النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 87-126
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَكَذَا مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَمَتَى كَانَ الْأَقْرَبُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْصِّفَاتِ .. فَالْوِلَايَةُ لِلأَبْعَدِ .....

 طريق موصلة إلى العلاج، إلا النقص الداخل من جهة نقصان الزيت فليس له بدونه صلاح.
قال: (وكذا محجور عليه بسفه على المذهب)؛ لأنه ممنوع من عقد النكاح لنفسه فلا يجوز أن يعقده لغيره.
والطريقة الثانية: وجهان: أحدهما هذا.
والثاني: يلي؛ لأنه كامل النظر في أمر النكاح، وإنما الحجر عليه؛ لأجل المال.
والمراد ب (السفيه) هنا: من بلغ مبذرا، أو رشيدا ثم بذر وحجر عليه، فلو لم يحجر عليه ووجد التبذير المقتضي للحجر .. قال الرافعي: ينبغي أن لا يمنع، وإليه أشار المصنف بتقييده ب (الحجر)، وهو ظاهر نص (الأم)، فالسالب للولاية مجموع الأمرين: السفه مع الحجر.
وخرج ب (السفه) حجر المرض وحجر الفلس، فلا يمنعان الولاية؛ لأن ذلك ليس بخلل فيه، بل لحق الغير.
وتوكيل المحجور عليه بسفه في طرفي النكاح كتوكيل العبد، فيصح في القبول دون الإيجاب على الصحيح.
قال: (ومتى كان الأقرب ببعض هذه الصفات) وهي: الرق والصبا والجنون واختلال النظر بهرم أو خبل وحجر سفه، وكذلك الفسق والكفر.
قال: (.... فالولاية للأبعد)؛ لخروج الأقرب عن كونه وليا، ولأنه صلى الله

وَالإِغْمَاءُ إِنْ كَانَ لَا يَدٌومُ غالبا .. انْتُظِرَ إِفَاقَتُهُ، وَإِنْ كَانَ يَدُومُ أَيَّاماّ .. انْتُظِرَ،  عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى الحبشة يتزوج له أم حبيبة بنت أبي سفيان، زوجها منه خالد بن سعيد بن أبي وقاص كما قاله ابن إسحاق والشافعي] أم 5/ 16 [وآخرون، أو عثمان بن عفان كما قاله عروة والزهري وغيرهما، وكلاهما ابن عم أبيها، وكان أبوها كافرا حيا، وهذه القصة أجمع عليها أهل المغازي.
وإذا ثبت ذلك في الكفر .. قسنا عليه الباقي، فإذا زالت الموانع .. عادت الولاية كما أفهمه لفظ (متى).
هذا في المناسب، أما الولاء، فلو أعتق أمة ومات عن ابن صغير وأب .. لم يكن للأب تزويجها، نص عليه، كما حكاه في (الكفاية) في آخر (باب الولاء)، وبه جزم البغوي في (فتاويه).
قال: (والإغماء إن كان لا يدوم غالبا .. انتظر إفاقته) كما ينتظر النائم، فلا يزوج غيره.
قال: (وإن كان يدوم أياما .. انتظر)؛ لأنه قريب الزوال كالمرض العارض، فعلى هذا: قال البغوي وغيره: تنتظر إفاقته كالنائم، وقال الإمام: تعتبر مدته بالسفر، وترجع معرفته إلى أهل الخبرة، فإذا قالوا: أنه من القسم الثاني .. جاز تزويجها في الحال.
وتعبيره ب (الأيام) يقتضي اعتبار ثلاث، وهو كذلك في (المحرر) تبعا للغزالي، والذي في (الروضة) و (الشرحين) يوما أو يومين فأكثر.

وَقِيلَ: الْوِلَايَةُ لِلأَبْعَدِ.
وَلَا يَقْدَحُ الْعَمَى فِي الْأَصَحِّ  قال: (وقيل: الولاية للأبعد) كالمجنون والسكران الذي سقط تمييزه بالكلية، فكلامه لغو، فإن بقي له تمييز ونظر .. فالمذهب: أنه لا يزوج وتنتظر إفاقته.
قال الشيخ: لم يسلكوا بالإغماء هنا مسلكه في الوكالة؛ لأن الأكثرين فيها لم يفرقوا بين طويل المدة وقصيرها، وهنا اتفقوا على التفرقة بين ما يدوم وبين ما لا يدوم، والفرق بين البابين اختلاف المأخذ فيهما، فالوكالة جائزة؛ لضعفها تزول بالإغماء، وولاية النكاح ثابتة للولي قوية، ولا يزيلها اليسير منه، وإنما يزيلها ما يفوت النظر في حق المولى عليها، قال: ومن هذا يعلم أنه لا ينبغي أن يلحق بالوكالة غيرها من الولايات التي هي أقوى رتبة منها كولاية القضاء والإمامة العظمى ونحوهما، وإطلاق القول بأن الإغماء موجب للانعزال بعيد.
قال: (ولا يقدح العمى في الأصح)؛ لا خلاف أن للأعمى أن يتزوج، وهل له أن يزوج بالولاية؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأن المقصود يحصل بالبحث مع الغير والسماع منه.
وإنما لم تقبل شهادته فيما تحمله بعد العمى؛ لتعذر التحمل.
واحتجوا له أيضا بأن شعيبا زوج ابنته من موسى عليهما الصلاة والسلام ولم يثبت ذلك.
وقال الشيخ: الحق أنه لم يعم نبي أبدا، وإن ما حصل ليعقوب عليه الصلاة والسلام غشاوة وزالت، فعلى هذا: له أن يوكل.
والثاني: أن العمى يمنع الولاية؛ لأنه نقص يؤثر في الشهادة فأشبه الصغر.
وإذا قلنا يلي والصداق عين .. لم يثبت المسمى إن منعنا شراء الغائب، كذا قاله الشيخان في (البيع).

وَلَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ عَلَى الْمَذْهبِ،  ويجري الخلاف في ولاية الأخرس الذي له كتابة أو إشارة مفهمة.
وقيل: يزوج قطعا، فإن لم تكن مفهمة .. فلا ولاية له.
قال: (ولا ولاية لفاسق على المذهب)؛ لأن الفسق نقص يقدح في الشهادة فيمنع الولاية كالرق.
وروى الشافعي] شم 1/ 220 [رضي الله عنه بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا نكاح إلا بولي مرشد) قال الشافعي: أراد ب (المرشد): العدل، قال أحمد: وهو أصح شيء في الباب، وبهذا قال أحمد في أصح الروايتين عنه.
والقول الثاني: أنه يلي؛ لأن الفسقة لم يمنعوا من التزويج في عصر الأولين، وهذه أشهر الطرق كما قاله الرافعي.
والطريق الثاني: القطع بالمنع، وهو قضية إيراد أبي علي بن أبي هريرة والطبري وابن القطان.
والثالث: القطع بأنه يلي.
والرابع: يلي الأب والجد فقط مع الفسق دون غيرهما، والفرق كمال شفقتهما وقوة ولايتهما.
والخامس: عكسه، والفرق أنهما مجبران، فربما وضعاها تحت فاسق مثلهما، وغيرهما يزوج بالإذن، فإن لم ينظر لها .. نظرت لنفسها.
والسادس: إن كان فسقه بشرب الخمر .. لم يل؛ لاضطراب نظره، وإن كان بسبب آخر .. يلي.
والسابع: يلي المستثمر بفسقه دون المعلن.
والثامن: يلي الغيور دون غيره.
وفي (رحلة ابن الصلاح): أن إمام الحرمين قال بهذا التفصيل، وأن فخر الإسلام الشاشي قال: لا وجه له؛ إذ لو جاز هذا في الولاية .. لجاز في الشهادة،

وَيَلِي الْكَافِرُ الْكَافِرَةَ  فيقال: إذا كان الفاسق كريم النفس صدوق اللهجة .. تقبل شهادته ويلي القضاء، نعم؛ يستقيم على مذهب أبي حنيفة؛ فإن لهم في الشهادة هذا التقسيم.
والتاسع: إن كان الفاسق رشيدا في دنياه .. ولي، وإن كان مبذرا .. فلا.
وأطلق بعضهم الخلاف، وقيده المتولي بما إذا كان الفاسق غير محجور عليه، فإن كان محجورا عليه .. فلا.
وأفتى الغزالي بأنه إذا أدى السلب إلى تزويج حاكم فاسق .. ولي، وإلا .. فلا، واستحسنه المصنف، واختاره ابن الصلاح، وقواه الشيخ تفريعا على انعزال القاضي بالفسق.
وإذا قلنا: الفسق سالب .. زوج البعيد على الأصح، وقيل: السلطان.
قال البغوي: وإذا تاب .. زوج في الحال، وقال المتولي نحوه في العضل.
قال الرافعي: والقياس- وهو المذكور في (الشهادات) - اشتراط الاستبراء، وفي أصحاب الحرف الدنية كالكناس والحجام وجهان: قال المصنف: المذهب: القطع بأنهم يلون.
والأصح: أن للفاسق أن يتزوج بنفسه.
ويستثنى من إطلاق المصنف وغيره الإمام الأعظم؛ فإنه يزوج بناته وبنات غيره بالولاية العامة على الأصح؛ تفخيما لشأنه، كذا صححه الرافعي، وكأنه قلد فيه البغوي.
وقال المتولي: إن الأصحاب منعوا ذلك في بنات نفسه وصححوه في بنات غيره؛ لأن مستنده في الغير الولاية العامة والفسق لا ينافيها، بخلاف الولاية الخاصة.
قال: (ويلي الكافر الكافرة) ويجبرها وإن كانت صغيرة سواء زوجها من كافر أو مسلم؛ لأنه قريب ينظر بالمصلحة، وقال تعالى:} والذين كفروا بعضهم أولياء بعض {.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال الرافعي: وشرط ولايته أن لا يرتكب محرما من دينه، فإن ارتكبه فكالفاسق.
قال في (الدقائق): قوله: (الكافرة) أشمل من قول (المحرر): ابنته الكافرة؛ لأن أخته وغيرها كذلك، وخالف الحليمي فقال: لا يلي الكافر الكافرة إذا أراد المسلم أن يتزوج بها، بل يزوجه بها قاضي المسلمين، وصححه ابن يونس.
وهل يزوج اليهودي النصرانية؟ قال الرافعي: يمكن أن يلحق بالإرث، ويمكن أن يمنع، وقال في (الكفاية): قطع أصحابنا بأنه لا يؤثر كالإرث، لكن لنا صورة يزوج فيها المسلم الكافرة وهو السيد؛ فإنه يزوج أمته إذا كانا كذلك على الأصح؛ لأنه يزوجها بالملك، وإن قلنا بالولاية .. فلا.
وكذلك السلطان في نساء أهل الذمة إذا لم يكن لها ولي خاص، أو كان لها ولي وعضلها.
والمرتد ليس له ولاية على أحد.
ولا يزوج كافر مسلمة إلا أمته وأم ولده على وجه قاله الفوراني.
ولو كان لنصرانية أخ يهودي وأخ نصراني وأخ مجوسي .. استووا في الولاية عليها كما يشتركون في ميراثها، وهل للقاضي أن يزوج المجوسية المجبرة؟ فيه وجهان في (طبقات العبادي): عن أبي بكر الفارسي الجواز، وعن أبي بكر المروزي المنع.

وَإِحْرَامُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ الْزَّوْجَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ،  قال: (وإحرام أحد العاقدين أو الزوجة يمنع صحة النكاح)؛ لأن المحرم مسلوب العبارة في عقد النكاح استقلالا وولاية ووكالة في كل من طرفي الإيجاب والقبول، سواء كان في حج أو عمرة، صحيحا كان أو فاسدا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) رواه مسلم] 1409 [من حديث عثمان.
وروى الدارقطني] 3/ 261 [عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتزوج المحرم ولا يزوج).
وروى مالك] 1/ 349 [: أن عمر رد نكاح رجل تزوج وهو محرم.
وروى البيهقي] 5/ 66 [عن سعيد بن المسيب: أن رجلا تزوج وهو محرم .. فأجمع أهل المدينة على أنه يفرق بينهما.
فمذهب الشافعي: أنه يحرم على المحرم عقد النكاح، ولا يصح منه، ولا فدية؛ لعدم حصول المقصود، وبه قال مالك وأحمد، ويفرق بينهما بغير طلاق.
وقال أبو حنيفة والثوري: يصح نكاح المحرم ولا يحرم.
لنا: الآثار المتقدمة.
واحتج المخالف بما روى الشيخان] خ 1837 - 1410 [عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم).

وَلَا يَنْقُلُ الْوِلَايَةَ فِي الْأَصَحِّ، فَيُزَوِّجُ الْسُّلْطَانُ عِنْدَ إِحْرَامِ الْوَلِيِّ، لَا الْأَبْعَدُ  وجوابه: أنه روى عن ابن عباس أيضا: أنه تزوجها وهو حلال فتعارضا وسقطا، وروى مسلم] 1411 [وغيره عنها: أنها قالت: (تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف).
وقال أبو رافع: تزوجها وهو حلال، وكنت السفير بينهما، حسنه الترمذي] 841 [، وقال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس فيه، وعند الخصم: أن الراوي إذا وهمه بعض السلف .. لم يعمل بروايته، وأيضا ابن عباس إذ ذاك كان ابن ست سنين، وإن سلم .. فذاك من خواصه، أو يكون معنى قوله: (وهو محرم) أي: في الحرم أو في الشهر الحرام كقول الشاعر] من الكامل [: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما .... ودعا فلم أر مثله مخذولا أو أنه كان يرى أن من قلد هديه أو أشعره .. صار محرما فيحتمل أن يكون رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
وقال ابن عبد البر: رواية: (أنه تزوجها وهو حلال) تواترت عن ميمونة، قال: ولا أعلم أحدا من الصحابة وافق ابن عباس على رواية أنه كان محرما.
وسواء في ذلك الإحرام الصحيح والفاسد.
وقيل: لا يمنع الفاسد، وينعقد بشهادة المحرم على الصحيح، وتصح الرجعة في الإجرام على الأصح، ومن فاته الحج .. لا يصح نكاحه قبل التحلل على الأصح في زوائد (الروضة)؛ لأنه محرم.
قال: (ولا ينقل الولاية في الأصح)؛ لبقاء الرشد والنظر.
والثاني: ينقلها إلى الأبعد كالجنون، فلا ينتظر تحلله ولو بقيت له ساعة، كما لا ينتظر بلوغ الصبي باستكمال السن وعتق العبد بوجود الصفة وإن بقيت له ساعة، لا جرم قال في (المطلب): هذا هو الذي يظهر رجحانه.
قال: (فيزوج السلطان عند إحرام الولي، لا الأبعد) كما لو غاب.

قُلْتُ: وَلَوْ أَحَرَمَ الْوَلِيُّ أَوِ الزَّوْجُ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ الْحَلَالُ .. لَمْ يَصِحَّ، وَاللهُ أَعْلَمُ  قال: (قلت: ولو أحرم الولي أو الزوج فعقد وكيله الحلال .. لم يصح والله أعلم) إذا وكل حلال حلالا بالتزويج ثم أحرم أحدهما أو أحرمت المرأة .. ففي انعزال الوكيل وجهان: أصحهما: لا ينعزل، حتى يجوز له التزويج بعد التحلل بالوكالة السابقة.
وهل له التزويج قبل تحلل الموكل؟ المعروف في المذهب ما قاله المصنف من عدم الصحة، ونقل الغزالي في (الوجيز) فيه وجها لا يعرف لغيره، قال الشيخ: ومأخذه من جهة المعنى ظاهر؛ فإن الإحرام على الصحيح ليس بسالب، بل منزل منزلة الغيبة كما صرح به القاضي حسين.
ووكيل الغائب إذا زوج في زمن غيبته .. يصح إذن المرأة في حال إحرامها كالتوكيل في النكاح.
ولو وكل حلال محرما ليوكل حلالا بالتزويج .. صح على الأصح؛ لأنه سفير محض ليس إليه في العقد شيء.
ولا خلاف أن وكيل المصلي يزوج، بخلاف وكيل المحرم؛ لأن عبارة المحرم غير صحيحة، وعبارة المصلي صحيحة، حتى لو زوجها في صلاته ناسيا .. صح النكاح والصلاة.
فرع: هل للإمام أو القاضي أن يزوج بالولاية العامة في الإحرام؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: لا.
وصحح في (المرشد) الجواز.
وثالثها: يجوز للإمام ولا يجوز للقاضي؛ لأن ولاية الإمام أعم، وجميع القضاة خلفاؤه، وفي منعه من ذلك ذريعة إلى منع سائر خلفائه.
وإذا امتنع على الإمام والقاضي التزويج في حالة الإحرام فهل لنوابهم المحلين التزويج؟ فيه في (حلية الشاشي) وجهان.

وَلَوْ غَابَ الأَقْرَبُ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ .. زَوَّجَ السُّلْطَانُ،  قال الشيخ: والذي تلخص أن نائب الإمام يعقد ونائب القاضي كالوكيل فلا يعقد.
قال: (ولو غاب الأقرب إلى مرحلتين .. زوج السلطان)؛ لأن الغائب ولي والتزويج حق عليه، فإذا تعذر استيفاؤه منه .. قام السلطان مقامه كما لو عضل، وتزويجه في هذه الحالة وحالة العضل وحالة التشاجر بطريق النيابة لا بطريق الولاية؛ لأن الولي لم يخرج عن ولايته، وولايته ثابتة مع غيبته بدليل أنه لو زوج في غيبته .. صح.
وإن كان له وكيل .. لم ينعزل، ويصح تزويجه في غيبته بشرطه الآتي، والذي ذكره المصنف هو المشهور، وحكى عن ابن سريج: أن الغيبة تنقل الولاية للأبعد كالجنون، وهو بعيد.
وفرق القاضي أبو حامد بين الملوك والأكابر فاعتبر مراجعتهم، والتجار وأوساط الناس فلم يعتبره.
وصورة المسألة: أن يعرف مكانه، فإن لم يعرف أو لم يعرف موته وحياته .. زوجها السلطان؛ لأن نكاحها قد تعذر من جهته، فإذا انتهى الأمر إلى غاية يحكم فيها بموته وقسم تركته .. فلا بد من نقل الولاية إلى الأبعد.
وقال أبو حنيفة وأحمد: إن كانت الغيبة منقطعة- وهي التي لا تصل القوافل إليها في السنة إلا مرة- نقلت الولاية إلى الأبعد، ومذهب مالك كمذهبنا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تنبيه: إنما يزوج القاضي إذا لم يكن للغائب وكيل حاضر، فإن نصب وكيلا في تزويج موليته .. امتنع على القاضي أن يزوج؛ لأن الاستنابة المنصوص عليها أولى من الشرعية، كذا ذكره ابن سراقة في (التلقين)، والعبادي في (أدب القضاء)، وجزم به في (البحر)، وفي (اللطيف) لابن خيران، وبه جزم الشيخ تبعا لشيخه ابن الرفعة ثم قال: وهذا لا يخفى أن محله إذا كان مجبرا، أو كانت قد أذنت له وهو غير مجبر.
ويندب للحاكم أن يحضر عصباتها أو يستأذنهم أو يرد العقد إليهم؛ ليخرج من الخلاف.
فرع: في (فتاوى البغوي): أن القاضي إذا زوج من غاب وليها ثم حضر بعد العقد بحيث يعلم أنه كان قريبا للبلد عند العقد .. تبين بذلك أن النكاح لم يصح، وفي (فتاوى القفال) و (القاضي) نحوه.
فرع: زوج الحاكم في غيبة الولي، ثم قدم وقال: كنت زوجتها في الغيبة .. قال الأصحاب: يقدم نكاح الحاكم.
ولو باع عبد الغائب في دينه فقدم وقال: كنت بعته في الغيبة .. نص الشافعي رضي الله عنه على أن بيع المالك مقدم، والفرق: أن السلطان في النكاح كولي آخر.
ولو كان لها وليان فزوجها أحدهما في غيبة الآخر فقدم الغائب وقال: كنت زوجتها .. لم يقبل إلا ببينة، وهو في البيع نائب عن المالك فأشبه الوكيل، والوكيل لو باع بحضرة الموكل وقال: كنت بعته .. صدق بيمينه.
والخلاف يجري فيما لو ادعى أنه أعتقه أو وقفه.

