النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 87-123
أهل الأثرالأرشيف العلمي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويقال في تعزية الدمي بالذمي: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك.
وعلل الأصحاب ذلك بأن فيه نفعا ً للمسلمين في الدنيا بتكثير الجزية، وفي الآخرة بالفداء من النار.
وتظهر فائدة العلتين إذا كان الميت حربيًا: فإن قلنا: العلة تكثر الجزية .... لا يعزي بذلك، وإن قلنا: الفداء من النار .... عزي بذلك ..... وليست مسألة الحربي منقولة.
واختار في (شرح المهذب): ترك ذلك؛ لأنه دعاء ببقاء الكافر ودوام كفره.
فائدة: قال أهل اللغة وغيرهم: يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو شئ يستعاض: (أخلف الله عليك) أي: رد عليك مثل ما ذهب، فإن كان قد هلك له والد أو عم أو أخ يقال: (خلف الله عليك) - بغير ألف - أي: كان الله خليفة والدك - أو من فقدته - عليك.
غريبة: قال الحسن البصري: من الأدب أن لا يعزى الرجل في زوجته.
وروي: أن عبيد بن زياد سأل أبا بكة نفيع بن الحارث عن موت الأهل .... فقال: موت الأب قاصمة الظهر، وموت الولد صدع في الفؤاد، وموت الأخ قص الجناح، وموت الزوجة حزن ساعة.
ولما عزي النبي صلى الله عليه وسلم في ابنته رقية .... قال: (الحمد لله دفن البنات المكرمات) رواه العسكري في (الأمثال) عن ابن عباس، وابن عدي (2/ 278) في ترجمة حميد بن حماد بن أبي الخوار التميمي الكوفي قال: وهو ثقة يحدث عن الثقات، عن مسعر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.

وَيُجَوِّز البَكّاء عَلِيّهُ قَبِلَ المَوْت وَبِعَدّهُ،  فروع: يكره الجلوس للتعزية، قيل: وأول من جلس لها عبد الله بن المبارك لما ماتت أخته .... دخل عليه بعض جيرانه فقال: حق علي العاقل أن يفعل في أولل يوم ما يفعله الجاهل بعد ثلاث! فأمر عبد الله بطي البساط وترك التعذية.
وقال ابن الفركاح: لا كراهة في الجلوس لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه نعي زيد وجعفر وابن رواحه ...... جلس يعرف في وجهه الحزن.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وأكره المأتم - وهي: الجماعة - وإن لم يكن لهم بكاء؛ فإن ذلك يكلف الحزن ويجدد المؤنة.
ويكره الأكل من طعام المأتم.
قال: (ويجوز البكاء عليه قبل الموت) بالإجماع؛ ففي (الصحيحين) (خ 1303 - م 2315) أن النبي صلى الله عليه وسلم حين كان إبراهيم يجود بنفسه جعله في حجره وعيناه تذرفان، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله تبكي! أو لم تنه عن البكاء؟ فقال: (يا ابن عوف؛ إنها رحمة) ثم أتبعها بأخري وقال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون).
وعاد صلى الله عليه وسلم سعد بن عباده فبكى وقال: (إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم) وأشار إلى لسانه، رواه مسلم (924). قال: (وبعده)؛ لما روى مسلم (976): (أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله).
وفي (الشرح) و (الروضة) و (الشامل) وغيرها: أنه بعد الموت مكروه، وكلام بعضهم قد يفهم التحريم.

وَيَحْرِم النَدْب بِتَعْدِيد شَمائِلهُ، وَالنَوْح،  ونقل في (شرح المهذب) عن الجمهور: أنه بعد الموت خلاف الأولى.
قال الشيخ: وينبغي أن يقال: إن كان البكاء لرقة على الميت وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة .... فلا يكره خلاف الأولى، وإن كان للجزع وعدم التسليم للقضاء ... فيكره أو يحرم.
وأما إذا غلب البكاء .... فلا يوصف بكراهة، لكن الأولى أن لا يبكي بخضرة المحتضر.
و (البكاء): يمد وبقتصر، إذا مددت: أردت الصوت الذي مع البكاء، وإذا قصرت: أردت الدموع وخروجها.
قال كعب بن مالك (من الوافر): بكت عيني وحق لها بكاها .... وما يغني البكاء ولا العويل ووهم الجوهري في نسبته لحسان.
قال: (ويحرم الندب بتعديد شمائله) يقال الميت؛ أي: بكاء وعدد محاسنه، يندبه ندبًا، والاسم: الندبة وذلك كقولهم: يا قاتل الأقران! يا حامي الديار! يا كفاه! يا جبلاه! و (الشمائل) جمع شمال علي وزن هلال وكتاب وهو: ما اتصف به الشخص من الطباع كالكرم والبخل والشجاعة والجبن وغير ذلك.
روى البخاري (4268) عن النعمان بن بشير أنه قال: (أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي: واجبلاه! واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ فلما مات لم تبك عليه).
قال: (والنوح) وهو: رفع الصوت بذلك، إنه كلام منظوم يشبه الشعر.
وأطلق القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عليهما الكراهة.

وَالجُزْع بِضَرْب صَدْرهُ وَنَحْوهُ  والصحيح: أنهما محرمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن النائحة والتي تجاوبها، وفي (الصحيحين) (خ 4892 - م 936) عن أم عطية رضي الله عنها قالت: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النياحة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (النائحة إذا لم تنب قبل موتها .... تقام يوم القيامة وعليها سريال من قطرات ودرع من جرب) رواه مسلم (934). (السربال): القميص.
وكنى به عثمان عن الخلافة في قوله: (لا أخلع سربالًا سربلينه الله).
و (درع المرأة): قميصها.
و (الجرب) بئر تعلو أبدان الناس.
قال: (والجزع بضرب صدره ونحوه) كنشر الشعر وشق الجيب وتسويد الوجه وإلقاء التراب أو الرماد علي الرأس، وكل واحد من هذه الأشياء حرام بمفرده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) متفق عليه (خ 1294 - م 103)، ولأن ذلك يشبه التظلم من الظالم، وهو عدل من الله سبحانه وتعالى.
ومتى حصل شئ من هذة الأشياء .. فإثمه على فاعله خاصة؛ لقوله تعالي: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
وما أحسن قول شيخنا الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمة الله (من الطويل): ولو جاز فرط الحزن لم يستفد به .... فما بالنا لا نستفيد ونأثم وأما ما ورد في (الصحيح) (خ 1288 - م 928) عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) أو قال: (ببعض بكاء الحي) .... فمحمول عند الجمهور على ما إذا أوصى به كقول طرفه (ديوانه 118 من الطويل): إذا مت فانعيني بما أنا أهله .... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال لبيد (ديوانه 73 - 74 من الطويل): فقوما وقولا بالذي قد عرفتما .... ولا تخشما وجهًا ولا تحلقا شعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما .... ومن يبك حولًا فقد اعتذر قال الرافعي: ولك أن تقول ذنب الميت يحمل على الحرام والأمر به، فوجب أن لا يختلف عذابه بالامتثال وعدمه.
وقيل: المراد ب (العذاب): التألم قال محمد بن جرير والقاضي عياض، وقيل: التوبيخ، وقيل: مخصوص بالميت الكافر قاله الشيخ أبو حماد؛ لقول عائشة رضي الله عنها: رحم الله (ابن) عمر ما كذب ولكن أخطأ ونسي إنما مر النبي صلى الله عليه وسلم على يهودية وهم يبكون عليها فقال: إنهم يبكون وإنها لتعذب ببكاء أهلها)، وقيل: إذا ندبوه بشيء من المحرمات.
قال المصنف: وأجمعوا على أن المراد بالبكاء هنا: إذا اقترن به ارتفاع صوت ونياحة، لا مجرد دمع العين.
وتكره المرائي.
فروع: لا يكره المشي علي المقابر بالنعلين علي المشهور؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:

قَلَت: هاذِهِ مَسائِل مَنْثُورَة: يُبادِر بِقَضاء دَيِّن المَيِّت  (إنه ليسمع خفق نعالهم).
وما ورد من الأمر بإلقاء النعلين السبتيتين في (أبي داوود) (3222) و (النسائي) (4/ 96) بإسناد حسن يحتمل أن يكون: لأنهما من لباس المترفين، أو أنه كان فيهما نجاسة.
و (النعال البيتة) بكسر السين: المدبوغة بالقرظ.
ويستحب خفض الصوت في السير بالجنازة ومعها , وأن لا يشتغل المشيع بشيء عن التفكير فيما هو لاقيه وصائر إليه، قال سعد بن معاذ: ثلاثة أشياء قويت عليها: ما مشيت في جنازة قط إلا وكنت مفكرًا فيما يقال لها وما به تجيب، ولا صليت صلاة فحدثت فيها نفسي بشيء من أمور الدنيا، ولا بلغتني سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عملت بها.
واتباع النساء الجنائز قيل: حرام، والصحيح في زوائد (الروضة): أنه مكروه.
ويستحب لمن مرت به جنازة أن يدعو لها، وأن يثني عليها خيرًا إن كان أهلًا، وأن يقول: سبحان الحي الذي لا يموت أو سبحان الملك القدوس.
قال: (قلت: هذه مسائل منثورة: يبادر بقضاء دين الميت)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) رواه الإمام الشافعي رضي الله عنه (أم / 279) والترمذي (1079) وابن ماجه (2413) والحاكم (2/ 26) وابن حبان (2066).وليكن ذلك قبل تجهيزه.
فإن لم يكن في التركة جنسه بأن كانت عقارًا ونحوه .... قال الإمام الشافعي رضي الله عنه وأبو حامد: يسأل وليه غرماءه أن يحللوه ويحتالوا به عليه، وفيه إشكال لا يخفي.
قال المصنف: فيحتمل أنهم رأوا هذه الحواله مبرئة هنا للحاجة والمصلحة.
وقال القاضي أبو الطيب: يتوصل إلى أن يحيل غرماء الميت على من للميت عليه دين وهذا أقرب.

وَوَصَّيتُهُ، وَيَكْرَهُ تُمَنِّي المَوْت لَضَرَّ نَزْل بِهِ لا لُفتُنَّهُ دَيِّن  وقال الماوردي: إنما تكون الذمة بدينه إذا لم يخلف تركه يتعلق بها الدين.
ويدل له ما روى أبو داوود (2335) عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظم الذنوب عند الله عز وجل أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله تعالى عنها: أن يموت رجل عليه دين لم يدع له قضاء).
قال: (ووصيته)؛ مسارعة إلى وصول الثواب له البر، وذلك مندوب بل واجب عند طلب الموصى له المعين، وكذا عند التمكن في الوصية للفقراء ونحوهم من ذوي الحاجات.
قال: (ويكره تمني الموت لضر نزل به)؛ لما روى البخارى (5671) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان ولا بد فاعلًا .... فليقل: (اللهم؛ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لى، وتوفني ما كانت خيرًا لي).
قال: (لا الفتنة دين) كما إذا فسد الزمان، فحينذ لا يكره بل قال المصنف في (الفتاوى) التي له غير مشهورة: إنه في هذه الحالة يستحب، وحكي ذلك عن أبي ملسم الخولاني وهمر بن عبد العزيز وغيرهما.
قال الشيخ: والأحسن في هذه الحالة الدعاء بما في الحديث فإنه يحصل به المقصود، والله تعالي هو العالم بحقائق الأمور وعواقبها.
وأما التمني لغرض أخروي كتمني الشهادة في سبيل الله ... فمحبوب, وقد قال عمر رضي الله عنه: (اللهم؛ إنه رق عظمي - أي: ضعف - وانتشرت رعيتي، فتوفني غير مقصر ولا عاجز).
قال أصبغ: سمعت أشهب يحدث أن عمر بن عبد العزيز كان لا يبلغه شيء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلا أحب أن يعمل به، حتى بلغه أن عمر رضي الله عنه دعا على نفسه بالموت فدعا به، فما لبث جمعة حتى مات.
وصح عن معاذ أنه تمناه في طاعون عمواس.

وَيُسِنّ التَداوِي،  وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما تمني نبي الموت إلا يوسف عليه الصلاة والسلام).
والجواب: أنه إنما تمني الوفاة علي الإسلام لا الموت، ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (وإذا أردت بالناس فتنة ... فاقبضني إليك غير مفتون).
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل علي القبر فيقول: يا ليتني مكانه؛ لما يرى من الفتن).
هذا في غير من بشر بالجنة، أما المبشر بها ... فيحب الموت ويهواه ويتمناه؛ فقد كان علي رضي الله عنه يقول: (لا أبالي سقط الموت علي أو سقطت عليه)، وكان حذيفة رضي الله عنه يتمني الموت، فلما احتضر قال: (حبيب جاء على فاقة، لا أفلح اليوم من ندم) يعني: علي التمني، وقال عمار رضي الله عنه بصفين: (اليوم ألقى الأحبة، محمدًا وحزبه)، وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحن إليه.
قال: (ويسن التداوي)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (تداووا؛ فإن الله تعالى لم يضع داء إلا له دواء غير الهرم) رواه الأربعة، وقال الترمذي: حسن

وَيَكْرَهُ إِكْراههُ عَلِيّهُ.
وَيُجَوِّز لَأَهْل المَيِّت وَنَحْوهُم تقبيل وَجْههُ.
وَلا بَأَسَ بِالإِعْلام بِمَوْتهُ لِلصَلاَة وَغَيْرها،  صحيح، وقال عليه الصلاة والسلام في الشونيز: (عليكم بهذه الحبة السوداء؛ فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام) يريد: الموت، وروى ابن حبان (6075) والحاكم (4/ 196) عن ابن مسعود رضي الله عنه: (ما أنزل الله داء ... إلا أنزل له دواء، جهله من جهله وعلمه من علمه، فعليكم بألبان البقر؛ فإنها ترم من كل الشجر) أي: تأكل.
فإن ترك التداوي توكلًا ... فهو فضيلة، وفي (فتاوي ابن البرزي): أن من قوي توكله .... فالترك له أولى، ومن ضعفت نفسه وقل صبره .... فالمداواة له أفضل.
وفيما ادعاه نظر؛ فإن سيد المتوكلين صلى الله عليه وسلم تداوي ونقل القاضي عياض الإجماع على عدم وجوب التداوي.
قال: (ويكره إكراه عليه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تكرهوا مرضاكم علي الطعام والشراب؛ فإن الله يطعمهم ويسقيهم) رواه أبو داوود وابن ماجه (3444) من حديث عقبة بن عامر.
قال: (ويجوز لأهل الميت ونحوهم تقبيل وجهه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، رواه الترمذي (989) وغيره، وهو أول من دفن بالبقيع، وفي (البخاري) (4457): (أن أبا بكر رضى الله عنه قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته).
قال الشيخ: ينبغي أن يكون لهم مستحبًا، ولغيرهم جائزا ً، ول يقتصر الجواز عليهم.
وفي (الروضة) في (أول النكاح): لا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح، وقيل: يكره، وقيل: يستحب للقريب دون غيره.
قال: (ولا بأس بالأعلام بموته للصلاة وغيرها)؛ لما روى البخاري عن ابن عباس رضي عنهما: أن إنسانًا مات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فدفنوه

بِخِلاف نَعْي الجاهِلِيَّة.
وَلا يَنْظُر الغاسِل مَن بَدَنهُ إِلّا قَدْر الحاجَة مَن غَيْر العَوْرَة.
وَمَن تُعْذَر غِسْلهُ ... يَمَّمَ، وَيَغْسِل الجَنْب وَالحائِض المَيِّت بَلًّا كَراهَة،  ليلًا، فلما أصبح ... أخبروه به فقال: (ما منعكم أن تعلموني؟) قالوا: كان الليل والظلمة فكرهنا أن نشق عليك، فأتي قبره فصلى عليه).
وفي (الصحيحين) (خ 1245 - م 951): (أنه صلى الله عليه وسلم نعى لأصحابه النجاشي في اليوم الذي مات فيه).
واختلف الأصحاب في النداء علي الميت فقيل: مكروه، وقيل: مستحب، وقيل: إن كان غريبًا ... استحب، وإلا ... فلا، حكاها الماوردى.
قال: (بخلاف نعي الجاهلية)؛ لما روى الترمذي (986) عن حذيفة رضي الله عنه: (أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنه).
و (النعي): خبر الموت، يقال: نعاه وأنعاه: إذا أخبر بموته، نعيًا ونعيًا بسكون العين وكسرها مع التشديد.
قال: (ولا ينظر الغاسل من بدنه إلا بقدر الحاجة)؛ لأنه قد يكون فيه شيء كان يكره اطلاع الناس عليه، وربما رأي سوادًا ونحوه فظنه عذابًا.
فإن نظره ... كان مكروهًا، فإن دعت حاجة .... لم يكن .. وأما المعين للغاسل .. فيكره له أن ينظر إلا لضرورة.
وحكم المس بلا شهوة .... حكم النظر.
قال: (من غير العورة)؛ فإن النظر إليها يحرم، وقال صلى الله عليه وسلم لعلي: (لا تنظر إلى فخذ حي ولا يمت) رواه أبو داوود (3132). قال: (ومن تعذر غسله .. يمم) قياسًا علي غسل الجنابة، والتعذر إما لفقد ماء، أو حرق ونحوه، فل كانت به قروح وخيف من غسله إسراع البلى بعد الدفن .... وجب غسله؛ لأن الجميع صائر إلى البلى.
وإذا يمم لفقد الماء وصلي عليه، ثم وجد الماء .... فقد تقدم حكمه.
قال: (ويغسل الجنب والحائض الميت بلا كراهه)؛ لأنهما طاهران كغيرهما.

