إِلاَّ بِمَسْجِدٍ وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ.
وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ، وَلاَ يُؤَذِّنُ فِي الْجَدِيدِ.
قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ كَانَ فَوَائِتُ .. لَمْ يُؤَذِّنُ لِغَيْرِ الأُولَى.
وَيُنْدَبُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ الإِقَامَةُ، لاَ الأَذَانُ عَلَى الْمَشْهُورِ
قال: (إلا بمسجد وقعت فيه جماعة) أي: وانصرفوا، فذلك خلاف الأولى؛ لئلا يوهم دخول وقت صلاة الأخرى سيما في يوم غيم.
ولو قال: بموضع بدل (مسجد) .. كان أشمل.
قال: (ويقيم للفائتة) بالاتفاق.
قال: (ولا يؤذن في الجديد)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر يوم الخندق بعد الغروب، كلا منهما بإقامة، وروى معناه أبو داوود [1901].
قال: (قلت: القديم أظهر والله أعلم) يعني: أنه يؤذن للفائتة مطلقًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نام هو وأصحابه في الوادي إلى أن طلعت الشمس، ثم صلى صلاة الغداة بعد أن أذن لها بلال، رواه مسلم.
وفي (الصحيحين) [خ595 - م684]: (فصنع ما كان يصنع كل يوم)، وهذا القول صححه الجمهور، وبه قال الأئمة الثلاثة، فالأذان في الجديد حق للوقت، وفي القديم حق للفريضة، وفي (الإملاء) حق للجماعة، كل هذا في الفائتة الواحدة، فإذا تعددت .. فسيأتي في كلام المصنف.
قال: (فإن كان فوائت .. لم يؤذن لغير الأولى) أي: ويقيم لكل واحدة بلا خلاف، هذا إذا والى بينهما؛ لعدم ورود الموالاة بين أذانين، أما إذا قضاها متفرقات .. ففي الأذان لكل واحدة الخلاف السابق، ويقيم للجميع.
قال: (ويندب لجماعة النساء الإقامة لا الأذان على المشهور)؛ لما روى البيهقي [1/ 408] عن ابن عمر أنه قال: (ليس على النساء أذان)، ولما في الأذان من رفع الصوت الذي يخاف منه الافتتان بخلاف الإقامة.
ونص في (البويطي) على أنه: لا يستحب لها الأذان ولا الإقامة؛ لأن في أثر ابن عمر ليس على النساء أذان ولا إقامة.
وَالأَذَانُ مَثْنَى، وَالإِقَامَةُ فُرَادَى إِلاَّ لَفْظَ الإِقَامَةِ
وفي قول ثالث: يستحبان؛ لما روى الحاكم [1/ 203] والبيهقي [1/ 408] عن عائشة أنها كانت تفعلهما.
والخنثى كالمرأة.
ولو قال: ويندب للنساء .. كان أولى؛ لأن الخلاف جار فيهن عند الانفراد، فإن قلنا: لا تؤذن، فأذنت ولم ترفع صوتها .. لم يكره على الصحيح، وإن قلنا: تؤذن وتقيم .. لم ترفع فوق ما تسمع صواحبها، فإن زادت .. حرم على الصحيح عند الشيخين هنا، والصواب المنصوص المفتى به: الجواز كما صرح به في رفع الصوت بالتلبية، وجواز استماع غنائها وأذانها وإن كانت أجنبية حرة أو أمة.
ولو أذنت للرجال .. لم يصح، وفيه وج ضعيف؛ تغليبًا للأخبار، على عكس الصبي والفاسق، فإن الصحيح: صحته منهما؛ تغليبًا للشعار.
قال: (والأذان مثنى، والإقامة فرادى إلا لفظ الإقامة)؛ لما رواه الشيخان [خ605 - م378] عن أنس قال: (أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة إلا الإقامة)، وعليه أجمع أهل الحرمين، والحكم على الأذان بالتثنية باعتبار معظمه، ولا خلاف في ذلك عندنا، وأنه بالترجيع: تسع عشرة كلمة كما: (علمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة)، ولم يزل هو وأولاده يؤذنون بمكة كذلك إلى زمن الشافعي، فسمعه من إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وسمعه يفرد الإقامة، ولم يزل بنو سعد القرظ على ذلك بالمدينة أيضًا إلى أن وقع التغيير في أذانيهما.
وأما الإقامة .. ففيها خمسة أقوال:
الجديد الصحيح: أنها إحدى عشرة كلمة؛ لإجماع أهل الحرمين على ذلك.
والثاني: عشر كلمات يفرد قوله: قد قامت الصلاة.
وَيْسَنُّ إِدْرَاجُهَا، وَتَرْتِيلُهُ،
والثالث: تسع يفرد التكبير في آخرها.
والرابع: ثمان يفرد الجميع، وهو مذهب مالك.
والخامس: أنه إن رجع في الأذان .. فالسنة أن يثني الإقامة؛ لأنها إنما أفردت اكتفاء بتثنية الأذان، وإن لم يرجع فيه وصححناه .. أفرد الإقامة، واختاره ابن المنذر؛ لما روى أبو محذورة أنه قال: (لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة)، رواه الدارقطني [237] والنسائي [2/ 4]، والترمذي [192] وقال: حسن صحيح، وابن ماجه [709] برجال الصحيح.
قال ابن سريج: وهذا من الاختلاف في المباح، وليس بعضه أولى من بعض.
وقال الماوردي: الاختلاف في الأفضل.
ولما كانت كلمات الأذان والإقامة مشهورة .. لم يذكرها المصنف، بل اقتصر على كونه مثنى وهي فرادى.
قال: (ويسن إدراجها) أي: الإسراع فيها مع بيان الحروف، من قولك: أدرجت الكتاب إذا طويته؛ وذلك أنها للحاضرين فإدراجها أشبه، ولما روى أبو داوود والترمذي [195] والحاكم [1/ 204] عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بلال إذا أذنت .. فترسل، وإذا أقمت .. فاحذم)) أي: فأسرع، وهي بالذال المعجمة وبعدها ميم.
ويسن أيضًا أن تكون أخفض صوتًا من الأذان.
قال: (وترتيله) أي: من غير تمطيط؛ لأنه للغائبين.
وترتيله: أن يأتي به حرفًا حرفًا، وأن يقف على آخر الكلمات.
قال الهروي: وعوام الناس يقولون: أكبر بضم الراء إذا وصل، وكان المبرد يفتح الراء من أكبر الأولى ويسكن الثانية.
وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ، وَالتَّثْوِيبُ فِي الصُّبْحِ،
ويستحب أن يجمع بين كل تكبيرتين بصوت، وأما باقي الكلمات .. فيفرد كل واحد بصوت، وفي الإقامة يجمع كل كلمتين.
قال: (والترجيع فيه)، كما رواه مسلم [379] عن أبي محذورة، وحكمته التدبر والإخلاص، وفي وجه: أنه شرط فيه، والصواب: أن الترجيع الذي يأتي به سرًا.
وفي (شرح مسلم) و (الحاوي الكبير): أنه العود إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت [بعد قولهما مرتين بخفض الصوت]، وكلام (الشرح) و (الروضة) محتمل؛ لأنه اسم للمجموع.
والمراد بالخفض: أن يسمع نفسه، أو أهل المسجد إن كان واقفًا عليهم.
قال: (والتثويب في الصبح) هذا نصه في القديم و (الإملاء)، وهو أن يقول بعد الحيعلتين: الصلاة خير من النوم مرتين، أي: اليقظة للصلاة خير من الراحة التي تحصل من النوم.
سمي تثويبًا من قولهم: ثاب فلان إذا رجع، وهو بالثاء المثلثة بلا خلاف، ففي (سنن أبي داوود) [501] و (ابن حبان) [1682]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لقنه لأبي محذورة)، وصح: أن بلالًا كان يفعله، رواه عنه أحمد [4/ 42] والترمذي [198]، وقيل: فيه قولان:
أحدهما: هذا، وهو القديم المفتى به.
والثاني- هو الجديد-: أنه لا يسن، قال الشافعي: لأن أبا محذور لم يروه.
قال الأصحاب: وقد صح أنه رواه.
وظاهر إطلاق الغزالي والمصنف .. أن التثويب يشمل الأذان الذي قبل الفجر والذي بعده، وصرح في (التهذيب) بأنه إذا ثوب في الأذان الأول .. لا يثوب في الثاني، وأقره عليه المصنف والشيخ.
والصحيح في (التحقيق): أنه يثوب فيهما: وفي (شرح المهذب): ظاهر إطلاق الأصحاب .. أنه لا فرق.
وَأَنْ يُؤَذَّنَ قَائِمًا لِلْقِبْلَةِ
واحترز بـ (الصبح) عما عداها؛ فإنه لا يستحب فيها التثويب، بل يكره خلافًا للنخعي، ونقل ابن الصلاح عن الحسن بن صالح: أنه استحبه في أذاني الصبح والعشاء.
ويكره أن يقول في (الأذان): حي على خير العمل.
قال: (وأن يؤذن قائمًا)؛ لحديث: (قم يا بلال؛ فناد بالصلاة) رواه الشيخان [خ604 - م377] عن ابن عمر.
وروى أبو داوود [500]: أن الملك الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام كان قائمًا، ولأنه أبلغ في الإعلام، فلو أذن قاعدًا مع القدرة .. كره وأجزأه على الصحيح.
وقيل: القيام شرط فيه.
وعلى الأول .. في جواز الاضطجاع فيه وجهان، أصحهما: يجوز.
أما العاجز .. فيجوز له القعود بلا كراهة قولًا واحدًا.
ويجوز على الراحلة في السفر كالنافلة، ففي (الترمذي) [411] بإسناد صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك).
وهل يجوز ماشيًا؟ قال الماوردي: إن انتهى في مشيه إلى حيث لا يسمع من كان في موضع ابتدائه بقية أذانه .. لم يجز، وإلا .. أجزأه.
وهذا الحكم والذي بعده يستوي فيما الأذان والإقامة، وعبارة المصنف قاصرة عن ذلك.
ويستحب أن يؤذن على موضع عال، وأن يضع إصبعيه في صماخي أذنيه؛ لأن ذلك أجمع للصوت، ويستدل به الأصم على الأذان، وقال الروياني: لا يستحب ذلك في الإقامة وهو ظاهر.
قال (للقبلة)؛ لأنها أشرف الجهات.
وقيل: الاستقبال فيه شرط، لكن يستحب الالتفات في الحيعلتين، بأن يلوي رأسه وعنقه من غير أن يحول صدره عن القبلة، فيلتفت عن يمينه فيقول: حي على
وَيُشْتَرَطُ تَرْبِيتُهُ، وَمُوَالاَتُهُ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَضُرُّ كَلاَمٌ وَسُكُوتٌ طَوِيلاَنِ.
الصلاة مرتين، ثم عن شماله فيقول: حي على الفلاح مرتين، فإن كان على مئذنة .. لا يستحب أن يدور عليها خلافًا لأبي حنيفة.
وإنما خص الالتفات بالحيعلتين؛ لأنه دعاء إلى الصلاة، بخلاف باقي الكلمات، والفرق بين هذا وبين كراهة الالتفات في الخطبة: أن المقصود بالأذان إعلام الغائبين، والخطبة وعظ للحاضرين، لكن يشكل على هذا: أن الأصح: استحباب الالتفات في الإقامة، وقيل: لا، وقيل: إن ضاق المسجد .. فلا.
قال: (ويشترط ترتيبه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أبا محذورة كذلك، وهو أمر لا يعقل معناه فيتبع فيه ما ورد، ولأن عكسه يفوت مقصوده، فلو عكسه .. اعتد بأوله وبنى عليه.
قال الماوردي: فلو أذن بالعجمية وهو يحسن العربية .. لم يصح، وكذا إن لم يحسنها بالنسبة إلى غيره، وأما بالنسبة إلى نفسه .. فيعتد به.
قال: (وموالاته)؛ ليعلم السامع أنه أذان، وكذلك الإقامة، ولا يضر سكوت قصير بالاتفاق، ولا يكره ذلك إذا كان لمصلحة كتشميث العاطس ونحوه؛ لأنه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في الخطبة، ففي الأذان أولى، وتردد الشيخ أبو محمد فيما إذا رفع الصوت بالكلام اليسير.
قال: (وفي قول: لا يضر كلام وسكوت طويلان)؛ لأن ذلك في الخطبة لا يوجب استئنافها، فالأذان أولى.
والجواب: أن كلمات الخطبة غير متعينة، بخلاف كلمات الأذان، فيعد قاطعه معرضًا، وموضع الخلاف: ما لم يفحش الطول، فإن فحش بحيث لا يسمى مع الأول أذانًا واحدًا .. استأنف جزمًا.
وَشَرْطُ الْمُؤَذِّنِ: الإِسْلاَمُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالذُّكُورَةُ.
وَيُكْرَهُ لَلْمُحْدِثِ،
وفي (البحر) وجهان في اشتراط النية في الأذان، ذكرهما قبل (باب صلاة المسافر).
قال: (وشرط المؤذن: الإسلام)، فلا يصح أذان الكافر؛ لأنه ليس من أهل الصلاة، فلا يكون داعيًا إليها، فلو أذن .. حكم بإسلامه إن لم يكن عيسويًا، وهم: طائفة من اليهود ينسبون إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني اليهودي، كان في خلافة المنصور يعتقد أن نبينا صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى العرب خاصة، وتبعه على ضلاله بشر كثير من اليهود، وله كتاب وضعه حرم فيه الذبائح، وخالف اليهود في أحكام كثيرة، وليس هذه النسبة إلى عيسى ابن مريم.
والمرتد في أثناء الأذان الأصح: يبني إن عاد إلى الإسلام، وقصر الفصل دون طوله.
قال: (والتمييز)؛ لأن غير المميز ليس من أهل العبادة، وكذلك لا يصح أذان السكران الذي لا تتميز له في الأظهر كالمجنون.
ولو طرأ إغماء في أثنائه .. فالأصح: لا يضر إن قصر زمنه، ولو مات أو جن .. لم يبن غيره على أذانه على الأصح.
قال: (والذكورة)، فلا يصح أذان المرأة والخنثى للرجال قياسًا على إمامتهما لهم، فلو بانت ذكورة الخنثى بعد أذانه .. فالوجه: إجزاؤه.
ويشترط أيضًا: أن يكون عارفًا بالوقت إذا كان راتبًا.
ويستحب أن يكون المؤذن حرًا بالغًا؛ لما روى البيهقي [1/ 426] أن عمر قال لقيس بن أبي حازم التابعي الجليل: (من مؤذنوكم؟) قال: موالينا وعبيدنا، فقال: (إن ذلك لنقص كبير).
ويصح أذان الأعمى، لكن يكره إذا لم يكن معه بصير.
قال: (ويكره للمحدث)؛ لما روى الترمذي [200]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تؤذن إلا وأنت متوضئ)، والأصح: أنه موقوف على أبي هريرة.
وَلِلْجُنُبِ أَشَدُّ، وَالإِقَامَةُ أَغْلَظُ.
وَيُسَنُّ صَيِّتٌ، حَسَنُ الصَّوْتِ، عَدْلٌ
وصح عنه صلى الله عليه وسلم: أنه لما سلم عليه المهاجر بن قنفذ وهو يبول .. لم يرد عليه حتى توضأ، ثم قال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)، ولأنه دعاء وذكر وذلك على طهارة أفضل، وظاهر عبارته الكراهة للمتيمم وإن أباح تيممه الصلاة؛ لأنه محدث عند الشافعي، وبه صرح ابن الرفعة، وكذلك فاقد الطهورين والسلس، لكن تعليلهم يقتضي: عدم الكراهة لهما وهو الظاهر.
قال: (وللجنب أشد)؛ لأن حدثه أغلظ، وينبغي أن يكون للحائض أغلظ، وفي (الكفاية) وجه عن (البحر): أن الجنب يحرم عليه الأذان.
والذي قاله مخصوص بما إذا أذن في غير المسجد، فإن أذن فيه أو في رحبته .. أثم بالمكث وصح أذانه.
قال: (والإقامة أغلظ)؛ لطول أمد التخلف للطهارة، ولأنه يوقع الناس فيه بسبب انصرافه، ولأن الطهارة بعدها ربما فوتت الصلاة.
قال: (ويسن صيت) أي: عالي الصوت؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: (ألقه على بلال؛ فإنه أندى منك صوتًا)، والمعنى فيه: زيادة الإبلاغ.
و (الأندى): هو الأبعد مدى، هذا هو المشهور في اللغة.
وفي (نهاية ابن الأثير) - قول ضعيف- أنه الأحسن.
قال: (حسن الصوت)؛ ليرق قلب السامع ويميل إلى الإجابة، ولأن الداعي ينبغي أن يكون حلو المقال، وروى الدارمي [1232] وابن خزيمة [377]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عشرين رجلًا فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان).
ويكره التمطيط والتطريب والتغني في الأذان.
قال: (عدل)؛ ليقبل خبره، ويؤمن إلى العورات نظره، وفي (أبي داوود) [591]
وَالإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الأَصَحِّ
و (ابن ماجه) [726] عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليؤذن لكم خياركم)، ولذلك قال الشافعي: يستحب أن يكون المؤذن خيار الناس، فلو أذن فاسق .. تأدى الشعار به، لكن لا يقلد ولا يقبل خبره في دخول الوقت كالصبي المميز، بخلاف الكافر؛ فإن أذانه لا يصح كما تقدم.
فرع:
يستحب أن يكون المؤذن من ذرية من جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأذان فيهم، وهم أربعة: بلال وابن أم مكتوم كانا بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ بقباء، فإن عدم أقرباؤهم فأقرباء الصحابة.
وأن يكون عارفًا بالوقت، إلا الراتب فيشترط ذلك فيه، وإذا كانت الليلة ذات ريح ومطر يستحب أن يقول بعد الأذان: ألا يصلوا في رحالكم، فإن قاله بعد الحيعلتين .. جاز، فلو جعله عوضًا عنهما .. جاز، ففي (صحيح البخاري): (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك).
قال: (والإمامة أفضل منه) أي: من الشعار المتقدم من الأذان والإقامة في الأصح)؛ لأنها أشق.
وفي (الصحيحين) [خ628 - م674] عن مالك بن الحويرث قال: قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (ليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم).
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين اختاروها، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم أذن مرة في السفر كما تقدم؛ فلأنه عليه الصلاة والسلام لو
قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ
أذن .. لوجب الحضور على من سمعه، واختار هذا الشيخ تبعًا للرافعي.
ونقل في (الأحياء) عن بعض السلف أنه قال: ليس بعد الأنبياء عليهم صلاة والسلام أفضل من العلماء، ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين؛ لأنهم قاموا بين الله وبين خلقه، هؤلاء بالنبوة، وهؤلاء بالعلم، وهؤلاء بعماد الدين وهي الصلاة، وبهذه الحجة احتج الصحابة في تقديم الصديق للخلافة؛ إذا قالوا: نظرنا فإذا الصلاة عماد الدين، فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، وما قدموا بلالًا؛ احتجاجًا بأنه رضيه للأذان.
قال: (قلت: الأصح: أنه أفضل والله أعلم)؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله﴾.
قالت عائشة: (هم المؤذنون)، رواه ابن أبي شيبة [1/ 255]، وأبو موسى في (معرفة الصحابة)، لكنه معارض بقول ابن عباس: إن المراد بها النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قوله تعالى: ﴿يقومنا أجيبوا داعي الله وءامنوا به﴾.
قال ابن الرفعة: وكأنه الصحيح؛ لأن الآية مكية بلا خلاف، والأذان إنما ترتيب بالمدينة.
لكن في (الصحيحين) [خ615 - م437] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلمون ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه .. لاستهموا عليه).
وروى أحمد [2/ 266] وأبو داوود [516] والنسائي [2/ 12] عن أبي هريرة رفعه: (المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس).
وروى الحاكم [1/ 205] وابن ماجه [728] عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أذن اثنتي عشرة سنة .. وجبت له الجنة).
وفي (ابن ماجه) [727] و (الترمذي) [206] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أذن [محتسبًا] سبع سنين .. كتب الله له براءة من النار).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروى الطبراني في (أصغر معاجمه) [499] عن أنس رفعه: (إذا أذن في قرية .. أمنها الله من عذابه في ذلك اليوم).
وروى أبو داوود [518] والترمذي [207] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم؛ أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين).
والأمانة أعلى في الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد.
وروى مسلم [387] عن معاوية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة)، واختلفوا في معناه، فقيل: أكثر رجاء لرحمة الله تعالى، وقيل: لا يلجمهم العرق.
وروى: (إعناقًا) بالكسر، أي: إسراعًا إلى الجنة.
وروى أبو الشيخ الحافظ عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أذن خمس صلوات إيمانًا واحتسابًا .. غفر له ما تقدم من ذنبه).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروى أبو بكر الخطيب في كتاب (موضح أوهام الجمع والتفريق [1/ 54] عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول من يدخل الجنة الأنبياء، ثم مؤذنوا البيت الحرام، ثم مؤذنوا بيت المقدس، ثم مؤذنو مسجدي، ثم سائر المؤذنين).
قال: ومؤذن البيت الحرام بلال.
وروى ابن عدي [6/ 120]، والبخاري في (التاريخ) [1/ 37]، والعقيلي [4/ 21] في ترجمة محمد بن إسماعيل الضبي: أنه روى عن ابن عباس أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني عملًا أدخل به الجنة، قال: (كن مؤذنًا)، قال: لا أقدر على ذلك، قال: (فكن إمامًا)، قال: لا أقدر على ذلك، قال: (فصل بإزاء الإمام).
وروى الحاكم [1/ 151] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة لذكر الله)، وقال عمر رضي الله عنه: (لولا الخليفي .. لأذنت)، رواه البيهقي [1/ 426].
وقال ابن مسعود: لو كنت مؤذنًا .. ما باليت أن لا أحج ولا أغزو.
وقال الحسن البصري: أهل الصلاح والخشية من المؤذنين أول من يكسى يوم القيامة.
ويشكل على المصنف: أن الإمامة إقامة للجماعة، وهي فرض كفاية عنده، فكيف يكون الأذان المستحب أفضل منها؟
وقيل: هما سواء في الفضيلة؛ لما روى أحمد والترمذي [2566] عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة: رجل أم قومًا وهم به راضون، ورجل يؤذن في كل يوم خمس صلوات، وعبد أدى حق الله وحق مواليه).
وَشَرْطُهُ الْوَقْتُ
وقيل: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع فضائلها .. فهي أفضل، ولذلك يتعين لها الأفضل علمًا وروعًا وسنًا.
قال الشافعي: ولا أكره الإمامة إلا من أجل أنها ولاية، وأنا أكره سائر الولايات.
والأصح في زوائد (الروضة)، وبه صرح أبو علي الطبري والماوردي والقاضي أبو الطيب: أنه يستحب للصالح لهما أن يجمع بينهما.
واستنبط ابن حبان [1668] من قوله صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير .. فله مثل أجر فاعله) أن المؤذن يكون له مثل أجر من صلى بأذانه؛ لأنه دعاه إلى ذلك.
فروع:
يستحب أن يكون الأذان بقرب المسجد، ويكره أن يخرج من المسجد بعد الأذان قبل أن يصلي إلا لعذر.
ويستحب أن لا يكتفي أهل المساجد المتقاربة بأذان بعضهم، بل يؤذن في كل مسجد.
ووقت الأذان منوط بنظر المؤذن، لا يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام، والإقامة بنظر الإمام، فلا يقيم إلا بإذنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة) رواه [ابن] عدي [4/ 12] من رواية أبي هريرة، فلو أقام المؤذن بغير إذن الإمام .. اعتد به على الصحيح.
قال: (وشرطه الوقت)؛ لأنه إعلام به، فلا يصح قبله اتفاقًا، وكما لا يصح لا يجوز أيضًا؛ لما فيه من الإلباس، لكن تسقط مشروعيته بفعل الصلاة، كذا نص عليه البويطي.
ولو نوى المسافر تأخير الصلاة .. ففي استحباب الأذان في وقت الأولى نظر،
إِلاَّ الصُّبْحَ فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ.
وَيُسَنُّ مُؤَذِّنَانِ لِلْمَسْجِدِ؛ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَآخَرُ بَعْدَهُ
ويظهر تخريجه على أنه حق للوقت أو الصلاة، فإن قلنا بالأول .. أذن، وإلا .. فلا.
قال: (إلا الصبح)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)، رواه الشيخان [خ618 - م1092].
زاد البخاري: وكان رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت.
ولأن وقتها يدخل وفيهم الجنب والنائم، فاستحب تقديم أذانها ليتهيؤوا لإدراك فضيلة أول الوقت، ولهذا اختصت بالتثويب.
وقيل: لا يستحب ذلك في بلد لم يعتادوه كيلا يلتبس عليهم.
قال: (فمن نصف الليل)؛ لأن معظمه قد ذهب، ولأنه يشبه الدفع من مزدلفة، ولهذا يقال فيه عند التحية: صباح مبارك، وصححه في (شرح المهذب).
وعبارة (المحرر): آخر الليل، فغيرها المصنف إلى ما صححه.
والثاني: من ذهاب وقت الاختيار للعشاء، وهو الثلث أو النصف، وصححه في (الروضة).
والثالث- وصححه الرافعي-: أنه إن كان في الشتاء .. فمن سبع يبقى، ولنصف سبع في الصيف.
والرابع: جميع الليل.
والخامس: أنه من السحر قبل طلوع الفجر، وصححه الشيخ تبعًا للقاضي والبغوي والمتولي- وضبطه بما بين الفجر الكاذب والصادق- ولأنه المنقول عن بلال.
وقيل: بعد ثلثي الليل حكاه في (الأذكار) وهو غريب.
فلو أراد الاقتصار على أحدهما .. قال المتولي: اقتصر على الثاني.
قال: (ويسن مؤذنان للمسجد؛ يؤذن واحد قبل الفجر، وآخر بعده)، كما كان
وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ،
بلال وابن أم مكتوم، فيعلم بأذان أحدهما ذاك، وبأذان الآخر هذا، بخلاف ما إذا أذن أحدهما مرتين.
وذكر المسجد مثال، والأول أولى بالإقامة، فإن كان للمسجد مؤذن واحد .. أذن مرتين.
وقال الغزالي: إذا كان للمسجد مؤذن واحد .. منع من الأذان قبل الفجر؛ لئلا يشوش.
فإن احتيج إلى زيادة .. زيد إلى أربعة ولا يتعداها، قاله الجمهور.
وقال جماعة من المحققين منهم المصنف: ضابطه الحاجة والمصلحة، فيزاد وينقص بحسب ذلك، فإن زاد على ذلك للحاجة .. جاز، لكن في كراهة الزيادة على أربع خلاف، صحح الرافعي الكراهة، والمصنف عدمها وهو المنصوص، فإذا احتاج إلى الزيادة .. جعلهم ستة، فإن احتاج .. جعلهم ثمانية؛ ليكونوا شفعًا لا وترًا، فيؤذنون واحدًا بعد واحد، إلا أن يضيق الوقت فيؤذنون متفرقين في جوانب المسجد إن كان كبيرًا في وقت واحد، ولا يؤذنون مجتمعين.
وقال الماوردي: لا بأس باجتماعهم إذا اتسع البلد؛ لأن اجتماع الأصوات أبلغ في الإعلام.
وقال القاضي حسن: إن اتفقت أصواتهم .. جاز، وإن اختلفت .. لم يجز.
قال: (ويسن لسماعه مثل قوله)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء .. فقولوا مثل ما يقول [المؤذن]) رواه الشيخان [خ611 - م383] عن أبي سعيد.
ويستحب أن يتابع عقب كل كلمة، لا معها ولا يتأخر عنها، وعبر بـ (السامع) ليؤخذ منه المستمع من باب أولى.
قالوا: ولا فرق في الاستحباب بين الجنب والحائض.
قال الشيخ: وفيه نظر؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر).
قال: (والتوسط أنه يستحب للمحدث دون الجنب والحائض؛ لأنه كان يذكر الله على كل أحيانه إلا لجنابة.
إِلاَّ فِي حَيْعَلَتَيْهِ فَيَقُولُ: (لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ)
وأفهم كلام المصنف: أنه لا يجيب في الترجيع، واختار المصنف أنه يجيب فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (قولوا مثل ما يقول)، ولم يقل: مثل ما سمعتم، فلو علم أنه يؤذن ولكن لم يسمعه لصمم ونحوه .. لم يجبه.
وكلام المصنف على إطلاقه في الخالي عن الشغل، وكذا المشغول بالقراءة والذكر والتدريس، فيقطع ما هو فيه ويجيب المؤذن ثم يعود إلى ما كان فيه، وكذا إذا سمع وهو طائف .. يجيب.
وأما المصلي .. ففيه أقوال أصحها: يكره؛ لأنه يشغله إلا في: صدقت وبررت، فإن أتى بذلك عالمًا بالصلاة، وبأن ذلك مفسد .. بطلت صلاته.
وإن كان ناسيًا أو جاهلًا .. فلا في الأصح.
ولو سمع مؤذنًا بعد مؤذن .. قال المصنف: المختار: أنه يختص بالأول؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، والأفضل أن يجيب كلًا منهما، ووافق ابن عبد السلام على ذلك في الصبح والجمعة، فقال فيهما: يجيب على السواء.
وقال الرافعي في كتاب (أخطار الحجاز) - وليته قال: خواطر-: إن سمع ثم صلى جماعة .. لا يجيب الثاني؛ لأنه غير مدعو بهذا الأذان، وهو حسن.
ولو لم يجب المؤذن حتى فرغ .. تدارك قبل طول الفصل لا بعده، وينبغي أن يستثنى من هذا ما إذا شرع خطيب الجمعة بعد الأذان في الخطبة؛ فإن الإنصات آكد.
قال: (إلا في حيعلتيه فيقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال المؤذن: حي على الصلاة .. قال سامعه: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح .. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله) رواه مسلم [385] ولأن الحيعلة دعاء للصلاة، فحسن لسامعها الإتيان بما تقدم عوضًا عنها.
وفي (الصحيحين) [خ4205 - م2704] عن أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسلم قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) أي: أجرها مدخر لقائلها، كما يدخر الكنز.
وروى البيهقي في (الشعب) [1/ 664] عن ابن مسعود أنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال صلى الله عليه وسلم: (تدري ما تفسيرها؟) قلت: لا، قال: (لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله عز وجل إلا بعون الله)، ثم ضرب بيده على منكبي وقال: (هكذا أخبرني جبريل عليه السلام).
والحاء والعين لا يجتمعان في كلمة واحدة أصلية الحروف لقرب مخرجها، إلا أن تؤلف كلمة بكلمتين كقولهم: بسمل إذا قال: باسم الله، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، هكذا قاله الجوهري.
وقال الأزهري وغيره: حولق بتقديم اللام على القاف، وقالوا: سبحل إذا قال: سبحان الله، وحمدل إذا قال: الحمد لله، والهيللة: لا إله إلا الله، والجعفلة: جعلت فداك، والطلبقة: أطال الله بقاءك، والدمعزة: أدام الله عزك.
ومعنى (حي على الصلاة): هلم وأقبل إليها، وقال الزمخشري: أسرع.
قُلْتُ: وَإِلاَّ فِي التَّثْوِيبِ، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ، وَالله أَعْلَمُ
و (الفلاح): الظفر بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.
والحوقلة في الأذان أربع، لكل حيلعة واحدة، فلو عبر بقوله: في حيعلاته .. لشملها.
وفي (تلخيص الروياني): يقول ذلك مرتين: مرة عند حي على الصلاة، ومرة عند حي على الفلاح، واختاره ابن الرفعة، لكنه صحح في الحيعلة موافقة الجمهور.
فرع:
في الجمع بين الأذان والإمامة ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ذلك مكروه؛ لما روي عن جابر وأنس- بإسناد ضعيف- (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يكون المؤذن إمامًا).
والثاني: يستحب؛ ليحور الفضيلتين، وهذا ما صححه في (شرح المهذب)، قال: (وقد نقل القاضي أبو الطيب الإجماع على جواز كون المؤذن إمامًا واستحبابه.
والثالث: أن ذلك لا يستحب، وصححه الرافعي في (الشرح)، وحمل الماوردي والروياني ذلك على اختلاف أحوال الناس.
قال: (قلت: وإلا في التثويب، فيقول: صدقت وبررت والله أعلم)؛ لأنه مناسب، وادعى ابن الرفعة أن خبرًا ورد فيه، ولا يعرف ما قاله.
و (بررت) بكسر الراء الأولى وسكون الثانية.
وفي وجه يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمشهور: استحباب الإجابة في كلمات الإقامة.
وقيل: لا يجيب إلا في كلمتيها، فيقول: (أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض) كما رواه أبو داوود [529]، لكن بإسناد ضعيف.
وَلِكُلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِسَلَّمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ، ثُمَّ: (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ؛ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ)
وقال الإمام: يقول: اللهم؛ أقمها وأدمها واجعلني من صالحي أهلها، وهو أيضًا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ولكل) أي: من السامع والمؤذن (أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغه)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن .. فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي صلاة .. صلى الله عليه به عشرًا) رواه مسلم [384].
قال: (ثم) يقول: ((اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة؛ آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته))؛ لما روى البخاري [614] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال ذلك .. (حلت له شفاعتي يوم القيامة).
وقوله: (اللهم) أصله: يا الله، حذف منها ياء وعوض عنها الميم، ولهذا لا يجوز الجمع بينهما.
ووصف هذه الدعوة بالتمام؛ لأنها ذكر الله، ويدعى بها إلى عبادته.
و (الصلاة القائمة) أي: التي ستقام وتفعل بصفاتها.
و (الوسيلة) أصلها: ما يتوصل به إلى الشيء، والجمع: وسائل، والمراد بها في الحديث: القرب من الله تعالى، وقيل: منزلة في الجنة كما ثبت في (صحيح مسلم) [384].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي (شرح الصابن) للجيلي: (الوسيلة والفضيلة): قبتان في أعلى عليين: إحداهما من لؤلؤة بيضاء يسكنها محمد صلى الله عليه وسلم وآله، والأخرى من ياقوتة صفراء يسكنها إبراهيم وآله عليهم الصلاة والسلام.
وذكر في (الروضة) أيضًا: مقامًا محمودًا منكرًا، وقال في (الدقائق): إنه ثبت كذلك في (الصحيح)، وإنه موافق لقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾.
وفي (المحرر) و (الشرح): (المقام المحمود) معرفًا، وهو صحيح أيضًا، رواه ابن خزيمة [420] والنسائي [2/ 27] وابن حبان [1689] والبيهقي [1/ 410] بإسناد صحيح، والمراد: مقام الشفاعة العظمى في القيامة؛ حيث يحمده الأولون والآخرون، والحديث بطوله في (الصحيح).
وقال مجاهد والطبري: المقام المحمود هو: أن الله تعالى يجلسه على العرش.
والحكمة في سؤال ذلك- وهو واجب الوقوع بوعد الله تعالى-: إظهار شرفه وعظيم منزلته صلى الله عليه وسلم.
ووقع في (الشرح) و (الروضة) و (المحرر) بعد (والفضيلة) زيادة: والدرجة الرفيعة، ولا وجود لها في كتب الحديث.
ويستحب أن يقول بعد أذان الصبح: (اللهم؛ هذا إقبال نهارك، وإدبار ليلك، وأصوات دعاتك، فاغفر لي)، وعند إقبال الليل وإدبار النهار: اللهم هذا إقبال ليلك إلى آخره؛ لما روى أبو داوود [531] والترمذي [3589] عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها ذلك.
ويستجيب الدعاء بين الأذان والإقامة؛ لما روى أبو داوود [522] والترمذي [212]: (أن الدعاء حينئذ لا يرد)، والمستحب أن يقعد بينهما قعدة ينتظر فيها الجماعة؛ لأن الذي رآه عبد الله بن زيد أذن وقعد قعدة، ثم أقام إلا في صلاة المغرب؛ لضيق وقتها.
تتمة:
لو وجد أمينًا يتطوع بالأذان، وأمينًا أحسن منه صوتًا لا يتطوع .. قال ابن سريج: يجوز للإمام أن يرزقه، وقال القفال: لا يجوز.
فَصْلٌ:
اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصَلاَةِ الْقَادِرِ
وخرجهما المتولي على القولين فيما إذا طلبت الأم أجرة الرضاع ووجد الأب متبرعة، والأصح: الجواز، وصحح المصنف في مسألتنا الجواز إذا رآه الإمام مصلحة.
ويصح الاستئجار للأذان على الصحيح.
والثالث: يجوز للإمام دون الآحاد.
وتدخل الإقامة في إجارة الأذان تبعًا، ولا يصح إفرادها بالإجارة.
فإن وجد متطوعًا لا يستأجر عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا) حسنه الترمذي [209].
فلو وجد فاسقًا متطوعًا .. فالصحيح: أنه يرزق أمينًا.
قال: (
فصل
:
استقبال القبلة شرط لصلاة القادر) أي: على الاستقبال؛ لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ أي: نحوه، والاستقبال لا يجب في غير الصلاة، فتعين أن يكون فيها.
وقال صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته- وهو خلاد بن رافع الخرزجي الأنصاري-: (إذا قمت إلى الصلاة .. فأسبع الوضوء، ثم استقبل القبلة) رواه الشيخان [خ6251 - م397].
(والقلة): الكعبة.
سميت قبلة؛ لأن المصلي يقابلها.
وسميت كعبة؛ لارتفاعها، وقيل: لاستدارتها.
وأجمعوا على أنه: لابد من استقبال المصلي القادر، وفي وجه ضعيف: أنه ركن، وسيأتي الفرق بين الركن والشرط.
والاستقبال معتبر بالصدر لا بالوجه.
والفرض في حق التقريب: إصابة عينها، وفي البعيد قولان:
إِلاَّ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ،
الأصح: العين أيضًا، لكن بالظن.
والثاني: الجهة؛ لما صححه الترمذي [344] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وصح عن عمر رضي الله عنه، ولا يقوله إلا عن توقيف، وبدليل صحة صلاة الصف المستطيل من المشرق إلى المغرب.
وأجيب بأن المسامتة تصدق مع البعد، ولأن المخطئ فيه غير متعين.
والمسألة معروفة بالإشكال.
واحترز بـ (القادر) عن المريض الذي لا يجد من يوجهه، والمربوط على خشبة، والغريق، فكل منهم يصلي ويعيد كما ذكره الرافعي في آخر التيمم، وكذلك من يخاف من نزوله عن دابته على نفسه أو ماله، وسيأتي حكمه في قوله: (أو سائرة فلا).
قال: (إلا في شدة الخوف)، فإن ذلك لا يشترط في الصلاة المفروضة والنافلة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾.
قال ابن عمر: (مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها).
قال مالك: قال نافع: لا أراه ذكر إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي [3/ 255]: وهو ثابت من جهة موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في (صلاة شدة الخوف).
نعم؛ يستثنى من ذلك ما لو أمن وهو راكب؛ فإنه يشترط في البناء أن يستقل القبلة، فإن استدبرها .. بطلت بالاتفاق.
فلو قدر أن يصلي قائمًا إلى غير القبلة، وراكبًا إليها .. وجب الاستقبال راكبًا؛ لأنه آكد من القيام؛ لأن القيام يسقط في النافلة بغير عذر، بخلاف الاستقبال.
وَنَفْلِ السَّفَرِ.
فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَقُّلُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا،
قال: (ونفل السفر) أي: سفر البر المباح ماشيًا، أو على راحلة لا محمل عليها يتمكن فيه من الاستقبال، فإنه يصلي حيث توجه؛ لقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾.
قال ابن عمر: نزلت في التطوع خاصة.
وفي (الصحيحين) [خ1098 - م700/ 39]: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على ظهر راحلته حيث توجهت به، وإذا أراد الفريضة .. نزل عنها واستقبل القبلة).
والمعنى فيه: أن لا ينقطع المتعبد عن السفر، ولا المسافر عن العبادة، وشملت عبارته النوافل كلها.
وعن الصيدلاني: لا تجوز صلاة العيد والكسوف والاستسقاء على الراحلة وإن قلنا: إنها سنة؛ لنذرتها.
وخرج بالنفل: الفرض والمنذورة وصلاة الجنازة، فلا تصلى على الراحلة على الصحيح، ولا يترك فيها الاستقبال.
ووقع في (شرح المهذب) تصحيح امتناع المشي فيها، وهو سهو.
وأما النافلة الحضر .. فإنها لا تجوز على الراحلة ولا مشيًا، ولا بد فيها من الاستقبال، وجوزها الإصطخري على الراحلة حيث توجهت؛ لعموم حديث جابر، واختاره القفال.
ووجه بأن الإنسان قد تعرض له حاجة في البلد، والزمان زمان تعبد، فلو منعناه من التنفل في تلك الحالة .. لفاته أحد أمرين: إما حاجته، وإما عبادته.
قال: (فللمسافر التنفل راكبًا)؛ للحديث المتقدم.
والشرط فيه: أن يكون له مقصد معلوم، وأن يكون السفر مباحًا، وأن يترك الأفعال الكثيرة من غير عذر كالركض والعدو.
قال: (وماشيًا) بالقياس على ما تقدم؛ لأن المشي أحد السفرين، بل هو أشق،
وَلاَ يُشْتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِقْبَالُ الرَّاكِبِ فِي مَرْقَدٍ، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ .. لَزِمَهُ، وَإِلاَّ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ سَهُلَ الاِسْتِقْبَالُ .. وَجَبَ،
وأيضًا استويا في صلاة الخوف فكذا في النافلة، وخالف فيه مالك وأبو حنيفة، وبقولهما قال بعض الأصحاب.
وقيل: يجوز بشرط استقبال القبلة في جميع الصلاة.
قال: (ولا يشترط طول سفره على المشهور)؛ لإطلاق الخبر، ولأن المعنى موجود في الطويل والقصير، وهو: عموم الحاجة والتوسع في النفل، بخلاف القصر.
والثاني: يشترط؛ لأنه تغيير ظاهر في الصلاة، فأشبه القصر، وكان ينبغي أن يعبر بالمذهب كما في (الروضة)، فإن الراجح: القطع به.
أما المسافر في البحر .. فيشترط في تنفله الاستقبال في كل الصلاة، وخص الماوردي وصاحب (العدة) ذلك بما إذا لم يكن المتنفل مسير المركب، فإن كان .. فله أن يتنفل إلى جهة سيره، وصححه المصنف، وصحح في (الشرح الصغير) المنع.
قال: (فإن أمكن استقبال الراكب في مرقد) كالمحمل الواسع (وإتمام ركوعه وسجوده .. لزمه)؛ لسهولته كراكب السفينة.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يكن ذلك (.. فالأصح: أنه إن سهل الاستقبال)؛ لتيسره، بأن كانت: واقفة وتسير عن قرب وأمكن انحرافه عليها أو إحرافها، أو سائرة وبيده زمامها وهي سهلة.
قال: (.. وجب)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر، وأراد أن يتطوع .. استقبل بناقته القبلة، فكبر ثم صلى حيث وجه ركابه، رواه أبو داوود [1218] بإسناد حسن.
وَإِلاَّ .. فَلاَ.
وَيَخْتَصُّ بِالتَّحَرُّمِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي السَّلاَمِ أَيْضًا.
وَيَحْرُمُ انْحِرَافُهُ عَنْ طَرِيِقِهِ
قال: (وإلا .. فلا) أي: وإن لم يسهل لكونها مقطورة أو صبعة ولم يمكن انحرافه عليها .. لم يجب في شيء منها؛ لما فيها من المشقة.
والثاني: يجب مطلقًا؛ لمراعاة للشروط في الأول.
فعلى هذا: إن تعذر الاستقبال في تلك الحالة .. لم تصح الصلاة.
والثالث: إن كانت الدابة عند الافتتاح متوجهة إلى طريقه .. لم يكلف تحويلها إلى القبلة، وإلا .. كلف.
ومقتضى عبارته .. أن الواقف إذا سهل عليه إدارتها، أو انحرافه عليها .. إنما يجب عليه الاستقبال حال التحرم فقط، وهو بعيد.
والقياس كما قاله ابن الصباغ: أنه ما دامت واقفة .. لا يصلي إلا إلى القبلة، فإذا أراد السير .. انحراف إلى طريقه.
وحكى القاضي حسين وجهين فيمن ركب الحمار مقوبًا وصلى النفل إلى القبلة، هل يجوز أو لا؛ لأن قبلته في هذه الحالة وجهة دابته؟ والأصح: الصحة؛ لأنها إذا صحت لغير القبلة .. فإليها أولى.
قال: (ويختص بالتحرم) أي: الوجوب الذي ذكرناه؛ لأنه حال العقد.
قال: (وقيل: يشترط في السلام أيضًا)؛ ليحصل الاستقبال في طرفي الصلاة وهو ضعيف.
أما في غيرهما .. فالمذهب: الجزم بأنه لا يجب فيه الاستقبال.
وقيل: يجب في الركوع والسجود، وبه جزم في (التنبيه).
وقال في (التصحيح): الصواب: أنه لا يشترط في الركوع والسجود، فاقتضى: أنه لا خلاف في ذلك.
وليس كما قال، بل هو وجه حكاه القاضي أبو الطيب والبندنيجي، وصححه الروياني.
لكن المصنف قال: إنه باطل لا يعرف ولا أصل له.
قال: (ويحرم انحرافه عن طريقه)؛ لأن استقباله وترك القبلة إنما كان للحاجة، ولا حاجة له في غيره، فإن انحرف عمدًا .. بطلت صلاته، وكذلك عند النسيان إن طال الزمان.
إِلاَّ إِلَى الْقِبْلَةِ.
وَيُومِئُ بَرُكُوعِهِ، وَسُجُودُهُ أَخْفَضَ
نعم؛ يستثنى من انحراف زمنًا يسيرًا، أو لجماح الدابة، أو عروض الريح للسفينة.
قال: (إلا إلى القبلة)؛ لأنها الأصل، وطريقة بدل عنها.
هذا إذا كانت القبلة عن يمينه أو يساره، فإن كانت خلفه فانحرف إليها عمدًا .. بطلت صلاته لتخلل المنافي.
وهذه لا ترد على المصنف؛ لأن الانحراف إنما يستعمل عرفًا عن اليمين والشمال، أما إلى ورائه .. فيقال له: التفات ولم يعبر به.
كل هذا الحكم والتفصيل في المصلي على الأرض إذا انحرف عن القبلة أو إليها، فلو أماله غيره قهرًا، فعاد بعد طول الفصل .. بطلت بلا خلاف، وكذا على القرب على الأصح؛ لأنه نادر.
ولو كان له مقصد فقصد غيره في أثناء صلاته .. وجب انحرافه إليه، ويصير قبلة بمجرد القصد.
قال: (ويومئ بركوعه، وسجوده أخفض)؛ لقوله في حديث البخاري [1000]: يومئ إيماء، وجعل السجود أخفض من الركوع واجب كما جاء في (صلاة المريض): (واجعل سجودك أخفض).
ولا يجب عليه وضع الجبهة على السرج ونحوه، ولا يبلغ غاية جهده في الانحناء، بل يكفيه مجرد الانحناء للركوع والسجود.
وقول المصنف: (أخفض) منصوب على الحال.
نعم؛ يشترط ترك الأفعال التي لا يحتاج إليها كركض الدابة وضربها، فإن حرك رجليه للسير .. لم تبطل إلا أن يكثر بغير عذر.
ويشترط طهارة ما يلاقي بدنه وثوبه، فلو بالت أو وطئت نجاسة أو أوطأها .. لم تبطل، وفي الإيطاء وجه.
أما راكب الدابة إذا جعل وجه للقبلة وظهره لمقصده .. ففيه وجهان، أصحهما: الصحة؛ لأنها إذا صحت لغير القبلة .. فإليها أولى.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الْمَاشِيَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا وَفِي إِحْرَامِهِ، وَلاَ يَمْشِي إِلاَّ فِي قِيَامِهِ وَتَشَهُّدِهِ.
وَلَوْ فَرْضًا عَلَى دَابَّةٍ وَاسْتَقْبَلَ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَهِيَ وَاقِفَةٌ .. جَازَ، أَوْ سَائِرَةٌ .. فَلاَ
قال: (والأظهر: أن الماشي يتم ركوعه وسجوده، ويستقبل فيهما وفي إحرامه)؛ لسهولة ذلك عليه.
والثاني: يومئ بهما كالراكب، وعلى هذا: لا يستقبل في ركوع ولا سجود ولا في تشهد.
قال: (ولا يمشي إلا في قيامه وتشهده)؛ لطول زمنهما.
والثاني: يجب عليه التشهد والسلام قاعدًا مستقبلًا؛ لخفتهما.
والثالث: أنه كراكب سهل عليه الاستقبال؛ لأن كثرة اللبث قد تفضي إلى الانقطاع عن الرفقة.
واقتضى كلامه أن هذه الرخصة لا تثبت في حق المقيم، ولا في حق قاصد عرفة إذا خاف فوت الوقت، وهو الأصح في المسألتين.
ويمشي حال اعتداله، دون جلوسه بين السجدتين؛ لأن قيامه غير جائز، قاله البغوي وغيره.
قال: (ولو صلى فرضًا على دابة واستقبل وأتم ركوعه وسجوده) أي: وقيامه وغيره.
ولو قال: وأتم أركانها .. كان أولى.
قال: (وهي واقفة .. جاز)، كما لو صلى على سرير أو في سفينة.
وقيل: لا يجوز، وبه قطع جماعة؛ لأنها ليست للقرار.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون الدابة معقولة أو لا، على خلاف ما يوهمه لفظ (المحرر).
والأرجوحة المعلقة بالحبال كالدابة الواقفة.
قال: (أو سائرة .. فلا)؛ لأنها لا تعد قرارًا في هذه الحالة، ولأن سيرها منسوب إليه بدليل صحة الطواف عليها، بخلاف السفينة فإنها كالدار.
وقيل: يجوز كالسفينة السائرة.
وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا، أَوْ بَابَهَا مَرْدُودًا، أَوْ مَفْتُوحًا مَعَ ارْتِفَاعِ عَتَبَتِهِ ثُلُثَي ذِرَاعٍ، أَوْ عَلَى سَطْحِهَا مُسْتَقْبِلًا مِنْ بِنَائِهَا مَا سَبَقَ .. جَازَ
هذا إذا لم يكن عذر، فإن كان كما إذا خاف من النزول عن الدابة انقطاعه عن الرفقة، أو على نفسه أو ماله .. لم يجز ترك الصلاة، بل يصلي على الدابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسير، فانتهوا إلى مضيق وحضرت الصلاة، فمطروا السماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأقام، فتقدم على راحلته صلى بهم يومئ إيماء، ويجعل السجود أخفض من الركوع، رواه الترمذي [411] بإسناد صحيح، وهذه الصلاة كانت فريضة؛ لأنه أذن لها.
واختلف الأصحاب في وجوب إعادة الصلاة في هذه الحالة على وجهين، الأصح: الوجوب.
و (البلة) بكسر الباء: النداوة.
فرع:
لو صلى على سرير يحمله رجال .. جاز على الأصح في (أصل الروضة)، ومقتضاه: أنه لا فرق بين أن يسيروا به أم لا، وقد صرح بنقله القاضي أبو الطيب عن الأصحاب، وأقره عليه في (شرح المهذب).
والفرق بين السرير والدابة: أن السرير يعد قرارًا وإن سار به حاملوه، بخلاف الدابة ولو وقفت؛ فإنه خلقت للدبيب، والسرير للاستقرار.
قال: (ومن صلى في الكعبة، واستقبل جدارها، أو بابها مردودًا، أو مفتوحًا مع ارتفاع عتبته ثلثي ذراع، أو على سطحها مستقبلًا من بنائها ما سبق .. جاز)؛ لأنه في كل ذلك يعد مستقبلًا لجزء من البيت.
وفي (الصحيحين) [خ397 - م1329] عن ابن عمر قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، فلما . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتحوا .. كنت أول من ولج فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين).
فإن قيل: في (الصحيحين) [خ398 - م1330] أيضًا عن أسامة، وفي (البخاري) عن أنس: (أنه عليه الصلاة والسلام لم يصل).
فالجواب: أن الدخول كان مرتين: لم يصل في المرة الأولى، وصلى في الثانية، كذا رواه أحمد [1/ 311] وابن حبان [3207]، فثبت جواز النفل فيها، وقسنا عليه الفرض؛ لأن الاستقبال شرط فيهما في حق الحاضر.
ومنع مالك وأحمد الفرض، ومنع ابن جرير الفرض والنفل، وهو غلط؛ لمخالفة الحديث، بل الصلاة فيها أفضل إلا في حالتين:
إحداهما: المكتوبة إذا رجا جماعة .. ففعلها خارج الكعبة أفضل.
والثاني: النوافل؛ فإن صلاة المرء في بيته أفضل.
وخرج من ذلك المنذورة، وقضاء الفائتة، والفريضة إذا لم يرج جماعة .. ففعلها في الكعبة أفضل.
وذكر المصنف الجدار ليس بقيد، فلو جمع تراب العرصة أو السطح، أو سمر عصا وصلى إلى ذلك .. جاز، كذا جزم به الأصحاب، وصححوا صلاة الواقف عند الركن إن لم يخرج بعضه عنه.
والفرق: أن الذي استقبل الجزء الشاخص مستقبل له بأسفله، ولهواء الكعبة بأعلاه، ومستقبل العصا المسمرة يعد مستقبلًا.
ولو استقبل الحجر .. لو يصح في الأصح؛ لأن كونه من البيت ثبت بخبر الواحد، والقبلة لا تثبت إلا بالقطع.
وما ذكره في ارتفاع العتبة هو الأصح وهو تقريب.
وقيل: يشترط أن يكون الشاخص ذراعًا، وقيل: قدر قامة المصلي طولًا وعرضًا، وقيل: يكفي أدنى شخوص، وقيل: لا يشترط شاخص.
وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ .. حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ وَالاِجْتِهَادُ،
فلو صلى على بعض الجبال المحيطة بمكة، أو على سطح أعلى من الكعبة .. صحت صلاته.
فإن كان في هذه الحالة مقتديًا بمن في المسجد الحرام .. ففي (الحاوي الصغير): تصح صلاته، وفي (الكافي) عن النص: لا تصح؛ لن بينهما دورًا مملوكة، وهذا هو الصواب؛ لأن مكان المأموم أعلى، ولم يحاذ بجزء.
قال: (ومن أمكنه علم القبلة .. حرم عليه التقليد والاجتهاد)، كما إذا كان بمكة أو فوق جبل أبي قبيس .. فلا اجتهاد في حقه ولا تقليد، كالحاكم إذا وجد النص.
وإن لم يكن كذلك .. نظر إن كان بين المكي وبينها حائل خلقي كالجبل .. فإنه يجتهد، وادعى المصنف أنه لا خلاف فيه، لكن ابن الرفعة حكى عن القاضي أبي الطيب: أنه لا يجوز له الاجتهاد، وهو غريب، وإن كان الحائل طارئًا كالجدار .. جاز أيضًا على الصحيح.
والثاني- ونص عليه في (البويطي) -: أنه لابد من المعاينة، بأن يرقى مثلًا على سطح، وهذا وارد على المصنف؛ فإنه أمكنه علم القبلة وجاز له الاجتهاد، والأخذ بقول ثقة.
فرع:
إذا كان المصلي بالمدينة، أو في موضع صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم .. لا يجتهد فيه، لكن عليه أن يتوجه حيث توجه النبي صلى الله عليه وسلم، ويجري ذلك مجرى عين الكعبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ.
ومن الأصحاب من ألحق به قبلة البصرة والكوفة؛ لنصب الصحابة لهما.
قال الشيخ: وقضيته أن يلحق به جامع مصر العتيق؛ لما اشتهر من بناء الصحابة له.
قال: لكن محرابه القبلي تقدم عما كان عليه، فحصل بسببه خلل يسير.
وَإِلاَّ .. أَخَذَ بِقَوْلِ ثِقَةٍ يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ، فَإِنْ فَقَدَ وَأَمْكَنَ الاِجْتِهَادُ .. حَرُمَ التَّقْلِيدُ.
وأما قبلة الجامع الطولوني .. فمنحرفة انحرافًا كثيرًا جدًا.
وقبلة الشافعي والقرافة والأرياف على خط نصف النهار، وذلك مما يؤكد النظر في الأدلة، وأنه لا يكتفي بالمحاريب المجهولة.
قال: (وإلا) أي: إن لم يمكنه، بأن كان غائبًا عن مكة.
قال: (.. أخذ بقول ثقة) أراد بالثقة: مقبول الرواية من رجل وامرأة، وحر وعبد، بشرط البصر، كذا نص عليه في (الأم)، لا صبي على المشهور، ولا فاسق على المذهب.
ويقوم مقام الخبر في ذلك محاريب المسلمين.
قال ابن الصلاح: الإجماع منعقد على إتباعها والعمل بها، قال: فإذا رأى محرابًا في بلد كبير، أو قرية صغيرة يكثر المارون بها حيث لا يقرون على خطأ .. اعتمده.
ولا يجوز الاجتهاد إلا في التيامن والتياسر، فيجوز على الأصح إلا محراب النبي صلى الله عليه وسلم كما تقرر.
قال: (يخبر عن علم)، بأن يكون المخبر فوق جبل، فيقول: ها أنا أشاهد الكعبة، أو هي هنا .. فيلزمه الأخذ بقوله ولا يجتهد.
فإن أخبره عن اجتهاد .. لم يقلده القادر.
قال: (فإن فقد وأمكن الاجتهاد .. حرم التقليد)؛ لأن المجتهد لا يقلد، بل يجتهد بالأدلة، وأضعفها الرياح لاختلافها، ومن أيسرها وأحسنها القطب- مثلث القاف- وهو في بنات نعش بين الجدي والفرقدين.
وأما قول الرافعي والمصنف: إنه نجم .. فوهم، بل هو: نقطة تدور عليها الكواكب المذكورة، يجعله المصلي بالعراق على كتفه الأيمن، وباليمن قبالته مما يلي
وَإِنْ تَحَيَّرَ .. لَمْ يُقَلِّدْ فِي الأَظْهَرِ، وَصَلَّى كَيْفَ كَانَ وَيَقْضِي
الجانب الأيسر، وبالشام وراءه، وبمصر على عاتقه الأيسر، وبحران وراء ظهره، ولذلك قيل: إن قبلتها أعدل القبل.
قال: (وإن تحير)؛ لظلمة أو غيم أو تعارض أدلة أو غير ذلك.
قال: (.. لم يقلد في الأظهر)؛ لأنه مجتهد والتحير عارض قد يزول عن قرب.
والثاني: يقلد كالأعمى، ومنهم من قطع بالأول، ومنهم من قطع بالثاني.
وقيل: إن ضاق الوقت .. قلد، وإلا .. فلا، فهي أربع طرق، والطريقة الأولى أصح، والمذهب: جريان الطرق مطلقًا.
قال: (وصلى كيف كان)؛ لحرمة الوقت.
قال: (ويقضي)؛ لأنه عذر نادر.
وقيل: يصبر إلى أن تظهر القبلة وإن ضاق الوقت.
وَيَجِبُ تَجْدِيدُ الاِجْتِهَادِ لِكُلِّ صَلاَةٍ تَحْضُرُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الاِجْتِهَادِ وَتَعَلَّمِ الأَدِلَّةِ كَأَعْمَىً .. قَلَّدَ ثِقَةً عَارِفًا،
قال: (ويجب تجديد الاجتهاد لكل صلاة تحضر على الصحيح)؛ سعيًا في إصابة الحق؛ لأن الاجتهاد الثاني إن وافق الأول .. ففيه تقوية له، وإن خالفه .. فإنما يخالف إذا كان أقوى، والأخذ بالأقوى واجب.
والثاني: لا يجب؛ إذ الأصل بقاء الظن الأول.
واحترز بقوله: (تحضر) عن النافلة؛ فإن لا يحتاج إلى تجديد الاجتهاد لها قطعًا، والفائتة كالحاضرة، والظاهرة أن المنذورة كذلك، فلو قال: لكل صلاة تفعل .. كان أولى.
قال في (الروضة): قيل: والوجهان فيما إذا لم يفارق موضعه، فإن فارقه .. وجبت الإعادة قطعًا كالتيمم، قال: ولكن الفرق ظاهر في أن أدلة القبلة سماوية، ودلالتها لا تختلف بالمسافة القريبة، ثم جزم في (التحقيق) بالإلحاق بالتيمم.
وصورة المسألة: ما إذا لم يكن المجتهد ذاكرًا للدليل الأول، فإن كان ذاكرًا له .. كفى قطعًا، كالحاكم في واقعة بالاجتهاد الواقعة ثانيًا وهو ذاكر للأدلة .. فإنه يكتفي بها قطعًا.
ونظيره المفتي في الأحكام الشرعية، وفي طلب الماء إذا لم ينتقل عن موضعه كما سبق، والشاهد إذا زكي ثم شهد ثانيًا كما سيأتي في بابه.
قال: (ومن عجز عن الاجتهاد وتعلم الأدلة كأعمى .. قلد ثقة عارفًا) أي: مكلفًا؛ لقوله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم: (هلا سألوا إذا لم يعلموا؟).
وفي معنى الأعمى: البصير الذي لا يمكنه التعلم؛ لأن عمى البصيرة أشد من عمى البصر، فإن صلى من غير تقليد.
لم تصح صلاته وإن أصاب القبلة.
وَإِنْ قَدَرَ .. فَالأَصَحُّ: وُجُوُ التَّعَلُّمِ فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ.
وَمَنْ صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ فَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ،
والتقليد: قبول قول الغير المستند إلى اجتهاد، أما إذا قال: رأيت القطب هنا، أو رأيت الكثير من الناس يصلون إلى كذا .. فهو خبر لا تقليد.
وخرج بالثقة: الكافر والصبي وغير الثقة، لكن لا تشترط الذكورة.
والأعمى يعتمد المحراب باللمس حيث يعتمده البصير، فإن أبصر في أثناء الصلاة، وقارنه ما يعتمده البصير، وهو على جهة القبلة .. استمر، وإلا .. بطلت صلاته، لكن قال الماوردي: يجوز تعلم أدلة القبلة من الكافر إذا وقع في قلبه صدقه.
قال: (وإن قدر)، بأن كان إذا عرف عرف .. (.. فالأصح: وجوب التعلم)؛ لإمكانه، كتعلم الوضوء وغيره من فروض الأعيان.
قال: (فيحرم التقليد) هذا تفريع على أنه فرض عين، كما صححه الرافعي، ووافقه المصنف عليه ههنا.
فإن قلد .. لزمه القضاء، فإن ضاق الوقت عن التعليم والاجتهاد .. فكتحير العارف وقد تقدم الخلاف فيه.
أما إذا قلنا: إنه فرض كفاية .. فله التقليد كالأعمى، ولا قضاء.
وفي ثالث: أنه فرض كفاية إلا أن يريد سفرًا .. فيتعين؛ لعموم حاجة المسافر وكثرة الاشتباه عليه، وصححه المصنف.
قال الشيخ: وينبغي أن يكون مراده السفر الذي يغلب فيه ذلك، أما السفر الذي يكثر فيه الناس والعارفون بالقبلة كركب الحاج مثلًا .. فينبغي أن يكون كالحاضر.
قال: (ومن صلى بالاجتهاد) أي: اجتهاد نفسه، بأن كان مجتهدًا، أو مقلدًا لمجتهد إن لم يكن أهلًا للاجتهاد كالأعمى ونحوه.
قال: (فتيقن الخطأ) أي: من نفسه أو مقلده، سواء أخطأ العين على القول به، أو الجهة على القول بها، أو في التيامن والتياسر بعد أن فرغ منها.
قال: (.. قضى في الأظهر)؛ لأنه تيقن الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فلا يعتد بما مضى، كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه.
فَلَوْ تَيَقَّنَهُ فِيهَا .. وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا
واحترزوا بقولهم: فيما يأمن مثله في القضاء .. عن الخطأ في الوقوف بعرفة، فإن القضاء لا يجب؛ لأن مثله غير مأمون في القضاء.
والثاني- وهو مذهب الأئمة الثلاثة-: لا يقضي؛ لأنه ترك القبلة بعذر، فأشبه تركها في حال القتال، ونقله الترمذي [2/ 177] عن أكثر أهل العلم، واختاره المزني، واستدلوا له بصلاة أهل قباء التي استداروا فيها بعد أن جاءهم بالخبر عباد بن نهيك الخطمي الأنصاري، وقيل: عباد بن بشر، فوجدهم يصلون إلى بيت المقدس، فأخبرهم أن القبلة حولت، فأتموا الركعتين الباقيتين نحو المسجد الحرام.
وأجاب الأصحاب بأنا إن لم نثبت النسخ في حقهم إلا بعد بلوغ الخبر .. فكل من الجهتين في حقهم قبلة، وإن أثبتنا قبل بلوغه .. فالفرق: أنهم كانوا متمسكين بنص، فلا ينسبون إلى تقصير، بخلاف المجتهد فإنه قد يكون قصر في اجتهاده.
قال الشيخ: وحقيقة الخلاف ترجع إلى أن الواجب ما في نفس الأمر، أو ما ظنه المكلف، كما إذا دفع الزكاة إلى من ظنه فقيراً فبان غنيًا، لكن يشكل على ذلك ما إذا صلى قبل الوقت بالاجتهاد ثم تبين بقاء الوقت .. فإنه يعيد قطعًا، وما إذا ظن الطهارة ثم تبين خلافه.
ولا فرق في جريان القولين بين أن يتيقن الصواب أو لا، على المذهب.
واحترز بـ (اليقين): عن من ظن الخطأ .. فإنه لا يعيد على الصحيح، كما سيأتي فيما إذا صلى أربع ركعات لأربع جهات.
وقوله: (قضى) يشعر بأن صورة المسألة: ما إذا بان بعد الوقت، فإن بان فيه .. وجب القضاء قطعًا، كما في نظيره من الاجتهاد في وقت الصلاة والصوم.
قال: (فلو تيقنه فيها .. وجب استئنافها)؛ لأنه تحقق إيقاع جزء من صلاته إلى غير قبلة محسوبة.
وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ .. عَمِلَ بِالثَّانِي وَلاَ قَضَاءَ، حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبعِ جِهَاتٍ بِالاِجْتِهَادِ .. فَلاَ قَضَاءَ
هذا كله إذا ظهر الخطأ في الجهة، فإن ظهر في التيامن والتياسر .. فالأصح: كذلك، فلذلك أطلقه المصنف.
والمراد بـ (التيقن) هنا: ما يمتنع معه الاجتهاد، فيدخل فيه خبر الواحد الثقة- لأن الفقهاء إذا أطلقوا اليقين .. اندرج ذلك فيه، ولهذا يمتنع معه الاجتهاد- وإذا أخبره بنجاسة الماء الذي صلى به بالاجتهاد، وفي غير ذلك من المسائل، ونص (البويطي) شاهد لذلك.
قال: (وإن تغير اجتهاده .. عمل بالثاني)؛ لأنه الصواب في ظنه.
وهذا بخلاف الأواني، والفرق: أن هذه القضية أخرى غير الأولى، فلا يلزم منها نقض الاجتهاد بالاجتهاد فكان كالحاكم، ولأنه لا يمكن أن يعمل بالأول؛ لأنه الآن يعتقد خطأه، ولا بهما، ولا يتركهما، فتعين العمل بالثاني.
قال في (الروضة): والحق أنه متى كان الثاني أوضح .. اعتمده وهو المراد بتغير الاجتهاد، ومتى كان الأول أوضح .. اعتمده ولا يغير، ومتى استويا: فإن كان قبل الصلاة .. فكما لو تحير، فلو كان في الصلاة .. استمر فيها؛ لأنه بتعارض الدليلين حصل له شك، وقد سبق له ظن.
قال: (ولا قضاء)؛ لأن الاجتهاد لا ينقص بالاجتهاد.
قال: (حتى لو صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد .. فلا قضاء)؛ لأن كل واحدة مؤداة باجتهاد لم يتعين فيه الخطأ.
وقيل: يقضي الجميع؛ لأن الخطأ متيقن في ثلاث منها، وصوبه الشيخ؛ لأن الصلاة اشتملت على الخطأ قطعًا، وليست كصلاة أهل قباء التي استداروا فيها كما تقدم.
قال: (وكيف لا يجب قضاؤها، وبعضها إلى غير القبلة قطعًا؟!
وإذا ثبت تعين الخطأ فيها .. امتنع الاستمرار فيها، وجب استئنافها.
وفي وجه ثالث: يقضي غير الأخيرة، ويجعل الاجتهاد الأخير ناسخًا لما قبله.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تتمة:
خص البغوي الخلاف بما إذا كان الدليل الثاني أوضح من الأول- قال- فإن استويا .. تمم صلاته إلى الجهة الأولى ولا إعادة.
قال الشيخ محب الدين الطبري: ولا يتجه غيره، وصوبه في (المهمات).
خاتمة
إذا اجتهد جمع في القبلة، فأدى اجتهاد كل منهم إلى جهة .. لم يجز أن يقتدي بعضهم ببعض وإن جوزنا اقتداء الشافعي بالحنفي.
وإن اختلف اجتهادهم بالتيامن والتياسر .. لم يقتد بعضهم ببعض أيضًا على الصحيح.
ولو اختلف عليه اجتهاد مجتهدين .. قلد من شاء منهما على الأصح.
وقيل: يأخذ بقول الأوثق الأعلم، ورجحه في (الشرح الصغير)، وادعى ابن الرفعة: أنه منقول عن النص.
وقيل: يصلي للجهتين مرتين.
بَابُ صِفَةِ الصَّلاَةِ أَرْكَنُهَا ثَلاَثَةَ عَشَرَ:
باب صفة الصلاة
هذا الباب معقود لبيان كيفية الصلاة وتفصيل أجزائها؛ ليفعل المصلي الفرض حتمًا إن كان يعلمه، ويتعلمه وجوبًا إن جهله، ولهذا قال الإمام: يجب على كل من أسلم أن يبتدئ بتعلم شرائط الصلاة وأركانها، ومعرفة كون الشيء جزءًا من الصلاة أو ليس بجزء.
مأخوذ من اصطلاح الشارع الذي دل عليه فهم مراده من الصلاة الشرعية، وهي مشتملة على شروط وأركان وأبعاض وهيئات، فالشروط مذكورة في الباب الآتي، والأبعاض السنن المجبورة بسجود السهو مذكورة في بابه، والأركان مذكورة هنا، وكذلك الهيئات وهي: السنن التي لا تجبر.
والأركان والشروط قد يعسر التمييز بينهما من جهة أن كل واحد منهما لابد منه، فكما أن الصلاة متوقفة على الشرط، كذلك هي متوقفة على الركن.
والتحقيق أن شرطها: ما يعتبر في صحتها متقدمًا عليها ومستمرًا فيها، والركن ما تركبت منه، مع اشتراكهما في أن كلاً منهما لابد منه.
وعلى هذا: يكون الركن والشرط خاصين تحت أعم وهو الواجب، ويمكن استحضار الصلاة دون شروطها، ولا يمكن تصور حقيقتها إلا بتصور جميع أجزائها.
قال: (أركانها ثلاثة عشر)، كذا في (المحرر)، وجعلها في (الروضة) و (التحقيق) سبعة عشر، فزاد الطمأنينة في الركوع وفي السجود وفي الاعتدال وفي الجلوس بين السجدتين، وهنا جعلها في كل ركن كالجزء منه وكالهيئة التابعة له، وهو صريح كلامهم في التقدم والتأخر بركن أو ركنين.
النِّيَةُ.
فَإِنْ صَلَّى فَرْضًا .. وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ وَتَعْيِينُهُ
قال الرافعي: وبه يشعر قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا)، وهو خلاف لفظي، وزاد بعضهم الموالاة، وبعضهم نية الخروج، وبعضهم استقبال القبلة.
ونقص الغزالي النية، فجعلها بالشروط أشبه، وعدها في الصوم ركنًا؛ لأنها هنا صفة للأفعال فكانت كالطهارة، وأما الصوم .. فترك، فلا يحسن أن تكون وصفًا له، ولذلك لا تعتبر في سائر التروك، ولولا الخبر لما اعتبرت في الصوم.
قال: (النية)؛ لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾.
قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم: النية.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
ولأن الصلاة قربة محضة، فلا تصح بغير نية كالصوم، وأجمع الأمة على اعتبار النية في الصلاة.
وبدأ بها، لأن الصلاة لا تنعقد إلا بها.
قال: (فإن صلى فرضًا .. وجب قصد فعله وتعيينه) أي: فعل الصلاة، وتعيين كونها ظهرًا أو عصرًا؛ ليتميز بالأول عن سائر الأفعال، وبالثاني عن سائر الصلوات؛ لأن النية شرعت لتمييز العبادة عن العادة كما في القسم الأول، أو لتمييز مراتب العبادة كما في الثاني، وكان الصواب أن يقول: قصد فعلها وتعيينها بضمير المؤنث ليعود على الصلاة؛ إذ لا يمكن عوده على الفريضة؛ لأن قصد الفرض سيأتي.
قال الرافعي: ولا يكفيه أن يحضر نفس الصلاة بباله مع الغفلة عن الفعل.
ولو اقتصر على نية فرض الوقت .. لم يكف في الأصح؛ لاحتمال أنه ذكر حينئذ فائتة.
ولا تصح الظهر بنية الجمعة على الصحيح، وتصح الجمعة بنية الظهر المقصورة إن قلنا: إنها كذلك.
وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّة دُونَ الإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى
قال: (والأصح: وجوب نية الفرضية)؛ لتمتاز عن صلاة الصبي، والصلاة المعتادة في جماعة.
والثاني: لا؛ لأن الظهر من البالغ إذا لم تكن معادة .. لا تكون إلا فرضًا، وصلاة الصبي حجة لنا؛ لأن الصبي إذا صلى ثم بلغ .. يجزئه ما أتى به، ولو كانت نية الفرضية مشترطة .. لما أجزأه ذلك.
لكن صحح في (التحقيق) و (شرح المهذب): أن نية الفرضية لا تشترط في صلاة الصبي، وفي (أصل الروضة) الاشتراط، والأول هو الظاهر.
والنذر كالفرض، حكاه ابن الرفعة عن بعضهم وأقره.
قاعدة:
العبادات المشروط فيها النية، في وجوب التعرض للفرض فيها خمسة أقسام:
الأول: يشترط بلا خلاف كالزكاة.
الثاني: عكسه كالحج والعمرة.
الثالث: يشترط التعرض له على الأصح كالصلاة.
الرابع: عكسه الجمعة والصوم على ما صححه في (شرح المهذب)، خلافًا لما وقع للرافعي من ترتيب الخلاف على الصلاة، وتبعه صاحب (الحاوي الصغير).
الخامس: عبادة لا يكفي فيها ذلك، بل يضر على الصحيح، وهي التيمم، فإذا نوى فرضه .. لم يكف.
قال: (دون الإضافة إلى الله تعالى)؛ لأن عبادة المسلم لا تكون إلا لله.
والثاني: يجب؛ لتحقق معنى الإخلاص.
ويجريان في سائر العبادات.
ولا يشترط التعرض لعدد الركعات واستقبال القبلة على الصحيح، لكن متى نوى الظهر ثلاثًا أو خمسًا .. لم ينعقد.
وفي تصوير عدم الإضافة إلى الله تعالى إشكال، فإن فعل الفرض لا يكون إلا لله، فلا ينفك قصد الفرضية عن نية الإضافة إلى الله تعالى.