السَّادِسُ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ.
السَّابِعُ: الْقِيَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ قَدَرَ.
وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التّكْبيرَاتِ وَإِسْرَارُ الْقِرَاءَةِ،
للمؤمنين وذلك واضح، ولم يرد الأركان الثلاثة: القراءة والصلاة والدعاء للميت كما توهمه بعضهم.
قال: (السادس: الدعاء للميت) أي: بما يقع عليه الاسم: لأنه المقصود الأعظم منها وما قبله مقدمات له.
وروي أبو داوود [3191] وابن ماجه [1497] وابن حبان [3076] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صليتم على الميت .. فأخلصوا له الدعاء).
ولا بد من تخصيص الميت، وقيل: يكفي إرسال الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ويندرج الميت فيهم.
قال: (بعد الثالثة)؛ لخبر أبي أمامة.
ولا يختلف الأصحاب أنه لا يجزاء في غيرها، قال في (شرح المهذب): وليس لتخصيص ذلك إلا مجرد الإتباع.
وهو مشكل بجواز قراءة الفاتحة في غير الأولى.
قال: (السابع: القيام على المذهب إن قدر)؛ لأنها صلاة مفروضة فوجب القيام
فيها كغيرها من الصلوات المفروضات.
وقيل: يجوز القعود مع القدرة كالنوافل؛ لأنها ليست من فرائض الأعيان.
والثالث: إن تعينت .. وجب القيام، وإلا .. فلا.
قال: (ويسن رفع يديه في التكبيرات) أي: حذو المنكبين، كذا رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أنس وابن عمر يفعلانه، كذا رواه البيهقي عنهما [4/ 44] ولأنها تكبيرات تفعل حال الاستقرار فأشبهت تكبيرة الإحرام.
وأجمعوا على الرفع في الأولى.
ويندب أن يجمع يديه بينهما ويضعهما تحت صدره.
قال (وإسرار القراءة)؛ لما تقدم في حديث أبي أمامة.
وعبارته قد تفهم الجهر فيما عدا القراءة، وهو في التكبيرات والسلام صحيح،
وَقِيلَ: يَجْهَرُ لَيْلًا.
وَالأَصَحُّ: نَدْبُ التَّعَوُّذِ دُونَ الاِفْتِتَاحِ.
وَيَقُولُ فِي الثَّالِثَةِ: (اللَّهُمَّ؛ هَذَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ ...) إِلَى آخِرِهِ،
وأما في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء .. فيندب الإسرار بهما اتفاقًا.
قاله في (شرح المهذب).
قال: (وقيل: يجهر ليلًا)؛ لأنها صلاة ليلية، وتفعل في النهار سرًا، فكانت في الليل جهرًا، كصلاة الكسوف، قاله الداركي وصححه القاضي وجماعة، وجوابه إطلاق الحديث المتقدم.
قال: (والأصح: ندب التعوذ دون الافتتاح) أما التعوذ .. فللقراءة ولقصره، وأما ترك دعاء الافتتاح .. فلأنها مبنية على الاختصار.
وقيل: لا يندبان؛ لطلب التخفيف.
وقيل: يندبان كالتأمين.
ومقتضى هذا التعليل: أنه إذا صلى على غائب أو على ميت بعدما دفن .. يستحب أن يأتي بدعاء الافتتاح لفقد المعنى الذي لأجله ترك.
قال: (ويقول في الثالثة: (اللهم؛ هذا عبدك وابن عبديك ... (إلى آخره) ذكره في (المحرر) بطولة وهو: اللهم؛ هذا عبدك وابن عبديك، خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبائه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم؛ إنه نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم؛ إن كان محسنًا .. فزد في إحسانه، وان كان مسيئًا .. فتجاوز عنه، ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين.
وهذا الدعاء التقطه الإمام الشافعي رضي الله عنه من مجموع أحاديث وذكره في (المختصر).
و (رَوح الدنيا) يفتح الراء: الفضاء والسعة.
وقوله: (نزل بك ...) أي: وضيف عندك، وضيف الكريم لا يضام، وأنت
وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ: (اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرَنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ؛ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا .. فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا .. فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ)،
خير من نزل الأضياف عنده.
فإن كان الميت امرأة .. قال: إن هذه أمتك وبنت عبديك، ويأتي بضمائر المؤنثة إلى أخره.
قال المصنف: ولو ذكرها على إرادة الشخص .. لم يضر،
قلت: إلا في قوله: (وأنت خير منزول به) فإنه يذكر الضمير ويفرده مطلقًا، سواء كان الميت ذكرًا أو أنثى، مثَّنىً أو مجموعًا؛ لأنه عائد على الله تعالى فيذكره في كل الأحوال، وكثيرًا ما يغلط في ذلك.
أما إذا لم يعرف أن الميت ذكر أو أنثى .. فينبغي أن يأتي يلفظ يتناول النوعين، ويأتي بالضمائر مذكرة باعتبار لفظ (من)، أو إرادة الشخص أو الميت، أو يأتي يلفظ الجنازة ويؤنث باعتبارها.
قال: (ويقدم عليه) أي: استحبابًا اللهم؛ اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا.
اللهم؟ من أحييته امنا .. فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا .. فتوفه على الإيمان رواه أحمد [2/ 368] وأبي داوود [3193] والترمذي [1024] وابن ماجه [1498] وابن حبان [3070] والحاكم [1/ 358] بإسناد صحيح من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.
وأصح حديث في الباب ما رواه مسلم [963] عن عوف بن مالك قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه: (اللهم؛ اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار (قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وَيَقُولُ فِي الطِّفْلِ مَعَ هَذَا الثَّانِي: (اللَّهُمَّ؛ أجْعَلْهُ فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ وَسَلَفًا وَذُخْرًا، وَعِظَةً وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينّهُمَا، وَأَفْرِغِ الصِّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا)، وَفِي الرَّابِعَةِ: (اللَّهُمَّ؛ لاَ َتحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) ......
قال: (ويقول في الطفل مع هذا الثاني: (اللهم؛ اجعله فرطًا لأبويه وسلفًا وذخرًا، وعظة واعتبارًا وشفيعًا، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما، رويت بعض هذه الألفاظ عن الحسن أنه كان يقولها.
و (الطفل والطفلة): الصغيران ما لم يبلغا، وجمعه أطفال، ويطلق على الواحد والجمع تقول: جارية طفل، وجاريتان طفل، وجوار طفل، وغلام طفل، وغلامان طفل، وغلمان طفل.
و (الفوط): السابق المهياء في دار القرار، وفي الحديث: (أنا فرطكم على الحوض).
قال الجوهري: يقال: احتسب فلان ابنًا له أو أمة له: إذا مات وهو كبير، فإن مات صغيرًا .. قيل: افترطه.
هذا في الأبوين الحيين المسلمين، فلو كانا ميتين، أو كان أحدهما مسلما فقط، أو كانا كافرين بأن تبع السابي أو جده أو صححنا إسلامه استقلالًا .. لم يدع لأبويه.
قال: (وفي الرابعة) أي: ندبًا ((اللهّم؛ لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله كذا روي عن السلف، ويستحب تطويل الدعاء عقبها.
وفي وجه: لا يستحب في الرابعة دعاء، فقد كان محمد بن يحيي يترك فيها الدعاء، كما حكاه عنه والد الرافعي.
وحكى ابن أبي هريرة أن المتقدمين كانوا يقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، وهذا حسن لكنه ليس عن الإمام الشافعي رضي الله عنه.
ولَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي بِلاَ عُذْرٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إِمَامُهُ أُخْرَي .. بَطَلَتْ صَلاَتُهُ.
وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ) وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ فِي غَيْرِهَا، فَلَوْ كَبَّرَ الإِمَامُ أُخْرَي قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي (الْفَاتِحَةَ) .. كَبِّرْ مَعَهُ وَسَقَطَتِ الْقِرَاءَةُ، وَإِنْ كَبِّرْ وَهُوَ فِي (الْفَاتِحَةَ) .. تَرَكَهَا وَتَابَعَهُ فِي الأَصَحِّ.
وَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ .. تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ بَاقِيَ التَّكْبِيرَاتِ
وقوله (تحرمنا) بفتح التاء وضمها - كما ضبطه المصنف بخطه - أي: لا تحرمنا أجر الصلاة عليه.
وقوله: (ولا تفتنا بعده) أي: بالمعاصي.
و (الفتنة): الامتحان والاختبار تقول: فتنت الذهب: إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.
قال: (ولو تخلف المقتدي بلا عذر فلم يكبر حتى كبر إمامه أخري .. بطلت صلاته)، لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا بالتكبيرات، فالتخلف بتكبيرة يشبه التخلف بركعة، ولم يبين الشيخان العذر.
والظاهر: أن النسيان عذر، وعدم سماع التكبير عذر، وهل الجهل عذر؟ فيه نظر.
قال: (ويكبر المسبوق ويقرأ (الفاتحة (وإن كان الإمام في غيرها)؛ لأن ما أدركه المسبوق أول صلاته، فيراعي ترتيب نفسه في القراءة والدعاء.
قال: (فلو كبر الإمام أخرى قبل شروعه في (الفاتحة) .. كبر معه وسقطت القراءة) كما لو ركع الإمام في سائر الصلوات عقب إحرام المسبوق .. فإنه يركع معه وتسقط القراءة عنه.
قال: (وإن كبر وهو في (الفاتحة) .. تركها وتابعه في الأصح) الوجهان كالوجهين في سائر الصلوات إذا ركع الإمام في أثناء (الفاتحة)، وقد تقدم بيانه.
قال: (وإذا سلم الإمام .. تدارك المسبوق باقي التكبيرات)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وما فاتكم .. فأتموا).
بِأَذْكَارِهَا، وَفِي قَوْلٍ: لاَ تُشْتَرَطُ الأَذْكَارُ.
وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلاَةِ
وخالفت تكبيرات العيد حيث لا يأتي بما فاته منها؛ فإن التكبيرات هنا بمنزلة أفعال الصلاة فلا يمكن الإخلال بها، وفي العيد سنة فسقطت بفوات محلها.
قال: (بأذكارها) أي: حتمًا في محتومها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (صل ما سبقك، واقض ما فاتك)، ولأن الحاجة إلى الأذكار تقتضي الإتيان بها كما جازت الصلاة على الغائب.
قال: (وفي قول: لا تشترط الأذكار)؛ لأن الجنازة ترفع بعد سلام الإمام فليس الوقت وقت تطويل.
والخلاف قولان لا وجهان، ومحلهما: إذا رفعت الجنازة، فإن تيقن بقاءها أو كانت على غائب .. فيأتي بالأذكار قطعًا صرح به المحب الطبري، ولذلك قال الأصحاب: يستحب إبقاء الجنازة حتى يتم المقتدون.
ولا يضر رفعها قبله، لأنه: (يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء).
وحكي الروياني عن والده وجهين في جواز الصلاة على الجنازة وهي محمولة قبل أن توضع.
قال: (وتشترط شروط الصلاة) من ستر وطهارة واستقبال؛ لأنها صلاة شرعية فعموم الأدلة يشملها.
وقال أبو حنيفة: تصح بالتيمم مع وجود الماء إذا خاف فوتها لو اشتغل بالوضوء، وهو قول جماعة من السلف ورواية عن أحمد.
وقال محمد بن جرير الطبري - تبعا للشعبي والشيعة -: تصح من غير طهارة مع إمكان الوضوء والتيمم؛ لأنها دعاء.
قال الماوردي: وهو قول خارق للإجماع لا يلتفت إليه، ووهم ابن العربي في (شرح الترمذي) فنقل ذلك عن ابن جرير والشافعي؛ فتصحف عليه الشعبي بالشافعي.
لاَ الْجَمَاعَةِ، وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ اثْنَانِ، وَقِيلَ: ثَلاَثَةٌ، َوِقيلَ: أَرْبَعَةٌ
ويشترط فيها أيضًا ما سيأتي في آخر الباب من تقديم الغسل، وعدم التقدم على الجنازة الحاضرة.
قال: (لا الجماعة) فليست شرطًا فيها كسائر الصلوات، وهذا لا خلاف فيه.
وقد روى البيهقي [4/ 30] عن أبن عباس رضي الله عنهما قال: (لما صلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. أدخل الرجال فصلوا عليه إرسالًا لم يؤمهم أحد).
قال الشافعي: وذلك لعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه.
قال: (ويسقط فرضها بواحد)؛ لحصول الفرض به، ومن هنا يعلم أنها فرض كفاية وهو إجماع، ويستحب الإكثار من عدد المصلين.
قال: (وقيل: يجب اثنان)؛ لحصول الاجتماع بهما، وهو بناء على أن ذلك أقل الجمع.
قال: (وقيل: ثلاثة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الذي مات وعلية دين: (صلوا على صاحبكم)، وهذا خطاب للجمع والثلاثة أقله.
والمصنف حكاه هنا وجهًا تبعا ً ل (المحرر)، وحكاه في (الروضة) قولًا وهو منصوص (الأم)، والذي صححه قول أيضا، والثالث والرابع وجهان، ففي المسألة قولان ووجهان.
قال: (وقيل: أربعة) كعدد الحامل لها، ورد بأن الحمل بين العمودين يحصل بثلاثة.
ولو زاد المصلون على ذلك .. فصلاة الجميع تقع فرضًا؛ لأن بعضهم ليس أولى من بعض.
وَلاَ تَسْقُطُ بِالنِّسَاءِ وَهُنَاكَ رِجَالٌ فِي الأَصَحِّ.
وَيُصَلَّي عَلَى الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ
قال الإمام: ويحتمل أن يقال: هو كمسح المتوضئ جميع رأسه دفعة واحدة، وقد تقدم ما فيه.
قال: (ولا تسقط بالنساء وهناك رجال في الأصح)، وكذا لو كان هناك رجل واحد أو صبي على الأصح؛ لأن فيه استهانة بالميت، ولأن دعاء الرجال أقرب إلى الإجابة، وأهليتهم إلى العبادة أكمل.
والثاني: تسقط؛ لصحة صلاتهن وجماعتهن.
فروع:
إذا لم يحضر إلا النساء .. توجه الفرض إليهن ويصلين للضرورة منفردات.
قال المصنف: وينبغي أن تسن لهن الجماعة كما في غيرها.
وقال في (العدة): يستحب لهن أن يصلين على المرأة جماعة.
وصرح المصنف بأن صلاتهن مع الرجال نافلة؛ لأنهن لم يدخلن في الفرض إذا حضر الرجال.
والخنثى كالمرأة على الأصح.
والأصح: سقوط الفرض بصلاة الصبيان المميزين، بخلاف رد السلام.
ووقع في (مناسك) المصنف تصحيح مقابله وهو سبق قلم.
وصلاة الزائد على ما يسقط به الفرض في وقوعه فرضًا أو نفلًا وجهان كما لو مسح المتوضئ رأسه دفعة واحدة وقد تقدم.
قال: (ويصلى على الغائب عن البلد) خلافا لأبي حنيفة ومالك.
لنا: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الناس وهو بالمدينة بصوت النجاشي في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليوم الذي مات فيه، ثم خرج بهم إلى المصلى فصلى عليه وكبر أربعة) رواه الشيخان [خ 1318 – م 951]، وكان ذلك في شهر رجب سنة تسع، وفي حديث ضعيف: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على معاوية بن معاوية بتبوك).
ولا فرق بين أن يكون البلد بعيدًا أو قريبًا، في جهة القبلة أو غيرها, لكن المصلي يستقبل القبلة، وسواء صلي عليه أم لا.
وقال الخطابي: لا يصلي عليه إلا أنا كان في موضع لم يصل عليه فيه كما وقع للنجاشي.
واحترز بـ (الغائب عن البلد) عن الحاضر معه فيه؛ فإنه لا يصلي عليه في الأصح كبرت البلد أم صغرت؛ لأن ذهابه إليه متيسر.
وهل تشرع للمحبوس بالبلد الصلاة على من مات بها؟ فيه نظر، وإطلاقهم صريح في المنع من ذلك.
والظاهر: الجواز، وبه صرح ابن أبي الدم؟ لأنهم قد عللوا المنع كما تقدم بتيسر الذهاب إليه.
وفي معناه: إذا قتل إنسان ببلد وأخفي قبره عن الناس.
غريبة:
قال أبو الحسين بن القطان: إن صلاة الغائب وإن جازت لا تسقط الفرض.
ومراده: أنها لا تسقط الفرض عن أهل بلد الميت؛ لأن فرض الكفاية تعلق بهم.
فرع:
يجوز أن يصلي على الأموات الذين ماتوا في يومه أو سنته وغسلوا في أقطار الأرض ولا يعرف عينهم؛ لأن الصلاة على الغائب جائزة وتعيينهم غير شرط.
وَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الدَّفْنِ, وَتَصِحُّ بَعْدَهُ، وَالأَصَحُّ: تَخْصِيصُ الصِّحَّةِ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا وَقْتَ الْمَوْتِ
قال: (ويجب تقديمها على الدفن)؛ لأنه المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده.
فلو دفن من غير صلاة .. أثم الدافنون وكل من توجه عليه فرض الصلاة من أهل تلك الناحية بلا خلاف, لكن لا ينبش القبر بل يصلى عليه كما سيأتي.
ويسقط الفرض بالصلاة على القبر.
وعن الشيخ أبي إسحاق المروزي: لا يسقط وهو غلط.
قال: (وتصح بعده)؛ لأن مسكينة يقال لها: أم محجن ماتت ليلًا فدفنوها وكرهوا أن يوقظوا النبي صلى الله عليه وسلم, فصلى النبي صلى الله عليه وسلم على قبرها من الغد, رواه النسائي [4/ 40] وغيره بإسناد صحيح، وفي (الصحيحين) [خ 458 – م 956]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة أو رجل كان يَقُمُّ المسجد)، و (أنه صلى على قبر منبوذ) [خ 857 – م 954].
قال: (والأصح: تخصيص الصحة بمن كان من أهل فرضها وقت الموت)؛ لأنه يؤدي فرضًا خوطب به, وأما غيره .. فمتطوع وهذه الصلاة لا يتطوع بها.
والثاني: أنه يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه يوم موته، وصححه في (الشرح الصغير).
فعلى الوجهين: من لم يولد عند الموت أو لم يكن مميزًا .. لم يصل، ومن كان مميزًا صلى على الثاني دون الأول، ومن كان حينئذ كافرا أو حائضًا .. يصلي إذا أسلم أو طهر قاله الإمام والغزالي.
قال في (شرح المهذب): وهو مخالف لظاهر كلام الأصحاب, قال: وقد صرح المتولي بأن الكافر لا يصلي.
وَلاَ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَالٍ
والثالث: أنه يصلى على القبر إلى ثلاثة أيام دون ما بعدها، وبه قال أبو حنيفة.
والرابع - وبه قال أحمد -: يجوز إلى شهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على البراء بن معرور بعد شهر، وصلى ابن عمر على أخيه بعد شهر، وصلت عائشة على قبر أخيها عبد الرحمن بعد شهر, ولا يعرف لهما مخالف.
والخامس: ما بقي منه شيء في القبر, فإن انمحقت أجزاؤه .. لم يصل عليه.
وإن شك في الانمحاق .. فالأصل البقاء.
والسادس: يصلى عليه أبدًا, لأن المقصود من الصلاة الدعاء وهو مطلوب في كل وقت.
وفي (الصحيحين) [خ 4042 – م 2296]: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين).
قال ابن الرفعة: والظاهر: أنها الصلاة الشرعية لا اللغوية؛ لأن أبا داوود [3215] روى: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليهم صلاته على الميت)، وسيأتي في غسل الشهيد والصلاة عليه بيان هذا الحديث والجواب عنه.
قال: (ولا يصلى على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال)، وكذا قبر غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لما روى البخاري [1330] ومسلم [529]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وقال أبو الوليد النيسابوري وجماعة: تجوز فرادى لا جماعة، وكان يقول: أنا أصلي على قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين، وقطع بهذا الوجه القاضي أبو الطيب والمحاملي ورجحه الشيخ أبو حامد.
تتمة:
اختلفوا في تعليل النهي عن الصلاة على قبره صلى الله عليه وسلم:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقيل: خشية الفتنة.
فعلى هذا: يمتنع اليوم وفي زمن الصحابة.
وقيل: حكمه حكم غيره.
فعلى هذا: يمتنع اليوم على الوجه الأول والثاني والثالث والرابع, ولا يمتنع على السادس وهو قول أبي الوليد النيسابوري ومن وافقه، وأما على الخامس .. فـ (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) كما رواه النسائي في (كتاب الجمعة) [3/ 91]، فينبغي أن يجوز إذا قلنا: حكمه حكم غيره، لكن الأصحاب قالوا: لا يجوز، واستدل له الرافعي ومن تبعه بقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث)، وهو باطل لا أصل له.
لكن روى البيهقي عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، لكنهم يصلّون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور.
ولما كان صلى الله عليه وسلم لا يصلى على قبره .. تأخر لذلك دفنه إلى أثناء ليلة الأربعاء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما مات .. صلوا عليه أفنادًا.
قال في (الفائق): أي: جماعات بعد جماعات.
قيل: حصر المصلون فإذا هم ثلاثون ألفًا، ومن الملائكة ستون ألفًا؛ لأن مع كل واحد ملكين.
لكن وقع في (الإحياء) في (الباب الثالث في أعمال الباطن في القراءة): (أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن عشرين ألفًا من الصحابة، لم يحفظ القرآن منهم إلا ستة اختلف في اثنين منهم)، ولعله أراد: عشرين ألفًا في المدينة، وإلا .. فقد روى أبو زرعة الرازي: (أنه صلى الله عليه وسلم مات عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا، كلهم صحبه وروى عنه وسمع منه.
فَرْعٌ:
الْجَدِيدُ: أَنَّ الْوَلِيَّ أَوْلَى بِإِمَامَتِهَا مِنَ الْوَالِي،
قال: (فرع:
الجديد: أن الولي أولى بإمامتها من الوالي)؛ لأن معظم الغرض هنا الدعاء للميت، ومن اختص بمزيد شفقة .. كان دعاؤه أقرب إلى الإجابة.
وفي القديم: الوالي أولى ثم إمام المسجد ثم الولي كسائر الصلوات، وهو قول الأئمة الثلاثة وابن المنذر وأكثر العلماء.
واستدل له البيهقي [4/ 29] بأن الحسن لما مات .. قال الحسين لسعيد بن العاصي وهو يطعن في عنقه: (تقدم، فلولا أنها السنة .. ما قدمتك).
ومحل الخلاف: إذا لم يخف الفتنة من الوالي، فإن خيف ذلك .. قدم قطعًا.
ولو وصى أن يصلي عليه أجنبي .. فطريقان:
أظهرهما: القطع بتقديم القريب.
والثانية: وجهان -كالوجهين فيمن أوصى أجنبيًا على أولاده والجد حي - ثانيهما: تقديم الموصى له - وبه أفتى محمد بن يحيى في جواب مسائل سأله عنها والد الرافعي - لأنه قدم لنفسه شفيعًا كتفريق الثلث.
وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة وابن سيرين وأحمد, واحتج له بوصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما، وعمر لصهيب رضي الله عنهما، وعائشة لأبي هريرة رضي الله عنهما.
وأجاب الأصحاب بأن أولياءهم أجازوا ذلك.
وقال مالك: إن كان الموصى له ممن يرجى دعاؤه أكثر من القريب .. قدمت الوصية.
وإذا أوصى أن يدفن في المقبرة الفلانية .. أفتى القفال بأنه كما لو أوصى أن يصلي
فَيُقَدَّمُ الأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الِابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْأَخُ - وَالأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ الأَخِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى الأَخِ لِأَبٍ - ثُمَّ ابْنُ الأَخِ لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ الْعُصْبَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الإِرْثِ,
عليه فلان .. لا يلزم الورثة امتثال ذلك لكن يستحب.
قال: (فيقدم الأب، ثم الجد وإن علا) بخلاف الميراث؛ نظرًا إلى الشفقة، والمراد بـ (الجد): أبو الأب.
قال: (ثم الابن, ثم ابنه) أي: وإن سفل.
قال: (ثم الأخ)؛ تقديمًا للأشفق فالأشفق.
قال: (والأظهر: تقديم الأخ لأبوين على الأخ لأب)؛ لزيادة القرب والشفقة كما في الميراث.
والثاني: لا، بل يستويان؛ لأن الأمومة لا مدخل لها في إمامة الرجال, فلم يبق إلا قرابة الأب وهما فيها سواء.
وأجاب الأول بأنها صالحة للترجيح وإن لم تصلح للاستقلال.
وأجيب بأن لها مدخلًا في الصلاة على الميت في الجملة؛ لأنها تصلي مأمومة ومنفردة وإمامة بجنسها.
وكان ينبغي التعبير بـ (المذهب) كما في (الروضة) و (شرح المهذب).
ويجري الطريقان في ابني عم أحدهما أخ لأم ونحو ذلك.
قال: (ثم ابن الأخ لأبوين، ثم لأب، ثم العصبة على ترتيب الإرث)؛ لما تقدم من أن المقصود الدعاء وهؤلاء أرجى للإجابة.
واندرج في عبارته الولاء، فبعد انقراض العصبة من النسب يقدم المعتق ثم عصبته على ذوي الأرحام.
وقال شارح (التعجيز): يقدمون عليه.
وقد سبق في غسل الميت: أن شرط التقدم فيه: أن لا يكون به مانع من الإرث في نفسه، والقياس هنا كذلك.
ثُمَّ ذَوُو الأَرَحَامِ.
وَلَوْ اجْتَمَعَا فِي دَرَجَةٍ .. فَالأَسَنُّ الْعَدْلُ أَوْلَى عَلَى النَصِّ
قال: (ثم ذوو الأرحام)، فيقدمون على الأجانب لما فيهم من الشفقة، فيقدم جد الأم ثم أخ الأم ثم الخال ثم العم للأم.
وتحرر من كلام المصنف .. أن الزوج لا مدخل له في الصلاة على المرأة وهو كذلك، بخلاف النسل والتكفين والدفن.
وفي (شرح المهذب) وجه: أنه يلي ويكون مقدمًا على المعتق.
قال: (ولو اجتمعا في درجة .. فالأسن العدل أولى على النص)؛ لأن دعاء الأسن أقرب إلى الإجابة.
واستدل الرافعي بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يرد دعوة ذي الشيبة المسلم).
وفي (عمل اليوم والليلة) للنسائي [838] عن طلحة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام).
وفي (صحيح ابن حبان) [559] و (الحاكم [1/ 62] عن ابن عباس مرفوعًا: (البركة مع أكابركم) قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.
ويقابل النص قول مخرج: أن الأفقه والأقرأ يقدم كغيرها من الصلوات.
والفرق: ما تقدمت الإشارة إليه من أن مقصود صلاة الجنازة الدعاء، وسائر الصلوات محتاجة إلى الفقه لوقوع الحوادث فيها, إلا أن تقديم الأسن مشروط بالعدالة.
واحترز بـ (العدل) عن الفاسق والمبتدع؛ فإنهما كالعدم.
والمعتبر في (السن): الماضي في الإسلام، فإذا استويا في السن .. قدم الأفقه
وَيٌقَدَّمُ الْحُرُّ الْبّعِيدُ عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ.
وَيَقِفُ عِنْدَ رَاسِ الْرَّجُلِ وَعَجُزِهَا
والأقرأ والأورع؛ لأنه أفضل ودعاؤه أكمل, وسيأتي في آخر الباب أنهما إذا استويا .. يقرع بينهما.
ولو استناب أفضل المتساويين في الدرجة .. اعتبر رضا الآخر في أقيس الوجهين.
ولو غاب الأقرب واستناب .. فنائبه أحق من البعيد الحاضر.
قال: (ويقدم الحر البعيد على العبد القريب)؛ لكماله واختصاصه بأهلية الولاية.
والثاني: يقدم العبد لقربه.
والثالث: يستويان، ويجري الخلاف في عبد فقيه مع حر غير فقيه، والأصح عند المصنف: تقديم الحر.
والصبيان أولى من النساء، والعبد البالغ أولى من الصبي الحر؛ لأن المكلف أحرص على تكميل الصلاة، وتصح الصلاة خلفه بالإجماع بخلاف الصبي.
ومسألة الكتاب ليست في (المحرر)؛ إنما فيه: أن الحر أولى من العبد.
ولعل المصنف ذكر هذه؛ لتؤخذ منها تلك من باب أولى.
ولأن عبارة (المحرر) يرد على إطلاقها المكاتب القريب والعبد القريب؛ فإنهما أولى من الحر الأجنبي.
قال: (ويقف عند رأس الرجل وعجزها) أي: استحبابًا؛ لأن أنسًا رضي الله عنه صلى على رجل فقام عند رأسه، وعلى امرأة فقام عند عجزها وقال: (هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه أبو داوود [3187]، وحسنه الترمذي [1034]. وفي (الصحيحين) [خ 332 – م 964]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها) والمعنى فيه: محاولة سترها عن الناس.
وَتَجُوزُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلاَةٌ
وقال أبو علي الطبري: يقف عند صدر الرجل.
كل هذا في الإمام والمنفرد، وأما المأموم .. فيقف في الصف حيث كان, ولذلك عبر في (المحرر) بقوله: ويقف الإمام.
والخنثى هنا كالمرأة قاله في (شرح المهذب).
و (عجيزة المرأة) بفتح العين وكسر الجيم: ألياها.
ولا يقال للرجل: عجيزة، بل يقال: له عجز، وقد تقدم في (باب صفة الصلاة) في حديث البراء: أنه رفع عجيزته في السجود، فاستعارها للرجل.
قال: (وتجوز على الجنائز صلاة)؛ لأن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ماتت هي وولدها زيد الأكبر ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في يوم واحد فصلى عليهما دفعة واحدة, وجعل الغلام مما يلي الإمام، وهو سعيد بن العاصي, وفي القوم ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة رضي الله عنهم فقالوا: (هذا هو السنة) رواه أبو داوود [3186] والنسائي [4/ 71] بإسناد صحيح، وروى البيهقي [4/ 33] عن ابن عمر أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء, فجعل الرجال مما يلي الإمام, والنساء مما يلي القبلة.
والأفضل: إفراد كل جنازة بصلاة إن أمكن؛ لأنه أكثر عملًا وليس هو تأخيرًا كثيرًا.
وقال المتولي: الأفضل: أن يصلي عليهم دفعة واحدة؛ لتعجيل الدفن.
وإذا صلي عليهم .. فالمذهب: أن الجميع يُجعلون بين يدي الإمام بعضًا خلف بعض، والأفضل فالأفضل مما يلي الإمام، والمفضول مما يلي القبلة، فيقرب الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء.
ويقدم عند اتحاد النوع بالورع وسائر الصفات المذكورة في الصلاة, لا بمجرد الحرية؛ لأن الرق يزول بالموت.
فإن استويا في جميع الصفات .. قدم برضا الورثة ثم بالقرعة.
كل هذا إذا جاءت الجنائز دفعة واحدة، فإن تعاقبت .. قدم الأسبق وإن كان
وَتَحْرُمُ عَلَى الْكَافِرِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ وَدَفْنِهِ.
وَلَوْ وُجِدَ عُضْوُ مُسْلِمٍ عُلِمَ مَوْتُهُ .. صُلِّيَ عَلَيْهِ
مفضولًا إن اتحد النوع، فإن اختلف .. قدم الرجل ثم الصبي وأخرت المرأة، والأصح: أن الصبي لا ينحى لأجل الرجل.
وإن كانت الجنائز كلهم خناثى .. جعلوا صفًا واحدًا رأس كل واحد عند رجل الأخر, ويجعلهم الإمام عن يمينه ويقف عند محاذاة آخرهم.
وولي السابقة أولى بالإمامة، فإن انتفي السبق .. أقرع بين الأولياء.
قال: (وتحرم على الكافر) حربيًا كان أو ذميًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، ولأن الكافر لا يجوز له الدعاء بالمغفرة؛ فإن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به.
قال: (ولا يجب غسله)؛ لأنه كرامة وتطهير وليس من أهلهما، لكنه يجوز لما روى البيهقي [3/ 398] عن علي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يذهب إلى أبيه فيغسله ويكفنه).
وقال مالك وأحمد: ليس للمسلم غسله.
قال: (والأصح: وجوب تكفين الذمي ودفنه)؛ وفاء بذمته كما يكسى في حياته, وينبغي أن يقطع بوجوب ثوب واحد.
والمعاهد كالذمي.
والثاني: لا يفعل به ذلك؛ لبطلان ذمته بموته، ونقله القاضي حسين عن معظم الأصحاب.
واحترز بـ (الذمي) عن الحربي ومن في معناه كالمرتد.
والزنديق، فلا يجب تكفينهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإلقاء قتلى بدر في القليب على هيئتهم.
وفي وجوب دفنهم وجهان، الأصح: أنه لا يجب, بل يجوز إغراء الكلاب عليهم، لكن الأولى مواراتهم؛ لئلا يتأذى الناس برائحتهم.
قال: (ولو وجد عضو مسلم علم موته .. صلي عليه)؛ لأن الصحابة صلوا على
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد لما ألقاها طائر بمكة حين مات في وقعة الجمل عرفوها بخاتمه, وذلك مشهور في السير.
رواه الزبير بن بكار والإمام الشافعي رضي الله عنه بلاغًا.
واختلف في الموضع الذي ألقاها فيه، فقيل: اليمامة, وقيل: المدينة، وقيل: مكة.
واختلفوا في الطائر، فقيل: نسر، وقيل: عقاب.
وصلى عمر رضي الله عنه على عظام بالشام, وصلى أبو عبيدة رضي الله عنه على رؤوس القتلى بها.
وسواء لطف العضو أو كثف.
وقال أبو حنيفة: لا يصلى عليه إلا إذا وجد أكثر من النصف؛ ليكون الأقل تابعا للأكثر.
والمراد بـ (الصلاة عليه): الصلاة على المسلم الذي هذا بعضه, فينوي الصلاة على جملة الميت، وقيل: على العضو.
واحترز بـ (العضو) عن الشعر والظفر ونحوهما، فلا يصلى عليهما عند الأكثرين كما قاله في (شرح المهذب)؛ لأنه لا حرمة لها.
وبهذا جزم في: (البحر).
لكن قال في (الروضة) تبعًا لـ (الشرح): أقرب الوجهين: أنها كالعضو فيصلى عليها، إلا الشعرة الواحدة؛ فإن صاحب (العدة) قال: لا يصلى عليها.
قال الشيخ: وكلام الأصحاب كالتصريح في أن هذه الصلاة على جهة الوجوب, وهو ظاهر إذا كان الميت لم يصل عليه, أما إذا علم أنه صلي عليه .. فهل نقول: تجب حرمة له كالجملة أو لا؟ فيه احتمال.
وَالسِّقْطُ إِنِ اسْتَهَلَّ أَوْ بَكى .. كَكَبِير،
قال: والحق أن هذه صلاة على غائب كما صرح به الإمام.
ولا يبعد الدعاء للعضو؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم، وليديه فاغفر).
وإذا شرعت الصلاة .. فلا بد من غسل الموجود ومواراته بخرقة كذا في (الشرح) و (الروضة)، ومقتضاه: أنه لا فرق في الموجود بين أن يكون من العورة أو من غيرها.
وبناه الماوردي على أن الواجب ساتر العورة أو جميع البدن وهو ظاهر.
والمذهب: أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن.
واحترز بما (علم موته) عما إذا لم تعلم حياته ولا موته، وعما إذا علم أنه من حي كيد السارق؛ فإنه لا يصلى عليه على المشهور.
وأما شعر الحي وظفره .. فيندب دفنه فقط، وكذلك يوارى دم الفصد والحجامة والعلقة التي تلقيها المرأة,
فرع: لو وجد ميت أو بعضه ولم يعلم أنه مسلم أو كافر .. فهو كاللقيط، إن وجد في دار الإسلام .. عومل معاملة المسلم، أو في دار الشرك ولا مسلم فيها .. فكالكافر، وإن كان فيها مسلم .. فعلى الخلاف.
قال: (والسقط إن استهل أو بكى .. ككبير)؛ لأنا تيقنا موته بعد حياته.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا استهل الصبي .. ورث وصلى عليه) صححه ابن حبان [6032] والحاكم [1/ 363]، لكن الصحيح: أنه موقوف على جابر، وفي (الترمذي) [1031] حديث حسن: (الطفل يصلى عليه)؛ ولأنه ثبت له حكم الدنيا في الإسلام والميراث والدية وغيرها.
وَإِلَّا: فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ كَاخْتِلاجٍ .. صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ .....
قال ابن المنذر: وهو إجماع، وفيه نظر؛ فإنه نقل عن سعيد بن جبير: أنه لا يصلى على صبي لم يبلغ.
وقال بعضهم: إن صلى الصبي .. صلي عليه بعد موته، وإلا .. فلا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على ولده إبراهيم، وأيضًا الصلاة لطلب المغفرة ولا ذنب للصبي.
وأجاب الجمهور بأنه صح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ولده)
وقولهم: لا يصلى على من لا ذنب له .. ممنوع؛ لأن الصحابة صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا المجنون يصلى عليه.
و (السقط) بكسر السين وضمها وفتحها: الولد النازل قبل تمامه، مأخوذ من السقوط.
قال الخليل: يقال: سقط الولد من بطن أمه، ولا يقال: وقع.
و) استهلال الصبي) ك رفع صوته بالبكاء، وكل شيء ارتفع صوته فقد استهل، ومنه: الإهلال بالحج: وهو رفع الصوت به.
وسيأتي أن (البكاء) المقصود: دمع العين، وإنما جمع المصنف بينهما؛ لأن كلا منهما دليل تيقن الحياة.
ويكون تكفينه في هذه الحالة وتحنيطه كما في الكبير.
قال: (وإلا: فإن ظهرت أمارة الحياة كاختلاج .. صلي عليه في الأظهر).
المراد: إذا لم تتيقن حياته باستهلال وغيره، لكن ظهرت أمارة الحياة كاختلاج .. صلى عليه لظهور احتمال الحياة بسبب الأمارة الدالة عليها.
والثاني: لا يصلى عليه؛ لعدم تيقن الحياة.
ويغسل قطعًا، وقيل: فيه القولان، ولا خلاف أنه يجب دفنه.
وَإِنَّ لِمَ تُظَهِّر، وَلَم يُبْلَغ أَرْبَعَة أَشْهَر .... لِمَ يَصْلَ عَلِيّهُ، وَكَذا إِن بَلَّغَها ِفي الأَظْهَر.
وَلا يُغَسِّل الشَهِيد وَلا يُصَلَّى عَلِيّهُ،
قال: (وإن لم تظهر، ولم يبلغ أربعة أشهر ... لم يصل عليه) هذا مجمع عليه، وفي غسله طرق:
أصحها: لا يغسل أيضًا كما لا يصلى عليه.
والثانية: يغسل؛ تطهيرًا له.
والثالية: قولان.
قال: (وكذا إن بلغها في الأظهر)؛ لعدم تيقن الحياة، فلا تجب الصلاة عليه، بل ولا تجوز؛ لمفهوم الحديث السابق.
والثاني: نعم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة) رواه داوود (3172) والترمذي (1031) وقال: حسن صحيح، ولأن الروح تنفخ فيه حينئذ كما ثبت في الحديث الصحيح.
أما إذا لم تظهر فيه خلقة .... فتكفي مواراته كيف كانت.
ويعد ظهور خلقته حكم التكفين حكم الغسل، فحيث لم يوجب الغسل ... لم يجب هذا في تمام الكفن.
أما المواراة بخرقة .... فاتفقوا علي وجوبها بعد بلوغه إمكان نفخ الروح أوجبنا الغسل أم لا، وأما الدفن ... فيجب قولًا واحدًا.
قال: (ولا يغسل الشهيد ولا يصلي عليه)؛ لأنه حي بنص القرآن.
فيحرم غسله والصلاة عليه، سواء كان رجلًا أو امرأة، صغيرا أو كبيرًا، حرًا أم عبدًا، ولو مجنونًا؛ لما روى البخاري (1343) عن جابر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا).
قال الإمام الشافعي رضى الله عنه: جاءت الأحاديث من وجوه متوارة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليهم)، ولم يصح حديث يخالف ذلك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما حديث عقبة بن عامر الذي في (الصحيحين) (خ 1344 - م 3296): (أن النبي صلى الله علية وسلم خرج فصلى على قتلى أحد صلاته علي الميت)، وفي رواية للبخاري (4042): (بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات) ... فالمراد: أنه دعا لهم كدعائه للميت.
والإجماع يدل علي هذا التأويل؛ لأن عندنا لا يصلى علي الشهيد، وعند الخصم وهو أبو حنيفة: لا يصلى علي القبر بعد ثلاثة أيام كما تقدم.
وأما حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى علي قتلى أحد عشرة عشرة، وفي كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة) ... فضعيف.
رواه أبو داوود مرسلًا (سيل 438)، وهو خطأ؛ لأن شهداء أحد كانوا اثنين وسبعين، فلا تزيد الصلاة على سبع أو ثمان، ولا تزيد التكبيرات علي اثنتين وثلاثين؛ لأن عندنا وعندهم: التكبيرات أربع.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ينبغي لمن روى هذا الحديث أن يستحيي على نفسه، ولأن الشهيد طهره القتل والله غفر له، ويأتي يوم القيامة وكلمه يدمى: اللون لون الدم , والريح ريح المسك.
وقال المزني: يصلى على الشهيد ولا يغسل.
واتفقوا على أن الغسل إذا أدى إلى إزالة الدم ... حرم.
وسمي شهيدًا؛ وقيل: لأنه يشهد الجنة حال موته وغيره يشهدها يوم القيامة، وقيل: لأنه يشهد على الأمم المتقدمة، وقيل: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل: لأنه شهد ما أعد الله له من الكرمة بالقتل، وقيل: لأن دمه شاهد له بالإيمان وحسن الخاتمة.
وَهُوَ مَن ماتَ في قُتّال الكُفّار بِسَبَبِهِ، فَإِنَّ ماتَ بَعْدِ انقضائه , أَو ِفي قُتّال البُغاَة ... فَغَيْر شَهِيد ِفي الأَظْهَر ,
قال: (وهو من مات في قتال الكفار بسببه) كما إذا تردى عن فرسه، أو عاد عليه سلاحه، أو وجد قتيلًا عند انكشاف الحرب ولم يعلم سبب موته، سواء كان عليه أثر الدم أم لا.
وخالف القفال في (الفتاوي) فقال: إذا لم يعلم هل قتل أو مات حتف أنفه ... فليس بشهيد.
وجزم الشيخان بخلافه، بل قال في (شرح المهذب): لا خلاف عليه.
أما لو أسر الكفار مسلمًا وقتلوه صبرًا ... ففي ثبوت حكم الشهادة له بترك الغسل والصلاة وجهان، أصحهما: لا.
قال: (فإن مات بعد انقضائه , أو في قتال البغاة ... فغير شهيد في الأظهر).
أما الأول ... فلأنه عاش بعد انقضاء الحرب، فأشبه ما إذا مات بسبب آخر.
والقول الثاني: نعم؛ لأنه مات بجرح وجد في الحرب فأشبه ما لو مات قبل انقضائه.
وقيل: إن مات عن قرب ... فشهيد، وإلا ... فلا.
وصورة المسألة: أن يقطع بموته من تلك الجراحة ويتصل ألمها بالموت، فإن انقضت الحرب وليس فيه إلا حركة مذبوح ... فشهيد قطعًا , وإن كان يتوقع البقاء ... فلا قطعا ً.
وأما المقتول من أهل العدل في قتال البغاة ... فلأنه قتيل مسلم فأشبه المقتول في غير القتال.
واحتجوا له بأن أسماء غسلت ابنها عبد الله بن الزبير ولم ينكر عليها أحد.
والقول الثاني: نعم كالمقتول في معركة الكفار.
وَكَذا ِفي القَتّال لا بِسَبَبِهِ عَلَى المُذَهَّب
واحتجوا له بأن عليًا لم يغسل من قتل معه، وأوصي عمار أن لا يغسل، وقد قيل: إن عليًا صلى عليه.
وإن كان المقتول من أهل البغي ... فليس بشهيد قطعًا.
قال: (وكذا في القتال لا يسببه علي المذهب) كما إذا مات فجأة أو بمرض، وقيل: قولان أصحهما ليس بشهيد.
ويغسل الصائل والمرجوم في الزنا والمقتول قصاصًا وولد الزنا، ويصلى عليهم بلا خلاف.
فائدة:
الشهداء ثلاثة أقسام:
شهيد في حكم الدنيا - في ترك الغسل والصلاة - وفي الآخرة، وهو: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
والثاني: شهيد في الدنيا دون الآخرة وهو من قاتل رياء وسمعة وقتل، والمقتول مدبرًا أو وقد غل من الغنيمة، فلا يغسل ولا يصلى عليه، وليس له من ثواب الشهيد الكامل في الآخرة
وقيل: إن الفار ليس بشهيد؛ لأن الفرار من الكبائر.
والثالث: شهيد في الأخرة فقط، وهم: المبطون والمطعون ومن قتله بطنه والغريق والحريق واللديغ وصاحب الهدم، والميت بذات الجنب أو محمومًا، ومن قتله مسلم أو ذمي، أو باغ في غير القتال، فهؤلاء شهداء في الآخرة لا في الدنيا، لأن عمر وعثمان رضى الله عنهما غسلا وهما شهيدان بالاتفاق.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكذلك الميت غريبًا، وطالب العلم إذا مات على طلبه، والمرأة تموت بسبب الولادة ومن عشق فعف ومات، فكل هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم، وهم شهداء في الدار الآخرة، كذا قاله الرافعي وغيره.
وأما حديث: (المبطون شهيد)، (الغريق شهيد) ... فهما في (صحيح مسلم) (1951). وأما حديث: (الغريب شهيد) ... فرواه الدارقطني من رواية ابن عباس وصححه في (علله).
وَلُو اسْتَشْهَدَ جَنَّبَ ... فَالأَصَحّ: أَنَّهُ لا يُغَسِّل، وَأَنَّهُ تُزال نَجاستهُ غَيْر الدَمّ ....
وحديث: (الميت عشقًا شهيد) أعله ابن عدي والبيهقي والحاكم وغيرهم، وهو أحد ما أنكر علي سويد بن سعيد.
قال يحى بن معين: لو كان لي سيف وترس أو فرس ورومح .. لكنت أغزوه لذلك.
قال: (لو استشهد جنب .. فالأصح: أنه لا يغسل) أي: عن الجنابة، وكذلك منقطعة الحييض قبل الأغتسال؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (زملوهم في كلومهم) ولأنها طهارة عن حدث فقط حكمها بالشهادة كغسل الميت.
وعلى هذا: يكون الغسل حرامًا.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق وابن أبي هريرة -: يجب الغسل؛ لأن الشهادة إنما تؤثر في غسل وجب بالموت، وهذا الغسل كان واجبًا قبله، ولا خلاف أنه لا يغسل بينة غسل الموت، والخلاف إنما هو في غسل الجنابة.
واستدل لهذا الوجه بأن حنظلة بن الراهب قتل بأحد جنبًا فغسلته الملائكة.
رواه ابن حبان (7026) والحاكم (3/ 204)، وفي (المستدرك) (3/ 195) أيضًا: أن حمزة استشهد جنبًا فغسلته الملائكة، وقال: صحيح الإسناد.
وأجاب الأول بأنه لو وجب ... لما سقط إلا بفعلنا.
قال الأصحاب: ولا خلاف علي الوجهين أنه يصلى عليه، كذا في (الشرح) و (الروضة)، وفي (شرح المهذب) وجه شاذ: أنه يصلى علي كل شهيد، فيأتي هنا.
قال: (وأنه تزال نجاسته غير الدم) أي: وجوبًا، سواء لزم إزالتها إزالة دم الشهادة أم لا.
ومراده ب (الدم): دم الشهادة فلا يزال؛ لأنه أثر العبادة فيبقي.
وَيُكَفِّنَ ِفي ثِيابهُ المُلَطَّخَة بِالدَمّ فَإِنَّ لِمَ بِكِن ثَوَّبَهُ سابِغا ... تَمَّمَ : فَضْل أُقِلّ القَبْر: حُفْرَة تَمْنَع الرائِحَة وَالسُبْع
والثاني: يحرم إزالتها؛ للنهي عن غسله.
والثالث: إن أدت إزالتها إلى إوالة أثر الشهادة ... لا تزال، وإلا ... أزيلت فالقاتل بهذا الوجه يجعل ذلك موكولًا إلى تحرى الغاسل وظنه.
قال: (ويكفن في ثيابه الملطخة بالدم)؛ لما روى أبو داوود (3125) - بإسناد حسن - عن جابر رضي الله عنه قال: (رمي رجل بسهم فمات، فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وتكفينه فيها على جهة الاستحباب، فلو أراد الوارث أن يكفنه في غيرها ... جاز؛ لأنه لا يفوت بها تعظيم ولا يزول أثر الشهادة بخلاف الصلاة والغسل.
قال: (فإن لم يكن ثوبه سابغًا .. تمم) أي: يجب إتمام الكفن الواجب على ما سبق؛ لقصة مصعب بن عمير المتقدمة.
فإن كانت ثيابه سابغة ... اكتفي بها وكانت هي الكفن، وكلام الغزالي يقتضي: أن الكفن زائد عليها.
تتمة:
ينزع عن الشهيد الحديد والجلود والجبة المحشوة وما ليس من لباس العادة، ويدفن في بقية ثيابه وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: لا ينزع عنه شئ من ذلك.
لنا: ما روى أبو داوود (3126): (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم).
قال: (وفصل: أقل القبر: حفرة تمنع الرائحة والسبع) تقدم أن الدفن فرض كفاية، وهو مما أكرم الله به الإنسان؛ لئلا يطرح كسائر السباع فتنهك حرمته ويتأذي الناس برائحته،
وَيَنْدُب: أَن يُوَسِّع وَيُعْمِق قامَة وَبَسْطَة، وَاللَحْد أُفَضِّل مَن الشَقّ إِن صَلَّبَت الأَرْض،
قال الرافعي: والغرض من ذكر هذين المعنيين، إن كانا متلازمين، بيان فائدة الدفن، وإن لم يكونا متلازمين بيان أنه تجب رعايتها فلا يكفي أحدهما.
واحترز عما إذا وضع علي الأرض وجعل عليه حجارة ونحوها بحيث تكتم رائحته، والأصح على ما دل عليه كلام الرافعي في (باب قطع السرقة) ... أنه لا يكفي إذا لم يتعذر الحفر؛ لأن ذلك مع عدم التعذر لا يسمى دفنًا.
وسيأتي حكم الفساقي عند قوله: (ولا يدفن اثنان في قبر إلا لضرورة).
و (السبع): واحد السباع.
قال: (ويندب: أن يوسع ويعمق)؛ لما روى أبو داوود (3207) والترمذي (1713) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار يوم أحد: (أوسعوا وأعمقوا).
ويستحب أن يزاد في السعة من قبل رأسه ورجليه؛ لحديث فيه صحيح في (سنن أبي داوود) (3325) و (مسند أحمد) (5/ 408).
و (التوسعة): الزيادة في النزول، وهو بالعين المهملة.
قال: (قامة وبسطة)؛ لما روي ابن المنذر عن عمر رضي الله عنه أنه أوصى بذلك ولم ينكره أحد، ولأنه أبلغ في المقصود.
والزيادة عليه غير مأثور.
والمراد: قامة رجل معتدل يقوم ويبسط يديه مرفوعة، وقدر ذلك عند المصنف والجمهور: أربعة أذرع ونصف، وجزم المحاملي والرافعي بأنه ثلاثة ونصف، وعن الجويني: ثلاثة أذرع فقط.
قال: (واللحد أفضل من الشق إن صلبت الأرض): لما روى مسلم (966) عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي مات فيه: (الحدوا لى لحدا ً، وانصبوا وَيُوضَع رَاسهُ عَنِدَ رَجَّلَ القَبْر، وَيَسُلّ مَن قَبِلَ رَاسهُ بِرِفَق، وَيَدْخُلهُ القَبْر الرِجال، ......
علي اللبن نصبًا، كما فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم).
وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لما مات ... كان بالمدينة أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وأبو طلحة يزيد بن سهل يلحد كأهل المدينة، فاختلفوا كيف يصنع بالنبي صلى الله عليه وسلم، فوجه العباس رجلين: أحدهما لأبي عبيدة، والآخر لأبي طلحة وقال: (اللهم؛ خر لنبيك) فحضر أبو طلحة فلحد له، رواه ابن ماجه (1628) من راوية أنس بإسناد صحيح.
وروى أبو داوود (3200) والترمذي (1045): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللحد لنا، والشق لغيرنا) لكنه ضعيف.
و (اللحد) بضم اللام وبفتحها والحاء ساكنة فيهما: الحفر من جانب القبر.
و (الشق) بفتح الشين المعجمة: أن يحفر في أرض القبر كالنهر ويبني جانباه، ويوضع الميت فيه، ثم يسقف عليه، ويرفع السقف قليلًا بحيث لا يمس الميت، وتسد شقوقه بقطع اللبن - قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ورأيتهم بمكة يضعون عليها الإذخر ثم يصبون عليها التراب - ويسمى الشق: ضريحًا.
فإن كانت الأرض رخوة ... فالشق أفضل؛ لتعذر اللحد من خشية الاهيار.
وقال المتولي: اللحد أفضل مطلقًا.
قال: (ويوضع رأسه عند رجل القبر، ويسل من قبل رأسه برفق)؛ لعمل المهاجرين والأنصار والذين من بعدهم في سالف الأعصار.
قال: (ويدخله القبر الرجال) رجلًا كان الميت أو المرأة؛ لأنهم أقوى ولا يخشي عليهم انكشاف العورة.
و (قد أمر النبي صلي الله عليه وسلم أبا طلحة أن ينزل في قبر إحدى بناته) رواه البخارى (1285).
وَأَوْلاهُم: الأَحَقّ بِالصَلاَة عَلِيّهُ.
قَلَت: إِلّا أَن تَكُون امْرَأَة مزوجة فَأَوْلاهُم الزَوْج، وَاللّاه أَعْلَمَ.
وَيَكُونُونَ وَتْرًا
ويتولي النساء حل ثيابهم في القبر، وحملها من المغتسل إلى الجنازة، وكذلك تسليمها لمن في القبر.
قال: (وأولاهم: الأحق بالصلاة عليه) أي: من حيث الدرجة والقرب، لا من حيث الصفات؛ لأن الأسن مقدم علي الأفقه في الصلاة، والأفقه مقدم علي الأسن في الدفن نص عليه واتفقوا عليه.
والمراد هنا ب (الأفقه) الأعلم بإدخال الميت القبر، لا أعلمهم بأحكام الشرع، فيدقم الأقرب فالأقرب.
قال: (قلت: إلا أن تكون امرأة مزوجة فأولاهم الزوج والله أعلم)؛ لأنه أحق بمباشرتها في الحياة.
وقيل: يقدم الأب.
وقيل: هما سواء.
وعلي الأول: بعد الزواج المحارم: الأب، ثم الجد، ثم العم، ثم عبيدها فهم أحق من بني العم إن قلنا: إنهم كالمحارم في النظر وهو الأصح، كذا قاله الشيخان وهو مشكل؛ لأنه تقدم أن الأصح: أن الأمة لا تغسل سيدها لانقطاع الملك، فالذي قالاه لا يأتي إلا على وجه ضعيف، وهو: تجويز النظر والغسل والخلوة؛ استصحابًا لما كان.
قال: (ويكونون وترًا)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفنه علي والعباس والفضل، صححه ابن حبان (2633)، وقيل: كانوا خمسة بزيادة قثم وشقران، ولأن ذا النجادين وهو عبد الله بن عبد نهم بن عفيف المزني لما توفي بتبوك نزل النبي صلى الله عليه وسلم في القبر، وقال لأبي بكر وعمر: (أدنيا إلي أخاكما)، فلما وضعه على شقه في اللحد قال: (اللهم؛ إني قد أمسيت عنه راضيًا فارض عنه) قال ابن مسعود: ليتني كنت صاحب الحفرة.
وَيُوضَع في اللَحْد عَلَى يَمِينهُ لِلقِبْلَة
قال: (ويوضع في اللحد علي يمينه) كما فعل برسول الله عليه وسلم، وهذا مندوب إليه كالأحياء , قال عليه الصلاة والسلام: (إذا أتيت مضجعك .. فتوضأ وضوءك للصلاة , ثم اضطجع على شقك الأيمن) متفق عليه (خ 247 - م 2710).
فلو وضع على يساره .... كره ولم ينبش.
وقضية كلام الإمام: أن ذلك حرام.
ولو حذف لفظة (في اللحد) ... كان أعم؛ لأنه يفعل به في الشق كذلك.
قال: (للقبلة) هذا محتم عند الجمهور، فيحرم أن يدفنوه إلى الكعبة كما تقدم أول الباب.
وفي وجه ضعيف: أن الاستقبال مستحب.
فرع:
ماتت كافرة وفي جوفها جنين مسلم ... جعل ظهرها إلى القبلة ليتوجه الجنين إليها.
وأين تدفن هذة المرأة؟ فيه أربعة أوجه:
أحدها: في مقابر المسلمين؛ لما روى الدارقطني (2/ 75) والبيهقي (4/ 58) عن عمر رضي الله عنه أنه أمر في ذمية ماتت وفي بطنها جنين مسلم بذلك.
وَيَسْنُد وجهه إِلَى جِدارهُ، وَظَهَرَهُ بِلِبْنَة وَنَحْوها، وَيُسَدّ فَتَح اللَحْد بِلُبْن، وَيَحْثُو مَن دِننا ثَلاث حثيات تُراب،
والثاني: في مقابر المشركين، فتدفع إلى أهل ملتها ليلوا غسلها ودفنها وحكي عن النص.
والثالث: تدفن في طرف مقابر المسلمين.
والرابع - وهو الأصح -: أنها تدفن في غيرهما.
ولا يخفي أن المسألة مصورة بما إذا نفخ فيه الروح، فإن كان قبله .. دفنت كيف شاء أهلها؛ لأنه حينئذ لا يسمى جنينًا، ولا يجب دفنه فاستقباله أولى.
قال: (ويسند وجهه إلى جداره)؛ حتى لا ينكب.
قال: (وظهره بلبنة ونحوها)؛ لئلا يستلقي على قفاه.
قال: (ويسد فتح اللحد بلبن)؛ لأن ذلك تمام الدفن.
وفي (صحيح مسلم) (966) عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: (انصبوا علي اللبن نصبًا).
و (قد نقل أن اللبنات التي وضعت في قبر النبي صلى الله عليه وسلم تسع).
وتكون اللبنات قائمة، وتسد الفرج بقطع من اللبن، والشقوق بحشيش أو طين ونحوه.
قال: (ويحثو من دنا حيثيات تراب) أي: من تراب القبر، ويكون ذلك من قبل رأس الميت؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم حثا من قبل رأس القبر ثلاثًا، رواه ابن ماجه (1565) بإسناد جيد عن أبي هريرة، ورواه أبو داوود مرسلًا (سيل 420).
وروي العقيلي (4/ 354) بإسناد ضعيف: (من حثا علي قبر مسلم أو مسلمة ... كتب الله له بكل ترابة حسنة).
ويستحب أن يحثو باليدين جميعًا، وأن يقول في الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾
ثُمَّ يُهال بِالمَساحِي، وَيَرُفّ القَبْر شِبْرا فَقَّطَ، وَالصَحِيح: أَن تَسْطِيحهُ أَوْلَى مَن تُسَمِّينَهُ
وفي الثانية: (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ)، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾
ول يحدوا الدنو من القبر، وكأنه راجع إلى العرف أو من هو على طرف القبر كما صرح به المتولي، وظاهر كلامه: إنه خاص بمن دنا من القبر.
لكن قال ابن الرفعة: إنه مستحب لكل من حضر.
يقال: حثا يحثو ثلاث حثيات وحثوات.
قال: (ثم يهال بالمساحي) أي: يصب؛ لأنه أسرع إلى الإكمال.
يقال: هاله وأهاله.
و (المساحي) بفتح الميم: جمع مسحاة - بكسرها -: كالمجرفة إلا أنها لا تكون إلا من حديد، والميم زائدة؛ لأنها من السحو وهو: الكشف والإزالة.
قال: (ويرفع القبر شبرًا فقط) أي: ندبًا؛ ليعرف فيزار ويحترم.
وروى ابن حبان (6635) عن جابر رضي الله عنه: (أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم كذلك).
واستثني الشيخان تبعًا للمتولي ما إذا مات مسلم ببلاد الكفار؛ فإن قبره لا يرفع؛ كيلا يتعرض له الكفار.
ويدل له قصة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
وينبغي أن يلحق به ما إذا كان في موضع يخاف نبشه لسرقة كفنه.
ورفعه فوق شبر مكروه أو خلاف الأولى.
ويستحب أن يزاد على التراب الذي خرج منه.
قال: (والصحيح: أن تسطيحه أولى من تسمينه)؛ لما روى أبو داوود (3212) والحاكم (1/ 369) عن القاسم بن محمد بن أبي بكر: (أنه رأى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر وعمر رضى الله عنهما لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء).
وَلا يَدْفِن اثْنانِ ِفي قَبَرَ إِلّا لَضَرُورَة،
و (المشرف): المرتفع ارتفاعًا كثيرًا.
و (اللاطئ) بالهمز: اللاصق بالأرض.
ولا يعارضه ما رواه البخاري (1390) عن سفيان التمار قال: (رأيت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مسنما؛ لأنه كان أولًا مسطحًا كما رواه القاسم، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عيد الملك - وقيل: في زمن عمر بن عبد العزيز - وأصلح ... جعل مسنمًا
والوجه الثاني - وهو قول ابن أبي هريرة -: الأفضل اليوم التسنيم دون التسطيح؛ لأنه صار شعار الروافض.
قال: (ولا يدفن اثنان في قبر إلا لضرورة) كما إذا كثر الموتي أو القتلي بطاعون أو هدم أو غيرهما وعسر إفراد كل ميت بقبر ... فيدفن الاثنان والثلاة في القبر كقتلى أحد؛ فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بجمع الأثنين والثلاثة في قبر لكثرة القتلي.
وعبارة الكتاب موافقة لـ (المحرر)، وفي بعض نسخ (المنهاج): (ويحرم)، ولفظ (الروضة) و (الشرح): والمستحب في حال الاختبار أن يدفن كل ميت في قبر، ولا يجمع بين الرجال والنساء إلا لتأكد الضرورة.
وعبارة الشرحين: ولا يجوز.
وكذلك ظاهر عبارة (المهذب).
قال الشيخ: الذي تحرر أنها ثلاث مسائل:
إحداها: ابتداء دفن اثنين من نوع - كرجلين - أو امرأتين - فيكره بلا ضرورة.
الثانية: ابتداء دفن رجل وامرأة، والذي يظهر فيها التحريم في غير المحارم والسيد والزوج.
فَيُقَدِّم أُفَضِّلهُما.
وَلا يُجْلَس عَلَى القَبْر،
الثالثة: نبش ميت ليدفن معه آخر، فهذا حرام ما لم يبل جميع الأول بقول أهل الخبرة، فإن حفره فوجد فيه عظام ... طمه ولم يتم حفره، فإن رآها بعد إتمام الحفر ... جعلها في جنب القبرة ودفن الميت معاها.
قال: وأما الفساقي التي تعمل في هذا الزمان لجمع الموتى ... ففيه إدخال ميت على ميت وهو حرام؛ لما فيه من هتك الأول وظهور رائحته، فيجب إنكار ذلك بل في الاكتفاء به في الدفن الواجب نظر من وجهين:
أحدهما: أنها ليست علي هيئة الدفن المعهود شرعًا.
والثاني: أنها ليست معدة لكتم الرائحة.
قال: (فيقدم أفضلهما) إلى القبلة؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يسأل في قتلى أحد عن أكثرهم قرآنا فيقدمه إلى اللحد.
ولا يجمع بين الرجال والنساء إلا لتأكد الضرورة.
وقال ابن الصباغ: إذا كان بينهما زوجية أو محرمية ... فلا منع.
ويجعل بين الرجال والنساء حاجز من تراب، وكذا بين الرجلين والمرأتين على الصحيح.
ويقدم الأب علي الابن وإن كان الابن أفضل، وتقدم الأم علي البنت، ويقدم الابن علي الأم.
ويظهر أن الخنثى مع الخنثى كذكر مع أنثى.
قال: (ولا يجلس على القبر) أي: محترم لما روى مسلم (971) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخلص إلي جلده خير له من أن يجلس على قبر).
وفيه أيضا ً (972): (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها).
وَلا يُوطَأ، وَيَقْرَب زائِرهُ كَقُرُبهُ مِنهُ حَيّا،
ومن العلماء من فسر الجلوس بالحدث وهو حرام بالإجماع، ومنهم من فسره بملازمة القعود عليه، ونص الشافعي على كراهة الجلوس.
ويكره - أيضًا - الاستناد والاتكاء عليه كما نقله في زوائد (الروضة) عن الأصحاب.
وجزم في آخر (كتاب الجنائز) من (شرح مسلم) و (رياض الصالحين) بتحريم ذلك.
قال: (ولا يوطأ): لنهي رسول الله عليه وسلم عن ذلك، كما صححه الترمذي (1025).
أما إذا مضت مدة يتيقن فيها أنه لم يبق من الميت شيء ... فلا بأس أن ينتفع بالأرض؛ لأنه لم يبق له بعد البلى حرمة.
لكن يستثني ما إذا دعت الضرورة إلى الوطء، كما إذا كان لا يصل إلى قبر ميته إلا بوطء غيره فيسعه ذلك، وفي (الكافي): أنه يجوز وطوه لضرورة الدفن.
قال: (ويقرب زائره كقربه منه حيًا)؛ احترامًا له وفي (رياض الصالحين): ولا يستلم القبر بيده ولا يقبله، ويسلم عليه من جهة وجهه، فإذا دعا ... استقبل القبلة.
وقال الخراسانيون: يستحب استقبال وجه الميت حالة الدعاء أيضًا.
فرع:
إذا مات إنسان في سفينة .... وجب على من فيها غسله وتكفينه والصلاة عليه، ثم إن كان الساحل قريبًا .... حمل إليه ودفن، وإن كان بعيدًا .... شدوه بين لوحين؛ لئلا ينتفخ، وألقوه في البحر؛ ليلقيه البحر إلي الساحل لعله يقع إلى قوم يدفنوه، فإن كان أهل الساحل كفارًا ... ثقل بشيء ليرسب.
وَالتَعْزِيَة سُنَّة قَبِلَ دَفَنَهُ،
قال المصنف: العجب من الرافعي - مع جلالة قدره - كيف حكي هذه المسألة على هذا الوجه؟ وكأنه قلد فيها صاحب (المهذب) والمستظهري، وهو خلاف النص، وإنما هو مذهب المزني؛ لأن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: يلقى بين لوحين ليقذفه البحر.
قال المزني: هذا محله إذا كان أهل الساحل مسلمين، فإن كانوا كفارًا .. ثقل بشيء ليرسب إلى القرار.
وقال الأصحاب: الذي قاله الإمام الشافعي أولى.
وقال أحمد: يثقل ويلقى في البحر مطلقًا حتى يحصل في قعره.
قال: (والتعزية سنة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من عزى أخاه بمصيبة ... كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة) رواه الترمذي وفيه (1073)، وفي (سنن ابن ماجه) (1602) من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عزى مصابًا ... فله مثل أجره) قال الترمذي: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث علي بن عاصم، قال: وروي أيضًا موقوفًا، قال: ويقال: أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم بهذا الحديث نقموا عليه.
وكذلك قال البيهقي، وفي (سننه) (4/ 59): (أن النبي صلى الله عليه وسلم عزى رجلًا في ولد له مات).
و (التعزية): التصبر، وعزيته: أمرته بالصبر، والعزاء بالمد: الصبر.
قال الشاعر (من المتقارب):
إذا النائبات (من المتقارب):
إذا النائبات بلغن النهي .... وكادت بهن تذوب المهج
وجل البلاء وقل العزا .... فعند التناهي يكون الفرج
قال: (قبل دفنه)؛ لأنه وقت شدة الجزع، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الصبر عند الصدمة الاولي).
وَبِعَدّهُ ثَلاثَة أَيّام.
وَيَعْزِي المُسَلَّم بِالمُسَلَّم: (أَعْظَمَ اللّاه أَجْركِ، وَأَحْسَنَ عَزاءكِ، وَغَفَرَ لَمَيِّتكَ
قال الرافعي: وتأخيرها إلى ما بعد الدفن حسن.
قال: (وبعده ثلاثة أيام)؛ لأن الغالب أن الحزن بعدها يسكن، فيكره حينئذ لأنه يجدد الحزن.
وابتداؤها من الدفن قاله في (شرح المهذب)، وقيل: من الموت قاله الماوردي وصححه في (الكافي)، والثلاث تقريب.
هذا إذا كان المعزي والمعزي حاضرين، فإن كانا غائبين .. فإنها تستحب ولو بعد ثلاث.
وقال الشيخ محب الدين الصبري: تعزية الغائب عند قدومه.
وهل يختص بحالة الحضور أو تشرع الثلاث؟ لم أر فيه نقلا ً , والظاهر: مشروعية الثلاث بعد الحضور؛ لما روي أن أبا بكر رضي الله عنه لما قدم مكة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشهر جاءه أهل مكة يعزونه.
وقيل: لا أمد للتعزية.
وقال أبو حنيفة: يعزى قبل الدفن لا بعده.
والمستحب أن يعزى أهل البيت الكبير والصغير، الرجال والنساء، لكن لا يعزي الشابة إلا محرم لها.
قال: (ويعزى المسلم بالمسلم: (أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك)؛ لأن ذلك لائق بالحال.
وَبِالكافِر: (أَعْظَمَ اللّاه أَجْركِ وَصَبَّرَكَ)، وَالكافِر بِالمُسَلَّم: (غَفْر اللّاه لَمَيِّتكَ وَأَحْسَننَ عَزاءكِ
ويستحب أن يبدأ قبله بما ورد من تعزية الخضر أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فاتت، فبالله فتقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب.
وري الحاكم (3/ 273) عن معاذ أنه مات له ابن، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزيه عليه:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا من مواهب الله عز وجل الهينة، وهواريه المستردة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كبير، الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبته، فاصبر ولا يحبط جزعك أجرك فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد شيئًا، ولا يدفع حزنًا، وما هو نازل فكأن قد والسلام) ثم قال: حديث غريب حسن إلا أن فيه مجاشع بن عمرو وليس من شرط هذا الكتاب.
ولما دفن معاوية وجلس ابنه في الملك .... دخل عليه عطاء بن أبي صيفي الثقفي فقال: يا أمير المؤمنين؛ أصبحت قد رزنت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، وقد قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه، وقد أعطيت بعده الرئاسة، ووليت السياسة، فاحتسب عند الله أعظم الرزية، واشكره على أفضل العطية.
قال: (وبالكفار) كما يعزي المسلم بالكافر الذمي (أعظم الله أجرك وصبرك)، وفي (مختصر المزني): (وأخلف عليك)؛ لأنه لائق بالحال.
ولا يقال له: غفر الله لميتك؛ لأن الاستغفار للكافر حرام.
قال: (والكافر بالمسلم: (غفر الله لميتك، وأحسن عزاءك))، وإنما قدم ههنا الدعاء الميت؛ تقديما للمسلم، وهو أحسن مما صنعه صاحب (التنبيه).
وينبغي في هذين القسمين أن يقتصر على الجواز، ولا يستحب إلا إذا رجي إسلام الكافر المعزي.