وَإِذا ماتا .. غَسَلا غَسَلا فَقَّطَ.
وَلِيُكِنّ الغاسِل أَمِينًا، فَإِنَّ رَأَى خَيْرًا .. ذَكَرهُ، أَو غَيَّرَهُ ... حَرِمَ ذَكَرهُ إِلّا لِمُصْلِحَة  قال: (وإذا ماتا ... غسلا غسلًا فقط)؛ لأن الغسل الذي كان عليهما انقطع بالموت كما تقدم في الشهيد الجنب.
وانفرد الحسن البصري بإيجاب غسلين.
قال: (وليكن الغاسل أمينًا) وإلا ... لم يوثق به في تكميل الغسل وغيره، روى ابن ماجة (1461) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليغسل موتاكم المأمونون) لكنه ضعيف.
وهكذا الذي يعينه.
فإن غسله الفاسق ... وقع الموقع.
قال: (فإن رأي خيرًا ... ذكره) على جهة الندب؛ ليكون أدعى إلى كثرة المصلين عليه والدعاء له.
قال: (أو غيره ... حرم ذكره)؛ لأنه غيبة لمن لا يأتى الاستحلال منه.
وفي (صحيح مسلم) (2699): (ومن ستر مسلمًا .... ستره الله في الدنيا والآخرة)، وفي (سنن أبي داوود) (4864) و (الترمذي) (1019) و (ابن حبان) (3020) و (الحاكم) (1/ 385): (اذكروا محاسن موتاكم , وكفوا عن مساوئهم)، وفي (المستدرك) (1/ 354): (من غسل ميتًا وكتم عليه .... غفر الله له أربعين مرة)، وروى أحمد (6/ 119) وابن عدي (5/ 126) عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل ميتًا وأدى فيه الأمانة، ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك .... خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
ومراد المصنف ب (غيره): أن يرى سوادًا أو تغير رائحة أو انقلاب صورة.
قال: (إلا المصلحة كما إذا كان مبتدعًا مظهرًا لبدعته، فيذكر ذلك لينزجر الناس عنها.
وينبغي ذلك أيضًا فيما إذا كان فاسقًا أو ظالمًا متجاهرًا بالظلم والفسق.
فائدة: غسلت امرأة بالمدينة في زمن مالك رضي الله عنه امرأة فالتصقت يدها على

وَلُو تُنازِع أَخَوانِ أَو زَوْجَتانِ ... أَقْرَع، وَالكافِر أَحَقّ بِقَرِيبهُ الكافِر.
وَيَكْرَهُ الكَفَن المُعَصْفَر، وَالمُغالاَة فِيهِ، وَالمَغْسُول أَوْلَى مَن الجَدِيد  فرجها، فتحير الناس من أمرها، هل تقطع يد الغاسلة أو فرج الميتة؟ فاستفتي مالك فقال: سلوها ما قالت لما وضعت يدعا عليها؟ فسألوا فقالت: قلت طالما عصى هذا الفرج ربه، فقال مالك: هذا قذف، اجلدوها ثمانين جلدة تتخلص يدها، فجلدوها ذلك فتخلصت يدها.
فمن ثم قيل: لا يفتى ومالك بالمدينة.
قال: (ولو تنازع أخوان أو زوجتان ... أقرع)؛ لاستواء درجتهما في غسله.
وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في محله.
قال: (والكافر أحق بقريبه الكافر)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.
فإن تركه أو لم يوجد .. تولاه المسلم.
قال: (ويكره الكفن المعصفر) هذا بالنسبة إلى المرأة لما فيه من الزينة التي لا تليق بحالها.
وقيل: لا يكه لها كحال الحياة.
وأما الرجل فتقدم: أنه لا يجوز له لبس الزعفر ... فيحرم تكفينه فيه، ويكره له المعصفر .. فيكره تكفينه فيه.
وعبارة المصنف فيها بعض قصور.
قال: (والمغالاة فيه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب سلبًا سريعًا رواه أبو داوود (3146) عن علي ولم يضعفه.
وفهم من التقييد بالمغالاة: أن تحسينه لا يكره وهو كذلك، بل يستحب؛ ففي (صحيح مسلم) (943): (إذا كفن أحدكم أخاه ... فليحن كفنه) أي: يتخذه أبيض نظيفًا سابغًا، وفي (كامل ابن عدي) (3/ 254) عن أبي هريرة رصي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حسنوا أكفان موتاكم؛ فإنهم يتزاورون في قبورهم).
قال: (والمغسول أولى من الجديد)؛ لأنهما يؤلون إلى البلى.

وَالصَبِيّ كَبالِغ ِفي تَكْفِينَهُ بِأَثْواب.
والحنوط مُسْتَحَبّ، وَقَيْل: وَأَجُبّ.
وَلا يَحْمِل الجِنازَة إِلّا الرِجال وَإِنَّ كانَت أُنْثَى، وَيَحْرِم حَمَلَها عَلَى هَيْئَة مُزْرِيَة، وَهَيْئَة يُخاف مِنها شقوطها.
وَيَنْدُب لِلمَرْأَة ما يُسَتِّرها كَتابُوت  وقد أوصى أبو بكر رضي الله عنه أن يكفن في ثوبه الخلق وزيادة ثوبين وقال: (الحي أولي من الميت بالجديد) رواه البخاري (1387)، وقال ابن المبارك: أحب أن يكفن في ثيابه التي كان يتعبد فيها.
قال: (والصبي كبالغ في تكفينه بأثواب)؛ لأنه ذكر فأشبه البالغ.
هذا بالنسبة إلى العدد، وأما في جنس ما يكفن به .... فقد تقدم: أنه يجوز تكفينه في الحرير؛ لعموم قوله: (يكفن بما له لبسه حيًا).
قال: (والحنوط مستحب) كما لا يجب الطيب للمفلس وإن وجبت كسوته.
قال: (وقيل: واجب)؛ للأمر به.
قال: (ولا يحمل الجنازة إلا الرجال وإن كانت أنثي)؛ لأن النساء يضعفن حملها.
قال: (ويحرم حملها علي هيئة مزرية) كحملها في قفه أو عدل أو نحو ذلك.
روى أحمد (4/ 406) عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله وسلم مر عليه بجنازة تمخض مخض الزق، فقال صلى الله عليه وسلم: (القصد)، وما روى أيضًا (6/ 100) عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كسر عظم الميت مثل كسر عظمه حيًا).
قال: (وهيئة يخاف منها سقوطها)، بل تحمل على لوح ونحوه.
فإن خيف التغير قبل حصول ما تحمل عليه ... حملت علي الأيدي والرقاب.
قال: (ويندب للمرأة ما يسترها كتابوت) المراد: القبة التي تجعل عليها؛ لأنه أصون لها.
وكذا فعلته أسماء بنت عميس لزينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها رأته كذلك في الحبشة، فقال عمر رضي الله عنه: (نعم خباء الظعينة).

وَلا يَكْرهُ الرَكُوب فِي الرُجُوع مِنها.
وَلا بَأَسَ بِأَتْباع المُسَلَّم جِنازَة قَرِيبهُ الكافِر وَيَكْرَهُ اللَغْط فِي الجِنازَة  وقال ابن عبد البر: أول من غطي نعشها في الإسلام فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعدها زينب بنت جحش رضي الله عنهما.
فائدة: التابوت: سرير الميت، لكن ذكره الجوهري في (باب الباء) وكان من حقه أن يذكره في (باب التاء)؛ لأن تاءه أصلية ووزنه فاعول كعاقول وكابوس، ومع ذلك ذكر له تصريفًا لم يذكره أحد ولم يسمع من غيره؛ فإنه قال: أصله تابوة كترقوة.
ولم تختلف لغة قريش والأنصار في شيء من القرآن إلا في التابوت؛ فلغة قريش بالتاء، ولغة الأنصار بالهاء وكذلك قرأ زيد بن ثابت الآية.
قال: (ولا يكره الركوب في الرجوع منها)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ركب فرسًا معرورى لما رجع من جنازة ابن الدحداح، رواه مسلم (965) من حديث جابر بن سمرة.
وأما في الذهاب .. فتقدم: أنه يكره الركوب فيه، إلا لعذر كبعد المكان أو ضعف.
قال: (ولا بأس بإتباع المسلم جنازة قريبه الكافر)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر عليًا رضي الله عنه أن يواري أبا طالب، رواه أبو داوود (3206) والنسائي (4/ 79). والنص: أنه لا يكره أتباعه، وقال الروياني: يكره.
فرع: يجوز للمسلم زيارة قبر قريبه الكافر عند الأكثرين.
وقال الماوردي: لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.
قال في (شرح المهذب): وهذا غلط؛ فالأكثرون قطعوا بالجواز.
قال: (ويكره اللغط في الجنازة)، وهو: ارتفاع الأصوات؛ لما روى البيهقي (4/ 74): (أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكرهون رفع الصوت عند

وَاتِّباعها بِنار.
وَلُو أَخْتَلِط مُسْلِمُونَ بِكُفّار ... وَجَّبَ غَسَّلَ الجَمِيع وَالصَلاَة، فَإِنَّ شاءَ صَلَّى عَلَى الجَمِيع بِقَصْد المُسْلِمِيْنَ، وَهُوَ الأَفْضَل وَالمَنْصُوص، أَو عَلِيّ وَأَحَدّ فَواحِد ناوَيا الصَلاَة عَلِيّهُ إِن كانَ مُسْلِمًا، وَيَقُول: (اللَهْم؛ أُغَفِّر لَهُ إِن كانَ مُسْلِمًا).
وَيَشْتَرِط لَصِحَّة الصَلاَة عَلِيّهُ: تَقَدَّمَ غِسْلهُ - وَتُكْرَه قَبِلَ تَكْفِينَهُ -  الجنازة وعند القتال وعند الذكر).
وقال المصنف: الصواب المختار ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير بالجنازة بغير رفع صوت بقراءة ولا يذكر، وأنا ما يفعله جهلة القراء من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه .. فحرام يجب إنكاره.
قال: (وإتباعها بنار) المراد: أنه يكره البخور في المجمرة بين يديها إلى القبر ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.
وقال الشيخ نصر: لا يجوز أن تحمل معها المجامر والنار.
فإن أراد التحريم .... فشاذ.
وتكره مجمرة البخور عند القبر أيضا.
قال: (ولو اختلط مسلمون بكفار .... وجب غسل الجميع والصلاة)؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورًا عليه ... فهو واجب.
ولا فرق بين أن يكون عدد المسلمين أقل أو أكثر، حتي لو اختلط مسلم بمئة كافر .... فعل بهم ذلك، فلو عبر ب (مسلم) ... كان أصوب.
وكذا إذا اختلط الشهيد بغيره.
قال: (فإن شاء صلى علي الجميع) أى: صلاة واحدة (بقصد المسلمين، وهو الأفضل والمنصوص)؛ لأن ذلك ليس صلاة علي الكافر بل علي المسلم فقط.
قال: (أو على واحد فواحد ناويًا الصلاة عليه إن كان مسلمًا، ويقول: (اللهم؛ اغفر له إن كان مسلمًا)، ويعذر في تردد النية للضرورة كمن نسي صلاة من خمس، ويدفن المختلطون بين مقابر المسلمين والكفار.
قال: (ويشترط لصحة الصلاة عليه: تقدم غسله) أي: أو تيممه؛ لأنه المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولأن الصلاة علي الميت كصلاة نفسه.
قال: (وتكره قبل تكفينه) هكذا في زوائد (الروضة) تبعًا للبغوي.

فَلَو ماتَ بِهَدْم وَنَحْوهُ وَتَعْذِر إِخْراجهُ وَغَسَّلَهُ ..... لِمَ يَصْلَ عَلِيّهُ.
وَيَشْتَرِط: أَن لا يَتَقَدَّم عَلَى الجِنازَة الحاضِرَة، وَلا عَلَى القَبْر عَلِيّ المُذَهَّب فَيَهِما.
وَتَجُوز الصَلاَة عَلِيّهُ فِي المَسْجِد،  قال الشيخ: والقول بأن الغسل شرط والتكفين ليس بشرط يحتاج إلى دليل، والقياس: أنه إذا لم يوجد ماء ولا تراب .... يصلى عليه كما جزم به الدرامي وابن الأستاذ.
قال: (فلو مات بهدم ونحوه) كما إذا وقع في بئر أو بحر عميق.
قال: (وتعذر إخراجه وغسله ..... لم يصل عليه)؛ لانتفاء شروط الصلاة.
قال: (ويشترط: أن لا يتقدم علي الجنازة الحاضرة، ولا علي القبر علي المذهب فيهما) كما لا يتقدم المأموم على إمامه في غيرها من الصلوات.
والثاني: يجوز التقدم عليهما؛ لأن الميت ليس بإمام متبوع حتى يتعين تقديمه، بل هو كعبد حضر معه جماعة يشفعون له عند مولاه.
والأصح: طريقة القولين، والثانية: القطع بالجواز.
واحترز ب (الحاضرة) عن الغائبة التي هي وراء المصلي؛ فإنه يجوز كما تقدم.
ويشترط في الحاضرة أيضًا: أن لا يزيد ما بينها وبين الإمام على المسافة المعتبرة بين الصفين كما تقدم.
ولو كبر تكبيرة أو تكبيرتين فجاءت جنازة ثانية .... أكمل الأولى واستأنف الصلاة علي الثانية.
قال: (وتجوز الصلاة عليه في المسجد)؛ لما روى مسلم (973) وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى علي سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد)، ولا كراهة في ذلك بل صرح كبار الأصحاب فيه بالاستحباب، وبه جزم في (شرح المهذب)، وقال في زوائد (الروضة): إنه أفضل.
وكرهها فيه مالك وأبو حنيفة؛ لما روي أبو داوود (3184) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى علي جنازة في المسجد ... فلا شئ له).

وَيُسِنّ جَعْل صُفُوفهُم ثَلاثَة فَأُكْثِر.
وَإِذا صَلَّى عَلِيّهُ فَحَضَرَ مَن لِمَ يَصْلَ ... صَلَّى، وَمَن صَلَّى ... لا يُعِيد عَلَى الصَحِيح  والجواب: أنه ضعيف صرح بضعفه أحمد وابن المنذر والبيهقي، وقال ابن حبان: إنه باطل على رسول الله عليه وسلم.
وأيضًا: ففي النسخ المعتمدة من (سنن أبي داوود): (فلا شيء عليه)، وعلى تقدير صحته ف (له) بمعنى: عليه كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾.
وقال ابن شاهين: إنه منسوخ بحديث سهيل، وعكس الطحاوي ذلك.
قال: (ويسن جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر)؛ لما روى أبو داوود (3158) والترمذي (1028) وابن ماجه (1490) والحاكم (1/ 362) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى عليه ثلاثة صفوف ... فقد أوجب) ومعناه: غفر له، رواه أحمد (4/ 79) والحاكم (1/ 362) بلفظ: (فقد غفر له)، وكان مالك بن هبيرة - راوي الحديث - إذا حضر جنازة ... صفهم ثلاثة صفوف.
وفي (مسلم) (947): (ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له ... إلا شفعوا فيه)، فيه (948) أيضًا: (من صلى عليه أربعون رجلا ً لا يشركون بالله شيئًا .. شفعهم الله فيه).
قال: (وإذا صلي عليه فحضر من لم يصل ... صلى)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى علي قبور جماعة بعد ما دفنوا، ومعلوم أنهم: إنما دفنوا بعد الصلاة عليهم.
وإذا صلى ... وقعت صلاته فرضًا كما جزم به الرافعي، فينوي الفرض ويثاب عليه.
وفي ظاهرة إشكال؛ لأن الفرض سقط بالأولي.
واعتذروا عن هذا بأنه لا يقال: سقط الفرض بالأولي، ولكن سقط الحرج والإثم، ومن قال: سقط الفرض معناه ذلك.
قال: (ومن صلى ... لا بعيد علي الصحيح)؛ لأن الجنازة لا يتنقل بها، ولأنها شفاعة والشفاعة لا تعاد، سواء صلى منفرد أم في جماعة.

وَلا تُؤَخَّر لِزِيارَة مُصَلِّيْنَ  والمراد بقوله: (لا يعيد): لا يستحب له الإعادة.
والثاني: تستحب له الإعادة كغيرها.
والثالث: إن صلى منفردًا ثم وجد جماعة ... استحب له الإعادة معهم، وإلا فلا والرابع: تكره والخامس: تحرم؛ لأنها صلاة منهي عنها.
إلا أنه يستثني من ذلك فاقد الطهورين إذا صلى ثم وجد ما يتطهر به .. فإنه يعيدها كما أفتى به القفال.
وإذا قلنا بالصحة .. قال القاضي حسين: تقع صلاته الثانية فرض كفاية كما لو صلت جماعة بعد جماعة، وقال الجمهور: تقع نقلا ً. وتظهر فائدة الخلاف في جواز الخروج منها.
قال: (ولا تؤخر لزيادة مصلين)؛ للأمر بالإسراع بها.
ولا بأس بإنتظار الولي إذا لم يخف تغيرها.
وهنا صورتان: إحداهما: إذا صلي عليه .... فلا ينتظر حضور من يصلي عليه بعد ذلك.
والثانية: إذا حضر جمع قليل، فعل ينتظر زيادة المصلين؟ عبارة المصنف تقتضي: أنه لا ينتظر، وقد ورد في الحديث: (حصول المغفرة بصلاة مئة أو أربعين)، فينبغي إذا لم يحضر هذا العدد ورجي حضورهم عن قرب أن يستحب انتظارهم نظرًا للميت.
فرع: قال في (البحر): يتأكد استحباب الصلاة علي من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، وحضور دفنه، أو يوم عرفة أو يوم عاشوراء أو يوم العيد؛ فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن من مات ليلة الجمة ودفن في يومها ... وفي فتنة القبر).

وَقاتِل نَفِسَهُ كَغَيْرهُ فِي الغِسْل وَالصَلاَة.
وَلُو نَوَى الإِمام صَلاَة غائِب، والمأموم صَلاَة حاضِر، أَو عَكْس ... جازَ.
وَالدَفْن بِالمَقْبَرَة أُفَضِّل،  قال: (وقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة)؛ لما روى مكحول عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا علي كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر) رواه الدارقطني (2/ 57)، ومكحول لم يدرك أبا هريرة.
وقال أحمد: لا يصلى عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل علي رجل قتل نفسه بمشاقص رواه مسلم (978). والجواب: أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرًا للناس من مثل فعله، وصلت عليه الصحابة؛ لئلا يرتكب الناس ما ارتكب - و (المشاقص): ما طال من نصل السهام - وروي مكحول عن عائشة رصي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعنده جارية مغنية .. فلا تصلوا عليه)، وروى أحمد في (الزهد) عن منذر بن جندب: أن ولدًا له اعتل من كثرة الأكل فقال: إن مات ... لم أصل عليه؛ لأنه مات عاصيًا.
وأما قاطع الطريق فسيأتي حكمه.
قال: (ولو نوى الإمام صلاة غائب، والمأموم صلاة حاضر، أو عكس جاز)، وكذا لو نوى هذا غائبًا وهذا غائبًا وهذا غائبًا آخر؛ لأن اختلاف نية الإمام والمأموم لا تضر كما لو افتدى في الظهر بالعصر.
قال: (والدفن بالمقبرة أفضل)؛ لما يلحقه من دعاء الزوار، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن أهله وأصحابة بالبقيع.
ويستثني من ذلك الشهيد فإنه يدفن حيث قتل، وإنما دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؛ لأن الله تعالى لم يقبض نبيًا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه.

وَيَكْرَهُ المُبَيِّت بِها.
وَيَنْدُب سُتَر القَبْر بِثَوْب وَإِنَّ كانَ رَجِلا،  فروع: يستحب أن يدفن في أفضل مقبرة بالبلد المعرفة بالصالحين.
ولو اتفق الورثة على دفنه في بيته ... جاز، وإن تنازعوا ... دفن في المقبرة، بخلاف ما لو أراد بعضهم أن يكفنه في الأكفان المسبلة فإنه لا يلزم الباقين قبوله؛ لأن عليهم منة في ذلك فلو بادر أحدهم فدفنه في ملكه أو كفنه من مال نفسه ... لم ينقل ولم ينزع كفنه.
ولو تنازع الورثة في تعيين قبرين بمقبرتين مسبلتين أو مملوكتين ولم يكن الميت أوصى بشئ .. نقل القمولي عن بعض المتأخرين: أنه يرجع إلي القول من يقدم في الصلاة والغسل، فإن استووا ..... أقرع.
ولو كانت امرأة، وتنازع الزوج أو الولي واللوارث .... قدم القريب كالغسل.
ولو حفر رجل قبرًا في مقبرة ... لا يكون أحق به من ميت يحضر، كذا أفتى به العبادي والفقيه عماد الدين بن يونس لأنه لا يدري بأي أرض يموت، لكن الأولى أن لا يزاحم عليه.
ومقبرة أهل الحرب إذا اندرست ... جاز أن تجعل مقبرة للمسلمين ومسجدًا؛ لأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك).
قال: (ويكره المبيت بها)؛ لما فيه من الوحشة.
قال: (ويندب ستر القبر بثوب)؛ لأنه ربما ظهر ما يستحب إخفاؤه.
قال: (وإن كان) الميت (رجلًا)؛ لما ذكرناه.
وفي (البيهقي) (4/ 54) عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ستر قبر سعد بن معاذ بثوبه).

وَإِن يَقُول: (بسم اللّاه وَعَلَى مَلَّة رَسُول اللّاه صَلَّى اللّاه عَلِيّهُ وَسَلَّمَ).
وَلا يَفْرِش تَحُتّهُ شَيء وَلا مِخَدَّة  وقيل: يختص الستر بالمرأة وهو ظاهر النص، والقياس: إلحاق الخنثي بها.
قال: (وأن يقول: (باسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في القبر ... قال ذلك، رواه أبو داوود (3205) والترمذي (1046) وفي رواية له: (سنة) بدل: (ملة).
ويستحب أن يزيد في العناء ما يناسب الحال.
قال: (ولا يفرش تحته شيء ولا مخدة)؛ للنهي عن إضاعة المال، وفي (سنن البيهقي) (3/ 395) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أنه لما احتضر .... أوصى أن لا يجعلوا في لحده شيئًا يحول بينه وبين التراب.
وأوصي عمر رضي الله عنه أنهم إذا أنزلوه القبر ... يفضوا بخده إلى الأرض.
وقال البغوي: لا بأس أن يبسط تحت جنبه شيء؛ لأنه جعل في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء.
وأجاب الأصحاب بأن ذلك لم يكن صادرًا عن جملة الصحابة ولا برضاهم ولا عملهم، وإنما فعله شقران كراهية أن يلبسها أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي (الاستيعاب) (1/ 20): أن تلك القطيفة أخرجت قبل أن يهال التراب.
وعلي تقدير أن لا تكون أخرجت: ففي (الدارقطني) و (طبقات ابن سعد) (2/ 299) قال وكيع: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وعن الحسن رض الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (افرشوا لي قطيفتي في لحدي؛ فإن الأرض لم تسلط علي أجساد الأنبياء).

وَيَكْرَهُ دَفَنَهُ فِي تابُوت إِلّا فِي أَرُضّ نَدِيَّة أَو رَخْوَة.
وَيُجَوِّز الدَفْن لَيْلا، وَوَقَت كَراهَة الصَلاَة  و (المخدة) بكسر الميم جمعها: مخاد - بفتحها - سميت بذلك؛ لوضع الخد عليها.
ويستحب أن يجعل تحت خده لبنة أو حجرًا ويفضى بخده إليها.
قال: (ويكره دفنه في تابوت) بالإجماع، وتقدم الكلام قريبًا في لفظ تابوت.
قال: (إلا في أرض ندية أو رخوة) فلا يكره؛ للمصلحة، ويكون من رأس المال، كذا جزم به الشخان، وقال القفال: من الثلث، ولا تنفذ وصيته به إلا في هذة الحاله.
وكذلك إذا كان الميت حريقًا أو لديغًا ولا يمكن دفنه إلا كذلك، أو كانت امرأة لا محرم لها، قاله المتولي وغيره؛ لئلا يمسها الأجانب عند الدفن وغيره.
و (الرخوة): ضد الشديدة، وكسر رائها أفصح من فتحها وضمها.
قال: (ويجوز الدفن ليلًا) كما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وفاطمة وعائشة رضي الله عنهم.
ومذهب كافة العلماء: لا كراهة في ذلك خلافًا للحسن؛ فإنه كرهه تمسكًا بما روى مسلم (943): (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدفن ليلًا حتى يصلى عليه).
وهذا يبين أن المراد بذلك الهي عن تأخير الصلاة.
ولا يخفي أن الكلام في موتي المسلمين، أما أهل الذمة ... فإنهم لا يمكنون من إخراج جنائزهم نهارًا، وعلى الإمام منعهم من ذلك، ومن إظهار جنائزهم، ولا يظهروا على موتاهم لطمًا.
قال: (ووقت كراهة الصلاة)؛ لعموم: (أسرعوا بالجنازة)، ونقل ابن المنذر

إذَا لَم يَتَحَرَّهُ, وَغَيرُهُمَا أَفضَلُ.
ويُكرَهُ تَجصِيصُ القَبرِ, وَالبِنَاءُ وَالكِتَابَةُ عَلَيهِ,  الإجماع على جوازه بعد الصبح وبعد العصر, وقيس الباقي عليهما.
قال: (إذا لم يتحره)؛ لحديث عقبة بن عامر الذي في (صحيح مسلم) [831]: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن, وأن نقبر فيهن موتانا) , فإنه محمول على إذا تحرى هذه أوقات للدفن.
والصواب: أن الكرمة مختصة بالأوقات الثلاثة التي في الحديث لا بالوقتين المتعلقين بالفعل, والحديث لذلك, وإطلاق الكتاب يدل على خلافه.
وكلام المصنف صريح في عدم الجواز عند التحري وهو موافق للتحيرم في نظير المسألة من الصلاة في الأوقات المكروهة, إلا أنه صرح في (شرح المهذب) بكراهة الدفن في هذه الحالة, وهذا هو المعتمد.
قال: (وغيرهما أفضل) أي: غير الدفن ليلًا وغير وقت الكراهة؛ لأن النهار أيسر لاجتماع الناس, ولأن وقت الكراهة منهي عنه, وهذا قد يعترض عليه بالأمر بالإسراع بالجنازة.
قال: (ويكره تحصيص القبر, والبناء والكتابة عليه) سواء المكتوب اسم صاحبه أو في لوح أو ثوب وضع عليه؛ لما روى مسلم [970] عن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يبنى عليه) , وفي (الترمذي) [1052] و (الحاكم) [1/ 370]: (وأن يكتب عليه).
قال أبو زيد رحمه الله تعالى: إلا أن يخشى نبشه فيجوز أن يجصص ويبنى عليه؛ حتى لا يقدر النباش عليه.
ويظهر أن يكون مثله إذا خشي عليه نبش الضبع ونحوه.
و (التجصيص): التبييض بالجص وهو النورة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومن جهة المعنى: أن ذلك زينة وهي لا تتناسب حال الميت, بخلاف التطيين؛ فإنه لا بأس به.
وقال الإمام والغزالي: إنه كالتجصيص, وفيه بعد.
ونقل الترمذي عن الشافعي: أن التطيين لا يكره, وصححه المصنف تبعًا للنص؛ لأنه لا يقصد التزيين.
وظاهر كلام عامة الأصحاب: أنه مكروه سواء كان في ملكهأم في المقبرة.
وقال الماوردي: إنه ممنوع في ملكه وملك غيره.
وأما الكتابة .. فكرهها الجمهور.
قال الشيخ: سيأتي أن وضع شيء يعرف القبر به مستحب, فإذا كانت الكتابة طريقًا إلى ذلك .. ينبغي أن لا تكره, وينبغي أن تكون بقدر الحاجة إلى الإعلام فقط.
ويكره أن يبنى على القبر مسجدًا سواء كان الميت مشهورًا بالصلاح أم لا, وتكره الصلاة فيه؛ لما روى مسلم عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا قبري وثنًا؛ إنما هلك بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
قال الشافعي رضي الله عنه: وأكره أن يعظم مخلوقًا حتى يجعل قبره مسجدًا؛ مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس.
ثم إن المصنف جزم في (شرح المذهب) وفي (الفتاوى) بتحريم البناء, وذكر نحوه في (شرح مسلم) قبيل (الزكاة).
وإذا بلي الميت .. لم تجز عمارة قبره ولا تسوية التراب عليه في المقبرة المسبلة؛ لئلا يتصور بالقبر الجديد فيمتنع الناس من الدفن فيه.
ويكره أن يجعل على القبر مظلة؛ لأن عمر رأى قبة على قبر فنحاها وقال: (دعوه يظله عمله).

ولَو بُنِيَ فِي مَقبَرَةٍ مُسَبِّلَةٍ .. هُدِمَ.
وَيُندَبُ: أَن يُرَشَّ القَبرُ بِمَاءٍ,  وف (البخاري): لما مات الحسن بن علي, ضربت امرأته القبة على قبره سنة, ثم رفعت فسمعوا صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا, فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا.
قال: (ولو بني في مفبرة مسبلة .. هدم)؛ لأنه يضيق على المسلمين.
قال الشافعي رضي الله عنه: رأيت من الولاة عندنا بمكة من بهدم ما بني فيها ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك.
ولا فرق بين أن يبني قبة أو بيتًا أو مسجدًا أو غير ذلك.
فمن المسبل قرافة مصر؛ فإن ابن عبد الحكم ذكر في (تاريخ مصر): أن عمرو بن العاصي أعطاه المقوقس فيها مالًا جزيلًا وذكر أنه وجد في الكتاب الأول: أنها تربة الجنة, فكاتب عمر بن الخطاب في ذلك, فكتب إليه يقول: (إني لا أعرف تربة الجنة إلا لأجساد المؤمنين فاجعلها لموتاهم).
وقد أفتى الشيخ بهاء الدين ابن الجميزي وتلميذه الظهير التزمنتي.
بهدم ما بني بها.
والمراد ب (المسبلة): التي جرت عادة أهل البلد بالدفن فيها, وليس المراد المقبرة الموقوفة؛ فإن الموقوفة يحرم بالبناء فيها قطعًا, سواء كان البناء بيتًا أو قبة أو مسجدَا.
قال: (ويندب: أن يرش القبر بماء)؛ تفاؤلًا بالرحمة وتبريد المضجع, ولأن فيه حفاظًا للقبر عن التناثر.
و (قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر ولده إبراهيم ذلك) رواه أبو داوود [سيل 424] وغيره.

وَيُوضَعَ عَلَيهِ حَصَىً, وَعِندَ رَأسِهِ حَجَرٌ أَو خَشَبَةٌ, وَجَمعُ الأقَارِبِ فِي مَوضِعٍ , وَزِيَارَةُ القُبُورِ لِلرِجَالِ,  تتمة: يكره رش بماء الورد ونحوه, وأن يطلى بالخلوق قال المتولي: لأنه إسراف وإضاعة مال.
وهذا التوجيه يقتضي: التحريم.
ويكره رشه بالماء النجس, ويكره إيقاد النار عنده, واستلامه, وتقبيله, وأن ينصب عليه مظلة, وتكره مرثية الميت.
وروى البيهقي في (الشعب) [5315] وأبة عمر بن عبد البر (عاب 4/ 323] في ترجمة سيرين -بالسين المهملة- أخت ماريه القبطية أنها قالت: رأى النبي صلى الله عليه وسلم في قبر ولده إبراهيم فرجة فأمر بها فسدت, وقال: (إنها لا تضر ولا تنفع ولكن تقر عين الحي, وإن العبد إذا عمل شيئًا .. أحب إلى الله تعالى منه أن يتقنه).
قال: (ويوضع عيه الحصى)؛ لما روى الإمام الشافعي رضي الله عنه مرسلًا: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع على قبر ابنه إبراهيم حصى) [أم 1/ 273]. قال: (وعند رأسه حجر أو خشبة) , وقال الماوردي: وعند رجله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم وضع عند رأي عثمان بن مظغون صخرة وقال: (أتعلم قبر أخي؛ لأدفن إليه من مات من أهلي) رواه أبو داوود [3198]. قال: (وجمع الأقارب في موضع)؛ للحديث المذكور, ويقدم أفضلهم إلى القبلة, والمعنى فيه: تسهيل الزيارة على الزائر.
ويتجه إلحاق الزوجين والعتقاء والأصدقاء بالأقارب.
قال: (وزيارة القبور للرجال) بالإجماع, وكانت زيارته منهيًا عنها ثم نسخت بقوله صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها:.
والمختار: أن النساء لا يدخلن في ضمير الرجال.

وَتُكرَهُ لِلنِّسَاءِ, وَقِيلَ: تَحرُمُ, وَقِيلَ: تُبَاحُ,  وكان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع فيقول: (السلان=م عليكم دار قوم مؤمنين, وإنا بكم إنشاء الله لاحقون, اللهم؛ اغفر لأهل بقيع الغرقد (. وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال: (استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي, واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي, فزورو القبور؛ فإنها تذكركم الموت) روى الأحاديث الثلاثة مسلم [976/ 2]. والمراد: زيارة قبور المسلمين, أما غيرهم .. فقال الماوردي: يحرم.
والصحيح: الإباحة المجردة.
وقال الصيمري وغيره: لا يجوز القيام على قبر كافر.
وهو ظاهر القرآن.
قال: (وتكره للنساء)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة على قبر تبكي على صبي لها فقال لها: (اتقي الله واصبري) متفق عليه [خ 1252_ م 926] فلو كانت الويارة حرامًا لنهى عنها.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ -تعني: إذا زارت القبور- قال عليه الصلاة والسلام: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين, يرحم الله المستقدمبن منا والمستأخرين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) رواه مسلم [974]. نعم؛ يستثنى من ذلك قبر سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم؛ فزيارته من أعظم القربات للرجال والنساء.
واستثنى بعض المتأخرين قبور الأنبياء والأولياء والصالحين والشهداء رضي الله عنهم.
قال: (وقيل: تحرم)؛ لما روى ابن ماجه [1576] والترمذي [1056] عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور).
وليس هذا الوجه في (الروضة) , وبه قال صاحب (المهذب) وغيره.
قال: (وقيل: تباح) جزم به في (الإحياء) وصححه الروياني إذا أمن من الافتتان.

وَيُسَلِّمَ الزَّائِرُ وَيَقرَأَ وَيَدعُوَ 0  وقيل: إن كان لتجديد حزن ونحوه .. حرم, أو للاعتبار .. فلا, إلا أن تكون عجوزًا أولى؛ لظاهر الحديث.
قال: (ويسلم الزائر)؛ لحديث عائشة رضي الله عنها في المتقدم.
وروى مسلم [249]: أنه عليه الصلاة والسلام خرج إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دلر قوم مؤمنين, وإنا إن شاء الله بكم لا حقون) زاد أبو داوود [3231]: (اللهم؛ لا تحرمنا أجرهم, ولا تفتنا بعدهم).
وقال القاضي والمتولي: يستحب أن يقول الزائر: وعليكم السلام, ولا يقول: السلام عليكم؛ لأنهم ليسوا من أهل الخطاب.
زاد القاضي: اللهم رب الأجساد البالية والعظام النخرة, التي خردت من الدنيا وهي بك مؤمنة؛ أدخل عليها روحًا منك وسلامًا مني, اللهم؛ برد عليهم مضاجعهم واغفر لهم.
وقوله: (إن شاء الله) محمول على التبرك, وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
وقيل: (إن) بمعنى: (إذ) كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.
وقيل: معناه: اللحوق في تلك البقعة.
قال: (ويقرأ ويدعو)؛ لرجاء الإجابة.
ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة والبركة.
وأما ثواب القراءة .. فللقارئ.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: رأيت من أوصى بالقراءة عند القبر, وهو عندنا حسن, والرحمة تنزل عند ختم القرآن.
ويختار لمن حضر دفنه: أن يقرأ (سورة يس) , ويدعو له, ويترحم عليه.
وروى البيهقي في (شعبه) [9295] عن ابن العباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما الميت في قبره إلا كالغريق المتغوث, ينظر دعوة تلحقه من أب

وَيحرُمُ نَقلُ المَيِّتِ إَلَى بَلَدٍ آخَرَ -وَقِيلَ: يُكرَهُ- إِلاَّ أَن يَكُونَ يِقُربِ مَكَّةَ أَوِ المَدِينَةِ أَو بَيتِ المَقدِسِ نَصَّ عَلَيهِ  أو أم أو أخ أو صديق, فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها, وإن الله عز وجل ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال, وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم).
قال: (ويحرم نقل الميت إلى بلد آخر) أي: قبل دفنه كما صرح به في (الروضة) و (شرح المذهب) , أما بعد دفنه .. فسيذكره المصنف في مسألة النبش.
وإنما حرم نقله؛ لأن التعجيل بدفنه مأمور به, وفي نقله تعريضه للتغير وهتك لحرمته.
وفي (السنن الأرعة) عن جابر رضي الله عنه قال: (كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم, فجاء منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنا بدفن القتلى في مصارعهم فرددناهم) قال الترمذي: حسن صحيح.
ولو أوصى بنقله .. لم تنفذ وصيته.
قال الشيخ: قي الاستدلال بالحديث نظر؛ فإن قتلى أحد كانوا قريبين من المدينة, فكيف يراد بالنهي التحريم؟! والظاهر: أنه روعي في دفنهم في مصارعهم كونها مواضع الشهادة؛ ليبعثوا منها يوم القيامة على هيئتهم.
قال: (وقيل: (وقيل: يكره)؛ لأنه لم يرد في تحريمه دليل.
والظاهر: أن هذا الوجه مخصوص بما إذا لم يتغير.
قال: (إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس نص عليه)؛ لفضل هذه الأماكن, ففي (الدارقطني) [2/ 278] من حديث حاطب: (من مات بأحد الحرمين .. بعث من الآمنين يوم القيامة).
وقال الشيخ محب الدين الطبري: إذا كان بقرب قرية فيها صالحون .. فلا بأس بنقله إليها قياسًا.

وَنَبشُهُ بَعدَ دَفنِهِ لِلنَّقلِ وَغَيرِهِ حَرامٌ إلاَ لِضَرُورَةٍ, بِأَن دُفِنَ بِلاَ غُسلٍ, أَو فِي أَرضٍ أَو ثَوبٍ مَغصُوبَينِ,  ونقل عن بعض مجموعات ابن أبي الصيف اليمني: أنه يجوز نقله بعد دفنه إلى الأماكن الثلاثة إذا أوصى بذلك؛ لأن يوسف عليه الصلاة والسلام نقل يعد سنين كثيرة ودفن إلى جوار إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام, وهذه القصة خرجها ابن حبان من حديث أبي موسى.
كل هذا إذا لم يوجب نقله تغيرًا, فإن أوجبه .. حرم مطلقًا.
قال: (ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام)؛ لأن فيه هتكًا لحرمته.
قال: (إلا للضرورة, بأن دفن بلا غسل)؛ فإنه يجب نبشه تداركًا للواجب.
وفي قول: لا, بل يكره.
فعلى الأول: شرطه: أن لا يتغير بالنتن أو التقطع.
وقيل: ينبش إذا بقي منه جزء من عظم أو غيره.
وقيل: ما لم يتقطع.
ولو عم الماء القبر وغيره .. ففي نبشه وجهان.
قال: (أو في أرض أو ثوب مغصوبين)؛ ليصل المستحق إلى حقه.
وفي الثوب وجه ثان: أنه كالتلف.
والشرط في ذلك: أن يطالب بهما صاحبهما, ويندب له أن يترك طلب ذلك, فإن أبى .. نبش وإن تغير.
وأما إذا دفن في مسجد ونحوه, فإن ضيق على المصلين .. نبش ونقله إلى المقبرة.
وفي (فتاوى القفال): دفن في البيوت ابتداء مكروه واحتج: (أنه صلى الله عليه وسلم أذن لامرأة في نقل ميتها إلى مدافن قومها).

أَو وَقَعَ فِيهِ مَالٌ  ولو لم يجد إلا الثوب المغصوب .. فظاهر كلام الإمام وابن كج: أنه لا ينبش.
قال الرافعي: وإذا كفن الرجل في الحرير .. فعلى الأوجه في المغصوب.
قال المصنف: ولم أره لغيره وينبغي القطع بعدم النبش بخلاف المغصوب, وما قاله ظاهر.
قال: (أو وقع فيه مال)؛ لأن تركه إضاعة له وقد نهي عنها, واستدلوا له بأن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (خاتمي!) ففتح موضع فيه فأخذه, فكان يقول: (أنا ٌربكم عهدًا برسول الله صلى الله عليه وسلم).
قال الشيخ: هكذا ذكره الأصحاب, ولا شك أن هذا اللفظ باطل؛ أعني قوله: (ففتح موضع فيه) , ورسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على المؤمنين من ذلك, فهذه زيادة باطلة قطعًا, وأما بدون هذه الزيادة .. فذكره ابن سعد [2/ 302] والحاكم [3/ 448] وقال: إنه لا يصح, فلا دليل فيه للأصحاب.
وقيد صاحب (النهذب) وجوب النبش بما إذا طلب صاحب المال.
قال المصنف: ولم يوافقوه على هذا.
قال الشيخ: ولفقه عليه ابن عليه ابن أبي عصرون.
ولو بلع الميت مالًا لغيره .. فأصح الطريقين: أنه إذا صاحبه .. شق جوفه ورد إليه؛ لأنه متعد بالابتلاع, إلا أنا في الحياة لا نشق بطنه؛ لأن فيه هلاكه, وبعد الموت ليس فيه هذا المعنى.
والثاني: وجهان: أصحهما هذا.
والثاني: تجب قيمته في تركه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (كسر عظم الميت ككسره حيًا) رواه أبو داوود [3199] وابن ماجه [1616] والبيهقي [4/ 58] , ولو كان ذلك في حال الحياة .. لم يشق فكذلك بعد الموت.
وقيل: إن ضمن الورثة قيمته أو مثله .. لم يشق, وإلا .. شق.
ولو بلع جوهرة لنفسه .. لم يشق على الأصح في زوائد (الروضة)؛ لأنه استهلكها في حياته فلم يتعلق بها حق الورثة.

أَو دُفِنَ لِغَيرِ القِبلَةِ, لاَ لِلتَكفِينِ فِي الأَصَحِّ  قال: (أو دفن لغير القبلة) فيجب نبشه استدركًا للواجب؛ فإن الدفن إلى القبلة واجب خلافًا للقاضي أبي الطيب حيث قال: إنه مستحب, فيستحب نبشه, اللهم إلا أن يتغير .. فإنه لا ينبش.
قال: (لا للتكفين في الأصح)؛ لأن الغرض منه الستر وقد حصل بالتراب, وهو أولى من هتك حرمته بالنبش.
والثاني: نعم كما لو دفن من غير غسل؛ لأن كل واحد منهما واجب.
فرع: لو لحق الأرض نداوة أو سيل قال الزبيري: يجوز نقله منها, ومنعه غيره.
قال المصنف: قول الزبيري أصح, واستدل له بما رواه البخاري [1351] عن جابر بن عبد الله رضي الله عنع: أنه دفن أباه مع رجل آخر في قبر, قال: (ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر, فاستخرجه بعد ستة أشهر فإذا هو كهيئته يوم وضعته! وجعلته في قبر على حده).
قال الشيخ: وهذا الحديث يقتضي جواز النبش والنقل لهذا الغرض وهو مشكل, وهذا النبش كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم, ولا شك أن جابرًا رضي الله عنه إنما فعل ذلك بعد استئذان النبي صلى الله عليه وسلم, فإما أن يكون للأصحاب جواب عنه, وإما أن يقال: إن النقل لمصلحة الميت جائز مطلقًا.
وإذا قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة, أو أنثى فطلقتين, فولدت ودفن واختلفا .. فلأصح: جواز نبشه لذلك.
وكذا إذا دفن بلا صلاة ونصب عليه اللبن فقط, أما بعد إهالة التراب .. فيصلى على القبر؛ لقلة المشقة فيه بنصب اللبن, لأنه لا يسمى نبشًا.
والكافر إذا دفن في الحرم .. نبش.
وسيأتي قبيل (العتق) أن الميت ينبش للعرض على القافة, وإذا شهد عليه بشهادة وكان لا يعرف إلا بصورته, وإذا بلي الميت.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أما إذا انهدم القبر .. فيخبر أولياء الميت بين أن يتركوه بحاله, وبين أن ينبشوه ويصلحوه, وبين أن ينقلوه إلى غيره.
فرع: إذا ماتت امرأة وفي جوفها ولد ترجى حياته – بأن يكون له أكثر من يتة أشهر – شق جوفها وأخرج؛ لأن فيه استبقاء حي محترم بإتلاف جزء من ميت, فوجب كأكل المضطر ميتة الآدمي.
وفي (فتاوى قاضي خان) الحنفي: يشق من الجانب الأيسر, وقد تقدم عند الصلاة على الغائب: أن قيصر شق عنه جوف أمه بعد موتها وأخرج.
وإن لم ترج حياته؛ بأن تموت وهو دون ستة أشهر, أو كان له ثمانية أشهر .. فهذا المسألة لا نص فيها للإمام الشافعي رضي الله عنه, وفيها ثلاثة أوجه: أصحها: لا يشق, بل تترك حتى يموت الجنين فتدفن, وقيل: تمسح القابلة بطنها لعله يخرج.
والثاني: يشق بطنها ويخرج.
وعلى هذا: قال البندنيجي: ينبغي أن يشق في القبر, وقال الروياني: عندي أنه يشق قبله.
والثالث: أنه يوضع عليه شيء ليموت ثم تدفن, وهو غلط وإن حكاه جماعة.
ووجهه: أنه لا يمكن دفنها وهو حي بلا خلاف, ولا تأخير دفنها إلى موته؛ لأن فيه تأخير دفنها الواجب على الفور, فتعين أن يفعل به ذلك, لأن حياته وإن تحققت كلا حياة.

وَيُسَنُّ أَن يَقِفَ جَمَاعَةٌ بَعدَ دَفنِهِ عِندَ قَبرِهِ سَاعَةً يَسأَلوُن َلَهُ التَّثبِيتَ, ......

 قال: (ويسن أن يقف جماعة بعد دفنه عند قبره ساعة يسألون له التثبيت)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن ميت .. وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل) رواه البزار [445] وأبو داوود [3213] والحاكم [1/ 370] والبيهقي [4/ 56] من رواية عثمان ابن عفان رضي الله عنه قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وقال عمرو ابن العاصي رضي الله عنه: (أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور وبقسم لحمها؛ حتى أستأنس بكم, وأعلم بماذا أراجع رسل ربي) رواه مسلم [121]. فرع: استحب القاضي حسين ونصر المقدسي وغيرهما تلقين الميت المكلف بعد الدفن؛ مستدلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم لقن ولده إبراهيم, وهو غريب.
ولم يزل أهل الشام على العمل به, فيقعد الملقن عند رأس القبر ويقول: (يا عبد الله ابن أمة الله! اذكر العهد الذي فارقتنا عليه: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمد عبده ورسوله, وأن الجنة حق, وأن النار حق, وأن البعث حق, وأن الساعة آتية لا ريب فيها, وأن الله يبعث من في القبور, وأنك رضيت بالله ربًا, وبالإسلام دينًا, وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا, وباقرآن إماما, وبالكعبة قبلة, وبالمؤمنين إخوانًا) رواه أبو عوانة والطبراني في أكبر (معاجمه) [8/ 249] , وله شواهد كثيرة يعضد بعضها بعضًا.
وفي زوائد (الروضة): أن الطفل ونحوه لا يلقن.
وحكى ابن الصلاح وجهين: في أن التلقين قبل إهالة التراب, أو بعده؟ قال: المختار الأول.

وَلجِيرَانِ أهلِهِ تَهيِئَةُ طَعَامٍ يُشبِعُهُم يَومَهُم وَلَيلَتهُم,  وقال ابن عبد السلام في (فتاويه): التلقين بدعة لم يصح فيه شيء.
وروى البخاري [1338] ومسلم [2870] عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه .. إنه ليسمع قرع نعالهم, إذا انصرفوا .. يأتيه ملكان فيقعدانه ويقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله, فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا في الجنة فيراهما جميعًا, وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدرس كنت أقول ما يقول الناس, فيقال له: لا دريت ولا تليت, ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين).
وفي (البخاري) [1369] عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أقعد المؤمن في قبره ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .. فذلك لقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ﴾.
قال: (ولجيران أهله تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم) هذا مسنون لهم ولأقربائهم الأباعد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد جاءهم ما يشغلهم) حسنه الترمذي [998] وصححه الحاكم [1/ 372] , ولأنه بر ومعروف.
وإنما عبر ب (جيران أهله) لا بجيران الميت - كما عبر به الرافعي والشيخ في (التنبيه) - ليدخل ما إذا كان الميت في بلد وأهله في غيره, فيستحب لجيران الأهل فعل ذلك.
وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه .. فبدعة مستقبحة, روى أحمد [2/ 204] وابن ماجه [1612]- بإسناد صحيح - عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة).

وَيُلَحُّ عَلَيهِم ِفي الأَكلِ, وَيَحرُمُ تَهيِئَتُهُ لِلنَائِحَاتِ, واللهُ أَعلَمُ  قال: (ويلح عليهم في الأكل)؛ لأن الحزن يمنعهم من ذلك فيضعفون.
قال: (ويحرم تهيئته للنائحات والله أعلم)؛ لأنه عون على معصية الله تعالى.
تتمة: أطلق المصنف وغيره: أنه إذا بلي الميت وصار ترابًا .. يجوز نبش قبره ودفن غيره فيه, ويرجع في ذلك إلى أهل الخبرة بتلك الناحية.
وقال الموفق ابن حمزة الحموي في (مشكل الوسيط): إذا كان المدفون صحابيًا أو ممن اشتهرت ولايته .. لا يجوز نبش قبره عند الانمحاق, وما قاله ظاهر.
وإذا بلي الميت .. لم يجز عمارة قبره وتسوية التراب عليه في المقابر المسبلة.
ونقل عن المتولي: أنه لو وقف على المقبرة وعمارة القبور .. لا يصح.
وقال في (الوصايا): تجوز الزصية لعمارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين لما فيه من إحياء الزيارة والتبرك بها.
اهـ وقضيته تصحيح الوقف عليها لذلك خاصة, قيحمل كلام المتولي على غير هذه الصورة.

خاتمة ختن الله لكاتبه بخير صح أن: (موت الفجاة أخذه أسف) وروي: (أنه صلى الله عليه وسلم استعاذ من موت الفجأة).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وروى المصنف عن أبي السكن الهجري: (أن إبراهيم وداوود وسليمان عليهم الصلاة والسلام ماتوا فجأة) , ويقال: إنه موت الصالحين.
وحمل الجمهور الأول: على من له تعلقات تحتاج إلى الإيصاء والتوبة, أما المتيقظون المستعدون .. فإنه تخفيف ورفق بهم.
وعن ابن مسعود وعائشة: (أن موت الفجأة راحوا للمؤمن, وأخذة غضب للفاجر).
وصح أن: (الميت يبعث في ثيابه التي مات فيها) فقيل: المراد ب (الثياب): العنل, واستعمله أبو سعيد الخدري على ظاهره,, لما حضره الموت .. دعا بثياب جدد فلبسها.
ومن قال بهذا .. يحتاج أن يجيب عن كونهم يحشرون عراة: بأن البعث غير الحشر.
والله سبحانه أعلم

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل