النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 7-46
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مفردها (جنازة) وهي بفتح الجيم: اسم للميت، وبكسرها: اسم للنعش، وقيل: عكسه، وقيل: هما اسم للسرير.
ولا يقال للنعش: جِنازة إلا إذا كان عليه ميت مكفن.
قال: (ليكثر ذكر الموت) أي: ندبًا: لأنه أزجر له عن المعاصي، وأدعى إلى فعل الطاعات.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات .. الموت)، حسنه الترمذي [2307]، وصححه ابن حبان [2992] والحاكم [4/ 321]. وفي بعض طرقه: (فإنه ما كان في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره) أي: كثير من الأمل وقليل من العمل.
و (الهاذم) بالذال المعجمة: القاطع.
وروى البيهقي [هب 10556] والطبراني عن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالموت واعظًا).
و (الموت): مفارقة الروح الجسد.
قال: (ويستعد بالتوبة) أي: حتمًا: فإن الموت قد يأتيه بغتة.
وفي الحديث: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، هكذا رواه ابن ماجه [4250] بإسناد ضعيف.
قال ابن الصلاح: لم أجد له إسنادًا يثبت بمثله.
وروي هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: جاء جُبَيْبُ بن الحارث إلى

وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَالْمَرِيضُ آكَدُ  رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إني رجل مقراف للذنوب - أي: كثير المباشرة لها - قال: (فتب إلى الله يا جبيب)، قال: يا رسول الله؛ إني أتوب ثم أعود! قال: (فكلما أذنبت .. فتب) قال: يا رسول الله؛ إذًا تكثر ذنوبي! قال: (عفو الله أكثر من ذنوبك).
و (جُبيب) - بالجيم: تصغير جب - فرد في الأسماء، هكذا ذكره الدارقطني.
و (الاستعداد) للشيء: التهيؤ له بإحضار ما يعين عليه.
قال: (ورد المظالم)؛ لأنه من جملة الاستعداد للموت، ونص عليه وإن كان داخلًا في التوبة كما فعل في (الاستسقاء)، ولو عبر بالخروج .. كان أعم.
قال: (والمريض آكد)؛ لأنه إذا ذكر الموت .. رق قلبه، فرجع عن الظلم والمعاصي وأقبل على الطاعات.
فروع: يستحب للمريض الصبر والرضا بقضاء الله عز وجل؛ فإنما يثاب عليهما لا على المصائب نفسها.
وكره بعض الأصحاب للمريض الأنين والتأوه وكثرة الشكوى؛ لأن ذلك يدل على ضعف اليقين، ويورث شماتة الأعداء.
قال، المصنف: وهذا ضعيف أو باطل.
ويكره سب الحمى.
ويستحب لغيره عيادته إن كان مسلمًا، فإن كان ذميًا .. جاز ولا تستحب إلا لذي قرابة أو جوار ونحوهما.
وينبغي للزائر أن يطيب نفس المريض، ولا يطيل المكث عنده، ويواصل الزيارة للقريب والصديق، ويجعلها للأجنبي غِبَا وأن يكون كما قال الشاعر [من المجتث]:

وَيُضْجَعُ الْمُحْتَضَرُ لِجَنْبِهِ الًايْمَنِ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ،  مرضت، لله قوم .... ما فيهم من جفاني عادوا وعادوا وعادوا .... على اختلاف المعاني وتستحب العيادة من وجع العين: لأن النبي صلى الله عليه وسلم عاد زيد بن أرقم من رمد، رواه أبو داوود [3094] والحاكم [1/ 342] والبيهقي [3/ 381] بإسناد صحيح.
وقال ابن الصلاح في (رحلته): لا تسن عيادة الأرمد.
وهذا الحديث حجة عليه.
وروى الطبراني في (معجمه الكبير): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة ليس لهم عيادة: العين والدمل، والضرس.
قال البيهقي في (الشعب) [9193]: الصحيح وقفه على يحيي بن أبي كثير، قال: وأما ما رواه جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا غم إلا غم الدَّين، ولا وجع إلا وجع العين) .. فحديث منكر.
وفي (الرحلة) - أيضًا - عن أبي عبد الله الفراوي: أن العيادة تستحب في الشتاء ليلًا، وفي الصيف نهارًا.
وفي (الإحياء): إنما يعاد المريض بعد ثلاثة أيام، ويدل له ما رواه ابن ماجه [1437] عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود المريض إلا بعد ثلاثة أيام).
قال: (ويضجع المحتضر لجنبه الأيمن إلى القبلة على الصحيح) كما في اللحد، هذا هو المنصوص، وصححه الأكثرون، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
و (المحتضر): من حضره الموت ولم يمت، وهذه التسمية مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ و (حضرة الموت): غاية قربه.

فَإِنْ تَعَذَّرَ لِضِيقِ مَكَانٍ وَنَحْوِهِ .. أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ وَأَخْمَصَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ  قال: (فإن تعذر لضيق مكان ونحوه .. ألقي على قفاه ووجهة واخمصاه إلى القبلة)؛ لأن الممكن.
وينبغي - على هذا- أن يرفع رأسه قليلًا حتى يكون مستقبل القبلة بوجهه.
والثاني: يضجع على قفاه مع عدم التعذر، وبه قطع الإمام ووالده، وعلية عمل الناس.
ودليل التوجه إلى القبلة في الجملة: ما رواه أبو داوود: أن ألنبي صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة - سأل عن البراء بن معرور، فقالوا: توفي في صفر وأوصى بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى بأن يوجه إلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده (ثم ذهب فصلى عليه وقال: (اللهم؛ اغفر له وارحمه، وأدخله جنتك وقد فعلت (قال الحاكم [1/ 353]: حديث صحيح لا أعلم في توجيه المحتضر غيره.
وقال ابن أبي الصيف: هذا الاستقبال مستحب، وفي اللحد واجب.
و (الأخمصان): باطن القدمين المنخفض من أسفلهما.
وفي (دلائل النبوة) للبيهقي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطأ بقدمه كلها ليس لقدميه أخمص).
وكذا قال عطاء، لكن وصفة ربيبة هند بن أبي هالة بأنه خمصان الأخمصين، يعني: أنهما مرتفعان عن الأرض.
قال: (ويلقن الشهادة) وهي: كلمة لا إله إلا الله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله) رواه مسلم [916]. زاد ابن أبي الدنيا: (فإنه ما من عبد يختم له بها عند موته .. إلا كانت زاده إلى الجنة).
وروي أبو داوود، [3107] عن معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله .. دخل الجنة).

بِلاَ إِلْحَاحِ،  ونقل في (الروضة) عن الجمهور الاقتصار على: لا إله إلا الله.
وقال القاضي أبو الطيب وجماعة من الأصحاب: يلقنه الشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأن المقصود ذكر التوحيد، والمراد موته مسلمًا، وهو لا يسمى مسلمًا إلا بهما.
والأولى أصح.
أما إذا كان المحتضر كافرًا .. فينبغي الجزم بتلقيه الشهادتين: لأنه لا يصير مسلمًا إلا بهما.
وينبغي أن يكون الملقن غير وارث، حتى لا يتهمه باستعجال موته، فإن لم يكن عنده إلا الورثة .. لقنه أبرّهم به وأحبّهم إليه.
قال: (بلا إلحاح)؛ لئلا يتضجر فيقع فيما لا ينبغي.
والأولى أن لا يقول له: قل: لا إله إلا الله، بل يقول بحضرته حتى يسمع ليتفطن فيقول، إلا أن يكون كافرًا فيقول له: (قل) كما قال صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب وللغلام اليهودي.
وقال الماوردي: التلقين يكون قبل التوجه للقبلة.
وقال في (الإقليد): إذ أمكن الجمع .. فعلا معًا، وإلا .. بدأ بالتلقين: لكونه أهم.
فإذا قالها مرة .. لا تكرر عليه ما لم يتكلم.
ولا يكلم بعدما لتكون آخر كلامه، فإن تكلم بعدها .. أعيد التلقين لتكون أخر كلامه.
وما أحسن ما اتفق لأبي زرعة الرازي لما حضرته الوفاة .. كان عنده أبو حاتم ومحمد بن مسلم فاستحيا أن يلقناه، فتذاكرا حديث التلقين فأرتج عليهما، فبدأ أبو

وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ (يس)،  زرعة وهو في النزع فذكر إسناده إلى أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله)، ثم خرجت روحه مع الهاء قبل أن يقول: (دخل الجنة).
قال: (ويقرأ عنده (يس)؛ لما روى أبو داوود [3112] والنسائي [سي 1075] وابن حبان [3002] عن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقرؤوا على موتا كم (يس).
قال ابن الرفعة: ويستحب أن يقرأ عند المريض مطلقًا؛ ففي (رباعيات أبي بكر الشافعي): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مريض يقرأ عنده (يس) إلا مات ريانًا، وأدخل قبره ريانًا، وحشر يوم القيامة ريانًا).
وروى الآجري في (النصيحة) عن أم الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميت يقرأ عنده (يس) إلا هون الله عليه).
وروى الحارث بن أبي أسامة [بغية 468]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأها وهو خائف .. أمن، أو جائع .. شبع، أو عطشان .. سقي، أو عار .. كسي، أو مريض .. شفي ... (حتى ذكر خلالًا كثيرة.
واستحب أبو الشعثاء التابعي الكبير قراءة (سورة الرعد)، وكأن ذلك - والله أعلم - لقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.
فرعان: أحدهما: قال الجيلي: يستحب تجريع المحتضر ماء؛ فإن العطش يغلب من شدة النزع، فيخاف منه إزلال الشيطان؛ إذ ورد أنه يأتي بماء زلال يقول له: قل: لا إله غيري حتى أسقيك.
نسأل الله تعالى الثبات عند الممات بمحمد وآله صلى الله عليه وسلم.
الثاني: في (الرونق) و (اللباب): لا يجوز للحائض أن تحضر المحتضر وهو

وَلْيُحْسِنْ ظَنَّه بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى  في النزع، وكأن السبب في ذلك ما تقدم في أول (باب الغسل): أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ولا جنب.
قال: (وليحس ظنه بربه سبحانه وتعالى)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قيل معناه: أحسنوا الظن بالله تعالى.
وروي مسلم [2877] عن جابر: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى (ومعناه: يموت وهو ظان أنه يرحمه.
وقال الخطابي: معناه: حسنوا أعمالكم ليحسن ظنكم بربكم؛ فمن حسن عمل .. حسن ظنه، من ساء عمله .. ساء ظنه.
أما في حال الصحة .. فأصح الوجهين: أن يكون رجاؤه وخوفه سواء؛ لأن الغالب في القرآن ذكر الترغيب والترهيب مقترنين.
والثاني: يكون خوفه أرجح.
فائدة: حكي الغزالي عن ابن سريج: أنه رأى في مرض موته في النوع كأن القيامة قد قامت والله تعالى يقول: أين العلماء؟ فجاءوا فقال: ما عملتم فيما علمتم؟ قالوا: قصرنا وأسأنا، قال: فأعاد السؤال، فقالوا كذلك، قال:.
فقلت: أما أنا فليس في صحيفتي شرك وقد وعدت أن تفغر ما دونه، فقال: اذهبوا فقد غفرت لكم، ثم مات بعد ثلاث ليال رحمة الله تعالى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فروع: يستحب لمن حضره أن يحسن ظنه، ويقرأ عنده آيات الرجاء، وحكايات الصالحين عند الموت.
ويستحب طلب الموت في بلد شريف.
ويستحب طلب الدعاء من المريض.
وأن لا يجزع من الموت، ولا بأس بالجزع من الذنوب.
وأن يكون شاكرًا لله تعالى بقلبه ولسانه، وليحافظ على الصلوات، واجتناب النجاسات، ويجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال.
فائدة: الظن في الشرع ينقسم إلى: واجب ومندوب وحرام ومباح.
فالواجب: حسن الظن بالله سبحانه وتعالى.
والحرام: سوء الطن به سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾، وبكل من ظاهره العدالة من المسلمين.
وعلى هذا يحمل قوله عليه الصلاة والسلام: (إياكم والظن؛ فإن الطن أكذب الحديث) أي: الظن بالمسلم من غير سبب.
والمندوب: حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين.
والجائز: كقول الصديق لعائشة رضي الله عنهما: (إنما هما أخواك وأختاك)، فاستجاز الظن لما وقع في قلبه أن ذا بطن امرأته أنثى.
ومن هذا القسم: الظن بمن اشتهر بين الناس بمخالطة الرِّيَب والمجاهرة بالخبائث، فلا يحرم ظن السوء به؛ لأنه قد دل على نفسه، فمن ستر على نفسه .. لم

وَإِذَا مَاتَ .. غُمِّضَ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ، وَسُتِرَ جَمَيعُ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفيفٍ، وَوُضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ،  يظن به إلا خيرًا، ومن دخل مداخل السوء .. اتهم، ومن هتك نفسه .. ظننا به السوء.
ومن الظن الجائز بإجماع المسلمين: ما يحصل بظن الشاهدين في التقويم، وأروش الجنايات، والبينات عند الحكام، وما يحصل بخبر الواحد في الأحكام بالإجماع ويجب العمل به قطعًا.
قال: (وإذا مات .. غُمِّض)؛ لأن ألنبي صلى الله عليه وسلم أغمض أبا سلمة لما مات وقال: (إن الروح إذا قبض .. تبعة البصر (رواه مسلم [920]، ولأنه إذا لم يغمض .. قبح منظره، وقيل: إن العين أول شيء يسرع إليه الفساد.
ويحسن أن يقال عنا تغميضه: باسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: (وشد لحياه بعصابة) المراد: عصابة عريضة تأخذ جميع لحييه، وتربط فوق رأسه، لئلا يبقي فمه منفتحًا فتدخل فيه الهوام.
قال: (ولينت مفاصله)؛ تسهيلًا لغسله، فيرد ساعده إلى عضده ثم يمدها، ويرد ساقه إلى فخذه، وفخذية إلى بطنه، ويلين أصابعه أيضًا، فإن البدن بعد مفارقة الروح تبقى فيه بعض حرارة، فإذا لينت المفاصل في تلك الحالة .. لانت، وإلا .. لم يمكن تليينها بعد ذلك.
قال: (وستر جميع بدنه بثوب خفيف)؛ لئلا يسرع فساده.
وفي (الصحيحين) [خ1242 - م942] عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سجي بثوب حبرة حين مات).
وينبغي أن يجعل أطراف الثوب تحت رأسه ورجليه لئلا ينكشف، أما المحرم .. فيستر منه ما يجب تكفينه.
قال: (ووضع على بطه شيء ثقيل)؛ لئلا ينتفخ.
ويصان المصحف وكتب الحديث والعلم عن ذلك؛ ففي (سنن البيهقي) [3/ 385]

وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَنُزِعَتْ ثِيَابُهُ، وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ كَمُحَتَضرٍ، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ، وَيُبَادَرُ بِغُسْلِهِ إِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ  أن مولى لأنس مات فقال أنس: (ضعوا على بطنه حديدة؛ لئلا ينتفخ) ولهذا ينبغي أن يكون حديدًا كمرآة أو سكين، فإن لم يكن .. فقطعة طين رطب.
قال: (ووضع على سرير ونحوه)؛ لئلا تصيبه نداوة الأرض فتغيره، ولا يوضع على فراش؛ لأنه أسرع إلى انتفاخه.
قال: (ونزعت ثيابه) أي: التي مات فيها؛ فإنها تسرع إليه الفساد.
وقيدها في (الوسيط) بالثقيلة المُدْفِئة.
قال: (ووجه للقبلة كمحتضر) كما تقدم.
قال: (ويتولى ذلك أرفق محارمه) أي: جميع ما تقدم؛ احترامًا للميت، فيتولاها الرجل من الرجل، والمرأة من المرأة، فإن تولاها محرم أو أجنبي .. جاز.
قال: (ويبادر بغسله إذا تيقن موته)؛ لما روى أبو داوود [3151] أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد طلحة بن البراء، فلما انصرف قال: (إني أرى قد حدث فيه الموت، فإذا مات .. فآذنوني حتى أصلي عليه، وعجلوا؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله).
فروي أنه توفي ليلًا فقال: (ادفنوني وألحقوني بربي عز وجل، ولا تدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلًا فإني أتخوف عليه اليهود، فلما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بعد دفنه .. أتى إلى قبره فصف الناس وصلى عليه، ثم رفع يديه وقال: (اللهم؛ ألق طلحة وأنت تضحك إليه وهو يضحك إليك)، ومعناه: ألقه لقاء متحابين مظهرين لما في أنفسهما من رضا ومحبة.
وتحقق الموت يكون بالعلامات، وهي: أن تسترخي قدماه، أو يميل أنفه، أو ينخسف صدغاه، أو تميل جلدة وجهه، أو تتقلص أنثياه.
فإن شك بأن لا تكون به علة واحتمل طروء سكتة عليه .. فيؤخر إلى حصول اليقين بتغير الرائحة وغيره.

وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ .. فُرُوضُ كِفَايَةٍ.
وَأَقَلُّ الْغُسْلِ: تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بَعْدَ إِزَالَةِ النَّجَسِ، وَلاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ فِي الأَصَحِّ،  غريبة: حكي ابن عساكر: أن يعقوب الماجشون جد عبد الملك صاحب مالك مات ووضع على السرير واجتمع الناس للصلاة عليه، فوجد الغاسل عِرقًا تحت وجله يتحرك! فقال: أرى أن يؤخر غسله إلى غد، فلما أصبحوا واجتمع الناس للصلاة عليه .. وجده الغاسل كذلك فصرف عنه الناس، ثم كذلك في اليوم الثالث، ثم إنه استوي جالسًا وقال: اسقوني سويقًا فسقوه، وسألوه عن حاله فقال: عرج بروحي إلى السماء الدنيا ففتح لها الباب، ثم كذلك إلى السماء السابقة فقيل للملك الذي عرج بي: من معك؟ قال: الماجشون، فقال: إنه بقي من عمره كذا كذا شهرا وكزا كذا يومًا وكذا كذا ساعة، قال: ثم هبط بي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعمر بن عبد العزيز بين يديه فقلت للملك الذي معي: إنه لقريب المنزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال: إنه عمل بالحق في زمن الجور، وإنهما عملا بالحق في زمن الحق.
قال: (وغسل وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .. فروض كفاية) بالإجماع.
قال: (وأقل الغسل: تعميم بدنه) كما في غسل الحي من الجنابة والحيض، سواء كان عليه غسل جنابة أو حيض أم لا.
قال: (بعد إزالة النجس) كذا قاله في (الروضة) أيضا.
وكان ينبغي للمصنف أن يستدركه؛ فإن الصحيح عنده: أن الغسلة الواحدة تكفي للحدث والخبث كما تقدم في (باب الغسل)، إلا أن يقول المصنف هنا: إن صورة المسألة في نجاسة لا يصل الماء إلى العضو إلا بعد إزالتها، فيستقيم الكلام.
قال: (ولا تجب نية الغاسل في الأصح)؛ لأن المقصود منه النظافة وهي حاصلة نوى أو لم ينو، ولأن الميت ليس من أهل النية.
والثاني: تجب؛ لأنه غسل واجب فافتقر إلى النية كغسل الجنابة.

فَيَكْفِي غَرَقُهُ أَوْ غَسْلُ كَافِرِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: وُجُوبُ غَسْل الْغَرِيقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَالأَكْمَلُ: وَضْعُهُ بِمَوْضِعِ خَالٍ مَسْتُورٍ عَلَى لَوْحٍ، وَيُغَسَّلُ فِي قِميصٍ  وكيفية النية: أن ينوي بقلبه - عند صب الماء القراح - الغسل الواجب أو غسل الميت.
وبني المتولي الوجهين على الخلاف في نجاسته بالموت؛ إن قلنا: لا ينجس .. اشترطت، وإلا .. فلا.
قال: (فيكفي غرقه أو غسل كافر)؛ بناء على عدم وجوبها.
قال: (قلت: الصحيح المنصوص: وجوب غسل الغريق والله أعلم)؛ لأنا مأمورون بغسله ولم يغسل، ولو ماتت كافرة .. جاز لزوجها المسلم غسلها.
قال: (والأكمل: وضعة بموضع خال) لا يدخله إلا الغاسل ومعينه أو الولي؛ لأن الحي يحرص على ذلك، ولأنه قد يكون فيه ما لا يحب أن يطلع عليه غيره.
والأفضل أن يكون تحت سقف؛ لأنه أستر نص عليه.
وقيل: تحت السماء لتنزل عليه الرحمة.
قال: (مستور) أي: لا يكشفه أحد من كوَّة ولا جدار لما ذكرناه.
قال: (على لوح)، لئلا يصيبه الرشاش، وليكن موضع رأسه أعلى لينحدر الماء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم غسل على سرير، وبقي إلى أن غسل عليه يحيى بن معين وحمل عليه لما مات سنة ثلاث وثلاثين ومئتين.
قال: (ويغسل في قميص)؛ لما روى بريدة رضي الله عنه قال: (لما أخذوا في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداهم مناد داخل البيت: لا تنزعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه) رواه ابن ماجه [1466] والحاكم [1/ 354] وأبو داوود بمعناه [3133]. وقال المزني: إن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم: لجلالته وعظيم قدره.

بِمَاءٍ بَارِدٍ، وَيُجْلِسُهُ الْغَاسِلُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ مَائِلًا إِلَى وَرَاءِهِ، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ، وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ، وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إِمْرَارًا بَلِيغًا ليَخْرُجَ مَا فِيهِ،  وليكن القميص باليًا، ويدخل يده فيغسله من داخل القميص، وإلا .. فتق رؤوس التخاريص ثم يدخل يده في موضع الفتق، كذا قاله في (البحر).
فإن لم يكن قميص .. ستر منه ما بين سرته وركبته، وسيأتي حكم نظر الغاسل في زيادة المصنف في أخر الباب.
قال: (بماء بارد)؛ لأنه يشد البدن والمسخن يرخيه، اللهم إلا أن يحتاج إلى المسخن لوسخ، أو خوف الغاسل من البرد فيغسله بالمسخن تسخينًا لطيفًا.
وقال أبو حنيفة: المسخن أولى مطلقًا.
ويقال: إن الحافظ أبا الفرج بن الجوزي أوصى أن يسخن ماء غله ببراية أقلامه التي كتب بها العلم.
سوروى البخاري في (الأدب) [652] والطبراني [25/ 182] والنسائي [4/ 29] عن أبي الحسن مولى أم قيس بنت محصن الأسدية رضي الله عنها أنها قالت: توفي ابني فجزعت عليه فقلت للذي يغسله: لا تغسل ابني بالماء البارد تقتله! فانطلق عكاشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بقولها، فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: (طال عمرها)، قال: فلا أعلم امرأة عمرت ما عمرت.
قال: (ويجلسه الغاسل على المغتسل مائلًا إلى ورائه)؛ ليسهل خروج ما في بطنه.
قال: (ويضع يمينه على كتفه، وإبهامه في نقرة قفاه)؛ لئلا يتمايل رأسه.
و (القفا) مقصور، وجوز الفراء مده، وهو: مؤخر العنق.
قال: (ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى، ويمر يساره على بطنه إمرارًا بليغًا ليخرج ما فيه).
وهذا أول ما يفعله الغاسل إذا وضعة على المغتسل، ويكثر في هذه الحالة من البخور وصب الماء لئلا تفوح الرائحة.

ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ سَوْأَتَيْهِ، ثُمَّ يَلُفُّ أُخْرَي وَيُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ، وَيُزِيلُ مَا فِي مِنْخَرَيْهِ مِنْ أَذَىً، وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَاسَهُ ثُمَّ لِحْيَتَهُ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ  قال: (ثم يضجعه لقفاه ويغسل بيساره وعليها خرقة سوأتيه)، كما يستنجي الحي بعد التغوط والبول.
وفي (النهاية) و (الوسيط): يغسل كل سوءة بخرقة، وهو أبلغ في النظافة.
قال: (ثم يلف أخري) أي: بعد إلقاء الأولى وغسل يده بماء وأشنان إن تلوثت.
قال: (ويدخل إصبعه فمه ويمرها على أسنانه) كما يستاك الحي، والظاهر: أن ذلك يكون يبده اليسرى وقد صرح به في (الكافي)، وقد تقدم: أن الأصح حذف الميم من الفم.
قال: (ويزيل ما في منخريه من أذى) ويكون ذلك بطرف إصبعه الخنصر.
قال: (ويوضئه كالحي) - أي: ثلاثًا ثلاثًا - ويراعي المضمضة والاستنشاق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأم عطية: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)، والمضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء، فيدخل إصبعه في فيه ويمرها على أسنانه بشيء من الماء، وكذلك يدخل طرف إصبعه في منخريه بشيء؛ ليزيل ما فيهما قبل الوضوء، والظاهر: أن إدخال الإصبع في الفم والأنف غير المضمضة والاستنشاق.
قال: (ثم يغسل رأسه ثم لحيته بسدر ونحوه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأم عطية: (اغسلنها بماء وسدر) رواه الشيخان [خ 1253 - م939].

وَيُسَرِّحُهُمَا بِمِشْطِ وَاسِعِ الأَسْنَانِ بِرِفْقِ، وَيَرُدُ الْمُنْتَتَفَ إِلَيْهِ.
وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأيْمَنَ ثُمَّ الأَيْسَرَ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرَ إِلَى الْقَدَمِ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْمَنَ فَيَغْسِلُ الأَيْسَر كَذَلِكَ فَهَذِهِ غَسْلَةٌ  والسدر أولى من الخطمي؛ لأنه أمسك للبدن.
قال في (الدقائق): وتعبيره ب (ثم) لينبه على استحباب الترتيب، وهو مراد (المحرر) بقوله: (ولحيته).
قال: (ويسرحهما بمشط واسع الأسنان برفق)؛ ليقل الانتتاف.
وقال أبو حنيفة وسائر الفقهاء: لا يسرح.
و (المشط) فيه لغات: ضم الميم مع إسكان الشين، ومع ضمها أيضًا، وكسر الميم مع إسكان الشين.
قال: (ويرد المنتتف إليه) المراد: أنه يضعه معه في الكفن.
وفي (الكفاية) عن القاضي: أنه لا يرده.
قال: (ويغسل شقه الأيمن ثم الأيسر) من صفحة العنق إلى القدم.
قال: (ثم يحرفه إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي القفا والظهر إلى القدم، ثم يحرفه إلى شقه الأيمن فيغسل الأيسر كذلك).
أما البداءة بالأيمن .. فلحديث أم عطية أنها لما غسلت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (ابدأن بميامنها).
وأما الشق الذي يلي الوجه .. فلشرفه.
قال: (فهذه غسلة) ليس المراد: أنها الغسلة الواجبة، بل المراد: أنها غسلة واحدة مما يراد للتنظيف والإنقاء؛ وإنما قلنا ذلك؛ لذكره السدر فيها، وسيأتي: أنه يمنع من الاعتداد بها.

وَتُسْتَحَبُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الأُولَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيٍّ ثُمَّ يُصَبَّ مَاءٌ قَرَاحٌ مِنْ فَرْقِةِ إِلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، وَأَنْ يُجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ قَلِيلُ كَافُورٍ.
وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ نَجَسٌ .. وَجَبَ إِزَالَتُهُ فَقَطْ،  قال: (وتستحب ثانية وثالثة) كغسل الجنابة، فإن لم ينق .. زاد.
ويستحب الإيتار؛ لحديث أم عطية: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك).
قال الماوردي: والثلاث أدنى الكمال، والخمس أوسط، والسبع أكثره، والزيادة سرف.
قال: (وأن يستعان في الأولى يسدر أو خطمي)؛ للحديث.
قال: (ثم يصب ماء قَراح) أي: خالص، وهو يفتح القاف.
قال: (من فرقة إلى قدمه بعد زوال السدر) فهذه أول الثلاث، ويندب بعدها ثانية وثالثة.
قال: (وأن يجعل في كل غسلة قليل كافور)؛ لأن الجسد يتصلب به، وتنفر الهوام من رائحته، وهو في الأخيرة آكد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (واجعلن في الأخيرة كافورًا، أو شيئًا من كافور).
ويستثنى من ذلك المحرم كما سيأتي في بابه.
واحترز ب (القليل) عن الكثير؛ فإنه إذا تفاحش .. سلب الطهورية، أما الصلب .. فلا يسلب؛ لأن الغالب أنه إنما يغير بالمجاورة لا بالمخالطة.
واذا كمل غسلة .. استحب تنشيفه بلا خلاف، بخلاف طهارة الحي، ويستحب أن تلين مفاصله.
قال: (ولو خرج بعده نجس .. وجب إزالته فقط)؛ لأن الفرض قد سقط بما وجد، والتنظيف يحصل بإزالة ما حدث سواء كان من المخرج المعتاد أو غيره.

وَقِيلَ: مَعَ الْغُسْلِ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْفَرْجِ، وَقِيلَ: الوُضُوءِ.
وَيُغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةَ الْمَرْأَةُ، وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ وَزَوْجَتَهُ،  وقوله: (بعده) أي: بعد الغسل، هذا إذا لم يدرج في الكفن، فإن كفن .. لم يجب غسل النجاسة أيضًا.
قال: (وقيل: مع الغسل إن خرج من الفرج)؟ لأنه ينقض الطهر وطهر الميت غسل جميعه.
قال: (وقيل:) مع (الوضوء) كالحي إذا خرج منه شيء بعد الوضوء، وألزم قائله النقض بوقوع كف الميت على ذكره فالتزمه.
فلو خرج من غيره .. لم يجب إلا إزالته قطعًا.
فرع: يستحب أن يغطى وجه الميت بخرقة من أول ما يوضع على المغتسل، نقله المزني عن الإمام الشافعي رضي الله عنه، واستحب هو إعادة الوضوء في كل غسلة.
ويندب أن يضفر شعر المرأة وأن يجعل ثلاثة قرون كما في الحديث.
قال: (ويغسل الرجل الرجل، والمرأة المرأة) هذا هو الأصل، إلحاقًا لكل جنس بجنسه، وقد يغسل الرجل المرأة وعكسه كما سيأتي.
قال: (ويغسل أمته) بالقياس على الزوجة خلافًا لأبي حنيفة، والمراد: الأمة التي ليست معتدة ولا مزوجة ولا مستبرأة.
واحترز عن المبعضة فلا يغسلها ولا تغسله؛ لأنها ليست أمته.
ولا يجوز للأمة تغسيل سيدها، لأن القنة تنتقل للورثة، والمدبرة وأم الولد تعتقان بالموت، بخلاف ملك النكاح فإن حقوقه لا تنقطع بدليل التوارث، ولأجل الإشارة إلى هذا لم يقل الصنف: وهي سيِّدهَا كما فعل في الزوجين.
قال: (وزوجته)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعاثشة: (ما ضرك لو مت قبلي،

وَهِيَ زَوْجَهَا، وَيَلُفَّانِ خِرْقَةً وَلاَمَسَّ  فقمت عليك فغسلتك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك (رواه ابن ماجه [1465] وصححه ابن حبان [6586]. و (غسل علي فاطمة رضي الله عنهما).
ولا يمنع ذلك تزويج أختها وأربع سواها على الأصح.
لكن يستثنى من ذلك الرجعية، فحكمها في ذلك كالأجنبية؛ لأنها كانت محرمة في الحياة فاستصحب ذلك بعد الموت.
ولو كان له أكثر من زوجة وتنازعن في غسله .. أقرع بينهن.
قال: (وهي زوجها)؛ لقول عائشة رضي الله عنها: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت .. ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه) رواه أبو داوود [3133] والحاكم [3/ 59] وقال: على شرط مسلم.
وأوصى أبو بكر رضي الله عنه: أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس فغسلته، وقالت عائشة وفي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رحم الله رجلًا غسلته امرأته وكفن في أخلاقه)، قالت: ففعل ذلك بأبي بكر رضي الله عنه رواهما البيهقي [3/ 397]. وإذا جوزناه للمرأة .. فيجوز أبدًا، وقيل: ما لم تتزوج، وقيل: ما لم تنقض عدتها بأن تضع حملًا عقب موته.
ولا يفترق الحال بين المسلمة والكافرة كما سبق.
قال: (ويلفان خرقة) أي: السيد وأحد الزوجين؛ حفظًا للطهارة.
قال: (ولا مس) عبارة (المحرر): وإذا غسل أحدهما.
الآخر .. فينبغي أن يلف خرقة على يده ولا يمسه، وهي أوضح من عبارة المصنف.
فإن لم يلف .. قال القاضي ومتابعوه: يصح الغسل بلا خلاف.
ولا يخرج على الخلاف في انتقاض طهر الملموس؛ لأن الشرع أذن فيه للحاجة، وأما الغاسل .. فالأصح فيه: الانتقاض.

فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إِلاَّ أَجْنَبِيٌّ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ .. يُمِّمَ فِي الأَصَحِّ.
وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ: أَوْلاَهُمْ بِالصَّلاَةِ،  قال: (فإن لم يحضر إلا أجنبي أو أجنبية .. يمم في الأصح)؟ إلحاقًا لفقد الغاسل بفقد آلة الغسل، ولأنه تعذر غسله شرعًا.
والثاني: يغسل في ثيابه، ويلف الغاسل على يده خرقة، ويغض طرفة ما أمكنه، فإن اضطر إلى النظر .. نظر قدر الضرورة، وصححه الإمام والماوردي وآخرون.
والثالث: يدفن بلا غسل ولا تيمم.
فروع: الأول: إذا يمم الميت لعدم الماء، ثم وجد قبل الدفن .. وجب غسله وإعادة الصلاة عليه، أو بعده .. لم ينبش.
الثاني: الصبي والصبية إذا لم يبلغا حدًا يشتهيان .. يجوز للرجال والنساء جميعًا غسلهما، فإن بلغا ذلك .. فكالبالغين، الثالث: الخنثى المشكل مقتضى كلام (الروضة) هنا: أن لا يغسل، وصرحا في (النكاح) فيه بالاحتياط، فيجعل في حق الرجال امرأة وفي حق النساء رجلًا، وصحح في (شرح المهذب): أنه يغسله الرجال والنساء، وهذا هو المذكور في (الحاوي الصغير).
وقال في (الشرح الصغير) أيضا: الأظهر أنه يجوز للرجال والنساء غسله؛ استصحابًا لما كان في الصغر، وصححه في (الكبير).
وفي وجه ضعيف: يشتري من تركته أمة تغسله، فإن لم تكن له تركة .. فمن بيت المال.
قال: (وأولى الرجال به: أولاهم بالصلاة) عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غسله عمه العباس ومعه ابنة الفضل وابن أخيه علي رضي الله عنهم، وسيأتي بيان ذلك.

وَبِهَا: قَرَابَاتُهَا، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الأَصَحِّ، وَأَوْلاَهُنَّ: ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ، ثُمَّ الأَجْنَبِيَّةُ، ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ صَلاَتِهِمْ.
قُلْتُ: .. إِلاَّ أَبْنَ الْعَمِّ وَنَحْوَهُ فَكَالأَجْنَبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ  وهل تقدم زوجته على رجال العصبات؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: لا، بل يقدم رجال العصبات، ثم الرجال الأقارب، ثم الرجال الأجانب، ثم الزوجة، ثم النساء المحارم.
والثاني: تقدم الزوجة عليهم.
والثالث: يقدم الرجال الأقارب، ثم هي، ثم الرجال الأجانب، ثم النساء المحارم.
قال: (وبها: قراباتها)؛ لوفور شفقتهن.
وكان الصواب أن يقول: ذوو قراباتها: فإن الجوهري قال: تقول ذو قرابتي، ولا تقول هم قرابتي، ولا هم قراباتي، والعامة تقول ذلك، وعبارة (المحرر) سالمة من ذلك؛ فإنه قال: وأما المرأة .. فأولى النساء بغسلها نساء القرابة.
قال: (ويقدمن على زوج في الأصح)؛ لأنهن أليق بها.
والثاني: أن الزوج يقدم عليهن؛ لأنه يطلع على ما لا يطلعن عليه.
قال: (وأولاهن: ذات محرمية) - وهي: كل امرأة لو كانت رجلًا .. لم يحل له نكاحها بسبب القرابة - لأنهن أكثر شفقة.
فإن استوت اثنتان في المحرمية .. فالتي في محل العصوبة أولى كالعمة مع الخالة.
واللواتي لا محرمية لهن يقدم منهن الأقرب فالأقرب.
قال: (ثم الأجنبية)؛ لأنهن أوسع في النظر إليها من الرجال.
لكن يرد عليه ذات الولاء؛ فإنها تقدم على الأجانب على النص، إلا أن يقال: إنها من الأجنبيات؛ فإنه جعل الأجنبيات قسيم القرابة.
قال: (ثم رجال القرابة كترتيب صلاتهم) أي: من الأبوين أو أحدهما؛ لأنهم أشفق عليها، ويطلعون غالبًا على ما لا يطلع عليه غيرهم.
قال: (قلت: إلا ابن العم ونحوه فكالأجنبي والله أعلم) المراد: كل قريب ليس بمحرم .. فلا حق له في الغسل.

وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ.
وَلاَ يُقْرَبُ الْمُحْرِمُ طِيبًا، وَلاَ يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفُرُهُ،  قال: (ويقدم عليهم الزوج في الأصح) أي: على رجال القرابة؛ لأن الجميع ذكور وهو ينظر إلى ما لا ينظرون إليه.
والثاني: أنهم يقدمون عليه؛ لأن النكاح قد انتهى بالموت وسبب المحرمية باق.
تنبيه: جميع ما ذكرناه من التقدم مشروط بالإسلام، وأن لا يكون قاتلًا.
ويستثنى من إطلاقه الوالي؛ فإنه يقدم على الأجانب كما صرح به الجرجاني وغيره.
والمقدم في الغسل لو فوضه إلى غيره .. جاز شرط اتحاد الجنس، فليس للرجال كلهم التفويض إلى النساء وبالعكس.
قال: (ولا يقرب المحرم طيبًا، ولا يؤخذ شعره وظفره)؛ لما روى الشيخان [خ 1265 - م1206] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عيه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فانكسرت عنقه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا).
قال ابن قتيبة في (المعارف) في ترجمة عمر: الرجل المذكور واقد بن عبد الله.
واستفيد من التعليل المذكور في الحديث: أن الحج لا يبطل بالموت، بخلاف الصلاة فإنها تبطل بالاتفاق، وفي الصوم وجهان.
واستفيد منه: تحريم ستر وجه المحرمة، ورأس الرجل وإلباسه المخيط وغير ذلك من آثار الإحرام.
ولا بأس بالبخور عند غسله - كما يجلس المحرم عد العطار - فإن طيبه إنسان أو ألبسه مخيطًا .. عصى ولا فدية، كما لو قطع عضوا من ميت، وفي وجه غريب: أنها تجب.

وَتُطَيَّبُ الْمُعْتدَّةُ فِي الأَصَحِّ، وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَخْذُ ظُفُرِهِ وَشَعْرِ إِبْطِهِ وَعَانَتِهِ وِشِارِبِهِ.
قُلْتُ: الأَظْهَرُ: كَرَاهَتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ  قال: (وتطيب المعتدة في الأصح) وكذلك تكفن في الحرير، والمراد: المعتدة المُحِدَّة؛ لأن التحريم في الحياة إنما كان للتفجع على الزوج، ولميلها إلى الأزواج أو ميلهم إليها، وقد زال بالموت.
والثاني: أنه لا يجوز؛ استصحابًا للتحريم كالمحرمة.
قال: (والجديد: أنه لا يكره في غير المحرم أخذ ظفره وشعر إبطه وعانته وشاربه) كما يتنظف الحي بهما؛ لأن ذلك من كمال الطهارة، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (افعلوا بموتاكم ما تفعلون بعروسكم)، وكل هذه تفعل قبل الغسل.
والقديم - وهو منصوص (الأم) و (المختصر) -: لا يفعل ذلك؛ لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء، وقد نهى عن محدثات الأمور، فلذلك اختاره المصنف فقال: (قلت: الأظهر: كراهته والله أعلم)؟ لأن أجزاء الميت محترمة.
أما شعر الرأس .. فلا يحلق بحال؛ لأنه إنما يخلق لزينة أو نسك.
قلت: إلا أن يكون حاجًا بقي عليه الحلق ومات .. فيظهر: أن يخلق رأسه تكميلًا للنسك، ويحتمل أن لا يفعل ليأتي يوم القيامة محرمًا.
وإذا قلنا بالجديد .. تخير الغاسل في شعر الإبطين والعانة بين الحلق والإزالة بالنُّورة، وقيل: تتعين النورة في العانة؛ لئلا ينظر إلى العورة، والمذهب: التخيير، لكن لا يمس ولا ينظر من العورة إلا قدر الضرورة.
والذي يؤخذ من هذه الأجزاء يستحب أن يصر في كفنه، وقيل: لا يدفن معه بل يواري في الأرض في غير القبر.

فَصْلٌ: يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا، وَأَقَلُّهُ: ثَوْبٌ،  تتمة: من مات غير مختون .. قطع الجمهور بأنه لا يختن، وقيل: قولان كالشعر والظفر، وقيل: يختن البالغ دون الصبي.
وأجمعوا على أنه: لا تقطع يده المستحقة القطع في سرقة أو قصاص.
قال: (

فصل

: يكفن بما له لبسه حيًا) فيحرم تكفين الرجل والخنثى في الحرير والمزعفر، وكذا المصغر في الأصح، ويكره ذلك للمرأة كما سيأتي في آخر الباب.
وتكفن المرأة في الحرير على الصحيح، لكن يكره؛ لأنه سرف وغير لائق بالحال، ومال ابن الصلاح إلى تحريمه بناء على تحريم افتراشها إياه، وأما الصبي .. فتكفينه فيه مبنيُّ على جواز إلباسه.
قال: (وأقله: ثوب) أي: ساتر للعورة؛ لأن هذا القدر يجب ستره في الحياة، فيجب بعد الموت؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا، وفي (الصحيحين) [خ 1276 - م940]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن مصعب بن عمير يوم أحد بنمرة غطى بها رأسه فبدت رجلاه)، ولو كان الاستيعاب واجبًا .. لوجب تكميله على المسلمين.
وحكي الماوردي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال: فإن، غطي من الميت قدر عورته فقط .. سقط الفرض، ولكن أخل بحق الميت.
وعلى هذا .. يختلف الثوب باختلاف الميت ذكورة وأنوثة؛ لاختلاف عورتهما.
وهل يختلف بالنسبة إلى الحرة والأمة؟ قال ابن الرفعة: الظاهر: أنه لا فرق؛ لأن الرق يزول بالموت.
وقيل: أقله ثوب يستر جميع البدن؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا - وعلى هذا .. يستثنى رأس المحرم ووجه المحرمة - وهذا الذي في (الحاوي الصغير)، وأطلق في

وَلاَ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ  (المناسك) تصحيحه، وعبارة (المحرر) تحتمل الأمرين؛ فإنه قال: أقل الكفن ثوب واحد، ولم يصحح في (الشرح) شيئًا، وصحح المصنف في زوائد (الروضة) الأول.
وقال في (الشرح الصغير): إنه أوفق لظاهر النص.
وهذا الخلاف ينبني على خلاف غريب حكاه شارح (التعجيز): أن الشخص هل يصير كله عورة بموته أو لا؟ والتعبير ب (الثوب) يشعر بأنه لا يكفي التطيين على خلاف ما صححوه في ستر عورة المصلي وهو متجه؛ لأن فيه إزراء بالميت.
ويتجه: وجوب الإذخر ونحوه كالحشيش قبل التطيين.
وقيل: الواجب ثلاثة أثواب حكاه في (شرح المهذب).
قال: (ولا تنفذ وصيته بإسقاطه) أي: إسقاط الثوب الواحد؛ لأنه حق لله تعالى مستحق بالموت، بخلاف الثاني والثالث فإنهما حقه فله تركهما، كما أوصى أبو بكر رضي الله عنه أن يكفن في قميصه الخلق فنفذت وصيته.
ومقتضى هذا التعليل - وهو القياس -: أن الذي لا تنفذ الوصية بإسقاطه إنما هو المقدار الواجب، حتى إذا قلنا بالصحيح - وهو: أن الواجب ساتر العورة فقط - نفذنا الوصية بإسقاط الزائد، وهذا هو المذكور في (الروضة)؛ فإنه عبر بقوله: الثوب الواجب بالجيم والباء.
ووقع في (شرح المهذب): أنه إذا أوصى بساتر العورة .. لا تنفذ وصيته، وكأنه اغتر بجواب الإمام والغزالي، وهما إنما أجابا به؛ لأن الواجب عندهما هو هذا المقدار خاصة.
غريبة: أوصى أهبان بن صيفي الغفاري رضي الله عنه لما حضرته الوفاة أن يكفن في ثوبين، قالت ابنته: فزدناه ثالثًا قميصًا فدفناه فيه، فأصبح ذلك القميص على

وَالأَفْضَلُ لِلرَجُلِ: ثَلاَثَةٌ، وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ،

 المشجب موضوعًا.
قال أبو عمر: روى هذا الحديث جماعة ثقاة من البصريين وغيرهم.
قال: (والأفضل للرجل: ثلاثة)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، رواه الشيخان [خ 1264 - م 941]. و (سَحُول): بلد باليمن، ويجوز في سينها الفتح والضم.
ولا فرق في ذلك بين الصغير والكبير، وسيأتي في آخر الباب في زيادة المصنف.
فروع: إذا كفن من بيت المال .. فالأصح: أنه يكفن في ثوب واحد، وإذا كفن من الموقوف على التكفين .. أفتى ابن الصلاح بأنه: لا يزاد على ثوب واحد.
ولو لم يوص وقال بعض الورثة: نكفنه بثوب وقال بعضهم: بثلاثة، أو اتفقوا على ثوب، أو كان فيهم من شملة الحجر .. كفن في ثلاثة في المسائل الثلاث.
ولو كان عليه دين مستغرق فقال الغرماء: ثوب .. فثوب على الأصح.
والمحرم كغيره في استحباب الثلاث، وقال ابن سراقة: لا يزاد المحرم على ثوبيه اللذين مات فيهما.
قال: (ويجوز رابع وخامس)؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما كفن ابنًا له في خمسة أثواب: قميص وعمامة، وثلاث لفائف، رواه البيهقي [3/ 402].

وَلَهَا: خَمْسَةٌ.
وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا بِثَلاَثَةٍ .. فَهِيَ لَفَائِفُ.
وَإِنْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةٍ .. زِيدَ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ تَحْتَهُنَّ.
وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسَةٍ .. فَإِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلاَثُ لَفَائِفَ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ  ولا كراهة في الخمسة، أما ما زاد عليها .. فمكروه للرجال والنساء.
قال المصنف: (ولو قيل بتحريمه .. لم يبعد؛ لأنه إضاعة مال إلا أنه لم يقل به أحد) اه وقد جزم بتحريمه ابن يونس في (شرح التنبيه).
قال: (ولها: خمسة) أثواب؛ رعاية لزيادة الستر، ولأن أم عطية لما غسلت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا على الباب فناولها إزارا ودرعا وخمارًا وملحفة، ثم أدرجت في الثوب الآخر، رواه أبو داوود [3149]. وكذلك حكم الخنثى.
قال: (ومن كفن منهما بثلاثة .. فهي لفائف)؛ تأسيًا بكفن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتكون الثلاث سوابغ للمرأة، وفي الرجل وجهان: أصحهما: كذلك.
والثاني: أن الأسفل من سرته إلى ركبته، والثاني من عنقه إلى كعبه، والثالث سابغ لجميع بدنه.
وقيل: يجعل الثاني من صدره إلى ساقه.
قال: (وان كفن في خمسة .. زيد قميص وعمامة تحتهن) كما فعل ابن عمر (وإن كفنت في خمسة .. فإزار، وخمار، وقميص) وهو: الدرع (ولفافتان) كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأم كلثوم.
قال: (وفي قول: ثلاث لفائف وإزار وخمار)؛ لأن الخمسة فيها كالثلاثة في الرجل.

وَيُسَنُّ الأَبْيَضُ.
وَمَحَلُّهُ: أَصْلُ التَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ .. فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ، وَكَذَا الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ  قال: (ويسن الأبيض)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم (رواه أبو داوود [4058] والترمذي [994] والحاكم [4/ 185] وابن حبان [5423]. قال: (ومحله: أصل التركة) بالإجماع، ولأنه صلى الله عليه وسلم كفن المحرم في ثوبيه، ومصعب بن عمير في نمرته.
ولم يسأل عن الدين، فدل على أنه لا فرق، اللهم إلا أن يتعلق بعين التركة حق .. فإنه يقدم كما سيأتي في أول (الفرائض)، وإلا أن تكون امرأة لها زوج كما سيأتي.
فلو قال بعض الورثة: أكفنه من مالي، وقال البعض: من التركة .. كفن من التركة دفعًا للمنة.
قال: (فإن لم يكن) أي: تركة (.. فعلى من عليه نفقته من قريب) أصلًا كأن أو فرعًا.
ومقتضى هذه العبارة: أن الولد الكبير الفقير لا يجب تكفينه كما لا تجب نفقته على الصحيح عند المصنف.
والمذهب: وجوبه؛ لأن نفقته تجب إذا كان عاجزًا والميت عاجز.
قال: (وسيد)؛ لما ذكرناه.
وتدخل أم الولد، والمكاتب لانفساخ كتابته.
قال: (وكذا الزوج في الأصح)؛ لأنها في نفقته في الحياة فأشبهت القريب والسيد.
والثاني: لا؛ لأنها إنما وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع وبالموت يزول ذلك فيجب في مالها، وليست كالمريضة المدنفة؛ فإنها محل لاستمتاعه، وإلى هذا ذهب ابن أبي هريرة، وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب، ونسبه الشيخ أبو محمد إلى الأكثرين، وصححه الجرجاني والروياني والفارقي وابن أبي عصرون وابن

وَتُبْسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا، وَالثَّانِيَةُ فَوْقَهَا، وَكَذَا الثَّالِثَةُ، وَيُذَرُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ حَنُوطٌ  الصلاح، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وأحد قولي مالك وأصحابه.
وحكم سائر مؤن التجهيز حكم الكفن.
وعبارة الكتاب و (المحرر) توهم: أنه إنما تجب على الزوج إذا لم يكن تركة، وليس مرادهما ذلك.
وفهم الشيخ جمال الدين عن المصنف خلاف ذلك فقال: الصواب: أنه يجب على الزوج تكفين الزوجة؛ لأنها في نفقته حال الحياة، فإن لم يكن للزوج مال .. ففي مالها، وما وقع في (المحرر) و (المنهاج) و (الشرح الصغير): (أنه في مالها، فإن لم يكن فعلى الزوج .. فخلاف الصواب) اه وظاهر عبارة الكتاب: أنه لا فرق بين الحرة والأمة، وينبغي أن يكون على السيد إلا أن يكون قد سلمها ليلًا ونهارًا .. فتكون على الوجهين في كفن الحرة.
ولو طلقها ثلاثًا وهي حامل .. لزمه تكفينها على الأصح.
وإذا أوجبنا تكفين الزوجة .. أوجبنا تكفين خادمها.
فلو حذف المصنف لفظة (كذا) .. كان أخصر وأعم.
ولو امتنع الموسر أو فان غائبًا، فجهزت من مالها أو غيره،.
رجع عليه إن صرف بإذن حاكم يراه، وإلا .. فلا رجوع على الأشبه.
قال: (وتبسط أحسن اللفائف وأوسعها، والثانية فوقها، وكذا الثالثة) كما يظهر الحي أحسن ثيابه.
قال: (ويذر على كل واحدة حَنوط)؛ لئلا يسرع بلاؤها من بلل يصيبها.
قال الماوردي: وهذا من مفردات الإمام الشافعي رضي الله عنه.
و (الحَنوط) بفتح الحاء وبضم النون: يشمل الكافور والذريرة والصندل، ولا يقال لغير طيب الميت.

وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ، وَتُشَدُّ أَلْيَاهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بَدَنِهِ قُطْنٌ، وَتُلَفُّت عَلَيْهَ اللَّفَائِفُ وَتُشَدُّ، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ .. نُزِعَ الشِّدَادُ.

 قال: (ويوضع الميت فوقها مستلقيًا وعليه حنوط وكافور)؛ لدفع الهوام عنه.
وقوله: (وكافور) لا حاجة إليه؛ لأنه يدخل فيه كما نبه عليه في (نكت التنبيه).
قال: (وتشد ألياه)؛ إحكامًا لمنع الخارج، ذلك بأن يأخذ قدرًا من القطن ويجعل عليه حنوط ويدس بينهما حتى يصل إلى الحلقة، ولا يدخله في باطنة - وقيل: لا بأس به ثم تشد أليتيه بخرقة تستوعب عانته.
قال: (ويجعل على منافذ بدنه قطن) كالعينين والأذنين والفم والفرج والجراحات النافذة خشية أن يخرج منها شيء، ويجعل على مواضع السجود أيضًا؛ إكرامًا لها.
قال: (وتلف عليه اللفائف وتشد)؛ لئلا تنتشر بحركته.
قال: (فإذا وضع في قبره .. نزع الشداد)؛ لأنه يستر بالقبر.
فروع: يستحب أن تبخر الأكفان بالعود إذا لم يكن الميت محرمًا، وقال الإمام والغزالي: إنه أولى من تطييبها بالمسك، وخالفهما ابن الصلاح؛ لأنه أطيب الطيب، وأوصى علي رضي الله عنه: (أن يحنط بمسك كان عنده من فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وأفتى أيضا: بعدم جواز كتابة شيء من القرآن على الكفن صيانة له

وَلاَ يُلْبَسُ الْمُحْرِمُ الذَّكَرُ مَخِيطًا، وَلاَ يُسْتَرُ رَاسُهُ وَلاَ وَجْهُ الْمُحْرِمَةِ  عن صديد الموتى، وفيمن عنده قماش يكريه لتجهيز الموتى من ألوان الحرير وغيرها بأنه لا يجوز كراء ما يقصد به الزينة، ولا بأس بما المقصود به ستر الميت .. وصيانته.
وكره الغزالي التجارة في أكفان الموتى وحنوطهم وما يتعلق بذلك.
قال: (ولا يلبس المحرم الذكر مخيطًا، ولا يستر رأسه ولا وجه المحرمة)؛ إبقاء لأثر الإحرام، وكذلك لا يعقد عليه ثوب إلا الإزار، وما روي في (الصحيحين) [خ1265 - م 1206] من قوله عليه الصلاة والسلام: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهة (.. فهو مؤول على أن النهي عن تغطية الوجه ليس لكونه وجهًا إنما هو صيانة للرأس؛ فإن وجهة إذا ستر .. لم يؤمن أن يصل إلى الرأس.
فروع: إذا مات الخنثى محرمًا .. قال البغوي: لا يخمر رأسه ولا وجهه.
قال المصنف: إن أراد أنه مستحب .. فحسن، أو واجب .. فمشكل، وينبغي أن يكفي كشف أحدهما.
ولو مات إنسان ولم يوجد ما يكفن به إلا ثوب مع واحد وهو غير محتاج إليه .. لزمه بذله بقيمته كالطعام للمضطر، وقال البغوي: فإن لم يكن له مال .. لزمه بذله بلا عوض.
ولو مات له أقارب دفعة واحدة بهدم أو غيره .. قدم في التكفين وغيره من يخاف عليه الفساد، فإن استووا .. قدم الأب ثم الأم ثم الأقرب فالأقرب، فإن كانا أخوين .. قدم أسنهما، فإن كانا زوجين .. أقرع بينهما.
ولو أوصى أن يكنن في ثوب معين .. ففي إلزام الورثة بتكفينه فيه وجهان مبنيان على الوجهين فيما إذا أوصى بقضاء دينه من هذا المال هل يتعين؟

وَحَمْلُ الْجَنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ التَّرْبِيعِ فِي الأَصَحِّ، وَهُوَ: أَنْ يَضَعَ الخشبتين الْمُقَدَّمَتَيْنِ عَلَى عَاتِقَه ِوَرَاسُهُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْمِلُ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ رَجُلاَنِ،  قال: (وحمل الجنازة بين العمودين أفضل من التربيع في الأصح) كما فعل بعثمان وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم.
وروى البيهقي في (المعرفة) [7470]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين).
والثاني: التربيع أفضل؛ لأنه أصون للميت، بل حكى في (النهاية) عن الشيخ أبي علي وجوبه؛ لأن ما دونه إزراء بالميت.
والثالث: هما سواء لحصول المقصود بكل كيفية.
كل هذا إذا أريد الاقتصار على إحدى الكيفيتين، والأفضل: الجمع بينهما بأن تحمل تارة كذا وتارة كذا.
هذا بالنسبة إلى الجنازة، أما كل واحد في حق نفسه .. فينبغي إذا جمع أن يضع ياسرة السرير المقدمة على عاتقة الأيمن ثم ياسرته المؤخرة، ثم يدور أمامها حتى لا يمشي خلفها فيضع يامنة السرير المقدمة على عاتقة الأيسر ثم يامنته المؤخرة، فيكون قد حملها على التربيع، ثم يدخل رأسه بين العمودين فيكون قد جمع بين الكيفيتين.
قال: (وهو) أي: الحمل بين العمودين (أن يضع الخشبتين المقدمتين على عاتقيه ورأسه بينهما، ويحمل المؤخرتين رجلان)؛ لأن المؤخرتين لو حملهما رجل .. لا يكاد يرى ما بين يديه.
فيكون مجموع الحاملين ثلاثة.
قال ابن الصلاح: أما حملها على رأس اثنين فشيء لا يعرف، وبقيت نحوًا من ثلاثين سنة لم أجد ذلك منقولًا عن أحد من الأئمة إلى أن رأيته في (الإستذكار) للدارمي وهو غريب جدًا.
و (العاتق): ما بين المنكب والعنق، وهو مذكر على المشهور.

وَالتَّرْبِيعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلاَنِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ.
وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا بِقُرْبِهَا أَفْضَلُ، ......

 قال: (والتربيع: أن يتقدم رجلان ويتأخر آخران) فيكون الحاملون أربعة، ولهذا سميت الكيفية بالتربيع.
فإذا عجز أربعة عنها .. حملها ستة أو ثمانية، وما زاد على الأربعة .. يحمل من جوانب السرير أو تزاد أعمدة معترضة تحت الجنازة كما فعل بعبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ فإنه كان بدينًا.
وأما الصغير .. فإذا حملة واحد جاز؛ إذ لا إزراء فيه.
فرع: قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ليس في حمل الجنازة دناءة ولا إسقاط مروءة، بل ذلك مكرمة وثواب وبر وفعل أهل الخير، فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة ثم التابعون.
قال: (والمشي أمامها بقربها أفضل)؛ لما روى أبو داوود [3171] وغيره - بإسناد صحيح- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمامها وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم).
ومن جهة المعنى: أنهم شفعاء وحق الشافع أن يتقدم.
وأفضل حملتها المتقدم، وكذلك أفضل المشاة.
وقال أبو حنيفة: خلفها أفضل.
وعندنا: لا فرق بين الراكب والماشي، ووهم الرافعي في (شرح المسند) حيث قال: الأفضل للراكب أن يكون خلفها بالاتفاق.
وهو متابع الخطابي في ذلك؛ فإنه قال: لا أعلمهم اختلفوا في أن الراكب يكون خلفها.
والركوب في الذهاب مكروه؛ لما تقدم من: (أنه صلى الله عليه وسلم لم يركب في عيد ولا جنازة)، اللهم إلا أن يكون لعجز أو بعد الموضع .. فلا يكره، وروى الترمذي [1012] أنه صلى الله عليه وسلم رأى ناسا ركبانًا في جنازة فقال: (ألا تستحيون؟! إن الملائكة على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب).

وَيُسْرَعُ بِهَا إِنْ لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ  والركوب في الرجوع منها يأتي في آخر الباب.
وجميع ما سبق مخصوص بالرجال، أما النساء .. فيكره لهن إتباع الجنائز على الأصح، وقيل: يحرم.
وحد القرب: أن يكون بحيث لو التفت رآها، فإن بعد عنها وكان بحيث ينسب إليها لكثرة الجماعة .. حصلت له فضيلة الجماعة، وإلا .. فلا.
فرع: لا ينقطع طلب المشي في الجنازة بالصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، فكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ منها .. رجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن .. فإنه يرجع بقيراط (رواه الشيخان [خ 47 - م945]. والانصراف عن الميت إن كان عقب الصلاة .. فقيه قيراط، وإن كان بعد وضعه في القبر ونصب اللبن وقدر إهالة التراب .. ففي حصول القيراطين وجهان: اختار الإمام الحصول، والماوردي والمصنف عدمه؛ لظاهر الحديث.
وأما بعد الفراغ من الدفن .. فله القيراطان بلا خلاف.
فإن وقف بعد ذلك على الميت واستغفر الله ودعا له .. فهو آكمل.
قال: (ويسرع بها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أسرعوا بالجنازة ...) والمراد: أن يكون ذلك فوق المشي المعتاد ودون الخبب بحيث لا يشق على من يتبعها.
قال: (إن لم يخف تغيره) بسبب الإسراع بانفجار وغيره، فإن خيف ذلك .. فالتأني أولى، وإن خيف من التأني التغير .. أسرع بها فوق الخبب.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مهمة: قال الصيمري وغيره: لا يستحب للإنسان أن يعد لنفسه كفنًا في حياته؛ لئلا يحاسب عليه.
قال الروياني: وعندي أن ذلك مستحب؛ لمعرفة خلوه عن الشبهة.
قال المصنف: والذي قاله الصيمري صحيح، إلا أن يكون من جهة يقطع بحلها، أو من أثر بعض أهل الخير من العلماء والعباد ونحو ذلك .. فإن ادخاره حسن، وقد صح عن بعض الصحابة فعله.
والذي قاله مردود؛ فإن أمواله كلها يحاسب عليها.
وأشار بقوله: (وقد صح عن بعض الصحابة) إلى ما رواه البخاري [1277] عن سهل بن سعد رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليه شملة، فطلبها منه رجل فأعطاه إياها، فأعدها ذلك لنفسه كفنًا).
وروي أن سعد بن أبي وقاص لما حضرته الوفاة .. دعا بخَلَقِ جبة من صوف فقال: (كفنوني فيها؛ فإني كنت لقي المشركين فيها يوم بدر وهي علي، وإنما كنت أخبئها لهذا).
ولما حضرت معاوية الوفاة .. قال لابنه يزيد: (يا بني؛ إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج يومًا لحاجته فاتبعته بإداوة فكساني أحد ثوبيه الذي كان على جلده، فخبأته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أظفاره وشعره فأخذته وخبأته لهذا اليوم، فإذا أنا مت .. فاجعلوا ذلك القميص مما يلي جلدي، واجعلوا الشعر والأظفار في فمي وعل عيني ومواضع السجود مني، فإن نفع شيء .. فذاك، وإلا .. فإن الله غفور رحيم).

فَصْلٌ: لِصَلاَتِهِ أَرْكِانٌ: أَحَدْهَا: النِّيَّةُ، وَوَقْتُهَا كَغَيْرِهَا، وَتَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ،  تتمة: إذا مر عليه بجنازة .. فالمنصوص وقول الأكثرين: أنه لا يستحب له القيام لها بل قالوا: يكره.
قال في زوائد (الروضة): وانفرد المتولي باستحبابه، واختار في (شرح المهذب) مقالة المتولي.
قال: (

فصل

: لصلاته أركان) أي: لصلاة الميت المسلم غير الشهيد.
قال الفاكهاني في (شرح الرسالة): من خصائص هذه الأمة الصلاة على الميت والإيصاء بالثلث، ويدل له من السنة ما رواه ابن ماجه [2710] عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ اثنتان لم تكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا من مالك حين أخذت بكَظَمِك، لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك).
(الكظم) بالتحريك: مجامع النفس، والجمع أكظام.
قال: (أحدها: النية)؛ للحديث المشهور، وفي كونها من الأركان أو الشروط الخلاف المتقدم في الصلاة.
قال: (ووقتها كغيرها) فتكون مقارنة للتكبير كما تقدم، وكيفيتها: أن ينوي مع التكبير الصلاة على هذا الميت، أو هؤلاء الأموات سواء عرف عددهم أم لا.
قال: (وتكفي نية الفرض) كما يكفي ذلك في الظهر ونحوها من غير تقييد بفرض العين.

وَقِيلَ: تُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ.
وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ، فَإِنْ عَيَّنَ وَأَخْطَأَ .. بَطَلَتْ.
وَإِنْ حَضَرَ مَوْتَى .. نَوَاهُمْ.
الثَّانِي: أَرْبَعُ تُكْبِيرَاتٍ،  قال: (وقيل: تشترط نية فرض كفاية)؛ لتتميز عن فرض العين.
وعلم من كلامه: أن نية الفرضية لا بد منها، وهو موافق لما صححوه في الصلوات الخمس.
وفي الإضافة إلى الله تعالى الوجهان السابقان.
قال: (ولا يجب تعيين الميت) أي: باسمه كزيد أو عمرو؛ لأنه قد لا يعلمه.
وأما التعيين الذي يميزه عن غيره بقوله: هذا، أو الحاضر، أو من يصلي عليه الإمام .. فلا بد منه.
قال: (فإن عين وأخطأ .. بطلت) صلاته؛ لأن الذي نواه لم يقع.
وخصصه المصنف بما إذا لم يشر إليه، قال: فإن أشار إليه .. صح في الأصح.
قال: (وإن حضر موتى .. نواهم) بصلاة واحدة عرف عددهم أم لا؛ لأنه قد لا تتأتى له معرفتهم.
فلو صلى على البعض ولم يعينه ثم صلى على البعض الآخر من غير تعيين .. لم يصح.
قال الروياني: ولو صلى عليهم على أنهم عشرة فبانوا أحد عشر .. أعاد الصلاة على جميعهم.
قال: ويحتمل أن يعيدها على الحادي عشر وإن لم يعينه فيقول: نويت الصلاة على من لم أصل عليه أولًا.
قال: ولو صلى على ميت وحي دفعة واحدة، فإن علم حياته .. لم تصح صلاته، وإن ظن موته .. صحت في حق الميت دون الحي، كما لو صلى الظهر قبل الزوال.
ويجب على المقتدي نية الاقتداء، ولا يضر اختلاف نية الإمام والمأموم كما سيأتي في آخر الباب.
قال: (الثاني: أربع تكبيرات) أي: منها تكبيرة الإحرام؛ لأن آخر الأمرين من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه كبر على سهيل بن بيضاء أربعًا) متفق عليه.

فَإِنْ خَمَّسَ .. لَمْ تَبْطُلْ فِي الأَصَحِّ  وفي (المستدرك) [1/ 386] عن ابن عباس رضي الله عنهما: (آخر ما كبر النبي صلى الله عليه وسلم على الجنازة أربعًا، وكبر عمر على أبي بكر رضي الله عنهما أربعًا، وكبر عبد الله بن عمر على عمر أربعًا، وكبر الحسن بن علي على علي رضي الله عنهم أربعًا، وكبر الحسين بن علي على الحسن أربعًا، وكبرت الملائكة على أدم عليه السلام أربعًا) كذا رواه الحافظ أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي عياض: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر أربعًا وخمسًا وستًا وسبعًا وثمانيًا حتى مات النجاشي فكبر عليه أربعًا، وثبت على ذلك حتى توفي صلى الله عليه وسلم إلى رحمة الله).
قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع.
قال في (شرح المهذب): وهي أركان بلا خلاف.
وكأنه لم ير ما في (اللباب) و (الرونق) أن الفرض تكبيرة الإحرام، والثلاث سنة.
وفي (طبقات الممصنف): أن البيهقي قال: التكبيرة الأولى وقراءة الفاتحة واجبتان، وأما التكبيرات الثلاث والدعاء للميت: فهل هو واجب؟ يحتمل وجهين.
وفي (معتمد البدنيجي) و (الإستذكار) للدارمي وغيرهما عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهم وجابر بن زيد وابن سيرين: أن التكبيرات ثلاث لا غير، وكذلك قال ابن سريج وجهل الرابعة سنة.
قال: (فإن خمس .. لم تبطل في الأصح)؛ لثبوت الزيادة عن النبي صلى الله عليه وسلم في (صحيح مسلم) [956] من رواية زيد بن أرقم، إلا أن الأربع الأولى استقر الأمر عليها.
والوجه الثاني: أنها تبطل كما لو زاد ركعة.
هذا إذا تعمد، فإن كان ساهيًا .. لم تبطل ولا مدخل للسجود هنا.

وَلَوْ خَمَّسَ إِمَامُهُ .. لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الأَصَحِّ، بَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ لِيُسَلَّمَ مَعَهُ.
الثَّالِثُ: السَّلاَمُ كَغَيْرِهَا.
الرَّابِعُ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ  وقيل: تستحب الخامسة.
قال: (ولو خمس إمامه .. لم يتابعه في الأصح)؛ لأن هذه الزيادة ليست مسنونة للأمام.
والثاني: يتابعه لتأكد المتابعة.
وكان ينبغي التعبير بالأظهر كما في (الروضة)، أو المذهب كما في (شرح المهذب).
قال: (بل يسلم أو ينتظره ليسلم معه) هذا تفريع على المذهب وهو: أن الخامسة غير مشروعة ولا مبطلة، فإن جعلناها مبطلة أو اعتقده المأموم .. تعينت المفارقة.
ثم إذا لم يتابعه فقيل: يسلم في الحال، والأصح: يتنظره.
وهذا بخلاف ما إذا قام الإمام إلى خامسة لا يجوز انتظاره؛ لأذ المتابعة في الأفعال واجبة ولا يمكن في الخامسة فتعينت المفارقة، والأذكار التي ليست محسوبة للإمام لا تلزم المتابعة فيها.
قال: (الثالث: السلام)؛ لأنها صلاة وفي الحديث: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم).
قال: (كغيرها) أي: في عدده وكيفيته ونية الخروج وغير ذلك، وأشار بذلك أيضًا إلى التعليل.
وفي قول،: يقتصر من تسليمة وإن قلنا في غيرها تسليمتان.
والأصح: أنه يقول: ورحمة الله، والواجب منه: ما يجب في غيرها، وقيل: يكفي السلام عليك.
قال: (الرابع: قراءة الفاتحة) خلافًا للأمة الثلاثة.

بَعْدَ الأُولُى، قُلْتُ: تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الأُولَى، َوَاللهُ أَعْلَمُ  لنا: ما روى البخاري [1335] أن ابن عباس رضي الله عنهما صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: (فعلته؛ لتعلموا أنها سنة)، وقول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب (رواه الدارقطني [1/ 321] وقال: إسناده صحيح.
قال: (بعد الأولى)؛ لما روى الحاكم [1/ 358] عن جابر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر على جنائزنا أربعًا، يقرأ فاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى).
قال: (قلت: تجزئ الفاتحة بعد غير الأولى والله أعلم)؛ لأنه لا يظهر بذلك خلل في الصلاة، وهذا يحكى عن النص.
والمراد: أنه لو أخر قراءتها إلى الثانية .. جاز.
ومقتضى كلام المصنف: أنه لو أخر قراءتها إلى الثالثة أو الرابعة .. جاز أيضًا، وصرح في (شرح المهذب) بجواز أن يجمع في التكبيرة الثانية بين القراءة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثالثة بين القراءة والدعاء للميت، ويجوز إخلاء التكبيرة الأولى عن القراءة.
ونقل ابن الرفعة تعيين القراءة في الأولى عن جماعة، وبه جزم المصنف في (التبيان)، وحديث أبي أمامة الآتي يدل له لا جرم.
قال الشيخ: المدرك في هذا الباب الاتباع، فينبغي أن تتعين القراءة في الأولى كما تتعين التكبيرات الأربع، إلا أن يأتي دليل بجوازها في غير الأولى.
أما قراءة السورة .. فلا تستحب في الأصح، بل نقل الإمام فيه الإجماع.
وقيل: تستحب سورة قصيرة؛ لحديث فيه صحيح في (مسند أبي يعلى الموصلي) [2661].

الْخَامِسُ: الصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ َبْعَد الثَّانِيَةِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى الآلِ لاَ تَجِبُ  قال: (الخامس: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ لأن الحاكم [1/ 359] روى: أنه من السنة، وقال: على شرط الشيخين، ولأنه أرجى لإجابة الدعاء.
وقال محمد بن نصر: إنها سنة فيها وأقلها: اللهم؛ صل على محمد.
قال: (بعد الثانية)؛ لما روي عن أبي أمامة (بن) سهل بن حنيف أنه قال: (من السنة في صلاة الجنازة أن يكبر، ثم يقرأ بأم القرآن مخافتة، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخلص الدعاء للميت، ويسلم) رواه عبد الرزاق [6428] والنسائي (بإسناد صحيح، وأبي أمامة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (والصيح: أن الصلاة على الآل لا تجب) كغيرها وأولى؛ لبنائها على التخفيف.
والثاني: تجب.
وجزمه بالوجهين مخالف لتردده في (الروضة) تبعًا ل (الشرح): فإنه قال: فيه قولان أو وجهان، بل قال في (شرح المهذب): قطع الجمهور بعدم الوجوب.
ويستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقب الصلاة [على النبي صلى الله عليه وسلم) على الأصح: تقريبًا للإجابة.
وهل يستحب الحمد قبل الصلاة [على النبي صلى الله عليه وسلم]؟ فيه وجهان: أرجحهما في (الروضة): نعم.
والثاني: لا، وهو مقتضى كلام الأكثرين.
قال في (الروضة): ولا يشترط ترتيب هذه الثلاثة لكنه الأولى.
ومراده: ما يقوله بعد الثانية من حمد الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل