أَوْ لاَ يَبِيعُ مَالَ زَيْدٍ فَبَاعَهُ بِإِذْنِهِ .. حَنِثَ، وَإِلاَّ .. فَلاَ، أَوْ لاَ يَهَبُ لَهُ فَأَوْجَبَ لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ .. لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا إِنْ قَبِلَ وَلَمْ يَقْبِضْ فِي الأَصَحِّ، وَيَحنَثُ بِعُمْرَى وَرُقْبَى، وَصَدَقَةٍ
قال: (أو لا يبيع مال زيد فباعه بإذنه .. حنث)؛ لصدق الاسم، وكذلك لو باعه بإذن الحاكم لحجر أو امتناع.
قال: (وإلا .. فلا)؛ لفساد البيع.
وذكره (البيع) مثال، وإلا .. فسائر العقود لا تتناول إلا الصحيح، وكذلك العبادات إلا الحج؛ فإنه يحنث بفاسده، ولا يستثنى غيره.
قال: (أو لا يهب له فأوجب له فلم يقبل .. لم يحنث)؛ لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض.
وقال ابن سريج: يحنث؛ لأنه يقال وهبه فلم يقبل.
قال الإمام: ولا شك انهم يطردون هذا الخلاف في البيع وغيره.
قال: (وكذا إن قبل ولم يقبض في الأصح)؛ لأن نقل الملك لم يوجد.
والثاني: يحنث؛ لأن الهبة قد حصلت والمختلف الملك.
والذي صححه المصنف تبع فيه (المحرر)، وصححه في زوائد (الروضة)، ولم يصحح في (الشرح) شيئًا، بل نقل تصحيح الأول عن المتولي والثاني عن البغوي.
وأفهمت عبارته: أنه إذا قبضها .. يحنث بلا خلاف، لكن متى يحنث؟ فيه وجهان في (الحاوي):
أحدهما: حالة القبض؛ لأن الملك حصل به.
والثاني: أن القبض دال على الملك حالة الهبة، فعلى هذا يكون حانثًا من وقت العقد.
قال: (ويحنث بعمري ورقبي، وصدقة) أي: صدقة تطوع على الصحيح في الثلاثة؛ لأنها أنواع من الهبة كما تقدم في بابها، فكل صدقة هبة ولا ينعكس.
لاَ إِعَارَةٍ، وَوَصِيَّةٍ وَوَقْفٍ.
أَوْ لاَ يَتَصَدَّقُ .. لَمْ يَحْنَثْ بِهِبَةٍ فِي الأَصَحِّ،
وقيل: يحنث بالعمرى والرقبى دون الصدقة؛ لأن الهبة والصدقة تختلفان اسمًا وحكمًا، فإن الصدقة حرام على النبي صلى الله عليه وسلم دون الهبة.
وأما الزكاة وصدقة الفطر .. فلا يحنث بهما، وتردد فيهما القفال.
والكفارات كالزكوات، صرح به الماوردي.
قال: (لا إعارة)؛ إذ لا ملك فيها.
قال: (ووصية)؛ لأنها تمليك بعد الموت، والميت لا يحنث بها.
وقيل: يحنث بها؛ لأنها سبب في نقل الملك.
قال: (ووقف) بناء على أنه لا يملكه، فإن قلنا: يملكه الموقف عليه .. حنث.
ولا يحنث بالضيافة على الأصح.
قال: (أو لا يتصدق .. لم يحنث بهبة في الأصح)؛ لأنها ليست صدقة، ولهذا حلت للنبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: يحنث كعكسه.
ويحنث بالصدقة الواجبة والمندوبة، سواء تصدق على غني أو فقير؛ لشمول الاسم للقسمين جميعًا، وخالف أبو حنيفة في الغني.
وقال المتولي: يحنث بالوقف؛ لأنه صدقة، وقال: إنه إذا دفع الصدقة لذمي .. لم يحنث؛ لأنه لا قربة فيها، قال الرافعي: وهذا ممنوع.
فروع:
حلف لا يبر فلانًا .. تناول جميع التبرعات من الهبة والهدية والضيافة والإعارة والوقف وصدقة التطوع، يحنث بأيها وجد.
ولو كان المحلوف عليه عبده فأعتقه .. حنث، وكذا لو كان عليه دين فأبرأه منه، ولا يحنث بأن يدفع إليه الصدقة المفروضة ولا بالقرض.
أَوْ لاَ يَاكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ .. لَمْ يَحْنَثْ بِمَا اشْتَرَاهُ مَعَ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: مِنْ طَعَام اشْتَرَلهُ زَيْدٌ فِي الأَصَحِّ، وَيَحْنَثُ بِمَا اشْتَرَاهُ اشْتَرَاهُ سَلَمًا، وَلَوِ اخْتَلَطَ مُشْتَرَاهُ بِمُشْتَرَى غَيْرِهِ .. لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَكْلَهُ مِنْ مَالِهِ
ولو حلف لا يطلق فخالع .. حنث، أو لا يشارك فقارض .. حنث؛ لأنه نوع من الشركة، قاله صاحب (الكافي).
وأفتى العماد بن يونس بانه إذا حلف لا يستودع فأعطاه رجل درهمًا يشتري به شيئًا، وكان ليلًا فأمسكه إلى الغد .. لا يحنث؛ لأنه وكالة لا وداعة.
قال: (أو لا يأكل طعامًا اشتراه زيد .. لم يحنث بما اشتراه مع غيره) أي: مشاعًا؛ لأن كل جزء يقال فيه: هذا اشتراه زيد .. يصدق فيه: بل اشتراه عمرو؛ لأن زيدًا لم يختص بشراء شيء منه، فأشبه ما لو قال: لا أدخل دار زيد فدخل دارًا لزيد وعمرو، وجزم المصنف في هذه، وحكاية الخلاف في التي بعدها طريقة البغوي، وطريقة الجمهور طرد الخلاف.
والوجه الثاني: الحنث؛ لأنه ما من جزء إلا وقد ورد عليه شراء زيد.
والثالث: إن أكل أكثر من النصف .. حنث، وإلا .. فلا.
وموضوع الخلاف عند الإطلاق، فلو أراد أن لا يأكل طعامه أو من طعامه .. فقال البغوي: يحنث بالمشترك، وأقره الرافعي عليه، وفيه نظر.
قال: (وكذا لو قال: من طعام اشتراه زيد في الأصح)؛ لما سبق، هذا قول الجمهور، ويقابله الوجهان السابقان.
قال: (ويحنث بما اشتراه سلمًا)؛ لأنه نوع من الشراء، وكذا ما يملكه بالتولية والاشتراك، لا ما ملكه بإرث وهبة أو وصية، أو رجع إليه برد بعيب أو إقالة، أو خلص له بقسمة وإن جعلنا الإقالة والقسمة بيعًا، وكذا الصلح على الصحيح؛ لأن لفظ الصلح موضوع للرضا بترك الحق لا للتملك.
ولا يحنث بما اشتراه له وكيله، ويحنث بما اشتراه لغيره بالوكالة.
قال: (ولو اختلط مشتراه بمشترى غيره .. لم يحنث حتى يتيقن أكله من ماله)، وذلك بأن يأكل قدرًا صالحًا كالكف والكفين، بخلاف عشر حبات وعشرين.
أَوْ لاَ يَدْخُلُ دَارًا اشْتَرَاهَا زَيْدٌ .. لَمْ يَحْنَثْ بِدَارٍ أَخَذَهَا بِشُفْعَةٍ
والثاني: لا يحنث وإن أكل الجميع؛ لأنه لا يمكن الإشارة إلى شيء منه بأن زيدًا اشتراه.
والثالث: إن أكل أكثر من النصف .. حنث، وإلا .. فلا.
قال: (أو لا يدخل دارًا اشتراها زيد .. لم يحنث بدار أخذها بشفعة)؛ لعدم صدق الشراء، والمراد: أخذ بعضها؛ لأن الدار كلها لا تؤخذ بالشفعة عندنا.
فروع:
حلف لا يلبس حليًا .. حنث بالخلخال والسوار والطوق والدملج وخات الذهب والفضة.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث بخاتم الفضة؛ لأنه مألوف، ولا بالمخنقة المتخذة من اللؤلؤ حتى تمزج بذهب أو فضة.
وعندنا: يحنث به؛ لأنه حلي، قال الله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾.
فلو تحلى بالخرز والصفر، فإن كان في عرفهم حليًا كأهل البوادي وسكان السواد .. حنث.
ولو حلف لا يلبس خاتمًا .. لم يحنث بلبسه في غير الخنصر؛ لأن الرجل لا يعد بذلك لابسًا للخاتم، بخلاف المرأة.
وإن من عليه رجل فحلف لا يشرب له ماء من عطش فأكل له خبزًا أو لبس له ثوبًا .. لم يحنث.
وإن قال: لا صليت، فأحرم بفرض أو نفل .. حنث، وقال القفال: إلا صلاة الجنازة فلا يحنث بها؛ لأنها لا يطلق عليها صلاة عرفًا.
وإن قال: لا تسريب .. لا يحنث حتى يحضن الجارية ويطأ وينزل على الأصح.
وإذا حلف لا يسكن دار فلان فسكن دارًا له ولغيره فيها شركة قليلة أو كثيرة .. لم يحنث، نص عليه في (الأم).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحكى ابن العربي: أنه حضر فخر الإسلام الشاشي عمن حلف لا يلبس ثوبًا معينًا واحتاج إلى لبسه، فأمره أن يسل منه خيطً ثم يلبسه.
وإن حلف لا يكلم الناس .. حنث إذا كلم واحدًا، وإن قال: لا اكلم ناسًا .. فثلاثة.
تتمة:
سئل بعض العلماء عن رجل حلف لينفرد بعبادة لله تعالى لا يشاركه فيها غيره، أو نذر ذلك، فقال: لا سبيل إلى ذلك إلا بأن يطوف بالبيت منفردًا، قال: وفي معنى ذلك الانفراد بالإمامة العظمى؛ فإن الإمام لا يكون إلا واحدًا، فإذا انفرد بها واحد .. فقد قام بعبادة هي أعظم العبادات، وعليه حمل قول سليمان صلوات الله عليه وسلامه: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾؛ فإنه انفراد بهذه العبادة، وهي القيام بمصالح الإنس والجن والطير وغيرها.
ولنختم الباب بأصول مأثورة وفروع منثورة في (فتاوى القفال) و (البحر) وغيرهما.
حلف لا يكلم زيدًا ثم ولاه ظهره، ثم قال: يا جدار افعل كذا .. لم يحنث وإن كان غرضه إفهام زيد، وكذا إذا أقبل على الجدار وتكلم ولم يقل يا زيد ولا يا جدار .. لم يحنث؛ لأن عائشة لما أرادت الخروج إلى البصرة .. أشارت عليهما ام سلمة أن لا تفعل وحلفت إن خرجت أن لا تكلمها، فخرجت، فلما عادت إلى المدينة كانت أم سلمة تقول بحضرتها: يا حائط؛ ألم أقل لك؟ يا حائط؛ ألم أنهك؟ ففعلت غرضها وسلمت من الحنث.
وفي (الحاوي): لو حلف لا يتزوج امرأة كان لها زوج فطلق امرأته ثم تزوجها .. لم يحنث؛ لأن اليمين تنعقد على غير زوجنه التي هي في نكاحه، فإن كانت بائنًا فتزوجها .. حنث.
ومنها: رجل له على آخر دين، فقال: إن لم أقبضه منك اليوم .. فامرأتي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طالق، وقال صاحبه: غن أعطيتكم اليوم .. فامرأتي طالق، طريقه: أن يأخذ منه صاحبه جزءًا فلا يحنثان.
ومنها: حلف لا يتزوج سرًا فتزوج بولي وشاهدين .. حنث؛ لأن التزويج لا يصح بدون ذلك، وإن شهد ثلاثة .. لم يحنث.
وحكى القاضي أبو الطيب في (شرح التلخيص) في (كتاب الصلح): أنه لو حلف لا يكتب بهذا القلم وكان مبريًا فكسر برايته واستأنف ببراية اخرى .. لم يحنث وإن كانت الأنبوبة واحدة؛ لن القلم اسم للمبري دون القصبة، وإنما سميت القصبة قبل البري قلمًا مجازًا لا حقيقة.
وكذلك لو قال: بهذه السكين ثم أبطل حدها وجعل الحد من ورائها وبرى بها .. لم يحنث.
ولو حلف لا يزور فلانًا فشيع جنازته .. لم يحنث.
وإن حلف لا يركب ظهر إنسان واجتاز به النهر ونحوه .. لم يحنث.
ولو حلف لا يسكن هذا البيت أو لا يصطاد ما دام زيد واليًا أو فلان قاضيًا ونحو ذلك فعزل فلان ثم ولي .. لم يحنث بالمحلوف عليه؛ لانقطاع الديمومة، صرح به الخوارزمي وغيره.
كتاب النذر
كِتَابُ النَّذْرِ