النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 47-86
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَلَوْ بَاعَهَا بِمِئَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ .. صَحَّ إِنْ خَرَجَتْ مِئَةً، وَإِلَّا .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمَتَى كَانَ الْعِوَضُ مُعَيَّنًا .. كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ  قال: (ولو باعها بمئة درهم كل صاع بدرهم .. صح إن خرجت مئة)؛ لحصول الغرضين، وهما: بيع الجملة بالجملة، ومقابلة كل واحد بواحد.
قال: (وإلا .. فلا على الصحيح)؛ لتعذر الجمع بين الأمرين المذكورين.
والثاني: يصح؛ لإشارته إلى الصبرة ويلغو الوصف.
فعلى هذا: إن خرجت ناقصة .. فللمشتري الخيار، وإن خرجت زائدة .. فالأصح: أن الزيادة للمشتري فلا خيار له قطعًا ولا للبائع في الأصح.
وعبارته تقتضي: ضعف الخلاف وأنه وجهين، وعبر في (الروضة) بالأظهر، وهو الصواب فهو مخالف لما في الكتاب من وجهين.
ولو قال: بعتك من هذه الصبرة كل صاع بدرهم .. لم يصح على الصحيح، واختار الإمام وشيخه الصحة.
ولو قال: بعتك صاعًا منها بدرهم ومهما زاد بحسابه .. صح، قاله الرافعي في (كتاب الإجارة)، فإن عبر بقوله: على أن ما زاد فبحسابه .. لم يصح؛ لأنه شرط عقد في عقد.
ولو قال: بعتك عشرة من هذه الأغنام بكذا .. لم يصح وإن علم عدد الجميع، بخلاف مثلها في الثوب والصبرة والأرض؛ لأن قيمة الشاة تختلف.
قال: (ومتى كان العوض معينًا .. كفت معاينته) ثمنًا كان أو مثمنًا اعتمادًا على التخمين، ولا تشترط معرفة قدره بالكيل والوزن.
وفي (الذخائر) وجه: أنه لا تكفي المعاينة.

وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ  وإذا باع صبرة في موضع فيه انخفاض وارتفاع، أو سمنًا ونحوه في ظرف مختلف الأجزاء رقة وغلظًا .. فكبيع الغائب على الأصح.
والثاني: القطع بالصحة.
والثالث: بالبطلان.
ولو باع الصبرة إلا صاعًا، فإن كانت معلومة الصيعان .. صح، وإلا .. فلا.
قال: (والأظهر: أنه لا يصح بيع الغائب)؛ لأنه غرر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه.
قال الماوردي: ونص عليه الشافعي رضي الله عنه في ستة كتب، وسواء كان ذلك في الثمن أو المثمن، لكن يجوز للعبد أن يشتري نفسه وللحر أن يؤجر نفسه؛ لأن أحدًا لا يجهل نفسه.
قال: (والثاني: يصح، ويثبت الخيار)؛ لحديث: (من اشترى ما لم يره .. فهو بالخيار إذا رآه) لكنه ضعيف، وقال الدارقطني: باطل، وإلى هذا القول ذهب جمهور الأصحاب، ونص عليه في ستة كتب أيضًا.
ولا يثبت الخيار بزيادة ولا بما لا يكترث به من النقص.
وإذا صححنا بيع الغائب .. فلا بد من ذكر جنس المبيع على الصحيح بأن يقول: بعتك عبدي أو داري أو فرسي، ولا يجوز أن يقول: بعتك ما في كمي أو داري أو ما ورثته عن أبي إذا لم يعرفه المشتري.
وأما النوع .. فالأصح أيضًا: أنه لا بد من ذكره بأن يقول: عبدي التركي أو الحبشي وفرسي العربي أو الرومي، فإن كان أكثر من واحد من ذلك النوع .. فيذكر ما يحصل به تمييز المبيع من غيره من ذكر اسمه أو نسبة أو غيرهما، وهل يفتقر معهما إلى الصفات؟ الأصح المنصوص: لا.

عِنْدَ الرُّؤْيَةِ  قال: (عند الرؤية)؛ لظاهر الخبر سواء اشترطه أم لم يشترطه على الصحيح، ولا فرق بين أن يشترط ذكر الوصف فيجده كما وصفه أو لا يشترطه على الأصح.
أما قبلها .. فالأصح: نفوذ الفسخ دون الإجارة، وقيل: ينفذان، وقيل: لا ينفذان.
وظهور زيادة على الصفة المذكورة في حق البائع إذا باع ما لم يره كظهور النقصان في جانب المشتري إذا اشترى ما لم يره.
ولو حضر البائع فرأي بعضه دون بعض .. لم يبطل خياره حتى يرى جميعه.
واستفيد من لزوم ثبوت الخيار عند الرؤية: أن شراء الأعمى لا يصح وإن جوزنا بيع الغائب؛ لأنه لا يمكن إثبات الخيار له، لعدم إمكان رؤيته، وهذا هو الأصح.
وقيل: يصح ويقوم وصف غيره له مقام رؤيته.
والقولان في بيع الغائب جاريان في شرائه، وإجارته، والصلح عليه، وجعله رأس مال سَلَم إذا أُسلم في المجلس، وصحة تسميته في الصداق، والخلع، والعفو عن الدم، وفي الرهن، والهبة، وأولى بالصحة.
وقيل: يصح اتهاب الغائب ولا تصح هبته، والخلاف أيضًا جار في الوقف، لكن صحح ابن الصلاح والمصنف: الصحة، وجزم القفال في (الفتاوى) بالمنع.
فرع: لا يشترط في صحة البيع أن يكون المشتري من أهل المعرفة بالمبيع، فلو رأى جوهرة فاشتراها وهو لا يعرف الجوهر من الزجاج .. صح.
وعن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي: أنه يشترط؛ لأن مقصود الرؤية معرفة الأوصاف.

وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ قَبْلَ الْعَقْدِ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا إِلَى وَقْتِ الْعَقْدِ، دُونَ مَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا.

 قال (وتكفي الرؤية قبل العقد فيما لا يتغير غالبًا إلى وقت العقد) كالأرض والحديد والأواني ونحوها؛ لأن الغالب بقاؤها على ما كانت عليه.
وشرط الصحة: أن يكون عند العقد ذاكرًا للأوصاف التي رآها، وإلا .. فهي بيع غائب، قاله ابن الرفعة تبعًا للماوردي، واستغربه في (شرح المهذب) وقال: لم يتعرض له الجمهور.
والصواب: اعتباره؛ لأن تغير الأزمان منكر للمعارف.
وشرط الأنماطي الرؤية عند العقد وهو منقول عن النص.
وقيل: إن الإصطخري ألزمه فيما إذا كان في يده خاتم فأراه غيره فنظره جميعه ثم غطاه بكفه ثم باعه منه، وفيما لو دخل دارًا ونظر إلى جميعها ثم وقف في ناحية منها واشتراها .. أنه لا يصح، فقال: لا يصح فيهما.
وهذا لا يصح؛ لأن الإصطخري لم يذكره، وإنما هذه المناظرة وقعت مع من احتج بقول الأنماطي.
قال: (دون ما يتغير غالبًا) كالفواكه والأطعمة؛ لأن الرؤية السابقة لم تفد معرفته حال العقد.
وقيل: يصح، وصححه الشيخ أبو علي في (شرح التلخيص)، وسكت المصنف عما إذا احتمل التغير وعدمه كالحيوان، وفيه وجهان: أصحهما: الصحة؛ لأن الظاهر بقاؤه بحاله.
فرع: اختلفا: فقال المشتري: تغير عما رأيته عليه فلي الخيار، وأنكر البائع .. ففيه رأيان:

وَتَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِ الْمَبِيعِ إِنْ دَلَّ عَلَى بَاقِيهِ كَظَاهِرِ الصُّبْرَةِ،  أحدهما –عن صاحب (التقريب) وصححه الغزالي-: أن القول قول البائع.
وأظهرهما –وهو المنصوص وقطع به صاحب (التنبيه) وغيره-: أن القول قول المشتري مع يمينه.
فرع: رأى ثوبين فسرق أحدهما فاشترى الثاني ولا يعلم أيهما المسروق .. قال الغزالي: إن تساوت قيمتهما وصفتهما وقدرهما كنصفي كرباس واحد .. صح البيع بلا خلاف، وإن اختلفا في شيء من ذلك .. ففيه القولان في بيع الغائب.
واعترض عليه ابن الصلاح في ذلك وقال: الصواب إجراء الخلاف في صورة التساوي أيضًا، وصوب المصنف في (شرح المهذب) كلام الغزالي وأفسد قول ابن الصلاح.
قال: (وتكفي رؤية بعض المبيع إن دل على باقيه كظاهر الصبرة)؛ لأن الغالب فيها عدم الاختلاف، وكذلك الجوز واللوز.
وتكفي رؤية المائعات في ظروفها كالعسل والخل واللبن والدبس والزيت والسمن.
أما ما لا يدل على باقيه كصبرة البطيخ والرمان والباذنجان .. فلا بد من رؤية كل واحد منها، بل قال البغوي: إذا رأى أحد جانبي البطيخة .. كان كبيع الغائب.
ولا تكفي في سلة العنب والتين والخوخ رؤية أعلاها؛ لكثرة الاختلاف فيها، قاله المتولي والرافعي، وفي كلام الإمام ما يخالفه، فإن قال: لو اشترى قِرْطَلَّة فاكهة فظهر فيها حشوٌ جهله .. يخيَّر.
والتمر إن لم تلتصق حباته .. فصبرته كصبرة الجوز واللوز، وإن التصقت حباته كالقوصرة .. كفى رؤية أعلاها على الصحيح، والقطن في العدل كقوصرة التمر.
وإن كانت الحنطة في بيت مملوء فرأى بعضها من الكوة أو الباب .. كفى.
لكن إن باعها جزافًا .. اشترطت معرفة سعة البيت وعمقه، وإلا .. فلا، وكذا الجمد في المجمدة.

وَأُنْمُوذَجِ الْمُتَمَاثِلِ، أَوْ كَانَ صِوَانًا لِلْبَاقِي خِلْقَةً كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ،  قال: (وأنموذج المتماثل) هو: بفتح الذال المعجمة، والمراد: أنه إذا كان عنده قمح مثلًا فأخذ شيئًا منه وأراه لغيره، كما يفعله السمسمار، ويسمونه: العين، فذلك المقدار هو الأنموذج.
فإذا اعتمد في الشراء على رؤيته، فإن قال: بعتك من هذا النوع كذا .. فهو باطل، وإن قال: بعتك الحنطة التي في هذا البيت وهذا الأنموذج منها، فإن لم يدخل الأنموذج في البيع .. لم يصح على الأصح؛ لأنه لم ير المبيع ولا شيئًا منه، وإن أدخله فيه .. صح، وهذه الصورة التي أرادها المصنف.
ومراده بـ (المتماثل): المتساوي الأجزاء كالحبوب ونحوها، لا المثلي كما توهمه ابن الرفعة، وإلا .. فيرد عليه السفرجل والبطيخ ونحوهما؛ فإن رؤية الأنموذج فيها لا تكفي كما تقدم.
قال: (أو كان صوانًا للباقي خلقه كقشر الرمان والبيض)؛ لأن صلاحه في إبقائه فيه، ومن ذلك قصب السكر كما سيأتي في (باب بيع الأصول والثمار) إن شاء الله تعالى.
وكان ينبغي أن يزاد: (وما في معناه)؛ فإن الروياني والمصنف وغيرهما جوزوا بيع الكعك المحشو والخشكنان ونحوهما؛ لأنه من مصلحته كقشر الرمان، وفي معنى ذلك: الفقاع؛ فإن الكوز صوان مَصْلحي لا خلقي.
وقال العبادي: يفتحه وينظر فيه بحسب الإمكان.
أما الدر في الصدف .. فلا يصح بيعه جزمًا.
وقد أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة بالقطن ونحوها، ولعل اللحف والفرش في معنى ذلك.
ولا تكفي رؤية المبيع من وراء قارورة شفافة، بخلاف السمك والأرض في الماء

وَالْقِشْرَةِ السُفْلَى لِلْجَوْزِ وَاللَّوْزِ.
وَتُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ  الصافي؛ لأن استتارهما به من صلاحهما، كذا قيد الرافعي صحة البيع هنا بصفاء الماء مع تصحيحه إجارة الأرض مستورة بماء كدر.
فائدة: (الرُّمّان) فُعّال، كالحُمّاض والعُنّاب، وليس بفعلان، كقولهم: أرض مرمنة.
روى البيهقي في (الشعب) [5958] عن علي رضي الله عنه أنه قال: (كلوا الرمان بشحمه؛ فإنه دباغ المعدة).
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان إذا سقطت منه حبة رمان أكلها، فسئل عن ذلك؟ فقال: (بلغني أنه ليس في الأرض رمانة تلقح إلى بحبة من حب الجنة، فلعلها هذه).
قال صاحب (الفلاحة): تؤخذ رمانة من شجرة وتعد حباتها فتكون حبات رمان تلك الشجرة كذلك العدد، وكذلك تعد شرفات قمع الرمانة، فإن كانت زوجًا .. فعدد حباتها زوج، وإن كانت فردًا .. فعدد حباتها فرد.
و (الصوان) بضم الصاد وكسرها، والصيان بالياء: الوعاء الذي يصان فيه الشيء، تقول: صنت الشيء صونًا.
وصيانًا وصيانة فهو مصون، ولا تقل: مصان، وثوب مصون على النقص، ومصوون على التمام.
قال: (والقشرة السفلى للجوز واللوز)؛ لأنه بدونها يفسد، أما القشرة العليا .. فلا يصح بيعه فيها كما سيأتي في (بيع الثمار)، ولا يصح بيع اللب وحده على القولين جميعًا.
قال: (وتعتبر رؤية كل شيء على ما يليق به)؛ لاختلاف الغرض بذلك، ففي الكتاب بنظره ورقة ورقة، وفي الورق: جميع طاقاته، وفي العبد: الوجه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأطراف، وكذا باقي البدن على الأصح ما خلا العورة، وأصح الأوجه في زوائد (الروضة): أن الأمة كالعبد.
وثانيها: تشترط رؤية ما يبدو عند المهنة والحاجة.
والثالث: الوجه والكفين، وتشترط رؤية الشعر في الأصح، لا رؤية اللسان والأسنان على الأصح.
وفي الدواب: مقدمها ومؤخرها وقوائمها ورفع السرج والإكاف والجل، وهل يشترط أن يجريها بين يديه؟ وجهان: أصحهما: لا.
وفي شراء الدار: السقوف والجدران داخلًا وخارجًا والمستحم والبالوعة، وكذا السطوح في الأصح.
وفي البستان: الأشجار والجدران ومسايل الماء، ولا حاجة إلى رؤية أساس البنيان وعروق الأشجار ونحوها.
والأصح: اشتراط رؤية طريق الدار، ومجرى الماء الذي تدور به الرحى.
وفي الثوب المطوي: نشره، وللإمام احتمال فيما لا ينشر إلا عند القطع، وإذا نشر فما كان صفيقًا كالديباج المنقوش .. اشترط رؤية وجهيه، وكذلك البسط والزلالي والرقيق.
والكرباس: تكفي رؤية أحد وجهيه في الأصح.
وقيل: يشترط اللمس في الثياب، والشم في المسك ونحوه، والذوق في الخل، والصحيح: خلافه.
فرع: عن القفال: إذا اشترى ثوبًا مطويًا وصححنا الشراء فنشره واختار الفسخ وكان لطيِّه مؤنة ولم يحسن طيه .. كانت مؤنة الطي على المشتري، كما لو اشترى شيئًا ونقله إلى بيته فوجد به عيبًا .. كانت مؤنة رده عليه.

وَالأَصَحُّ: أَنَّ وَصْفَهُ بِصِفَةِ السَّلَمِ لَا يَكْفِي.
وَيَصِحُّ سَلَمُ الأَعْمَى،  فرع: لو كان الثوب على منسج قد نسج بعضه فباعه على أن ينسج البائع باقيه .. لم يصح البيع قطعًا نص عليه.
قال: (والأصح: أن وصفه بصفة السلم لا يكفي) وكذلك سماع وصفه بطريق التواتر؛ لأن الرؤية تفيد أمورًا تقصر عنها العبارة، وفي الحديث: (ليس الخبر كالمعاينة).
والثاني: يكفي؛ لأنها تقوم مقام الرؤية.
وصورة المسألة: أن يبيعه شيئًا حاضرًا تمكن رؤيته ويجعل الوصف قائمًا مقام الرؤية، كقوله: بعتك الفرس التي في داري، أو الثوب التي في حانوتي وصفتها كذا وكذا .. فلا يقوم الوصف مقام الرؤية.
أما التي في (باب السلم) في قول المصنف: (ولو قال: اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بهذه الدراهم، فقال: بعتك .. انعقد بيعًا، وقيل: سلمًا) .. فتلك في شراء موصوف في الذمة، وكلامه هنا في بيع حاضر جعلا فيه الصفة قائمة مقام الرؤية، فافترقا.
وإذا اختلفا في رؤية المبيع: فأنكرها المشتري، وادعاها البائع .. فأفتى الغزالي بأن القول قول البائع، وسيأتي في آخر (اختلاف المتبايعين).
قال: (ويصح سلم الأعمى) مسلمًا كان أو مسلمًا إليه؛ لأن المعتمد عليه في السلم الوصف، واستدل له العراقيون بصحة سلم البصير فيما لم يشاهده؛ لأن أحدًا لم يقل: أنه لا يجوز لأهل بغداد أن يسلموا في الموز، ولا لأهل خراسان أن يسلموا في الرطب؛ لأنهم لم يشاهدوه.
وثبوت المسمى في نكاح الأعمى الذي لم يتقدم له الإبصار، فإن كان الأعمى قد رأى شيئًا مما لا يتغير وهو ذاكر لصفاته .. فإنه يصح بيعه وشراؤه كالبصير.

وَقِيلَ: إِنْ عَمِيَ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ .. فَلَا  قال: (وقيل: إن عمي قبل تمييزه .. فلا)؛ لعدم معرفته الصفات، وسيأتي في (باب السلم): أنه تشترط معرفة المتعاقدين الصفات، وهذا يقوي هذا الوجه.
تتمة: إذا ملك الأعمى شيئًا بالسلم أو الشراء وصححناه .. لم يصح قبضه ذلك بنفسه، بل يوكِّل بصيرًا يقبضه له بتلك الأوصاف، فلو قبضه الأعمى .. لم يعتد به.
قال المتولي: ولو اشترى البصير شيئًا ثم عمي قبل قبضه وقلنا: لا يصح شراؤه .. فهل ينفسخ البيع؟ فيه وجهان: صحح المصنف منهما: عدم البطلان.


خاتمة قال: بعتك هذا العبد الكبير وكان صغيرًا .. صح تغليبًا للإشارة، قاله الروياني.
وبيع الجزر واللفت والبصل ونحوها في الأرض لا يصح قولًا واحدًا، لأنه غرر، وبه قال ابن المنذر وأحمد، وأجازه مالك والأوزاعي وإسحاق.
قال المصنف: ومما تعم به البلوى: ما اعتاده الناس من بيع النصيب من الماء الجاري من النهر، قال المحاملي: هو باطل؛ لجهالة قدره، ولأن الماء الجاري غير مملوك.
ولو اشترى سمنًا، أو غيره من المائعات، أو غيرها في ظرفه كل رطل بدرهم مثلًا على أن يوزن بظرفه ويسقط أرطالًا معينة بسبب الظرف ولا يوزن الظرف .. فالبيع باطل بلا خلاف، لأنه غرر ظاهر.
قال في (شرح المهذب): وهذا من المنكرات المحرمة التي تقع في كثير من الأسواق.


بَابُ الرِّبَا

باب الربا

لفظه مقصور، ويكتب بالألف والواو والياء، وقد يقال فيه أيضًا: الرماء –بالميم والمد- وأصله: الزيادة إما في أصل الشيء، كقوله تعالى: ﴿اهتزت وربت﴾ أي: نمت وزادت، وإما في مقابله، كدرهم بدرهمين.
قال القاضي أبو حامد وداوود الظاهري: إنه حقيقة في الأول مجاز في الثاني.
وقيل: حقيقة فيهما.
وقال ابن سريج: هو في الثاني حقيقة شرعية.
وقيل: الربا كل بيع محرم، ونقل عن عمر وعائشة رضي الله عنهما.
وهو في الشرع: الزيادة في بيع النقد والمطعوم بمثلهما، وهو من الكبائر.
روى ابن بكير عن مالك بن أنس: أن رجلًا أتى إليه فقال: يا أبا عبد الله، رأيت رجلًا سكرانًا يتقافز يريد أن يأخذ القمر بيده، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل في جوف ابن آدم شر من الخمر، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال: امرأتك طالق؛ إني تصفحت الكتاب والسنة فلم أر شيئًا أشد من الربا؛ لأن الله تعالى آذن فيه بالحرب.
وهو أنواع: (ربا الفضل) وهو: زيادة أحد العوضين على الآخر في المقدار.
و (ربا النساء) وهو: بيع مال بمال نسيئة.
و (ربا اليد) وهو: بيع مال بمال يقبض فيه أحد العوضين في المجلس دون الآخر.
وذكر المتولي نوعًا رابعًا وهو (ربا القرض) وهو: أن يقرضه مالًا بمثله بشرط جر منفعة، لقول فضالة بن عبيد: كل قرض جر منفعة فهو ربا، ورواه الحارث بن أبي

إِذَا بِيعَ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ؛  أسامة من حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والأصل في تحريمه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربوا﴾، وقوله عز وجل: ﴿وذروا ما بقى من الربوا﴾.
و (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده) رواه مسلم [1598] من حديث جابر رضي الله عنه.
وروى أحمد [5/ 225] عن أبي هريرة رضي الله عنه، والدارقطني [3/ 16] والبيهقي [هب 5517] عن عبد الله بن حنظلة الغسيل رضي لله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (درهم ربا يأكله ابن آدم أشد عند الله تعالى إثمًا من ست وثلاثين زنية).
وفي (المستدرك) [2/ 37] من حديث مسروق عن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الربا سبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإنَّ أربى الربا عِرض الرجل المسلم) ثم قال: صحيح على شرط الشيخين.
وقال عمر رضي الله عنه: (لا يتَّجرْ في سوقنا إلا من فَقُهَ، وإلا .. أَكَلَ الربا).
وقال علي رضي الله عنه: (من أتَّجر قبل أن يتفقه .. ارتطم في الربا، ثم ارتطم، ثم ارتطم) أي: وقع فيه وارتبك ونشب.
وقيل: إن الربا لم يحل في شريعة قط، قال تعالى: ﴿وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه﴾.
قال: (إذا بيع الطعام بالطعام) إنما قدمه على النقد؛ لأن أحكامه أكثر، وعبر في (المحرر) بالمطعوم، وعبارة المصنف موافقة لرواية مسلم [1592] عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا إِنْ كَانَ جِنْسًا .. اشْتُرِطَ الْحُلُولُ، وَالْمُمَاثَلَةُ، وَالتَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ،  مثلًا بمثل) فعلق المنع على الطعام، وهو اسم مشتق، وتعليق الحكم على الاسم المشتق يدل على التعليل بما فيه من الاشتقاق، كقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾.
ولأنه صلى الله عليه وسلم نص على أصناف مختلفة المقاصد مع الاشتراك في أنها مطعومة، فدل على التعليل بالقدر المشترك.
وفي القديم: العلة مع الطعم: التقدير في الجنس بالكيل أو الوزن، فلا ربا فيما لا يوزن ولا يكال كسفرجل ورمان وبيض وجوز وأترج ونارنج وغيرها، واختلفوا على الجديد في المسائل: منها: الزعفران والسقمونيا والطين الأرمني والمختوم والأدهان المطيبة، فهذه ربوية على الأصح.
ومنها: حب الكتان ودهنه ودهن السمك والطين الخراساني وماء الورد، فهذه غير ربوية على الأصح.
والفرق بين الطين الأرمني والخراساني: أن الأرمني دواء.
والطين المصري كالخراساني في الحكم وسيأتي.
ولا يحرم أكل الطين؛ لأنه لم يصح في حديث إلا أن يضر لكثرته فيحرم، وبهذا قال الروياني ومشايخ طبرستان.
وقال والده وجده والزجاجي والحناطي والقفال والقاضي حسين: يحرم.
وإذا قلنا بهذا: فليس بربوي وإنما الخلاف إذا قلنا بإباحته، وسيأتي في (الأطعمة) فيه زيادة في ذلك.
قال: (إن كان جنسًا .. اشترط الحلول، والمماثلة، والتقابض قبل التفرق)؛ لما روى مسلم [1594]: أن بلالًا رضي الله عنه جاء بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (من أين هذا؟) فقال بلال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع؛ ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَوَّهْ! عينُ الربا، لا تفعل ولكن مثلًا بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه).
وروى أيضًا [1587] عن عبادة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأجناس .. فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الربا في نسيئة) .. فقال الشافعي رضي الله عنه: إنه جواب سائل سأل عن التفاضل في جنسين، فنقل الراوي الجواب دون السؤال.
وقول المصنف: (إن كان جنسًا) أي: مجموع الثمن والمثمن، وفي (المحرر): إن كانا، وهو أحسن.
وأشار بقوله: (جنسًا) إلى أن اختلاف النوع لا يضر.
كبرنيٍّ بمعقلي، والصفةِ كجيد برديء.
ولابد في القبض أن يكون محققًا، فلا تكفي الحوالة إن لم يحصل القبض لها في المجلس، وكذا إن حصل في الأصح، وتكفي الوكالة إن قبض الوكيل قبل مفارقة الموكل المجلس، فإن قبض بعد مفارقة الموكل المجلس .. امتنع.
ولو كان العاقد عبدًا مأذونًا فقبض سيده .. لم يكف، قال الجوري، أو وكيلًا فقبض موكله .. لم يكف بلا خلاف.
ولو مات العاقد .. قام وارثه مقامه على الأصح.
ولو تقابضا بعضَ كل واحد من العوضين ثم تفرقا .. بطل في غير المقبوض، وفي المقبوض قولا تفريق الصفقة.
والمراد بـ (التفريق): ما في خيار المجلس، ولا فرق فيه بين العامد والناسي –نص عليه الشافعي والإمام- ولا بين العالم والجاهل –قاله الماوردي- ولا بين المختار والمكره، قاله الصيمري.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد يستشكل بأن الصحيح: عدم انقطاع الخيار بالتفرق كرهًا، فإن صح الحكمان .. فلعله لضيق باب الربا، أو لأن القبض شرط فلم يختلف بالنسبة إلى المكره وغيره، أو لأن باب الربا الأغلب عليه التعبد.
مهمة: في (الروضة) هنا: أن إجازة العقد قبل التقابض مبطلة خلافًا لابن سريج.
وفي (باب الخيار): لو تقابضا ثم أجازا في المجلس .. لزم العقد، فإن أجازا قبل التقابض .. فوجهان: أحدهما: تلغو الإجازة ويبقى الخيار.
والثاني: يلزم العقد وعليهما التقابض، فإن تفرقا قبله .. انفسخ العقد، ولم يتعرض للوجه الذي جزم به هنا، وهذا إنما يأتي على قول ابن سريج، وليس للمسألة ذكر في (الشرح الصغير) ولا في (المحرر)، وهي في (شرح المهذب) هنا وهي آخر مسألة فيه.
ومتى وقع العقد مع فوات أحد الشروط .. كان باطلًا وأثما به، وكذا إذا تفرقا من غير قبض .. أثما أيضًا وعليهما إذا أرادا التفرق أن يتفاسخا أو يتقايلا ثم يفترقان.
ومن هذه المسألة يؤخذ: أن تعاطي العقود الفاسدة حرام.
وخرج من كلام المصنف: ما إذا باع طعامًا بغير طعام، فلا يشترط فيه شيء من الثلاثة بالإجماع.

أَوْ جِنْسَيْنِ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ .. جَازَ التَّفَاضُلُ، وَاشْتُرِطَ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ.
وَالطَّعَامُ مَا قُصِدَ لِلطُّعْمِ اقْتِيَاتًا أَوْ تَفَكُّهًا أَوْ تَدَاوِيًا  قال: (أو جنسين كحنطة وشعير .. جاز التفاضل، واشترط الحلول والتقابض)؛ لما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا اختلفت هذه الأجناس .. فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) فشرط التقابض وهو مستلزم الحلول غالبًا، ومثل المصنف بالحنطة والشعير؛ لأن مالكًا نقل عنه: أنهما جنس واحد.
قال: (والطعام ما قصد للطعم اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا)؛ لأن حديث عبادة رضي الله عنه ذكر فيه أربعة: البر، والشعير، والتمر، والملح، وهي مختلفة المقاصد: فمقصود البر والشعير القوت وألحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة، ومقصود التمر التأدم فألحق به ما في معناه كالزبيب والفواكه ونحوها، ومقصود الملح الإصلاح فألحق به ما في معناه من الأدوية.
ولا فرق بين ما يؤكل نادرًا كالبلوط والطُّرْثُوث، أو غالبًا كالحبوب.
ومن الربويات: الفواكه والحلوى والإهليلج والبقول والتوابل والمصطكي والزنجبيل والصمغ والقُرطُم وبزر البصل والجزر والفجل واللفت؛ لأنها تصير مأكولة بعد نباتها، وكذلك الصعتر و (الثفاء) بالثاء المثلثة وتشديد الفاء والمد، وهي: حب الرشاد.
ولا ربا في الرياحين –إلا أن يركب منها شيء بالسكر أو العسل- ولا في الصندل والكافور والمسك والنوى والجلود والعظام وإن كان يجوز أكلها؛ لأنه لا يعتاد.
وعود البخور ليس بربوي، قال الشيخ: ولم أر فيه خلافًا.
وفي (الرافعي) و (الروضة) ما يقتضي إثبات خلاف فيه، وهو وهم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا ربا في الحيوان إلا في السمك الصغير إذا جوزنا ابتلاعه حيًا، وهو الأصح.
ومنع أبو حنيفة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
لنا: (أن عبد الله بن عمرو بن العاص ابتاع للنبي صلى الله عليه وسلم بأمره البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج المصدق).
و (باع علي جملًا بعشرين بعيرًا إلى أجل) ولم يعرف له مخالف.
ولأنه يجوز التفاضل بينهما فليجز الأجل، كما لو باع ثوب قطن بثوب إبريسم إلى أجل.
واحترز عما يجوز أكله ولا يقصد عادة لشيء منها كأطراف قضبان العنب والجلود كما تقدم.
والمراد: طعم الآدميين غالبًا، وهو بضم الطاء، فمطعوم الجن كالعظم وما اختصت به البهائم كالحشيش .. غير ربوي.
ويرد على إطلاق المصنف خروج الماء العذب منه، وهو ربوي على الأصح.
فإن قيل: لو كان مطعومًا لم يجز الاستنجاء به .. قلنا: ثبتت الأحاديث بجواز ذلك فصار مستثنى للحاجة إليه.
فإن قيل: ذكر المصنف في (كتاب الأيمان): أن الطعام يتناول القوت والفاكهة والأدم والحلوى ولم يذكر التداوي هناك .. فالجواب: أن العرف لا يقتضيه؛ لأن مأخذ البابين مختلف، أما الإدام .. فإنه طعام هنا وهناك وإن لم يذكره هنا في (المحرر).

وَأَدِقَّةُ الأُصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ وَخُلُولُها وَأَدْهَانُهَا .. أَجْنَاسٌ، وَاللُّحُومُ وَالأَلْبَانُ كَذَلِكَ فِي الأَظْهَرِ.
وَالْمُمَاثَلَةُ تُعْتَبَرُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا، والْمَوْزُونِ وَزْنًا  قال: (وأدقة الأصول المختلفة الجنس وخلولها وأدهانها .. أجناس)؛ لأنها فروع لأصول مختلفة ربوية فأجري عليها حكم أصولها، وكل شيئين جمعهما اسم خاص .. فهما جنس واحد، وما ليس كذلك .. فهما جنسان.
فعلى هذا: يباع دقيق الحنطة بدقيق الشعير متفاضلًا.
واحترز بـ (المختلفة) عن المتحدة كأدقة أنواع القمح؛ فإنها جنس قطعًا.
قال: (واللحوم والألبان كذلك في الأظهر)؛ لأنها أيضًا فروع لأصول مختلفة.
والثاني: أنها جنس واحد؛ لاشتراكهما في الاسم.
وعلى هذا: ففي لحوم البريات مع البحريات وجهان: الأصح في أصل (الروضة): أنها جنس واحد، ولم يصحح الرافعي شيئًا.
والظبي مع الأيل كالضأن والمعز.
والأصح: أن الجراد ليس من جنس اللحوم.
والثاني: من لحوم البريات.
والثالث: من لحوم البحريات.
و (اللُّحمان) بضم اللام، جمع لحم.
قال: (والمماثلة تعتبر في المكيل كيلًا، والموزون وزنًا)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن) رواه مسلم [1584]. فلو باع المكيل بالوزن أو الموزون بالكيل .. لم يصح.
ولا فرق في الكيل بين أن يكون معتادًا أم لا كالقصعة، ولا في الميزان بين:

وَالْمُعْتَبَرُ: غَالِبُ عَادَةِ الْحِجَازِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَا جُهِلَ يُرْعَى فِيهِ عَادَةُ بَلَدِ الْبَيْعِ، وَقِيلَ: الْكَيْلُ، وَقِيلَ: الْوَزْنُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ،  الطيار؛ وهو: الذي له لسان، والقرسطون؛ وهو: القبان، وغيرهما.
قال: (والمعتبر: غالب عادة الحجاز في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: في كون الشيء مكيلًا أو موزونًا؛ لأن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم اطلع عليها وأقرها.
فلو أحدث الناس خلاف ذلك .. لم يعتبر؛ لما روى أبو داوود [3340] والنسائي [5/ 54] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان وزن أهل مكة) وليس هذا إخبارًا بانفرادهم بذلك؛ لأن ميزان غير مكة ومكيال غير المدينة معتبران، فدل على أن المراد: مراعاة أهل المدينة فيما يكيلونه وأهل مكة فيما يزنونه، فهو بيان للمرجع فيما أوجبه الشارع من المكيلات كصدقة الفطر وغيرها والموزونات كزكاة النقدين.
وأيضًا: فإن الشرع اعتبر المماثلة ولابد لها من حد ولا حد لها في عرف ولا لغة فيرجع إلى العادة، وأولاها: عادة زمنه صلى الله عليه وسلم.
والمكيل على عهده صلى الله عليه وسلم الحبوب والأدهان والألبان والتمر والزبيب والملح، فإن كان قطعًا كبارًا .. فالأصح يوزن.
قال: (وما جهل) أي: معياره في الحجاز في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (يرعى فيه عادة بلد البيع)؛ لأن الشرع اعتبر العادة الغالبة في كثير من الأحكام.
قال: (وقيل: الكيل)؛ لأنه أعم.
قال: (وقيل: الوزن)؛ لأنه أحصر.
قال: (وقيل: يتخير)؛ للتساوي.

وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ .. اعْتُبِرَ.
وَالنَّقْدُ بِالنَّقْدِ كَطَعَامٍ بِطَعَامٍ  قال: (وقيل: إن كان له أصل .. اعتبر)؛ مراعاة له.
ومحل الأوجه: إذا لم يكن أكبر جِرمًا من التمر، فإن كان أكبر .. اعتبر فيه الوزن جزمًا، كذا جزم به في (الشرح الصغير) هنا، وفي (الكبير) في آخر الباب.
وقال الجويني: محل الخلاف فيما كاله قوم ووزنه آخرون، أما ما اتفقوا فيه على شيء .. فهو أصله كالسكر؛ فإنه لم يكن بالمدينة واتفق الناس على وزنه.
وأغرب ابن أبي الدم فحكى وجهًا: أن السكر مكيل، ولعله أراد سكر الهند فهو كذلك يباع بها.
كل هذا فيما يتقدر، أما ما لا يتقدر بكيل ولا وزن كالبطيخ والرمان، وما يجفف من الثمار كالخوخ والمشمش ونحوهما .. فإنه يجوز بيع بعضه ببعض جزافًا، وفيه وجه ضعيف.
وأما في حال رطوبته .. فأصح القولين: منع بيع بعضه ببعض كما سيأتي في الكتاب.
قال: (والنقد بالنقد كطعام بطعام) في جميع ما سبق من الأحكام.
والمراد بالنقد هنا: الذهب والفضة.
والمطبوع والتبر والمصوغ والجيد والرديء والصحيح والمكسر في ذلك سواء.
ولا أثر لقيمة صنعته حتى لو اشترى بدنانير ذهبًا مصوغًا قيمته أضعاف الدنانير .. اعتبرت المماثلة ولا نظر إلى القيمة.
وبيع النقد بالنقد من جنسه ومن غير جنسه يسمى صرفًا.
قال ابن يونس: سمي بذلك؛ لصرف حكمه عن أحكام البيع، وعندي: أنه مشتق من (الصريف) وهو: الفضة.
قال الشاعر [من البسيط]: بني غدانة ما إنْ أنتمُ ذهبًا .... ولا صريفًا ولكن أنتمُ خزفُ

وَلَوْ بَاعَ جِزَافًا تَخْمِينًا .. لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ خَرَجَا سَوَاءً  وعلة الربا فيه: جنسية الأثمان غالبًا، وقيل: كونهما قيم الأشياء غالبًا.
وعند أبي حنفية: العلة فيهما كونهما موزونين من جنس واحد، فعداها إلى النحاس والرصاص وجميع ما يوزن في العادة.
فروع: الأول: الفلوس إذا راجت رواج النقود .. لا يجري فيها الربا على الأصح.
الثاني: تصارفا على العين فخرج أحدهما نحاسًا .. فالنص –وعليه المعظم-: أنه باطل؛ تغليبًا للعبارة.
وقيل: يصح ويثبت الخيار؛ تغليبًا للإشارة إن كان له قيمة.
الثالث: اشترى منه دينارًا بعشرة وليس معه إلا خمسة فدفعها إليه ثم استقرضها منه ثم دفعها إليه عن بقية الثمن .. فوجهان: أحدهما –وهو المنصوص فيه (الصرف)، وصححه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم-: الجواز، وهو الأصح في أكثر نسخ الرافعي وفي (شرحه الصغير).
ووقع في بعض نسخ (الكبير): أن الأصح: المنع، ومنها اختصر (الروضة).
والصواب: الأول.
قال: (ولو باع جزافًا تخمينًا .. لم يصح وإن خرجا سواء) نقدًا كانا أو مطعومين، لأن الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة.
وروى مسلم [1530]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الصبرة من التمر وَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ وَقْتَ الْجَفَافِ -وَقَدْ يُعْتَبَرُ الْكَمَالُ أَوَّلًا-  لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر).
و (الجزاف) مثلث الجيم.
وقوله: (تخمينًا) أشار به إلى أنه لو باع جزافًا بغير تخمين كان أولى بالبطلان.
قال: (وتعتبر المماثلة وقت الجفاف)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع التمر بالرطب فقال: (أينقص الرطب إذا جف؟) قالوا: نعم، قال: (فلا إذًا) رواه مالك [1316] وأصحاب السنن.
فأشار صلى الله عليه وسلم بذلك إلى: أن المماثلة معتبرة حال الجفاف، هذا إذا كان مما يغلب تجفيفه كالحبوب وأكثر الرطب والعنب.
وإن كان أكثر منافعه حال الرطوبة وتجفيفه معتاد كالمشمش .. فأصح الأوجه: يمتنع رطبًا ويجوز يابسًا، وكذلك البطيخ حيث اعتيد تجفيفه.
قال: (وقد يعتبر الكمال أولًا) كذا بخط المصنف، وأشار به إلى العنب مثلًا؛ فإن كماله في كونه زبيبًا أو حال كونه خلًا، وكذا عصيرًا في الأصح.
فلو اقتصر على ما سبق لاقتضى أن لا كمال إلا حال كونه زبيبًا؛ لأنه حال جفافه، فنبه على أنه لا يعتبر وقت الجفاف مطلقًا بل قد يعتبر الكمال بغيره.
وقوله: (أولًا) تنبيه على أنا إذا اعتبرنا الكمال نكتفي بالكمال الأول كالعصير ولا يشترط الأخير كالخل، وكأنه قال: يعتبر الكمال ولو أولًا.
ويحتمل: أنه أشار بذلك إلى العرايا؛ فإن اعتبار الجفاف في التماثل وإن وجد، لكنه لم يوجد آخرًا، أي: عند الجفاف، وإنما وجد أولًا، أي: في حال الرطوبة فيباع حال رطوبته بمثله إذا جف.
ويحتمل أيضًا: إرادة اللبن؛ فإنه كامل في أول أحواله وهو حليب.

فَلَا يُبَاعُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ وَلَا بِتَمْرٍ، وَلَا عِنَبٌ بِعِنَبٍ وَلَا بِزَبِيبٍ.
وَمَا لَا جَفَافَ لَهُ كَالْقِثَّاءِ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ لَا يُبَاعُ أَصْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تَكْفِي مُمَاثَلَتُهُ رَطْبًا.

 قال: (فلا يباع رطب برطب)؛ للجهل بالمماثلة، وجوز المزني والأئمة الثلاثة بيع الرطب بالرطب.
قال: (ولا بتمر)؛ لتحقق التفاوت عند الجفاف، ومن هذا استثنى العرايا بالنص.
ويؤخذ من كلام المصنف: أنه لا يجوز بيع البسر بالبسر ولا الطلع بالطلع ولا أحدهما بالآخر.
وهكذا اللحم لا يباع رطبه برطبه ولا بقديده.
ولا يباع القصب بالقصب ولا بالسكر.
ومعلوم أنه إذا اختلف الجنس .. فلا منع.
قال: (ولا عنب بعنب ولا بزبيب)؛ لما تقدم، وكذا الحصرم بالحصرم لا يباع، ولا بالعنب وما أشبه ذلك.
قال: (وما لا جفاف له كالقثاء والعنب الذي لا يتزبب لا يباع أصلًا) أي: بعضه ببعض في حال رطوبته للجهل بالمماثلة.
فلو فرض تجفيفه على ندور .. ففي استمرار المنع وجهان.
قال: (وفي قول: تكفي مماثلته رطبًا) وهو اختيار ابن سريج؛ لأن معظم منافعه في حال رطوبته.
نعم؛ يرد على (المحرر) و (المنهاج) الزيتون؛ فإنه يباع بعضه ببعض وهو لا يتجفف وجعلوه حالة كماله، كما قاله صاحب (التقريب)، ووافقوه عليه.
أما المائعات كاللبن والدهن ونحوهما .. فكمالها كذلك في حال رطوبتها، لكنها لا ترد على المصنف؛ لأنه إنما تكلم في الحبوب والثمار.
و (القثاء) بكسر القاف وضمها وبالثاء المثلثة والمد.

وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالْخُبْزِ، بَلْ تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْحُبُوبِ: حَبًّا، وَفِي حُبُوبِ الدُّهْنِ كَالسِّمْسِمِ: حَبًّا أَوْ دُهْنًا، وَفِي الْعِنَبِ: زَبِيبًا أَوْ خَلَّ عِنَبٍ،  قال: (ولا تكفي مماثلة الدقيق والسويق والخبز)؛ للجهل بتساويها، فلا يباع شيء من ذلك بمثله ولا بالآخر من جنسه ولا بالحب الذي أخذ منه، وكذا حكم جميع ما يتخذ من الحب كالجريش والعجين والنشاء والفتيت ونحوها، فلا يباع شيء من ذلك بمثله ولا بالآخر من جنسه ولا بالحب الذي أخذ منه، ويجوز بيع جميع ذلك بالنخالة؛ لأنها ليست ربوية.
وروى المزني: جواز الدقيق بالدقيق، واختاره الروياني إذا استويا في النعومة.
قال: (بل تعتبر المماثلة في الحبوب: حبًا) أي: بعد تناهي جفافه.
ويشترط: أن لا يكون مبلولًا ولا مقشورًا ولا معروضًا على النار، فإن جفف بعد البلل .. لم يجز أيضًا؛ لتفاوت انكماشه عند الجفاف.
والحنطة المسوسة أطلق الأئمة: جواز بيع بعضها ببعض.
قال الإمام: ولعله قبل أن تتآكل، فإن تآكلت وخلت أجوافها .. فالقياس القطع بالمنع كالمقلية والمبلولة.
قال: (وفي حبوب الدهن كالسمسم: حبًا أو دهنًا)؛ لأنهما غايته.
أما الكسب بالكسب، فإن كان مما يأكله الدواب .. جاز متفاضلًا ومتماثلًا مثل كسب القرطم، وإن كان مما يأكله الناس مثل كسب السمسم واللوز، فإن كان فيه خلط يمنع التماثل .. لم يجز، وإلا .. فيجوز على الأصح.
والشيرج والكسب جنسان يباع أحدهما بالآخر متفاضلًا خلافًا لابن الصباغ.
ولا يجوز بيع السمسم بالشيرج خلافًا لأبي ثور، وكذا كل دهن بأصله.
قال: (وفي العنب: زبيبًا أو خل عنب)؛ لأن كلًا منهما على هيئة الادخار.

وَكَذَا الْعَصِيرُ فِي الأَصَحِّ، وَفِي اللَّبَنِ: لَبَنًا أَوْ سَمْنًا أَوْ مَخِيضًا صَافِيًا، وَلَا يَكْفِي التَّمَاثُلُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ كَالْجُبْنِ وَالأَقِطِ.
وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ مَا أَثَّرَتْ فِيهِ النَّارُ بِالطَّبْخِ أَوِ الْقَلْيِ أَوِ الشَّيِّ  قال: (وكذا العصير في الأصح)؛ لأنه متهيئ لأكثر الانتفاعات.
وقد تقدم: أن المعيار في الخل والدهن واللبن وكل مائع الكيل.
قال: (وفي اللبن: لبنًا أو سمنًا أو مخيضًا صافيًا)؛ لأن كلًا منها مقصود، وسواء في اللبن الحليب والرائب والحامض.
ويجوز بيع المخيض بالمخيض إذا لم يكن فيهما ماء، وإنما يكال اللبن الحليب بعد سكون رغوته، والرائب يحوي الكيل منه أكثر من الحليب.
ولا يباع المغلي بالمغلي، فإن سخن من غير غليان .. جاز، قاله الروياني.
والزبد بالزبد لا يجوز بيعه على الأصح.
واحترز بـ (الصافي) عما فيه الماء، فلا يباع بمثله ولا بصاف.
واحترز أيضًا عما فيه زبد؛ فإنه لا يجوز بيعه بمثله ولا بما فيه زبد لم يزبد؛ لأنه يصير من قاعدة مد عجوة وليس ذلك لعدم كماله كما تُفهِم عبارة الكتاب.
قال: (ولا يكفي التماثل في سائر أحواله) أي: باقيها (كالجبن والأقط)، وكذلك المصل، وسواء الجبن اليابس والطري؛ لتأثيره بالنار.
و (الجبن) بضم الباء وإسكانها وتشديد النون مع الضم ثلاث لغات.
قال: (ولا تكفي مماثلة ما أثرت فيه النار بالطبخ أو القلي أو الشي)؛ لأن تأثير النار لا غاية له، وكذلك المعروض على النار للعقد كالدبس والسكر والفانيد والقند وعسل القصب والقطارة واللبأ .. ففي جواز بيع بعض هذا ببعض وجهان: أصحهما: المنع.
وقيل: إن طبخ الدبسان في قدر واحد جاز، ورد بأن النار تأخذ من أسفل القدر أكثر من أعلاه.

وَلَا يَضُرُّ تَاثِيرُ تَمْيِيزٍ كَالْعسَلِ وَالسَّمْنِ.
وَإِذَا جَمَعَتِ الصَّفْقَةُ رِبَوِيًّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ الْجِنْسُ مِنْهُمَا –كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ، وَكَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ- أَوِ النَّوْعُ؛ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا .. فَبَاطِلَةٌ.
قال: (ولا يضر تأثير تمييز كالعسل والسمن)؛ لأن نار التمييز نار لطيفة غالبًا ومحتاج إليها، ومن ذلك نار الذهب والفضة لتمييز الغش، فإن زيد على ذلك بأن انعقدت أجزاء السمن لم يجز بيع بعضه ببعض، وكذلك إذا قويت نار العسل بحيث نقص من أجزائه شيء .. امتنع بيع بعضه ببعض.
وأما الصفى بالشمس .. فحالته حالة كمال فيجوز بيع بعضه ببعض.
وقيل: لا يباع ما صفي في البلاد الحارة بها بما صفي في المعتدلة، ولا يجوز بيع الشهد بالشهد؛ لأن الشمع مانع من معرفة التماثل.
و (العسل) يذكر ويؤنث، والمراد به: عسل النحل وما يطلق عليه عسل من السكر وغيره مجاز، ويجوز بيعه بعسل النحل متفاضلًا.
أما ما لا يتأثر بالنار كالخل المغلي والماء المغلي .. فيباع بعضه ببعض.
والتمر إذا نزع نواه .. بطل كماله؛ لأنه يسرع إليه الفساد، فلا يباع منزوع النوى بما لم ينزع، ولا منزوع بمنزوع.
وبيع المشمش والخوخ المنزوعين فيه وجهان كالتمر، لكن الأصح هنا: الجواز.
قال: (وإذا جمعت الصفقة ربويًا من الجانبين واختلف الجنس منهما) أي: من الجانبين (كمد عجوة ودرهم بمد ودرهم، وكمد ودرهم بمدين أو درهمين، أو النوع؛ كصحاح ومكسرة بهما أو بأحدهما .. فباطلة) سواء كان المدان والدرهمان من ضرب واحد ونخلة واحدة أم لا على الأصح، وكذا إذا كان الاختلاف من أحدهما أيضًا كما صرح به في (المحرر).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وأصل هذه القاعدة ما رواه مسلم [1591] عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لا يباع حتى يفصل).
فلو تعددت الصفقة بتفصيل الثمن بأن جعل الدرهم في مقابلة الدرهم والمد بالمد .. صح بالاتفاق.
وقوله: (واختلف الجنس) أي: جنس المبيع، ولو قال: واختلف المبيع جنسًا .. كان أحسن، وسواء كان الآخر ربويًا أم غيره كدرهم وثوب بدرهم أو بدرهمين وإن كان تمثيل الكتاب قد يُفهِم خلافَه.
نعم؛ قد يشترط كون الجنس الآخر مقصودًا؛ لأن الأصح: الصحة فيما إذا باع دارًا فيها بئر ماء عذب بمثلها وقلنا: إن الماء ربوي؛ لأنه تابع، وكذلك لو باع دارًا بذهب فظهر فيها معدن الذهب، بخلاف بيع دار سقفها مموَّه بذهب يحصل منه شيء بالعرض على النار بذهب، فإنه لا يصح؛ لأنه في الأولى تابع لمقصود الدار، كذا في (الشرح) و (الروضة) هنا، وسيأتي في (الأصول والثمار) إشكال على هذا إن شاء الله تعالى.
ولو باع حنطة بحنطة وفيهما أو في أحدهما حبات شعير .. لم يجز، وضبطه الإمام

وَيَحْرُمُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوانِ مِنْ جِنْسِهِ،  بما إذا كان الشعير قدرًا لو ميز لظهر في المكيال، وإلا .. لم يضر.
ولو كان فيهما أو في أحدهما قليل تراب .. جاز.
وقوله: (أو النوع كصحاح ومكسرة) كان الأحسن أن يقول: كالمعقلي والبرني؛ فإن الصحة والتكسير اختلاف صفة لا اختلاف نوع وإن كان اختلاف الصفة أيضًا مضرًا.
و (العجوة): نوع من التمر، قال الجوهري: إنه من أجود تمر المدينة، ونخلها يسمى اللينة، وهو أكبر من الصيحاني يضرب إلى سواد.
قال ابن الأثير: إنه من غرس النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي (فروق الشيخ أبي محمد): أحصينا من أنواع تمر المدينة مئة وعشرين نوعًا.
وفي (تاريخ البخاري) [5/ 112] بسنده إلى بريدة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير تمركم البرني).
غريبة: قال محمد بن عبد الرحمن الحضرمي في كتاب (الإكمال لما في التنبيه من الإشكال): لو باع أمة ذات لبن بلبن .. جاز، بخلاف شاة في ضرعها لبن بلبن.
والفرق: أن لبن الشاة في الضرع له حكم العين فلهذا لا يجوز عقد الإجارة عليه، ولبن الآدمية ليس له حكم العين بل هو كالمنفعة ولذلك جاز عقد الإجارة عليه، وهو نقل غريب وتعليل حسن.
قال: (ويحرم بيع اللحم بالحيوان من جنسه)؛ لما روى الشافعي [1/ 250] رضي الله عنه عن مالك عن سعيد بن المسيب قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع اللحم بالحيوان)، وتابعه البغوي والبيهقي.

وَكَذَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ مَاكُولٍ وَغَيْرِهِ فِي الأَظْهَرِ  وروى الحاكم [2/ 35] عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع الشاة باللحم) وقال: رواته أئمة حفاظ ثقات، وصحح البيهقي إسناده [5/ 296]. وقال المزني: القياس الجواز إن لم يثبت الحديث، ونقله ابن الصلاح في (رحلته) قولًا عن بعض شراح (الوسيط).
قال: (وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره في الأظهر)؛ لعموم النهي.
والثاني: لا يحرم.
أما المأكول .. فبالقياس على بيع اللحم باللحم، وأما غيره .. فلأن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه ولم يوجد ذلك.
فروع: في بيع الشحم والألية والقلب والطحال والكلية والرئة والكبد بالحيوان والسنام بالبقر ولحم السمك بالشاة .. وجهان: أصحهما: البطلان، ويجريان في بيع الحيوان بجلد لم يدبغ، فإن دبغ .. جاز جزمًا، وكذا بيع الحيوان بالعظم، وعلله الروياني بأنه لا ربا في الجلد ولا في العظم.
وجوز الماوردي بيع اللبن بالحيوان، وحكى وجهين في اللحم بالسمك الحي، وجه الجواز: أن حيه كميتته.
ويجوز بيع البيض بالدجاج ولا يجوز بيع دجاجة فيها بيض ببيض في أشهر الطريقين.
تتمة: يجوز بيع الجوز بالجوز واللوز باللوز في قشره، وتقدم: أن معيارهما الكيل.
ويجوز بيع لب الجوز بلب الجوز ولب اللوز بلب اللوز على الأصح.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يجوز بيع العلس بالعلس في قشريه ولا في قشره الأسفل، ولا بيع الأرز بالأرز في قشريه أيضًا، ويجوز في قشرته السفلى.

  • ... * ... * خاتمة إذا أراد بيع مال ربوي بجنسه بأكثر منه .. فله طرق: أحدها: توسط عقد آخر، كما إذا أراد شراء دراهم صحاحًا بمكسرة أكثر من وزنها فيبيع الدراهم بدنانير والدنانير بدراهم، أو بعرض آخر، ثم إذا تقابضا وافترقا أو تخايرا .. اشترى بتلك الدراهم أو بذلك العرض المكسرة فيصح شراؤه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عامل خيبر وهو سويد بن غزية: (أن يبيع الجمع بالدراهم ثم يبتاع بها جَنِيبًا) متفق عليه [خ7351 - م1593]. و (الجَنِيبُ) و (الجَمْعُ) نوعان من التمر: الأول: جيد، والثاني: رديء.
    ولا فرق بين أن يتخذ ذلك عادة أو لا يتخذه عادة، خلافًا لمالك حيث قال: يجوز مرة واحدة، ولا يجوز إذا اتخذه عادة.
    الثاني: أن يقترض كل منهما ماله من صاحبه ثم يبرئ كل منهما ذمة الآخر.
    الثالث: أن يهب كل منهما من الآخر.
    الرابع: أن يبيع الصحاح بزنتها من المكسرة ويهبه صاحبها الفاضل، فيجوز ذلك كله إذا لم يشترط في اقتراضه وبيعه وهبته ما يفعله الآخر لكنه يكره.
  • ... * ... *

بَابٌ نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ عَسْبِ الْفَحُلِ، وَهُوَ: ضِرَابُهُ، وَيُقَالُ: مَاؤُهُ، وَيُقَالُ: أُجْرَةُ ضِرَابِهِ، فَيَحْرُمُ ثَمَنُ مَائِهِ، وَكَذَا أُجْرَتُهُ فِي الأَصَحِّ

باب

قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن عَسْب الفحل) رواه البخاري [2284] هكذا من رواية ابن عمر رضي الله عنهما في (الإجارة)، وهو: بفتح العين وسكون السين المهملتين وبالباء الموحدة.
وجميع الأحاديث التي صدَّر بها الباب كلها في (الصحيحين) أو أحدهما إلا قوله: (وعن بيعتين في بيعة) فرواه الترمذي [1231] وقال: حسن صحيح.
وعندنا: النهي في العقود يدل على فسادها، إلا إذا تعلق بأمر خارج عن العقد كالنهي عن البيع إذا نودي لصلاة الجمعة في حق من يجب عليه حضورها .. فالمناهي حينئذ تنقسم إلى مفسد وغيره، وكذلك رتبها المصنف.
قال: (وهو: ضرابه) هذا أشهر التفاسير، قال الشاعر [من الوافر]: ولولا عسبه لرددتموه .... وشر منيحة فحل معار و (الضراب): النزوان، ولا يتعلق بها نهي، والتقدير: أجرة عسبه كما سيأتي.
قال: (ويقال: ماؤه) فتقديره: ثمن مائه.
قال: (ويقال: أجرة ضرابه) وعلى هذا التفسير: لا يحتاج إلى تقدير.
قال: (فيحرم ثمن مائه)؛ لأنه غير متقوم ولا معلوم.
قال: (وكذا أجرته في الأصح)؛ لأنه غير مقدور عليه للمالك بل يتعلق باختيار الفحل.
والثاني: يجوز كالاستئجار لتلقيح النخل، وبه قال ابن أبي هريرة.

وَعَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَهُوَ: نِتَاجُ النِّتَاجِ؛ بِأَنْ يَبِيعَ نِتَاجَ النِّتَاجِ.
أَوْ بِثَمَنٍ إِلَى نِتَاجِ النِّتَاجِ،  وأجيب بأن الأجير للتلقيح قادر على تسليم نفسه، وليس له عليه عين حتى لو شرط عليه الكُشُّ الذي يلقحه فسدت الإجارة، وههنا المقصود الماء وصاحب الفحل غير قادر على تسليمه.
وفي (الحاوي): في هذا النهي وجهان: أصحهما: أنه للتحريم، وينبغي أن يكون محلهما إذا فسرناه بالإجارة، أما البيع .. فممتنع قطعًا، وأما الإنزاء من غير بيع ولا إجارة .. فلا منع منه.
وتندب الإعارة لذلك ويجوز أن يعطي صاحب الفحل شيئًا على سبيل الهدية.
قال: (وعن حبل الحبلة) رواه الشيخان [خ2143 - م1514] عن ابن عمر رضي الله عنهما.
قال: (وهو: نتاج النتاج؛ بأن يبيع نتاج النتاج، أو بثمن إلى نتاج النتاج).
الأول: تفسير أبي عبيد وأبي عبيدة وغيرهما، وبه قال أحمد، وعلة البطلان: كونه معدومًا.
والثاني: تفسير ابن عمر رضي الله عنهما راوي الحديث، وإليه ذهب مالك والشافعي، وعلة البطلان فيه: جهالة قدر الأجل.
فائدة: (حَبَل الحَبَلة) –بفتح الباء_ جمع حابل، كظالم وظلمة، وفاجر وفجرة، وكاتب وكتبة.
(والنتاج) بفتح النون، والمصنف ضبطها بخطه بالكسر في المواضع الثلاثة، يقال: نتجت الناقة على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجًا وقد نتجها أهلها.
وقال ابن سيده: النتاج: الحمل، فهو موافق لما ضبطه المصنف.

وَعَنِ الْمَلَاقِيحِ، وَهِيَ: مَا فِي الْبُطُونِ.
وَالْمَضَامِينِ، وَهِيَ: مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ.
وَالْمُلَامَسَةِ؛ بِأَنْ يَلْمسَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُ إِذَا رَآهُ، أَوْ يَقُولَ: إِذَا لَمَسْتَهُ .. فَقَدْ بِعْتُكَهُ  وفي لفظ الحديث مجاز من وجهين: أحدهما: إطلاقه الحبل على البهائم وهو مختص بالآدميات حتى قيل: إنه لا يقال لغيرهن إلا في الحديث.
والثاني: أنه مصدر أريد به اسم المفعول والهاء في (حبلة) للمبالغة.
قال: (وعن الملاقيح، وهي: ما في البطون) أي: من الأجنة، وهي جمع ملقوح، وهو: جنين الناقة، والناقة ملقوحة، ولا يكون إلا في الإبل، قاله أبو عبيد، وفي (الصحاح) نحوه.
قال: (والمضامين، وهي: ما في أصلاب الفحول) والنهي عنهما رواه مالك [2/ 654] مرسلًا، وأسنده البزار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واعتضد المرسل بالإجماع على حكمه.
و (المضامين) جمع مضمون، يقال: ضمن الشيء، بمعنى: تضمنه، ومنه قولهم: مضمون الكتاب كذا وكذا، والذي فسر به المصنف المضامين والملاقيح هو المعروف، وفسرهما مالك وابن شهاب وابن المسيب بالعكس، وإنما نهي عنهما للغرر.
قال: (والملامسة) روى النهي عنها الشيخان [خ2144 - م1511] من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما.
قال: (بأن يلمس ثوبًا مطويًا) و (اللمس): الجس باليد، يقال: لمس يلمس بكسر الميم وضمها لغتان مشهورتان حكاهما الجوهري وخاله الفارابي في (ديوان الأدب).
قال: (ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، أو يقول: إذا لمسته .. فقد بعتكه)؛ لأنه بيع غائب وتعليق.

وَالْمُنَابَذَةِ؛ بِأَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ بَيْعًا.
وَبَيْعِ الْحَصَاةِ؛ بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الأَثْوَابِ مَا تَقَعُ هَذِهِ الْحَصَاةُ عَلَيْهِ، أَوْ يَجْعَلَا الرَّمْيَ بَيْعًا، أَوْ بِعْتُكَ وَلَكَ الْخِيَارُ إِلَى رَمْيهَا.
وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ؛ بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفَيْنِ إِلَى سَنَةٍ، أَوْ بِعْتُكَ ذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تبِيعَنِي دَارَكَ بِكَذَا.
وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ،  قال: (والمنابذة) وهي بذال معجمة مفاعلة من النبذ، والنهي عنها في (الصحيحين) أيضًا.
قال: (بأن يجعلا النبذ بيعًا) هذا تفسير الشافعي رضي الله عنه، ووجه البطلان: فقدان الصيغة.
قال: (وبيع الحصاة) رواه مسلم [1513]. قال: (بأن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه، أو يجعلا الرمي بيعًا، أو بعتك ولك الخيار إلى رميها) والجميع فاسد؛ لأنه من بيوع الجاهلية وفيها غرر وجهالة.
قال: (وعن بيعتين في بيعة) رواه النسائي [7/ 295] والترمذي [1231] عن أبي هريرة رضي الله عنه.
قال: (بأن يقول: بعتك بألف نقدًا أو بألفين إلى سنة)؛ لأنه لا يدري أيهما الثمن الذي يختاره ليقع عليه العقد.
قال: (أو بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا)، ووجه البطلان: وجود الشرط.
قال: (وعن بيع وشرط) كذا رواه عبد الحق من رواية عمرو بن شعيب.
وروى أبو داوود [3498]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل سلف وبيع ولا شرط في بيع) رواه أحمد [2/ 179] والترمذي [1234] بلفظ: (ولا شرطان في بيع).
وعن القديم: أن الشرط الفاسد لا يبطل البيع.

كَبَيْعٍ بِشَرْطِ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ،  فائدة: روى الخطابي وغيره عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعًا وشرطًا؟ فقال: البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته؟ فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فسألته؟ فقال: البيع جائز والشرط جائز.
فقلت: يا سبحان الله! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا! حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط) البيع باطل والشرط باطل، فأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا! حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشتري بريرة وأعتقها وأشترط لهم الولاء) البيع جائز والشرط باطل.
ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا! حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (بعت النبي صلى الله عليه وسلم جملًا وشرط لي حملاني إلى المدينة) فالبيع جائز والشرط جائز.
قال: (كبيع بشرط بيع أو قرض)، وكذا إجارة ونكاح، فيبطل البيع الأول, فإذا أتيا بالثاني، فإن كانا يعلمان بطلان الأول .. صح، وإلا .. قال البغوي: يبطل، وقال الإمام وشيخه: يصح، وهو القياس.

وَلَوِ اشْتَرَى زَرْعًا بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ، أَوْ ثَوْبًا وَيَخِطَهُ .. فَالأَصَحُّ: بُطْلَانُهُ، وَتُسْتَثْنَى صُوَرٌ كالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ، أَوْ بِشَرْطِ: قَطْعِ الثَّمَرِ وَالأَجَلِ  قال: (ولو اشترى زرعًا بشرط أن يحصده البائع) هو بكسر الصاد وضمها.
قال: (أو ثوبًا ويخيطه .. فالأصح: بطلانه)؛ لمنافاة الشرط مقتضى العقد.
والثاني: يبطل الشرط، وفي البيع قولا تفريق الصفقة.
والثالث: يتخرج على قولي الجمع بين عقدين مختلفي الحكم، وكان ينبغي للمصنف أن يعبر بالمذهب؛ فإن المسألة ذات طرق.
فرع: اشترى حطبًا على ظهر بهيمة مطلقًا، فهل يصح العقد ويسلمه إليه في موضعه أو لا يصح حتى يشترط تسليمه في موضعه؟ وجهان: صحح المصنف منهما: الصحة.
قال: (وتستثنى صور) أي: من النهي عن بيع وشرط (كالبيع بشرط الخيار، أو البراءة من العيب، أو بشرط: قطع الثمر) كما سيأتي.
قال: (والأجل)؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾، ولابد من احتمال البقاء إليه، فلو أجله بألف سنة .. بطل العقد؛ للعلم بأنه لا يبقى إلى هذه المدة، قاله الروياني، واعترضه المصنف بأنه لا يشترط احتمال بقائه إليه؛ لأنه ينتقل إلى وارثه، لكن التأجيل بألف سنة مما يبعد بقاء الدنيا إليه فالفساد من هذه الجهة.
واعترضه في (المهمات) بأن الكلام ليس هو في مستحق الدين بل فيمن هو عليه، ولهذا قال الرافعي: فيسقط الأجل بموته، والأجل يسقط بموت من هو عليه لا بموت من له، ثم نقل عن صاحب (رفع التمويه): أن أكثر ما تؤجل إليه الأرض خمس مئة سنة.

وَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ الْمُعَيَّنَاتِ لِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَالإِشْهَادِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الشُّهُودِ فِي الأَصَحِّ،  قال: (والرهن والكفيل)؛ للحاجة إلى ذلك، ولأنه قد لا يرضى بالمعاملة بدونها، ويغني اشتراط الرهن عن اشتراط القبض، حتى إذا رهن ولم يقبض .. كان له الفسخ؛ نظرًا إلى المعنى.
ويشترط في الرهن: أن يكون غير المبيع، فإن كان نفس المبيع .. أبطل.
قال: (المعينات) أي: بشرط تعين الأجل والرهن والكفيل، وكان ينبغي أن يقول: المعينين؛ تغليبًا للعاقل –وهو الكفيل- على غيره.
وتكفي في الرهن الرؤية أو الوصف بصفات السلم، وفي الكفيل المشاهدة أو المعرفة بالاسم والنسب، ولا يكفي الوصف.
وقيل: لا يشترط تعيين الكفيل، فإذا أطلق .. أقام من شاء.
قال: (لثمن في الذمة)؛ لأن الأعيان لا تؤجل ولا يرهن بها، وفي ضمانها تفصيل يذكر في موضعه، فلو قال: اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها وقت كذا .. فهو فاسد؛ لأن الأجل شرع رفقًا للتحصيل والمعين حاصل.
ولو قال المصنف: لعوض .. كان أحسن؛ ليشمل المبيع في الذمة، مثل: اشتريت منك صاع بر في ذمتك صفته كذا، فيصح اشتراط الثلاثة فيه.
قال: (والإشهاد)؛ للحاجة إليه، ولا فرق فيه بين الشهادة على الثمن أو المثمن، ولا بين ما في الذمة والمعين؛ لأن لكل منهما غرضًا صحيحًا في الإشهاد على صاحبه مخافة الإنكار.
قال: (ولا يشترط تعيين الشهود في الأصح)؛ لأن المقصود ثبوت الحق وهو ثابت بكل شاهد.

فَإِنْ لَمْ يَرْهَنْ أَوْ لَمْ يَتَكَفَّلِ الْمُعَيَّنُ .. فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ إِعْتَاقِهِ .. فَالْمَشْهُورُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ،  والثاني: يشترط كما في الرهن والكفيل، ولا يجب في الرهن التعرض لمن يكون تحت يده في الأصح.
ومتى فسد شرط من هذه الشروط المستثناة لفوات أمر مما ذكرناه، فإن كان الأجل والخيار .. فسد البيع بفساده، وإن كان الإشهاد .. فلا، وإن كان الرهن والضمين .. فوجهان: أصحهما: الفساد.
قال: (فإن لم يرهن أو لم يتكفل المعين .. فللبائع الخيار)؛ لفوات شرطه، وكذلك لو رهن ولم يقبض، أو هلك الرهن قبل القبض، أو تعيب، أو وجد به بعد قبضه عيبًا قديمًا .. فله الخيار في البيع.
ولو ادعى الراهن: أن عيبه حدث بعض القبض .. فالقول قوله؛ استدامة للبيع.
ولو هلك بعض القبض، أو تعيب ثم اطلع على عيب قديم .. فالأصح: لا فسخ، ولا يقوم رهن وكفيل آخر مقام العين.
ولو عين شاهدين فامتنعا، فإن قلنا: لابد من تعيين الشاهدين .. فللبائع الخيار.
فرع: باع عينًا واستثنى منفعتها مدة معلومة .. فالمذهب: بطلان البيع، وبالصحة قال أبو ثور ومحمد بن نصر المروزي وابن المنذر وابن خزيمة وأهل الحديث؛ لحديث جابر رضي الله عنه، والجواب عنه صعب.
قال: (ولو باع عبدًا بشرط إعتاقه .. فالمشهور: صحة البيع والشرط)؛ لما روى الشيخان عن بريرة: (أن عائشة رضي الله عنها اشترتها بشرط العتق والولاء لو ينكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا شرط الولاء)، ولأن استعقاب البيع العتق عهد في شراء القريب فاحتمل شرطه.
والقول الثاني: يصح البيع ويبطل الشرط كسائر الشروط المفسدة.

وَالأَصَحُّ: أَنَّ لِلْبَائِعِ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالإِعْتَاقِ،  والثالث: يبطلان؛ لعموم النهي عن بيع وشرط.
وإذا صححنا الشرط .. فذلك إذا أطلق، أو قال: بشرط أن تعتقه عن نفسك، فإن قال: بشرط أن تعتقه عني .. فهو لاغ.
وصورة المسألة: أن يكون العبد ممن لا يعتق بالشراء، فإن اشترى أباه أو ابنه بشرط إعتاقه .. بطل البيع قطعًا؛ لتعذر الوفاء به.
قال: (والأصح: أن للبائع مطالبة المشتري بالإعتاق)؛ لأنه يثاب على اشتراطه وله غرض في زوال الرق.
والثاني: لا؛ لأنه لا ولاية له على حق الله تعالى، وإذا أعتقه المشتري .. فولاؤه له بكل حال، فإن امتنع من العتق وقلنا: إنه حق لله تعالى .. أجبر عليه بالحبس وغيره.
وقال القاضي والمتولي: إنه كالمولى، فيعتقه القاضي، وهذا هو المشهور، وعلى هذا: لا يسقط بإسقاطه.
وإن قلنا: للبائع .. لم يجبر، بل يخير البائع بين فسخ البيع وإمضائه، وإذا أسقطه .. سقط.
وفي سقوط شرط الرهن والكفيل والأجل بالإسقاط ثلاثة أوجه: أصحها: يسقط الرهن والكفيل دون الأجل.
فروع: باع عبدًا بشرط أن يبيعه بشرط إعتاقه .. بطل على الأصح.
ولو اشترى عبدًا بشرط أن يعلق عتقه بصفة .. لم يصح البيع في الأصح.
ولو اشترى بعض عبد بشرط إعتاقه .. فظاهر عبارة (الحاوي الصغير) الصحة

وَأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ مَعَ الْعِتْقِ الْوَلَاءَ لَهُ، أَوْ شَرَطَ تَدْبِيرَهُ أَوْ كِتَابَتَهُ أَوْ إِعْتَاقَهُ بَعْدَ شَهْرٍ .. لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ  حيث قال: وعتق المبيع، أي: فإنه لا يبطل بشرط عتقه، وصرح صاحب (المعين) اليمني فيه بالبطلان.
وإذا أعتق المشتري هذا العبد عن الكفارة، فإن قلنا: الحق لله تعالى أو للبائع ولم يأذن .. لم يجز، وإن أذن .. أجزأه على الصحيح، ويجوز استخدامه، والوطء والأكساب للمشتري، والقيمة له إذا قتل، ولا يكلف صرفها إلى آخر ليعتقه، ولو باعه لغيره وشرط عليه عتقه .. لم يصح على الأصح، وإذا جنى قبل إعتاقه .. وجب فداؤه كأم الولد، وإذا أولدها .. لم يجزئه عن الإعتاق على الأصح، بل عليه أن يعتقها.
قال: (وأنه لو شرط مع العتق الولاء له، أو شرط تدبيره أو كتابته أو إعتاقه بعد شهر .. لم يصح البيع) وكذا إذا اشترى دارًا بشرط أن يقفها أو ثوبًا بشرط أن يتصدق به.
أما الولاء .. فلأن شرطه يتضمن نقل الملك إلى البائع وارتفاع العقد.
والثاني: يصح البيع ويفسد الشرط؛ لحديث بريرة رضي الله عنها.
والثالث: يصح البيع والشرط؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (واشترطي لهم الولاء).
وأجاب الشافعي رضي الله عنه بأن (لهم) هنا بمعنى (عليهم) كما في قوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ أي: فعليها.
وقول المصنف: (مع العتق) احترز به عما إذا أفرد شرط الولاء بأن قال: إذا أعتقته يومًا .. فولاؤه لي، فإنه لا يصح بلا خلاف.
وأما التدبير .. فليست مصلحته ناجزة حتى يلحق بالعتق، وكذلك عتقه بعد شهر، والمكاتبة معاوضة، والوقف وإن كان لله تعالى ففيه حجر.
والوجه الثاني في الأربعة: صحة الشرط؛ إلحاقًا بالعتق.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل