النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 127-166
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قُلْتُ: فَإِنْ سُبِقَ بِهِمَا .. قَرَأَهَا فِيهِمَا عَلَى النَّصِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ولاَ سُورَةَ لِلْمَامُومِ، بَلْ يَسْتَمِعُ، فَإِنْ بَعُدَ أَوْ كَانَتْ سِرِّيَّةً .. قَرَأَ فِي الأَصَحِّ  الركعة الثالثة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته قرأ بـ (أم الكتاب)، وبهذه الآية: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾.
قال: (قلت: فإن سبق بهما .. قرأها فيهما على النص والله أعلم)؛ لئلا تخلو صلاته عن قراءة سورة.
وقيل: لا، كما لا يجهر فيهما.
والفرق على المشهور: أن السنة في آخر الصلاة الإسرار بخلاف القراءة؛ فإنا لا نقول: إنه يسن تركها، بل لا يسن فعلها.
وفرق قوم بأن القراءة سنة مستقلة، والجهر صفة للقراءة فكانت أخف.
قال: (ولا سورة للمأموم، بل يستمع)؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم خلفي .. فلا تقرؤوا إلا بأم القرآن) حسن صحيح.
وروى عبادة بن الصامت قال: كنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فقرأ صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ .. قال: (لعلكم تقرؤون خلف إمامكم)، قلنا: نعم، هذا يا رسول الله، قال: (لا تفعلوا إلا بـ (فاتحة الكتاب)؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) رواه أبو داوود [819] والترمذي [311] والدارقطني [1/ 318] والحاكم [1/ 238] وابن حبان [178]. قال: (فإن بعد أو كانت سرية .. قرأ في الأصح)؛ لانتفاء المعنى.
وكذلك حكم الأصح.
والثاني: لا؛ لإطلاق الخبر.
والمراد بـ (السماع): سماع الكلمات مفسرة، فلا اعتبار بسماع الهيمنة.
فرع: المرأة إذا أمت أو صلت منفردة .. تجهر إن لم تكن بحضرة الأجانب، لكن دون

وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَضَّلِ، وَلِلْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَلِلْمَغْرِبِ قِصَارُهُ،  جهر الرجل، وتسر إن كان ثم أجانب.
وقيل: تسر مطلقًا.
وحيث قلنا: تسر، فجهرت .. لا تبطل صلاتها.
والخنثى كالمرأة، قاله في (الروضة).
وقال في (شرح المهذب): الصواب: أنه يسر بحضرة الرجال والنساء.
ومن قضى فائتة في مثل وقتها .. لم يغير هيئة القراءة من جهر أو إسرار.
وإن قضى فائتة الليل نهارًا أو بالعكس .. فالأصح: أن العبرة بوقت الأداء، ورجح القفال والماوردي وقت القضاء، واختاره الشيخ.
هذا كله في غير الصبح، أما الصبح .. فوقتها وقت جهر، فإذا قضاها فيه أو في الليل .. جهر، وإن قضى فيه مغربًا أو عشاء .. جهر، وإن قضى فيه ظهرًا أو عصرًا أو قضى الفجر فيما بين طلوع الشمس وغروبها .. فعلى الوجهين.
قال: (ويسن للصبح والظهر طوال المفصل، وللعصر والعشاء أوساطه، وللمغرب قصاره)؛ لما روى أحمد [2/ 329 - 330] والنسائي [2/ 167] وابن حبان [1837] عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال: (ما رأيت رجلًا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان) لإمام كان في المدينة.
قال سليمان: فصليت خلفه، فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، وكان يقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل.
وفي (صحيح مسلم) [457]: (أنه صلى عليه وسلم قرأ في الصبح بـ (ق والقرآن المجيد)).
قال الترمذي [306]: وكان ذلك في الركعة الأولى، و (قرأ فيها بـ (الواقعة))، كما أشار إليه الترمذي.
والمستحب أن تكون القراءة في الصبح أطول منها في الظهر، فإن خالف ذلك ..

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  جاز؛ لما روى أبو داوود [812]- بإسناد صحيح-: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح: (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما).
وفي (الصحيحين) [خ765 - م463]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بـ (الطور))، و (فيهما أيضًا [خ763 - م462] بـ (المرسلات))، وتقدم: (أنه قرأ فيها بـ (الأعراف)) [خ764]. وأوساط المفصل كـ (الجمعة)، و (المنافقين)، و (سبح اسم ربك الأعلى)، (والليل إذا يغشى).
و (طوال) بكسر الطاء.
ويستثنى- من إطلاق المصنف- المسافر، فيستحب له أن يقرأ في الصبح بـ (قل يا أيها الكافرون)، و (قل هو الله أحد)، كذا في (الإحياء) و (الخلاصة) و (عقود المختصر).
وروى أحمد في (مسنده) [4/ 144] من حديث عقبة بن عامر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالمعوذتين في صلاة الصبح في السفر).
و (المفصل): المبين المميز، قال تعالى: ﴿كتب فصلت ءايته﴾ أي: جعلت تفاصيل في معاني مختلفة: من حكم، وأمثال، ومواعظ، ووعد ووعيد، وحلال وحرام.
وقيل: سمي بذلك؛ لكثرة الفصول بين السور.
وقيل: لقلة المنسوخ فيه.
وآخره: ﴿قل أعوذ برب الناس﴾، وفي أوله عشرة أقوال للسلف: الأول: (الجاثية).
الثاني: (القتال).
الثالث: (الحجرات).
الرابع: (ق).
الخامس: (والصافات).
السادس: (الصف).
السابع: (تبارك)، حكاها ابن أبي الصيف اليمني.

وَلِصُبْحِ الْجُمُعَةِ: (آلمَ تَنْزِيلُ)، وَفي الثَّانِيةِ: (هَلْ أَتى)  الثامن: (إنا فتحنا)، حكاه الدزماري.
التاسع: (سبع) حكاه ابن الفركاح.
العاشر: (الضحى)، حكاه الخطابي في (غريبه).
قال: (ولصبح الجمعة: (الم تنزيل)، وفي الثانية: (هل أتى))؛ لما روى الشيخان [خ891 - م1880] عن أبي هريرة، ومسلم [879] من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل).
فإن اقتصر على بعضها أو قرأ غيرها من السجدات .. خالف السنة.
وعن ابن أبي هريرة: (لا تستحب المداومة عليها).
وقيل للفقيه عماد الدين ابن يونس: إن العامة صاروا يرون قراءة (السجدة) يوم الجمعة واجبة، وينكرون على من تركها، فقال: يقرأ في وقت ويترك في وقت؛ ليعرفوا أنها غير واجبة.
وفي (فضائل الأوقات) للبيهقي عن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أفضل الصلاة عند الله تعالى صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة).
وقوله: (تنزيل) مرفوع على حكاية التلاوة.
و (سورة السجدة) ثلاثون آية مكية، وفي (مسند الدارمي) [3454] و (الترمذي) [2892] عن جابر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأها و (تبارك الذي بيده الملك)).
فائدة: قال ابن عبد السلام: القرآن ينقسم إلى فاضل ومفضول، كآية الكرسي

الْخَامِسُ: الرُّكُوعُ.
وَأَقَلُّهُ: أَنْ يَنْحَنِيَ قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ  و (تبت)، فالأول كلام الله عز وجل في الله، والثاني كلامه في غيره، فلا ينبغي أن يداوم على قراءة الفاضل ويترك المفضول؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولأنه يؤدي إلى هجران القرآن ونسيانه.
وروى أبو داوود [1324]- بإسناد صحيح- عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع بلالاً يقرأ من ههنا ومن ههنا، فسأله عن ذلك، فقال: أخلط الطيب بالطيب، فقال عليه الصلاة والسلام: (أحسنت).
ويستحب للقارئ في الصلاة وخارجها إذا مر بآية رحمة .. أن يسأل الله تعالى الرحمة، أو بآية عذاب .. أن يسبح، أو بآية مثل .. أن يتفكر، وإذا قرأ: ﴿أليس الله بأحكم الحكمين﴾؟ .. قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، وإذا قرأ: ﴿فبأي فحديث بعده يؤمنون﴾؟ .. قال: آمنت بالله، والمأموم يفعل ذلك لقراءة إمامه على الصحيح.
قال: (الخامس: الركوع)؛ لقوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا).
قال: (وأقله) أي: للقائم (أن ينحني قدر بلوغ راحتيه ركبتيه) أي: لو أراد وضعهما عليهما؛ لأنه بدون ذلك لا يسمى راكعًا، ولابد من اعتدال اليدين والركبتين في الطول.
فلو طالت يداه أو قصرتا أو قطع شيء منهما .. لم يعتبر ذلك.
وشرطه أن يبلغ ذلك بالانحناء الصرف.

بِطُمَانِينَةٍ بِحَيْثُ ينْفَصِلُ رَفْعُهُ عنْ هَوِيِّهِ، وَلاَ يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَهُ.
فَلَوْ هَوَى لِتِلاَوَةٍ فَجَعَلَهُ رُكُوعًا .. لَمْ يَكْفِ.
وَأَكْمَلُهُ: تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ،  فلو انخنس وأخرج ركبتيه وهو مائل منتصب .. لم يكن ذلك ركوعًا وإن كان بحيث لو مد يديه لنالتا ركبتيه؛ لأن ذلك لم يكن بالانحناء.
فلو لم يقدر على المذكور أولًا إلا بمعين .. لزمه.
و (الراحة): بطن الكف، وجمعها: راح.
وظاهر عبارته عدم الاكتفاء بالأصابع.
قال: (بطمأنينة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا).
ورأى حذيفة رجلًا لا يتم الركوع، فقال: (ما صليت، ولو مت .. مت على غير الفطرة التي فطر الله محمد صلى الله عليه وسلم عليها) رواه البخاري [791]. قال: (بحيث ينفصل رفعه عن الهوية) أي: سقوطه.
هذا بيان حقيقة الطمأنينة، وهي: سكون بعد حركة.
و (الهوى) بضم الهاء وفتحها، والفتح أشهر.
ولا تقوم زيادة الهوى مقام الطمأنينة.
قال: (ولا يقصد به غيره) أي: غير الركوع.
فيجب عدم الصرف لا قصد الركوع.
قال: (فلو هوى لتلاوة فجعله ركوعًا .. لم يكف)؛ لأنه صرفه إلى غير الواجب.
أما قصد الركوع وسائر الأركان .. فلا يشترط؛ لدخوله في عموم نية الصلاة.
قال: (وأكمله تسوية ظهره وعنقه)، فيجعلهما كالصفيحة؛ لما روى مسلم [498] عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع .. لم يشخص رأسه ولم وَنَصْبُ سَاقَيْهِ، وَأَخْذُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ، وَتفْرِقَهُ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هَوِيِّهِ،  يصوبه، ولكن بين ذلك)، وسيأتي في آخر (شروط الصلاة) الكلام على شيء من هذا.
قال: (ونصب ساقيه)؛ لأن أعون.
والمراد: نصبهما إلى حقوبه، ولا يستثنى ركبتيه.
وكان ينبغي أن يقول: وفخذيه؛ فإن الساق إلى الركبة فقط.
والساق مؤنثة، وجمعها: سوق وأسوق.
قال: (وأخذ ركبتيه بيديه)؛ لما روى البخاري [828] عن أبي حميد الساعدي: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ركع، فمكن يديه من ركبتيه).
ولفظ أبي داوود [730]: (ووضع يديه على ركبتيه).
وفي (الصحيحين) [خ790 - م535] عن سعد بن أبي وقاص: (كنا نطبق في الركوع، فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب).
و (التطبيق): أن يجعل بطن إحدى كفيه على بطن الأخرى، ويجعلهما بين ركبتيه وفخذيه.
فلو لم يمكن وضعهما على ركبتيه .. أرسلهما، فإن كانت إحدى يديه مقطوعة أو عليلة .. فعل بالأخرى ما أمرنا.
قال: (وتفرقة أصابعه)؛ لحديث وائل بن حجر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع .. فرج أصابعه، وإذا سجد .. ضمها) رواه البيهقي [2/ 112] وصححه ابن حبان [1920]، ولأن التفريق أعون.
وشذ الغزالي وإمامه فقالا: يتركها على هيئتها.
قال: (للقبلة)؛ لأن ذلك ثبت في السجود، فقسنا عليه هذا.
قال: (ويكبر في ابتداء هويه)؛ لما روى الشيخان [خ803 - م392] عن أبي هريرة أنه كان يكبر في الصلاة كلها، ويقول: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي كذلك).

وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَإِحْرَامِهِ، وَيَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)  والجديد: أنه يمد هذا التكبير، وغيره من تكبيرات الانتقالات إلى أن يحصل في الركن المنتقل إليه، حتى لا يخلو جزء من صلاته عن ذكر، وسيأتي ذكره في الرفع من السجود.
قال: (ويرفع يديه)؛ لما روى ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه منه، وكان لا يفعل ذلك في السجود) رواه الشيخان [خ735 - م390] وغيرهما.
وقد رد البخاري على منكري الرفع، وقال: روى هذه السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة عشر من الصحابة، وأنه لم يثبت عن أحد منهم عدم الرفع.
وكان الأوزاعي يرفع يديه، والثوري لا يرفعهما، فتكلما في ذلك بمنى، فقال الأوزاعي للثوري: قم بنا إلى مقام نلتعن أينا على الحق، فامتنع الثوري من ذلك.
وكيفية الرفع: أن يبدأ به وهو قائم مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى بكفيه منكبيه .. انحنى.
قال: (كإحرامه) أي: بحيث تحاذي كفاه منكبيه، فيبتدئ به قائمًا مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه .. انحنى، وليس المراد: مجيء الخلاف في الابتداء والانتهاء، وكذلك يرفعهما إذا صلى جالسًا أو مضطجعًا.
قال: (ويقول: (سبحان ربي العظيم))؛ لما روى مسلم عن حذيفة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك).
وروى أحمد [4/ 155] وأبو داوود [865] وابن ماجه [887] وابن حبان [1898] والحاكم [1/ 225] أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ .. قال: (اجعلوها في ركوعكم)، ولما نزل قوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ .. قال: (اجعلوها في سجودكم).

ثَلاَثًا، وَلاَ يَزِيدُ الإِمَامُ، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: (اللَّهُمَّ؛ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي)  ويستحب أن يضيف إليها: وبحمده.
قال الإمام فخر الدين: (الجليل): الكامل في الصفات، و (الكبير): الكامل في الذات، و (العظيم): الكامل فيهما.
قال: (ثلاثًا)؛ لما روى ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ركع أحدكم فقال: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات .. فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات .. فقد تم سجوده، وذلك أدناه)، وهو إن كان مرسلًا .. فقد اعتضد بفتوى أكثر أهل العلم.
فلو اقتصر على مرة في الركوع، ومرة في السجود .. أدى أصل السنة، إلا أن المستحب أن لا ينقص عن ثلاث.
ثم الكمال درجات أعلاها: إحدى عشرة أو تسع، وأوسطها: خمس، واختار الشيخ: أنه لا يتقيد بعدد، بل يزيد في ذلك ما شاء، وكذلك الزيادة في الدعاء، ففي (صحيح مسلم) [772] عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه قرأ في ركعة البقرة والنساء وآل عمران، ثم ركع نحوًا من قيامه، ثم قام قريبًا مما ركع).
قال: (ولا يزيد الإمام) خشية التطويل على المأمومين، إلا إذا كانوا محصورين ورضوا به.
وقيل: يزيد إلى خمس.
قال: (ويزيد المنفرد: (اللهم؛ لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي، وما استقلت به قدمي))؛ تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه مسلم [771] إلا: (وما استقلت به قدمي) فهذه في (ابن حبان) [1901]، وزاد الشافعي [شم1/ 38]: وشعري وبشري.
ويكره أن يقرأ القرآن في الركوع والسجود؛ لما روى مسلم [479] أن النبي صلى الله

السَّادِسُ: الاِعْتِدَالُ قَائِمًا  عليه وسلم قال: (ألا، وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا)، وكذلك الحكم فيما عدا القيام.
ويستحب أن يزيد في الركوع والسجود ما رواه الشيخان [خ794 - م484] عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي).
و (الاستسلام): الانقياد والطواعية لأوامر الله، والرضا بقضائه.
قال عمر بن عبد العزيز: ما قضى الله في بقضاء فسرني أن يكون قضى لي بغيره، وما أصبح لي هوى إلا في مواقع قدر الله.
و (قدمي) في لفظ المصنف بلفظ الإفراد، ولا يصح فيها التشديد على أنه مثنى، لفقدان ألف الرفع.
و (القدم) مؤنثة، قال الله تعالى: ﴿فتزل قدم بعد ثبوتها﴾.
قال: (السادس: الاعتدال قائمًا) أي: على الحالة التي كان عليها قبل الركوع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (حتى تتعدل قائمًا).
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره من الركوع والسجود) رواه أبو داوود [851] وغيره، وقال الترمذي [265]: حسن صحيح.
هذا في صلاة الفرض، أما الاعتدال من الركوع والسجود في النفل .. ففي وجوبه وجهان، وأجراهما القفال في الجلوس بين السجدتين بناء على الخلاف: فيما لو صلى القادر النفل قاعدًا أو مضطجعًا، وصحح المصنف وجوبه.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الاعتدال، فلو انحط من الركوع إلى السجود .. أجزأه وعن مالك روايتان كالمذهبين.

مُطْمَئِنّا، وَلاَ يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا مِنْ شَيْءٍ .. لَمْ يَكْفِ.
وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَاسِهِ قَائِلًا: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)،  قال: (مطمئنًا)؛ قياسًا على الركوع، وقال الإمام: في قلبي منه شيء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض لها هنا، وبين السجدتين في خبر المسيء صلاته، وهما ركنان قصيران.
والجواب: أن ابن حبان رواها في (صحيحه) [1787]، والشافعي في (الأم) [1/ 102] وابن عبد البر في (التمهيد) [9/ 183] ولفظه: (حتى تطمئن قائمًا)، والصواب: وجوبها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطمئن، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
قال: (ولا يقصد به غيره، فلو رفع فزعًا من شيء .. لم يكف)؛ لأنه صارف كما تقدم.
و (الفزع): الذعر، قال الله تعالى: ﴿ففزع من في السموات ومن في الأرض﴾.
ويجوز في لفظ المصنف فتح الزاي على أنه مصدر مفعول لأجله، والكسر على أنه اسم فاعل منصوب على الحال.
قال: (ويسن رفع يديه مع ابتداء رفع رأسه)؛ لما تقدم في حديث ابن عمر وغيره.
قال: (قائلًا: (سمع الله لمن حمده))، ففي (الصحيحين) [خ734 - م675] عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول حين يرفع صلبه من الركوع: (سمع الله لمن حمده)، ثم يقول وهو قائم: (ربنا ولك الحمد)، ويبتدئ به مع ابتداء رفع الرأس واليد.
ومعنى (سمع الله لمن حمده): أجاب الله حمد من حمده، وقيل: غفر له.
ولو قال: من حمد الله سمع له، أو لك الحمد ربنا .. قال في (الأم): أجزأه.
والأول أولى، والفرق بينهما وبين أكبر الله: أن ذلك لا يسمى تكبيرًا.

فَإِذَا انْتَصَبَ .. قَالَ: (رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: (أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدَ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)  قال: (فإذا انتصب .. قال: ((بنا لك الحمد))؛ للحديث المذكور.
ويجهر الإمام والمبلغ عنه بالتسميع فقط كالتكبير؛ لأنه ذكر الانتقال، أما التحميد .. فهو تسبيح الانتقال مثل: سبحان ربي العظيم والأعلى.
واقتصر المصنف والجمهور على: ربنا لك الحمد بلا واو، وأكثر الروايات بالواو، وقال في (الأم): وهو أحب إلي.
وزاد المصنف في (التحقيق): (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، ولم يذكره الجمهور وهو في (البخاري) [799] من رواية بن رافع، وفيه: (أنه ابتدر ذلك بضعة وثلاثون ملكًا يكتبونه)، وذلك أن عدد حروفها بضعة وثلاثون حرفًا.
وأغرب المصنف في (شرح المهذب) فقال: لا يزيد الإمام على: ربنا لك الحمد، إلا برضا المأمومين، وهو مخالف لما في (الروضة) و (التحقيق).
قال: ((ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد)) رواه مسلم أيضًا [476]. و (ملء) يجوز فيه الرفع على الصفة، والنصب على الحال؛ أي: مالئا لو كان جسمًا.
وقوله: (من شيء بعد) أي: كالكرسي وغيره، مما لا يعلمه إلا الله.
قال: (ويزيد المنفرد: (أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) رواه مسلم [477]. وإنما لم يستحب ذلك للإمام؛ لما فيه من التطويل.

وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي اعْتِدَالِ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ، وَهُوَ: (اللَّهُمَّ؛ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ...) إِلَى آخِرِهِ،  و (أهل) منصوب على النداء، و (الثناء): المدح، و (المجد): العظمة، وقال الجوهري: الكرم.
و (أحق ما قال العبد) مبتدأ خبره: (لا مانع لما أعطيت) إلى أخره، وما بينهما اعتراض.
وإثبات ألف (أحق) وواو (وكلنا) هو المشهور، ويقع في كتب الفقهاء حذفهما، والصواب: إثباتهما كما رواه مسلم [477] وسائر المحدثين، كذا قاله المصنف، واعترض عليه بأن النسائي روى حذفهما [سك 1382]. و (الجد) بفتح الجيم: الحظ والغنى.
وروى بالكسر، وهو: الاجتهاد.
والمعنى: لا ينفع ذا الحظ في الدنيا حظه في العقبى، إنما تنفعه طاعتك.
قال الأزهري: و (منك) هنا بمعنى: عندك.
قال: (ويسن القنوت في اعتدال ثانية الصبح)؛ لقول أنس: (ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا)، صححه الحاكم والبيهقي [2/ 201] وأحمد [3/ 162] والدارقطني [2/ 39] وجماعة من الحفاظ، وعمل به الخلفاء الراشدون.
وأما كونه بعد الركوع .. فقال البيهقي: إنه رواته أكثر وأحفظ، فهو أولى.
فلو قنت قبل الركوع .. لم يجزئه ويسجد للسهو، وقيل: يجزئه، وقيل: تبطل صلاته كما لو نقل التشهد وهو غلط.
قال: (وهو: (اللهم؛ اهدني فيمن هديت ..) إلى آخره) أي: (وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت؛ إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت)، كذا صح

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن الحسن بن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ذلك، رواه أبو داوود [1420] عن أبي الحوراء- بالحاء والراء المهملتين وهو فرد في الأسماء- عن الحسن مكبرًا، ووقع في (الكفاية) عن الحسين مصغرًا، ووقع له نظير ذلك في (العدد) كما سيأتي.
قال الرافعي: وزاد بعض العلماء فيه: (ولا يعز من عاديت) قبل: (تباركت وتعاليت)، وبعده: ولك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك، ولم يستحسن القاضي أبو الطيب: ولا يعز من عاديت؛ لأن العداوة لا تضاف إلى الله تعالى، ورد عليه بقوله تعالى: ﴿فإن الله عدو للكافرين﴾.
وظاهر عبارة المصنف أن هذه اكلمات متعينة للقنوت، وهو وجه اخاره الغزالي قياسًا على التشهد، والأصح: أنها لا تتعين.
فلو قنت بآية من القرآن تضمنت دعاء أو شبهه ناويًا بذلك القنوت .. أجزأ، وإن لم تتضمنه كآية الدين و ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ .. لم يكن ذلك قنوتًا على الصحيح.
ولو قنت بالمنقول عن عمر .. كان حسنًا، وهو: (اللهم؛ إنا نستعينك ونستهديك ..) إلى آخره.
ويستحب الجمع بينهما للمنفرد، ويؤخر قنوت عمر على الأصح، فإن اقتصر على أحدهما .. فعلى الأول.
وكان الشيخ أبو محمد يقول في دعاء قنوت الصبح: اللهم؛ لا تعقنا عن العلم بعائق، ولا تمنعنا منه بمانع.
وقال في (الإقليد): (الذكر الوارد في الاعتدال لا يقال مع القنوت؛ لأنه يطول وهو ركن قصير، وعمل الأئمة بخلافه لجهلهم بفقه الصلاة، فإن الجمع إن لم يكن مبطلًا .. فلا شك في كونه مكروهًا) اهـ

وَالإِمَامُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ.
وَالصَّحِيحُ: سَنُّ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِهِ،  والصواب: الجمع بينهما، نص عليه البغوي ونقله عن النص، وفي (العمدة) نحوه.
قال: (والإمام بلفظ الجمع)؛ حتى لا يخص نفسه بالدعاء، ففي (سنن أبي داوود) [92] و (الترمذي) [357] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤم عبد قومًا، فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل ذلك .. فقد خانهم)، ومقتضى كلام (الأذكار) اطراده في كل الأدعية، وبه صرح في (الإحياء)، ونقله ابن المنذر عن النص، إلا ما ورد السنة فيه بالإفراد كقوله: (اللهم؛ باعد بيني وبين خطاياي)، (اللهم؛ اغسلني من خطاياي)، والدعاء بين السجدتين .. فيفرده؛ لأن الجميع مأمورون بقوله هناك.
قال: (والصحيح: سن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره)؛ لأن ذلك ورد في رواية في حديث الحسن في (النسائي) [3/ 248] بإسناد حسن، ولفظه: (وصلى الله على النبي).
وروى ابن حبان [3382] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول لك: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله أعلم، قال: إذا ذكرت .. ذكرت معي).
ولم يذكر المصنف الآل، وفي (الأذكار) [42]: يستحب أن يقول: اللهم؛ صل على محمد، وعلى آل محمد وسلم، وفي (حيلة الروياني) نحوه.
والوجه الثاني: لا تجوز، فإن فعلها .. بطلت صلاته؛ لأنه نقل ركنًا إلى غير موضعه، وهو شاذ بل غلط.

وَرَفْعِ يَدَيْهِ، وَلاَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ.
وَأَنَّ الإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ.
وَأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْمَامُومُ لِلدُّعَاءِ وَيَقُولُ الثَّنَاءَ  قال: (ورفع يديه) ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم- بإسناد حسن- في قنوته على أصحاب بئر معونة، وصح عن جماعة من الصحابة في القنوت، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
والثاني: لا يرفع- وبه قال مالك- قياسًا على سائر الأدعية في الصلاة، ولما روى الشيخان [خ1031 - م895] عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء).
وذكر الرافعي في بابه: أن السنة لمن دعا برفع بلاء .. أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء، ولمن دعا لتحصيل شيء .. أن يجعل بطنهما إليها.
قال: (ولا يمسح وجهه)؛ لأنه لم يثبت بذلك خبر ولا أثر.
وقال أحمد: لا يعرف عن أحد أنه كان يمسح وجهه بعد الدعاء إلا الحسن.
والثاني: نعم؛ لما في (أبي داوود) [1480] و (ابن ماجه) [3866] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعوت .. فادع ببطون كفيك، فإذا فرغت .. فامسح راحتيك على وجهك) لكنه ضعيف.
وأما الصدر .. فلا يستحب مسحه قطعًا، بل هو بدعة منكرة.
قال: (وأن الإمام يجهر به)؛ لأحاديث بئر معونة التي تأتي قريبًا.
والثاني: يسر كغيره من الدعاء.
أما المنفرد .. فإنه يسر به بلا خلاف.
قال: (وأنه يؤمن المأموم للدعاء ويقول الثناء)؛ لما روى أبو داوود [1438] والحاكم [1/ 225] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح في دبر كل صلاة، إذ قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة .. يدعو على أحياء من بني فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ .. قَنَتَ.
وَيُشْرَعُ الْقُنُوتُ فِي سَائِرِ الْمَكْتُوبَاتِ لِلنَّازِلَةِ  سليم: على رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه).
وهل يجهر المأموم بالتأمين، أو لا؟ فيه الخلاف في التأمين للقراءة.
والوجه الثاني: يؤمن للدعاء والثناء؛ لإطلاق الحديث.
والثالث: يتخير بين التأمين والقنوات.
والرابع: يقنت.
ووجه المشاركة في الثناء ظاهر، وقال الرافعي: يشاركه فيه أو يسكت.
وقال في (الإحياء): يقول: صدقت وبررت، أو بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وما أشبه ذلك.
وعبارة المصنف تقتضي: أنه يؤمن في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها دعاء، وبه جزم الطبري في (شرح التنبيه).
قال: (فإن لم يسمعه .. قنت)، كما يشاركه في سائر الدعوات والأذكار السرية.
والثاني: يؤمن.
وهما كالوجهين السابقين في قراءة السورة.
وإذا قلنا: يقنت .. فقياسه: أن يسر، ويأتي بلفظ الإفراد كالمنفرد، ولفظ المصنف يشعر بذلك.
قال: (ويشرع القنوت) أي: يسن (في سائر المكتوبات للنازلة)، كالوباء والقحط والجراد والخوف؛ لأحاديث بئر معونة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام شهرًا يدعو عليهم، ثم ترك الدعاء عليهم، فكان إذا قال: (سمع الله لمن حمده) من الركعة الأخيرة .. يدعو عليهم، ويؤمن من خلفه.
رواه أبو داوود [1438]. وقنت علي في المغرب، وأبو هريرة في الظهر والعشاء، وبه يرد على الطحاوي حيث قال: لم يقل بالقنوت في غير الصبح إلا الشافعي.

لاَ مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ.
السَّابِعُ: السُّجُودُ  وكأن الحامل على القنوت في قصة بئر معونة دفع تمرد القاتل لا النظر إلى المقتولين؛ لعدم إمكان تداركهم.
وفي قول: أنه لا فرق في النازلة بين العامة والخاصة، وهو المفهوم من عبارة المصنف وفيه نظر، وأفهم أنه: لا يقنت في النوافل وهو المنصوص في (الأم).
قال: (لا مطلقًا على المشهور) المراد: أنه إذا لم ينزل بالمسلمين نازلة .. فالمذهب المنصوص في (الأم): لا يقنت؛ لعدم وروده.
وخالفت الصبح غيرها لشرفها؛ لأنه يؤذن لها قبل الوقت وبالتثويب، ولأنها أقصر الفرائض فكانت بالزيادة أليق.
ويقابل المشهور في كلام المصنف قوله في (الإملاء): إن شاء قنت فيها، وإن شاء ترك؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قنت فيها وترك، والخلاف في الاستحباب.
وقيل: في الجواز، وهو مقتضى كلام أكثر الأئمة.
وقيل: يقنت في الجمعة والعشاء حكاه في (البحر).
وقيل: إنما يقنت الإمام في الجهرية دون السرية.
وإذا قنت في الجميع .. فالراجح: أنه كالصبح سرية كانت أو جهرية.
ومقتضى إيراد (الوسيط): أنه يسر في السرية، وفي الجهرية الخلاف.
قال: (السابع: السجود)؛ للأمر به في الكتاب والسنة.
وهو في اللغة: التطامن.

وَأَقَلُّهُ: مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلاَّهُ،  قال: (وأقله: مباشرة بعض جبهته مصلاه)؛ لما روى البيهقي [2/ 105]- بإسناد صحيح- عن خباب بن الأرت قال: (شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا)، وهو في (مسلم) [619] بدون جباهنا وأكفنا، ووقع في (الكفاية) و (شرح الشيخ) بهما، وهو منسوب إلى (مسلم) وهو وهم.
ومعنى (لم يشكنا): لم يزل شكوانا، فلو لم تجب المباشرة بالجبهة .. لأرشدهم إلى سترها.
وقال المصنف: الحديث منسوخ بأمره صلى الله عليه وسلم بالإبراد بالظهر، واستدل للاكتفاء بالبعض بأن النبي صلى الله عليه وسلم (أصبح ليلة القدر وعلى جبهته أثر الماء والطين).
وقيل: لابد من السجود على جميعها.
قال الشيخ: فإن أريد كشفها .. فلا دليل له صحيح.
وإن أريد الموضوع فقط .. فدليله: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)، مع أن الأولى ذلك.
والاقتصار على بعضها مكروه كراهة تنزيه، ولا يجزئ غير الجبهة على انفراده، كالصدغ والجبين والخد ومقدم الرأس والأنف، وإنما يجب كشف بعضها حيث لا عذر، فلو عصبها لجرح ونحوه وسجد عليها .. صح ولا إعادة عليه على المذهب حيث لا نجاسة تحت العصابة، فإن كانت غير معفو عنها .. أعاد.
وفي قول: يجب وضع الأنف مع الجبهة؛ لما روى الدارقطني [1/ 348] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لا يضع أنفه على الأرض)، لكنه ضعيف.
وقال أبو حنيفة: وهو مخير بين الجبهة والأنف، وله الاقتصار على أحدهما.

فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ .. جَازَ إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ.
وَلاَ يَجِبُ وَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ فِي الأَظْهَرِ.
قُلْتُ: الأَظْهَرُ: وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ  قال: (فإن سجد على متصل به .. جاز إن لم يتحرك بحركته)، كطرف كمه وعمامته وذيله الطويل؛ لأنه كالمنفصل.
وقيل: لا يجوز كما يمنع الصحة لو كان متنجسًا.
فإن تحرك بحركته في القيام والقعود أو غيرهما .. لم يجز؛ لظاهر حديث خباب.
ويؤخذ من عبارة المصنف أن الامتناع على اليد من باب أولى، لكن يستثنى ما لو كان بيده عود فسجد عليه .. فإنه يجوز كما صرح به في (نواقض الوضوء) من (شرح المهذب).
قال: (ولا يجب وضع يديه وركبتيه وقدميه في الأظهر)؛ لقوله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾، ولأنه لو وجب وضعها .. لوجب الإيماء بها عن العجز، ولأنه النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني عبد الأشهل وعليه كساء ملتحف به يضع يديه عليه يقيه برد الحصى، رواه ابن ماجه [1032]. قال المصنف: ويتصور ذلك بما إذا رفع ركبتيه وقدميه، ووضع ظهر كفيه أو حرفيهما .. فإنه في حكم رفعهما.
قال: (قلت: الأظهر: وجوبه والله أعلم)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء).
وروي: (آراب الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين) متفق عليه [خ809 - م490]. فعلى هذا: لا يجب كشفهما، بل يكره كشف الركبتين.
وفي قول: يجب كشف اليدين، وفي (شرح كفاية الصيمري): أنه يكفي كشف إحداهما، وأن الاعتبار في اليدين بباطن الكف، وفي الرجلين ببطون الأصابع، وقيل: يكفي ظهر القدمين.

وَيَجِبُ أَنْ يَطْمِئِنَّ وَيَنَالَ مَسْجَدَهُ ثِقَلُ رَاسِهِ.
وَأَنْ لاَ يَهْوِيَ لِغَيْرِهِ، فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ .. وَجَبَ الْعَوْدُ إِلَى الاِعْتِدَالِ.
وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ فِي الأَصَحِّ.

 قال: (ويجب أن يطمئن)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا).
قال: (وينال مسجده ثقل رأسه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سجدت .. فمكن جبهتك من الأرض، ولا تنقر نقرًا) رواه ابن حبان [1887]. ولابد من التحامل بحيث لو فرض تحته حشيش أو قطن .. لانكبس وظهر أثره.
ومعنى (ينال): يصيب، و (مسجده) بفتح الجيم أي: محل السجود.
واكتفى الغزالي وإمامه بإرخاء الرأس؛ لأن الغرض إبداء هيئة التواضع.
ولو نبت على جبهته شعر فسجد عليه .. جاز بخلاف الناصية، قاله البغوي في (الفتاوى).
قال: (وأن لا يهوي لغيره)؛ لما سبق.
قال: (فلو سقط لوجهه .. وجب العود إلى الاعتدال) أي: ليسجد منه؛ لأنه لابد من نية أو فعل، ولم يوجد واحد منهما.
هذا إذا سقط قبل الهوي، فلو هوى ليسجد فسقط على الأرض بجبهته، فإن وضع جبهته على الأرض للاعتماد .. لم يحسب عن السجود، وإلا .. حسب سواء قصد السجود أم لا؛ استصحابًا لحكم السجود.
قال: (وأن ترتفع أسافله على أعاليه في الأصح)؛ لأن البراء بن عازب وضع يديه واعتمد على ركبتيه ورفع عجيزته وقال: (هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل) رواه أبو داوود [892] والنسائي [2/ 212]، وصححه ابن حبان [1916]. وإطلاق البراء: (العجيزة) على الرجل مجاز كما سيأتي في (الجنائز).

وَأَكْمَلُهُ: يُكَبِّرُ لِهَوِيِّهِ بِلاَ رَفْعٍ وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ  والثاني: يجوز أن تستوي أسافله وأعاليه.
والأصح في هذه الصورة: عدم الصحة.
ولو كانت أعاليه أعلى، بأن سجد على مخدة .. فلا يصح قطعًا.
هذا في المتمكن، أما من به علة تمنعه التنكيس أو الاستواء .. فلا يلزمه، لكن هل يلزمه وضع شيء يسجد عليه أو يكفيه الإيمانء؟ .. فيه وجهان، صحح في (الشرح الصغير) الأول، وقال في (الشرح الكبير): الثاني أشبه بكلام الأكثرين.
ولا خلاف أنه إذا عجز عن وضع الجبهة بالأرض، وقدر على وضعها على وسادة مع رعاية التنكيس .. أنه يلزمه ذلك، ولو عجز عن الانحناء .. أشار بالرأس ثم بالطرف.
قال: (وأكمله: يكبر لهوية)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع، متفق عليه [خ785 - م392]. قال: (بلا رفع)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يفعل ذلك في السجود، متفق عليه [خ735 - م390]. وقيل: يرفع في كل خفض ورفع، وفيه أحاديث صحيحة، واختاره أبو بكر بن المنذر وأبو علي الطبري والروياني وبعض أهل الحديث.
قال: (ويضع ركبتيه ثم يديه)؛ لقول وائل بن حجر: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد .. وضع ركبتيه قبل يديه، فإذا نهض .. رفع يديه قبل ركبتيه) رواه الأربعة، وصححه ابن خزيمة [626] وابن حبان [1912] والحاكم [1/ 226]، ولا يضره أن في سنده شريكًا القاضي وليس بالقوي؛ لأن مسلمًا روى له فهو على شرطه، لكن يعارضه ما في (أبي داوود) [836] عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سجد أحدكم .. فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ، وَيَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى) ثَلاَثًا،  ركبتيه)، وهو جيد الإسناد، وبه أخذ مالك؛ لأنه قول وأمر، وهو أقوى من الفعل.
لنا: ما رواه سعد بن أبي وقاص قال: (كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين) خرجه ابن خزيمة [628] وابن حبان.
وقال الخطابي: إن تقديم الركبتين أثبت من تقديم اليدين، وبه قال أكثر العلماء، وهو أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل ورأي العين.
قال: (ثم جبهته وأنفه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رئي على جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صلاة صلاها بالناس، رواه البخاري [669] ومسلم [1167]. وهما كعضو واحد يقدم أيهما شاء، فلو خالف الترتيب المذكور .. قال الشافعي: كرهته ولا إعادة عليه.
وفي (شرح التبصرة) للبيضاوي: الجزم باستحباب تقديم الجبهة على الأنف.
قال: (ويقول: (سبحان ربي الأعلى) ثلاثًا)؛ لما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سجد أحدكم .. فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا)، وهو مرسل اعتضد بقول الصحابة وأكثر أهل العلم.
وفي (المهذب): أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: (سبوح قدوس، رب الملائكة والروح)، والمراد به: جبريل عليه السلام، وقيل: ملك له مئة ألف رأس، لكل رأس مئة ألف وجه، في كل وجه مئة ألف فم، في كل فهم مئة ألف لسان يسبح الله تعالى بلغات مختلفة، وقيل: خلق من الملائكة يرون الملائكة ولا تراهم، فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم.
ويستحب أن يبرز قدميه من ذيله في السجود، ويكشفهما إذا لم يكن عليهما خف.

وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: (اللَّهُمَّ؛ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آَمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ،  وقال: (ويزيد المنفرد: (اللهم؛ لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)) رواه مسلم [771] بهذا اللفظ.
زاد في (الروضة): (بحوله وقوته) قبل: (تبارك).
وخص الوجه بالذكر؛ لأنه أكرم جوارح الإنسان، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء .. فقد خضع له سائر جوارحه.
وفي (المرشد) عن الشافعي أنه كان يقول: سجد وجهي حقًا حقًا، عبودية ورقًا.
قال: (ويضع يديه حذو منكبيه) أي: مقابلهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، رواه أبو داوود [734] وغيره من حديث أبي حميد.
وعن وائل بن حجر قال: (قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال- فلما افتتح الصلاة .. كبر ورفع يديه، فرأيت إبهاميه قريبًا من أذنيه ....) فذكر الحديث قال: (فسجد فوضع رأسه بين يديه على مقدارهما حين افتتح الصلاة).
قال: (وينشر أصابعه مضمومة للقبلة)، أما النشر .. فرواه البخاري [828] من حديث أبي حميد.
وأما الضم .. فرواه ابن حبان [1920] من حديث وائل بن حجر.
وأما كونها للقبلة .. فرواه البيهقي [2/ 112] عن البراء بن عازب.
وسئل صاحب (الحاوي الصغير) عن حكمة وضع اليدين في السجود مضمومة الأصابع، وفي التشهد منشورة، فقال: لتنصب الرحمة على أعضائه في التشهد، وفي السجود؛ لئلا تنزل على الأرض.

وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ، وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَتَضُمُّ الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى  قال: (ويفرق ركبتيه)، وكذا بين قدميه قدر شبر؛ لأن أبا حميد رواه، وكذا يفرج بين فخذيه نص عليه.
قال: (ويرفع بطنه عن فخذيه)؛ لما روى أبو داوود [894]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد لو مرت بهيمة .. لنفذت).
وروى مسلم [497]: (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد .. جخى) ويروى: (خوى) [سك 737]، ومعناه: رفع عضديه وجافاهما عن جنبيه، ورفع بطنه عن الأرض.
قال: (ومرفقيه عن جنبيه، في ركوعه وسجوده)، أما في ركوعه .. فلا خلاف فيه، وأما في سجوده .. ففي (الصحيحين) [خ390 - م495] عن أبي حميد: (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد .. فرج بين يديه حتى يرى بياض إبطيه).
ويستحب: (أن يرفع مرفقيه ويعتمد على راحتيه) روى البخاري ذلك عنه صلى الله عليه وسلم.
وأن يرفع ظهره ولا يحدودب.
ولا يرفع وسطه عن أعلاه وأسفله.
قال: (وتضم المرأة)؛ لأنه أستر لها؛ لما روى البيهقي [2/ 223] مرسلًا أنه صلى الله عليه وسلم مر على امرأتين تصليان فقال: (إذا صليتما .. فضما بعض اللحم إلى بعض).
قال: (والخنثى)؛ احتياطًا.
وقيل: هما في حقه سواء.
وهذه المسألة من زياداته على (المحرر) و (الشرحين)، وكان أليق تقديم هذه الصفات على قوله: (ويقول: سبحان ربي الأعلى.

الثَّامِنُ: الْجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ مُطْمَئِنّاً.
وَيَجِبُ: أَنْ لاَ يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ.
وَأَنْ لاَ يُطَوَّلَهُ وَلاَ الاِعْتِدَالَ.
وَأَكْمَلُهُ: يُكَبِّرُ وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا،  قال: (الثامن: الجلوس بين سجدتيه مطمئنًا)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا).
وفي (الصحيحين) [خ793 - م498]: (كان صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه .. لم يسجد حتى يستوي جالسًا).
وقال أبو حنيفة: لا تجب الطمأنينة ولا الجلوس، بل يكفي أن يرفع رأسه .. عن الأرض أدنى رفع ولو كحد السيف.
قال: (ويجب: أن لا يقصد برفعه غيره)، كما تقدم في الاعتدال.
قال: (وأن لا يطوله ولا الاعتدال)؛ لأنهما ركنان قصيران ليسا مقصودين لذاتهما وإن كانا فرضين.
وتجب الطمأنينة فيهما ليكون على سكينة وثبات، وإنما الغرض منهما الفصل بين الركوع والسجود وبين السجدتين.
فلو أطال الاعتدال حيث ورد الشرع بتطويله بالقنوت، أو في صلاة التسبيح .. لم تبطل، وإن أطاله عمدًا بالسكوت أو بذكر آخر .. فالأصح: البطلان.
واختار المصنف والشيخ جواز إطالته بالذكر لما تقدم عن (صحيح مسلم): (أن النبي صلى الله عليه وسلم طوله جدًا).
ولو قيل بمثل ذلك في الجلوس بين السجدتين .. لم يبعد، ففي (الصحيحين) [خ820 - م471]: (كان ركوعه عليه الصلاة والسلام وجلوسه بين السجدتين قريبًا من السواء).
قال: (وأكمله: يكبر)؛ لما سبق.
قال: (ويجلس مفترشًا)؛ لحديث أبي حميد.
وروى البويطي عن الشافعي: أنه يجلس على عقبيه وتكون صدور قدميه على الأرض؛ لأن العبادلة كانوا يفعلون ذلك.

وَاضِعًا يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَهِ، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ قَائِلاً: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْمِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي).
ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُولَى،  ووقع لابن الرفعة وغيره وهم في العبادلة سيأتي في (دية المرأة).
قال: (واضعًا يديه قريبًا من ركبتيه)؛ بحيث تساوي رؤوس الأصابع الركبتين؛ لأنه أسهل.
قال: (وينشر أصابعه) أي: إلى القبلة؛ قياسًا على السجود وغيره.
قال: (قائلًا: (رب اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني وارزقني واهدني وعافني))، هذه الألفاظ السبعة رواها الحاكم [1/ 241 و271] بإسناد صحيح، وزاد في (الإحياء): (واعف عني).
وروى مسلم [2697] عن طارق بن أشيم الأشجعي الصحابي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل فقال: يا رسول الله؛ كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: (قل: اللهم؛ اغفر لي وارحمني، وعافني وارزقني؛ فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك).
وأي شيء قال من الذكر .. فحسن.
وفي (تحرير الجرجاني) يقول: رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.
وقال المتولي: يستحب للمنفرد أن يزيد على ذلك: رب هب لي قلبًا تقيًا نقيًا، من الشرك بريًا، لا كافرًا ولا شقيًا.
و (الغفر): الستر.
و (العافية) تقدم أنها: دفاع الله عن العبد.
و (الأرزاق) نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم.
قال: (ثم يسجد الثانية كالأولى) أي: في الأقل والأكمل.
وإنما شرع تكرار السجود دون غيره؛ لأنه أبلغ في التواضع، ولأن الشارع أمر بالدعاء فيه وأخبر أنه حقيق بالإجابة، فيسجد ثانيًا شكرًا لله تعالى على إجابتها، كما هو المعهود فيمن سأل ملكًا فأنعم عليه.
وروى: (أنه لما عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء فمن كان من وَالْمَشْهُورُ: سَنُّ جَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا  الملائكة قائمًا .. سلموا عليه قيامًا، ثم ركعوا شكرًا لله تعالى على رؤيته صلى الله عليه وسلم، ومن كان من الملائكة راكعًا .. رفعوا رؤوسهم من الركوع وسلموا عليه، ثم سجدوا لله تعالى شكرًا على رؤيته، ومن كان منهم ساجدًا .. رفعوا رؤوسهم وسلموا عليه، ثم سجدوا ثانية شكرًا لله تعالى على رؤيته)، فلذلك صار السجود مثنى مثنى، فلم يرد الله تعالى أن يكون للملائكة حال إلا وجعل لهذه الأمة حالًا مثل حالهم، كذا قاله أبو الحسن القرطبي في كتاب (الزاهر).
وجعل المصنف السجدتين ركنًا واحدًا، والصحيح في (البسيط): أنهما ركنان.
قال ابن الرفعة: وتظهر فائدة الخلاف في المأموم إذا تقدم على إمامه في الأفعال أو تأخر عنه.
وجزم في (الروضة) بأن أفضل الأركان: القيام، ثم السجود، ثم الركوع.
وقيل: كثرة الركوع والسجود أفضل من تطويل القيام.
وقيل: الأفضل تطويلهما نهارًا، وتطويل القيام ليلًا؛ لأن الظلمة مانعة لرؤية ما يلهيه، حكاه الطبري شارح (التنبيه).
وأفتى بعض المتأخرين بأن عشرين ركعة من قعود أفضل من عشر ركعات من قيام؛ لما في الأول من زيادة الركوع والسجود وغيره، وفي ذلك نظر؛ لأن الشرع شهد له بالمساواة.
قال: (والمشهور: سن جلسة خفيفة بعد السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها) سواء في ذلك الفرض والنفل، والشيخ والشاب؛ لما روى البخاري [823] عن مالك بن الحويرث: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فإن كان في وتر من صلاته .. لم ينهض حتى يستوي جالسًا).
واحترز بـ (كل ركعة) عن سجود التلاوة، فلا تشرع له جلسة الاستراحة.
ويقابل المشهور قول: أنه لا يجلس- وهو مذهب الأئمة الثلاثة- لقول وائل بن حجر: (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من السجود .. استوى قائمًا)، ولأنها لو ندبت لكان لها ذكر مشروع، ولما أجمعنا على أنه لا ذكر فيها .. دل على أنها

التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَالْحَادِي عَشَرَ: التَّشَهُّدُ، وَقُعُودُهُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إِنْ عَقَبَهُمَا سَلاَمٌ .. فَرُكْنَانِ،  غير مستحبة.
والعمل بالخبر الأول أولى؛ لاشتماله على زيادة.
فلو لم يجلس الإمام للاستراحة، فجلس المأموم .. جاز.
وقال المتولي: قدرها قدر الجلوس بين السجدتين، ويكره أن يزيد عليها.
قال الشيخان: ولا يكبر تكبيرتين بلا خلاف.
وفيه وجه في (الإقليد): أنه يكبرهما.
والصحيح في زوائد (الروضة): أنها فاصلة بين الركعتين، وقيل: من الثانية.
والمسألة في (الرافعي) كذلك.
وفي (شرح المهذب): فائدة الخلاف في تعليق الطلاق على الركعة.
وقال الشيخ شرف الدين البارزي: فائدته في المسبوق إذا كبر والإمام فيها، فإن قلنا: إنها مستقلة .. جلس معه كما يجلس في التشهد، وإن قلنا: إنها من الثانية .. فله أن ينتظره إلى القيام.
قال: (التاسع والعاشر والحادي عشر: التشهد، وقعوده، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم).
(التشهد) تفعل من الشهادة؛ لما اشتمل هذا الذكر على الشهادة لله سبحانه وتعالى بالتوحيد، والشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة.
سمي تشهدًا من باب تسمية الشيء بأشرف ما اشتمل عليه، ولذلك سمي اللسان شاهدًا.
قال: (فالتشهد وقعوده إن عقبهما سلام .. فركنان)؛ لقول ابن مسعود: كان نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل: عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله) رواه الدارقطني [1/ 350] والبيهقي [2/ 378] بإسناد صحيح، فدل على وجوب التشهد.

وَإِلاَّ .. فَسُنَّتَانِ،  وإذا ثبت وجوبه .. وجب القعود؛ لأن كل من أوجبه .. أوجب فيه القعود.
وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .. فلما رواه الشيخان [خ4797 - م406] عن كعب بن عجرة قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: (قولوا: اللهم؛ صلى على محمد، وعلى آل محمد ...) إلى آخره.
وفي رواية صحيحة: (كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟).
واستدل الشافعي بقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾، فاقتضت الآية الوجوب، وأولى الأحوال بذلك الصلاة.
وفي (مسند أبي عوانة) [2/ 224] عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بتسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم ينهض قائمًا ولا يسلم، ثم صلي التاسعة فيقعد ويحمد ربه ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه)، وهذا مع قوله: عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يدل على الوجوب، فخرج وجوبها في التشهد الأول بالإجماع، فبقي في الثاني على مقتضى الدليل.
وفي (الشافعي) للجرجاني حكاية قول: أنها ليست ركنًا في الصلاة، واختاره ابن المنذر والخطابي، كذا نقله القاضي عياض في (الشفا) عنهما.
قال: (وإلا .. فسنتان)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جبرهما بسجود السهو، كما رواه الشيخان [خ829 - م570]، والواجب لا يجبر بالسجود.
والجلسات المشروعات في الصلاة أربع: اثنتان واجبتان: الجلسة بين السجدتين وجلسة التشهد الأخير، واثنتان سنتان: جلسة الاستراحة وجلسة التشهد الأول.

وَكَيْفَ قَعَدَ .. جَازَ.
وَيُسَنُّ فِي الأَوَّلِ: الاِفْتِرَاشُ، فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ، وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَفِي الآخِرِ: التَّوَرُّكُ، وَهُوَ كَالاِفْتِرَاشِ، لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالأَرْضِ.
وَالأَصَحُّ: يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ وَالسَّاهِي.
وَيَضَعُ فِيهِمَا يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتِهِ مَنْشُورَةَ الأَصَابعِ بِلاَ ضَمٍّ.
قال: (وكيف قعد .. جاز) أي: في الجلسات الأربع بالاتفاق، سواء تورك أو افتراش أو تربع أو مد رجليه أو نصب ركبتيه أو إحداهما أو غير ذلك، لكن يكره الإقعاء الذي ذكره المصنف.
قال: (ويسن في الأول: الافتراش، فيجلس على كعب يسراه وينصب يمناه، ويضع أطراف أصابعه للقبلة، وفي الآخر: التورك، وهو كالافتراش، لكن يخرج يسراه من جهة يمينه ويلصق وركه بالأرض)؛ لأن جميع ذلك ثبت في (الصحيحين) [خ828]. وإنما خولف في التشهدين؛ لأنه أقرب إلى نفي الغلط، وليعلم المسبوق حالة الإمام؛ لأن المصلي بعد الأول يبادر إلى قيام، وليس بعد الآخر قيام.
قال: (والأصح: يفترش المسبوق والساهي)؛ لأنه ليس آخر صلاته.
والثاني: يتورك تبعًا للإمام.
والثالث: إن كان في محل تشهده الأول .. افترش، وإلا .. تورك؛ لأن جلوسه حينئذ لمجرد المتابعة.
ولو ترك الأبعاض عمدًا .. فهو كالساهي؛ لأنه مأمور بالسجود، فلو قال: ومريد السجود .. لدخل فيه ذلك وكان أولى.
قال: (ويضع فيهما) أي: في التشهدين (يسراه على طرف ركبتيه)، ويجعلها قريبًا من ركبته بحيث تسامت رؤوسها الركبة؛ لما روى مسلم [580/ 116] عن ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله).
قال: (منشورة الأصابع بلا ضم)؛ كذلك هو في حديث ابن عمر [م580].

قُلْتُ: الأَصَحُّ: الضَّمُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصَرَ، وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الأَظْهَرِ، وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ  قال: (قلت: الأصح: الضم والله اعلم)؛ لتتوجه إلى القبلة.
ونقل الشيخ أبو حامد الاتفاق عليه.
ويجري الوجهان بما فيهما من اختلاف التصحيح في الجلوس بين السجدتين.
قال: (ويقبض من يمناه الخنصر والبنصر، وكذا الوسطى في الأظهر) رواه كذلك مسلم [580] عن ابن عمر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: لا يضم الإبهام، بل يبسطها.
والثالث: لا يقبض الوسطى، بل يلحقها مع الإبهام؛ لحديث وائل بن حجر في (البيهقي) [2/ 131]. والخلاف في الأفضل، وكيف فعل ذلك كان آتيًا بالسنة، إلا أن يفعلها كعاقد ثلاثة وعشرين.
و (الخنصر والنبصر) بكسر أولهما وفتح صاديهما.
ومقتضى كلام الجوهري: أن نون الخنصر زائدة؛ لأنه ذكره في مادة (خصر)، فوزنه فنعل، لكن صاحب (المحكم) ذكره في الرباعي، فيكون وزنه فعلل.
قال: (ويرسل المسبحة) أي: في كل التشهد؛ لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم [م580]. وسميت مسبحة؛ لأنه يشار بها في التوحيد.
وتسمى السبابة؛ لأنه يشار بها في السب أيضًا.
فائدة: كانت سبابة النبي صلى الله عليه وسلم أطول من الوسطى، والوسطى أطول من البنصر، والبنصر أطول من الخنصر، كذا رواه يزيد بن هارون عن عبد الله بن مقسم عن سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كردم تخبر: (أنها رأت أصابع وَيَرْفَعُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: (إِلاَّ اللهُ)، وَلاَ يُحَرِّكُهَا،  رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك).
قال: (ويرفعها عند قوله: (إلا الله))؛ لما روى البيهقي [2/ 133] من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل: (يرفعها في كل التشهد)؛ لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الرفع عند الهمزة .. فلأنه حالة إثبات الوحدانية.
وخصت السباب بذلك؛ لأن لها اتصالًا بنياط القلب، فكأنها سبب لحضوره.
وفي (اللباب) و (الرونق): يستحب: (أن يميلها قليلًا عند رفعها)، وكذلك رواه أبو داوود [983] والنسائي [3/ 39] وابن ماجه [911] من فعله صلى الله عليه وسلم.
فلو كانت اليمين مقطوعة .. سقطت هذه السنة ولا يشير بغيرها، وهو نظير من ترك الرمل في الأشواط الثلاثة .. لا يتداركه في الأربعة؛ لأن سنتها ترك الرمل.
ويسن أن تكون الإشارة بها إلى جهة القبلة، وأن ينوي بها الإخلاص والتوحيد؛ ليكون جامعًا في التوحيد بين القول والفعل والاعتقاد.
وعن مجاهد: أنها مقمعة للشيطان.
ويكره أن يشير بالسبابتين، ويستحب أن لا يجاوز بصره إشارته.
قال: (ولا يحركها) أي: عند رفعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، كذا رواه أبو داوود [981] عن عبد الله بن الزبير.
وقيل: يستحب التحريك؛ لأن وائل بن حجر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحركها مرغمة للشيطان، قال البيهقي: والحديثان صحيحان.

وَالأَظْهَرُ: ضَمُّ الإِبْهَامِ إِلَيْهَا كَعَاقِدِ ثَلاَثَةٍ وَخَمْسِينَ.
وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ،  وقيل: يحرم تحريكها وتبطل الصلاة.
قال: (والأظهر: ضم الإبهام إليها كعاقد ثلاثة وخمسين)، كذا رواه مسلم [580] عن عبد الله بن عمر.
وشرط هذا عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر.
والمستحب هنا إنما هو وضعهما معًا على الراحة، وهو الصورة التي سماها أهل الحساب تسعة وخمسين، وإنما عبر الفقهاء بالأول دون الثاني إتباعًا رواية ابن عمر.
وأجاب في (الإقليد) بأن اشتراط وضع الخنصر على البنصر هي طريقة أقباط مصر، وأما غيرهم .. فلا يشترطون ذلك.
والقول الثاني: يرسل الإبهام مع طول المسبحة.
وقيل: (يقبضه ويجعله فوق الوسطى)، كما رواه مسلم [579] عن ابن الزبير.
والخلاف في الأفضل، وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك تارة كذا، وتارة كذا.
فائدة: الإبهام من الأصابع مؤنث، ولم يحك الجوهري غيره، وحكى في (شرح الجمل) فيها التذكير والتأنيث، وجمعها: أباهم على وزن أكابر، وقال الجوهري أباهيم بزيادة ياء.
قال: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض في التشهد الأخير)؛ لما تقدم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يدعو في صلاته لم يحمد الله، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجل هذا)، ثم دعاه فقال: (إذا صلى أحدكم .. فليبدأ بتحميد ربه، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء) صححه الترمذي [3477] والحاكم [1/ 230] وابن حبان [1960]. وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم علمهم ذلك،

وَالأَظْهَرُ: سَنُّهَا فِي الأَوَّلِ.
وَلاَ تُسَنُّ عَلَى الآلِ فِي الأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتُسَنُّ فِي الأَخِيرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ  ووافق الشافعي على ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، ولم يخالف فيه من أصحابه سوى ابن المنذر كما تقدم.
قال: (والأظهر: سنها في الأول)؛ لأنها ذكر يجب في الجلسة الأخيرة فتسن في الأول كالتشهد.
والثاني- وهو قديم-: لا تسن، كما لا تسن فيه الصلاة على الآل.
قال: (ولا تسن على الآل في الأول على الصحيح)؛ لطلب التخفيف، ففي (أبي داوود) [987] وغيره عن ابن مسعود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في الركعتين كأنه يجلس على الرضف حتى يقوم).
و (الرضف): الحجارة المحماة.
والثاني: تسن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (قولوا: اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد) [خ3370 - م406]. و (آله) صلى الله عليه وسلم: بنو هاشم وبنو المطلب، بلا خلاف عندنا.
وقيل: كل مسلم، واختاره في (شرح مسلم).
وقيل: من انتسب إلى النضر بن كنانة، وقيل: أصحابه وعشيرته.
وقيل: الأتقياء من المسلمين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن آله فقال: (كل مؤمن تقي)، لكنه ضعيف.
و (آل إبراهيم): إسماعيل وإسحاق عليهما الصلاة والسلام وأولادهما.
قال: (وتسن في الأخير)؛ لحديث الأمر بها.
قال: (وقيل: تجب)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به وظاهر الأمر الوجوب، وهو قول الزنجي من أصحابنا وأبي إسحاق المروزي، وهما مسبوقان بالإجماع.

وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ.
وَأَقَلُّهُ: (التَّحِيَّاتُ للهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)،  قال: (وأكمل التشهد مشهور) وردت فيه أحاديث أصحها حديث ابن مسعود لاتفاق البخاري [831] ومسلم [402] عليه، ثم حديث ابن عباس وحديث أبي موسى رواهما مسلم [403 و 404]، ثم حديث ابن عمر وحدث عائشة رواهما مالك [1/ 91]. واختار الشافعي حديث ابن عباس وهو: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله)؛ لزيادة: المباركات؛ موافقة لقوله تعالى: ﴿تحية من عند الله مبركة طيبة﴾، ولأن ابن مسعود من متقدمي الصحابة، وابن عباس من متأخريهم، والمتأخر يقضي به على المتقدم.
وتعريف السلام أفضل، وقيل: تنكيره، وقيل: هما سواء.
قال: (وأقله: (التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله))؛ لأن جميع الروايات اتفقت عليه.
و (التحيات) جمع تحية وهي: الملك، وقيل: البقاء والدوام، وقيل: العظمة، وقيل: الدعاء، وقيل: الرحمة.

وَقِيلَ: يَحْذِفُ (وَبَرَكَاتُهُ) وَ (الصَّالِحِينَ)، وَيَقُولُ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ).
قُلْتُ: الأَصَحُّ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، وَثَبَتَ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ)، وَاللهُ أَعْلَمُ.

 و (الطيبات): الأعمال الصالحة، وقيل: الكلمات الصالحة، وقيل: الكلمات الطيبات لله عز وجل وهي: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، وهي: الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
و (الصالحون) جمع صالح وهو: القائم بحقوق الله عز وجل، وحقوق العباد.
قال: (وقيل: يحذف (وبركاته) و (الصالحين)، ويقول: (وأن محمدًا رسوله)).
أما حذف (وبركاته) .. فرواه ابن كج والصيدلاني عن الشافعي.
وأما لفظ (الصالحين) .. فأسقطها الحليمي محتجًا بأن لفظ: العباد إذا أضيف إلى الله تعالى .. انصرف إلى الصالحين.
وأما حذف (أشهد)، والإتيان بالضمير .. فلم يوافق المصنف عليها بل قال: (قلت: الأصح: و (أن محمدًا رسول الله)، وثبت في (صحيح مسلم) والله أعلم) أما إسقاط لفظة (أشهد) .. فرواها مسلم [404] عن أبي موسى الأشعري، ولفظه: (إذا كان أحدكم عن القعدة .. فليكن من قوله: التحيات إلى أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله).
وأما الإتيان بالضمير في: (وأن محمدًا رسوله) .. فلا يكفي، بل لابد من قوله: وأن محمدًا رسول الله، كما اقتضاه كلام الرافعي في (الشرحين)، ونقله في (شرح المهذب) عن النص، وصححه في (التحقيق) و (شرح الوسيط)، لكنه اختصر في (الروضة) كلام الرافعي على العكس فصحح: أن الضمير يجزئ.
قال في (المهمات): والمفتى به: المنع، غير أنه ثبت الضمير مع زيادة (العبد) في التشهد الوارد في (الصحيح) من رواية ابن مسعود وأبي موسى، ولم يقع الظاهر إلا في رواية ابن عباس.
وقد اتفق العلماء على جواز التشهد بالروايات الثلاثة كما قاله في (شرح مسلم)، فالخلاف مختص بما عدا هذه الصورة، ثم إن المصنف جزم في كتبه بأن الضمير كاف

وَأَقلُّ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ)،  في الصلاة على الآل إذا أوجبناها، فيطلب منه الفرق بينهما.
والمنقول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في تشهده: (وأني رسول الله)، كذا ذكره الرافعي في صلاة العيدين).
فإن قيل: سلام عليك خطاب لآدمي، فلم لا تبطل؟ فالجواب: أن هذا كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة من خواصه، لكن روى البخاري في (كتاب الاستئذان) [6265] وأبو عوانة في (مسنده) [2026] كلاهما عن ابن مسعود قال: (كنا نقول في حياة النبي صلى الله عليه وسلم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم .. قلنا: السلام على النبي صلى الله عليه وسلم)، فمقتضى ذلك: أن الخطاب اليوم غير واجب، وبه صرح أبو حفص عمر بن أبي العباس بن سريج في كتاب (تذكرة العالم)، وهو غريب.
قال: (وأقل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله: (اللهم؛ صل على محمد وآله)).
أما الواجب .. فقوله: اللهم؛ صل على محمد.
وأما الآل .. فمراده: إذا أوجبناها؛ لأن اسم الصلاة حاصل فيه.
وفي (سنن النسائي) [3/ 49] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجتهدوا في الدعاء وقولوا: (اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد).
وروى الدارقطني [1/ 355]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى صلاة لم يصل علي فيها، ولا على أهل بيتي .. لم تقبل منه)، لكن في رجاله جابر بن يزيد الجعفي.
فإن قيل: فأين السلام؟ قيل: هو في قوله: السلام عليك أيها النبي.
وأفهمت عبارة المصنف تعين ما ذكره، وقد قال القاضي حسين: تسمية محمد

صلى الله عليه وسلم واجبة، فلا يكفي على النبي ولا على أحمد.
وقال في (التحقيق): يجزئ صلى الله عليه وسلم وعلى النبي دون أحمد على الصحيح، وقياسه: أنه لو قال: وأن أحمد رسول الله .. لا يجزئ، وفيه نظر.
ولو قال: صلى الله عليه وسلم .. فوجهان أصحهما: لا يكفي.
فإن قيل: تقرر أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، فكيف يسأل أن يصلي عليه كإبراهيم عليهما الصلاة والسلام؟ فالجواب: أن الكلام تم عند قوله: (اللهم؛ صلى على محمد)، واستأنف: و (على آل محمد ... إلخ).
وقيل: طلب له ولآله وليسوا بأنبياء منازل إبراهيم وآله الأنبياء؛ لأن (آل إبراهيم): إسماعيل وإسحاق عليهما الصلاة والسلام وذريتهما.
وخص إبراهيم بالذكر؛ لأن الصلاة من الله رحمة ولم تجمع الرحمة والبركة لنبي غيره، قال الله تعالى: ﴿رحمت الله وبركته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾.
و (إبراهيم) معناه بالسريانية: أب رحيم.
قال الشافعي: الأولى في الصلاة أن يقول: اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
مهمة: نقل الرافعي عن الصيدلاني: أن من الناس من يزيد: وارحم محمدًا كما ترحمت على إبراهيم، وربما يقول: كما رحمت .. قال: وهذا لم يرد في الخبر، وهو غير فصيح؛ فإنه لا يقال: رحمت عليه، وهذه أسقطها من (الروضة).

وَالزِّيَادَةُ إِلَى (حَمِيدٌ مَجِيدٌ) .. سُنَّةٌ فِي الآخِرِ، وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ، وَمَاثُورُهُ أَفْضَلْ، ... .

 وقوله: (لا يقال: رحمت عليه) .. غير صحيح؛ فقد نقلها الطبري شارح (التنبيه) عن الصاغاني.
وقال الغزالي: لا يجوز: ترحم بـ (تاء)، وقال المصنف: إنه بدعة.
وبالغ ابن العربي في إنكاره وخطأ فيه ابن أبي زيد.
قال: (والزيادة إلى (حميد مجيد) .. سنة في الآخر)؛ للأمر به في حديث كعب بن عجرة.
ولا فرق بين أن يكون منفردًا أو مأمومًا، وكذا الإمام على الأصح.
و (الحميد): الذي تحمد فعاله.
و (المجيد): الكامل الشرف.
قال: (وكذا الدعاء بعده)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود: (ثن ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به) متفق عليه [خ835 - م402]. وفي رواية لمسلم [402]: (ثم ليتخير من المسألة ما شاء).
وكلام الشافعي يقتضي: أن ترك الدعاء مكروه، قال الشيخ: وكأنه يريد خلاف الأولى.
وعن الشيخ أبي محمد تردد في مثل: اللهم؛ ارزقني جارية صفتها كذا وكذا؛ ومال إلى المنع وأن الصلاة تبطل وهو خلاف ما عليه الجمهور، وإن حكاه الروياني في (البحر)، والشاشي في (الحلية)، والعمراني في (البيان).
والعجب أنه نقله في (الكفاية) عن ابن يونس، وذكر أن الرافعي نقله عن بعض الحنفية، وأنه لم يره في مشاهير الكتب.
وقال في (الشامل): إذا دعا بدعاء محظور .. بطلت صلاته.
قال: (ومأثوره أفضل) المراد بالمأثور: المنقول من الدعاء في هذا المحل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أفضل من غير المنقول؛ لتنصيص الشارع عليه.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل