النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 357-396
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الإجارة

صفحات 357-396

وَالْحَضَانَةُ: حِفْظُ الصَّبِيِّ وَتَعَهُّدُهُ بِغَسْلِ رَاسِهِ وَبَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَدَهْنِهِ وَكَحْلِهِ وَرَبْطِهِ فِي الْمَهْدِ وَتَحْرِيكِهِ لِيَنَامَ وَنَحْوِهَا.
وَلَوِ اسْتَاجَرَ لَهُمَا فَانْقَطَعَ الَّبَنُ .. فَالْمَذْهَبُ: انْفِسَاخُ الْعَقْدِ فِي الإِرْضَاعِ دُونَ الْحَضَانَةِ.
قال: (والحضانة: حفظ الصبي وتعهده بغسل رأسه وبدنه وثيابه ودهنه وكحله وربطه في المهد وتحريكه لينام ونحوها) هذه حقيقة الحضانة عرفاً، وأصلها من الحضن وهو: ما دون الإبط إلى الكشخ؛ لأن الحاضنة تجعل الطفل هناك.
و (الدهن) بفتح الدال الفعل، أما الدهن بالضم .. فحكى الرافعي وجهين في الفروع آخر الباب أنه على الأب، أو تتبع به العادة.
قال: (ولو استأجر لهما فانقطع اللبن .. فالمذهب: انفساخ العقد في الإرضاع دون الحضانة)؛ لفوات المعقود عليه.
والثاني: لا ينفسخ ولكن يتخير؛ لأن انقطاعه عيب، ولو أتى باللبن من موضع آخر ولم يتضرر الولد .. جاز، وهذا الخلاف بنبني على أن المعقود عليه هل هو اللبن والحضانة تابعة أو العكس؟ فعلى الأول: ينفسخ العقد بانقطاعه، وعلى الثاني: لا ينفسخ؛ لأن الإجارة وضعت للمنافع والأعيان تبع لها.
وقال الرافعي: لم يفرقوا بين أن يصرح بالجمع بينهما وبين أن يذكر أحدهما ويحكم بالاستتباع، وحسن أن يفرق؛ ففي (التصريح) يقطع بأنهما مقصودان، وعند ذكر أحدهما هو المقصود والآخر تابع، وكان ينبغي للمصنف أن يعبر بـ (الأصح) كما فعل في (الروضة).
فرع: استؤجرت للإرضاع فدفعته إلى خادمتها فأرضعته، إن شرط عليها إرضاعه بنفسها .. فلا شيء لها، وإن أطلق .. استحقت، وإن كانت تسقيه لبن الغنم وتطعمه

وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ حِبْرٌ وَخَيْطٌ وَكُحْلٌ عَلَى وَرَّاقٍ وَخَيَّاطٍ وَكَحَّالٍ.
قُلْتُ: صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي (الْشَّرْحِ) الرُّجُوعَ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ، فَإِنِ اضْطَرَبَتْ .. وجَبَ الْبَيَانُ، وَإِلاَّ .. فَتَبْطُلُ الإِجَارَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
شيئاً .. قال ابن كج: لا شيء لها؛ لأنها لم ترضعه.
قال: (والأصح: أنه لا يجب حبر وخيط وكحل على وراق وخياط وكحال)؛ لأن الأعيان لا تستحق بالإجارة، وأمر اللبن على خلاف القياس للضرورة، وكذلك الماء في استئجار البئر، لكن في (الأحياء) يتسامح بحبر الوراق وخيط الخياط؛ لأنهما لا يقصدان على حيالهما.
و (الحبر) بكسر الحاء فقط: المداد، سمي بذلك لأنه تحبر به الكتب، أي: تحسن.
وفي حديث أبي موسى: (لو علمت أنك تسمع لقراءتي .. لحبرتها لك تحبيراً) يريد تحسين الصوت وتحزينه يقال: حبرت الشيء تحبيراً حسنته.
و (الوراق): الناسخ الذي يورق ويكتب، وكان ينبغي إبدال الأصح بالمذهب؛ فإن المسألة ذات طرق ثلاثة.
قال: (قلت: صحح الرافعي في (الشرح) الرجوع فيه إلى العادة)؛ لأنه لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة.
قال: (فإن اضطربت .. وجب البيان، وإلا .. فتبطل الإجارة والله أعلم).
ظاهر هذه العبارة: أن المصنف لم يصحح شيئاً، بل ذكر اختلاف تصحيح الرافعي في كتابه، وقد يقال: إنه مرجح للأول؛ لأنه حكى شيئاً ولم يصححه فدل على أن اختياره الأول، وقد يقال: إنه مرجح للثاني؛ لأنه كالاستدراك، ويؤيده أنه في (الروضة) لما ذكر تصحيح الثاني .. لم يعقبه بما في (المحور).

فَصْلٌ: يَجِبُ تَسْلِيمُ مِفْتَاحِ الدِّارِ إِلَى الْمُكْتَرِي  وحكم الصبغ وطلع النخل حكم الحبر فيما ذكره، ولم يذكروا ما يحتاجه القصار من الجير وغيره؛ لاطراد العادة بأن ذلك على القصار.
ولابد في النسخ من بيان عدد الورق الذي يكتب فيه، والأسطر في كل صفحة ولم يتعرضوا لتقدير المدة ولا لدقة الخط وغلظه، ولا لبيان قدر الحواشي والقطع الذي يكتب فيه، وفي كل ذلك نظر.
تتمة: يصح أن يستأجر كحالاً لمداومة عينيه، لكن لابد من تقدير المدة بالزمان، فلو قدر مدتها بالبرء .. فسد العقد؛ لأنه لا يعلم متى يكون، فلو مضت المدة ولم يبرأ .. استحق الأجرة؛ لأنه سلم العمل المستحق عليه بالعقد، فإذا برئ قبل مضي المدة انفسخ العقد فيما بقي منها، وأما الماضي .. فعلى قولين كما لو مات الأجير في أثناء المدة.
قال: (

فصل

: يجب تسليم مفتاح الدار إلى المكتري) وكذلك كل ما كان في معناه؛ ليتمكن من الانتفاع الواجب له وها لا خلاف فيه، وفي دخوله في بيع الدر وجهان؛ لأن التسليم ممكن بدونه، وإذا سلمه .. فهو أمانة في يد المستأجر، فإن ضاع بغير تقصير .. لم يلزمه شيء، وإن قصر .. ضمنه، وفي الحالين هل يجب إبداله على المؤجر؟ وجهان، الأصح: المنع، وهل يطالب به؟ فيه الخلاف الآتي في المطالبة بالعمارة.

وَعِمَارَتُهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ، فَإِنْ بَادَرَ وَأَصْلَحَهَا، وَإِلاَّ .. فَلِلْمُسْتَاجِرِ الْخِيَارُ  كل هذا في مفتاح الغلق المثبت، فإن كانت العادة الإقفال .. لم يجب تسليم القفل؛ لأن الأصل عدم دخول المنقول في ذلك.
والمفتاح بكسر الميم جمعه مفاتيح ومفاتح قال تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾.
قال ابن عباس وغيره: وهي الخمسة التي في آخر (سورة لقمان) ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ الآية.
قال: (وعمارتها على المؤجر)؛ لأن تركها يخل بالانتفاع.
والعمار ثلاثة أضرب: أحدها: مرمة لا تحتاج إلى عين جديدة كإقامة جدار مائل وإصلاح جذع منكسر وغلق يعسر فتحه، فهذا يجبر المؤجر عليه توفية بمقتضى العقد وبه قطع الغزالي، وقال العراقيون: لا يجبر، بل إن فعله .. استمرت الإجارة، وإلا .. فللمستأجر الخيار وهو مذهب أبي حنيفة.
وثانيها: ما يحوج إلى إحداث عين جديدة كبناء جدار وتجديد جذع وتطيين سطح، فإذا عرض هذا في أثناء المدة .. ثبت للمكتري الخيار سواء أوجبنا العمارة عليه أم لا إذا انقضت به المنفعة، حتى لو وكف السقف لترك التطيين .. ثبت الخيار في تلك الحالة، فإذا انقطع .. فلا خيار إلا إذا حصل بسببه نقص، فإن بادر المكري وأصلح .. سقط الخيار لزوال الضرر، وفي الإجبار على هذا الضرب وجهان: أصحهما: لا، لكن يثبت الخيار للمستأجر؛ لأن فيه التزام عين لم يتناولها العقد.
الثالث: عمارة يحتاج إليها لدفع خلل وجد عند العقد كما إذا أجر داراً ليس لها باب أو ميزاب، فلا إجبار هنا وثبت الخيار للمستأجر إن جهل.
قال: (فإن بادر وأصلحها) أي: فذاك (وإلا .. فللمستأجر الخيار) دفعاً للضرر عنه؛ لأنه مخل بالانتفاع، ومحل ما ذكره المصنف في المقارن الذي جهله المكتري.

وَكَسْحُ الثَّلْجِ عَنِ السَّطْحِ عَلَى الْمؤَجِّرِ.
وَتَنْظِيفُ عَرْصَةِ الدَّارِ عَنْ ثَلْجٍ وَكُنَاسَةٍ عَلَى الْمُكْتَرِي.
وإذا كان المؤجر المالك، فإن كان ولياً لمحجور أو ناظر وقف ولو لم يعمر لفسخ المستأجر وحصل التعطل والضرر للمولى عليه .. فإنه يجب عليه العمارة؛ لمصلحة المستحق ونفي الضرر عن وقفه وملكه.
فرع: أفتى الغزالي بأنه إذا وقعت الدار على متاع المستأجر .. لا يلزم الآجر ضمانه ولا أجرة تخليصه.
قال: (وكسح الثلج عن السطح على المؤجر)؛ لأنه كعمارة الدار، فإن تركه على السطح وحصل به عيب .. فللمستأجر الخيار، وهل يجبر عليه؟ قال الإمام: فيه الخلاف في العمارة.
وخص ابن الرفعة المذكور في الكتاب بدار لا ينتفع ساكنها بسطحها كما إذا كانت جملونات، أما إذا كان به انتفاع .. فيظهر أنه كعرصة الدار يفرق فيه بين الخفيف والكثيف.
قال: (وتنظيف عرصة الدار عن ثلج وكناسة على المكتري)؛ لأن الكناسة حصلت بفعله والثلج يقرب من ذلك.
والمراد بكونه عليه: أنه إذا أراد أن يكمل له الانتفاع .. فليرفعهما ولا خيار له.
نعم؛ على المكري أن يسلم الدار فارغة الحش والبالوعة، وكذا مستنقع الحمام، فإن كانت مملوءة .. فللمستأجر الخيار، فإذا امتلأت هذه الأماكن في المدة فتفريغها على المستأجر في الأصح؛ لحصولها بفعله.