وَدُونَهُمَا .. لَا يُزَوِّجُ إِلَا بِإِذْنِهِ فِي الأَصَحِّ  والأصح في دعوى العتق ما حكاه الرافعي في اللقطة: قبول قوله.
قال: (ودونهما .. لا يزوج إلا بإذنه في الأصح)؛ لأن الغيبة في المسافة القصيرة كالإقامة، ولو كان مقيما في البلد .. لم يزوجها الحاكم، فكذلك هنا.
والثاني: يزوج؛ لئلا تتضرر بفوات الكفء الراغب كالمسافة الطويلة.
والثالث: إن كان فوق مسافة العدوى زوج أو دونها استؤذن.
فرع: الأصح: تصديق المرأة في غيبة وليها، ولا يشترط شهادة خبيرين بالباطن، وأما قول الشافعي رضي الله عنه: لا يزوج السلطان من ادعت غيبة وليها حتى يشهد اثنان بذلك، وأنها خلية من زوج وعدة .. فمحمول على الندب، وقال الشيخ عز الدين في (الفتاوى الموصلية): تعتمد إن كانت موثوقا بها، فغن كانت متهمة أو مجهولة .. لم تزوج حتى تثبت بالبينة الشرعية دون المجاهيل والفساق، وإن عجزت عن ذلك لكونها غريبة .. حلفت وزوجت.
فلو ألحت في الطلب ورأى التأخير .. فوجهان أطلقهما في (الروضة)، وعبارة الرافعي: وجهان رواهما الإمام عن الأصوليين.
والذي في (النهاية): أن هذا لا ينتهي إليه كلام الفقهاء، وإنما اختلف فيه أرباب الأصول، فذهب قدوتنا في الأصول إلى أنها تجاب، وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى مقابله.
أ. هـ. ومراده بقدوتنا: الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه، فإطلاق (الروضة) وجهين يوهم أنهما للأصحاب، وليس كذلك، إلا أن يكون نقلهما من خارج وهو بعيد.
قال الشيخ: وينبغي أن يقال: إن القاضي إذا أداه اجتهاده إلى أن مصلحة المرأة

وَلِلْمُجْبِرِ التَّوْكِيلُ فِي التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا،  تفوت بالتأخير .. وجبت المبادرة، أو أن المصلحة التأخير .. تعين، فإن استوى الحال أو أشكل .. فهو موضع تردد.
ومما تعم به البلوى: أن تحضر امرأة إلى قاض تطلب تزويجها وتقول: كنت زوجا لفلان فطلقني وانقضت عدتي أو مات .. فعن القاضي حسين- كما نقله عنه البغوي في (فتاويه) -: لا تزوج حتى تقيم حجة على طلاقه أو موته؛ لأنها أقرت بالنكاح لفلان.
وفي (أدب القضاء) للزبيلي: أنه يسمع قولها ولا يمين عليها ولا بينة؛ لأنها مالكة لأمرها بالغة عاقلة، فلا تمنع التصرف في نفسها بعقد التزويج، فإن كانت صادقة .. فذاك، وإن ورد زوجها وادعى عدم الطلاق وحلف .. فسخنا النكاح ورددناها إليه بعد العدة إن كان الزوج دخل بها.
فإن كان الزوج في البلد وليست بغريبة وادعت الطلاق أو الموت .. فلا يعقد القاضي إلا ببينة، قال الشيخ: ولا مخالفة بين كلام البغوي والزبيلي، فكلام البغوي فيما إذا ذكرت زوجا معينا، وكلام الزبيلي في الزوج المجهول.
قال: (وللمجبر التوكيل في التزويج بغير إذنها) كما له مباشرة العقد بنفسه، هذا هو الأصح المنصوص.
وفي وجه- حكاه الحناطي والقاضي أبو حامد-: يشترط إذنها، فعلى هذا: إن كانت صغيرة .. امتنع التوكيل بتزويجها، وعلى الصحيح يندب للولي استئذانها، ويكفي السكوت.
وسكت المصنف عن شرط الوكيل هنا؛ استغناء بما ذكره في (كتاب الوكالة) وشرطه: أن يصح كونه وليا.

وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الزِّوْجِ فِي الأَظْهَرِ، وَيَحْتَاطُ الْوَكِيلُ فَلَا يُزَوِّجُ غَيْرَ كُفْءٍ  قال: (ولا يشترط تعيين الزوج في الأظهر)؛ لأنه يملك التعيين في التوكيل، فيملك الإطلاق كما في البيع وسائر التصرفات، وشفقته تدعوه إلى أن لا يوكل إلا من يثق به.
والثاني: يشترط؛ لاختلاف الأغراض باختلاف الأزواج، ويجريان في إذنها للولي أن يزوجها ولم تعين له زوجا.
فإن قيل: في زوائد (الروضة) في (باب الوكالة): إذا وكله أن يزوجه امرأة، ففي اشتراط تعيينها وجهان: الأصح: الاشتراط، وصحح هنا أنه لا يشترط تعيين الزوج، بل يصح ويحمل على الكفء بمهر المثل .. فالجواب: أن اعتناء الولي بدفع العار جوز إطلاق الإذن، بخلاف الأجنبي.
ولا يشترط في التوكيل في التزويج ذكر المهر، لكن لو سمت قدرا .. لم يصح التزويج بدونه بغير إذنها، كما لو قال: زوجها في يوم كذا أو في المسجد فخالف .. لم يصح، وكذا لو قال الولي لرجل: زوج ابنتي من فلان على أن يضمنه فلان أو يرتهن بمهرها كذا فزوجها من غير ضمان ولا رهن .. لم يصح على المذهب كما في البيع.
ولو وكل رجلا بتزويج ابنته فزوجها وبان موت الأب ولم يدر أكان بعد الموت أو قبله .. فوجهان: أصحهما: صحة العقد؛ بناء على تقابل الأصلين.
قال: (ويحتاط الوكيل فلا يزوج غير كفء) هذا واجب عليه، فإن زوجها بغير كفء .. لم يصح في الأصح.

وَغَيْرُ الْمُجْبِرِ إِنْ قَالَت لَهُ: وَكِّلْ .. وَكَّلَ، وَإِنْ نَهَتْهُ .. فَلَا، وَإِنْ قَالَتْ: زَوِّجْنِي .. فَلَهُ الْتَّوْكِيلُ فِي الأَصَحِّ، فَلَوْ وَكَّلَ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاح .. لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصِّحِيح  وقيل: يصح ولها الخيار، فإن كانت صغيرة .. خيرت إذا بلغت.
ولو خطبها كفان وأحدهما أشرف فزوج الآخر .. لم يصح؛ لأنه خلاف الاحتياط الواجب عليه.
قال: (وغير المجبر إن قالت له: وكل .. وكل) هذا لا خلاف فيه، وشمل كلام المصنف مسألتين: إحداهما: قالت: زوجني ووكل .. فله كل منهما.
والثانية: اقتصرت على قولها: وكل بتزويجي .. فله ذلك، وهل له أن يزوجها؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأنه يبعد منعه مما له التوكيل فيه.
ولو رجعت عن الإذن بعد التوكيل .. بطلت الوكالة.
قال: (وإن نهته .. فلا)؛ لأنه غير مستقل، وادعى الإمام والبغوي: أنه لا خلاف فيه أيضا.
قال: (وإن قالت: زوجني .. فله التوكيل في الأصح)؛ لأنه متصرف بالولاية، فأشبه الوصي والقيم يتمكنان من التوكيل بغير إذن، بل أولى منهما؛ لأنهما نائبان، وهو ولايته أصلية بالشرع، وإذنها في التزويج شرط في صحة تصرفه وقد حصل.
والثاني: لا وهو قول ابن أبي هريرة؛ لأنه يتصرف بالإذن فلا يوكل إلا بالإذن كالوكيل.
قال: (فلو وكل قبل استئذانها في النكاح .. لم يصح على الصحيح)؛ لأنه لا يملك التزويج بنفسه، فلأن لا يملك التوكيل فيه إلا بإذن أولى.
والثاني: يصح؛ لأنه يلي تزويجها بشرط الإذن، فله تفويض ما له لغيره، فعلى هذا: يبقى موقوفا على الإذن، فإن أذنت له .. صح، ولو كانت أذنت له ولم يعلم فوكل .. فتنبغي الصحة كتصرف الفضولي، وتستثنى هذه من إطلاقهم.

وَلْيَقُلْ وَكِيلُ الْوَلِيِّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتَ فُلِانٍ، وَلْيَقُلِ الْوَلِيُّ لِوَكِيلِ الزّوْجِ: زَوَّجْتُ بِنْتِي فُلانَاً، فَيَقُولُ وَكِيلُهُ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لَهُ  وعلى المذهب: يستثنى ما لو لم يكن لها ولي سوى الحاكم فأمر رجلا بتزويجها قبل استئذانها .. فالأصح صحته؛ بناء على أن استنابته في شغل معين استخلاف، وهو الأصح.
فرع: قالت: أذنت لك في تزويجي ولا تزوجني بنفسك .. قال الإمام: قال الأصحاب: لا يصح هذا الإذن؛ لأنها منعت الولي وجعلت التفويض للأجنبي، فأشبه الإذن للأجنبي ابتداء.
قال: (وليقل وكيل الولي: زوجتك بنت فلان) مقصوده: بيان لفظ الوكيل في عقد النكاح، فإذا كان يزوج وكيل الولي من الخاطب فيقول: زوجت بنت فلان منك .. فيصح؛ لحصول الغرض المقصود، ولا يحتاج إلى تصريح بوكالة ولا بإشهاد، لكن يشترط- كما قال المتولي- علم الزوج بالوكالة، فإن لم يعلم .. اشترط التصريح بها.
وأفاد بقوله: (بنت فلان) جواز الاقتصار على الاسم، وقال الجرجاني: لا بد من ذكر صفتها والرفع في نسبها إلى أن ينفي الاشتراك.
قال: (وليقل الولي لوكيل الزوج: زوجت بنتي فلان) يعني موكله (فيقول وكيله: قبلت نكاحها له) فلو لم يقل له .. فعلى الوجهين المذكورين فيما إذا قال

وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ تَزْوِيجُ مَجْنُونَةٍ بَالِغَةٍ وَمَجْنُونٍ ظَهَرَتْ حَاجَتُهُ،  الزوج: قبلت، ولم يقل: نكاحها ولا تزويجها.
ولو قال: زوجت بنتي منك، فقال: قبلت نكاحها لفلان .. لم ينعقد، وإن قال: قبلت نكاحها .. وقع العقد للوكيل، ولم ينصرف إلى الموكل بالنية.
وأفهم قوله: (فيقول) أنه لا يجوز تقديمه على إيجاب الولي، والمعروف جوازه كما تقدم.
وإذا جرى النكاح بين وكيلين فقال وكيل الولي: زوجت فلانة فلانا، فقال وكيل الزوج: قبلت نكاحها لفلان .. صح.
وفي البيع: يجوز أن يقول البائع لوكيل المشتري: بعتك، ويقول الوكيل: اشتريت، وينوي موكله فيقع العقد للموكل وإن لم يسمه، وفرقوا بينهما بوجهين: أحدهما: أن الزوجين كالثمن والمثمن ولا بد من تسميتهما.
والثاني: أن البيع يرد على المال وهو قابل للنقل من شخص إلى شخص، والنكاح يرد على البضع وهو لا يقبل النقل، ولهذا لو قبل النكاح بوكالة لزيد فأنكرها زيد .. لم يصح العقد، ولو اشترى لزيد بوكالة فأنكرها .. صح الشراء للوكيل.
قال: (ويلزم المجبر تزويج مجنونة بالغة ومجنون ظهرت حاجته).
أما المجنونة .. فحاجتها اكتساب المهر والنفقة، وقد يكون جنونها لشدة الشبق، وحاجة المجنون تظهر بأمارات التوقان، أو توقع الشفاء بقول عدلين من الأطباء، أو

لَا صَغِيرَةِ وَصَغِيرٍ.
وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ وَغَيْرَهُ إِنْ تَعَيَّنَ إِجَابَةُ مُلْتَمِسَةِ التَّزْوِيجِ،  عدم متعهد محرم إن زاد ثمن أمة ومؤنتها على مؤن النكاح، نص عليه، واستشكله الرافعي بأن الزوجة لا يلزمها خدمته، فربما تمتنع أو لا تفي إن وعدت.
ولا يقبل قوله في الحاجة من غير ظهور أمارة، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: حاجتهما؛ فإنه لا فرق بينهما.
وفي المجنون وجه: أن توقع الشفاء لا يكفي.
واشتراط المصنف البلوغ في المجنونة إنما ذكره لأنه محل الحاجة، ولم يذكره في المجنون اكتفاء بما قبله وما بعده في الدلالة عليه.
قال: (لا صغيرة ولا صغير) فلا يجب تزويجها؛ لعدم الحاجة إليه في الحال، فلو ظهرت الغبطة في تزويجهما .. ففي الوجوب احتمال للإمام، كما إذا طلب ماله بزيادة .. يجب البيع، والوجوب في الصغير أبعد؛ للزوم المؤن.
والمراد ب (الصغيرة): البكر الصغيرة؛ فإن الثيب لا تزوج.
قال: (ويلزم المجبر وغيره إن تعين) كأخ واحد أو عم واحد (إجابة ملتمسة التزويج) كالقضاء وأداة الشهادة، وقيل: لا يلزم المجبر؛ لأن المجبر لا يجبر، والصحيح الأول، واستشكله الحنفية علينا فقالوا: لو كانت البكر مجبرة للأب ما ملكت جبره.
وأجاب الأصحاب بأن الغرض في النكاح إعفافها، فإذا أعربت عن حاجتها .. وجب على الناظر في أمرها رعاية مصلحتها، وإنما يكون ذلك بعد بلوغها، وكذلك

فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَإِخْوَةٍ وَسَأَلَتْ بَعْضَهُمْ .. لَزِمَهُ الإِجَابَةُ فِي الْأَصَحِّ  المعصر في وجه، وإنما يلزمه إذا عينت كفءا وطلبت التزويج منه كما أفهمه كلام الرافعي.
قال: (فإن لم يتعين كإخوة وسألت بعضهم .. لزمه الإجابة في الأصح)؛ لئلا يتواكلوا فيتعطل الحق، وهما كالوجهين في الشهود إذا كانوا في واقعة وطلب من اثنين منهم الأداء، فإذا امتنع الجميع .. زوج السلطان بالعضل.
وعلى الأصح: يأثم المسئول وحده، وعلى مقابله: يأثم الجميع كفرض الكفاية، وقيل: لا إثم؛ لحصول المقصود بالسلطان.
فرع: إذا قبل الأب للصغير أو المجنون نكاحا بصداق من مال الابن، فإن كان عينا .. فذاك، ولا تعلق له بالأب، وإن كان دينا .. فالقديم: أن الأب ضامن للمهر بالعقد، والجديد: لا يكون ضامنا إلا أن يضمن صريحا، كما إذا اشترى لطفله شيئا .. فإن الثمن عليه لا على الأب.
وإذا قلنا بالجديد فتبرع الأب بالأداء .. لم يرجع، وكذا لو ضمن صريحا وغرم، فقصد الرجوع هنا ينزل منزلة إذن المضمون عنه، فإن ضمن على قصد الرجوع وعزم على قصد الرجوع .. يرجع، وإلا .. فعلى الخلاف فيما إذا ضمن بغير إذن، وأدى بغير إذن.
وإذا قلنا بالقديم فغرم .. قال الشيخ أبو علي: لا يرجع به على الابن، كما لا ترجع العاقلة على الجاني، ويحكى مثله عن القاضي حسين، واعترضه الإمام بأن الأب نصب للتصرف ورعاية المصلحة للابن فكيف يكون طريقا للضمان وليس كذلك العاقلة؟!.
ولو شرط الأب أن لا يكون ضامنا .. فعن القاضي أنه يبطل العقد على القديم،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال الإمام: وهذا وهم من الآخذين عنه؛ فإن النكاح لا يفسد بمثل ذلك، ولعله قال: يبطل الشرط ويلزم الضمان.
فرعان- ذكرا هنا استطردًا؛ لتعلقهما بالنظر والمصلحة-: أحدهما: يجب على الولي حفظ مال الطفل وصونه عن أساب التلف، قال الإمام والغزالي والرافعي: وعليه استنماؤه بما يصونه عن ذهابه في النفقة والزكاة ومؤن حفظه إن أمكن ذلك، وقال العراقيون: إن ذلك مستحب.
قال الشيخ: وغالب الاستنماء بأحد شيئين: إما معاملة بحيلة، وفيها شبهة ينبغي للولي أن لا يفعلها؛ لأن رعاية مصلحة الصبي في الآخرة أولى من رعاية مصلحته في الدنيا، ومن مصلحته في الآخرة إطعامه الحلال الخالص عن الشبهة.
الطريق الثاني: شراء ما فيه ربح، وهو جيد لكنه كثيرًا ما يكسد، فإن فرض طريق خال عن الضرر الأخروي والدنيوي .. وجب أو استحب، وإلا .. فالواجب الحفظ.
قال الأصحاب: ولا تلزمه المبالغة في الاستنماء، والنهاية فيه بحيث يكد نفسه، وينبغي أن يحرص على معاملة من ماله حلال موثوق به مأمون، ويراعي المصلحة والغبطة في البيع له والشراء.
الثاني: إذا تضجر الأب بحفظ مال الطفل والتصرف فيه .. رفع الأمر إلى القاضي لينصب قيمًا بأجرة، وله أن ينصب بنفسه، ذكره الإمام.
ولو طلب من القاضي أن يثبت له أجرة على عمله .. فالذي يوافق كلام الجمهور: أنه لا يجيبه إليه غنيًا أو فقيرًا، إلا أنه إذا كان فقيرًا ينقطع عن كسبه .. فله أن يأكل منه بالمعروف كما سبق في (الحجر).
وللإمام احتمال قطع به الغزالي: أنه يفرض له أجرة، وعلى هذا: لابد من تقرير القاضي، وليس له الاستقلال به، هذا إذا لم يكن هناك متبرع بالحفظ والعمل، فإن وجد متبرع وطلب الأب الأجرة .. فوجهان:

وَإِذَا اجْتَمَعَ أَوْلِيَاءُ فِي دَرَجَةٍ .. اسْتُحِبَّ أَن يُزَوِّجَهَا أَفْقَهُهُمْ وَأَسَنُّهُمْ بِرِضَاهُمْ، ..

 أصحهما: أنه لا يثبتها له.
والثاني: يثبتها؛ لزيادة شفقته كما تقدم الأم في الرضاع في قول على المتبرعة.
قال: (وإذا اجتمع أولياء في درجة) والحال أنها أذنت لكل منهم منفردًا، أو قالت: أذنت في فلان فمن شاء منكم فليزوجني منه.
قال: (.. استحب أن يزوجها أفقههم)؛ لأنه أعلم بشرائط العقد، والمراد: الأفقه في هذا الباب.
قال: (وأسنهم)؛ لأنه أخبر بالأمور لكثرة تجاربه، وفي الحديث: (كبر كبر) وجعل في (الشرح) و (الروضة) الورع بينهما، فيندب أن يعقد الأفقه ثم الأورع ثم الأسن برضا الباقين.
قال: (برضاهم)؛ لتجتمع الآراء، ولئلا يتأذى بعضهم باستئثار بعض.
ومن قوله: (برضاهم) يعلم أنه غير شرط، فلو زوجها غير الأفضل برضاها .. صح، ولا اعتراض لهم إذا زوجها بكفء، فإن كان بغير كفء .. لم يجز حتى يجتمعوا، فلو أذنت لواحد .. لم يزوج غيره، ولو قالت: زوجوني .. اشترط اجتماعهم في الأصح.
ولو قالت: رضيت بفلان زوجًا أو رضيت أن أزوج .. فوجهان: أحدهما: ليس لأحد تزويجها؛ لأنها لم تأذن لجمعيهم إذنًا عامًا، ولا خاطبت واحدًا، فصار كقولها: رضيت أن يباع مالي.
وأصحهما: يصح، ولكل واحد تزويجها؛ لأنهم متعينون شرعًا، والشرط رضاها وقد وجد.
والذي قاله المصنف مفروض في النسب، فلو كانوا معتقين .. اشترط اجتماعهم على العقد، أو يوكلوا فيه واحدًا، فإذا عضل أحد المعتقين أو غاب أو مات ولم يترك عصبة .. زوج الحاكم والمعتق الثاني، فإن انفرد الحاكم دون المعتق أو المعتق دون

فَإِنْ تَشَاحُّوا .. أُقْرِعَ، فَلَوْ زَوَّجَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَقَدْ أَذِنَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ .. صَحَّ فِي الأَصَحْ.
وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ زَيْدًا وَالآخَرُ عَمْرًا؛ فَإِنْ عُرِفَ السَّابِقُ .. فَهُوَ الصَّحِيحُ،  الحاكم .. كان باطلاً؛ لأنه ليس لأحدهما إلا نصف الولاء، وعصبة المعتق كالأقارب اجتماعًا وانفردًا.
قال: (فإن تشاحوا .. أقرع)؛ قطعًا للمنازعة، ولا تنتقل الولاية للسلطان.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن تشاجروا .. فالسلطان ولي من لا ولي له) .. فالمراد منه: إذا قال كل منهم للآخر زوجها أنت، فيصيروا جميعًا عاضلين، وههنا تنازع في التزويج لا تشاجر.
كل هذا إذا اتحد الخاطب، فإن تعدد ورغب كل في زوج .. فالتزويج ممن ترضاه المرأة، فإن رضيتهما وتنازعوا في أحدهما .. أمر الحاكم بالتزويج من أصلحهما، كذا قاله البغوي، وجزم به في (الشرح الصغير)، لكن في (الحاوي) و (البحر) و (التتمة): أنهما عاضلان ويزوج السلطان وهو الذي يتولى القرعة بين الأولياء في التنازع، صرح به ابن كج، وقال ابن داوود: السلطان، فإن أقرع غيره جاز.
قال: (فلو زوج غير من خرجت قرعته وقد أذنت لكل منهم .. صح في الأصح)؛ لأن القرعة لا تسلب ولاية البعض، إنما تقطع المنازعة.
والثاني: لا يصح؛ لتظهر فائدة القرعة، وإلا .. كانت عبثًا، هذا إذا زوج بعد القرعة، فإن زوج قبلها .. صح قطعًا بلا كراهة، قاله في (الذخائر).
واحترز بقوله: (وأذنت لكل منهم) عما إذا أذنت لأحدهم فزوج الآخر .. فإنه لا يصح قطعًا، وكذا لو أذنت للجميع على وجه الإجمال كما تقدم.
قال: (ولو زوجها أحدهم زيدًا والآخر عمرًا؛ فإن عرف السابق .. فهو الصحيح)

وَإِنْ وَقَعَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّبْقُ وَالْمَعِيَّةُ .. فَبَاطِلاَنِ، وَكَذَا لَوْ عُرِفَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْمَذْهَبِ  فيكون الثاني باطلاً دخل بها أم لا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة زوجها وليان .. فهي للأسبق منهما، وأيما رجل باع بيعًا من رجلين .. فهو للأول منهما) رواه الأربعة والحاكم وقال على شرط البخاري، وبهذا قال أكثر العلماء.
وقال مالك: إن وجد نكاح الثاني قبل العلم بالأول واتصل بالدخول .. فهي له؛ لما روي: أن موسى بن طلحة زوج أخته يزيد بن معاوية بالشام، وزوجها أخوها يعقوب بن طلحة بالحسن بن علي بالمدينة، فدخل بها الحسن - وهو الثاني من الزوجين - ولم يعلم بما تقدم من نكاح يزيد .. فقضى معاوية بنكاحها للحسن بعد أن اجتمع معه فقهاء المدينة فصار حجة على من سواهم.
وأجاب الأصحاب بعموم ما تقدم، وبأنه يجوز أن يكون معاوية استنزل يزيد عن نكاحه واستأنف عقدًا للحسن عليها، وبما روى البيهقي عن علي بن أبي طالب: أنه قضى في مثل ذلك بأنها للزوج الأول.
هذا كله إذا كان كل واحد من الزوجين كفءًا، فإن لم يكونا مكافئين لها .. فلا نكاح، وإن كان أحدهما غير كفء .. فنكاح الكفء هو الصحيح وإن تأخر، نص عليه، وهو محمول على ما إذا لم يسقطوا الكفاءة.
قال: (وإن وقعا معًا أو جهل السبق والمعية .. فباطلان) أما الأولى .. فلا إشكال فيها كما لو نكح أختين في عقد واحد، وأما الثانية فلأنهما إن وقعا معًا .. تدافعا، أو مرتبًا .. فلا اطلاع على السابق منهما، وأحكام الشرع إنما تترتب على ما علمت أسبابه.
قال: (وكذل لو عرف سبق أحدهما ولم يتعين على المذهب) فيبطلان؛ لتعذر

وَلَوْ سَبَقَ مُعَيَّنٌ ثُمَّ اشْتَبَهَ .. وَجَبَ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ،  الإمضاء، وقيل: قولان: ثانيهما: التوقف كما في الحالة التي بعدها، فليس لأحدهما الاستمتاع بها، ولا لثالث نكاحها إلا أن يطلقاها أو يموتا، أو يطلقها أحدهما ويموت الآخر وتنقضي عدتها من آخرهما موتًا أو طلاقًا.
وإذا قلنا بالبطلان .. ففي الانفساخ باطنًا وجهان، قال في (الروضة): ينبغي أن يقال: إن فسخ الحاكم .. نفذ باطنًا، وإلا .. فلا.
قال: (ولو سبق معين ثم اشتبه .. وجب التوقف حتى يتبين)؛ لجواز التذكر، لأنا تحققنا صحة العقد، والهجوم على رفعه أو الحكم بارتفاعه لا معنى له، ولا يبالى بضررها طول عمرها، كزوجة المفقود والتي انقطع دمها بمرض؛ فإنها تصبر إلى سن اليأس مع الضرر.
وإذا مات أحد الزوجين .. وقفنا من تركته ميراث زوجة، ولو ماتت هي .. وقفنا ميراث زوج بينهما حتى يصطلحا أو يتبين الحال.
وفي النفقة حال التوقف وجهان: أصحهما عند الإمام: أنه لا يطالب واحد منهما بها؛ لتعذر الاستمتاع.
والثاني - وبه أجاب ابن كج -: توزع عليهما بحسب حالهما، على الموسر نصف نفقة الموسرين، والمعسر نصف نفقة المعسرين، فإذا ظهر السبق لأحدهما .. رجع عليه الآخر بما أنفقه بإذن الحاكم، ويظهر أن يرجع عليها وهي ترجع على الزوج بتمام نفقتها عليه، والمسألة تقدم نظيرها في آخر (اللقيط)، وتأتي في (العدد) أيضًا.

فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ زَوْجٍ عِلْمَهَا بِسَبْقِهِ .. سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا بِنَاءً عَلَى الْجَدِيدِ - وَهُوَ قَبُولُ إِقْرَارِهَا بِالنُكَاحِ - فَإِنْ أَنْكَرَتْ .. حُلِّفَتْ،  قال: (فإن ادعى كل زوج علمها بسبقه) أي: بسبق نكاحه (.. سمعت دعواهما بناء على الجديد وهو: قبول إقرارها بالنكاح)؛ لئلا يتعطل حقاهما، فإن لم يقبل إقرارها .. فلا تسمع؛ إذ لا فائدة لذلك.
قال: (فإن أنكرت .. حلفت) أنها لا تعلم السابق منهما، وتحلف يمينين عند البغوي، قال الشيخ: وهو الأصح، سواء حضرا وادعيا دفعة واحدة أو مرتين، وقال القفال والإمام والغزالي وغيرهم: إن حضرا .. كفت يمين واحدة، لكن اعتبر الإمام رضاهما بها، وستأتي الإشارة إلى هذا في (الدعاوى).
فإن كانت خرساء أو معتوهة أو صبية، أو خرست بعد التزويج فأقرت بالإشارة بسبق نكاح أحدهما .. لزمها الإقرار ولا يمين عليها، ويفسخ النكاح على المنصوص.

وَإِنْ أَقَرَّتْ لأَحَدِهِمَا .. ثَبَتَ نِكَاحُهُ.
وَسَمَاعُ دَعْوَى الآخَرِ وَتَحْلِيفُهَا لَهُ يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: هَذَا لِزَيْدِ بَلْ لِعَمْرِو، هَلْ يَغْرَمُ لِعَمْرِو؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ .. فَنَعَمْ  (وإن أقرت لأحدهما .. ثبت نكاحه)؛ بناء على الجديد، وهو قبول إقرارها بالنكاح كما تقدم.
قال: (وسماع دعوى الآخر وتحليفها له ينبني على القولين فيمن قال: هذا لزيد بل لعمرو، هل يغرم لعمرو؟ إن قلنا: نعم .. فنعم) وإن قلنا: لا .. فقولان؛ بناء على أن يمين المدعي بعد نكول المدعى عليه كالإقرار أو كالبينة، وفيه قولان يأتيان في (الدعاوى) أظهرهما الأول.
فعلى هذا: لا تسمع دعواه، لأن غايته أن تقر أو يحلف هو بعد نكولها، وهو كإقرارها ولا فائدة فيه.
وإذا تركت الأصل المبني عليه واختصرت .. قلت: يندفع النكاحان، أو تسلم للأول أو الثاني؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها أوسطها، فإن سلمت للأول .. غرمت للثاني كما يغرم شهود الطلاق لو رجعوا، وفيه خلاف مذكور في موضعه.

وَلَوْ تَولَّى طرَفَيْ عَقْدٍ فِي تَزْوِيجٍ بِنْتٍ ابْنِهِ بِابْنِ ابْنِهِ الآخَرِ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ  قال: (ولو تولى طرفي عقد في تزويج بنت ابنه بابن ابنه الآخر .. صح في الأصح)؛ لقوة ولايته.
والثاني: لا يصح؛ لأن خطاب الإنسان مع نفسه لا ينتظم، وإنما جوزناه له في البيع لكثرة وقوعه.
وقد روى البيهقي مرفوعًا عن أبي هريرة وموقوفًا على ابن عباس: (أنه لا نكاح إلا بأربعة: خاطب وولي وشاهدين).
فعلى الصحيح: يشترط الإتيان بشقي الإيجاب والقبول على الأصح، وقيل: يكفي أحدهما.
وحكوا في البيع وجهًا: أنه يكتفى بالنية، ولا يأتي هنا؛ لأن الشاهدين لا اطلاع لهما عليها.
وإن منعنا، فإن كانت بالغة .. زوجها السلطان بإذنها، ويقبل الجد للابن، وإن كانت صغيرة .. وجب الصبر إلى أن تبلع فتأذن، أو يبلغ الصغير فيقبل.
وقال المصنف في (نكته) تبعًا لصاحب (البيان): للمسألة ثلاثة شروط: أن لا يكون أبو الولد من أهل الولاية.
وأن يكون ابن الابن محجورًا عليه إما لصغر أو جنون أو سفه.
وأن تكون بنت الابن بكرًا أو مجنونة.
وشرط ابن معن في (التنقيب) وصاحب (الإستقصاء) أن يقول: وقبلت نكاحها بـ (الواو)، فإن ترك (الواو) .. لم يصح، وينبغي طرده في البيع وغيره.
وإذا قلنا: له إجبار عبده الصغير، وأراد أن يزوجه أمته .. فهو كتولي الجد الطرفين.

وَلاَ يُزَوِّجُ ابْنُ الْعَمِّ نَفْسَهُ بَلْ يُزَوِّجُهُ ابْنُ عَمٍّ فِي دَرَجَتِهِ، فَإِنْ فُقِدَ .. فَالْقَاضِي.
فَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي نِكَاحَ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهَا .. زَوَّجَهُ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْوُلاَةِ أَوْ خَلِيفَتُهُ  قال: (ولا يزوج ابن العم نفسه)؛ لما تقدم في الخبر، ولأن المعنى الذي جوز للجد أن يتولى الطرفين مفقود فيه.
وقيل: يزوج نفسه، وهو قوي إذا نصت في الإذن عليه، ففي (البخاري): أن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم، قال: تزوجتك.
وقد يجاب بأنه فعل صحابي معارض بمثله؛ ففي (سنن أبي داوود) عن عبد الملك بن عمير: أن المغيرة بن شعبة أمر رجلاً أن يزوجه امرأة، والمغيرة أولى بها منه.
قال: (بل يزوجه ابن عم في درجته)؛ لأن الحق لهما فامتنع الزوج بقي الآخر.
واحترز عمن لا يساويه في الدرجة كابني عم أحدهما لأبوين والآخر لأب؛ فيزوج الأول بخلاف العكس على المذهب.
قال: (فإن فقد .. فالقاضي)؛ لعموم ولايته.
وقيل: تنتقل الولاية للأبعد، فلا يزوجه القاضي.
قال: (فلو أراد القاضي نكاح من لا ولي لها .. زوجه من فوقه من الولاة) وكذا من هو مثله في بلده أو غيرها؛ لأن كل حاكم هي في بلده له أن يزوجها.
قال: (أو خليفته)؛ لأن حكمه نافذ عليها، كذا جزم به الأصحاب، وحاول ابن الرفعة تخريج وجه فيه إذا قلنا: ينعزل بموته.

وَكَمَا لاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ تَوَلِّي الَطَّرَفَيْنِ .. لاَ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلاً فِي أَحَدِهِمَا، أَوْ وَكِيلَيْنِ فِيهِمَا فِي الأَصَحِّ  وفي وجه بعيد: أن القاضي يزوج نفسه، ويقال: إن أبا يحيي البلخي ذهب إليه، وإنه حين كان قاضيًا بدمشق تزوج امرأة ولي أمرها من نفسه قال الشيخ: وهذا من غرائبه، ولا يعجبني فعل ذلك لو اعتقده الشخص؛ لأن الاعتقاد يعذر فيه بحسب الدليل، والاحتياط في العمل مطلوب، والخروج من الخلاف في ذلك سهل، ولذلك قال العبادي في (طبقاته): قال أبو سهل الصعلوكي: رأيت ولد يحيي البلخي من هذه المرأة يكدي بالشام.
وفي الإمام الأعظم وجهان معروفان: أحدهما: أن له أن يتولى الطرفين؛ لأنه ليس فوقه من يزوجها.
وأصحهما: المنع، فيزوجها القاضي منه بالولاية كما يزوج خليفة القاضي من القاضي.
ولو أراد أحد هؤلاء تزويجها من ابنه الصغير .. فهو كتزويجها من نفسه.
وحيث جوزنا لأحدهم التزويج من نفسه .. فذلك إذا سمته في إذنها، فأما إذا أطلقت الإذن وجوزناه .. ففيه وجهان حكاهما الحناطي.
قال: (وكما لا يجوز لواحد تولي الطرفين .. لا يجوز أن يوكل وكيلاً في أحدهما، أو وكيلين فيهما في الأصح)؛ لأن فعل الوكيل كفعل الموكل.
والثاني: يجوز؛ لوجود العدد، ومنهم من قال: يجوز للجد دون غيره.

تتمة: قالت لابن عمها أو معتقها: زوجني، أو زوجني ممن شئت .. ليس للقاضي

فَصْلٌ: زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ غَيْرَ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، أَوْ بَعْضُ الأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِينَ بِرِضَاهَا وَرِضَا الْبَاقِينَ .. صَحَّ  تزويجه بها بهذا الإذن؛ لأن المفهوم منه التزويج بأجنبي.
وإن قالت: زوجني من نفسك .. حكى البغوي عن بعض الأصحاب أنه يجوز للقاضي تزويجه إياها، قال: وعندي لا يجوز؛ لأنها إنما أذنت له لا للقاضي.
قال المصنف: الصواب الجواز؛ لأن معناه: فوض إلى من يزوجك إياي.
قال: (فصل: زوجها الولي غير كفء برضاها: أو بعض الأولياء المستوين برضاها ورضا الباقين .. صح)؛ لأن الكفاءة حق لها وللأولياء وقد رضوا بتركها، وليست بشرط في الصحة.
واحتج له في (الأم) بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت قيس - وهي قرشية - أن تنكح أسامة بن زيد، وزوج أباه بنت عمته زينب بنت جحش.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفي (الصحيحين): أن أبا حذيفة زوج مولاه سالمًا بابنة أخيه، وأن المقداد بن الأسود الكندي تزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب.
وفي (سنن الدارقطني): أن هالة أخت عبد الرحمن بن عوف كانت تحت بلال رضي الله عنهم، وزوج أبو بكر أخته أم فروة بنت أبي قحافة الأشعث بن قيس، وهي تيمية قرشية والأشعث كندي، وليست كندة أكفاء لقريش، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج بناته من غيره ولا أحد يكافئه، إلا أن يقال: إن ذلك جائز للضرورة لأجل نسلهن، كما جاز لآدم عليه الصلاة والسلام تزويج بناته من بنيه.
وأطلق المتولي كراهة تزويجها من غير كفء وقال ابن عبد السلام: يكره أن يزوجها من فاسق برضاها كراهة شديدة، إلا أن يخاف من فاحشة أو ريبة.
وشمل قوله: (برضاها) إذا كانت مجبرة وسكتت وهو المذهب، وسواء في ذلك الرشيدة والسفيهة، فإذا رضيت بغير كفء .. صح؛ فإنه لم يحجر عليها إلا في المال خاصة، فلا يظهر لسفهها أثر ههنا كما صرح به في (الوسيط) في (فصل نكاح السفيه)، وكان بعض القضاة يتوقف فيه، ولا وجه لتوقفه.

فائدة: كان زيد بن حارثة كلبيًا قضاعيًا، سبي وهو صغير، فابتاعه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج بها فأنعم عليه صلى الله عليه وسلم بالعتق، كما أنعم الله عليه يالإسلام، ثم زوجه بركة أم أيمن، فولدت له أسامة، ثم زوجه زينب بنت جحش بنت عمته، ثم طلقها فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليعلم الناس انقطاع التبني المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآَبَائِهِمْ﴾، ثم جبره الله تعالى بذكره في القرآن دون غيره من الصحابة.
وروى أبو جعفر الطحاوي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم

وَلَوْ زَوَّجَهَا الأَقْرَبْ بِرِضَاهَا .. فَلَيْسَ لِلأَبْعَدِ اعْتِرَاضٌ.
وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ بِهِ بِرِضَاهَا دُونَ رِضَاهُمْ .. لَمْ يَصِحُّ، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ وَلَهُمُ الْفَسْخُ  أمر زيدًا أن ينطلق إلى مكة ويأتي بابنته زينب وهي أكبر بناته، وأعطاه خاتمه، فجاء زيد إلى راعي غنم كان لها فأعطاه الخاتم، فلما رأته عرفته، فلما كان الليل خرجت مهاجرة فعرض لها هبار بن الأسود رضي الله عنه - وكان يومئذ مشركًا - فضرب هودجها ونخس الراحلة، وكانت حاملاً فأسقطت ولم تزل تهراق الدماء إلى أن ماتت بعد أعوام، فأردفها زيد وراءه إلى أن أتت المدينة.
وأجاب الطحاوي بأن زيدًا حينئذ كان أخًا لها بحكم التبني؛ لأن ذلك كان قبل نزول (سورة الأحزاب).
واستفيد من قصة زيد أيضًا ثبوت الرق على العرب، خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه.
قال: (ولو زوجها الأقرب برضاها .. فليس للأبعد اعتراض)؛ لأنه محجوب عن الولاية، والمراد: إذا كان الأقرب بصفة الولاية، فإن لم يكن كما إذا كان الأب فاسقًا .. فالجد العدل هو الولي، والأب كالعدم.
قال: (ولو زوجها أحدهم به برضاها دون رضاهم .. لم يصح)؛ لأنهم أصحاب حقوق في الكفاءة فاعتبر إذنهم كإذن المرأة، وهذا منصوص (الأم) و (المختصر).
قال: (وفي قول: يصح ولهم الفسخ) نص عليه في (الإملاء)، ومنهم من قطع به؛ لأنها تزوجت بولي مرشد، وتضرر الباقين يقتضي الخيار كما لو اشترى معيبًا.
ورأى الماوردي طريقة ثالثة وهي: أن العاقد إن كان عالمًا بأن الزوج غير كفء .. بطل، وإن لم يعلم إلا بعد العقد .. ثبت الخيار، فحمل النصين على حالين.

وَيَجْرِي الْقَوْلاَنِ فِي تَزْوِيجِ الأَبِ بِكْرًا صَغِيرَةً أَوْ بَالِغَةً غَيْرَ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا .. فَفِي الأَظْهَرِ بَاطِلً، وَفِي الآخَرِ يَصِحُّ وَلِلْبَالِغَةِ الْخِيَارُ، وَلِلصَّغيرَةِ إِذَا بَلَغَتْ.
وَلَوْ طَلَبَتْ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا السُّلْطَانُ بِغَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ  وعند أبي حنيفة يلزم النكاح ولا اعتراض للآخرين، فخالف القولين جميعًا.
قال: (ويجري القولان في تزويج الأب بكرًا صغيرة أو بالغة غير كفء بغير رضاها) هذه طريقة الجمهور، وفيه طريقة أخرى قاطعة بالبطلان، وطريقة أخرى تنزل القولين على الحالين المتقدمين: إن علم الولي عدم الكفاءة .. فالنكاح باطل، وإلا .. فصحيح.
قال: (.. ففي الأظهر باطل)؛ لعدم الغبطة والمصلحة.
قال: (وفي الآخر يصح وللبالغة الخيار)؛ لأن الحق لها فتختار إذا علمت.
قال: (وللصغيرة إذا بلغت)؛ لأنه حق ثبت لها في الصغر فاستمر إلى البلوغ كثبوت حق القصاص.
وحكى الإمام وجهًا: أنها لا تتخير، وعليها الرضا بعقد الأب، وهذا في تزويج المجبر، أما غيره .. فلا يزوج إلا بإذن.
قال: (ولو طلبت من لا ولي لها أن يزوجها السلطان بغير كفء ففعل .. لم يصح في الأصح)؛ لأنه كالنائب عن أولياء النسب فلا يترك الحظ لهم، وإلى هذا ذهب الأكثرون.
والثاني: يصح؛ إذ لا يلحقهم عار بذلك، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمد والإمام والغزالي والعبادي والقاضي شريح الروياني والزبيلي في (أدب القضاء) وغيرهم، وقال في (الذخائر): إنه المذهب؛ لأن الحق لا يعدوها، واستدل له

وَخِصَالُ الْكَفَاءَةِ: سَلاَمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ  بحديث فاطمة بنت قيس؛ فإنها لم يكن لها ولي غيره صلى الله عليه وسلم.
ورد هذا الاستدلال بأنه ليس في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام زوجها بولاية خاصة ولا ولاية عامة، بل أشار عليها، ولا يدرى من زوجها فوقفت الدلالة منه لذلك.
وأفتى ابن الرفعة بأن المرأة إذا كانت تتضرر من عدم تزويجها بغير الكفء بأن قل الراغب فيها من الأكفاء أن الحاكم يزوجها من غير كفء، وإلا .. فلا.

تنبيه: مراد المصنف من لا ولي لها أصلاً، أما التي لها ولي خاص .. فلا تزوج إلا من كفء قطعًا؛ لأنه نائب عنه في التصرف كما اقتضاه كلام الهروي في (الإشراف)، وصرح به غيره، ونقله في (الإستقصاء) عن (الإيضاح) للصيمري مقتصرًا عليه، وبه أجاب ابن الصلاح في (فتاويه)؛ لأن حق الغائب في الكفاءة وولايته باقيان، فلا يصح ذلك مع عدم إذنه.
قال: (وخصال الكفاءة: سلامة من العيوب المثبتة للخيار)؛ لما قرر أن الكفاءة معتبرة شرع في بيانها.
وهي في اللغة: التساوي والتعادل، يقال: فلان كفء فلان؛ أي: نظيره.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفي الشرع: ما يوجب عدمه عارًا، واستنبطها الشافعي رضي الله عنه من حديث بريرة.
وخصالها المرعية خمس متفق عليها، أشار إليها الشيخ سراج الدين الأرمنتي بقوله [من الرجز]: شرط الكفاءة ستة قد حررت .... ينبيك عنها بيت شعر مفرد نسب ودين صنعة حرية .... فقد العيوب وفي اليسار تردد فأول خصالها: التنقي من العيوب المثبتة للخيار؛ لأن النفس تعاف من به تلك العيوب، ويختل بها مقصود النكاح.
واستثنى البغوي منها التعنين، وقال: لا يتحقق فلا نظر إليه.
وفي (تعليق الشيخ أبي حامد) وغيره التسوية بين التعنين وغيره، قال الرافعي: وإطلاق الجمهور يوافقه، وصوب في (المهمات) مقاله البغوي؛ فإن الرجل قد يعن عن امرأة دون امرأة، وفي نكاح دون نكاح وإن كانت المرأة واحدة على الأصح.
وكلام الشيخ أبي حامد مخرج على الضعيف وهو الاكتفاء بما سبق في العنة، فمن به عيب .. ليس كفءًا لسليمة منه، وكذا لو اختلف عيباهما إلا أن يكون مجبوبًا – بالباء - وهي رتقاء .. فكالجنس الواحد.
قال الشيخ تبعًا لشيخه ابن الرفعة: والذي أطلقه المصنف وغيره من السلامة من العيوب المثبتة للخيار هو بالنسبة إلى المرأة؛ لأن لها حظًا في جميع ذلك، أما الولي إذا كان غائبًا مثلاً ورضيت المرأة .. فلا ينبغي أن يطلق القول بأن السلامة من العيوب معتبرة في حقه؛ لأن المشهور أنها لو أرادت أن تتزوج بمجبوب أو عنين .. لم يكن له مع حضوره منعها، ولو أرادت أن تتزوج بمجنون .. كان له المنع، فينبغي أن تكون حالة الغيبة كذلك.
وهذه الخصلة إنما تعتبر في الزوجين خاصة دون آبائهما، فابن الأبرص كفء لمن

وَحُرِّيَّةٌ، فَالرَّقِيقُ لَيْسَ كُفْءًا لِحُرَّةٍ،  أبوها سليم، ذكره الهروي في آخر (الإشراف).
وزاد القاضي الروياني على العيوب المثبتة للخيار العيوب المنفرة كالعمى والقطع وتشوه الصورة، قال: وهي تمنع الكفاءة عندي، وبه قال بعض الأصحاب واختاره الصيمري.
قال: (وحرية، فالرقيق ليس كفءًا لحرة)؛ لأنها تتعير بكونها تحت عبد، ولهذا خيرت بريرة لما عتقت وزوجها رقيق.
ولا فرق بين أن تكون حرة أصلية أو عتيقة؛ لأن العبد ليس بكفء لهما، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أدنى من الحر بقوله: (ويسعى بذمتهم أدناهم).
ومن مسه الرق ثم عتق، أو لم يمسه ولكن مس أحد آبائه .. ليس كفءًا للحرة الأصلية، وكذلك من مس الرق أبًا أقرب في نسبه .. ليس كفءًا لمن مس الرق أبًا أبعد في نسبها.
قال الرافعي: ويشبه أن يكون الرق في الأمهات مؤثرًا، ولذلك تعلق به الولاء، ووافقه ابن الرفعة، وفي كلام الماوردي ما يؤيده، لكن قال في زيادات (الروضة): المفهوم من كلام الأصحاب أنه لا يؤثر كما سيأتي في (النسب)، وبه صرح في (البيان) فقال: من ولدته رقيقة كفء لمن ولدته عربية؛ لأنه يتبع الأب في النسب، ويؤيده ما ذكره الشيخان في (باب الولاء): أنه لا ولاء عليه.
والمدبر والمكاتب وأم الولد كالرقيق، وكذا من بعضه رقيق، وهل العبد كفء للمبعضة؟ فيه وجهان.

وَالْعَتِيقُ لَيْسَ كُفْءًا لِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ  في (الحاوي): أصحهما على ما حكاه في (الكفاية) عن صاحب (الذخائر): أنه لا يكون كفءًا.
غريبة: حكى القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ عن أبي عمر بن عبد البر وأبي بكر محمد بن عبد الله بن أحمد العامري البغدادي الحافظ: أن العبد أفضل من الحر، قال: ولعل هذا محمول على عبد أطاع الله وأطاع مولاه، وهو الذي له أجران، فهو أفضل من حر له أجر واحد.
قال: (والعتيق ليس كفءًا لحرة أصلية)؛ لما سبق.
وفي موالي قريش وجه: أنهم أكفاء لقريش، وكذا موالي كل قبيلة بالنسبة إليها، والصحيح المنع.
قال الشيخ: وهذا لم يرد فيه دليل، لا سيما وقد يكون الخاطب أكبر من المرأة بكثير وقد مس الرق أحد آبائه، فالقول بأنه غير كفء لها لا يشهد له عرف ولا دليل، فينبغي التوقف فيه، وقد رأينا في هذا الزمان من يكون مسه الرق أو أحد آبائه وهو ملك أو كبير والمرأة دونه بكثير بحيث تفتخر به وهي حرة الأصل، فمنعه من تزويجها لا يساعده عرف ولا دليل.
وقد نص الشافعي في (البويطي) على أن المعتبر في الكفاءة الدين وحده كما ذهب إليه مالك، وضعفه الأصحاب.

وَنَسَبٌ، فَالْعَجَمِيُّ لَيْسَ كُفْءَ عَرَبِيَّةٍ،  ودليله ما رواه الترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه .. فزوجوه، إلاَّ تفعلوا .. تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) قال: وينبغي لمن أراد العمل بهذا ومخالفة مشهور المذهب أن يراقب الله تعالى ولا يزوج إلا من يرضى دينه وأمانته؛ ليكون تابعًا للحديث.
قال: (ونسب) اتفق الأصحاب على اعتباره؛ لأن العرب تفتخر بأنسابها أتم فخار.
وفي (صحيح مسلم) عن واثلة بن الأسقع: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار) فهو صلى الله عليه وسلم خلاصة الخلق؛ فإنه ليس في ولد إسماعيل نبي غيره، فهو وحده أفضل من جميع الأنبياء الذين من نسل إبراهيم من غير إسماعيل، وهم خلق كثير، وإبراهيم خلاصة نسل نوح ونوح خلاصة نسل آدم، فهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم.
وفي (الصحيحين): (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)؛ لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم والجمال والعفة وكرم الأخلاق والعدل ورئاسة الدنيا والدين.
وإنما اعتبرت الأنساب؛ لأن الأصل إذا طاب .. طاب فرعه غالبًا كما قال الشيخ قطب الدين القسطلاني رحمه الله تعالى (من الطويل): إذا طاب أصل المرء طابت فروعه .... ومن عجب جاءت يد الشوك بالورد وقد يخبث الفرع الذي طاب أصله .... ليظهر حكم الله في العكس والطرد قال: (فالعجمي ليس كفء عربية)؛ لشرف العربية عليه، لأن الله تعالى

وَلاَ غَيْرُ قُرَشِيٍّ قُرَشِيَّةً، وَلاَ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ وَمُطَّلِبِيٍّ لَهُمَا  اصطفى العرب على غيرهم، والاعتبار في النسب بالأب، فالذي أبوه عجمي وأمه عربية ليس كفءًا للتي أبوها عربي والأم عجمية.
قال: (ولا غير قرشي قرشية)؛ لفضل قريش على غيرها.
قال: (ولا غير هاشمي ومطلبي لهما)؛ لما تقدم، وبنو هاشم والمطلب أكفاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (نحن وبنو المطلب شيء واحد) رواه البخاري.
وقيل: إن قريشًا بعضهم لبعض أكفاء كما أنهم يستوون في أهلية الإمامة، وبه قال أبو حنيفة.
والجواب: أن اعتبار النسب في الكفاءة أضيق من اعتباره في الإمامة العظمى، ولهذا سووا بين قريش في الإمامة ولم يسووا بينها في الكفاءة.
وقد جزم الرافعي والمصنف في الإمامة العظمى بأنه إذا لم يوجد قرشي مستجمع الشروط .. نصب كناني، فإن لم يكن .. فرجل من ولد إسماعيل، فإن تعذر .. انتقلنا إلى العجم.
ويستثنى من إطلاق المصنف وغيره إذا تزوج هاشمي أمة بشروطه فأولدها بنتًا .. فهي هاشمية رقيقة.
وقد جزم الشيخان بأن للسيد أن يزوج أمته برقيق ودنيء النسب، فعلى هذا: يزوج هذه كذلك وهو صعب، لا جرم صوب في (المهمات) مراعاة النسب فيها،

وَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ النَّسَبِ فِي الْعَجَمِ كَالْعَرَبِ.
وَعِفَّةٌ، فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفْءً عَفِيفَةٍ.

 كما صرح به الشيخان حيث قالا: إن الأمة العربية بالحر العجمي على الخلاف في مقابلة بعض الخصال ببعض.
قال: (والأصح: اعتبار النسب في العجم كالعرب)؛ قياسًا عليهم، فعلى هذا: الفرس أفضل من الترك؛ لسابقتهم إلى الإسلام، وبنو إسرائيل أفضل من القبط؛ لسلفهم وكثرة الأنبياء فيهم.
والثاني: لا يعتبر النسب في العجم؛ لأنهم لا يعتنون بحفظ الأنساب ولا يدونونها، وعلى هذا: يستوي الفرس والترك والقبط، وهذا الوجه عليه الجمهور، والرافعي والمصنف تبعا البغوي في ترجيح الأول.
وذكر الإمام: أن شرف النسب يثبت من ثلاث جهات: إحداها: الانتماء إلى شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعادله شيء، وعليه بنى عمر رضي الله عنه ديوان المرتزقة.
والثانية: الانتماء إلى العلماء؛ فإنهم ورثة الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم، وبهم ربط الله تعالى حفظ الملة.
والثالثة: الانتماء إلى أهل الصلاح والتقوى، قال عز اسمه: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا﴾ فبين شرف هذا الانتساب، قال: ولا عبرة بالانتساب إلى عظماء الدنيا والظلمة المستولين على الرقاب وإن كان الناس قد يتفاخرون بهم.
وقال في (المهمات): الانتماء إلى عظماء الدنيا معتبر؛ إذ أقل مراتبه أن يكون كالحرفة، وأهل الحرف الشريفة لا يكافئها أهل الحرف الخسيسة.
قال: (وعفة) وهي: الدين والصلاح والكف عما لا يحل ولا يجمل، قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾، وقال: ﴿وَلِيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾، قال ثعلب: معناه: يضبطوا أنفسهم بالصوم.
وفي (البخاري): (من يستعفف يعفه الله).
قال: (فليس فاسق كفء عفيفة)؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُنَ﴾.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل