وَلَوْ تَبِعَ بِالسَّيْفِ هَارِبًا مِنْهُ فَرَمَى نَفْسَهُ بِمَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ مِنْ طَرَفِ سَطْح .. فَلاَ ضَمَانَ، فَلَوْ وَقَعَ جَاهِلًا لِعَمَىّ أَوْ ظُلْمَةٍ .. ضَمِنَ، وَكَذَا لَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ فِي هَرَبِهِ فِي الأَصَحِّ
قال الرافعي: ويشبه أن يقال: الحكم منوط بالقوة والضعف لا بالصغر والكبر، والذي قاله صرح به صاحب (المهذب).
و (المسبعة) - بضم الميم وسكون السين-: الكثيرة السباع، واحترز بها عما إذا وضعه في مضيعة لا سباع فيها فاتفق أن افترسه فيها السبع .. فلا ضمان عليه قطعًا؛ إحالة للهلاك على اختيار الحيوان ومباشرته.
وقد يقال: احترز بها على زبية الأسد؛ فإنها يجب فيها القود في البالغ والصبي، وهذه مسألة صاحب (التنبيه) وغيره، وذكرها الرافعي في (الغصب).
قال: (ولو تبع بالسيف هاربا منه فرمى نفسه بماء أو نار أو من طرف سطح .. فلا ضمان)؛ لأنه باشر إهلاك نفسه عمدًا، والمباشرة مقدمة على السبب، وصار كما لو حفر بئرًا فجأة آخر ورمى نفسه فيها، وفي (الشرح) و (الروضة): أن هذا محله في البالغ العاقل، فلو كان المطلوب صبيًا أو مجنونًا .. بني على أن: عمدهما عمد أو خطأ؟ إن قلنا: خطأ .. ضمنه، وإلا .. فلا ضمان، وكل ما كان في معنى السيف كالسيف.
قال: (فلو وقع جاهلًا لعمى أو ظلمة .. ضمن)؛ لأنه لم يقصد إهلاك نفسه وقد ألجأه المتبع لذلك، لكن لو قتله آخر أو افترسه سبع في الطريق .. فلا ضمان بصيرًا كان أو ضريرًا، إلا أن يُلجئه إليه .. فإنه يضمن.
قال: (وكذا لو انخسف بع سقف في هربه في الأصح)؛ لأنه حمله على الهرب وألجأه إليه، ولو ألقى نفسه على السقف من عُلْوٍ فانخسف به لثقله .. فكإلقاء نفسه في ماء أو نار، ولا فرق في ذلك بين البالغ والصبي والمحنون على الأصح.
والثاني: لا ضمان؛ لأن السبب المهلك له لم يشعر به الطالب والمطلوب، فأشبه ما إذا اعترضه سبع فافترسه.
وَلَوْ سُلِّمَ صَبِيُّ إِلَى سَبَّاحٍ لِيُعَلِّمَهُ فَغَرِقَ .. وَجَبَتْ دِيَتُهُ
قال: (ولو سلم صبي إلى سباح ليعلمه فغرق .. وجبت ديته)؛ لأنه مات بإهماله وقلة تحفظه، وتكون ديته ديه شبه العمد، كما لو هلك الصبي بضرب المعلم تأديبًا.
وفي وجه: لا ضمان، كما لو وضع الصبي في مسبعه، وأيضًا الحر لا يدخل تحت اليد.
ويجري الوجهان فيما إذا كان الولي يعلمه بنفسه.
ولو أدخله الماء ليعبر لا لتعليم السباحة فغرق .. فالحكم كما لو ختنه أو قطع يده من أكله فمات، كذا ذكره المتولي.
واحترز بـ (الصبي) على البالغ العاقل إذا سلم نفسه إليه ليعلمه فيغرق؛ فلا ضمان على المشهور لاستقلاله.
وفي (الوسيط): أنه إن خاض معه معتمدًا على يده فأهمله .. احتمل أن يضمنه، والذي ذكره العراقيون والبغوي: أنه لا ضمان؛ لأنه مستقل، وعليه أن يحتاط لنفسه ولا يغتر بقول السابح.
فائدة:
روى البيهقي في (سننه) [214/ 6] في (باب السبق والمرمي) عن عبد الله بن عمر: أنه كتب إلى أبي عبيدة: أن علموا غلمانكم العوم ومقاتلتكم الرمي.
وروى جماعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ من العمر ست سنين .. خرجت به أمه إلى طيبة تزيره في بني عدي بن النجار قال: (فأحسنت العوم في بثرهم).
وفي (صفوة الصفوة) في ترجمة أُسيد بن خُضير: أنه كان يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي، وكانوا في الجاهلية يسمون من كانت فيه الخصال: الكامل.
وَيَضْمَنُ بِحَفْرِ بِئْرٍ عُدْوَانٍ،
و (السباح): العوام، من السبح، وهو: العوم في الماء والتقلب فيه.
قال الجوهري: ويقال: إنه لا ينسى.
وقوله تعالى: ﴿إن لك في النهار سبحا طويلا﴾ أي: تردادا في أمورك كما يتردد السابح في الماء.
قال قوم من العلماء: معناه: أنه إن فات حزب الليل بنوم أو عذر .. فليخلف بالنهار.
واختلف في قوله تعالى: ﴿والسابحت سبحا﴾:
فقيل: النجوم؛ لأنها تسبح في فلك.
وقيل: الملائكة؛ لأنها تتصرف في الأمور بأمر الله تجيء وتذهب.
وقيل: الشمس والقمر والليل والنهار.
وقيل: السحاب؛ لأنها كالعائمة في الهواء.
وقيل: المنايا تسبح في نفوس الحيوان.
وقيل: جماعة الخيل، ولذلك يقال للفرس: سابح.
وقيل: حيتان البحر، وهي من عظيم المخلوقات، فيروى: أن الله تعالى بث في الدنيا ألف نوع من الحيوان منها: أربع مئة في البر، وست مئة في البحر.
قل: (ويضمن بحفر بئر عدوان)؛ لتعديه بذلك.
هذا إذا لم يعلم به الإنسان، فإن علم وتعمد حتى هلك .. فلا ضمان على الحافر، وصورة العدوان لا تخفى، فإن كان الهالك بها آدميا .. فالدية على العاقلة، أو دابة أو مالا آخر .. فالغرم في ماله حيا وميتا، فلو حفر في أرض غيره عدوانا .. فرضاه بإبقائها محفورة كرضاه بحفرها ابتداء على الأصح.
ومقتضى كلام المصنف: أنه لا فرق في تضمين الحافر بين التردي فيها ليلا أو
لاَ فِي مِلْكِهِ وَمَوَاتٍ
نهارا، ونقله في (الوسيط) عن إطلاق الأصحاب، وخصه الإمام بالتردي نهارا.
هذا إذا لم يوجد هناك مباشر ثان؛ بأن رداه فيها إنسان غيره فالضمان على المردي ولا اعتبار بالحفر كالممسك والقاتل.
وشمل إطلاقه ما لو حصل التردي بعد موت الحافر، والدية فيه على العاقلة.
وفي (الوسيط) في (باب كفارة القتل): ولا خلاف في تعليق الضمان بتركته، وهو على ما إذا كان المتردي بهيمة أو عبدا مما واجبه القيمة؛ فإنها تجب في التركة، وموضع التضمين: ما إذا تجرد التردي للإهلاك، فلو تردت بهيمة ولم تتأثر بالصدمة وبقيت فيها أياما ثم ماتت جوعا أو عطشا .. فلا ضمن على الحافر؛ لحدوث سبب آخر، كما لو جاء سبع فافترسها في البئر، كذا نقله الرافعي في آخر (باب العاقلة) عن البغوي، وأقره.
قال: (لا في ملكه وموات)؛ لأنه غير متعد، حتى لو دخل داخل بإذنه وتردى فيه .. لم يضمن، وعليه حمل ما في (الصحيحين) [خ1499 - م1710] من قوله صل الله عليه وسلم: (البئر جرحها جبار، والمعدن جرحه جبار).
قال أحمد: وما يروى فيه من قوله: (والنار جبار) فغلط ليس بصحيح، وقال أحمد: تصفحت من البئر، فأهل اليمن يكتبون النار بالياء كما يكتبون البير،
والظاهر: أن ما تستحق منفعته بوصية أو وقف كملكه، وكذا ما يستحقه بإجارة يجوز له معها الحفر.
والمراد ب (حفر البئر في الموات): أنه قصد أن ينتفع بها مدة مقامه ثم يتركها للمسلمين، كما نبه عليه البندنيجي وابن الرفعة.
وَلَوْ حَفَرَ بِدِهْلِيزِهِ بِئْرًا وَدَعَا رَجُلًا فَسَقَطَ .. فَالأَظْهَرُ: ضَمَانُهُ، أَوْ بِمِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ مُشْتَرَكٍ بِلاَ إِذْنٍ .. فَمَضْمُونٌ،
ومحل ما ذكره: إذا كانت مكشوفة أو عرفه المالك أن هناك بئرا وأمكنه التحرز، فإما إذا لم يعرفه أو كان الداخل أو في ظلمة .. فكما لو دعاه لطعام مسموم فأكله.
ويستثني من إطلاق المصنف مسألتان:
إحداهما: إذا حفر بالحرم بئرا في ملكه أو في موات .. فإنه يضمن الصيد الواقع فيه في الحرم على الأصح، كما ذكره الرافعي في (باب محرمات الإحرام)، ونقل الإمام فيه هنا الإجماع، وقال لا يستثنى غيره وكذلك قاله المرعشي في (باب الغصب)، ونقله عن النص.
الثانية: إذا حفرها أوسع من العادة .. فيجب ضمان ما يتلف بها.
ولو اجتمع التعدي مع الملك؛ بأن حفر في أرضه التي أجرها أو رهنها بغير إذن المستأجر أو المرتهن .. فلا ضمان؛ لأنه ملكه.
قال: (ولو حفر بدهليزه بئرا ودعا رجلا فسقط .. فالأظهر: ضمانه) هذا كالمستثنى مما سبق، وإنما ضمنه؛ لأنه غره.
والثاني لا يضمنه؛ لأن المدعو هو الذي باشر إهلاك نفسه باختياره.
وقيل: إن كان الطريق واسعا وعن البئر معدل .. فقولان، وإن كان ضيقا .. فقولان مرتبان، وأولى بالوجوب.
وعبارة المصنف تفهم التقييد بالمكلف، لكن عبارة (المحرر) و (الشرح) غيره، وهي أعم.
قال: (أو بملك غيره أو مشترك بلا إذن ... فمضمون)؛ لأنه متعد بالحفر، وتكون الدية على عاقلته.
وقوله: (بلا إذن) يعود إلى ملك غيره وإلى المشترك.
ولو حفر بئرا قربة العمق ثم عمقها غير .. فالأصح: أن الضمان عليهما،
أَوْ بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ يَضُرُّ الْمِارَّةَ .. فَكَذَا، أَوْ لاَ يَضُرُّ أَذِنَ الإِمَامُ .. فَلاَ ضَمَانَ، وَإلاَّ: فَإِنْ حَفَرَ لِمَصْلَحَتِهِ .. فَالضَّمَانُ، أَوْ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ .. فَلاَ فِي الأَظْهَرِ ..
وقيل: يختص بالأول، فعلى الأصح: عليها الضمان بالسوية كالجراحات.
وقيل: توزع بحسب الحفر، وسيأتي فيما لو وضع عدلا في سفينة فيها تسعة أعدال فغرقت تصحيح: أنه يضمن التسعة، والفرق: أن سبب الإهلاك في الأعدال متميز، بخلاف هذا.
ولو حفر بئرا متعديا ثم طمه ثم حفره غيره فهلك به إنسان .. فهل الضمان على الأول؛ لأنه المبتدئ، أو الثاني؛ لانقطاع فعل الأول بالطم؟ فيه وجهان: صحح المصنف الثاني.
قال ابن الرفعة: وينبغي أن يقال: إن طمه بوجه مشروع .. فلا وجه إلا تضمين الثاني؛ لأن الأول بريء بالطم، وإلا .. فهو محل الوجهين.
وإذا كان الحافر عبدا .. تعلق الضمان برقيته، فلو أعتقه السيد .. فضمان من يتردى؛ بعد العتق يتعلق بالعتيق.
قال: (أو بطريق ضيق يضر المارة .. فكذا) أي: فمضمون للتعدي وإن إذن فيه الإمام؛ إذ ليس له أن يأذن فيما يضر.
قال: (أو لا يضر)؛ لسعة الطريق أو لانحراف البئر عن الجادة.
قال: (وإلا) أي: إذا لم يأذن الإمام (فإنه حفر لمصلحته .. فالضمان)؛ لافتنانه على الإمام.
قال: (أو مصلحة عامة .. فلا في الأظهر) هذا هو الجدي؛ لأن المصالح العامة تغتفر لأجلها المضرات الخاصة، ولأن مراجعة الإمام قد تعسر في ذلك.
والثاني- وهو القديم-: يضمن؛ لأن الناظر للمسلمين فيما يتعلق بالمصالح العامة الإمام ولم يأذن.
وَمَسْجِدٌ كَطَرِيقٍ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ جَنَاحٍ إِلَى شَارِعٍ فَمَضْمُونٌ،
قال: (ومسجد كطريق) بالنسبة إلى الحفر فيه، فإن كان بإذن الإمام .. فلا ضمان، أو بغير إذنه .. فالقولان.
ولو بنى سقف مسجد، أو نصب فيه عمودا، أو طين جداره، أو علق فيه قنديلا فسقط على إنسان، أو تلف به مال، أو فرش فيه حصيرا أو غيره فزلق به إنسان وهلك، أو دخلت منه شوكة في عينه فذهب بها بصره، فإن جرى ذلك بإذن الإمام أو متولي أمر المسجد .. فلا ضمان على الأظهر.
قال البغوي: مثل هذا: لو وضع دنا على بابه ليشرب الناس منه، فإن كان بإذن الإمام .. لم يضمن، أو بغير إذنه .. فكذلك على الأظهر، بخلاف ما لو بني دكة على باب داره فهلك بها شيء .. فإنه يضمنه؛ لأنه فعله لمصلحة نفسه.
قال: (وما تولد من جناح إلى شارع فمضمون) سواء كان مضرا أم لا؛ لأن الارتفاق بالشارع إنما يجوز بشرط سلامة العاقبة.
قال الرافعي: ولم يفرقوا بين أن يأذن الإمام أم لا كما فعلو في حفر البئر لغرض نفسه، فإذا تولد منه هلاك إنسان .. ضمنه بالدية على العاقلة، وإن هل به مال .. وجب في ماله.
واحترز بقوله: (إلى الشارع) من إخراجه إلى ملكه أو إلى ملك غيره بإذنه؛ فلا ضمان قطعا، وإن أخرجه إلى درب منسد بغير إذن أهله .. ضمن المتولد منه، وبإذنهم .. لا ضمان كالحفر في دار الغير بإذنه، كذا قالوه، ويجيء على الوجه المتقدم في (كتاب الصلح): أن الدرب المنسد كالشارع؛ أنه يضمن مطلقا.
فرع:
أشرع إلى ملكه ثم سبل ما تحت جناحه شارعا .. فحكم الضمان منتف عنه، كما لو دام ملكه على البقعة، والظاهر: أنه لو سبل أرضه المجاورة لداره شارعا واستثنى لنفسه الإشراع إليها ثم أشرع ... أنه لا ضمان.
وَيَحِلُّ إِخْرَاجُ اٌلْمَيَازِيبِ إِلَى شَاَرِع، وَاٌلتَّالِفُ بِهَا مَضْمُونٌ فِي اٌلْجَدِيدِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فِي اٌلْجِدَارِ فَسَقَطَ اٌلْخَارِجُ .. فَكُلُّ اٌلضَّمَانِ، وَإنْ سَقَطَ كُلُهُ .. فَنِصْفُهُ فِي اٌلأَصَحَّ
قال: (ويحل إخراج الميازيب إلى شارع)؛ لعموم الحاجة إليها، وهو إجماع لا خلاف فيه، ولا يخفى أن شرطها أن تكون عالية غير مضرة بالمارة كالروشن.
و (الميازيب) جمع: مئزاب، وهو بكسر الميم وبعدها همزة، ويجوز تخفيفها بقلبها ياء فيقال: مزاب وميازيب بياء ساكنة في الأول مفتوحة في الثانى، وكذلك كتبها المصنف بخطه، قال: وقد غلط من منع ذلك ولا خلاف بين أهل اللغة في جوازه، ويقال أيضًا: مرزاب براء ثم زاي، وهى لغة مشهورة، قال في) التحرير): ولا يقال بتقديم الزاي، وقد حكاها شيخه ابن مالك في كتاب (ما يهمز وما لا يهمز) عن ابن الأعرابى، فاجتمع فيه أربع لغات.
قال: (والتالف بها مضمون في الجديد)، وكذلك بمائه النازل منه؛ لأنه ارتفاق بالشارع فجوازه مشروط بالسلامة كالجناح، وكما لو طرح ترابًا في الطريق ليطين به سطحه فزلق به إنسان .. ضمنه، وبهذا قال أبو حنيفة.
والقديم-وبه قال مالك-: لا ضمان؛ لأنه من ضرورة البناء، فأشبه ما إذا تولد الإهلاك من بنائه في ملكه، وهو ضعيف؛ لأنه يمكن إجراء الماء إلى بئر يحفرها في داره أو يفتح له أخدودًا في الجدار فلا ضرورة.
قال: (فإن كان بعضه في الجدار فسطق الخارج .. فكل الضمان)؛ لأنه تلف بما هو مضمون عليه خاصة.
وأشار بقوله: (فإن كان بعضه في الجدار) إلى أنه لو كان خارج الجدار؛ بأن سمره عليه .. تعلق الضمان بسقوطه أو بعضه، ولو كان كله في الجدار .. فلا ضمان بوقوعه كالجدار.
قال: (وإن سقط كله .. فنصفه في الأصح)؛ لأن التلف حصل من مباح مطلق ومباح بشرط سلامة العاقبة، وفي قدره وجهان أو قولان:
أحدهما: يجب الضمانتوزيعا على النوعين.
وَإِنْ بَنَى جِدَارَهُ مَائِلًا إِلَى شَارِع .. فَكَجَناَحِ، أَوْ مُسْتَوِياَ فَمَالَ وَسَقَطَ فَلاَ ضَمَانَ، وَقِيلَ: إنْ أَمْكَنَ هَدْمُهُ وَإِصْلاَحُهُ .. ضَمِنَ،
والثاني: يسقط على الداخل والخارج.
وعلى هذا: ففي كيفيته وجهان:
أحدهما: بالمساحة، فإن كان الخارج ثلث الخشبة .. ضمن الثلث، وبه جزم جماعة.
وثانيهما: أنه يكون بالوزن، وصححه في) أصل الروضة)، ولم ينبه على أنه من زوائده.
ويمتحن بهذه المسألة فيقال: رجل قتل إنسانًا بخشبة.
ز وجب عليه بعض ديته، وإن قتله ببعضها .. وجب عليه كمال ديته.
وفي قول: يضمن جميع الدية؛ لأن الداخل جذبه الخارج، ولا فرف بين أن يصيبه الداخل أو الخارج؛ لأن الهلاك حصل بثقل الجميع، نص عليه.
والساباط العالي كالجناح.
قال: (وإن بنى جداره مائلًا إلى شارع .. فكجناح)، فيضمن ما تلف به؛ لأنه مباح بشرط سلامة العاقبة.
واحترز بقوله: (إلى شارع) عما لو كان مائلا إلى ملكه .. فلا ضمان؛ لأن له أن بيني في ملكه كيف شاء.
قال: (أو مستويا فمال وسقط .. فلا ضمان)؛ لأنه بنى في ملكه ولم يحصل الميل بفعله، فأشبه ما اذا سقط بلا ميل، أما إذا لم يتمكن من الإصلاح .. فلا ضمان قطعًا.
قال: (وقيل: إن أمكن هدمه وإصلاحه .. ضمن)؛ لتقصيره بترك النقض والإصلاح، ورجحه الروياني وفاقا لابن أبي هريرة وصاحب) التقريب) والقفال، والقضاة: أبي الطيب والماوردي والحسين والجاجرمي، ويحكى عن أصحاب مالك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالذي تحرر في المسالة أربعة آراء ما بين قول ووجه:
أظهرها- ما قاله المصنف-: لا يضمن.
والثانى: يضمن.
والثالث: ان تمكن من نقضه واصلاحه .. ضمن، والا .. فلا.
والرابع: إن علم به .. ضمن، وإلا .. فلا
ولو مال بعضه دون بعض .. نظر: إن حصل التلف براسه المائل .. ضمن، أو بالمستوي منه .. فلا، أو بهما .. ضمن البعض كما تقدم في الميزاب والجناح.
ولو باع باني الجدار المائل أو ناصب المزاب الدار .. لم يبرأ من الضمان، حتى إذا سقط على إنسان فهلك .. يكون الضمان على عاقلة البائع، هكذا نقله الشيخان عن البغوي واقراه عليه، وهو يقتضي: أن يكون الحكم كذلك في الجناح، وهو بعيد، وما يجب ضمانه بهذه الأشياء إن كان آدميًا فهو على العاقلة، مالا .. فهو على ذمة الجاني.
ولو لم يمل الجدار ولكن استهدم .. فليس لأحد مطالبته بنقضه، واذا وقع وأتلف شيئا .. فلا ضمان؛ لأنه لم يجاوز ملكه، قاله الإصطخري والماوردي، وحكى المتولي وجها: أن للجار والمار في الشارع مطالبته بإزالته؛ لما يخاف من ضرره.
فعلى هذا: هو كما لو مال فلم ينقضه فسقط وأتلف.
وَلَوْ سَقَطَ بِالطَّرِيقِ فَعَثَرَ بِهِ شَخْصٌ أَوْ تَلِفَ مَالٌ .. فَلاَ ضَمَانَ فِي اٌلأَصَحَّ.
وَلوْ طَرَحَ قُمَامَاتِ وَقُشُورَ بِطَّيخِ بِطَرِيقِ .. فَمَضْمُونٌ عَلَي اٌلصَّحِيحِ، ...
قال: (ولو سقط بالطريق فعثر به شخص أو تلف) به (مال .. فلا ضمان في الأصح)؛ لأن الهلاك حصل بغير فعله.
والثاني: يضمن؛ لتقصيره.
ومتقضي كلام الرافعي: أن مقابل الأصح هنا: أنه إن تمكن من رفع النقض فلم يفعل .. ضمن، ولا فرق على الوجهين بين أن يطالب أو لا.
وقال أبو حنيفة: إن طولب وأشهد عليه فلم يفعل .. ضمن، لكن لو مال إلى ملك جاره .. فللجار المطالبة بإزالة المائل؛ لأن الهواء ملكه، فصار كما لو انتشرت أغصان شجرة إليه، فإن امتنع.
ز فله نقضه، فإن سقط وتلف به شيء .. فالأصح: لا ضمان أيضا، ولو أراد أن يبنى جداره مائلا إلى دار غيره .. فللجار منعه.
قال: (ولو طرح قمامات وقشور بطيخ بطريق .. فمضمونعلى الصحيح)؛ لما تقدم من ان الاتفاق مشروط بسلامة العاقبة، وكذلك حكم قشور الرمان والموز والفول الأخضر ونحوها.
والثاني: لا ضمان مطلقا؛ لاطراد العادة بالمسامحة به مع الحاجة.
والثالث: إن ألقاها في متن الطريق .. ضمن، أو في منعطف لا ينتهي إليه المارة غالبا .. فلا.
قال الإمام: والوجه: القطع بالضمان في الإلقاء في متن الطريق وتخصيص الخلاف بالإلقاء على الطرف.
قال الرافعي: ولك أن تقول: قد توجد بين العمارات مواضع معدة لذلك تسمى السباطات والمزابل وتعد من المرافق المشتركة، فيشبه ان يقطع بنفي الضمان إذا كان الإلقاء فيها ويختص الخلاف بغيرها.
و (السباطات) جمع: سباطة، وهي: الكناسة، وفي الحديث: (أتى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم قبال قائمًا).
والسباطة والكناسة والقمامة شيء واحد وزنا ومعنى.
واحترز بقوله: (بطريق) عما إذا القاها في ملكه أو موات؛ فلا ضمان.
فروع:
قال في (الإحياء): إذا اغتسل إنسان في الحمام وترك الصابون أو السدر المزلقين بأرض الحمام فتزلق به إنسان وتلف به عضو وكان في موضع لا يظهر بحيث يتعذر الاحتراز منه .. فالضمان على تاركه في اليوم الأول، وعلى الحمامي في الثاني؛ فإن العادة جرت بتنظيف الحمام كل يوم، فيرجع إليها.
ولو رش الماء في الطريق فتزلق به إنسان أو بهيمة، فإن كان لمصلحة عامة كدفع الغبار عن المارة .. فالأصح: لا ضمان، وإن كان لمصلحة نفسه أو جاوز في الرش القدر المعتاد .. ضمن.
والطواف إذا وضع متاعه في الطريق فتلف به شيء .. لزمه ضمانه، بخلاف ما لو وضعه على طرف حانوته.
قال ابن الرفعة: محل الضمان في هذه الصورة وما أشبهها: إذا لم ير التالف ما حصل به التلف، فإن رآه وتعمد وضع رجله عليه حتى هلك .. فلا ضمان جزما.
تتمة:
نخس دابة أو ضربها مغافصة، فنفرت ورمت راكبها فمات، أو أتلفت مالًا .. وجب الضمان.
قال البغوي: فإن كان النخس بإذن المالك .. فالضمان عليه.
ولو غلبته دابته فاستقبلها رجل فردها فأتلفت في انصرافها .. فالضمان على الراد.
وَلَوْ تَعَاقَبَ سَبَبَا هَلاَكِ .. فَعَلَى اٌلأَوَّلِ؛ بِأَنْ حَفَرَ وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا عُدْوَانًا فَعَثَرَ بِهِ وَوَقَعَ بِهَا .. فَعَلَى اٌلْوَاضِعِ،
ولو حمل رجل رجلًا، فقرص الحامل رجل أو ضربه فتحرك وسقط المحمول عن طهره .. قال المتولي: هو كما لو اكره الحامل على إلقائه عن ظهره.
وفي (البيهقي) [8/ 112] عن علي رضي الله عنه: أنه قضى في جارية حملت جارية، فجاءت ثالثة وقرصت الحاملة، فوقعت المحمولة عن ظهرها وماتت: أن الدية أثلاث: ثلث هدر، وثلث على الحاملة، وثلث على القارصة، فالأولى قارصة، والثانية قامصة، والثالثة واقصة.
قال: (ولو تعاقب سببا هلاك .. فعلى الأول)؛ لأنه المهلك إما بنفسه أو بواسطة الثانى.
قال: (بأن حفر ووضع آخر حجرا عدوانا فعثر به ووقع بها .. فعلى الواضع)؛ لأن التعثر هو الذي أوقعه، فكأنه أخذخ ورداه، والحافر وإن كان له دخل ولكنه معه كمعطي الآلة للقاتل؛ فإنه لا ضمان عليه وإن كان القتل لا يحصل بدون الآلة.
ولو وضع إنسان حديدة وآخر حجرًا فعثر إنسان بالحجر ووقع على الحديدة فمات بها .. فالضمان على واضع الحجر على الأصح؛ لأن التعثر بالحجر هو الذي ألجأه إلى الوقوع في البئر أو على السكين، فكأنه أخذه ورداه.
وقال أبو الفياض البصري: إن كانت السكين قاطعة موحية .. تعلق الضمان بواضعها.
وقوله: (ووضع) بـ (الواو) يقتضي: أنه لا فرق في ذلك بين أن يتقدم الحفرعلى الوضع أو بالعكس، وقال في) المطلب): إنه ظاهر نص) المختصر).
ثم إن المصنف أطلق الواضع، ولابد أن يكون من أهل الضمان، فلو تعدى بحفر البئر ووضع حربي أو سيل أو سبع الحجر .. فلا ضمان على أحد على الصحيح، وستأتي الإشارة إليه في المسألة التي بعدها.
وقوله: (عدوانا) حال من الواضع كما صرح به في) المحرر)؛ لأن الحافر لا فرق في عدم تضمينه مع وضع الحجر بين العدوان وغيره.
فَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ اٌلْوَاضِعُ .. فَاٌلْمَنْوُلُ: تَضْمِينُ اٌلْحَافِرِ، وَلَوْ وَضَعَ حَجَراّ وَآخَرَانِ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِمَا .. فَاٌلضَّمَانُ أَثْلاَثٌ، وَقَيِلَ: نِصْفَانِ، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ رَجُلٌ فَدَحْرَجَهُ فَعَثَرَ بِهِ آخَرُ .. ضَمِنَهُ اٌلْمُدَحْرِجُ
هذا كله إذا لم يره المتردي، فإن رآه .. لم يتعلق به ضمان كما في حفر البئر، كذا ذكره الر افعي بعد هذا الموضع.
قال: (فإن لم يتعد الواضع .. فالمنقول: تضمين الحافر).
صورة المسألة: أن يضع إنسان حجرا في ملكه ويحفر متعد هناك بئرا أو ينصب سكينا، فإذا تعثر إنسان بالحجر ووقع في البئر أو على السكين .. فالمنقول: أنه يحب الضمان على الحافر وناصب السكين؛ فإنه المعتدي، وأما واضع الحجر .. فلا عدوان من قبله.
ويقابل المنقول بحث للرافعي، وهو: ينبغي أن يقال: لا يتعلق بالحافر والناصب ضمان، كما تقدم في المسألة التي قبلها: أنه لو حفر بئرا عدوانا ووضع سيل أو سبع أو حربي حجرا فتعثر به إنسان وسقط في البئر .. فهو هدر على الصحيح.
قال: ويدل عليه: أن المتولي قال: لو حفر بئرًا في ملكه ونصب غيره فيها حديدة فوقع رجل في البئر فجرحته الحديدة ومات .. فلا ضمان على واحد منهما، أما الحافر .. فظاهر، وأما الآخر .. فلأن الوقوع في البئر هو الذي أفضى إلى الوقوع على الحديدة، فكان حافر البئر كالمباشر، والآخر كالمتسبب.
قال: (ولو وضع حجرًا واخران حجرا فعثر بهما .. فالضمان أثلاث) أى: وإن تفاوت فعلهم، كما لو مات بجراحات ثلاثة واختلفت الجراحات، وبهذا قال أبو يوسف.
قال: (وقيل: نصفان)، وبه قال زفر؛ نظرا إلى ان الإهلاك حصل بالحجرين.
قال: (ولو وضع حجرا فعثر به رجل فدحرجه فعثر به آخر .. ضمنه المدحرج)؛ لأن الحجر إنما حصل هناك بفعله، سواء كان متعديًا بدحرجته أو لم يكن.
وإنما يتعلق الضمان إذا عثر به من لم يره كما تقدم.
وَلَوْ عَثَرَ بِقَاعِدِ أَوْ نَائِمِ أَوْ وَاِقِفِ فِي اٌلطَّرِيقِ، فَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا .. فَلاَ ضَمَانَ إِنِ اٌتَّسَعَ اٌلطَّرِيقُ، وَإِلاَّ .. فَاٌلْمَذْهَبُ: إِهْدَارُ وَنَائِم لاَ عَاثِرِ بِهِمَا، وَضَمَانُ وَاٌقِفِ لاَ عَاثِرِ بِهِ
قال: (ولو عثر بقاعد أو نائم أو وافق في الطريق، فماتا أو أحدهما .. فلا ضمان ان اتسع الطريق)؛ لأنه غير متعد، كذا هو في) المحرر) أيضا، وهو سهو؛ فإن عاقلة العاثر تضمن دية القاعد والنائم والقائم، وأما العاثر .. فهدر، سواء كان العاثر او الواقف بصيرا أو اعمى.
ومثله لو قعد أو وقف أو نام في ملكه أو موات.
و (عثر) مثلث الثاء، وكذلك مضارعه، والمشهور فتحها في الماضي.
قال: (وإلا) أي: وان ضاق الطريق) .. فالمذهب: إهدار قاعد ونائم لا عاثر بهما)، بل على عاقلتهما ديته.
قال: (وضمان واقف)؛ لأن الشخص قد يحتاج إلى الوقوف لكلال أو انتظار رفيق أو سماع كلام، فالوقوف من مرافق الطرق كالمشي.
قال: (لا عاثر به)؛ لأنه لا حركة منه والهلاك حصل بحركة الماشي.
وحاصل ما في المسألة طرق ملخصها أقوال أو أوجه:
احدها: على عاقلة كل منهما دية الآخر، أما العاثر .. فلأنه قتله بفعله، وأما المصدوم .. فلتعديه بلبثه هناك.
والثاني: تجب ديه المصدوم دون اصح ما ذكره المصنف-: أن القاعد والنائم يهدران وعلى عاقلتهما دية الماشي، وأنه إذا عثر بالواقف .. كان دم الماشي مهدرا وعلى عاقلته دية الواقف؛ لأن الوقوف من مرافق الطريق كما تقرر.
كل هذا إذا لم يكن من الواقف فعل، فإن كان؛ بأن انحرف إلى الماشي فأصابه.
في انحرافه وماتا .. فهما كماشيين اصطدما، وسيأتي.
فَصْلٌ:
اصْطَدَمَا بِلاَ قَصْدِ .. فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلَّ نصْفُ دِيَةِ مُخَفَّفَةِ،
تتمة:
جلس في المسجد فعثربه إنسان وماتا .. فعلى عاقلة الماشي دية الجالس ويهدر دم الماشي، كما لو جلس في ملكه فعثر به ماش.
ولو نام في المسجد معتكفا .. فكذلك.
ولو جلس لامر ينزه المسجد عنه، او نام غير معتكف .. فهو كما لو نام في الطريق.
وحيث أطلق الضمان في هذه الصورة وما قبلها وقيل: إنه على الحافر أو واضع الحجر والقاعد وناصب الميزاب والجناح وملقي القمامة وقشر البطيخ ونحوهم .. فالمراد بتعلق الضمان بهم: وجوبه على عواقلهم، لا وجوب الضمان عليهم أنفسهم، كما نص عليه الشافعي والأصحاب.
قال: (فصل:
اصطدما بلا قصد .. فعلى عاقلة كل نصف دية مخففة)، إذا اصطدم حران ماشيين من غير قصد؛ بان يكونا أعميين أو غافلين أو في ظلمة فوقعا وماتا .. فكل واحد منهما مات بفعله وفعل صاحبه، فهو شريك في القتلين، ففعله هدر في حق نفسه، مضمون في حق صاحبه، فيسقط نصف ديه كل واحد، ويجب نصفها، كما لو جرح نفسه وجرحه آخر، وعلى عاقلة كل نصف دية الآخر؛ لأنه خطا مخص.
وفي قول المصنف: (فعلى عاقلة كل) ما يفهم: أنهما حران، وسواء اتفق سيرهما أو اختلف؛ بان كان أحدهما يمشي والآخر يعدو، وسواء كان مقبلين أو مدبرين، أو أحدهما مقبلا والآخر مدبرا، وسواء وقعا على وجوههما او قفيهما، أو أحدهما على وجهه والآخر على قفاه.
وعن المزني: إذا كانا ماشيين ووقع أحدهما على وجهه .. فديته هدر؛ لأنه دافع، ودية الآخر على عاقلته، ووافقه صاحب) التلخيص) أيضا، وقال: لو وقعا
وَإِنْ قَصَدَا .. فَنِصْفُهَا مُغَلَّظَةَ، أَوْ أَحَدُهُمَا .. فَلِكُلَّ حُكْمُهُ، وَاٌلصَّحِيحُ: أَنَّ عَلَى كُلَّ كَفَّارّتَيْنِ، وَإِنْ مَاتَا مَعَ مَرْكُوبَيْهِمَا .. فَكَذَا اٌلْحُكْمُ،
على ظهورهما .. فعلى عاقلة كل منهما جميع دية الآخر.
قال: (وإن قصدا .. فنصفها مغلظة)، فيما إذا تعمدا الانصدام وجهان:
أصحهما- عند الاكثرين، وهو نصه في (الأم) -: أن الحاصل شبه عمد؛ لأن الغالب أن الانصدام لا يفضي إلى الموت فلا يتحقق فيه العمد المحض ولا يتعلق به القصاص، بل على عاقلة كل واحد نصف دية الآخر مغلظة.
والثاني: أن ذلك عمد مخص ويجب في مال كل واحد نصف دية الآخر، قاله ابو إسحاق، واختاره الإمام والغزالي، وتبعهما صاحب) الحاوي الصغير).
قال: (أو أحدهما) أي: قصد أحدهما الاصطادام دون الآخر) .. فلكل حكمه)، فيجب على القاصد نصف دية مغلظة، وعلى الآخر دية مخففة.
قال: (والصحيح: أن على كل كفارتين)؛ كفارة لقتل نفسه، وأخرى لقتل صاحبه؛ بناء على أن الكفارة لا تتجزأ، وأن قاتل نفسه عليه كفارة.
والثاني: عليهما كفارتان؛ بناء على أنهما تتجزآن.
وينبغي أن يأتي وجه ثالث: أنه تجب عليهما معا كفارة واحدة؛ بناء على ان قاتل نفسه لا كفارة عليه، وأن الجماعة إذا اشتركوا في القتل توزع الكفارة عليهم كالدية.
ووجه رابع: أنه لا كفارة في تركة واحد منهما إذا ماتا معا؛ بناء على أن الشخص إذا قتل نفسه .. لا تجب في تركته كفارة؛ لأجل وجوبها بعد الموت، كما حكاه الغزالي هناك.
قال: (وان ماتا مع مركوبيهما .. فكذا الحكم) أي: كما ذكرنا في حكم الدية والكفارة، ويزيد هنا ضمان الدابتين، وسواء اتفق جنس المركوبين وقوتهما أو اختلف، كراكب فرس أو بعير مع راكب بغل أو حمار.
وَفِي تَرِكَةِ كُلَّ نِصْفُ قِيمَةِ دَابَةِ اٌلآخَرِ.
وَصَبَيَّانِ أَوْ مَجْنُونَانِ كَكَامِلَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ أَرْكَبَهُمَا اٌلْوَلِيُّ .. تَعَلَّقَ بِهِ اٌلضَّمَانُ،
قال: (وفي تركة كل نصف قيمة دابة الآخر)؛ لاشتراكهما في إتلاف الدابتين.
وايجابه نصف القيمة يقتضي اهدار الباقي، وهو كذلك، لكن محله إذا كانت الدابة ملكا للراكب، فان كانت مستعارة او مستأجرة .. لم يهدر من قيمتها شيء؛ فإن العارية مضمونة، وكذا المستاجر إذا اتلفه المستاجر.
وانما لم يذكر المصنف هذا القيد؛ لانه ذكره في السفينتين كما سيأتي.
ولا فرق بينهما، لكن كان ينبغي له تقييد المتقدم واطلاق المتأخر ليحمل عليه.
وتعبيره بـ (نصف القيمة) هو المعروف، ولا يقال: قيمة النصف؛ فإنها أقل للتشقيص، كما تقدم في الصداق وغيره.
واقتضي إطلاقه: أنه لا فرق بين ان تغلبهما الدابتان أم لا، وهو المذهب.
وهو قول نفاه بعضهم: ان المغلويين هلاكهما ودابتيهما هدر.
ولم يفرقوا بين ان يعلم غلبة الدابة قبل ركوبها أو يطرا ذلك عليه، ولو قيل به .. لكان حسنا.
قال: (وصبيان أو مجنونان ككاملين)، فيأتي التفصيل بين الماشي والراكب، الا أنا اذا قلنا: عمدهما خطأ .. فالدية مخففة، هذا اذا ركبا بأنفسهما، وكذا اذا اركبهما وليهما لمصلحتهما على الصحيح.
قال: (وقيل: ان اركبهما الولي .. تعلق به الضمان)؛ لما فيه من الخطر، والأصح: المنع كما لو ركبا بأنفسهما.
وخصهما الإمام بما اذا أركبهما لزينة او حاجة غير مهمة، فإن أرهقت إليه حاجة .. فلا قطعا، ومحلهما ايضا عند ظن السلامة، والا .. ضمن قطعا.
فأن كانا غير مميزين او كانت الدابة ضعيفة .. فعلى عاقلة الولي ديتهما، وقد اهمله المصنف تبعا لـ) المحرر).
وَلَوْ أَرْكَبَهُمَا أَجْنَبِيٌّ .. ضَمِنَهُمَا وَدَابَّتَيْهِمَا.
أَوْ حَامِلاَنِ وَأَسْقَطَتَا .. فَاٌلدَّيَةُ كَمَا سَبَقَ، وَعَلَى كُلَّ أَرْبَعُ كَفَّارَاتِ عَلَى اٌلصَّحِيحِ،
قال: (ولو أركبهما أجنبي .. ضمنهما ودابتيهما)؛ لتعديه بذلك، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع.
والمراد بـ (الأجنبي): من لا ولاية له عليهما، ولم يبينوا المراد بالولي هنا، ويشبه أنه من له ولاية تأديبه من أب أو غيره، وهذا كله مستأنف مجزوم به ليس معطوفا على الوجه في إركاب الولي، ولهذا أتى بـ (لو) دون (إن).
فلو تعمد الصبي .. ففي) الوسيط): يحتمل أن يحال الهلاك عليه اذا قلنا: عمده عمد، واستحسنه الرافعي، فيكون كركوبهما بأنفسهما.
نعم؛ يستثنى من عدم تضمين الولي اذا كانا غير مميزين كابن سنه وسنتين فأركبهما الولي، فتجب على عاقلته دية كل منهما، قاله في) الكفاية).
فرع:
تجاذب رجلان حبلا فانقطع فسقطا وماتا .. وجب على عاقلة كل واحد نصف دية الآخر ويهدر النصف، سواء وقعا منكبين أو مستلقيين، أو أحدهما هكذا والآخر هكذا.
هذا إذا كان الحبل لهما أو مغصوبا، فان كان لاحدهما والآخر ظالم .. فدم الظالم هدر وعلى عاقلته نصف دية المالك.
ولو أرخى أحد المتجاذبين فسقط الآخر ومات .. فنصف ديته على عاقلة المرخي ويهدر نصفها.
ولو قطع الحبل قاطع فسقطا وماتا .. فدياتهما جميعا على عاقلة القاطع.
قال: (او حاملان واسقطتا .. فالدية كما سبق)، فيكون على عاقلة كل منهما نصف دية صاحبتها ويهدر النصف؛ لأن الهلاك منسوب إلى فعلهما.
قال: (وعلى كل أربع كفارات على الصحيح)؛ كفارة لنفسها، وكفارة لجنينها، ثالثة لصاحبتها، ورابعة لجنينها؛ لأنهما اشتركتا في إهلاك أربعة
وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلَّ نِصْفُ غُرَّتَيْ جَنِينَيْهمَا.
أَوْ عَبْدَانِ .. فَهَدَرٌ، أَوْ سَفِينتاَنِ .. فَكَدَابَّتَيْنِ، وَاٌلْمَلاَّحَانِ كَرَاكِبَيْنِ إِنْ كَانتَا لَهُمَا،
أشخاص، بناء على الصحيح: أن الكفارة تجب على قاتل نفسه، وانها لا تتبعض.
فإن لم نوجبها على قاتل نفسه .. وجبت ثلاث كفارات.
وان قلنا بالتجزئة .. وجبت ثلاثة انصاف كفارة، وعلى عاقلة كل واحدة نصف دية صاحبتها، ونصف غرة كل جنين، فيكون مقابل الصحيح إما ثلاث كفارات، وإما ثلاثة أنصاف كفارة.
قال (وعلى عاقلة كل نصف غرتي جنينيهما)؛ نصف غرة لجنينها، ونصف آخر لجنين الأخرى؛ لأن الحامل إذا جنت على نفسها فألقت جنينها .. وجبت الغرة على عاقلتها، كما لو جنت على حامل أخرى، ولا يهدر من الغرة شيء.
وأما الدية .. فيجب نصفها ويهدر نصفها كما تقدم.
قال: (أو عبدان) أى: وماتا) .. فهدر)؛ لأن جناية العبد تتعلق برقبته وقد فاتت، سواء اتفقت قيمتهما أو اختلفت، فإن مات أحدهما .. وجب نصف قيمته متعلقًا برقبة الحي.
فلو اصطدم حر وعبد فماتا .. ففي تركة الحر نصف قيمة العبد، ويتعلق به نصف دية الحر؛ لأن الرقبة فاتت فتتعلق الدية ببدلها.
وإن مات العبد .. فنصفه هدر ويجب نصف قيمته، وهل يكون على الحر أو على عاقلته؟ فيه الخلاف في تحمل العاقلة قيمة العبد.
وان مات الحر .. وجب نصف ديته متعلقا برقبة العبد.
قال: (أو سفينتان .. فكدابتين)، فنصفهما ونصف ما فيهما من مالهما هدر، وعلى عاقلة كل منهما نصف الأخرى ونصف ما فيها.
قال: (والملاحان كراكبين إن كانتا لهما)، فنصف قيمة كل سفينة وما فيه مهدر، ونصف قيمتها ونصف قيمة ما فيها على صاحب الأخرى
فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا مَالٌ لاِجْنَبِيَّ .. لَزَمَ كُلاَّ نِصْفُ ضَمَانِهِ، وَإِنْ كانَتَا لأِجْنَبِيَّ .. لَزِمَ كُلاَّ نِصْفُ قِيمَتهِمَا
و (الملاح): صاحب السفينة، وهو النوتي، والجمع: نواتي، قاله ابن سيده.
وقال الجوهري: إنه من كلام أهل الشام.
قيل: وإنما سمي ملاحًا؛ لمعالجته الماء الملح بإجراءه السفينة عليه.
وقال ابن الأعرابي: الملاح الريح الذي تجري به السفينة، سمي به مسيرها ملاحا.
قال: (فإن كان فيهما مال لأجنبي) أي: والملاحان فيهما أجيران أو أمينان للمالك.
قال:) .. لزم كلًا نصف ضمانه)؛ لتعديهما، أما نصف قيمة كل سفينة .. فهدر، ويضمن كل منهما نصف قيمة سفينة الآخر؛ لأنهما لهما بخلاف الأموال، ويجري القصاص في القدر الذي يشتركان فيه.
قال: (وإن كانتا لأجنبي .. لزم كلاَّ نصف قيمتهما) توزيعا عليهما، وكل من المالكين مخير بين أن يأخذ نصفها منه ونصفها من ملاح الآخر.
فلو كان الملاحان عبدين .. تعلق الضمان برقبتهما.
أما إذا كان الاصطدام لا بفعلهما، فإن وجد منهما تقصير؛ بأن توانيا في الضبط ولم يعدلا بهما عن صوب الاصطدام مع إمكانه، أو سيرا في ريح شديدة لا تسير في مثلها السفن، أو لم يكملا عدتهما من الرجال والآلات .. وجب الضمان على ما ذكرنا، وإلا .. فأصح القولين لاضمان، بخلاف غلبة الدابتين الراكبين؛ فإن الضبط ممكن باللجام.
فروع:
الأول: خرق سفينة فغرق ما فيها من نفس ومال .. وجب ضمانه.
وَلَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ عَلَى هَلاَكِ .. جَازَ طَرْحُ مَتَاعِهَا، وَيَجِبُ لِرَجَاءِ نَجَاةِ اٌلرَّاكِبِ
ثم إن تعمد الخرق بما يفضي إلى الهلاك غالبا .. وجب القصاص أو الدية المغلظة في ماله.
وان تعمد بما لا يحصل به الهلاك غالبا .. فهو شبه عمد.
الثاني: كانت السفينة مثقلة بتسعة أعدال فوضع أخر فيها عدلا عدوانا فغرفت .. ففي ضمانه الخلاف في الجلاد إذا زاد على الحد المشروع، والأصح فيهما: أنه يغرم البعض.
الثالث: في) البحر) عن أبي ثور قال: سألت الشافعي عن رجلين اصطدما ومع كل واحد منهما بيضة فكسرت البيضتان؟ فقال: على كل واحد منهما نصف قيمة بيضة صاحبه.
قال: (ولو أشرفت سفينة على هلاك .. جاز طرح متاعها)؛ حفظًا للروح.
وعبارة المصنف تقتضي طرح الجميع، وليس كذلك، إنما يجوز دفع ما تندفع به الضرورة، ولهذا قال في) المحرر): بعض أمتعتها، وهذا وإن لم يكن له تعلق بالفصل لكن جرت العادة بذكره فيه.
والأصل فيه: أن الموال لا يجوز لمالكها إتلافها بإلقائها في البحر أو غيره لغير غرض صحيح.
فإن كان في السفينة حيوان محترم .. وجب الإلقاء إذا علم أو ظن حصول سلامته بذلك.
وبهذا يعلم أن مراد المصنف وغيره بهذا: إطلاق الجواز على الحالة الأولى والوجوب على الحالة الثانية.
قال: (ويجب لرجاء نجاة الراكب) إذا خيف الهلاك، وينبغي أن يراعى في الطرح تقديم الأخف قيمة إن أمكن؛ حفظا للمال.
وعلم من تعبيره بـ (المتاع): أنه لايجوز إلقاء الحيوان إذا حصل الغرض بغيره، والعبيد كالأحرار.
واذا قصر من لزمه الإلقاء فلم يلق حتى غرفت السفينة .. فعليه الإثم دون
فَإِنْ طَرَحَ مَالَ غَيْرِهِ بِلاَ إِذْنِ .. ضَمِنَهُ، وَاِلاَّ .. فَلاَ.
وَلَوْ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ، أَوْ عَلَى أَنَّي ضَامِنٌ .. ضَمِنَ،
الضمان، كما لو لم يطعم صاحب الطعام المضطر حتى هلك .. يعصي ولا يضمن.
قال: (فإن طرح مال غيره بلا إذن .. ضمنه)؛ لأنه أتلف مال غيره بغير إذنه من غير أن يلجئه إلى الإتلاف، فصار كما إذا أكل المضطر طعام الغير.
وعن مالك: أنه لا ضمان على الملقي.
قال: (وإلا .. فلا) يعني: إذا كان الملقي غير مالك فطرح بإذن المالك، أو كان مالكا فطرح متاعه بنفسه .. فلا ضمان فيهما.
أما الثانية .. فبلا خلاف.
وأما الأولى .. فللإذن المبيح.
اللهم إلا أن يتعلق به حق الغير كالرهن وغيره فلا يفيد الإذن شيئًا.
قال: (ولو قال: ألق متاعك) في البحر (وعلي ضمانه، أو على أني ضامن .. ضمن)؛ لأنه التماس إتلاف لغرض صحيح بعوض فيلزمه، كما إذا قال: أعتق عبدك عني على كذا، أو طلق زوجتك على كذا.
وقيل: لا يصح؛ لأنه ضمان ما لم يجب.
وأجيب بأن هذا ليس على حقيقة الضمان وان سمي به، إنما هو بذل مال للتخلص، كما لو قال: أطلق هذا الأسير ولك علي كذا، فأطلقه .. يلزمه ضمانه، ولهذا لا يجوز أخذ الرهن في هذا الضمان على الأصح.
والفرق: أن الضمان أوسع؛ فإن الدرك يضمن ولا يرهن به.
فلو قال: أنا وركاب السفينة ضامنون، وأطلق .. حمل على التقسيط، ولزمه
وَإِنِ اٌقْتَصَرَ عَلَى: أَلْقِ .. فَلاَ عَلَى اٌلْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مُلْتَمِسٌ لِخَوْفِ غَرَقِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ نَفْعُ اٌلإِلْقَاءِ بِاٌلْمُلْقِي
ما بحصته، بخلاف ما لو قالا في (باب الضمان): ضمنا ما لك على زيد؛ فإن كلا منهما يطالب بجميع الدين على الأصح، وتقدم الفرق هناك بأن هذا ليس بضمان حقيقة، بل هو استدعاء إتلاف للمصلحة.
واعترض على قوله: (أني ضامن)؛ فإنه غير كاف لعدم الرابطة، فلا بد أن يقول: ضامن له، أو ضامنه.
والجواب: أنه حذفه استغناء بذكر الضمير فيما قبله.
قال: (وإن اقتصر على: ألق .. فلا على المذهب)؛ لعدم الالتزام، وقيل: على وجهين، كقوله: اقض دينى.
وفرق الأول بأن (اقض ديني) ينفعه لا محالة، وإلقاء المتاع قد ينفع وقد لا ينفع، وإنما تعتبر قيمة الملقى قبل هيجان الرياح والأمواج؛ لأنه حينئذ لا قيمة له.
قال: (وانما يضمن ملتمس لخوف غرق)، ففي حالة الأمن لا ضمان، سواء قال: إنى ضامن أم لا، كما لو قال: أحرق متاعك، أو اهدم دارك، أو اقتل عبدك، ففعل.
وحكى الماوردي وجها: أنه يضمن، وقال: إنه أقيس.
قال: (ولم يختص نفع الإلقاء بالملقي)، فإن رجعت الفائدة إليه وحده؛ بأن أشرفت سفينته على الغرق وفيها متاعه، فقال له آخر من الشط: ألق متاعك وعلي ضمانه، فألقاه .. لم يجب شيء؛ لأنه يجب عليه الإلقاء لحفظ نفسه فلا يستحق به عوضا، كما لو قال للمضطر: كل طعامك وأنا ضامن، فأكل .. فلا شيء له على الملتمس، ووراء ذلك ست صور: أحدها: أن يختص النفع بالملتمس.
والثاني: أن يعود له ولصاحب المتاع.
وَلَوْ عَادَ حَجَرُ مَنْجَنِيقِ فَقَتَلَ أَحَدَ رُمَاِتِهِ .. هُدِرَ قِسْطُهُ، وَعَلَى عَاقِلَةِ اٌلْبَاقِينَ اٌلْبَاقِي،
والثالث: أن يختص بغيرهما.
والرابع: بصاحب المتاع وأجنبي.
والخامس: بالملتمس وأجنبي.
والسادس: أن يعم الثلاث.
وفي الجميع يضمن الملتمس، ولم يصرح الرافعي بالثالث ولا السادس، وحكمه ما ذكرناه.
فروع:
قال: ألق متاعك وعلي نصف الضمان، وعلى فلان الثلث، وعلى فلان السدس .. لزمه النصف.
ولو قال لرجل: ألق متاع زيد وعلي ضمانه إن طالبك .. فالضمان على الملقي دون الآمر.
قال الإمام: والمتاع الملقى لا يخرج عن ملك مالكه، حتى لو لفظه البحر على الساحل وظفرنا به .. فهو لمالكه، ويسترد الضامن المبذول.
وعلى هذا: فهو ضامن حيلولة، وهل للمالك أن يمسك ما أخذه ويرد بدله؟ فيه الخلاف في العين المقترضة إذا كانت باقية .. هل للمقترض إمساكها ورد بدلها؟
قال: (ولو عاد حجر منجنيق فقتل أحد رماته .. هدر قسطه، وعلى عاقلة الباقين الباقي)؛ لأنه مات بفعله وفعلهم فسقط ما قابل فعله.
فإن كانوا عشرة .. يهدر عشر ديته ويجب على عاقلة كل واحد من التسعة عشرها، وإن قتل اثنين منهم فصاعدا .. فكذلك، ولو قتل العشرةز.
أهدر من دية كل واحد عشرها.
أَوْ غَيْرَهُمْ وَلَمْ يَقْصِدُوهُ .. فَخَطَاٌ، أَوْ قَصَدُوهُ .. فَعَمْدٌ فِي اٌلأَصَحَّ إِنْ غَلَبَتِ اٌلإِصَابَةُ
وما جزم به من إيجاب باقي الدية على عاقلتهم محله فيمن مد معهم الحبال ورمى بالحجر، فأما الذى أمسك خشبة المنجنيق، إن احتيج إلى ذلك، أو وضع الحجر في كفته ولم يمد الحبال .. فلا شيء عليه؛ لأنه ليس برام، قاله الماوردي والمتولي وغيرهما، وإليه يرشد قول المصنف: (رماته)؛ لأن الرامي من أضيف الرمي إليه.
قال: (أو غيرهم ولم يقصدوهز.
فخطأ)، كما إذا عاد فقتل بعض النظارة؛ فهذا خطأ يوجب الدية المخففة على العاقلة.
قال: (أو قصدوه .. قعمد في الأصح إن غلبت الإصابة) يعني: إذا قصدوا شخصا أو جماعة بأعيانهم فأصابوا من قصدوه .. فوجهان: قطع العراقيون بأنه شبه عمد؛ لأنه لا يتحقق قصد معين بالمنجنيق.
والثاني: أنه عمد يتعلق به القصاص إذا كانوا حاذقين تتأتى لهم الإصابة؛ لأن مثل ذلك يقتل غالبا.
تتمة:
الذي صححه المصنف هو الصحيح في (المحرر)، وبه قطع الصيدلاني والإمام والغزالي والمتولي، ورجحه الروياني، وهو المعتمد.
وقال في) الشرح الصغير): إنه الأظهر، ونقل المصنف في زوائد) الروضة) ترجيح) المحرر)، وسكت عليه.
و (المنجنيق): التي ترمى بها الحجارة، معربة؛ أن الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب، إلا أن يكون معربا أو حكاية صوت نحو: الجردقة، والجرموق، كما تقدم في (باب مسح الخف).
والأشهر في ميمها الفتح، وجوز بعضهم كسرها.
وحكى الفراء: منجنوق، وغيره: منجليق بـ (اللام) بدل (النون) الثانية.
فَصْلٌ:
دِيَةُ اٌلخَطَأِ وَشَبْهِ اٌلْعَمْدِ تَلْزَمُ اٌلْعَاقِلَةَ،
واختلفوا فيي زيادة ميمه ونونه: فذهب سيبويه إلى أن ميمها أصلية ونونها زائدة، ولذلك تثبت في الجمع.
قال: (فصل: دية الخطأ وشبه العمد تلزم العاقلة)، وكذلك الغرة أيضا؛ لما في) الصحيحين)
[خ 6910 - م1681/ 34] عن أبي هريرة: (أن امراة حذفت اخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضر بدية المرأن على عاقلتها).
واسم المرأة الضاربة أم عطية وقيل أم عطيف والمضروبة مليكة.
وإذا ثبت هذا في شبه العمد .. ففي الخطأ أولى.
وحكى الإمام الإجماع فيهما لكن حكى الرافعي في أول (الديات) وجها رواه بعضهم قولا أنها لا تتحمل شبه العمد.
واحترز بـ (الخطأ وشبه العمد) عن دية العمد فهي على الجاني؛ لما روى سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه قال: (لا تحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا) قال ابن عبد البر: ولا مخالف له من الصحابة.
وشبه العمد من زيادته على) المحرر)؛ فإنه ذكر الخطأ، ولو عكس .. كان أولى.
ولا تحمل العاقلة أيضا الأطراف والجراحات إذا وقعت عمدا.
وعن مالك: أن ما لا يوجب القصاص كالهاشمة والمنقلة أرشه على العاقلة.
ثم بدل العمد يجب حالا على قياس أبدال المتلفات، وبدل شبه العمد والخطأ يجب مؤجلا.
قال العلماء: وتغريم العاقلة على خلاف القياس؛ لأن القبائل في الجاهلية كانوا
وَهُمْ عَصَبَتُهُ
يقومون بنصرة من جنى منهم، ويمنعون أولياء القتيل من أن يدركوا بثأرهم وياخذوا من الجانى حقهم، فجعل الشارع بدل هذه النصرة بذل الماص، وخص ذلك بالخطا وشبه العمد؛ لكثرتهما، لا سيما في حق من يتعاطى الأسلحة، فأعين؛ لئلا يفتقر بالسبب الذي هو معذور ليه.
وقال أبو بكر الاصم والخوارج: لا تحمل العاقلة شيئا.
وقال قتادة وابو ثور وابن شبرمة: تحمل الخطا دون شبه العمد.
والفريقان محجوجان بالسنة الصحيحة.
وعبارة المصنف تقتضي: أن الوجوب لا يلاقي الجاني أولا، بل يلاقي العاقلة ابتدائ والصحيح المنصوص: أنه يلاقيه ابتداء ثم يتحملونها إعانه له، كقضاء دين من غرم لإصلاح ذات البين من الزكاة.
ثم إنما تلزم العاقلة إذا قامت بذلك البينة، أو اعترف به وصدقوه، فإن كذبوه .. لم يقبل إقراره عليهم ولا على بيت المال، ولكن يحلفون على نفي العلم، فإذا حلفوا .. وجب على المقر.
وهذه المسألة قدمها المصنف في أوائل (باب الديات) عند ذ كر تخفيف الدية وتغليظها، ولكن أعيدت هنا؛ لبيان العاقلة وأحكامهم.
قال: (وهم عصبته) قال الشافعي رضي الله عنه: لا أعلم مخالفا: أن العاقلة العصبة، وهم: القرابة من جها الأب وعصبات الولاء.
قال: ولا اعلم مخالفا: أن المراة والصبي وان أيسر لا يحملان شيئا، وكذا المعتوه.
ومراد المصنف بـ (العصبة): الذكور من جهة القرابة والولاء؛ لتخرج المعتقة، فإنها من العصبات ولا تعقل.
وجهات التحمل ثلاثة: العصوبة، والولاء، وبيت المال، وعلى هذا الترتيبذكرها المصنف وغيره.
وليست المحالفة والموالاة من جهات التحمل، فلا يتحمل الحليف ولا (العديد)
إِلاَّ اٌلأَصْلَ وَاٌلْفَرْعَ
وهو: الذي لا عشيرة له فيدخل نفسه في قبيلة ليعد منها- لأن الأصل عدم التحمل، فيقتصر على ما ورد به النص.
وعند أبي حنيفة: يتحمل الحليف، ويساعدنا في العديد.
ولا يتحمل أهل الديوان بعضهم عن بعض، والمراد: الذين رتبهم الإمام للجهاد، وأدر لهم أرزاقا، وجعلهم تحت راية كبير يصدرون عن رأية.
وعند أبي حنيفة: يتحمل بعضهم عن بعضو وإن لم يكن بينهم قرابة، ويقدمون على الأقارب؛ اتباعا في ذلك لقضاء عمر رضي الله عنه.
واحتج الأصحاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، ولم يكن في عهده ديوان ولا في عهد أبى بكر، وانما وضعه عمر حين كثر الناس واحتاج إلى ضبط الأسماء والأرزاق، فلا يترك ما استقر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أحدث بعده، وقضاء عمر رضي الله عنه إنما كان في الأقارب من أهل الديوان.
قال: (إلا الأصل والفرع)؛ فإنهم أبعاضه، فكما لا يتحمل الجانى لا يتحمل أبعاضه.
وفي) سنن أبي داوود) [4564]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم برا زوج القاتلة وولدها) قال في) الروضة): إنه حديق صحيح.
وفي المسألة أحاديث أخر: ففي) النسائيط [7/ 127]: (لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه).
وصحح الترمذي [2159] حديث:) لايجني والد على ولده، ولا مولود على والده).
قالوا: وليس المراد نفي نفس الجناية، إنما المعنى: لا يلزم كلا منهما جناية
وَقِيلَ: يَعْقِلُ اٌبْنٌ هُوَ اٌبْنِ عَمَّهَا، وَيُقَدَّمُ اٌلأَقْرَبُ، فَإِنْ بَقَيَ شَيْءٌ .. فَمَنْ يَلِيهِ، وَمُدْلِ بِأَبَوَيْنِ- وَاٌلْقَدِيمُ: اٌلتَّسْوِيَةُ
الآخر، وأن العرب لا تسمي الأصول والفروع عاقلة.
وقال الأئمة الثلاثة: يتحمل الآباء والبنون كسائر العصبات.
قال: (وقيل: يعقل ابن هو ابن ابن عمها)، وكذلك ابن هو ابن معتقها، والأصح: المنع؛ لأن مال بعضه كمال نفسه، ألا ترى أن نفقته تجب في مال أبعاضه كما تجب في ماله، فكما لا يؤخذ من ماله لا يؤخذ من أموالهم، وأما ولاية النكاح .. فهي بالنسب، وهو ينسب إلأيها ببنوة العم، فيزوجها به، ولا يتحمل؛ لأن البنوة مانعة، ولا يلزم القاتل منها شيء.
وقال أبو حنيفة: القاتل كأحد العواقل يتحمل.
قال: (ويقدم الأقرب)؛ لأن العقل حكم من احكام العصوبة فيقدم الأقرب فيه، كالميراث وولاية النكاح.
وعند أبي حنيفة: يوزع على القريب والبعيد بالسوية.
قال: (فإن بقي شيء .. فمن يليه)، كما في ولاية النكاح، فينظر في الواجب عند رأس الحول وفي الأقربين: فإن كان فيهم وفاء إذا وزع الواجب عليهم لقلة الواجب أو لكثرتهم .. وزع عليهم ولا يشاركهم من بعدهم، وإلا .. فيشاركهم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
والمقدم من العاقلة الأخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام، ثم بنوهم، ثم بنوهم، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم، ثم أعمام الجد، ثم بنوهم على ما سبق في الميراث.
قال: (ومدل بأبوين) كالإرث.
قال: (والقديم: التسوية)؛ لأن أخوة الأم لا مدخل لها في العقل، وأما دور الأرحام .. فلا يتحملون.
وقال المتولي: إلا إذذا قلنا بتوريثهم فيتحملون عند عدم العصبات كما يرثون عند عدمهم، ولا تحمل بالزوجية بحال.
ثُمَّ مُعْتِقٌ ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، وَإِلاَّ .. فَمُعْتِقُ أَبَي اٌلْجَانِي ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُ مُعْتِقِ اٌلأَبِ وَعَصَبَتُهُ، وَكَذَا أَبَداَ.
وَعَتِيقُهَا يَعْقِلهُ عَاقِلَتُهَا، وَمُعْتِقُونَ كَمُعْتِقِ،
قال: (ثم معتق ثم عصبته ثم معتقه ثم عصبته، والا .. فمعتق أبي الجاني ثم عصبته ثم معتق معتق الأب وعصبته) هذه الجهة الثانية من جهات التحمل، فتحمل عصبات المعتق بعد عصبات النسب، ثم معتق المعتق، ثم عصباته.
وهل يدخل في عصبات المعتق ابنه وأبوه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنهما من العصبة، وإنما لم يدخل ابن الجاني وأبوه؛ للبعضية، ولا بعضية بين الجاني وبين ابن المعتق وأبيه.
وأصحهما: المنع، واعتمدوا فيه ما روى الشافعي [ام 6/ 115] والبيهقي [8/ 107]: أن عمر قضى على علي رضي الله عنهما بأن يعقل عن موالي ضفية بنت عبد المطلب، وقضى بالميراث لابنها الزبير بن العوام رضي الله عنهما، فلم يضرب الدية على الزبير وضربها على علي؛ لأنه كان ابن أخيها، واشتهر ذلك فيما بينهم.
ووقع في) النهاية) و) الوسيط): أنه قضى به على ابن عمها، وهو وهم؛ لأنه ليس لها ابن عم ولا عم، فإن عبد المطلب لم يكن له أخ، فإنما هو ابن أخيها، وكان له عشرة إخوة.
ويجري الوجهان في ابن معتق المعتق وأبيهز
قال: (وكذا أبدا) يعني: إذا لم يوجد من له نعمة الولاؤ على الجاني ولا أحد من عصباته .. تحمل معتق الأب ثم عصباته كذلك إلى حيث تنتهي، والغرامة الموزعة على المعتقين بقدر الملك لا بعدد الرؤوس.
قال: (وعتيقها يعقله عاقلتها)؛ لأن الذكورة شرط في التحمل كما سيأتي، وكما أنهما لم تكن أهلا للتزويج يزوج عتيقها من يزوجها.
قال: (ومعتقون كمعتق)، فإذا أعتق جماعة عبدا فجنى خطأ .. تحملوا عنه تحمل شخص واحد؛ لن الولاء لجميعهم لا لكل واحد منهم.
وَكُلُّ شَخْصِ مِنْ عَصَبَةِ كُلَّ مُعْتِقِ يَحْمِلُ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ اٌلْمُعْتِقُ.
وَلاَ يَعْقِلُ عَتِيقٌ فِي اٌلأَظْهَرِ.
فَإِنْ فُقِدَ اٌلْعَاقِلُ أَوْ لَمْ يَفِ .. عَقَلَ بَيْتُ اٌلْمَالِ عَنِ اٌلْمُسْلِمِ،
فإن كانوا أغنياء .. فالمضروب على جميعهم نصف دينار، وإن كانوا متوسطين .. فربع دينار.
وإن كانوا بعضا وبعضا .. فعلى الغني حصته من النصف، وعلى المتوسط حصته من الربع.
قال: (وكل شخص من عصبة كل معتق يحمل ما كان يحمله ذلك المعتق)، فإذا كان المعتق واحدا ومات عن اخوة مثلا .. ضرب على كل واحد حصته تامة من نصف دينار إن كان غنيا، وربعه إن كان متوسطا.
ولا يقال: يوزع عليهم ما كان الميت يحمله؛ لأن الولاء يوزع عليهم توزعه على الشركاء، ولا يرثون الولاء من الميت، بل يرثون به.
ولو مات واحد من الشركاء المعتقين أو جميعهم .. حمل كل واحد من عصباته مثل ما كان يحمله الميت، وهي حصته من نصف أو ربع؛ لأن غايته نزوله منزلة ذلك الشريك.
قال: (ولا يعقل عتيق في الأظهر) كما لا يرث، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
والثاني: يعقل؛ لأن العقل للنصرة والإعانة والعتيق أولى بهما.
وخالف الإرث؛ فإنه في مقابلة إنعام المعتق، فإن قلنا: يتحمله .. فهذه جهة رابعة للتحمل.
فلو اجتمعا .. تأخر العتيق عن المعتق، نص عليه، ولا يضرب على عصبته بحال.
قالك: (فإن فقد العاقل أو لم يف .. عقل بيت المال عن المسلم) هذه الجهة الثالثة، فيعقل بيت المال عن المسلم، كما ان بيت المال نصب للتركة إذا لم يكن للميت عصبة بالنسب ولا بالولاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:) أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه) رواه أبو داوود [2891] والنسائي [سلك 6321]، وصححه ابن حبان [6035] والحاكم [4/ 344].
فَإِنْ فُقِدَ .. فَكُلُهُ عَلَي اٌلْجَانِي فِي اٌلأَظْهَرِ ......
وخرج بـ (المسلم): الذمي والمعاهد، فلا يعقله؛ لأن مال كل منهما ينتقل له فيئا لا إرثا.
وأما المرتد .. فلا عاقلة له، فدية قتله خطأ في ماله مؤجلة، فإن مات .. سقط الأجل.
قال: (فإن فقد .. فكله على الجاني في الأظهر) مقصوده: أن التحمل إذا انتهى إلى بيت المال فلم يوجد فيه مال هل يؤخذ الوادب من الجاني؟ فيه وجهان بنوهما على: أن الدية تجب على العاقلة ابتداء أو تجب على الجاني وتتحمل عنه العاقلة؟ وفيه وجهان، ويقال: قولان: أصحهما: أنهما تجب على الجاني والعاقلة تتحملها؛ لأن القياس وجوب الضمان على المتلف، فنجري على القياس ونجعلهم متحملين.
والثاني: تجب على العاقلة ابتداء؛ لأن المطالبة عليهم دون الجاني، وقد توجه بظاهر ما تقدم من) أنه صلى الله عليه وسلم قضي بالدية على العاقلة ابتداء).
وقوله: (فقد) أراد به: المال الكائن في بيت المال.
وعبارة (المحرر): فإن لم يكن في بيت المال مال: أخذ الواجب من الجاني على الأظهر، ثم إن المصنف تبع) المحرر) في تعبيره بالأظهر، ولا اصطلاح له في ذلك، والصواب: الأصح كما في) الروضة)؛ فإن الخلاف وجهان.
وظاهر كلامه: أن الجاني لا يتحمل شيئا مع وجود من سبق، وليس كذلك، بل
وَتُؤَجَّلُ عَلَى اٌلْعَاقِلَةِ دِيَةُ نَفْسِ كَامِلَةِ ثَلاَثَ سنِينَ فِي كُلَّ سَنَةِ ثُلُثٌ، وَذِمَّيَّ سَنَةٌ، وَقِيلَ: ثَلاَثَاَ، وَاٌمْرَأَةِ سَنَتَيْنِ فِي اٌلأُولَي ثُلُثٌ،
إذا وزعنا على العاقلة وفضلت فضلة .. أخذت منه كما يؤخذ منه الجميع لو لم يوجد متحمل، وحيث قلنا: تؤخذ من الجاني .. فهي مؤجلة علية كالعاقلة.
قال: (وتؤجل على العاقلة دية نفس كاملة ثلاث سنين في كل سنة ثلث)؛ لأن العاقلة تحملها على جهة المواساة فوجب أن يكون وجوبها مؤجلا رفقا به، وقياسا على الزكاة.
وأما كونها في (ثلاث سنين) .. فقال الشافعي: لا أعلم خلافا بين أحد علمته: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها كذلك)، وروي عن عمر وعلي وابن عباس أنهم ضربوها كذلك بغير نكير، فكان إجماعا.
واختلف الأصحاب في المعنى الذي كانت لأجله في ثلاث سنين:
فقيل: لأنها بدل نفس محترمة.
وقيل: لأنها دية كاملة، وهذا هو الأصح.
وتظهرفائدة الخلاف في الصور الآتية في كلام المصنف.
قال: (وذمي سنة)؛ لأنها قدر الثلث.
قال: (وقيل: ثلاثا)؛ لأنها بدل نفس، ولو قال: وكافر سنة .. لدخل كل كافر معصوم بذمة أو أمان أو غير ذلك.
ولا خلاف أن ما يضرب على العاقلة يضرب مؤجلا وإن كان درهما واحدا، وأن الأجل لا ينقص عن سنه كما صرح به في) المحرر) وغيره.
ولو قتل ثلاثة واحدا .. فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث دية مؤجلة عليهم في ثلاث سنين، وقيل: في سنة.
قال: (وامرأة سنتين في الأولي ثلث أي: ثلث دية الرجل، والباقي في آخر السنة الثانية، ورودي ذلك عن عمر رضي الله عنه وعن أبي حنيفة رحمة الله.
وَقِيلَ: ثَلاَثاَ.
وَتَحْمِلُ اٌلْعَاقِلَةُ اٌلْعَبْدَ فِي اٌلأَظْهَرِ، فَفِي كُلَّ سَنَةِ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةِ، وَقِيلَ: فَي ثَلاَثِ،
قال: (وقيل: ثلاثا)؛ لأنها بدل نفس.
وأما دية المجوسي والجنين .. ففي سنة وان كانتا دون ثلث الدية؛ لأن السنة لا تتبعض.
قال: (وتحمل العاقلة العبد في الأظهر)، المراد: أنها تحمل الجناية عليه من الحر نفسا وطرفا، خطأ وشبه عمد؛ لأنه بدل آدمي ويتعلق به قصاص وكفارة فأشبه الحر، هذا هو الجديد.
فعلى هذا: لو اختلف السيد والعاقلة في قيمته .. صدقوا بحلفهم؛ لأنهم غارمون.
والقول الثاني- وبه قال مالك وأحمد-: لا تحمله، بل هي على الجاني؛ لأنه مضمون بالقيمة فأشبه البهيمة.
وعن أبي حنيفة: تحمل بدل نفسه دون طرفه.
روى البهقي عن عامر بن شراحيل الشعبي أنه قال: لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا.
قالو أبو حنيفة: معناه: أن يجني العبد على حر، فليس على عاقلة مولاه شيء من جنايته، وإنما جنايته في رقبته.
وقال ابن أبي ليلى: إنما معناه: أن يكون العبد مجنيا عليه، يقول: ليس على عاقلة الجاني شيء إنما ثمنه في ماله خاصة، وإليه ذهب الأصمعي وأبو عبيد، وقالا: لو كان المعنى على ما قال أبو حنيفة .. لكان الكلام: لا تعقل العاقلة عن عبد، ولم يكن: ولا تعقل عبدا.
قال الأصمعي: وكلمت ابا يوسف القاضي في ذلك بحضرة الرشيد، فلم يفرق بين (عقلته) و (عقلت عنه) حتى فهمته.
قال: (ففي كل سنة قدر ثلث دية، وقيل) كلها (في ثلاث)، المراد: أنه إذا كانت قيمته قدر دية حر مسلم .. ضربت في ثلاث سنين لا محالة، وإن كانت قدر
وَلَوْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ .. فَفِي ثَلاَثِ، وَقِيلَ: سِتَّ، وَاٌلأَطْرَافُ فِي كُلَّ سَنَةِ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةِ، وَقِيلَ: كُلُّهَا فِي سَنَةِ
ديتين .. ضربت في ست سنين في كل سنة قدر ثلث دية كاملة نظرا إلى المقدر.
وقيل: في ثلاث؛ لأنها بدل نفس.
قال: (ولو قتل رجلين .. ففي ثلاث)؛ لأن الواجب ديتان مختلفتان والمستحق مختلف، فلا يؤخر حق بعضهم باستحقاق غيره، كالديون إذا اتفق انقضاء آجالها.
قال: (وقيل: ست)؛ لأن بدل النفس الواحدة يضرب في ثلاث فيزاد للأخري مثلها.
هذا إذا قتلهما معا، فإن قتلهما في يومين وقلنا: تضرب في ثلاث سنين .. أجلت دية كل واحد إلى ثلاث سنين من قتله، وإن قلنا: في ست .. فدية كل واحد منجمة في ست سنين من يوم قتله، في كل سنة سدسها، ويقاس عليه ما لو قتله أكثر من اثنين.
وقوله: (رجلين) ليس بقيد، فلو قتل امرأتين .. ففي ثلاث إن اعتبرنا النفس، وان اعتبرنا القدر .. فهل تضرب في سنتين أو ثلاث؟ وجهان.
وعكس مسألة الكتاب: إذا قتل ثلاثة واحداز.
فعلى عاقلة كل واحد حصته مؤجلة من ثلاث على الصحيح، وقيلك من سنة.
قال: (والأطراف في كل سنة قدر ثلث دية، وقيل: كلها في سنة) أصل هذه المسألة: أن الأطراف وأروش الجنايات وحكوماتها قليلها وكثيرها يضرب على العاقلة على المشهور، كدية النفس كما تقدم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حمل العاقلة جميع الدية .. نبه به على تحمل الأقل.
ونقل عن القديمك أنها لا تحملها؛ لأنها لا تضمن بالكفارة ولا تجري فيها القسامة فلم تحملها العاقلة كبدل المال، ولأن ضرب الدية على العاقلة على خلاف القياس كما تقدم، وورد الشرع في النفس فيقتصر عليها.
وَأَجَلُ اٌلنَّفْسِ مِنَ اٌلزٌهُوقِ، وَغَيْرِهَا مِنَ اٌلْجِنَايَةِ،
وعن القديم قول آخر: إن ما دون ثلث الدية لا يضرب؛ لأنه لا يعظم إحجافه بالجاني، فعلى المشهور- وهو: أنها تحمل الأطراف وأروش الجنايات والحكومات- قيل: تضرب في سنة قلت أو كثرت.
والأصح: التفصيل، فإن لم يزد الواجب على ثلث الدية .. ضرب في سنة، وإن زاد عليه ولم يجاوز الثلثين .. ففي سنتين، في آخر الأولي ثلث دية، وفي آخر الثانية الباقي، وإن زاد على الثلثين ولم يجاوز الدية .. ففي ثلاث سنين، وإن زاد كقطع يديه ورجليه .. فالمذهب: أنه في ست سنين، وقيل: في ثلاث.
قال: (وأجل النفس من الزهوق) أي: ابتداء المدة في دية النفس من وقت الزهوق، سواء قتله بجرح مذفف أو سراية جرح؛ لأنه وقت استقرار الوجوب.
قال في) الروضة): ولا خلاف فيه في جميع الطرق، وقول الغزالي: من الرفع إلى القاضي كمدة العنة، لا يعرف لغيره، إنما هو مذهب أبي حنيفة.
فإن كان الزهوق بجراحة .. فبالاتفاق، وإن كان بسراية من قطع عضو أو جراحة أخرى .. فأوجه:
أصحها: أن الحكم كذلك.
والثاني: أنه من وقت الجراحة.
والثالث: أن ابتداءدية العضو من وقت قطعه، والباقي من الزهوق.
قال: (وغيرها من الجناية)؛ لأنها حالة الوجوب، فتعلق الحكم بها كما تعلق بحالة الزهوق في النفس؛ لأنها حالة وجوب ديتها.
وذهب أبو الفياض البصري إلى احتساب المدة من وقت الاندمال، فعلى المذهب: لو مضت سنة ولم يندمل .. ففي مطالبة العاقلة بالأرش الخلاف في مطالبة الجاني العامد قبل الاندمال.
كل هذا إذا لم تسر واندملت، فإن سرت إلى عضو آخر كمن إصبع إصبع إلى كف.
فأوجه:
وَمَنْ مَاتَ بِبَعْضِ سَنَةِ .. سَقَطَ.
وَلاَ يَعْقِلُ فَقِيرٌ وَرَقِيقٌ
أحدها: أن ابتداءها من وقت سقوط الكف؛ فإنها نهاية الجناية، وبه جزم البغوي، وصححه الفوراني، وضعفه الإمام.
وثانيها: ابتداؤها من وقت الاندمال، وجزم به العراقيون والماوردي.
وثالثها: المدة ابتداء مدة أرش الإصبع من وقت القطع، ومدة أرش الكف من وقت سقوطه، كما لو انفرد كل منهما بجناية، واختاره القفال والإمام والروياني.
قال: (ومن مات ببعض سنة .. سقط) أي: إذا مات في أثناء السنة بعض العاقلة لم يؤخذ من تركته اعتبارا بآخر الحول كالزكاة، بخلاف ما إذا مات الذمي في أثناء الحول؛ فإن الأصح: أن جزية ما مضى تؤخذ من تركته؛ لأنها كالأجرة لدار الإسلام.
وأفهم: أنه إذا مات العاقل بعد السنة تؤخذ من تركته، وهو كذلك بلا خلاف أما إذا وجبت على الجاني مؤجلة ثم مات في أثناء الحول .. فإنها تؤخذ من تركته كسائر الديون.
قال: (ولا يعقل فقير) قال الأصحاب: الصفات المعتبرة في العاقلة خمس: الأولي: أن يكون غنيا أو متوسطان فلا يعقل فقير ولو كان معتملا؛ لأن العقل مواساة وليس الفقير من أهلها، كنفقة القريب.
وعن أبي حنيفة: أنه يعقل بشرط أن يكون معتملا قادرا على الكسب.
قال ابن الرفعة: ومن هذا يظهر: أن المراد بالفقير هنا: من لا يملك مالا يفضل عن كفايته على الدوام، لا من لا يملك شيئا أصلا.
وضبط البغوي الغنى هنا والتوسط بالعادة فيختلف باختلاف البلدان والأزمان، والأقرب- على ما رأى الإمام- اعتباره بالزكاة.
قال: (ورقيق) هذه الصفة الثانية وهي الحرية، فلا تضرب على رقيق، أما غير
وَصَبِيٌ وَمَجْنُونٌ وَمُسْلِمٌ عَنْ كَافِرِ وَعَكْسُهُ، وَيَعْقِلُ يَهُودِيٌ عَنْ نَصْرَانِيَّ وَعَكْسُهُ فِي اٌلأَظْهَرِ،
المكاتب .. فبلا خلاف؛ لأنه لا ملك له، وأما المكاتب .. فلأنه ليس من أهل المواساة.
قال: (وصبي ومجنون) هذه الصفة الثالثة وهي التكليف، فلا يتحملها الصبي ولا المجنون ولا المعتوه وإن كانوا موسرين؛ لأن غير المكلف لا نصرة فيه، وهي مبنية على المناصرة، بخلاف الزمن والشيخ الهرم والمريض والأعمى؛ فإنهم يتحملون على الصحيح؛ لنصرتهم بالقول والرأي.
قال: (ومسلم عن كافر وعكسه) هذه الصفة الرابعة وهي الموافقة في الدين، فلا يعقل المسلم عن الكافر ولا عكسه؛ لانقطاع النصرة وعدم الميراث.
قال: (ويعقل يهودي عن نصراني وعكسه في الأظهر) كما يتوارثان.
والثاني: لا؛ بناء على انقطاع الموالاة بينهما.
والقولان مفرعان على أن الكفر كله ملة واحدة، وهو الصحيح، وقيل: ملل، فحينئذ لا توارث.
والمعاهد كالذمي، فيحمل الذمي عنهن وكذا عكسه إن زادت مدة العهد على أخذ الدية، ولم تنصرم قبل مضي الأجل، ولا يتحمل ذمي عن مرتد وعكسه قطعا.
والصفة الخامسة: الذكورة، فلا تعقل أمرأة بالاتفاق؛ لأن رايها ناقص وإن سلم كماله في بعضهن.
ولم يذكر المصنف هذه الصفة؛ اكتفاء بذكره العصوبة اول الفصل وأن عتيق المرأة لا تعقل عنه، والخنثى كالمرأة، فإن بان الخنثى ذكرا .. فهل يغرم حصته التي أداها غيره؟ فيه وجهان: قال المصنف: قلت: لعل أصحهما: نعم.
فرع:
إن كان العاقلون حاضرين في بلد الجناية .. فالدية عليهم، وان كانوا غائبين .. لم يستحضروا ولم ينتظر حضورهم، بل إن كان لهم هناك مال .. أخذ منه، وإلا ..
وَعَلَى اٌلْغَنِيَّ نِصْفُ دِينَارِ، وَاٌلْمُتَوَسَّطِ رُبُعٌ كُلَّ سَنَةِ مِنَ اٌلثَّلاَثِ، وَقِيل: هُوَ وَاجِيُ اٌلثَّلاَثِ،
فيحكم القاضي بالدية على ترتيبهم ويكتب بذلك إلى قضي بلدهم ليأخذها، وإن شاء .. حكم بالقتل وكتب إلى قاضي بلدهم ليحكم عليهم بالدية ويأخذها منهم.
وإن غاب بعضهم وحضر بعضهم فقولان:
أحدهما: يقدم من حضر لقرب داره وإمكان نصرته.
وأظهرهما: يضربها على الجميع كالإرث.
والمراد بالغيبة ههنا: أن تعسر مكاتبة قاضي بلده ورجوع جوابه في سنة، قاله الإمام الغزالي.
قال الرافعي: وكلام الشافعي والأصحاب لا يساعده على ذلك؛ فإنهم فرضوا الخلاف فيما إذا كان القاتل بمكة والعاقلة بالشام.
قال ابن الرفعة: وعلى هذا: يظهر أن لا ضابط سوى مسافة القصر.
قال: (وعلى الغني نصف دينار)؛ لأنه أقل ما يجب في الزكاة.
قال: (والمتوسط ربع) دينار؛ لأنه واسطة بين الفقير الذي لا شيء عليه والغني الذي عليه نصف دينار، ولم يجز إلحاقه بأحد الطرفين؛ لأنه إفراط أو تفريط، فتوسط فيه بربع دينار؛ لأن الناقص عنه تافه.
قال: (كل سنة من الثلاث)؛ لأنها مواساة تعلقت بالحول فتكررت بتكرره كالزكاة، فجميع ما يلزم الغني في السنين الثلاث دينار ونصف، والمتوسط نصف دينار وربع دينار.
وعند أبي حنيفة: يؤخذ من كل واحد من ثلاثة دراهم إلأى أربعة.
وعند مالك: لا يتقدر، بل باجتهاد الحاكم.
قال: (وقيل: هو واجب) السنين (الثلاث) يعني: النصف على الغني، والربع على المتوسط.
فعلى هذا: يؤدي الغني كل سنة سدس دينار، والمتوسط نصف سدس.