وَإِنْ أَجَرَ دَابَّةً لِرُكُوبٍ .. فَعَلَى الْمُؤَجِّرِ إِكَافٌ وَبَرْذَعَةٌ وَحِزَامٌ وَثَفَرٌ وَبُرَةٌ وَخِطَامٌ،

 وقيل: على المؤجر واختاره الماوردي والروياني والشيخ، وهو الذي يقتضيه العرف وعليه العمل، وهل يجبر المستأجر على ذلك؟ وجهان: أصحهما: لا، إلا أن يضر الجدار فيجبر عليه.
وفسروا الكناسة التي على المكتري إزالتها بالقشور وما يسقط من الطعام ونحوه، دون التراب الذي يجتمع بهبوب الرياح؛ لأنه حصل لا بفعله، واستشكله الرافعي بثلج العرصة؛ فإنه عليه مع حصوله لا بفعله فيجوز أن يكون التراب كالكناسة وإن حصل لا بفعله، وزيفه المصنف وقال: الصوب أنه لا يلزم المستأجر نقل التراب كما قاله الأصحاب.
و (العرصة): كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها شيء من البناء، وجمعها عراص وعرصات.
قال: (وإن أجر دابة لركوب .. فعلى المؤجر إكاف وبرذعة وحزام وثفر وبرة وخطام)؛ لأنه لا يتمكن من الركوب بدون ذلك والعرف قاض به، وسواء في ذلك إجارة العين والذمة.
وقال العبادي: إنه على المكتري، حتى لو ركبها عرياً فتلفت .. ضمن؛ لأنه يرق ظهر الدابة كذا أطلقه الرافعي.
واستثنى ابن الرفعة ما إذا قربت المسافة، وتوسط القاضي حسين والبغوي وقالا: ما عدا الإكاف والبرذعة على المكري.
و (الإكاف) تقدم في (باب الخيار).
و (البرذعة) بالذال المعجمة معروفة وكذلك الحزام.
و (الثفر) بالمثلثة: ما يجعل تحت ذنب الدابة.
و (البرة) بضم الباء وتخفيف الراء: حلقة تجعل في أنف البعير.
و (الخطام) بكسر الخاء: الزمام أو الخيط الذي تشد به البرة.
وصورة المسألة إذا أطلق، فإذا قال: أجرتك هذه الدابة العارية .. لم يلزمه شيء من الآلات.

وَعَلَى الْمُكْتَرِي مَحْمِلٌ وَمِظَلَّةٌ وَوِطَاءٌ وَغِطَاءٌ وَتَوَابِعُهَا، وَالأَصَحُّ فِي السِّرْجِ: إتِّبَاعُ الْعُرْفِ.
وَظَرْفُ الْمَحْمُولِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّة، وَعَلَى الْمُكْتَرِي فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ.
قال: (وعلى المكتري محمل ومظلة ووطاء وغطاء وتوابعها)؛ لأن في ذلك تسهيلاً للركوب وتمكيناً منه ويعد من تمام الانتفاع، وذلك غير مستحق بالإجارة، وادعى الإمام فيه الاتفاق.
وفي الحبل الذي يشد به أحد المحملين إلى الآخر وجهان: صحح المصنف أنه على المكتري.
و (المحمل) بفتح أوله وكسر ثالثه، وقيل: بكسر أوله وفتح ثالثه: واحد المحامل وقد تقدم في الحج.
والغطاء والوطاء بكسر أولهما.
قال: (والأصح في السرج: إتباع العرف)؛ قطعاً للنزاع.
والثاني: أنه على المؤجر كالإكاف، وقطع به جماعة.
والثالث: لا يلزمه؛ لأنه ليس فيه عادة مطردة، ولم يصحح الرافعي في ((الشرح)) شيئاً بل حكى الأوجه، ولم يزد المصنف على قوله عقبها: قلت: صحح في (المحرر) إتباع العادة.
قال: (وظرف المحمول على المؤجر في إجارة الذمة)؛ لأنه قد التزم النقل فليهيئ أسبابه.
قال: (وعلى المكتري في إجارة العين)؛ لأنه ليس عليه إلا تسليم الدابة خاصة، ومؤنة الدليل وسائق الدابة وقائدها والبذرقة وحفظ المتاع في المنزل والدلو والرشاء في الاستقاء كالظرف فيفصل فيه.
وقال القاضي: إن كان معروفاً بالاستقاء بدلوه وحبله .. لزمه ذلك، قال الرافعي: ويجب طرده في الظرف.

وَعَلَى الْمُؤَجِّرِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ الْخُرُوجُ مَعَ الدَّابَّةِ لِتَعَهُّدِهَا، وَإِعَانَةُ الرَّاكِبِ فِي رُكُوبِهِ وَنُزُولِهِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَرَفْعُ الْمَحْمِلِ وَحَطُّهُ، وَشَدُّهُ وَحَلُّهُ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي إِجَارَةِ إِلاَّ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْمُكْتَرِي وَالدَّابَّةِ.
قال: (وعلى المؤجر في إجارة الذمة الخروج مع الدابة) أي: هو أو نائبه (لتعهدها وإعانة الراكب في ركوبه ونزوله بحسب الحاجة)؛ لأنه التزم النقل والتبليغ ولا يتم إلا بهذه الأمور، فينيخ البعير للعاجز والمفرط السمن، ويقرب البغل والحمار من نشز ليسهل الركوب عليه؛ لأن العرف يقتضي جميع ذلك.
والاعتبار في الضعف وغيره بحالة الركوب لا بحالة الإجارة، وقيل: تجب الإعانة على الركوب في إجارة العين أيضاً.
قال: (ورفع المحمل وحطه وشده وحله)؛ لاقتضاء العرف بذلك.
ويلزم المكري في هذه الإجازة أن يوقف الدابة لنزول الراكب لما لا يمكن فعله على الدابة كقضاء الحاجة وللصلاة، ولا يلزم الراكب المبالغة في تخفيف الصلاة والوضوء ولا الجمع، لكن يمنع من الإبطاء الزائد على العادة.
قال الماوردي: فلو كانت عادته الإبطاء طبعاً في هذه الأشياء .. كان للمؤجر الفسخ به.
قال: (وليس عليه في إجارة العين إلا التخلية بين المكتري والدابة) سواء كانت الإجارة للركوب أو الحمل، ولا يلزم بإعانته في الركوب ولا غيره.
وقيل تجب الإعانة على الركوب فيها أيضاً.
وقيل تجب في الحمل سواء كانت في الذمة أو على العين واختاره الغزالي طرداً للعادة.
تنبيه: قول المصنف: (التخلية) قد يفهم أن قبضها بالتخلية وهو خلاف المعروف في

وَتَنْفَسِخُ إِجَارَةُ الْعَينِ بِتَلَفِ الدَّابَّةِ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِعَيْبِهَا  (باب البيع)، وإنما مراده أنه إنما عليه التمكين من الانتفاع، لكن للمكري منع المكتري من الركوب في غير وقت العادة.
وفي نزول الرجل القوي للإراحة والعقبة وجهان لتعارض اللفظ والعادة، والأصح: الوجوب عند العقبة دون الإراحة، وصحح في (الوسيط) أنه يجب.
ولا يجب النزول على الشيخ العاجز والمرأة ومن له وجاهة ظاهرة وشهرة يخل بمروءته في العادة المشي.
وليس للمكري منعه من النوم في وقته المعتاد، وله منعه في غيره؛ لأن النائم يثقل.
فرع: أطلق الرافعي أنه لو أكراه دابة إلى بلد فبلغ عمرانها فللمؤجر أخذ دابته ولا يلزمه تبليغه داره.
وقال الماوردي: إن كان البلد صغيراً .. فله أن يركب إلى داره، فإن اكتراها إلى مكة .. لم يكن له تتميم الحج عليها، وإن اكتراها للحج .. ركبها إلى منى ثم إلى عرفات ثم إلى منى ثم إلى طواف الوداع على الأصح.
ولو طلب أحد المتكاريين مفارقة القافلة بتقدم أو تأخر .. لم يكن له ذلك إلا برضى الآخر.
قال: (وتنفسخ إجارة العين بتلف الدابة)؛ لأن المعقود عليه قد فات.
والمراد: الانفساخ في المستقبل لا الماضي كما سيأتي.
قال: (ويثبت الخيار بعيبها) كالبيع سواء في ذلك الحادث والقديم.

وَلاَ خِيَارَ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، بَلْ يَلْزَمُهُ الإِبْدَالُ،  والمراد بـ (العيب) هنا: ما أثر في المنفعة تأثيراً يظهر به تفاوت في الأجرة كعرج الدابة الذي يتخلف به عن القافلة، وكونها لا تبصر ليلاً.
وخشونة المشي ليس بعيب، كذا جزم به الشيخان، وقال ابن الرفعة: إنه عيب، وهو الصواب؛ فقد جزم الرافعي به في عيب المبيع، فلو لم يعلم به حتى مضت المدة .. فات الخيار فله الأرش، وإن علم به في الأثناء وفسخ وقلنا: ينفسخ فيما مضى .. ينبغي أن يجب الأرش، وإن لم ينفسخ .. فلا أرش للمستقبل وفيه لما مضى نظر.
تنبيه: هذا الخيار على التراخي، قاله الماوردي؛ لأنه يتجدد بمرور الأوقات كحدوث النقص فيها، وإليه يرشد كلام الرافعي في آخر الباب والشيخ أبي محمد الجويني في (كتاب الفروق في البيع).
وقد وهم في هذه المسألة ابن السكري وابن الجميزي حيث أفتيا بأنه على الفور كالرد بالعيب.
قال: (ولا خيار في إجارة الذمة، بل يلزمه الإبدال) كما لو وجد بالمسلم فيه عيباً، أما إذا أسلم دابة عما في الذمة .. فإن المستأجر يثبت له حق الاختصاص بها فله إيجارها، والأصح أنه لا يجوز للمؤجر إبدالها إلا برضاه.
ولو أفلس المؤجر بعد تعيينها .. قدم المستأجر على الأصح.
ولو أراد المستأجر الاعتياض، فإن كان قبل القبض .. لم يجز كالمسلم فيه، وبعد

وَالطَّعَامُ الْمَحْمُولُ لِيُؤْكَلَ يُبْدَلُ إِذَا أُكِلَ فِي الأَظْهَرِ.

 لقبض يجوز؛ لأنه اعتياض عن حق في عين.
قال: (والطعام المحمول ليؤكل يبدل إذا أكل في الأظهر) كسائر المحمولات إذا باعها أو تلفت.
والثاني: لا؛ لأن العادة في الزاد أن لا يبدل.
قال ابن الرفعة: والخلاف يلتفت إلى تعارض العرف واللفظ، أما المحمول ليصل .. فإنه يبدل جزماً، وكذا الزاد إذا سرق أو نهب .. فإنه يبدل قطعاً.
ومحل القولين إذا أكل بعضه، فإن أكل جميعه .. فالمشهور الإبدال، وفيه وجه ضعيف.
ومحلهما أيضاً إذا كان يجد الطعام في المنازل المستقبلة بسعر موضعه، وإلا ... أبدل قطعاً.
ومحلهما أيضاً عند الإطلاق، أما لو شرط الإبدال أو عدمه .. فإن الشرط يتبع.
واختار الشيخ أنه إن شرط كفاية كل الطريق .. لم يبدل جزماً ما دام الباقي كافياً لبقية الطريق، وإن كان قدراص لا يكفيه .. فله.
وأما الماء المحمول للشرب .. فيبدل جزماً عند اقتضاء العرف ذلك.
تتمة: إذا قلنا: لا يبدل الزاد فلم يأكل منه فهل للمؤجر مطالبته بتنقيص قدر أكله؟.
قال الشيخ: ينبغي أن يقال: يجب تنقيص ما جرت به العادة بأكله؛ لأن الرجوع إلى العرف، ولا شك أن الدابة تتضرر بدوام الحمل عليها.
والمأذون فيه عرفاً: المعتاد الذي ينقص بالأكل كل يوم فيجب.

فَصْلٌ: يَصِحُّ عَقْدُ الإِجَارَةِ مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ غَالبِاً،  ولو حمل التاجر شيئاً يبيعه في طريقه فباع بعضه .. قال ابن القطان: يحمل على العرف، ويمكن أن يقال: هو مثل الزاد.
قال: (

فصل

: يصح عقد الإجارة مدة تبقى فيها العين غالباً) كالأجل في البيع، والمرجع في ذلك لأهل الخبرة، ولأنها تجوز إلى سنة وفاقاً وقيس عليها ما عداها.
قال الرافعي تبعاً للبغوي: فلا يؤجر العبد أكثر من ثلاثين سنة، والدابة أكثر من عشرين، والثواب سنتين أو سنة على ما يليق به، والأرض مئة سنة فأكثر وهذا يحتاج إلى دليل.
وقال ابن كج: يجوز أن يؤجر العبد إلى تمام مئة وعشرين سنة من عمره.
وقال القاضي حسين والروياني: لا تجوز إجارة الأرض ألف سنة وإن كانت تبقى فيها؛ إذ يبعد بقاء الدنيا إليها.
والمعتبر في البقاء غلبة الظن.
وأقل مدة تصحف فيها إجارة الدار للسكنى يوم واحد، ولا يجوز أقل منه.
وأقل مدة الزراعة ما يبقى فيها الزرع غالباً، وإذا أجر أكثر من سنة .. فأصح القولين أنه لا يجب بيان قسط كل سنة من الأجرة كقسط شهور السنة.
قال في (بيع الغرر) في (شرح المهذب): وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهراً بكذا مع أنه قد يكون ثلاثين يوماً، وقد يكون تسعاً وعشرين، لكن لو أجره شهراً معيناً بثلاثين درهماً كل يوم بدرهم فجاء ذلك الشهر تسعاً وعشرين .. بطلت كما لو باع الصبرة بمئة درهم كل صاع بدرهم فخرجت أقل من مئة.
ولو قال في أثناء السنة: أجرتك هذه السنة .. انصرف إلى ما بقي منها قاله في

وَفِي قَوْلٍ: لاَ تُزَادُ عَلَى سَنَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلاَثِينَ.
(المهذب)، وألحق به في (الكافي) إذا قال: هذا الشهر؛ فإنه ينصرف إلى ما بقي منه.
قال: (وفي قول: لا تزاد على سنة)؛ لأن الإجارة عقد على معدوم جور للحاجة، وهي تندفع بسنة؛ لأنها مدة تضم الفصول وتتم فيها الزروع والثمار، ويكفي في رده قوله تعالى: ﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾.
قال: (وفي قوله: ثلاثين}؛ لأنه شطر العمر الغالب، والغالب تغير الأشياء بعدها، وهل الثلاثون تقريب أو تحديد؟ وجهان: أصحهما: الأول، قاله صاحب (الانتصار) في (باب المساقاة).
وفي وجه رابع: تجوز إلى مدة لا تبقى العين فيها غالباً؛ لأن الأصل فيها الدوام، وصححه في (البسيط) وقال به الأئمة الثلاثة.
وحكم التوقف في ذلك حكم الطلق وقال القاضي والمتولي: أجمع الحكام على أنه لا يؤجر أكثر من ثلاث سنين؛ لئلا يندرس، قال الرافعي: وهذا الاصطلاح غير مطرد.
وفي (أمالي السرخسي): تمتنع إجارة الوقف أكثر من سنة إذا لم تمس إليه حاجة لعمارة وغيرها، وحكاه الإمام وجهاً وقال: لا اتجاه له في الوقف على جهات الخير.
ويستثنى من اشتراط بيان المدة: إجارة عمر رضي الله عنه سواد العراق، فالأصح أنه أجرها مؤبداً، واحتمل ذلك للمصلحة الكلية.
واستئجار الإمام للأذان من مال بيت المال يجوز كل شهر بدرهم من غير بيان المدة، بخلاف ما إذا كان من ماله أو كان المستأجر غيره فلابد من بيان المدة على الأصح.
واستئجار الذمي للجهاد، قاله في (الشامل) في (باب الغنيمة).

وَلِلْمُكْتَرِي اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ؛ فَيُرْكِبُ ويُسْكِنُ مِثْلَهُ،  واستئجار علو دار لإجراء الماء عليه وعقد الجزية إذا قلنا: إنها عقد إجارة على إقامتهم في دار الإسلام.
قال: (وللمكتري استيفاء المنفعة بنفسه وبغيره) كما يجوز أن يؤجر ما استأجره من غيره، فلو أجره بشرط أن يستوفي المنفعة بنفسه .. لم يصح، وقيل: يصح ويلغو الشرط، وقيل: يصحان، حكاهما ابن يونس.
وإنما تستوفي المنفعة بالمعروف، فإذا استأجر ثوباً للبس .. لبسه نهاراً وليلاً إلى وقت النوم، فإذا نام فيه ليلاً أو نقل فيه تراباً أو ألبسه دباغاً أو قصاباً ونحو ذلك ممن هو دون حاله .. وجب الضمان، وقراره على الثاني إن كان جاهلاً، وإلا .. فعلى الأول.
ولو استأجره للبسه ثلاثة أيام .. دخلت الليالي على الصحيح، وكما له أن يستوفي المنفعة بنفسه له أن يعيرها لغيره، وبه صرح في (باب العارية).
قال ابن الصباغ في كتابه (الكامل) - بالكاف-: وإذا أعارها .. فينبغي أن يكون المستأجر ضامناً لها.
قال: (فيركب ويسكن) الدار (مثله) أي: في الضخامة والنحافة والطول والقصر، وهل يشترط أن يكون مثله في معرفة الركوب؛ لأن الجهل يضر بالدابة، أو لا؛ لأن التفاوت يسير؟ الأشبه الثاني، واحتج للأول بأن الناس يتفاوتون في ذلك.

فَلاَ يُسْكِنُ حَدَّاداً وَقَصَّاراً.
وَمَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ كَدَارٍ وَدَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لاَ يُبْدَلُ،  قال الشاعر [من البسيط]: لم يركبوا الخيل إلا بعد ما كبروا فهم ثقال على أكتافها عنف وإن استأجر على أن يركب بالإكاف .. لا يركب بالسرج دون عكسه.
وإذا استأجر دابة لحمل القطن .. فله حمل الصوف والوبر، أو لحمل النحاس .. فله حمل الحديد والرصاص.
وإذا استأجر دابة للحمل فأراد أن يركب من لا يزيد وزنه على وزن المحمول .. فالأصح المنع.
ولو استأجر للركوب فأراد الحمل .. فالأظهر المنع أيضاً خلافاً للقاضي حسين.
وإذا اكترى دابة ليركبها إلى بلد .. فله أن يركبها إلى مثل مسافته إلى ناحية أخرى إذا كانت مثلها في السهولة والأمن، وقيل: ليس له ذلك.
قال: (فلا يسكن حداداً وقصاراً) لزيادة الضرر، واستثنى صاحباً (العمدة) و (البيان) والجرجاني وغيرهم ما لو قال: لتسكنها وتسكن من شئت؛ للإذن كما لو قال: لتزرع ما شئت، وفيه نظر؛ لأن ذلك يراد به التوسعة لا الإذن في الإضرار، فإن خالف وأسكن القصار أو الحداد .. كان متعدياً، وتلف المنفعة في تلك المدة يلزمه الأجرة ويضمن ما نقص بالتعدي.
فرع: استأجر داراً ليسكن وحده .. صح على الصحيح، فإذا تزوج .. كان له أن يسكنها معه، قاله ابن كج في (التجريد)، وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو ثور: لا يسكنها معه، قال الصيمري في (الإيضاح): وهو القياس.
قال: (وما يستوفى منه كدار ودابة معينة لا يبدل) كما لا يبدل المبيع، وهذا لا خلاف فيه.

وَمَا يُسْتَوْفَى بِهِ كَثَوْبٍ وَصَبِيٍّ عُيِّنَ لِلْخِيَاطَةِ وَالاِرْتِضَاعِ يَجْوزُ إِبْدَالُهُ فِي الأصَحِّ وَيَدُ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ يَدُ أَمَانَةٍ مُدَّةَ الإجَارَةِ،  واحترز بـ (المعينة) عما في الذمة فيجوز إبدالها برضى المكتري، وبغيره رضاه وجهان: أصحهما: المنع.
قال: (وما يستوفى به كثوب وصبي عين للخياطة والارتضاع يجوز إبداله في الأصح) أي: بثوب مثله وصبي في مثل حاله وإن لم يرض الأجير؛ لأنه ليس معقوداً عليه وإنما هو طريق في الاستيفاء، فأشبه الراكب والمتاع المعين للمحمل.
والثاني: لا يجوز كالمستوفى منه وهو الراجح عند العراقيين، وما صححه المصنف وافق فيه (الشرح الصغير).
وأشار بقوله: (إبداله) إلى أنه موجود وأبدل، أما لو مات الصبي أو تلف الثوب .. فالمذهب الانفساخ، وامتناع الصبي من التقام الثدي كالموت.
وقوله: (عين) صوابه عينا؛ فإن إيقاع ضمير المفرد موضع المثنى شاذ.
قال: (ويد المكتري على الدابة والثوب يد أمانة مدة الإجارة)؛ لأنه لا يمكن استيفاء حقه إلا بإثبات اليد على العين، فلا يضمن بلا تعد بالإجماع كالنخلة التي تشتري ثمرتها، بخلاف ظرف المبيع على الأصح فإنه أخذه لمنفعة نفسه، ولا ضرورة في قبض المبيع فيه، فإن حصل تعد .. فسيأتي في كلام المصنف.
تنبيه: يؤخذ من كونها أمانة أنه يلزمه أن يدفع عنها ما يتلفها من حريق وغيره كالمودع، وقد نقل المصنف ذلك في أواخر الباب من (الروضة) عن (فتاوى الغزالي) فقال: لا يلزم المؤجر أن يدفع عن العين المستأجرة الحريق والنهب وغيرهما، وإنما عليه

وَكَذَا بَعْدَهَا فِي الأَصَحِّ،  تسليم العين ورد الأجرة إن تعذر الاستيفاء، وأما المستأجر، فإذا قدر على ذلك من غير خطر .. لزمه كالمودع.
قال: (وكذا بعدها في الأصح) كما قبل انقضاء المدة؛ استصحاباً لما كان كالمودع، وبهذا قال أبو حنيفة.
والثاني- وبه قال مالك-: يضمن كالمستعير.
وبنى الرافعي الوجهين على أنه هل يلزم المستأجر الرد ومؤنته؟ وفيه وجهان: أقربهما إلى كلام الشافعي: أنه يلزمه الرد ومؤنته إن لم يكن عذر وإن لم يطالب المالك، وفي هذا البناء نظر؛ لاختلاف التصحيح.
قال الشيخ: والحق أنها بمجرد انقضاء مدة الإجارة تصير أمانة شرعية كالثوب تطيره الريح إلى داره، وأولى بالأمانة؛ لأن الثوب لم يتقدم من المالك إذن فيه، وهذا تقدم من المالك ائتمان فيه، فإن تلف عقب انقضاء مدة الإجارة من غير تمكن من الرد ولا إعلام .. فلا ضمان قطعاً، وكذا إذا أمسكها لعذر مانع من الرد فتلفت .. فلا ضمان عليه في الرد، ولا أجرة في المنفعة بعد المدة، فإن طالبه المالك بها فامتنع .. كان ضامناً قطعاً كالغاصب.
هذا كله إذا لم يجر شرط الرد، فإن شرطه .. لزمه الرد بلا خلاف.
فرع: قال المزني في (المثور): لو استأجر لخياطة ثوب فخاط بعضه واحترق

وَلَوْ رَبَطَ دَابَّةً اكْتَرَاهَا لِحَمْلٍ أَوْ رُكُوبٍ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا .. لَمْ يَضْمَنْ إِلاَّ إّذَا انْهَدَمَ عَلَيْهَا إِصْطَبْلٌ فِي وَقْتٍ لَوِ انتُفَعَ بِهَا لَمْ يُصِبْهَا الْهَدْمُ.
الثوب .. استحق الأجرة لما عمل، ثم إن قلنا: ينفسخ العقد بتلفه .. استحق أجرة المثل، وإلا .. قسطه من المسمى.
ولو استأجره لحمل حب إلى موضع فزلق في الطريق وانكسر الحب .. لم يستحق شيئاً من الأجرة، وفرق بأن الخياطة تظهر على الثوب فيقع العمل مسلماً بظهور أثره، والحمل لا يظهر على الحب، وهذا يدل على أنه جعل الخياطة كالعين، وعلى أن صورة المسألة إذا كان العمل في دار المستأجر أو بحضرته، وإلا .. أشكل جعله مسلماً.
قال: (ولو ربط دابة اكتراها لحمل أو ركوب ولم ينتفع بها .. لم يضمن)؛ لأنها في يده أمانة إذا ماتت في المدة .. فقطعاً، وكذا بعدها على الأصح.
وقوله: (ولم ينتفع بها) تبع فيه (المحرر)، والظاهر أنه لا يختص بذلك، وأنها لو ماتت في أثناء مدة الانتفاع .. كان الحكم كذلك.
قال: (إلا إذا انهدم عليها اصطبل في وقت لو انتفع بها لم يصبها الهدم) أي: والعادة جارية بالانتفاع فيه وعدم الربط، فإن انهدم في وقت جرت العادة بوضعها فيه كالليل في الشتاء .. لم يضمن.
و (الإصطبل) عجمي معرب.
قال الشيخ: ومسألة الكتاب لم أرها إلا للقاضي حسين، وتبعه الإمام والرافعي، وللنظر فيه مجال، والمتجه: أن هذا الضمان ضمان يد لا ضمان جناية، والمراد به ضمان القيمة، أما ضمان الأجرة واستقرار المنافع .. فليس مراداً هنا.

وَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِ أَجِيرٍ بِلاَ تَعَدٍّ كَثَوْبٍ اسْتُوْجِرَ لِخِيَاطَتِهِ أَوْ صَبْغِهِ .. لَمْ يَضْمَنْ إِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِالْيَدِ، بِأَنْ قَعَدَ الْمُسْتَاجِرُ مَعَهُ أَوْ أَحْضَرَهُ مَنْزِلَهُ، وكَذَا إِنِ انْفَرَدَ فِي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ،  قال: (ولو تلف المال في يد أجير بلا تعب كثوب استؤجر لخياطته أو صبغه .. لم يضمن إن لم ينفرد باليد، بأن قعد المستأجر معه أو أحضره منزله)؛ لأن المال غير مسلم إليه حقيقة وإنما استعان المالك به في شغله كالوكيل، وكذلك لو حمله المتاع ومشى خلفه.
وقضية إطلاق المصنف: أنه لا فرق بين تلفه قبل العمل أو بعده وهو كذلك، وقال الفارقي: إن تلف قبل العمل .. لم يضمن بلا خلاف، هذا الذي قطع به الجمهور، وقيل: يطرد الخلاف، وقيل: يضمن إن تلف بفعله، وإلا .. فلا، ويستحق في هذه الحالة أجرة ما عمل.
وضبط المصنف (الصبغ) بفتح الصاد وهو الصواب كالقصر والطحن.
واحترز بقوله: (بلا تعد) عما إذا تعدى .. فإنه يضمن لا محالة، كما لو أسرف الخباز في الوقود أو تركه في النار حتى احترق .. فإنه يضمن قطعاً.
وعبارة المصنف ومن وافقه تفهم مشاركته للمالك في البلد، وكلام الأصحاب يقتضي أن العين في هذه الحالة في يد مالكها ولا يد للأجير عليها.
قال: (وكذا إن انفرد في أظهر الأقوال) كعامل القراض .. فإنه لا يضمن إجماعاً، وبهذا قال أحمد والمزني؛ لأنه لم يأخذه لغرضه خاصة.
وقال الربيع: الذي كان يعتقده الشافعي أن لا ضمان على الأجير، وأن القاضي يقضي بعمله، ولكن كان لا يبوح به خيفة قضاة السوء والأجراء السواء.
والثاني: يضمن، وبه قال مالك؛ لأنه أخذه لمصلحة نفسه وصار كالمستعير والمستام وقال صلى الله عليه وسلم: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه الأربعة والحاكم [2/ 55] من رواية الحسن عن سمرة، وأعله ابن حزم

وَالثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْمُشْتَرِكُ- وَهُوَ مَنِ الْتَزَمَ عَمَلاً فِي ذِمَّتِهِ- لاَ الْمُنْفَرِدُ، وَهُوَ: مَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً لِعَمَلٍ.
بذلك، لكن صححه الترمذي والحاكم.
والمراد بـ (انفراد باليد): أن ينتفي ما يكون قبله، ثم ينقسم بعد ذلك إلى مشترك ومنفرد بتفسير آخر.
قال: (والثالث: يضمن المشترك- وهو من التزم عملاً في ذمته- لا المنفرد، وهو: من أجر نفسه مدة معينة لعمل) فالخياط والصائغ ونحوهما مشتركون بين الناس، فإذا التزم لشخص .. أمكن أن يلتزم لغيره مثله وكأنه مشترك بين الناس، بخلاف من أجر نفسه .. فإنه ليس له بعد ذلك أن يؤجرها، وهذا التفسير هو المجزوم به في (الشرح الصغير) أيضاً، والمرجح في (الكبير) و (الروضة)، وقوم فسروا المشترك بالمشارك في الرأي، فيقال له: اعمل حيث شئت.
و (المنفرد): من عين له العمل وموضعه فلا يضمن قطعاً.
فروع: لا فرق في التلف بين أن يقع بآفة أو بفعل الأجير أو إتلاف أجنبي.
وحيث ضمناه .. اعتبرت قيمته يوم إتلافه على الأصح، ولا تقوم الصنعة لا له ولا عليه، قاله الدارمي.
وجميع ما تقدم إذا لم يتعد، فإن تعدى .. ضمن، وإذا اختلف المستأجر والأجير المشترك في رد العين .. فعلى قول الضمان: القول قول المستأجر قطعاً، وعلى قول الأمانة: فيه وجهان كالوكيل.
وإذا خاط الأجير الثوب في دكانه أو بيت نفسه .. فله حبسه لقبض الأجرة، وإن خاطه في دار المستأجر أو بحضرته .. لم يكن له ذلك.

وَلَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إِلَى قَصَّارٍ لِيَقْصُرَهُ، أَوْ خَيَّاطٍ لِيَخِيطَهُ فَفَعَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ أُجْرَةً .. فَلاَ أُجْرَةَ [لَهُ]، وَقِيلَ: لَهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذلِكَ الْعَمَل .. فَلَهُ، وَإِلاَّ .. فَلاَ، وَقَدْ يُسْتَحْسَنُ.
غريبة: الأجير لحفظ الدكان إذا كان أخذ ما فيه .. لا ضمان عليه؛ لأنه لا يريد له على المال قاله، الماوردي.
ومنه يعلم أن الخفراء لا ضمان عليهم، وهي مسألة عزيزة النقل.
قال: (ولو دفع ثوباً إلى قصار ليقصره، أو خياط ليخيطه ففعل ولم يذكر أجرة .. فلا أجرة [له])، لأنه لم يلتزم شيئاً وصار كما لو قال لغيره: أطعمني .. فأطعمه، وكذا لو قال: أسكني دارك شهراً فأسكنه .. لم يستحق عليه أجرة، لكن يستثنى ما لو دخل حماما بغير إذن .. فإن عليه الأجرة، ولا يخرج على الخلاف؛ لاستيفائه المنفعة، بخلاف ما يتلف فإن صاحب المنفعة هو الذي صرفها إلى غيره.
ويستثنى عامل المساقاة إذا عمل ما ليس بواجب عليه بإذن المالك .. فإنه يستحق الأجرة كما جزم به الشيخان هنا.
ولا يستثنى عامل الزكاة، فإن شاء الإمام .. بعثه ثم أعطاه الأجرة، وإن شاء .. سمى له؛ لأن الأجرة ثابتة له بنص القرآن فهي مسماة شرعاً، ذكرها الإمام حين البعث أم لا، وكذلك عامل القسمة بأمر الحاكم.
قال: (وقيل: له) أي: أجرة المثل، وهو قول المزني، فإنه استهلك عمله .. فلزمه ضمانه، وهذا ضعيف؛ لن القصار استهلك عمل نفسه.
قال: (وقيل: إن كان معروفاً بذلك العمل .. فله، وإلا .. فلا، وقد يستحسن) لدلالة العرف وقيامه مقام اللفظ، وصححه ابن عبد السلام، وبه أفتى الروياني،

وَلَوْ تَعَدَّى الْمُسْتَاجِرُ بِأَنْ ضَرَبَ الدَّابَّةَ، أَوْ كَبَحَهَا فَوْقَ الْعَادَةِ، أَوْ أَرْكَبَهَا أَثْقَلَ مِنْهُ، أَوْ أَسْكَنَ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارًا .. ضَمِنَ الْعَيْنَ،  وحكاه في (الحلية) عن الأكثرين.
وليس مراد المصنف بالاستحسان ما تقوله الحنفية، ولكن مراده أنه حسن لموافقة العادة، وينبغي على هذا إن كانت الأجرة معلومة .. يحمل عليها، وإلا .. وجبت أجرة المثل.
وفي وجه رابع لأبي إسحاق: إن سأله المالك العمل .. استحق، وإلا .. فلا؛ لأنه اختار فوات منافعه كما لو ضمن عن غيره بغير إذنه، واختاره ابن القفال في (التقريب).
وفي خامس: عكسه، حكاه الدارمي في (باب الآنية).
وفي سادس- أبداه الإمام في (باب العارية) -: إن كان الدافع أرفع منزلة من المدفوع إليه .. استحق، وإن كان دونه .. لم يستحق، وهو كالخلاف في الثواب في الهبة.
وتجري الأوجه في الدلال والحمال ونحوهما.
واحترز بقوله: (ولم يذكر أجرة) عما إذا قال: مجاناً .. فإنه لا يستحق قطعاً، أو ذكر الأجرة .. فإنه يستحق قطعاً إن كانت صحيحة، وإلا .. فأجرة المثل.
ولو دخل سفينة بغير إن صاحبها وسار إلى الساحل .. لزمه الأجرة إن لم يعلم صاحبها، فإن علم .. قال ابن الرفعة: لا ضمان ولا أجرة، وإن كان بالإذن ولم يجر ذكر الأجرة .. فعلى الأوجه، وحيث لا أجرة .. فالثوب أمانة في يد القصار ونحوه، وإن أوجبناها .. فضمانه كالأجير المشترك.
وتجري الأوجه فيما لو قعد بين يدي حلاق فحلق له رأسه، أو دلاك فدلكه.
قال: (ولو تعدى المستأجر بأن ضرب الدابة، أو كبحها فوق العادة، أو ركبها أثقل منه، أو أسكن حداداً أو قصاراً .. ضمن العين) لتعديه، والمراد أنها تدخل فيه

وَكَذَا لَوِ اكْتَرَى لِحَمْلِ مِئَةِ رِطْلٍ حِنْطَةً فَحَمَلَ مِئَةً شَعِيرًا أَوْ عَكَسَ أَوْ لِعَشْرَةِ أَقْفِزَةِ شَعِيرٍ فَحَمَلَ حِنْطَةٌ  ضمانة، أما الضرب المعتاد .. فله فعله، وكذلك الكبح المعتاد، فإن أفضى المعتاد إلى التلف .. لم يوجب ضماناً، بخلاف ضرب الزوج زوجته فإنه يقتضي الضمان، لأن الإنسان يمكن تأديبه بغير الضرب بخلاف البهيمة.
وقال أبو حنيفة: إذا أفضى الضرب المعتاد إلى الهلاك .. ضمن، فجعله كضرب الزوجة.
و (الكبح): الجذب باللجام لتقف ولا تجري، وهو بالباء الموحدة والحاء المهملة، ويقال: أكبحها رباعي، ويقال: بالميم بدل الباء، ويقال: بالتاء المثناة من فوق بدل الباء.
وأما إذا أركبها أثقل منه .. فقرار الضمان على الثاني إن علم، وإلا .. فعلى الأول.
فرع: ولو تعدى في الأرض المستأجرة لزرع الحنطة فزرع الذرة .. لم يصر ضامناً للأرض غاصباً لها على الأصح في زوائد (الروضة)؛ بل تلزمه أجرة المثل للذرة فيستثنى هذا من إطلاق المصنف، وسيأتي ذكر هذا في آخر مسألة الخياط أيضاً لغرض آخر.
قال: (وكذا لو اكترى لحمل مئة رطل حنطة فحمل مئة شعيراً أو عكس)؛ لأن الحنطة أثقل فيجتمع ثقلها في موضع واحد، والشعير أخف ويأخذ من ظهر الدابة أكثر، وسواء تلفت بذلك السبب أم بغيره؛ لأن يده بعد ذلك يد عدوان.
قال: (أو لعشرة أقفزة شعير فحمل حنطة)؛ لأنها أثقل.
و (القفيز): مكيال يسع اثني عشر صاعاً.

دُونَ عَكْسِهِ.
وَلَوِ اكْتَرَى لِمِئَةٍ فَحَمَلَ مِئَةٍ وَعشَرَةً .. لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزِّيَادَةِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِذَلِكَ .. ضَمِنَهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا مَعَهَا، فَإِنْ كَانَ .. ضَمِنَ قِسْطَ الزِّيَادَةِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفَ الْقِيمَةِ.
وَلَوْ سَلَّمَ الْمِئَةَ وَالْعَشَرَةَ إِلَى الْمُؤَجِّرِ، فَحَمَّلَهَا جَاهِلاً .. ضَمِنَ الْمُكْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ.
قال: (دون عكسه)؛ لأن الشعير أخف ولم يزد حجمه.
قال: (ولو اكترى لمئة فحمل مئة وعشرة .. لزمه أجرة المثل للزيادة) أي: مع المسمى لتعديه بذلك.
والثاني: يلزمه أجرة المثل للجميع.
والثالث: يتخير بين المسمى وما حصل للدابة من نقص وبين أجرة المثل.
والرابع: يتخير بين المسمى وبين أجرة المثل للزيادة وبين أجرة المثل للجميع.
قال: (وإن تلفت بذلك .. ضمنها) أي: ضمان يد (إن لم يكن صاحبها معها)؛ لأنه غاصب بحمل الزيادة.
وقوله: (بذلك) يوهم أنها لو تلفت بغيره .. لم يضمنها، وليس كذلك لما ذكرناه.
قال: (فإن كان) أي: صاحبها معها (.. ضمن قسط الزيادة) مؤاخذة له بقدر الجناية، ويضمنها ضمان جناية؛ لأنها تلفت من مستحق وغيره، ولو تلفت بسبب آخر غير الحمل .. ضمنها؛ لأنه غاصب.
قال: (وفي قول: نصف القيمة) صححه الجويني؛ لأنها تلفت بمضمون وغيره فقسطت القيمة عليهما كما لو جرحه واحدة جراحة وآخر جراحات.
قال: (ولو سلم المئة والعشرة إلى الموجز، فحملها جاهلاً) أي: بالحال بأن قال له: هي مئة فظن صدفه (.. ضمن المكتري على المذهب) كما لو حمله بنفسه؛ لأنه ملجأ إلى الحمل شرعاً فيأتي فيه الخلاف السابق.

وَلَوْ وَزَنَ الْمُؤَجِّرُ وَحَمَلَ .. فَلاَ أُجْرَةَ لِلزِّيَادَةِ، وَلاَ ضَمَانَ إِنْ تَلِفَ.
وَلَوْ أَعْطَاهُ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ فَخَاطَهُ قَبَاءً وَقَالَ: أَمَرْتَني بِقَطْعِهِ قَبَاءً، فَقَالَ: بَلْ قَمِيصًا .. فَالأَظْهَرُ: تَصْدِيقُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ،  والطريق الثاني: أنه على القولين في تعارض الغرور والمباشرة، ولم يصحح الرافعي واحدة من الطريقتين، وصحح المصنف الطريقة الأولى.
واحترز بـ (الجاهل) عن العالم، فإن لم يقل له المستأجر شيئاً .. فحكمه كما سيأتي، سواء وضعه في الأرض فحمله المؤجر، أو وضعه على ظهرها فسيرها المؤجر.
قال: (ولو وزن المؤجر وحمل .. فلا أجرة للزيادة) سواء تعمد ذلك أم جهله؛ لأنه لم يأذن في نقل الزيادة، وله مطالبة المؤجر بردها إلى الموضع المنقول منه، وليس للمؤجر أن يردها دون رضاه، فلو اختلفا في قدر الزيادة أو أصلها .. فالقول قول المنكر.
قال: (ولا ضمان) أي: على المستأجر (إن تلف)؛ لأنه لم يتعد وليست له يد وله مطالبة المؤجر برد الزيادة إلى موضع المنقول منه.
فرع: اكترى اثنان دابة وركباها، فارتدفها ثالث بغير إذنهما فتلفت .. ففيما يلزم المرتدف أوجه: أصحها عند المصنف: ثلثها.
والثاني: نصفها.
والثالث: يقسط على أوزانهم، فيلزمه حصة وزنه، وصححه ابن أبي عصرون والشيخ.
ولو سخر رجلاً على بهيمة فتلفت البهيمة في يده .. لا يضمنها؛ لأنها في يد صاحبها.
قال: (ولو أعطاه ثوباً ليخيطه فخاطه قباء وقال: أمرتني بقطعة قباء، فقال: بل قميصاً .. فالأظهر: تصديق المالك بيمينه) ومثله لو صبغه أسود فقال: إنما أمرتك بصبغة أحمر.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وللأصحاب في مسألة الخياط والصبغ ستة طرق أصحها عند الرافعي والمصنف: تصديق المالك؛ لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن .. كان القول قوله فكذا في صفته، ولأن الخياط معترف بأنه أحدث في الثوب نقصاً وادعى أنه مأذون له فيه والأصل عدمه.
ويقابل الأظهر تصديق الأجير؛ لأنهما اتفقا على إذنه في القطع، والظاهر أنه لا يتجاوز إذنه والأصل براءة ذمته.
وقيل: يقضى عليهما بالتحالف؛ لأنهما اتفقا على أصل العقد واختلفا في صفته، فالخياط يدعي الأجرة وينفي الضمان، والمالك يدعي الضمان وينفي الأجرة، ولأنهما لو اختلفا كذلك والثوب قائم .. لتحالفا، فكذا بعد قطعه.
والطريق الرابع: قولان.
والخامس: ثلاثة أقوال.
والسادس: إن جرى بينهما عقد .. تحالفا، وإلا .. فالخياط؛ لأنه يدعي الأجرة.
وإنما النزاع في الأرش، ولذلك كانت المسألة مصورة بما إذا جرى بينهما عقد أو لم يجر عقد ولكن فرعنا على إيجاب الأجرة.
قال في (المهمات): تصديق المالك مذهب أبي حنيفة والمزني، وتصديق الأجير مذهب ابن أبي ليلى ومالك وأحمد، والقول بالتحالف مذهب الشافعي المنصوص، وهو الصحيح نقلاً واستدلالاً، وعليه أكثر الأصحاب وهو الصواب.
وعلى هذا: إذا حلف أحدهما ونكل الآخر .. قضينا على مقتضى يمين الحالف، ولا خلاف أن المتآجرين إذا اختلفا في الأجرة أو المدة أو في قدر المنفعة أو في قدر المستأجر بأن قال: أكريتك هذا البيت، فقال: هذين البيتين .. يتحالفان، فإذا تحالفا .. فسخ العقد ووجبت أجرة المثل لما استوفاه.
و (البقاء) فارسي معرب، وقيل: عربي مشتق من القبو وهو: الضم.

وَلاَ أُجْرَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْخَيَّاطِ أَرْشُ النَّقْضِ  قال: (ولا أجرة عليه) أي: بعد حلفه؛ لأن التحالف يرفع العقد وحينئذ يصير العمل غير مأذون فيه.
قال: (وعلى الخياط أرش النقص)؛ لأن القطع موجب للضمان إلا أن يعارضه الإذن، وفي الأرض الواجب وجهان: أحدهما: ما بين قيمه صحيحاً ومقطوعاً؛ لأنه أثبت بيمينه أنه لم يأذن في القطع، وصححه ابن أبي عصرون.
والثاني: ما بين قيمته مقطوعاً قميصاً ومقطوعاً قباء؛ لأن أصل القطع مأذون فيه، قال الشيخ: وهذا المختار ولا يتجه غيره، وعلى هذا: لو لم يكن بينهما تفاوت أو كان مقطوعاً قباء أكثر قيمة .. فلا شيء عليه.
ويبدأ بالمالك في التحالف؛ لأنه في رتبة البائع، ويجمع كل منهما في حلفه بين النفي والإثبات.
فرع: قال للخياط: إن كان هذا الثوب يكفيني قميصا فاقطعه فقطع فلم يكف .. ضمن الأرش، وإن قال: هل يكفيني قميصا؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه فقطعه فلم يكف .. لم يضمن.
فرع: أتى الخياط بتوب فقال: هذا ثوبك فقال: بل غيره .. قال البندنيجي: القول قول الأجير، وكذا الحكم في كل الأجراء، فإذا حلف .. فقد اعترف بثوب وهو لا يدعيه.

فَصْلٌ: لاَ تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ بِعُذْرٍ، كَتَعَذُّرِ وَقُودِ حَمَّامٍ  تتمة: سلم ثوباً إلى قصار ليقصره فجحده ثم أتى به مقصوراً .. استحق الأجرة إن قصره ثم جحده، وإن جحده ثم قصره .. فوجهان؛ لأنه عمل لنفسه، قال: المصنف ينبغي أن يكون أصحهما الفرق بين أن يقصد بعمله نفسه فلا أجرة له، أو يقصد عمله عن الإجارة الواجبة فيستحق الأجرة.
والأصح: أنه يستحق لصحة العقد في الابتداء وحصول غرض المستأجر، كذا صححه الرافعي والمصنف في (كتاب الحج)، وهذه المسألة التي امتحن بها أبو حنيفة أبا يوسف لما انفرد عنه فأطلق الجواب فقال أبو حنيفة: الصواب التفصيل، ثم قال: يا أبا يوسف زببت قبل أن تحصرم.
قال: (

فصل

: لا تنفسخ الإجارة بعذر) سواء كان من المؤجر أو المستأجر، وسواء في ذلك إجارة العين والذمة، ولا يثبت به فسخ أيضاً وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: أنه لا خلل في المعقود عليه.
قال: (كتعذر وقود حمام) هو بفتح الواو وهو: الشيء الذي يوقد قال الله تعالى: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾.
هذا إذا استأجره لإدارته حماما؛ لأن التعطيل ليس لأمر يرجع إلى الحمام بل لأمر خارج.
نعم؛ في (البحر): أن عدم دخول الناس الحمام المستأجر بسبب فتنة حادثة أو خراب الناحية عيب، قال: ولا كذلك الحانوت والدار فإنهما يستأجران للسكنى، وهي ممكنة على كل حال.

وَسَفَرٍ، وَمَرَضِ مُسْتاجِرِ دَابَّةٍ لِسَفَرٍ.
ولا تجوز إجارة الحمام بشرط أن تكون مدة العطلة بسبب العمارة ونحوها محسوبة على المستأجر ولا على المؤجر.
ووقع في (الفتاوى): أن رجلا اكترى مركباً من عادة الناس التفرج فيها في النهر، فمنع أمير البلد التفرج .. فأجيب: لا تنفسخ الإجارة بذلك.
ورجل استأجر حانوتاً خارج البلد، فنزل العسكر على البلد وأغلق الباب وتعذر انتفاع المستأجر بالحانوت، وحيل بينه وبينه وأخذت أبوابه .. فأجاب ابن عبد السلام بأن عليه الأجرة إلى أن يفسخ، وأجاب ابن الصلاح بأنه لا تلزمه أجرة في أيام العطلة، وهو مشكل.
قال: (وسفر) أي: إذا استأجر دابة ليسافر عليها ولا يتمكن من السفر إلا مع السفر، وهم المسافرون، كصاحب وصحب، وراكب وركب، وشارب وشرب، فتعذر خروجهم في ذلك الوقت.
قال: (ومرض مستأجر دابة لسفر) كل ذلك لا يقتضي الفسخ، وكذلك إذا مرض مؤجرها وتعذر خروجه معها.
فإن قيل: المنفعة المعقود عليها تعذرت .. فالجواب أن تعذرها لمعنى خارج عن المعقود عليه لا يؤثر في العقد، وهذا في غير التعذر الشرعي كما تقدم فيما لو استأجره لقلع سن وجعه فزال الألم .. فذلك ينفسخ عند الأكثرين.
ويستثنى ما لو أجر أحد الشريكين نصيبه من الدار وقلنا: لا يجبر الشريك على المهايأة .. فله أن يفسخ الإجارة كما أفتى به القفال.
فرع: إفلاس المستأجر قبل تسليم الأجرة ومضي المدة يوجب للأجير الفسخ كذا أطلقه الرافعي في (باب التلفيس)، وأفتى ابن الصلاح بأن الإجارة لا تنفسخ بالإفلاس إذا

وَلَوِ اسْتَاجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَزَرَعَ فَهَلَكَ الزَّرْعُ بِجَائِجَةٍ .. فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ وَلاَ حَطُّ شَيْء مِنَ الأُجْرَةِ.
وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ وَالأَجِيرِ الْمُعَيَّنَيْنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لاَ الْمَاضِي فِي الأَظْهرِ، فَيَسْتَقِرُّ قِسْطُهُ مِنَ الْمُسَمَّى.
كانت الأجرة تستحق آخر كل شهر؛ لأن الأجرة قبل انقضاء الشهر لم تستحق وبعده فاتت المنفعة، وهكذا العمل في كل شهر، وحينئذ فلا يتصور فيها الفسخ، وإنما يتصور إذا كانت الإجارة كلها حالة.
قال: (ولو استأجر أرضاً للزراعة فزرع فهلك الزرع بجائحة .. فلي له الفسخ ولا حط شيء من الأجرة)؛ لأن الجائحة لحقت زرع المستأجر لا منفعة الأرض، فصار كما لو أكراه دكانا ليبيع البز فسرق منها بز أو احترق .. فإن الإجارة لا تنفسخ، اللهم إلا أن تفسد الأرض أو تبطل قوتها بتلك الجائحة في مدة الإجارة .. فإنها تنفسخ في المدة الباقية، ثم إن كان فساد الأرض بعد فساد الزرع فهل يسترد شيئاً من الأجرة؟ فيه احتمالان للإمام.
قال: (وتنفسخ بموت الدابة والجير المعينين في المستقبل) لفوات المنفعة المعقود عليها كما ينفسخ البيع بتلف المبيع قبل القبض.
قال: (لا الماضي في الأظهر)؛ لأنه استقر بالقبض.
والثاني: تنفسخ فيه أيضاً؛ لأن العقد واحد وقد انفسخ في جميع المدة.
وتعبيره بـ (الأظهر) يقتضي ترجيح طريقة القولين، والأصح: طريقة القطع بالمنع، ثم إن المصنف فرع على الأول.
قال: (فيستقر قسطه من المسمى) بأن يقوم المنفعة في المدتين الماضية والباقية، ويوزع المسمى على نسبة القيمة فيهما، كما يوزع الثمن على نسبة الأعيان إذا تلف بعضها قبل القبض.
ثم الاعتبار بتقويم المنفعة حالة العقد لا بما بعده كما صرح به القاضي حسين.

وَلاَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ  قال: (ولا تنفسخ بموت المتعاقدين) إذا كانت إجارة ذمة؛ لأنها عقد لازم كالبيع، وعلم منه أنها لا تنفسخ بموت أحدهما من باب أولى، وقال أبو حنيفة: تنفسخ.
لنا: القياس على البيع، وعلى ما لو زوج أمته ثم مات، وإنما انفسخت بموت الأجير المعين؛ لأنه مورد العقد، فإذا مات المستأجر .. استوفى وارثه المنفعة أو الأجر وتركت العين عند المستأجر إلى انقضاء المدة.
وأصل الخلاف بين الإمامين: أن الشافعي يرى أن المستأجر ملك جميع المنفعة بالعقد فتحدث على ملكه، وأبو حنيفة يرى أنها تحدث على ملك المؤجر شيئاً فشيئاً ثم تنتقل إلى المستأجر فلذلك قال بالانفساخ وتستثنى صور: إحداها: الأجير المعين كما تقدم.
الثانية: ما إذا أوصى بدار لزيد مدة عمر زيد وقبل الوصية وأجرها زيد ثم مات في أثناء المدة .. فإن الإجارة تنفسخ؛ لانتهاء حقه بموته، وإن كان الرافعي قد جزم في (باب الوصية) بأن الموصى له لا يؤجره.
الثالثة: الموقوف عليه إذا أجر بطريق النظر المشروط له فيما يتعلق به.
الرابعة: المقطع إذا أجر كما تقدم.
الخامسة: إذا استأجر من أبيه وأقبضه الأجرة ثم مات الأب والابن حائز .. فيسقط حكم الإجارة، فإن كان على أبيه دين .. ضارب مع الغرماء، وإن كان معه ابن آخر .. انفسخت الإجارة في حصة المستأجر ورجع نصف الأجرة في تركة أبيه.
السادسة: لو أجر عبده المعلق عتقه بصفة فوجدت مع موته أو أم ولده .. فالأصح انفساخها بموته خلافاً لما اقتضاه كلام الرافعي في (باب الوقف).

وَمْتَوَلِّي الْوَقْفِ.
وَلَوْ أَجَّرَ الْبَطْنَ الأَوَّلَ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِهَا، أَوِ الْوَلِيُّ صَبِيّاً مُدَّةً لاَ يَبْلُغُ فِيهَا بِالسِّنِّ فَبَلَغَ بِالاِحْتِلاَمِ .. فَالأَصَحُّ: انْفِسَاخُهَا فِي الْوَقْفِ  فرع: استأجر داراً أو حانوتاً بأجرة معينة ومات وعليه أجرة .. أخذت من تركته، فإن كان غرماء .. ضارب معهم المالك ولم يقدم على غيره.
قال: (ومتولي الوقف) فلا تنفسخ بموته سواء فيه الحاكم ومنصوبه والمشروط له فيه النظر مطلقاً، وكذلك الواقف إذا قلنا: له النظر؛ لأنه ناظر للجميع فلا يختص تصرفه ببعض الموقوف عليهم.
وقيل: تنفسخ، قال الرافعي: وهو كالخلاف فيما إذا أجر الولي الصبي فبلغ في المدة بالاحتلام، وقال الشيخ: ليس مثله؛ لأنه لا نظر للولي على الصبي بعد الاحتلام، وأما ناظر الوقف .. فنظره على جميع البطون، ثم محل هذا الوجه الذي حكى- على بعده- في غير الحاكم أو أمينه أو الواقف حيث كان له النظر.
قال: (ولو أجر البطن الأول مدة ومات قبل تمامها، أو الولي صبياً مدة لا يبلغ فيها بالسن فبلغ بالاحتلام) أي: رشيداً؛ لأنه إذا بلغ سفيها استمرت على الوجهين.
واحترز بقوله (لا يبلغ فيها بالسن) عما إذا كان ابن عشر سنين فأجره سبع سنين؛ فإنه يبطل في الزائد عند الجمهور.
قال: (.. فالأصح: انفساخها في الوقف)؛ لأن المنافع بعد موته لغيره ولا ولاية له عليه ولا نيابة عنه.
والثاني: لا تنفسخ كما لو أجر ملكه ومات وإن لم يملك المنافع بعد موته، وصحح هذا صاحبا (الحاوي) و (المهذب)، قال الروياني: وهو القياس، والخلاف مبني على أن البطن الثاني يتلقون من الواقف أو من البطن الأول، والأصح: الأول وبه يظهر ترجيح الانفساخ.

لاَ الصَّبِيِّ،  وقد استشكلت صورة الوقف؛ لأن البطن الأول إن شرط له النظر .. فهو متول وقد سبق أنه لا تنفسخ بموته، وإلا .. فلا نظر له إلا على قول ضعيف، وصورها ابن الصباغ وسليم وصاحب (الاستقصاء) بأن يكون شرط النظر لكل بطن في حصته فلا يتعلق بما بعده، لكنه يصير كولي الصبي فيلغو الفرق.
واختار الشيخ أنه تنفسخ إذا أجر بحكم الملك، أو شرط النظر له في حصته فقط، فإن أطلق النظر للموقوف عليه واقتضى الحال نظر كل في زمنه .. لم تنفسخ؛ لأنها صحت بنظر شامل فلا تبطل بنظر ثان.
فرع: للموقوف عليه إذا كان ناظراً أن يؤجر بدون أجرة المثل، فإذا مات حينئذ .. قال ابن الرفعة: يظهر الجزم بالانفساخ.
قال: (لا الصبي)؛ لأنه كان وليا حين تصرفه، ومبنى تصرفه على المصلحة فيلزم كما لو باع له شيئاً أو اشترى.
والثاني: تنفسخ لخروج الزائد عن ولايته، وصححه ابن أبي عصرون، والذي صححه المصنف في الصبي تابع فيه (المحرر)، ونقل في (الشرحين) و (الروضة) ترجيح كل منهما عن جماعة، وقال في زوائده: إن الرافعي صحح الانفساخ في (المحرر) وهو سبق قلم.
ولا فرق في جريان الوجهين عند الجمهور بين أن يؤجر الصبي أو شيئاً من ماله، وقيل: تستمر في ماله ولا تستمر في نفسه، وإذا لم تنفسخ فلا خيار للصبي في الأصح.

وَأَنَّهَا تَنْفَسِخُ بِانْهِدَامِ الدَّارِ، لاَ انْقِطَاعِ مَاءِ أَرْضٍ اسْتُؤْجِرَتْ لِزِرَاعَةٍ، بَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ.
تنبيهان: أحدهما: عبارته تفهم أنه تجوز إجارة الطفل من الولي أبا كان أو جدًا أو وصيًا أو قيمًا وهو المذهب، وفيه وجه حكاه الإمام؛ لما فيه من الإذلال، وكذلك تجوز إجارة ماله لكن لا تجاوز مدة البلوغ، فإن مات الصبي في أثناء المدة .. بطلت الإجارة في نفسه دون ماله، قاله البندنيجي.
الثاني: عبر المصنف- كالجمهور- بـ (الانفساخ) وعدمه، واستبعدها جماعة؛ لأن الانفساخ يشعر بسبق الانعقاد وقالوا: الخلاف أنا هل نتبين البطلان لظهور تصرفه في غير ملكه أو لا؟ وللشيخ في ذلك بحث نفسي، وإذا عبرنا بالانفساخ .. كان من التفريق في الدوام، وإن عبرنا بالبطلان .. فمن التفريق في الابتداء.
قال: (وأنها تنفسخ بانهدام الدار)؛ لزوال الاسم وفوات النفعة.
قال: (لا انقطاع ماء أرض استؤجرت لزراعة)؛ لبقاء اسم الأرض مع إمكان زراعتها بغير الماء المنقطع.
قال: (بل يثبت الخيار) للعيب وهو على التراخي كما صرح به الماوردي؛ لأن سببه تعذر قبض المنفعة، وذلك يتكرر بتكرر الزمان، وصحح صاحب (الاستقصاء) ثبوت الخيار في هذه الحالة.
وفي عطف المسألة على ما قبلها نظر، بل الصواب التعبير فيها بالمذهب أو الأظهر؛ لأن الشافعي نصر على أن انهدام الدار يقتضي الانفساخ، ونص على أنه إذا استأجر أرضاً للزراعة وله ما معتاد فانقطع .. أن له الفسخ، فمن الأصحاب من قرر النصين، والأصح قولان فيهما: أحدهما: الانفساخ لفوات المقصود.

وَغَصْبُ الدَّابَّةِ وَإِبَاقُ الْعَبْدِ يُثْبِتُ الخِيَارَ  والثاني: المنع لما تقدم.
واحترز بـ (الانقطاع) عما لو غرقت الأرض بماء نبع فيها أو سيل .. فإنه كانهدام الدار كما صرح به الرافعي هنا، وكلامه في (باب المبيع قبل القبض) يخالفه.
وموضع ثبوت الخيار إذا لم يبادر بسوق الماء إليها، فإن فعل .. سقط الخيار، أما مجرد الوعد بأنه يسوق الماء .. فينبغي أن لا يكتفي به كما صرح به الماوردي.
وأما لو تشعثت الدار ولم تنهدم .. فإنها لا تنفسخ، بل يثبت الخيار على التراخي كما تقدم التنبيه عليه عند قول المصنف: (ويثبت الخيار بعيبها).
فرع: لو انهدم بيت من الدار .. انفسخ العقد فيه، وفي الباقي قولان، فإن قلنا: لا ينفسخ .. ثبت الخيار، وتعطل الرحى لانقطاع الماء والحمام لخلل في الأبنية أو لنقص الماء في البئر ونحوه كانهدام الدار، وكذا لو استأجر قناة فانقطع ماؤها، فلو نقص .. يثبت الخيار ولم تنفسخ.
قال: (وغصب الدابة وإباق العبد يثبت الخيار)؛ لتعذر الاستيفاء فتنفسخ فيما بقي، وفيما مضى الخلاف.
هذا إذا كانت الإجارة على العين، فإن كانت على الذمة .. فلا، بل على المؤجر الإبدال، فإن امتنع .. استؤجر عليه، فإن بادر المؤجر إلى خلاصها قبل مضي مدة لمثلها أجرة .. سقط الخيار.
ومحله أيضاً إذا لم يكن بتفريط من المستأجر، فإن فرط .. لزمه المسمى، كما لو فرط في الرقبة .. فإنه يضمنها.

وَلَوْ أَكْرَى جِمَالاً وَهَرَبَ وَتَرَكَهَا عِنْدَ الْمُكْتَرِي .. رَاجَعَ الْقَاضِيَ لِيَمُونَهَا مِنْ مَالِ الْجَمَّالِ،  مهمة: مسألة (المحرر) و (المنهاج) إذا غصب العين من غير مضي المدة، أما إذا انقضت المدة .. فالذي نص عليه الشافعي والأصحاب فيها انفساخ الإجارة، وجزم في (تحرير التنبيه) بعدم الانفساخ، ثم المالك يخاصم الغاصب بحق الملك، وهل للمستأجر المخاصمة؟ فيه وجهان: الأصح: لا؛ لعدم ملك العين فأشبه المودع والمستعير والمرتهن، وجزم الرافعي في (كتاب الحج) بأن للمودع أن يخاصم، وجزم في آخر (الدعاوى) بأن للمرتهن أن يخاصم.
كل هذا إذا غصبه أجنبي، فإن غصبه المالك فطريقان: أحدهما: كغصب الأجنبي.
والثاني: تنفسخ قطعاً، وإن كانت الغاصب المستأجر، ويتصور بأن يأخذ العين من الآجر من غير إذنه قبل إقباض الأجرة، والحكم فيه استقرار الأجرة.
فرع: أجر عيناً ثم أقر بها .. فالأصح قبوله في العين دون المنفعة.
والثاني: يقبل فيهما ويبطل حق المستأجر وحكي عن نصه في (عيون المسائل).
والثالث: عكسه.
والرابع: إن كانت في يد المستأجر .. فلا تزال يده إلى انقضاء المدة، وإن كانت في يد المقر له .. لم تنزع.
قال: (ولو أكرى جمالاً) أي: بعينها أو في الذمة وسلمها.
قال: (وهرب وتركها عند المكتري .. راجع القاضي ليمونها من مال الجمال)، وكذلك مؤنة من يحفظها ويخدمها كما صرح به الماوردي.

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالاً .. اقْتَرَضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَثِقَ بِالْمُكْتَرِي .. دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِلاَّ .. جَعَلَهُ عِنْدَ ثِقَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا قَدْرَ النَّفَقَةِ، وَلَوْ أَذِنَ لِلْمُكْتَرِي فِي الإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ .. جَازَ فِي الأَظْهَرِ.
قال: (فإن لم يجد له مالاً .. اقترض عليه)؛ لأن ذلك الممكن، ولأن الحاكم هو الناظر في أموال الغائبين وقد تعين ذلك طريقاً.
والاقتراض إما من بيت المال، وإما من المكتري، أو من غيره، وهذا إذا لم يتبرع المكتري بالإنفاق، ويستوفي المكتري حقه من الجمال بمقتضى العقد.
واحترز بقوله: (تركها) عما لو أخذها معه، فإن كانت إجارة عين .. فله الفسخ، وإن كانت إجارة ذمة .. اكترى الحاكم عليه من ماله، فإن لم يكن .. اقترض عليه، فإن تعذر .. فله الفسخ.
قال: (فإن وثق) أي: القاضي (بالمكتري .. دفعه إليه) سواء اقترضه منه أم من غيره.
قال: (وإلا) أي: إن لم يثق به (.. جعله عند ثقة) لتعين ذلك طريقاً، هذا إذا لم يكن فيها فضل، فإن كان.
بيع قبل القرض.
قال: (وله) أي: للقاضي (أن يبيع منها قدر النفقة)؛ للاحتياج إلى ذلك، ولا يخرج على الخلاف في بيع المستأجرة؛ لأنه محل ضرورة، قال الفوراني: ولا يجوز بيع جميعها خشية أن تؤكل أثمانها، وضعفه مجلي.
قال: (ولو أذن للمكتري في الإنفاق من ماله ليرجع .. جاز في الأظهر)؛ لأنه محل ضرورة كما لو استقرض منه وفدع إليه، ولأن الحاكم قد لا يجد غيره.
والثاني: المنع؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون القول قوله فيما يستحقه على غيره، بل يؤخذ المال منه ويدفع إلى أمين.
فعلى الأولى لو اختلفا في قدر ما أنفق .. فالصحيح أن القول قول المنفق إذا ادعى نفقة معتادة.
وعلى الأظهر: لو قدر له نفقة معتادة .. لم يزد عليها، فإن زاد .. كان متبرعاً بالزائد.

وَمَتَى قَبَضَ المُكْتَرِي الدَّارَ أَوِ الدَّابَّةَ وَأَمْسَكَهَا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارَةِ .. اسْتَقَرَّتِ الأُجْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ، وَكَذَا لَوِ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَقَبَضَهِا وَمَضَتْ مُدَّةُ إِمْكَانِ السَّيْرِ إِلَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ إِجَارَةُ الْعَيْنِ أَوِ الذِّمَّةِ إِذَا سَلَّمَ الدَّابَّةَ الْمَوْصُوفَةَ.
ولو أنفق المكتري بغير إذن الحاكم مع إمكانه .. لم يرجع، وإن لم يكن حاكم فأنفق وأشهد وشرط الرجوع .. رجع على الأصح.
قال: (ومتى قبض المكتري الدار أو الدابة وأمسكها حتى مضت مدة الإجارة .. استقرت الأجرة وإن لم ينتفع) سواء كانت إجارة عين أم ذمة؛ لأن المعقود عليه تلف تحت يد متملكه فلزمه بدله كالمبيع إذا تلف في يد المشتري، وهذا لا خلاف فيه كما قاله الإصطخري في (أدب القضاء).
وليس له الانتفاع بعد المدة، فإن فعل .. لزمه أجرة المثل مع المسمى.
وعبارة المصنف تفهم أنه لو عرضها عليه فامتنع ومضى زمان يمكن فهي الاستيفاء .. أن الأجرة لا تتقرر وليس كذلك، بل الحكم كذلك عندنا كما صرح به في (البحر) خلافاً لأبي حنيفة، وحاول ابن الرفعة تخريج وجه فيما إذا وضع البائع المبيع بين يدي المشتري .. أنه لا يكون إقباضا.
وسكت المصنف عما لو اكترى حراً وسلمه نفسه ولم يستعمله حتى مضت المدة، والذي عليه الأكثرون استقرار الأجرة بذلك خلافا للقفال.
قال: (وكذا لو اكترى دابة لركوب إلى موضع وقبضها ومضت مدة إمكان السير إليه)؛ لتمكنه من الانتفاع، وهذه الصورة في الإجارة المقدرة بالعمل، والتي قبلها في المقدرة بالمدة، لكن يرد عليها العرض كالتي قبلها.
قال: (وسواء فيه إجارة العين أو الذمة إذا سلم الدابة الموصوفة) لتعين حقه بالتسليم وحصول التمكين.
وقوله: (فيه) أراد في المسألتين المتقدمتين المقدرة بمدة والمقدرة بعمل؛ لأن كلاً منهما قد يقع على العين وقد يقع على الذمة والحكم فيهما سواء، لكن يستثنى من

وَتَسْتَقِرُّ فِي الإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِمَا يَستَقِرُّ بِهِ الْمُسَمَّى فِي الصَّحِيحَةِ .....

 تسويته بينهما ما لو شردت الدابة من راكبها فإن نسب إلى تفريط .. ضمنها ولم يرجع بالأجرة، وإلا .. لم يضمنها.
قال الماوردي: ثم إن كانت الإجارة مقدرة بمدة ومضت والدابة شاردة .. بطلت سواء كانت معينة أو في الذمة، وإن كانت مقدرة بمسافة .. لم تبطل الإجارة؛ لبقاء المعقود عليه وإن تأخر قبضه، وللراكب الخيار بين المقدم والفسخ.
ويستثنى من إطلاقه إذا كان الامتناع لعذر في الدابة كمرضها أو لخوف في الطريق .. فلا أجرة على المستأجر؛ لأنه ممنوع من استيفاء حقه بنفسه وبغيره فافترقت إجارة العين والذمة في ذلك.
وقوله: (إذا سلم) متعلق بالذمة فقط.
قال: (وتستقر في الإجارة الفاسدة أجرة المثل بما يستقر به المسمى في الصحيحة) سواء انتفع أم لا، وسواء كانت أجرة المثل أقل من المسمى أو أكثر؛ لأن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه، لكن يرد على إطلاقه التخلية؛ فإنها كالقبض في الصحيحة دون الفاسدة، بل يترتب الضمان فيها إلا بدخول الدار والقبض الحقيقي، وكذلك لو وضع بين يديه يكفي في الصحيحة دون الفاسدة.
ويستثنى من إيجاب أجرة المثل في الفاسدة: إذا عقد الإمام الذمة مع الكفار على سكنى الحجاز فسكنوا ومضت المدة .. فإنه يجب المسمى لتعذر إيجاب عوض المثل، فإن منفعة دار الإسلام في سنة لا يمكن أن تقابل بأجرة مثلها فتعين إيجاب المسمى، كذا قاله العبادي والهروي وشريح الروياني وغيرهم.
وكذا لو استأجر الإمام العامل بأكثر من أجرة المثل فهل تجب أجرة المثل لفساد الإجارة، أو المسمى والزيادة على الإمام في ماله؟ وجهان: أصحهما في زوائد (الروضة) في (قسم الصدقات): الأول.
واحترز بـ (الفاسدة) عن الباطلة كما لو استأجر صبي بالغاً فعمل عملاً .. فإنه لا يستحق شيئاً؛ لأنه الذي فوت على نفسه عمله، وتكون الإجارة باطلة لا فاسدة،

وَلَوْ أَكْرى عَيْنًا مُدَّةً وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى مَضَتِ .. انْفَسَخَتْ، وَلَوْ لَمْ يُقَدِّرْ مُدَّةً وَأَجَّرَ لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حتَّى مَضَتْ مُدَّةُ السَّيْرِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهَا لاَ تَنْفَسِخُ.

 وكل عقد باطل يسقط فيه المسمى إلا مسألة واحدة وهي: إذا عقد الإمام الذمة مع الكفار على سكنى الحجاز، وستأتي في بابها.
قال: (ولو أكرى عيناً مدة ولم يسلمها حتى مضت .. انفسخت)؛ لفوات المعقود عليه قبل قبضه، وسواء أمسكها لاستيفاء الأجرة أم لغيره.
وقوله: (مضت) ليس بقيد، بل لو مضى بعضها .. انفسخ فيه، وفي الباقي الخلاف في تلف بعض المبيع قبل القبض، فإن قلنا: لا تنفسخ .. فللمستأجر الخيار ولا يبدل زمان بزمان.
تنبيه: أفهمت عبارة المصنف: أنه لا يجب على المستأجر تسليم العين التي استأجره فيها، وقال الرافعي في الكلام على ما إذا استأجره لخياطة ثوب: قال الإمام: المتجه أنه لا يجب عليه ذلك، لكن تستقر عليه الأجرة إذا سلم الأجير نفسه.
قال ابن الرفعة: وهو ظاهر إذا قلنا: تستقر الأجرة بالتمكين ومضي المدة، وإلا .. فلا.
وذكر الرافعي في (المساقاة): أن من استأجر قصاراً لقصارة ثوب بعينه .. يكلف تسليمه إليه، وذكر في (باب المبيع قبل القبض) أن من استأجر صباغاً ليصبغ له ثوباً وسلمه إليه .. ليس له أن يبيعه ما لم يصبغه.
قال: (ولو لم يقدر مدة وأجر لركوب إلى موضع ولم يسلمها حتى مضت مدة السير .. فالأصح: أنها لا تنفسخ)؛ لأنها متعلقة بالمنفعة لا بالزمان ولم يتعذر استيفاؤها.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل