النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 393-432
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب التفليس

صفحات 393-432

وَلَوْ صَبَغَهُ بِصَبْغِهِ: فَإِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ قَدْرَ قِيمَةِ الصِّبْغِ .. رَجَعَ، وَالْمُفْلِسُ شَرِيكٌ بِالْصِّبْغِ، أَوْ أَقَلَّ .. فَالنَّقْصُ عَلَى الصِّبْغِ،  ارتفعت القيمة أو انخفضت بالسوق .. فالزيادة والنقص بينهما على هذه النسبة، ولا يسلم هذا الثوب قبل البيع للبائع، ولا للمفلس ولا للغرماء، بل يوضع عند عدل حتى يباع كالجارية الحامل.
ويجوز للبائع أن يمسك المبيع لنفسه ويعطي المفلس حصة الزيادة كما نقله الرافعي بعد هذا بنحو ورقة، وزاده في (الروضة) هنا، فعلى هذا: قول المصنف: (يباع) زيادة مضرة.
والقول الثاني: إن البائع يفوز بالزيادة؛ لأنها صفات تابعة حصلت بفعل المشتري، فأشبه سمن الدابة بالعلف وكبر الأشجار بالسقي، والخلاف جار فيما إذا اشترى دقيقًا فخبزه، أو لحمًا فشواه ونحو ذلك، ثم لا يتعين البيع كما قاله المصنف، بل لو أراد البائع أخذه ودفع حصة الزيادة للمفلس .. كان له ذلك على الأصح.
قال: (ولو صبغه بصبغه) أي: بصبغ المشتري (فإن زادت القيمة قدر قيمة الصبغ .. رجع، والمفلس شريك بالصبغ)؛ لأن المبيع هو الثوب خاصة.
مثاله: قيمة الثوب أربعة والصبغ درهمان، فصار بعد الرجوع يساوي ستة، فيكون المفلس شريكًا بدرهمين.
والمراد بـ (زيادة القيمة): أنها زادت بسبب الصبغ.
قال: (أو أقل) أي: وسعر الثوب باق بحاله (.. فالنقص على الصبغ)؛ لأن أجزاءه تتفرق وتنقص، والثوب باق بحاله.

أَوْ أَكْثَرَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمُفْلِسِ.
وَلَوِ اشْتَرَى مِنْهُ الصِّبْغَ وَالثَّوْبَ .. رَجَعَ فِيهِمَا، إِلَّا أَنْ لَا تَزِيدَ قِيمَتُهُمَا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ فَيَكُونُ فَاقِدًا لِلصِّبْغِ.
وَلَوِ اشْتَرَاهُمَا مِنِ اثْنَيْنِ: فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ .. فَصَاحِبُ الصِّبْغِ فَاقِدٌ، فَإِنْ زَادَتْ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصِّبْغِ .. اشْتَرَكَا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِمَا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمُفْلِسَ شَرِيكٌ لَهُمَا بِالزِّيَادَةِ.

 مثاله: أن يساوي الثوب بعد الصبغ خمسة، فيكون المفلس شريكًا بخمس الثوب، فلو لم يزد شيء .. كان الثوب للبائع، ولم يذكره المصنف.
قال: (أو أكثر .. فالأصح: أن الزيادة للمفلس)؛ بناء على أنها عين كما تقدم في القصارة.
والثاني: أنها أثر والزيادة بينهما بالقسط، فيكون للبائع ثلثا الثمن وللمفلس ثلثه؛ لأن الصبغة اتصلت بهما فوزعت عليهما.
قال: (ولو اشترى منه الصبغ والثوب .. رجع فيهما، إلا أن لا تزيد قيمتهما على قيمة الثوب فيكون فاقدًا للصبغ)؛ لاستهلاكه فيضارب بثمنه.
قال: (ولو اشتراهما من اثنين: فإن لم تزد قيمته مصبوغًا على قيمة الثوب .. فصاحب الصبغ فاقد، فإن زادت بقدر قيمة الصبغ .. اشتركا) فيه، وكيفية الاشتراك كما سبق.
قال: (وإن زادت على قيمتهما .. فالأصح: أن المفلس شريك لهما بالزيادة)؛ بناء على أنها عين كما سبق، ووجه مقابله ينبني على أنها أثر.
تتمة: إذا أخفى المديون بعض أمواله، ونقص الظاهر عن قدر ديونه، فحجر عليه، وباع الحاكم أمواله وصرفها في ديونه، ورجع أرباب الأمتعة في أمتعتهم، ثم ظهر حاله وأنه لم يكن مستحقًا الحجر .. قال المتولي: لا ينقص شيء من ذلك؛ لأن له

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ذلك في حق الممتنع، والرجوع إلى الأعيان بامتناع المشتري مختلف فيه، فإذا اتصل به حكم حاكم .. نفذ.
قال الرافعي: وفيه توقف؛ لأن القاضي ربما لا يعتقد جواز ذلك.


خاتمة كان المبيع دارًا فانهدمت ولم يتلف من نقضها شيء .. فهو نقصان صفة كالعمى، وإن تلف نقضها .. فهو نقصان جزء.
قال الرافعي: وينبغي طرد الخلاف السابق في تلف الشقص.


بَابُ الْحَجْرِ مِنْهُ: حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالْمَرِيضِ لِلْوَرَثَةِ، وَالْعَبْدِ لِسَيَّدِهِ، وَالْمُرْتَدِّ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَلَهَا أَبْوَابٌ

باب الحجر

هو في اللغة: المنع.
وفي الاصطلاح: المنع من التصرف في المال.
وإنما قيد بالمال؛ لأن السفيه يصح طلاقه، بخلاف الصبي والمجنون؛ لسلب عبارتهما.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتمى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أمولهم﴾ فأخبر تعالى: أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم، فدل على ثبوت الحجر عليهم وهو نوعان: حجر شرع لمصلحة الغير.
وحجر شرع لمصلحة المحجور عليه.
قال: (منه: حجر المفلس لحق الغرماء، والراهن للمرتهن، والمريض للورثة، والعبد لسيده، والمرتد للمسلمين.
ولها أبواب) أي: تذكر فيها، بعضها تقدم وبعضها يأتي، فهذه الخمسة من النوع الأول الذي لحق الغير.
قال الإمام: وأنكر بعضهم عد الرقيق من المحجور عليهم؛ لأنه لا يملك شيئًا يتصرف فيه، قال: وهذا لا أصل له، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، والحجر عليه لحق سيده ولحق الله في قول.

وَمَقْصُودُ الْبَابِ: حَجْرُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُبَذِّرِ  ومن هذا النوع: الحجر على السيد في المكاتب كما ذكره المصنف في الكتاب، والحجر عليه في العبد الجاني كما تقدم في (البيع)، وعلى الورثة في التركة كما تقدم في آخر (الرهن)، والحجر الغريب وقد تقدم قبيل (التولية)، وعلى الأب إذا أعفه ابنه بجارية حتى لا يبيعها، قال القاضي والمتولي، وعلى الممتنع من وفاء دينه وماله زائد إذا التمسه الغرماء في الأصح كما تقدم.
وإذا فسخ المشتري بعيب .. كان له حبس المبيع إلى قبض الثمن، ويحجر على البائع في بيعه لذلك.
وعلى من غنم مال حربي مديون وقد استرق حتى يوفي، وعلى المشتري في المبيع قبل القبض، قاله الجرجاني، وعلى العبد المأذون للغرماء، وعلى السيد في نفقة الأمة المزوجة حتى يعطيها بدلها؛ لأن للسيد فيها حق الملك ولها حق التوثق.
وكذلك على مالك دار قد استحقت العدة فيها، وعلى من اشترى عبدًا بشرط العتق، وفي المستولدة، وفيما إذا استؤجر على العمل فيه حتى يفرغ ويعطى أجرته، وأما النوع الثاني فهو ثلاثة أضرب: حجر صبًا، وجنون، وسفه وسماه الغزالي تبذيرًا.
قال: (ومقصود الباب: حجر المجنون والصبي والمبذر) وهو بالذال المعجمة من (التبذير) وهو: صرف المال في غير مصارفه.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾.
وفسر الشافعي رحمه الله تعالى (السفيه) بالمبذر، و (الضعيف) بالصبي، و (الذي لا يستطيع) بالمغلوب على عقله، وفسره ابن عباس رضي الله عنهما بالأخرس.
وألحق القاضي حسين بالمجنون النائم؛ لأن تصرفه حال نومه غير نافذ، وفيه نظر.

-فَبِالْجُنُونِ تَنْسَلِبُ الْوِلَايَاتُ وَاعْتِبَارُ الأَقْوَالِ، وَيَرْتَفِعُ بِالإِفَاقَةِ  وقال المتولي: المغمى عليه بالمرض كالمجنون في الحكم، والمختار خلافه، وصرح الغزالي بأنه ليس ممن يولى عليه، وهذا هو الحق.
وذكر الإمام وجهين في الرشيد إذا كان يخدع في بعض التصرفات، هل للقاضي أن يحجر عليه في ذلك النوع؟ ولم يصحح الرافعي شيئًا منهما.
والأخرس الذي لا تفهم إشارته لابد له ممن يتصرف عليه، لكن هل يتصرف الحاكم أو وليه في الصغر؟ فيه نظر، ولم يتعرض الرافعي لذلك، والظاهر: أن وليه في الصغر أولى من الحاكم.
قال: (فبالجنون تنسلب الولايات) أي: الثابتة بالشرع –كولاية النكاح وتفرقة الزكاة والنظر على الأطفال- والثابتة بالتفويض، كالإيصاء والقضاء؛ لأنه إذا لم يل أمر نفسه .. فأمر غيره أولى.
قال: (واعتبار الأقوال) فلا يترتب على شيء منها مقتضاه سواء كانت له أو عليه، سواء تعلقت بالدين كالإسلام أو بالدنيا كالمعاملات، وقد ذكر المصنف سلب الولايات في أبوابها.
وإنما عبر بـ (الانسلاب) دون الامتناع؛ لأن الامتناع لا يفيد السلب بدليل أن الإحرام مانع من ولاية النكاح لا سالب، ولهذا يزوج الحاكم دون الأبعد.
وسكت المصنف عن الأفعال؛ لأنها معتبرة منه في الإتلافات كالإحبال دون غيرها كالهدية والصدقة، فمن عامل المجنون أو أقرضه فتلف المال عنده أو أتلفه .. فمالكه هو المضيع، وما دام باقيًا .. يسترد، وقد تقدم في (باب الفلس) حكم حلول الدين بالجنون.
قال: (ويرتفع) أي: الحجر (بالإفاقة) أي: بمجردها من غير فك، وهذا لا خلاف فيه، واعتبار صاحب (التنبيه) (أن يفيق رشيدًا) محمول على من لم يبلغ رشيدًا فجن، أما من جن بعد رشده .. فلا.

-وَحَجْرُ الصَّبِيِّ يَرْتَفِعُ بِبُلوغِهِ رَشِيدًا.
وَ (الْبُلوغُ): بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً،  وعبارة الكتاب توهم: أن ولاية القضاء ونحوها تعود بالإفاقة وليس كذلك، بل لا تعود إليه بتولية جديدة، فالمراد: عود الأهلية.
قال: (وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدًا) لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتمى﴾ الآية.
والمراد بـ (الابتلاء): الاختبار، وبـ (اليتيم): الذي مات أبوه ما لم يبلغ، وبـ (النكاح): الوطء لا العقد، والقصد: أنه بمجرد البلوغ يرتفع الحجر من غير فك في الأصح.
وفي (سنن أبي داوود) [2873] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (لا يتم بعد احتلام).
وفي (صحيح مسلم) [1812]: أن ابن عباس رضي الله عنهما كتب إلى نجدة الحروري: لا ينقطع اسم اليتم حتى يبلغ أو يؤنس منه الرشد.
ولو ادعى الابن على أبيه أنه بلغ رشيدًا وطلب فك الحجر عنه، فأنكره الأب .. لم يحلفه، وقال الهروي: يحتمل أن يلحف به.
قال: (و (البلوغ): باستكمال خمسة عشرة سنة) أي: قمرية وذلك تحديد لا تقريب، فلو نقصت يومًا واحدًا .. لم يحكم ببلوغه؛ لما روى ابن حبان [4728] عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) وأصله في (الصحيحين).
وفي (الطبراني): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة .. كتب ما له وما عليه، وأقيمت عليه الحدود).
وفي وجه: يحصل البلوغ بالطعن في الخامسة عشر.
وثالث: بمضي نصفها.

أَوْ خُرُوجِ مَنِيٍّ.
وَوَقْتُ إِمْكَانِهِ: اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ،  وعن أبي حنيفة: أن بلوغ الغلام بثمانية عشر، والجارية سبعة عشر.
وعن مالك: أن ذلك لا يحصل بالسن بل بالاحتلام.
و (البلوغ) في اللغة: الوصول، يقال: بلغ الغلام إذا أدرك.
قال: (أو خروج مني)؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم ...) رواه الحاكم [2/ 59] وقال: صحيح الإسناد.
و (الاحتلام) في اللغة: إنزال المني في النوم لرؤية جماع أو غيره.
وفي الشرع: خروج المني على أي وجه كان، في نوم أو يقظة، بجماع أو غيره، من رجل أو امرأة.
وقال في (الدقائق): إن تعبيره بـ (خروج المني) أعم من تعبير (المحرر) و (التنبيه) بـ (الاحتلام) وفيه نظر.
وهذا الحكم متفق عليه في الغلام، أما الجارية .. فقيل: لا يكون ذلك فيها بلوغًا؛ لندوره فيهن.
قال: (ووقت إمكانه: استكمال تسع سنين) في الذكور والإناث؛ للاستقراء، ولا عبرة بما يخرج قبل ذلك، وقيل: في الصبي نصف العاشرة، وقيل: بتمامها، وقيل: في الصبية أول التاسعة، وقيل: نصفها.
وعبارة الكتاب و (الوجيز) توهم: أن الخلاف الأول جار فيهما، وبه صرح في (الدقائق)، والصواب الذي تقرر.
والوجوه الأربعة كالوجوه في أقل سن الحيض، لكن العاشرة هنا كالتاسعة هناك.

وَنَبَاتُ الْعَانَةِ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِبُلوغِ وَلَدِ الْكَافِرِ،  قال: (ونبات العانة يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر) لا خلاف فيه عندنا؛ لقول عطية القرظي رضي الله عنه –ولا يعرف نسبه وليس له غير هذا الحديث-: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان من أنبت .. قتل، ومن لم ينبت .. خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي) رواه الأربعة، وحسنه الترمذي، وقال الحاكم [2/ 123]: على شرط الشيخين.
والأصح: أنه ليس ببلوغ في حقه حقيقة، بل علامة عليه كما أشار إليه بقوله: (يقتضي)، وصرح به الرافعي في (الشرح الصغير) هنا، وفي (الكبير) في (كتاب السير) وفي الباب الثالث من (الدعاوى).
ووقت إمكانه وقت إمكان الاحتلام.
ومعنى كونه علامة على البلوغ: أنا نستدل به على أن بلغ بالاحتلام أو بالسن، ولهذا لو تحققنا أن عمره دون خمس عشرة سنة أو قامت بذلك بينة .. فلا أثر للإنبات، نص عليه.
فلو ادعى المأسور عدم البلوغ وقال: تعجلت الإنبات .. لم يقبل في دفع الجزية، وتقبل دعوى الصبي المأسور بيمينه في دفع القتل عنه؛ لسهولة الجزية وخطر الدم، واليمين واجبة على الصحيح، وفيه إشكالان: أحدهما: أن اليمين تعمل في النفي، وهذه لإثبات الاستعجال؟ وأجيب بأنا فعلناه لحقن الدم، وقد يخالف القياس لذلك، ولهذا قبلنا جزية المجوس دون نكاحهم.
الثاني: كيف يحلف من يدعي الصبا؟ فالجواب: لابد منها؛ لأن الدليل الظاهر موجود فلا يترك بمجرد قوله، وعلى القول بأنه علامة في حق الكفار فقال الجويني: إنه علامة في الرجال دون النساء؛ لأنهن لا يقتلن إذا سبين، قال: وكان ابن خيران

لَا الْمُسْلِمِ فِي الأَصَحِّ، وَتَزِيدُ الْمَرْأَةُ حَيْضًا وَحَبَلًا  يقول: إنه علامة في الرجال والنساء، وبهذا صرح إمام الحرمين والعراقيون.
ولابد من تقييد الشعر بكونه خشنًا.
وعلم من تقييد المصنف: أن شعر الإبط والشارب واللحية لا يلحق بها، وهو الأصح في (الشرح الصغير)، ولا اعتبار بتغير الصوت ونهود الثدي ونتوء طرف الحلق وافتراق الأرنبة.
والأصح في زوائد (الروضة): جواز النظر إلى العانة؛ ليعرف الإنبات، وقيل يمس من فوق حائل، وقيل: يلصق بها شمع ونحوه؛ ليعرف، وهما ضعيفان.
قال: (لا المسلم في الأصح)؛ لأن مراجعة الآباء في حق المسلمين والاعتماد على اخبارهم عن تواريخ المواليد سهل، بخلاف الكفار؛ فإنه لا اعتماد على قولهم، ولأن المسلمين ربما استعجلوا بالمعالجة لدفع الحجر واستفادة الولايات، والكفار لا يتهمون بمثله؛ لأنهم حينئذ يقتلون أو تضرب عليهم الجزية.
والثاني –وبه قال مالك وأحمد-: أنه يجعل أمارة في حقهم أيضًا، لأن الإشكال قد يقع في حق المسلمين أيضًا، واستدل له الرافعي بما روى البيهقي: أن غلامًا من الأنصار شبب بامرأة في شِعره، فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال: (لو أنبتّ .. لحددتك).
والخلاف مفرع على أنه علامة في حق الكافر، فإن قلنا: إنه بلوغ .. كان هنا أيضًا كذلك.
قال: (وتزيد المرأة حيضًا وحبلًا) أما الحيض .. فبالإجماع، واحتج له بما روى أبو داوود [4104] عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت أبي بكر: (إن المرأة إذا بلغت المحيض .. لا يصلح أن يرى منها إلى هذا وهذا) وأشار إلى الوجه والكفين؛ فعلق وجوب الستر بالمحيض، وذلك نوع تكليف.

وَ (الرُّشْدُ): صَلَاحُ الدِّينِ وَالْمَالِ،  وبما روى أبو داوود [641] والترمذي [377] وابن ماجه [655] وابن خزيمة [775] وابن حبان [1711] والحاكم [1/ 251] عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) أشعر بأنها بالحيض تكلف بالصلاة.
وأما الحبل .. فلأنه مسبوق بالإنزال، لكن الولد لا يستيقن ما لم تضع، فإذا وضعت .. حكمنا بحصول البلوغ قبل الوضع بستة أشهر وشيء؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإذا أتت زوجة صبي بولد يمكن إلحاقه به بأن كان ابن تسع سنين ونصف ولحظة .. لحقه، وفي الحكم ببلوغه قولان: أظهرهما: لا يحكم به؛ لأن البلوغ لا يثبت بالإمكان.
والثاني: نعم؛ لحكمنا بلحوق الولد.
قال بعضهم: وهما جاريان في استقرار المهر بذلك، بل هما هما.
فرع: الخنثى المشكل إذا خرج من ذكره مني ومن فرجه حيض .. حكم ببلوغه على الأصح.
وقيل: لا؛ لتعارض الخارجين، وإسقاط كل منهما حكم الآخر، وإن خرج من أحدهما .. لم يحكم ببلوغه عند الجمهور؛ لجواز أن يظهر من الآخر ما يعارضه.
قال الرافعي: والحق ما قاله الإمام: أنه ينبغي أن يحكم ببلوغه بأحدهما كما يحكم بذكورته أو أنوثته بذلك، فإن طرأ ما يعارضه .. غيرنا الحكم، واستحسنه المصنف.
قال: (و (الرشد): صلاح الدين والمال) كذا فسر ابن عباس والحسن ومجاهد الآية السالفة، وحقيقته مركبة من شيئين فلا يصدق مسماه بدونهما.
وقال بعض الأصحاب: (الرشد) صلاح المال فقط، وبه قال مالك وأبو حنيفة، ومال إليه الشيخ عز الدين.

فَلَا يَفْعَلُ مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ، وَلَا يُبَذِّرُ بِأَنْ يُضَيِّعَ الْمَالَ بِاحْتِمَالِ غَبْنٍ فَاحِشٍ فِي الْمُعَامَلَةِ أَوْ رَمْيِهِ فِي بَحْرٍ أَوْ إِنْفَاقِهِ فِي مُحَرَّمٍ  واستشكل الأول بأن الرشد الواقع في الآية نكرة في سياق الإثبات وهي لا تعم.
وجوابه: أنها في سياق الشرط .. فعمت، كما صرح به إمام الحرمين وغيره.
وقال ابن الرفعة: كان قاضي القضاة تقي الدين بن رزين لا يأخذ على القضاء معلومًا، ويقضي بأن الرشد صلاح المال فقط، ويستدل له بإجماع المسلمين على جواز معاملة من يلقاه الغريب من أهل البلاد، مع أن العلم محيط بأن الغالب على الناس عدم الرشد في الدين والمال، ولو كان ذلك مانعًا من نفوذ التصرف .. لم يجز الإقدام عليه.
قال: (فلا يفعل محرمًا يبطل العدالة) هذا تفسير (صلاح الدين).
والذي يبطل العدالة: الكبيرة والإصرارا على الصغيرة، فلا أثر لغير المحرمات وإن أبطلت الشهادة كالأكل في السوق ونحوه، ولا للمحرم الذي لا يبطل العدالة كالصغيرة من غير إصرار، وكذلك ما لا تعلق له بمال.
وعن بعضهم: أن المعاصي التي لا تتعلق بإضاعة المال، ولا يخاف معها في الغالب إتلافه كالغيبة، أي: أذا كثرت .. لا يحجر عليه بسببها، والمشهور الأول، هذا كله بناء على المشهور: أن ما يخل بالمروءة ليس بحرام.
وعن القاضي تقي الدين بن رزين: أنه حكى في تحريمها ثلاثة أوجه: ثالثها: أنه إن كان قد تحمل شهادة .. حرم، وإلا .. فلا.
قال: (ولا يبذر بأن يضيع المال باحتمال غبن فاحش في المعاملة، أو رميه في بحر، أو إنفاقه في محرم) قليلًا كان أو كثيرًا؛ لما في الأول والثاني من قلة العقل والثالث من قلة الدين، ولا يؤمن على ماله إلا ذو عقل ودين.
وفسر القاضي والفوراني والصيدلاني والإمام (التبذير): بأنه الذي لا يُكسب أجرًا في الآجل، ولا حمدًا في العاجل.
وقال في (أدب الدين والدنيا): (التبذير): الجهل بمواقع الحقوق، و (السرف): الجهل بمقادير الحقوق.

وَالأَصَحُّ: أَنَّ صَرْفَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَوُجُوهِ الْخَيْرِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِحَالِهِ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ ......

 وظاهر كلام الغزالي: أنهما سواء.
وكا ينبغي للمصنف التعبير بـ (الخسران) أو (السرف)؛ لأن النفقة مخصوصة بالطاعات، والخسران والضياع بضدها.
وإطلاق الشافعي رضي الله عنه والأصحاب يقتضي: أن الإنفاق في الحرام إسراف وإن قل، فقول المصنف: (إنفاقه) يعني: إنفاق جنس المال لا جميعه.
قال: (والأصح: أن صرفه في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله ليس بتبذير).
أما الصدقة ووجوه الخير كبناء المساجد والمدارس وفك الرقاب.
ففيه غرض الثواب.
وانفرد الشيخ أبو محمد بقوله: إن بلغ وهو مفرط بالإنفاق في ذلك .. فهو مبذر، وإن عرض له ذلك بعد ما بلغ مقتصدًا .. لم يحكم بصيرورته مبذرًا.
وأما الصرف في المطاعم والملابس والضيافة والهدايا التي لا تليق بحاله، وكذلك شراء الجواري الكثيرة النفيسة للاستمتاع وهن غير لائقات به .. فقال الإمام والغزالي: إنه تبذير، واختاره الشيخ؛ لقضاء العرف بذلك، وهذا مقتضى كلام الصيدلاني والفوراني، بل قال القاضي في (قسم الصدقات): إنه حرام، وبه جزم الرافعي هناك؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يجب المسرفين﴾.
وقوله: ﴿والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾.
وقوله تعالى: ﴿ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾.
وقال الأكثرون: لا يكون ذلك تبذيرًا؛ لأن المال يتخذ لينفتع ويلتذ به، وسواء في المسألتين القليل والكثير.

وَيُخْتَبَرُ رُشْدُ الصَّبِيِّ  وعكس المسألة: لو قتر الموسر على نفسه .. فالأصح: أنه لا يحجر عليه.
وقوله: (في الصدقة) كالتكرار؛ لأنه داخل في وجوه الخير، لا جرم عبر في (الروضة) بوجوه الخير كالصدقات وفك الرقاب.
قال: (ويختبر رشد الصبي)؛ لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتمى﴾ وسواء في ذلك الذكر والأنثى، والمسلم والكافر، ويكون في الدين والمال، ففي الدين بالمحافظة على أداء الواجبات، واجتناب المحرمات، وتوقي الشبهات، ومخالطة أهل الخير والديانات.
وصلاح الكافر في دينه بما هو صلاح عندهم.
والمخاطب بالاختبار: كل من يلي أمره من عصبة أو حاكم أو وصي على الأصح.
ولما كان أمر المحجور عليه في دينه يظهر كغير المحجور عليه .. استغنى المصنف عن التصريح به، ولما كان تصرفه في المال مجهولًا؛ لكون المال ليس في يده .. احتاج إلى ذكره فلذلك قال:

وَيَخْتَلِفُ بِالْمَرَاتِبِ: فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ التَّاجِرِ: بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْمُمَاكَسَةِ فِيهِمَا.
وَوَلَدُ الزَّرَّاعِ: بِالزِّرَاعَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقُوَّامِ بِهَا.
وَالْمُحْتَرِفُ: بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَتِهِ.
وَالْمَرْأَةُ: بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَزْلِ وَالْقُطْنِ، وَصَوْنِ الأَطْعِمَةِ عَنِ الْهِرَّة وَنَحْوِهَا ...

 (ويختلف بالمراتب: فيختبر ولد التاجر: بالبيع والشراء والمماكسة فيهما) أي: النقصان عما طلبه البائع والمشاحة فيه، يقال: تماكس البيعان إذا تشاحا في إنقاص الثمن، وعبارته تقتضي صحة البيع والشراء منه، والأصح خلافه.
قال: (وولد الزَّرَّاع: بالزراعة والنفقة على القُوَّام بها) أي: بالزراعة، أي: الأجراء، والمراد: إعطاؤهم الأجرة لا الإطعام؛ فإن الاستئجار به لا يصح، والتبرع به من مال المحجور ممتنع، فإن أريد إدخال العبيد والدواب .. فتحمل النفقة على العموم.
وفي (الدقائق): أنه عدل عن المزارع إلى الزراع؛ لأنه أعم.
قال: (والمحترف: بما يتعلق بحرفته) فيختبر الخياط بتقرير الأجرة وصون الثوب المسلم إليه ونحو ذلك.
و (الحرفة): الصنعة.
قال: (والمرأة: بما يتعلق بالغزل والقطن) وتهيئتهما إن كانت مخدرة، فإن كانت برزة .. فتختبر بما يختبر به الرجل المتعيش بالسوق ببيع الغزل والقطن ونحوهما من آلات النساء.
وقال القاضي: يؤمر من يخادعها، فإن انخدعت .. فليست برشيدة، وإلا .. فرشيدة.
قال: (وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها)؛ لأن بذلك يتبين الضبط وحفظ المال.
وقال القاضي: تختبر بمعاملة محارمها والنسوان بما يليق بها.
أما تصرف المرأة بعد الرشد .. فصحيح من غير احتياج إلى إذن الزوج.

وَيُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ الِاخْتِبَارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.
وَوَقْتُهُ: قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَقِيلَ: بَعْدَهُ  وأما رواية أبي داوود [3565 بنحوه]: (لا تتصرف المرأة إلا بإذن زوجها) .. فأشار الشافعي رضي الله عنه إلى ضعفها، وعلى تقدير صحتها تحمل على الأولى.
وولد الأمير والرئيس يختبران بالإنفاق على الخدم والعيال، فيسلم إليه المال ويؤمر بالإنفاق؛ ليعلم إسرافه في ذلك واقتصاده.
قال الماوردي: يعطى نفقة يوم ثم أسبوع ثم شهر، وينظر تصرفه في ذلك.
والخنثى .. قال ابن المسلم: يختبر بما يختبر به الذكر والأنثى جميعًا؛ ليحصل العلم بالرشد، لأنه إذا اختبر بما يختبر به أحدهما .. جاز أن يكون من النوع الآخر.
و (الهرة) جمعها هرر كقربة وقرب، وإذا جمعت المذكر ألحقته الهاء كقرد وقردة.
قال: (ويشترط تكرر الاختبار مرتين أو أكثر)؛ لأن المرة الواحدة قد يصيب فيها اتفاقًا .. فلابد من زيادة تفيد غلبة الظن برشده.
واعتبر الماوردي أن يكون ذلك ثلاث مرات، كما في الكلب المعلم.
قال: (ووقته: قبل البلوغ)؛ لقوله تعالى ﴿وابتلوا اليتمى﴾ ولا يتم بعد احتلام.
قال: (وقيل: بعده)؛ لأن تصرفه حالة الصبا غير نافذ.

فَعَلَى الأَوَّلِ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ، بَلْ يُمْتَحَنُ فِي الْمُمَاكَسَةِ، فَإِذَا أَرَادَ الْعَقْدَ .. عَقَدَ الْوَلِيُّ.
فَلَوْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ .. دَامَ الْحَجْرُ  قال: (فعلى الأول: الأصح: أنه لا يصح عقده، بل يمتحن في المماكسة، فإذا أراد العقد .. عقد الولي) ولو تلف المال المدفوع إليه للاختبار .. فلا ضمان على الولي.
والثاني: يعقد الصبي، ويصح منه هذا العقد للحاجة.
وقيل: يشتري الولي السلعة ويواطئ بائعها ليبيعها من الصبي في الصورة، ومنهم من قال: يعطى بعض المال ويشتري هو بنفسه على معنى الرسالة كما يرسل الرجل الصبي فيشتري .. فيجوز، حكاها الجوري.
فإن أراد بذلك صحة عقده بنفسه .. فهذه فائدة عظيمة؛ لعموم البلوى بإرسال الصبيان في شراء الحوائج.
قال الشيخ: والذي قاله غير بعيد، سواء جوزنا المعاطاة أم لا.
قال: (فلو بلغ غير رشيد .. دام الحجر) عليه؛ لمفهوم الآية، والمراد: دام جنس الحجر، وإلا .. فحجر الصبي زال بالبلوغ، وخلفه حجر السفه، ولكن لما اتصل السفه بالصبي .. كان بمثابة تمادي الصبا، ولهذا كان ناظرًا في أمره من كان ناظرًا في أمر الصبي من أب، أو جد، أو وصي، أو حاكم وإن كان النظر في أمر السفيه مختصًا بالحاكم.
وقال أبو حنيفة: إن بلغ مفسدًا للمال .. منع منه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة؛ لأنه حينُ كمال لُبِّه، روي عن عمر رضي الله عنه: أنه قال: ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة.
وقال أهل الطبائع: من بلغ خمسًا وعشرين سنة .. فقد بلغ رشده، ألا ترى أنه يصير جدًا في هذا السن.
ولأن منع المال عنه على سبيل التأديب له، فإذا بلغ خمسًا وعشرين سنة .. فقد انقطع رجاء التأديب، فلا معنى لمنع المال عنه بعده، وينفذ تصرفه وإن كان فاسقًا، وبه قال مالك فيمن بلغ فاسقًا، ونقل المتولي مثل مذهبهما عن بعض أصحابنا.

وَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا .. انْفَكَّ بِنَفْسِ الْبُلُوغِ وَأُعْطِيَ مَالَهُ –وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فَكُّ الْقَاضِي،

 وحكم الجنون إذا اتصل بالصبا حكم الصفه إذا اتصل بالصبا، وقيل: يكفي بلوغه مصلحًا لماله.
قال: (وإن بلغ رشيدًا .. انفك بنفس البلوغ وأعطي ماله)؛ لأنه حجر ثبت بغير حاكم فلم يتوقف زواله على إزالة الحاكم، كحجر الجنون بالإفاقة.
قال: (وقيل: يشترط فك القاضي)؛ لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد فأشبه حجر السفه الطارئ، ورجحه البغوي وابن أبي هريرة.
وعلى هذا: لابد من قول الحاكم: رفعت الحجر، ويقوم مقامه إذنه لمن في يده المال في دفعه إليه.

فَلَوْ بَذَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ .. حُجِرَ عَلَيْهِ،  وقال الصيمري والماوردي: إن كان الولي أبًا أو جدًا .. ارتفع بالبلوغ والرشد، وإن كان أمين الحاكم .. لم يرتفع إلا بالحاكم، وإن كان وصي أبيه .. فوجهان.
تنبيه: أشار بقوله: (أعطي ماله) إلى أنه لا فرق بين الرجل والمرأة، ولا بين المزوجة وغيرها، خلافًا لمالك فإنه قال: لا يسلم المال إلى المرأة حتى تتزوج، فإذا تزوجت .. يدفع إليها بإذن الزوج، ولا ينفذ تبرعها بما زاد على الثلث ما لم تصر عجوزًا، فقال له الشافعي رضي الله عنه: أرأيت لو تصدقت بثلث مالها، ثم بثلث الثلثين، ثم بثلث الباقي هل يجوز التصرف الثاني والثالث؟ إن جوزت .. سلطتها على جميع المال بالتبرع، وإن منعت .. منعت الحر البالغ العاقل عن ماله، ولا وجه له.
قال: (فلو بذر بعد ذلك .. حجر عليه) خلافًا لأبي حنيفة.
لنا: قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ والمراد: أموالهم لقوله: ﴿وارزقوهم فيها﴾.
وروى الطبراني من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه بسند صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذوا على أيدي سفهائكم).
وروى الشافعي [1/ 384] والبيهقي [6/ 61] بإسناد حسن: أن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه اشترى سبخة بثلاثين ألفًا -وفي رواية: بست مئة ألف- فبلغ ذلك عليًا رضي الله عنه فقال: ما يسرني أنها لي بنعلي، فقال علي: لآتين أمير المؤمنين عثمان وأسأله أن يحجر عليه، فذكر عبد الله بن جعفر ذلك للزبير فقال: إني شريكك فيها، ثم بلغ ذلك عثمان فقال: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟ وإنما قال عثمان ذلك؛ لأن الزبير كان معروفًا بالضبط في التجارة ووجوه الربح والخسران.

وَقِيلَ: يَعُودُ الْحَجْرُ بِلَا إِعَادَةٍ- وَلَوْ فَسَقَ .. لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ  وقوله: (حجر) المراد: أعيد عليه الحجر، فلا يعود بدون إعادة.
وعلى هذا: من يعيده؟ قال الرافعي: لا خلاف أن للقاضي أن يعيده.
وكان أبو يحيى البلخي يقول: يعيده الأب والجد أيضًا، ونقل عنه: أن الوصي يعيده أيضًا، والمشهور: تخصيصه بالحاكم؛ لأنه محل نظر واجتهاد، فإن عاد رشيدًا .. لم ينفك إلا بالحاكم على المذهب.
قال: (وقيل: يعود الحجر بلا إعادة) كما لو جن، وهذا قول أبي ثور، وإذا تصرف قبل أن يحجر عليه .. نفذ تصرفه في الأصح.
وعلى الثاني: قال ابن الرفعة: يظهر أنه كالمهمل.
قال الشيخ: وفيما قاله نظر، والظاهر: أنه على الثاني لا ينفذ.
قال: (ولو فسق .. لم يحجر عليه في الأصح)؛ لأن الأولين لم يحجروا على الفسقة.
والثاني –وبه قال ابن سريج-: أنه يحجر عليه، كما يستدام الحجر به عليه، وكما لو عاد التبذير.
وقيد في (الوسيط) هذا الوجه بما إذا رأى فيه المصلحة.
وعبر في (الروضة) بالمذهب بدل الأصح.
ولا يخفى أن محل الوجهين: إذا قلنا: إن اقتران الفسق أولًا مانع، كما تقدم الجزم به في قوله: (وإن بلغ غير رشيد)، أما إذا قلنا: يكفي صلاح المال .. فلا يحجر قطعًا، ويؤخذ من هذا: أنه يفرق الزكاة بنفسه وهو فاسق.
قال في (المحكم): (الفسق) العصيان والترك لأمر الله والخروج عن طريق الحق.

وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ طَرَأَ .. فَوَلِيُّهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: وَليُّهُ فِي الصِّغَرِ.
وَلَوْ طَرِأَ جُنُونٌ .. فَوَلِيُّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ، وَقِيلَ: الْقَاضِي  قال: (ومن حُجر عليه لسفه طرأ .. فوليه القاضي)؛ لأن ولاية الأب وغيره قد زالت فلا تعود، وينظر من له النظر العام.
و (السفه): ضعف العقل وسوء التصرف، وأصله الخفة والحركة، شبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج، قال ذو الرُّمَّة [من الطويل]: مشين كما اهتزت رماحٌ تسفَّهت .... أعاليَها مرُّ الرياح النواسم قال: (وقيل: وليه في الصغر) كمن بلغ مجنونًا.
قال الرافعي: وموضع الوجهين: إذا قلنا: يعود الحجر بنفسه، أما إذا قلنا: القاضي هو الذي يعيده .. فهو الذي يلي أمره بلا خلاف، وطريقة الوجهين التي في الكتاب و (المحرر) مبنية على الوجه الضعيف.
ونقل الروياني عن الشافعي رضي الله عنه: أنه إذا حجر عليه الحاكم .. يستحب له أن يرد أمره إلى الأب والجد، فإن لم يكن .. فسائر العصبات؛ لأنهم أشفق.
قال: (ولو طرأ جنون .. فوليه وليه في الصغر، وقيل: القاضي) تعليلهما كما سبق، والفرق على الأصح بينه وبين السفيه: أن السفه وزواله مجتهد فيه فاحتاج إلى حاكم، بخلاف الجنون، فلو كان يغبن في بعض التصرفات دون بعض .. فهل يحجر عليه حجر خاص في ذلك النوع؟ فيه أوجه: أحدها: لا؛ لبعد اجتماع الحجر بالسفه وعدمه في شخص واحد.
والثاني: يحجر عليه فيه؛ لنقصه عن رتبة الكاملين.
والثالث: يحجر عليه مطلقًا؛ لأنه لا يصدق عليه الرشد المطلق.
ويظهر جريانها فيما إذا بلغ بهذه الصفة.
ويستحب أن ينادى على المحجور عليه؛ ليجتنب سواء أشهد على الحجر أم لا، فإن عامله أحد بعد ذلك .. فهو المتلف لماله، نص عليه.

وَلَا يَصِحُّ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ وَلَا إِعْتَاقٌ وَهِبَةٌ  قال ابن داوود: هذا عندي إذا لم يطالب برده، فإن طالبه به فلم يفعل حتى تلف .. لزمه ضمانه، كما لو غصبها أو أتلفها.
قال: (ولا يصح من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراء)؛ لأن ذلك مظنة الضرر سواء كان على العين أم في الذمة، سواء كان فيه غبطة أم لا، وفي شرائه في الذمة وجه ضعيف.
أما إذا توكل في ذلك لغيره .. فوجهان: مقتضى تصحيح الرافعي في مسألة شراء السفيه بإذن الولي مع تقدير العوض: المنع، لكنه صحح في (الوكالة) جواز توكيله في قبول النكاح.
هذا كله إذا لم يأذن له الولي في ذلك، فإن أذن له .. فسيأتي.
قال: (ولا إعتاق) بالإجماع، لا بإذن ولا بغيره، سواء كان العتق مجانًا أو بعوض، فإن وكله غيره في ذلك حيث لا يكون لعمله أجرة ولا عهدة فيه .. فالأصح أيضًا: أنه لا يصح، ولو لزمه كفارة يمين أو ظهار .. صام كالمعسر؛ حفظًا لماله، بخلاف كفارة القتل؛ فإن الولي يعتق عنه كما سيأتي في بابه.
كل هذا في حال الحياة، أما عتقه بعد الموت كالتدبير والوصية .. فيصح كما سيأتي في بابه.
قال: (وهبة) فلا يهب شيئًا من ماله بالاتفاق، أما قبوله الهبة والوصية .. فكلام الرافعي يقتضي: أنه لا يصح، والأصح في زوائد (الروضة): الصحة، ونقله الإمام عن الأكثرين، وجزم به الماوردي، واختاره الشيخ.
وعلى هذا: لا يجوز تسليمها له، فإن سلمه فاستهلكه .. غرم من سلمه في الوصية دون الهبة؛ لأنه ملك الوصية بقبوله، ولم يملك الهبة بقبوله.
وقال في (المطلب): الذي يظهر: أنه يصح قبضه الموهوب ويملك به.

وَنِكَاحٌ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، فَلَوِ اشْتَرَى أَوِ اقْتَرَضَ وَقَبَضَ وَتَلِفَ الْمَاخُوذُ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ .. فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ عَلِمَ حَالَهُ مَنْ عَامَلَهُ أَوْ جَهِلَهُ،  أما ضمان السفيه: فعند الإمام والغزالي باطل؛ لأنه تبرع، واعترضهما الرافعي بأن كونه تبرعًا إنما يظهر حيث لا رجوع، أما حيث يرجع .. فهو إقراض لا محض تبرع.
وأجاب المصنف بأنه لو سلم أنه قرض .. فهو قرض تبرع، وأيضًا ففي الضمان غرر بلا مصلحة.
قال: (ونكاح بغير إذن وليه) هذ عائد على النكاح خاصة؛ فإنه الذي يصح بالإذن، وسيأتي في (كتاب النكاح) الولي الذي يزوجه، أما الهبة والإعتاق .. فباطلان مطلقًا، وكذا البيع في الأصح.
قال: (فلو اشترى أو اقترض وقبض وتلف المأخوذ في يده أو أتلفه .. فلا ضمان في الحال، سواء علم حاله من عامله أو جهله)؛ لأن الذي عامله كان من حقه أن لا يعامله إلا عن بصيرة، فالذي أقبض هو المضيع.
وقيل: إن جهل حاله .. وجب الضمان.
هذا إذا أقبضه البائع الرشيد، فإن أقبضه السفيه بغير إذن البائع، أو أقبضه البائع وهو محجور عليه .. فإنه يضمنه بالقبض قطعًا، فإطلاقه محمول على ما إذا أقبضه البائع الرشيد.
ولا خلاف أنه إذا كانت العين في يده .. يجب ردها، ويجب على وليه استرداد الثمن إن كان أقبضه.
وقوله: (سواء علم أو جهل) وصواب العبارة: سواء أعلم أم جهل، قال تعالى: ﴿وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾.

وَلَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ.
وَيَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ نِكَاحُهُ، لَا التَّصَرُّفُ الْمَالِيُّ فِي الأَصَحِّ  قال: (ولا بعد فك الحجر)؛ لتقصيره أيضًا، ومقتضى كلام الرافعي والمصنف: أن الضمان كما ينتفي في الحكم ينتفي أيضًا فيما بينه وبين الله تعالى، وقد صرح به الإمام والغزالي في (الوسيط)، وحكيا وجهًا: أنه يطالب فيما بينه وبين الله تعالى، وضعفاه بأنه لو وجب باطنًا .. لم تمتنع المطالبة به ظاهرًا.
وقيل: إن علم البائع بالحجر .. لم يجب الضمان، وإلا .. وجب، واختاره الروياني.
قال: (ويصح بإذن الولي نكاحه) هذا الذي قطع به العراقيون، وله شروط ذكرها المصنف وغيره ستأتي هناك مبسوطة إن شاء الله تعالى.
قال: (لا التصرف المالي في الأصح) كما لو أذن الصبي.
والثاني: يصح كالنكاح، ورجحه الأمام ومال إليه الغزالي، وهذه غير مسألة بيع الاختبار.
والوجهان محلهما: إذا عين له الولي قدر الثمن، فإن لم يعنيه .. قال القاضي حسين: بطل جزمًا.
وألحق في (المطلب) تعيين المبيع بتعيين الثمن، ويتقدر بثمن المثل، وهذا بخلاف ما لو أذن له في النكاح ولم يقدر مهرًا .. فإنه يصح ويتقدر بمهر المثل، والفرق: أن المهر في الصداق ليس بركن، والثمن في المبيع ركن.

وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِدَيْنٍ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ –وَكَذَا بِإِتْلَافِ الْمَالِ فِي الأَظْهَرِ-  وشملت عبارة المصنف: البيع والشراء وإجارة أملاكه، ومقتضاها: طرد الخلاف في كل تصرف مالي، ومنه الهبة والعتبق والكتابة، ولا خلاف في بطلانها مع الإذن.
والجواب: أنه إذا وكل فيها .. يجري الخلاف، وهذا كاف في تصحيح كلامه؛ لأنه لم يقل: تصرفه في ماله، وأيضًا المفهوم لا عموم له، بل يقتضي: أن منها من يصح على وجه.
ولو أذن له الحاكم في تصرف .. هل يصير مطلق التصرف في كل تصرف؟ وجهان.
ولو ثبت للسفيه دين فقبضه بإذن وليه .. ففيه وجهان: رجح الحناطي الاعتداد بقبضه، كذا نقله الرافعي عنه في أوائل الباب الثاني من أبواب (الخلع).
ويستثنى من عموم التصرف المالي: لو وجب عليه قصاص فصالح بغير إذن الولي على الدية أو أكثر .. صح، وإن وجب له قصاص .. فله العفو على مال، وكذا مجانًا على المذهب كما سيأتي في مكانه، وكذلك يصح عقده الذمة بدينار بلا خلاف، وبأزيد من الدينار على رأي القاضي حسين والغزالي.
قال الإمام: وإذا انتهى إلى الضرورة في المطاعم .. فالوجه عندي: القطع بجواز تصرفاته.
قال: (ولا يصح إقراره بدين قبل الحجر أو بعده) كالصبي إذا أقر، وفيما أسنده إلى ما قبل الحجر وجه، فلو فك عنه الحجر .. لا يلزمه ما أقر به.
قال: (وكذا بإتلاف المال في الأظهر) كدين المعاملة.
والثاني: يقبل؛ لأنه لو باشر الإتلاف ضمن، فإذا أقر به .. قبل، وذلك في الدنيا كما تقدم.
وينبني على القولين سماع الدعوى.

وَيَصِحُّ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَطَلَاقُهُ وَخُلْعُهُ وَظِهَارُهُ وَنَفْيُهُ النَّسَبَ بِلِعَانٍ.
وَحُكْمُهُ فِي الْعِبَادَةِ كَالرَّشِيدِ، ...

 وعرض اليمين: إن قبلناه .. سمعت وعرضت اليمين، فإن حلف .. انقطعت الخصومة، وإن نكل .. عرضت على المدعي، فإن حلف .. استحق، وإن لم نقبله .. لم تسمع الدعوى حيث لا بينة.
وحكم الغصب والجناية في جميع ما ذكرناه حكم الإتلاف، وكذا السرقة التي لا توجب القطع، ثم إن المصنف حكى الخلاف كـ (المحرر) قولين، وحكياه في (دعوى الدم والقسامة) وجهين وقالا: إنهما سبقا في (الحجر).
قال: (ويصح بالحد والقصاص)؛ لعدم تعلقهما بالمال، ولبعد التهَمة فيهما، فإن كان الحد سرقة .. قطع لها، وفي ثبوت المال قولان كما في العبد، قاله الرافعي، والصحيح في العبد: عدم ثبوته.
قال: (وطلاقه وخلعه وظهاره ونفيه النسب بلعان) هذه معطوفات على الضمير في قوله: (ويصح) أي: ويصح إقراره، ولا فرق في صحة خلعه بين أن يكون بمهر المثل أو أقل؛ لأن له أن يطلق مجانًا فبعوض أولى.
وقوله: (بلعان) لا حاجة إليه؛ لأن له نفيه من أمته بالحلف لا باللعان، وكذلك تصح رجعته، فإن كان مطلاقًا .. سُرِّيَ جاريةً، فإن تضجر منها .. أبدلت.
ولو احتطب أو احتش أو اصطاد .. ملك بلا خلاف.
ولو أقر باستيلاد أمة .. لم يقبل وتباع إذا اختار الولي، إلا أن يثبت أنها فراش وتلد لمدة الإمكان.
ولو أقر بنسب .. ثبت وأنفق على المستلحق من بيت المال، وأكثر هذه المسائل مذكورة في أبوابها.
قال: (وحكمه في العبادة كالرشيد)؛ لاجتماع الشرائط فيه، ومراده: العبادة الواجبة مالية كانت أو بدنية، أما غير الواجبة .. فالمالية كصدقة التطوع وغيرها ليس هو فيها كالرشيد.

لَكِنْ لَا يُفَرِّقُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِحَجِّ فَرْضٍ .. أَعْطَى الْوَلِيُّ كِفَايَتَهُ لِثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ.
وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ وَزَادَتْ مُؤْنَةُ سَفَرِهِ عَلَى نَفَقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ .. فَلِلْوَلِيِّ  قال: (لكن لا يفرق الزكاة بنفسه)؛ لأنه تصرف مالي، ولا فرق بين زكاة المال وزكاة الفطر، بل ينوي الولي ويفرقها كزكاة الصبي، فلو أذن له الولي في التفرقة .. جاز؛ لأنه يجوز أن يوكله الأجنبي فيها كما صرح به القاضي والبغوي والروياني، فإذا جاز ذلك في مال الأجنبي .. ففي ماله أولى إذا أذن الولي، لكن شرط فيه الروياني تعيين المدفوع إليه، فينبغي اشتراطه هنا.
قال: (وإذا أحرم بحج فرض .. أعطى الولي كفايته لثقة ينفق عليه في طريقه)؛ خوفًا من تفريطه فيه، اللهم إلا أن يسافر معه، وإذا رأى أن يدفع إليه نفقة أسبوع .. فعل، وإن كان اللائق به دفعها يومًا بيوم .. فعل.
هذا كله بعد الإحرام، أما قبله .. فلا؛ لأنه على التراخي، اللهم إلا أن يسافر لذلك وأخر الإحرام إلى الميقات .. فإنه يعطى.
وحكم العمرة كالحج، فلو عبر بـ (النسك) كان أشمل.
ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين فرض الإسلام والمنذورة قبل الحجر.
وقوله: (لثقة) الصواب حذف اللام؛ لأن (أعطى) يتعدى لاثنين بنفسه.
ولو أحرم بحج تطوع ثم حجر عليه قبل إتمامه .. فحكمه حكم الفرض، قاله الرافعي في أوائل (الحج).
قال: (وإن أحرم بحج تطوع وزادت مؤنة سفره على نفقته المعهودة .. فللولي مَنْعُهُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَمُحْصَرٍ فَيَتَحَلَّلُ.
قُلْتُ: وَيَتَحَلَّلُ بِالصَّوْمِ إِنْ قُلْنَا: لِدَمِ الإِحْصَارِ بَدَلٌ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ كَسْبٌ قَدْرَ زِيَادَةِ الْمُؤْنَةِ .. لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ  منعه)؛ صيانة لماله، وههنا اتفقوا على صحة إحرامه بحج التطوع كالعبد، بخلاف الصبي المميز حيث لا يصح في الأصح، والفرق: استقلال السفيه.
ثم إن لم تزد مؤنة سفره على نفقة الحضر .. فالإحرام لازم، وإن زادت ولا كسب له في الطريق يفي بالزائد .. لم يعطه الولي الزائد، والتعبير بالمنع وقع هنا وفي كتب الرافعي والمصنف، وهو يقتضي: أن الولي يمنعه من نفس السفر، وعبارتهما وعبارة غيرهما في (كتاب الحج): أن للولي تحليله.
وعبر الإمام والغزالي بأن له منعه من زوائد المؤنة لا نفس المضي، ومال إليه في (المطلب)، وحمل كلام الشيخين عليه.
قال: (والمذهب: أنه كمحصر فيتحلل)؛ لأنه ممنوع.
والطريقة الثانية: وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: أنه كمن فقد الزاد والراحلة لا يتحلل إلا بلقاء البيت؛ لاشتراكهما في امتناع الذهاب للعجز.
قال: (قلت: ويتحلل بالصوم إن قلنا: لدم الإحصار بدل؛ لأنه ممنوع من المال) وتقدم في (الحج): أن هذا هو الأصح، وإن قلنا: لا بدل له .. فإنه يبقى في ذمة السفيه كما صرح به في (المطلب).
قال: (ولو كان له في طريقه كسب قدر زيادة المؤنة .. لم يجز منعه والله أعلم)؛ لأن الإتمام من دون التعرض للمال ممكن، واستشكله في (المطلب) إذا كان عمله مقصودًا بالأجرة حتى لا يجوز التبرع به.
وجوابه: أن المسألة مفروضة فيما إذا كان كسبه من السفر لا يتأتى منه في الحضر، ومثل ذلك لا يعد الولي به مفوتًا للمال؛ لأنه لو أقام .. لما حصل ذلك الكسب، أما عمل الحضر الذي يفوت بالسفر .. فليس مقصودًا هنا.

فَصْلٌ: وَلِيُّ الصَّبِيِّ: أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ،  وإذا أفسد حجة بجماع .. لزمه المضي فيه، وينفق الولي عليه فيه، وهل يعطيه نفقة القضاء؟ فيه وجهان في (البحر).
وجميع ما ذكرناه في الحج جار في العمرة، إن قلنا: إنها فرض .. فكحج الفرض، وإن قلنا: تطوع .. فكحج التطوع.
تتمة: سئل الشيخ عن يتيم تحت حجر الشرع، له مال يعامل فيه ناظر الأيتام بإذن الحاكم، ثم إن اليتيم سكن قرية من بلاد القدس، ومضت عليه مدة تحقق فيها بلوغه –ولم يعلم هل بلغ رشيدًا أم لا- هل تجوز المعاملة في ماله بعد مدة البلوغ المذكورة وإخراج الزكاة أو لا؟ فقال: لا تجوز المعاملة في ماله، ولا إخراجُ الزكاة منه في هذه الحالة، ويعضد ذلك قول الأصحاب: إن الولي إذا أجر الصبي مدة يبلغ فيها بالسن .. لم يصح فيما زاد على البلوغ.
قال: (

فصل

: ولي الصبي: أبوه) بالإجماع، هذا إذا كان أمينًا وليس للحاكم منعه من ذلك، لكن يستثنى من ذلك من ألحقنا به النسب ولم يحكم ببلوغه.
قال: (ثم جده) المراد به: أبو الأب وإن علا كولاية النكاح.
وعن مالك: لا ولاية للجد.
والشرط فيهما الحرية، فلا ولاية لرقيق على مال ولده، ويشترط أيضًا الإسلام في

ثُمَّ وَصِيُّهُمَا، ثُمَّ الْقَاضِي.
وَلَا تَلِي الأُمُّ فِي الأَصَحِّ.
وَيَتَصَرَّفُ الْوَلِيُّ بِالْمَصْلَحَةِ،  الولد المسلم، وفي اشتراطه في الولد الكافر وجهان: أصحهما: لا، كما قاله في (المطلب) في (الشهادات).
ولا يحتاج الحاكم إلى ثبوت عدالتهما الباطنة، بل يكتفي بالعدالة الظاهرة، لكن إذا فسقا .. نزع القاضي المال منهما كما قاله الرافعي في (الوصية)، فإذا عادا إلى الصلاح .. عادت ولايتهما وأمانتهما على الأصح.
قال: (ثم وصيهما) أي: وصي آخرهما موتًا؛ فإن الجد إذا مات أولًا والأب حي بصفة الولاية .. فالولاية له، وبالعكس تكون الولاية للجد بالشرع، وفي هذه الصورة وجه: أن وصي الأب مقدم على الجد، والصحيح: خلافه.
قال: (ثم القاضي)؛ لأنه ولي من لا ولي له، وكذلك أمين الحكم .. فحكمه في ذلك حكم القاضي.
ولو كان اليتيم في بلد وماله في غيره، فهل الولاية لقاضي بلد المال أو بلد اليتيم؟ وجهان: أولاهما: الأول.
واستفيد بتعبير المصنف بـ (ثم) ترتيب المذكورين، وهو كذلك.
قال: (ولا تلي الأم في الأصح) قياسًا على النكاح.
والثاني: تلي بعد الأب والجد، وتقدم على وصيهما لكمال شفقتها.
وحكم المجنون ومن بلغ سفيهًا حكم الصبي في ترتيب الأولياء.
وفهم من جميع ما تقدم: أنه لا ولاية للفرع عند جنون الأصل أو سفهه كولاية النكاح، وأيضًا فالأصول أشفق من الفروع، ولو قيل بإثباتها لهم كما تثبت لبنت المجنون عليه الحضانة .. لم يبعد، إلإ أن يجاب بأن باب الحضانة أوسع.
قال: (ويتصرف الولي بالمصلحة)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن﴾ فيكسوهما كسوة تليق بهما من يسارهما وإعسارهما، ويشتري له

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العبد والأمة إن احتاج إلى ذلك، ويصرف أجرة معلمهما القرآن الذي يؤدي به فرائض الصلاة، ولو علمه جميع القرآن أو حرفة .. ففي الأجرة وجهان: أصحهما: في مال الصبي؛ لما فيه من مصلحته كأجرة الحلاق والحجام والطبيب.
وإذا كان يخرق الكسوة .. هدده، فإن لم يفعل .. اقتصر في البيت على إزار، وإذا خرج .. كساه وجعل عليه رقيبًا.
وقال الإمام والغزالي: يجوز أن يشتري له المعيب، وصرح المتولي بعدم الصحة.
ويستحب أن يشتري له العقار، وهو أولى من التجارة، فإن كان لا يحصل من ريعه قدر الكفاية .. فالتجارة أولى عند إمكانها، وشرط الأصحاب فيمن يشتري منه العقار: أن يكون ثقة؛ ليؤمَنَ منه بيع ما لا يملكه.
قال الشيخ: وكذا ينبغي في غير العقار مما يخشى عاقبته.
قال الإمام: ولا يشتري عقارًا نفيسًا لا يحتفل بمغله بالنسبة إلى ثمنه، كدار عظيمة لا يحتاج إليها الصبي، ولا يوجد لها مكتر.
ويخرج من ماله أروش الجنايات وبدل الإتلافات وإن لم تطلب، ونفقة القريب الثابت النسب بالبينة بعد الطلب، ويسقي نخله ويتعهدها، فإن ترك .. ضمن الدواب دون النخل.
وقال القفال: إذا ترك ورق الفرصاد حتى فات وقته .. ضمن، وإن ترك عمارة عقاره حتى خرب وعنده ما يعمر به .. أثم، وفي ضمانه وجهان جاريان فيما إذا ترك إجارة عقاره مع التمكن، وفيما إذا ترك بدل الخلع الذي قبضه بغير إذنه في يده بعد العلم حتى تلف.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإذا ترك مطالبة غريمه الموسر حتى أفلس .. فيشبه أن يأتي فيه الوجهان، ولم أر من صرح به.
وفي (فتاوى المصنف): يجوز للأب استخدام ولده وضربه على ذلك، مما فيه تدريبٌ للصبي وتأديب وحسن تربية ونحو ذلك.
وسئل عن يتيم أخذه جده لأمه فاستخدمه حتى بلغ هل تجب عليه أجرة؟ فقال: عليه أجرة المثل للمدة التي لم يكن فيها رشيدًا، سواء ما قبل البلوغ وما بعده، وإلى ذلك كله سبقه ابن الصلاح.
وله المسافرة بمال المحجور عليه إذا دعت ضرورة إليه كنهب أو حريق، وإلا، فإن كان الطريق مخوفًا .. لم يسافر به، وإن كان آمنًا .. فالأصح: الجواز.
أما سفر البحر .. ففي حالة غلبة السلامة الأكثرون منعوا ذلك.
وقيل: يجوز إن أوجبنا ركوبه للحج، وحيث منعنا فسافر به .. قال القاضي: لا ينعزل بذلك.
ويجوز أن يزرع له، قاله في (الشامل) في (التفليس).
وقال ابن الرفعة: الظاهر: أنه لا يجوز أن يشتري له الرقيق للتجارة؛ لغرر الهلاك، بخلاف عامل القراض.
وإذا تضجر الأب بحفظ مال الطفل .. جاز أن يستأجر من مال الطفل من يتولى ذلك، وله أن يرفع الأمر إلى القاضي ليقيم قيمًا بأجرة، فإن طلب هو من القاضي أن يقرر له أجرة على ذلك .. لم يجبه إليه غنيًا كان أوفقيرًا، لكن إن كان فقيرًا ينقطع به عن كسبه .. فله أن يأكل بالمعروف، والمعتبر أقل الأمرين من أجرة مثله وقدر كفايته، وهل يرد البدل إذا أيسر؟ قولان: أصحهما في زوائد (الروضة): لا؛

وَيَبْنِي دُورَهُ بِالطِّينِ وَالآجُرِّ لَا اللَّبِنِ وَالْجِصِّ، وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُ إِلَّا لِحَاجِةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ،  لظاهر القرآن، وكذا حكم الوصي، وستأتي الإشارة إلى ذلك في آخر (الوصايا) إن شاء الله تعالى.
قال: (ويبني دوره بالطين والآجر)؛ لأن الآجر يبقى، والطين قليل المؤنة وينتفع به بعد النقض، واختار الماوردي والروياني وطائفة أنه ينبني بما جرت العادة به في عرف البلد.
وقال في (البيان): الحجر أولى من الآجر.
و (الآجر): الطوب المشوي، فارسي معرَّب، حكى في (التحرير) وغيره في ست لغات أشهرها: تشديد الراء، الواحدة آجرة، وأول من صنعه هامان.
قال: (لا اللبن والجص)؛ لأن اللبن يصير إذا انهدم ترابًا، والجص كثير المؤنة، ويلتصق بالطوب فلا ينتفع به إذا انهدم ويكسر كثيرًا من الطوب.
وعبارة المصنف وافق فيها (المحرر) و (الروضة)، والذي في (الشرح الكبير) عطف الجص بـ (أو) وهي أولى؛ لأنها تدل على الامتناع في اللبن، سواء كان مع الطين أو الجص، وعلى الامتناع في الجص سواء كان مع اللبن أو الآجر، فيفيد ذلك منعهما مجتمعين، ومنع اللبن والطين، ومنع الآجر مع الجص، والتعبير بـ (الواو) لا يفيد إلا منع الاجتماع.
و (الجص) بكسر الجيم وفتحها، فارسي معرب أيضًا.
واشترط ابن الصباغ في بناء العقار: أن يساوي بعد بنائه قدر ما صرف عليه، وهذا في زماننا في غاية الندور، فهو في الحقيقة منع للبناء.
قال: (ولا يبيع عقاره إلا لحاجة أو غبطة ظاهرة)؛ لأن العقار أحسن ما يقتنى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وحكم الأواني من صُفر ونحوه مما يعد للقنية حكم العقار، قاله البندنيجي، وما عدا ذلك من أمواله لا يجوز أيضًا بيعه إلا لحاجة أو غبطة، لكن يجوز لحاجة يسيرة وربح قليل بخلاف العقار.
وأما أموال التجارة .. فينبغي جواز بيعها من غير تقييد بشيء مما ذكر.
والمراد بـ (الحاجة): خوف خراب العقار، أو إعواز نفقة ولم يجد مقرضًا.
وأما الغبطة .. فكثقل خراجه مع قلة ريعه، أو راغب بزيادة على ثمن مثله وهو يجد مثله ببعضه، وهذا على سبيل المثال لا على سبيل الاشتراط، وكذلك الحكم لو وجد مثله ببعض ذلك الثمن.
وقوله: (ظاهرة) ليست في (المحرر) ولا في (الشرح) ولا في (الروضة)، لكن فيها تفسير الغبطة بما ذكرناه.
وضبط الإمام الزيادة بأن لا يستهين بها العقلاء بالنسبة إلى شرف العقار.
وقال الجوهري: الغبطة حسن الحال، ويظهر جواز بيعه بثمن مثله دفعًا لرجوع الواهب، وفي دخوله في الغبطة نظر.
فروع: أمسك الولي عن البيع؛ لتوقع زيادة فرخص قال القفال: لا يضمن، وقال الجيلي: يضمن.
وسئل القفال عن ضيعة خراب ليتيم تستأصل في خراجها فقال: يجوز بيعها ولو بدرهم؛ لأنه المصلحة.
وأفتى ابن الصلاح بأن من في يده مال ليتيم وليس بوصي، ولو سلمه إلى ولي

وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ بِعَرْضٍ وَنَسِيئَةً لِلْمَصْلَحَةِ، وَإِذَا بَاعَ نَسِيئَةً .. أَشْهَدَ وَارْتَهَنَ بِهِ  الأمر .. خاف ضياعه: أنه يجوز له النظر في أمره، والتصرف في ماله بالتجارة والإنفاق للضرورة، ومخالطته في الأكل.
وإذا باع الأب أو الجد عقارًا للطفل ورفع إلى القاضي .. سجل على بيعه ولم يكلفه إثبات الحاجة أو الغبطة بالبينة؛ لأنه غير متهم، وفي بيع الوصي والأمين لا يسجل إلا إذا قامت البينة بذلك.
ومقتضى التعليل في الأب والجد: استثناء الأم من الأوصياء.
وأطلق الشيخان هنا: أنه لا يهب أمواله بشرط الثواب ولا دونه؛ إذ لا يقصد بالهبة العوض، لكنهما صححا: أنه إذا ذكر فيها ثوابًا معلومًا جرى عليها جميع أحكام البيع، وحينئذ ينبغي أن يجوز ذلك حيث يجوز البيع.
قال: (وله بيع ماله بعرض) هذا لا خلاف فيه إذا كانت فيه مصلحة.
قال: (ونسيئة للمصلحة) هذا قيد في العرض والنسيئة، ولابد أن يزيد على ثمنه نقدًا؛ لأن الأجل يقابل بقسط من الثمن.
ويشترط كون المشتري موسرًا ثقة والأجل قصيرًا، واختلفوا فيه فقيل: لا يزيد على سنة، والأصح: اتباع العرف، فإن بطل شرط من هذه .. بطل البيع.
قال: (وإذا باع نسيئة .. أشهد وارتهن به) أي: أشهد بالبيع وارتهن بالثمن رهنًا وافيًا احتياطًا للمحجور عليه.
ومقتضى عبارة المصنف: أنه إذا ترك واحدًا من الرهن والإشهاد .. بطل البيع،

وَيَاخُذُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَتْرُكُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ،  والذي يجتمع من كلام الرافعي وابن الرفعة: أن الإشهاد لا يجب؛ لأن ابن الرفعة جعله كإقراض ماله، والرافعي جزم في الإقراض بعدم وجوبه، بل يفعل ما يراه مصلحة.
نعم؛ لو باع مال ولده من نفسه نسيئة .. لم يحتج إليه كما صرح به البغوي وغيره.
قال: (ويأخذ له بالشفعة أو يترك بحسب المصلحة)؛ لأنه مأمور بطلب الحظ، فإن ترك والأخذ أحظ .. فللمحجور الأخذ عند زوال الحجر، وإن كان الترك أحظ .. فلا في الأصح، فإن استوى الأمران .. ففيه أوجه: أحدها: يحرم الأخذ.
والثاني: يجب.

وَيُزَكِّي مَالَهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ.
فَإِنِ ادَّعَى بَعْدَ بُلُوغِهِ عَلَى الأَبِ وَالْجَدِّ بَيْعًا بِلَا مَصْلَحَةٍ .. صُدِّقَا بِالْيَمِينِ.
وَإِنِ ادَّعَاهُ عَلَى الْوَصِيِّ وَالأَمِينِ .. صُدِّقَ هُوَ بِيَمِينِهِ.
والثالث: يتخير، والأول مقتضى كلام الرافعي في (الشفعة) والنص يفهمه والآية تشهد له.
ولو قال المحجور: كان الأخذ بالشفعة أحظ، ونازع الولي .. فكما لو اختلفا في بيع العقار كما سيأتي.
قال: (ويزكي ماله، وينفق عليه بالمعروف) هذان واجبان على الولي؛ لأنه قائم مقامه، ولا يسرف في الإنفاق عليه ولا يقتر، فإن أسرف .. ضمن، وكذلك يخرج عنه كل واجب عليه.
قال: (فإن ادعى بعد بلوغه على الاب والجد بيعًا بلا مصلحة .. صدقا باليمين)؛ لأنهما لا يتهمان؛ لوفور شفقتهما، كذا علله الرافعي وغيره، ومقتضاه: قبول قول الأم إذا كانت وصية، وكذلك من في معناها كأصولها.
قال: (وإن ادعاه على الوصي والأمين .. صدق هو بيمينه) وعليهما البينة؛ للتهمة، ولا فرق في ذلك بين العقار وغيره على الأصح.
وقيل: يقبل قول الولي مطلقًا أبًا كان أو وصيًا، وهو اختيار الغزالي.
وقيل: لا يقبل مطلقًا.
وقيل: يقبل قول الأب والجد في كل شيء، ولا يقبل قول غيرهما في العقار ويقبل في غيره، واختاره الشيخ؛ لأن الوصي أمين وتكليفه البينة في كل قليل وكثير يعسر.
وأما العقار .. فيحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره، ودعواه على المشتري من الولي كهي على الولي، ودعواه على القاضي إن كان على ولايته .. فالمصدق القاضي، وإن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عزل .. فإطلاق (التنبيه) يقتضي: أنه كالوصي، وكلام الجرجاني فيه إشارة إليه، واختاره في (الإقليد).
وإذا قبلنا قول الولي، فأقام المحجور بينة على البيع من غير غبطة ولا حاجة .. حكم بها، وكذا إذا صدقنا المحجور فأقام الولي بينة على ما يدعيه، وقد صرح بهما في (المحرر).
فرعان: أحدهما: إذا كان للصبي كسب .. أجبره الولي على الاكتساب؛ ليرتفق به في النفقة وغيرها، وألحق في زوائد (الروضة) السفيه بالصبي في ذلك، وتوقف في (المطلب) في وجوب العمل عليه.
الثاني: إذا وكل الأب في حق الطفل .. يشترط في وكيله العدالة.
تتمة إذا دعت ضرورة إلى إقراض مال المحجور أو إيداعه .. جاز كل من الأمرين.
وقال الرافعي: يجوز للقاضي أن يقرض مال الصبي لغير ضرورة؛ لكثرة أشغاله دون غيره، وسبقه إلى ذلك البغوي.
قال الشيخ: وهذا شيء لم أره لغيرهما، قال: والصحيح: أنه لا يجوز لأحد من الأولياء أن يقرض إلا لضرورة، وهذا الذي يقتضيه إطلاق الشافعي والشيخ أبي حامد وابن الصباغ والشيخ أبي إسحاق والمحاملي والجراجاني والقاضي والإمام والمتولي والفوراني والغزالي والروياني وصاحب (العدة) والعمراني.
وقال الهروي: إنه المذهب، قال: ولا أشك فيه؛ فإن القرض فيه خطر وإن كان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  من موسر ثقة، فقد يفلس أو يموت وتعرض آفات، وليس هذا من الأحسن والله تعالى قال: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن﴾، وما سمعت قط في هذا الزمان أن أحدًا أقرض مال اليتيم لمصلحة اليتيم، ومن العجب أن الرافعي يقول هذا، ويطلق أنه يشترط في المقرض أهلية التبرع، أما غير الأب والجد والقاضي .. فلم يقل أحد: إنه يجوز أن يقرض لغير ضرورة.


خاتمة سئل الشيخ عن امرأة سفيهة تحت الحجر أقامت بينة برشدها، ثم حضر وليها فأقام بينة بسفهها، أيهما يقدم؟ فأجاب: تقدم بينة السفيه، لأن معها زيادة علم.
وصورة المسألة: أن تشهد بينة الرشد في الوقت الفلاني، فتشهد تلك بأنها في ذلك الوقت كانت تشرب الخمر أو نحو ذلك مما يوجب السفه، وأما إذا أطلقت .. فالوجه: تقديم بينة الرشد، ثم استدل لذلك بما تقدم في أول (كتاب التفليس) عن (فتاوى ابن الصلاح).


بَابُ الصُّلْحِ

باب الصلح

هو في اللغة: قطع المنازعة، وفي الشرع: عقد يحصل به ذلك.
ويطلق على الصلح بين المسلمين والمشركين، وعلى الصلح بين الإمام والفئة الباغية، وعلى الصلح بين الزوجين عند الشقاق، وعلى الصلح في المعاملات والديون وهو المراد هنا ولا يقع غالبًا إلا على حطيطة لبلوغ بعض الغرض.
وأصل الباب قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين) رواه الحاكم [4/ 101] وقال على شرط الشيخين، زاد ابن حبان [5091] والترمذي [1352]: (إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، والمسلمون عند شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا).
فالصلح الذي يحرم الحلال: أن يصالح زوجته على أن لا يطلقها ونحو ذلك، والذي يحلل الحرام: أن يصالح على خمر أو خنزير، ومن حال على مؤجل، أو من دراهم على أكثر منها.
وانعقد الإجماع على جوازه، وأكثر أحكام عمر رضي الله عنه كانت صلحًا.
ولفظه يتعدى إلى المتروك بـ (من) و (عن) وإلى المأخوذ بـ (على) و (الباء) وهو أقسام: بيع وإجارة، ويجمعهما صلح المعاوضة.
وهبة وإبراء، ويجمعهما صلح الحطيطة وهذه الأربعة في الكتاب.
وأهمل أقسامًا: منها: أن يكون عارية يرجع فيها متى شاء، كالصلح من الدار على سكناها، وهي

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل