. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهان:
أحدهما: حكى الرافعي والمصنف في استحباب ذكر الصداق في هذا العقد قولين، الجديد: استحبابه، قال الشيخ كمال الدين النشائي: وهو الحق، ونوزع في ذلك بأن في نسخة والده التي هي أتقن نسخ (الرافعي): أن الجديد عدم الاستحباب، وهو الصواب الذي عليه المحققون.
وتتلخص في ذكر المهر أقوال:
أحدها: الوجوب، وهو غريب حكاه البيهقي عن القديم.
والثاني: الاستحباب، وهو في (الإملاء)، وفي القديم أيضًا.
والثالث: عدم الاستحباب، وهو الجديد الراجح.
الثاني: أن الوطء هنا خلا عن المهر والعقوبة، وذلك في مسائل منها هذه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها: إذا أعتق المريض أمة هي ثلث ماله وتزوج بها ومات وطالبت بالمهر .. فيجب لها منه بقسط ما عتق، ويبطل النكاح بخروجها عن كونها الثلث؛ فإن الاعتبار بالثلث بعد قضاء الدين، وإذا لم تخرج من الثلث .. رق بعضها، وحينئذ لا يصح تزويجها للحر، فأما إذا عفت عن المهر .. فيصح النكاح، وإن لم يدخل بها .. صح أيضًا ولا مهر.
ومنها: إذا فوضت الكافرة بضعها لكافر، واعتقادهم أنه لا مهر للمفوضة ودخل بها ثم أسلما .. فلا شيء لها، ذكره الرافعي في (نكاح المشركات).
ومنها: إذا وطىء المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن مع الجهل بالتحريم وطاوعته، وقياسه يأتي في عامل القراض والمستأجر ونحوهما.
ومنها: وطء النبي صلى الله عليه وسلم من خصائصه أنه لا يجب عليه مهر وإن لم يكن العقد بلفظ الهبة.
ومنها: إذا استرق الكافر مسلمًا وجعله صداق امرأته وأقبضها إياه ثم أسلما .. فإن الحر ينزع من يدها، وقد جنح الرافعي في بحثه إلى أنه لا يجب مهر كما إذا أصدقها خمرًا وأقبضها ثم أسلما، وهو على ما نقوله خال عن العقر والعقوبة؛ لأن الحر لا يكون صداقًا، ولا يقر في أيديهم.
ومنها: إذا تزوج السفيه رشيدة بلا إذن ووطىء .. فلا مهر على الأصح كما تقدم.
ومنها: إذا وطىء العبد جارية سيده بشبهة، أو وطىء سيدته بشبهة.
ومنها: إذا وطئت حربية بشبهة .. فإنه لا يضمن بضعها كما لا يضمن مالها، وكذلك إذا وطئت ميتة بشبهة، ذكرهما الرافعي في آخر (الردة)، وكذلك إذا وطىء مرتدة وماتت على ردتها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ملغزة: أتعرفُ من قد باع في مهر أمه .... أباهُ فوفَّاها بذاكَ صداقَها صورتها: عبد تزوج حرة؛ فأولدها ولدًا ذكرًا، ثم طلقها؛ فتزوجها مولاه، وطالبته بصداقها فأعسر به، ولم يكن له مال سوى العبد، فدفعه لها في صداقها، فوكلت ابن العبد في بيع أبيه.
تتمة:
يستحب لمن ملك أمة أن يعتقها ويتزوجها؛ ليؤتى أجره مرتين، فإذا قال لها: أعتقتك على أن تنكحيني، أو على أن أنكحك .. لم تعتق إلا بالقبول، وأصح الروايتين عن أحمد: أنها تعتق وتصير زوجة بالمخاطبة التي جرت بينهما إن حضرهما شاهدان، وعندنا: يجب عليها قيمتها للسيد؛ لأنه لم يعتقها مجانًا، إنما أعتقها على عوض فاسد، سواء وفت بالنكاح المشروط أم لا.
وقال أبو حنيفة: إن وفت .. فلا قيمة عليها، وعن مالك: لا قيمة عليها بحال.
فإذا لم يأمن السيد وفاءها بالنكاح ولم يرد العتق مجانًا .. فقال ابن خيران: طريقه أن يقول: إن كان في علم الله أني أنكحك أو تنكحيني بعد عتقك .. فأنت حرة، فإن رغبت وجرى النكاح بينهما .. عتقت وحصل الغرض، وإلا .. استمر الرق.
وقال صاحب (التقريب): إن يسر الله بيننا نكاحًا .. فأنت حرة قبله بيوم، وقال أكثر الأصحاب: لا يصح في هذه الصورة، ولا يحصل العتق؛ لأنه في حال النكاح شاك في أنها حرة أو أمة، واختار الشيخ ما قالاه وفاقًا للغزالي.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خاتمة
زوج أمته ثم قال: كنت محجورًا علي أو مجنونًا وأنكر الزوج، فإن لم يعهد للسيد ما يدعيه ولا بينة .. فالقول قول الزوج مع يمينه، وكذا لو قال: زوجتها وأنا محرم، أو قال: لم تكن ملكي يومئذ ثم ملكتها.
ولو ادعت المنكوحة - وهي ممن يعتبر إذنها - أنها زوجت من غير إذن .. ففي (فتاوى البغوي): لا يقبل قولها بعد ما دخلت عليه وأقامت معه، كأنه جعل الدخول بمنزلة الرضا.
أما إذا عهد بالسيد المزوج جنون أو حجر أو قال: زوجتها وأنا صبي .. فأيهما يصدق بيمينه؟ قولان خرجهما الشيخ أبو زيد: أظهرهما عند الشيخ أبي علي وغيره: أن المصدق الزوج؛ لأن الغالب جريان العقد صحيحًا، ولأنه صح ظاهرًا والأصل دوامه.
وسأل شيخنا الشيخ جمال الدين شيخه الشيخ شرف الدين البارزي عما إذا ثبت على الغائب دين وباع الحاكم عليه أعيانًا من ماله فلما قدم .. قال: كنت قد وقفتها أو أعتقت العبد أو بعته، فهل يصدق بيمينه وينقض بيع الحاكم؛ لأنه لم يصدر منه ما ينافي اعترافه، أو لا، كما لو باشر بنفسه أو بوكيله؛ لأنه متهم؟
فأجاب: لا يقبل قوله: إنه أعتق أو وقف أو باع بلا بينة؛ لأنه متهم في ذلك، والأصل بقاء الملك، ولأنه يؤدي إلى عدم استقرار حكم الحاكم، هذا لفظه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمسألة نقل فيها الرافعي هنا عن أبي علي السنجي عن نص الشافعي: أنه يصدق المالك وينقض البيع ويرد الثمن على المشتري، بخلاف ما لو باعه بنفسه أو وكيله ثم ادعى ذلك .. فإنه لا يقبل؛ لأنه سبق منه ما يناقضه.
وفي (الحاوي) في (باب بيع اللقيط): لو وجد عبدًا وعرفه سنة وملكه، ثم باعه الواجد، ثم حضر المالك فذكر أنه كان قد أعتقه قبل البيع .. نص الشافعي على أن القول قوله.
وفي (الكفاية) في (النكاح): لو زوج الحاكم في غيبة الولي ثم قدم وقال: كنت زوجتها في الغيبة .. قال أصحابنا: نكاح الحاكم مقدم، وهذا بخلاف ما لو غاب مالك العبد فباعه السلطان في وفاء دين الغائب ثم حضر وقال: إنه كان باعه في الغيبة .. نص الشافعي على أن بيع المالك أولى، فتخلص أن جواب البارزي خلاف المنصوص، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في (كتاب الإقرار) في قول المصنف: (وليكن المقر به في يد المقر) والله أعلم بالصواب.
كتَابُ الصَّدَاقِ
كِتَابُ الصَّدَاقِ