وَمَنْ حَرُمَ جَمْعُهُمَا بِنِكَاحٍ .. حَرُمَ فِي وَطْءٍ بِمِلْكٍ،
وأما الجمع بين خالتين - وهي الثانية - فصورتها: رجل تزوج ابنة رجل وتزوج الآخر ابنته، فولدت لكل منهما ابنة، فابنة كل واحدة منهما خالة الأخرى.
وأما الجمع بين العمتين - وهي الثالثة - فصورتها: أن يتزوج رجل أم رجل ويتزوج الآخر أم الآخر، فيولد لكل منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى.
قال: (ومن رضاع أو نسب)؛ لإطلاق الآية والخبر.
وضابط من يحرم الجمع بينهما: كل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج بالآخر لو كان ذكرًا؛ لأجل القرابة.
واحترزوا بقولهم: (لأجل القرابة) عن المرأة وأمتها؛ فإنه يجوز الجمع بينهما وأيهما قدرت ذكرًا لم ينكح الأخرى، لكنه من غير القرابة، وعن المرأة وأم زوجها وزوجة ابنها، وعن المرأة وابنة زوجها؛ فإنه يجوز أن يجمع بينهما وإن كان لا يجوز لأحدهما أن ينكح الأخرى لو كان ذكرًا.
قال: (فإن جمع بعقد .. بطل) أي: النكاحان بالاتفاق؛ إذ ليس تخصيص أحدهما بالبطلان أولى من الآخر.
قال: (أو مرتبًا .. فالثاني)؛ لأن الجمع حصل به، هذا إذا علمت السابقة واستمر العلم، فإن لم يعلم أصلاً .. بطلا، وإن علم ثم اشتبه .. وجب التوقف كما في نكاح الوليين من اثنين.
قال: (ومن حرم جمعهما بنكاح .. حرم في وطء بملك)؛ لأنه إذا حرم العقد ..