النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 295-334
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هو المال الواجب للمرأة على الرجل بالنكاح أو الوطء، سمي صداقًا لإشعاره بصدق رغبة باذله، ويجوز فتح صاده وكسرها، ويقال: صدقة بفتح الصاد وضم الدال، وبضم الصاد وإسكان الدال، ولفظه مأخوذ من الصَّدق بالفتح، وهو الشديد الصلب، فكأنه أشد الأعواض ثبوتًا من حيث إنه لا يسقط بالتراضي.
وله عشرة أسماء نطق الكتاب العزيز بستة منها: الصداق والنحلة والفريضة والأجر والطول والنكاح، قال تعالى: ﴿وَليَسْتَّعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾، ووردت السنة بالمهر والعقر والعليقة والحباء، وسيأتي ذكره عند قول المصنف: (إذا توافقوا على مهر في السر وأعلنوا زيادة) وقال مهلهل (من المنسرح): أنكحها فقدها الأراقم من .... جنب وكان الحباء من أدم وصحفه ابن دريد مع جلالته.
والتعبير بـ (العليقة) وقع في (البحر) و (الروضة) وغيرهما، وقال القاضي عياض والهروي وابن الأثير: العلاقة، والجمع العلائق.
والأصل فيه من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوا النِسَاءَ صَدُقَتِهِنَّ نِحْلَة﴾ أي: عطية من الله مبتدأة، والمخاطب بذلك الأزواج عند الأكثرين، وقيل: الأولياء؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يأخذونه.
ويسمى نحلة؛ لأن المرأة تستمتع بالزوج كاستمتاعه بها أو أكثر، فكأنها تأخذ الصداق من غير مقابل.
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (أدوا العلائق) قالوا: يا رسول الله؛

تَسَنُّ تَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ، وَيَجُوزُ إِخْلاَؤُهُ مِنْهُ  ما العلائق؟ قال: (ما تراضى به الأهلون) رواه الدارقطني والبيهقي.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أول ما يسأل عنه المؤمن من ديونه صداق زوجته) وقال: (من ظلم زوجته صداقها .. لقي الله يوم القيامة وهو زان).
وانعقد الإجماع عليه.
قال: (تسن تسميته في العقد) وإن لم يجب كنكاح عبده بأمته؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه عقد نكاحًا إلا وسمى فيه صداقًا، ولأنه أدفع للخصومة والمنازعة.
وفي (الصحيحين) في حديث الواهبة: (هل عندك من شيء تصدقها؟) قال: لا، قال: (فالتمس ولو خاتمًا من حديد).
وقال المتولي: يكره إخلاء النكاح عنه.
قال: (ويجوز إخلاؤه منه)؛ لقوله تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
وفي (سنن أبي داوود) و (الحاكم) و (ابن حبان) عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير النكاح أيسره) وقال لرجل: (أترضى أن أزوجك فلانة؟) قال: نعم، فقال لها: (أترضين أن أزوجك فلانًا؟) قالت: نعم، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفرض صداقًا، فدخل بها فلم يعطها شيئًا، فلما حضرته الوفاة .. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أعطها شيئًا، وقد أعطيتها سهمي بخيبر، وكان له سهم فيها، فأخذته فباعته بمئة ألف.

وَمَا صَحَّ مَبِيعًا .. صَحَّ صَدَاقًا  وكان الصواب أن يقول: إخلاؤه منها؛ أي: من التسمية كما عبر به في (الروضة) وغيرها؛ لأن النكاح لا يخلو من المهر، لكن تستثنى أربع مسائل لا يجوز فيها إخلاؤه عن التسمية: إذا كانت الزوجة غير جائزة التصرف، أو مملوكة لغير جائز التصرف.
وإذا كانت جائزة التصرف وأذنت لوليها أن يزوجها ولم تفوض.
والوكيل عن الولي من غير صورة التفويض .. الصحيح: أنه لا يجوز له إخلاؤه عنه.
وإذا كان الزوج غير جائز التصرف، وحصل الاتفاق على مسمى هو بعض مهر مثلها .. فتتعين التسمية.
قال: (وما صح مبيعًا .. صح صداقًا) قل أو كثر؛ لقوله تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ولو خاتمًا من حديد)، وتزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب، وهي اسم لخمسة دراهم.
وعبارة (التنبيه): (ما جاز أن بكون ثمنًا .. جاز أن يكون صداقًا) وهو أحسن؛ لأن الصداق أشبه بالثمن.
ومراد المصنف: أن كل ما يجوز أن يجعل عوضًا في البيع ثمنًا أو أجرة .. يجوز أن يجعل صداقًا، فإذا تزوج امرأة على أن يرد عبدها الآبق أو جملها الناد، فإن كان موضعه معلومًا .. جاز، وإن كان مجهولاً .. لم يصح على الصحيح، ويجب مهر المثل؛ لأن الجعالة عقد جائز احتملت الجهالة فيها لذلك، فإن رده في صورة الجهل .. فله أجرة المثل، ولها عليه مهر المثل.
واحترز المصنف عما لا يتقوم كحبة الحنطة ونواة التمر؛ فإنه لا يصح به، لكن يرد عليه ما أورده ابن الرفعة على (التنبيه) من جعل رقبة العبد صداقًا لزوجته الحرة، وجعل الأب أم ابنه صداقًا عن ولده، وجعل أحد أبوي الصغيرة صداقًا لها؛ فإنه لا يصح في جميع ذلك وإن كانت أعيانًا تباع ولا ترد، فإن هذه الأمور يصح إصداقها في الجملة، وإنما امتنع ذلك لمانع آخر.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويستحب أن لا يزيد على صداق زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وبناته، وذلك حمس مئة درهم خالصة، وأما أم حبيبة فأصدقها عنه النجاشي أربع مئة دينار؛ إكرامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمستحب أن لا ينقص عن عشرة دراهم، وقدره أبو ثور وأبو حنيفة ومالك بنصاب السرقة، وهو عند الأول خمسة، والثاني عشرة، والثالث ثلاثة.
واحتج أصحابنا بما روى الدارقطني: (ولو قضيبًا من أراك) وبأن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟) قالت: نعم، فأجازه، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وتزوج عبد الرحمن بخمسة دارهم كما تقدم، وتزوجت امرأة بكف من طعام فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم صداقًا، رواه أبو داوود.
وروى ابن السكن في (سننه الصحاح) والبيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من استحل بدرهم .. فقد استحل) أي: طلب الحل، قال عروة بن الزبير: أول شؤم المرأة أن يكثر صداقها.
واستحب العلماء كلها ترك المغالاة فيه، ولم يقولوا: عن المغالاة فيه مكروهة، بل خلاف الأولى؛ لقوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ وعمر رضي الله عنه - مع ما كان ينهى عنه من المغالاة - تزوج أم كلثوم بنت علي على أربعين ألفًا، وتزوج طلحة أم كلثوم بنت أبي بكر بمئة ألف، وتزوج مصعب بن الزبير ابنتها عائشة بنت طلحة فأصدقها ألف ألف درهم، فقال عبد الله بن هشام السلولي (من الكامل): أبلغ أمير المؤمنين رسالة .... من ناصح لك لا يريد دفاعا بضع الفتاة بألف ألف كامل .... وتبيت سادات الجيوش جياعا ثم تزوجها بعده عمر بن عبد الله بن معمر التميمي فأصدقها مئة ألف دينار، وكانت

وَإِذَا أَصْدَقَ عَيْنًا فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ .. ضَمِنَهَا ضَمَانَ عَقْدٍ، وَفِي قَوْلٍ: ضَمَانً يَدٍ،

 من أجمل نساء قريش، روى لها الجماعة، وذكرها ابن حبان في (الثقات).
ولما حضرت عليًا الوفاة .. قال لزوجته أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ابنة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا آمن أن يخطبك هذا الطاغية بعد موتي - يعني معاوية - فإن كان لك في الرجال حاجة .. فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل بن الحارث عشيرًا.
فلما مات وانقضت عدتها كتب معاوية إلى مروان أن يخطبها له، وبذل لها مئة ألف دينار، فلما خطبها .. أرسلت إلى المغيرة بن نوفل تخبره بذلك، فتزوجها المغيرة.

فائدة: بوب النسائي للتزويج على الإسلام، وروى فيه عن أنس فقال: تزوج أبو طلحة أم سليم فكان الصداق بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة، فخطبها فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمتَ .. نكحتكَ، فأسلم، فكان الصداق بينهما الإسلام.

فرع: يجوز جعل القصاص الواجب له عليها أو على عبدها صداقاً لها، بخلاف ترك الشفعة وحد القذف؛ لأن ذلك لا يقابل بعوض، وأسقط من (الروضة) مسألة العبد، وجزم الرافعي بها قبل (الديات)، وفرع عليها ما إذا طلق قبل الدخول .. هل يرجع بنصف أرش الجناية أو بنصف مهر المثل.
قال: (وإذا أصدق عينًا فتلفت في يده .. ضمنها ضمان عقد) كالمبيع في يد البائع؛ لأن الصداق مملوك بعقد معاوضة.
قال: (وفي قول: ضمان يد)؛ لأنه لا ينفسخ النكاح بتلفه فكان كالمستعار والمستام، والقول بضمان العقد جديد، وهو اختيار المزني، وبضمان اليد قديم، وقد أطال الأصحاب في مأخذ القولين؛ فإن الصداق فيه مشابهة العوض كثمن

فَعَلَى الأَوَّلِ: لَيْسَ لَهَا بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ  المبيع، ويقول: زوجتك بكذا كما يقول: بعتك بكذا، وترد بالعيب كما يرد المبيع والثمن، ولها أن تحبس نفسها لتستوفيه كما يحبس البائع المبيع.
ولو مهرها شقصًا .. ثبت للشريك الشفعة عندنا، وهذه كلها أحكام الأعواض، وبها رجحوا القول به، وقالوا: الصحيح: أنه عوض، وأنه مضمون ضمان عقد، وفيه مشابهة النحلة الخالية عن العوض؛ لأنه يجوز إخلاء النكاح عنه إجماعًا، ولا يفسد النكاح بفساده، ولا ينفسخ بردة، واستمتاع كل من الزوجين مقابل بمثله، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿نِحْلَةً﴾.
والمصنف فرض المسألة فيما إذا أصدقها عينًا، وكذا في (الشرح) و (الروضة)، والخلاف لا يختص بالعين، ولكن أكثر ما يظهر أثره فيها.
وموضع الخلاف حيث أمكن تقويم الصداق، فإن لم يمكن .. فهو مضمون ضمان عقد قطعًا، كذا ذكره الشيخان في أوائل (الصداق الفاسد) في فرع: لو أصدقها عبدًا أو ثوبًا غير موصوف .. فالتسمية فاسدة، ويجب مهر المثل قطعًا، وإن وصفها .. وجب المسمى.
قال: (فعلى الأول: ليس لها بيعه قبل قبضه) كالمبيع، وإن قلنا بضمان اليد .. جاز، وبه قال أبو حنيفة.
وذكره البيع مثال، ولو عبر بالتصرف .. كان أعم، وقياس إلحاقه بالبيع نفوذ العتق كما في البيع، لكن يرد عليه ما لو كان دينًا .. فإنه يجوز الاعتياض عنه على الصحيح، فلو قال: بيعها - يعني العين - لسلم منه.

وَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ .. وَجَبَ مَهْرُ مِثْلِ  قال: (ولو تلف في يده .. وجب مهر مثل) يعني: إذا تلف الصداق المعين في يده، فإن قلنا: إنه مضمون ضمان عقد .. انفسخ عقد الصداق، ويقدر عود الملك إليه قبل التلف، حتى لو كان عبدًا .. كان عليه مؤنة تجهيزه، كالعبد المبيع يتلف في يد البائع، ولها عليه مهر المثل؛ لأن النكاح مستمر، والبضع كالتالف فيرجع إلى بدله، كما لو رد المبيع بعيب وقد تلف العوض في يد البائع .. يلزمه بدله، إما المثل وإما القيمة، وكما لو هلك الثمن في يد المشتري بعد ما قبض المبيع وتلف عنده .. فإنه يجب على المشتري بدل المبيع من المثل أو القيمة.
وإن قلنا: مضمون ضمان يد .. فالصداق الذي تلف تلف على ملك الزوجة، حتى لو كان عبدًا .. كان عليها تجهيزه، ولا ينفسخ الصداق على هذا القول، ولكن بدل ما وجب على الزوج تسليمه يقوم مقامه، فيجب لها عليه مثل الصداق إن كان مثليًا، وقيمته إن كان متقومًا، ويروى هذا عن أبي حنيفة وأحمد.
ولو طالبها الزوج بالقبض فامتنعت .. ففي بقاء الصداق مضمونًا عليه وجهان: أصحهما: الضمان كما أن البائع لا يخرج عن عهدة المبيع بهذا القدر.
لكي يستثنى ما لم طالبته بالتسليم فامتنع .. فإنه ينتقل إلى ضمان اليد، كذا نص عليه في (البويطي)، وجزم به الماوردي، وصحح الشيخان خلافه، والمعتمد الأول.

وَإِنْ أَتَلَفَتْهُ .. فَقَابِضَةٌ.
وَإِنْ أَتَلَفَهُ أَجْنَبِيٌ .. تَخَيَّرَتْ عَلَى اَلْمَذْهَبِ، فَإِنْ فَسَخَتِ اَلصَّدَاقَ .. أَخَذْت مِنَ الَزَّوْجِ مَهْرَ مِثْلِ، وَإِلاَّ .. غَرَّمَتِ اَلْمُتْلِفَ  قال: (وإن أتلفته .. فقابضة)؛ لأنها أتلفت حقها، ويبرأ الزوج، وهذا على القولين، كذا أطلقه الشيخان، ويجب تقييده بما إذا كانت أهلاً للقبض، فإن كانت غيره رشيدة .. فلا؛ لأن قبضتها غير معتد به، ولهذا لو وجب للمجنون قصاص على إنسان فوثب إليه فقتله .. لا يكون مستوفيًا للقصاص على الأصح.
وتقدم في إتلاف المشتري وجه: أنه ليس قبضًا.
قال الرافعي: فالقياس مجيئه هنا، وحكاه ابن الرفعة وجهًا مستقلاً، فتغرم وتأخذ مهر المثل، وذكر المصنف في (زوائده) هناك: أنه لو كان المبيع عبدًا فقتله المشتري لصياله عليه .. لم يكن قبضًا على الأصح، فينبغي أن يستثنى هذا أيضًا من إطلاقه هنا.
قال: (وإن أتلفه أجنبي .. تخيرت على المذهب) كما يتخبر المشتري على الأصح إذا أتلف الأجنبي المبيع.
قال: (فإن فسخت الصداق .. أخذت من الزوج مهر مثل)؛ لأنه المرد الشرعي، أما إذا قلنا بضمان اليد .. فلا تخيير.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يفسخ (... غرمت المتلف) بكسر اللام؛ لأنه المتعدي، وقرار الضمان عليه، ولها على قول ضمان اليد تغريم الزوج أيضًا، والزوج يرجع على المتلف، وعلى قول ضمان العقد ليس لها مطالبة الزوج.
هذا إذا كان الأجنبي بحيث يضمنه بالإتلاف، فإن لم يضمنه كقصاص وجب له على العبد ونحو ذلك .. فلا تخيير، بل هو كالآفة، ولها على الزوج مهر المثل، وكذا ينبغي إذا قتله الإمام قصاصًا أو لحرابة ونحوه.

وَإِنْ أَتَلَفَهُ اَلْزَّوْجُ .. فَكَتَلَفِهِ وَقِيلَ: كَأَجْنَبِيِّ.
وَلَوْ أَصْدَقَ عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ عَبْدٌ قَبْلَ قَبْضِهِ .. أَنْفَسَخَ فِيهِ لاَ فِي اَلْبَاقِي عَلَى اَلْمَذَهبِ، وَلَهَا اَلْخِيَاُر، فَإِنْ فَسَخَتْ .. فَمَهْرُ مِثْلِ، وَإِلاَّ .. فَحِصَّةُ الْتَّالِفِ مِنْهُ.
وَلَوْ تغَيبَ قَبْلَ قبْضِهِ .. تَخَيَّرَتْ عَلَى اَلْمَذْهَبِ,  قال: (وإن أتلفه الزوج .. فكتلفه) ينفسخ الصداق جزمًا، ويرجع بمهر المثل.
قال: (وقيل: كأجنبي) فتتخير، وصححه في (الشرح الصغير)، والخلاف ينبني على أن إتلاف البائع كتلفه أو كإتلاف الأجنبي، والأصح: الأول.
قال: (ولو أصدق عبدين فتلف عبد قبل قبضه .. انفسخ فيه لا في الباقي على المذهب) هو الخلاف في تفريق الصفقة في الدوام، هذا على ضمان العقد، أما على ضمان .. اليد فيرجع إلى قيمة التالف، ولا ينفسخ في شيء.
وتقدم في (البيع) في نظير هذه الصورة: أن هذا إذا لم يقبض الآخر، فإن كان قد قبض وهو باق .. فأولى بعدم الانفساخ، وإن تلف بعد قبضه .. فأولى، لعدمه أيضًا، فيظهر مجيئه هنا.
قال: (ولها الخيار)؛ لعدم سلامة المعقود عليه.
قال: (فإن فسخت .. فمهر مثل) هذا على ضمان العقد، وعلى مقابلة: تأخذ قيمة العبدين.
قال: (وإلا .. فحصة التالف منه) يعني: إذا لم يفسخ .. فالواجب لها حصة قيمة التالف من مهر المثل على قول ضمان العقد، وقيمة التالف على القول الآخر، هذا إذا تلف بافة سماوية، فإن أتلفته هي .. جعلت قابضة لقسطه من الصداق، وإن أتلفه أجنبي .. تخيرت.
قال: (ولو تعيب قبل قبضه) كعمى العبد ونسيان الحرفة ونحوها (... تخيرت على المذهب) هذا على القولين معًا كما صرح به الغزالي وغيره.

فَإِنْ فَسَخَتْ .. فَمَهْرُ مِثْلِ، وَإِلاَّ .. فَلاَ شَيْءَ.
وَاَلْمَنَافِعُ اَلْفَائِتَةُ فِي يَدِ اَلزَّوْجِ لاَ يَضْمَنُهَا وَإِنْ طَلَبَتَ اَلْتَسْلِيمَ فَأَمْتَنَعَ عَلَى ضَمَانِ اَلْعَقْدِ، وَكَذَا اَلْتِي اَسْتَوْفَاهَا بِرُكُوبِ وَنَحْوِهِ عَلَى اَلْمَذْهَبِ  قال: (فإن فسخت .. فمهر مثل) هذا ظاهر على ضمان العقد، وأما على ضمان اليد .. فيرجع إلى قيمته.
قال: (وإلا .. فلا شيء) لها كما لو رضي المشتري بعيب المبيع، وعلى ضمان اليد: لها أرش النقصان.
فروع: الأول: إذا أطلعت على عيب قديم .. فلها الخيار بلا خلاف، فإن فسخت .. فلها مهر المثل أو قيمة العين سالمة، وإن أجازت وقلنا بضمان اليد .. فلها الأرض، وفيه تردد للقاضي حسين.
الثاني: أصدقها دارًا فانهدمت في يده ولم يتلف من النقض شيء .. فالحاصل نقصان صفة، وإن تلف بعضه أو كله باحتراق أو غيره فهل الحاصل نقصان صفة كأطراف العبد أو نقصان جزء كأحد العبدين؟ فيه وجهان: أحصهما: الثاني.
الثالث: زاد الصدق في يد الزوج، فإن كانت الزيادة متصلة كالسمن وتعلم الصنعة .. تبعت الأصل، وإن كانت منفصلة كالثمرة والولد كسب الرقيق، فإن استمر العقد وقبضت الأصل .. فالزوائد لها، وإن هلك الأصل في يد الزوج وبقيت الزوائد أو ردت الأصل بعيب .. ففي الزوائد وجهان: أصحهما: لها.
قال: (والمنافع الفائتة في يد الزوج لا يضمنها وإن طلبت التسليم فامتنع على ضمان العقد) كما لو اتفق ذلك من البائع، فإن قلنا بضمان اليد .. فيضمنها بأجرة المثل من وقت الامتناع، كذا قاله الرافعي، وعند الغزالي لا يضمنها على القولين إلا إذا قيل: إنها تضمن ضمان المغصوب، ويكون الأقصى.
قال: (وكذا التي استوفاها بركوب ونحوه على المذهب)، بماء على أن جنايته كالآفة، وهو الأصح، فإن قلنا: إنه كالأجنبي .. ضمنها بأجرة المثل، وفيه بحث

وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ اَلْمَهْرَ اَلْمُعَيَّنَ وَاَلْحَالَّ لاَ اَلْمُؤَجَّلَ، فَلَوْ حَلَّ قَبْلَ اَلتَّسْلِيمِ .. فَلاَ حَبْسَ فِي اَلأَصَحِّ  لابن الصلاح وابن الرفعة مع الرافعي.
قال: (ولها حبس نفسها لتقبض المهر المعين والحال) كما يثبت للبائع حق الحبس، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، فإذا طلب منها تسليم نفسها وقد أخر تسليم الصداق لعذر أو لغير عذر .. لم تلزمها الإجابة إلا أن يسلمها الصداق بتمامه في الصورتين المذكورتين، وهما إذا كان معينًا أو دينًا حالاً، كيلاً يفوت عليها.
قال: (لا المؤجل)؛ لأنها رضيت بالتأخير فليس لها حبس نفسها.
قال: (فلو حل قبل التسليم .. فلا حبس في الأصح)؛ لأنها رضيت أولاً بكونه في ذمته، ووجب عليها التسليم قبل القبض فلم ترتفع بحلول الحق.
والثاني: أن لها الحبس؛ لاستحقاقها المطالبة بعد الحلول كما في الابتداء.
قال في (المهمات): والذي صحه من رجحان عدم الحبس في هذه الصورة خلاف المذهب المنصوص، والصواب: أن لها الحبس كما رجحه في (الشرح الصغير)، وللمسألة نظيران: أحدهما: إذا باع بثمن مؤجل وحل قبل التسليم .. فالأصح أنه لا يمكن من الحبس.
والثاني: إذا اشترى سلعة بثمن مؤجل وأفلس ولم يتفق للحاكم بيعها حتى حل الأجل .. ففي جواز الرجوع فيها وجهان، قال في زوائد (الروضة): أصحهما في (الوجيز): الجواز.
ولو كان بعضه مؤجلاً وبعضه حالاً .. ففي (الحاوي) وغيره: لها الامتناع لقبض الحال، والظاهر أنه ليس لها الحبس؛ لأنها رضيت بتأجيل بعضه، وقال ابن

وَلَوْ قَالَ كُلِّ: لَا أُسَلِّمُ حَتَّى تُسَلَّمَ .. فَفِي قَوْلِ: يُجْبَرُ هُوَ، وَفِي قَوْلِ: لاَ إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلِّمَ .. أُجْبِرِ صَاحِبهٌ، وَالأَظْهَرُ يُجْبَرَانِ؛ فَيُؤْمَرُ بِوَضْعِهِ عِنْدَ عَدْلِ، وَتُؤْمَرُ بِاَلْتَّمْكِينِ، فَإِذَا سَلَّمَتْ .. أَعْطَاهَا اَلْعَدْلُ  الصلاح: إذا قبضت البعض ليس لها أن تمتنع، ويكون كما لو كان بعضه مؤجلاً وتستثنى صور لا حبس فيها: أحدها: الأمة الزوجة إذا باعها السيد .. فإن المهر يبقى له كما تقدم، ومع ذلك لا حبس له.
الثانية: إذا كانت كذلك وأعتقها.
الثالثة: إذا زوج السيد أم ولده ثم مات وعتقت وصار الصداق للوارث .. فليس له حبسها.
الرابعة: أعتقها وأوصى لها بصداقها .. فليس لها حبس نفسها لاستيفائه؛ لأن الاستحقاق ههنا بالوصية لا بالنكاح، ذكره الرافعي في نكاح الإماء.
قال: (ولو قال كل: لا أسلم حتى تسلم .. ففي قول: يجبر هو)؛ لأن استرداد الصداق ممكن دون البضع.
قال: (وفي قول: لا إجبار، فمن سلم .. أجبر صاحبه)؛ دفعًا للضرر عنهما.
قال: (والأظهر يجبران، فيؤمر بوضعه عند عدل، وتؤمر بالتمكين، فإذا سلمت .. أعطاها العدل)؛ لأن كل واحد منهما قد استحق التسليم، فأجبر كل واحد منهما على إيفاء صاحبه حقه، قال الإمام: فلو سلمت نفسها فلم يأت .. فالذي أراه أن على العدل تسليم الصداق إليها.
فلم سلم إليها فهم بالوطء فامتنعت .. فالوجه: استرداد الصداق منها، وهذه الأقوال سبق مثلا في البيع.

وَلَوْ بَاَدَرْتْ وَمَكَّنَتْ .. طَالَبَتْهُ، فَإِنْ لَمْ يَطَا .. اَمْتَنَعَتْ حَتَّى يُسَلِّمَ، وَإِنْ وَطِئ.
َ. فَلاَ  وهناك قول رابع: أن البائع يجبر على التسليم أولاً، وهنا لا يمكن الابتداء بالمرأة، وهي نظيره هنا؛ لأن منفعة البضع إذا فاتت .. تعذر استدراكها، بخلاف المال.
وموضع القول الأول إذا كانت متهيئة للاستمتاع، فإن كانت محبوسة أو ممنوعة بعذر أخر كمرض .. لم يلزم تسليم الصداق، وسيأتي الكلام في الصغيرة.
واستشكل ابن الرفعة وضع الصداق عند عدل على القول الأظهر؛ لأن العدل إن كان نائبًا عنها في القبض - كما قال الجيلي - فال الأمر إلى إجبار الزوج وهو القول الأول، وإن لم يكن نائبًا عنها - فقد أجبر أولاً.
ويمكن أن يجاب بأنه نائب عنهما كما هو مقتضى كلام الأصحاب فيما إذا أخذ السلطان الدين من الممتنع .. فإن المأخوذ يملكه الغريم، وتبرأ ذمة المأخوذ منه.
فرع: لولى غير المكلفة منع تسليمها حتى تقبض، وله تسليمها قبله إن رآه مصلحة، وعن مالك لا يجوز ما لم تقبض أقل ما يصلح أن يكون صداقًا.
قال: (ولو بادرت ومكنت .. طالبته) على كل قول؛ لبقاء حقها.
قال: (فإن لم يطأ .. امتنعت حتى يسلم)، ولها العود إلى الامتناع، وتصير كمن لم تمكن إلى أن تسلم الصداق.
قال: (وإن وطئ .. فلا) كما لو تبرع البائع بتسليم المبيع قبل قبض الثمن .. ليس له بعد ذلك أخذه وحبسه.
وقال أبو حنيفة: لها العود إلى الامتناع، وعندنا وجه مثله.

وَلَوْ بَادَرَ وَسَلَّمَ .. فَلْتُمَكِّنَ، فَإِنِ أمْتَنَعَتْ بِلاَ عُذْرٍ .. اُسْتَرَدَّ إِنْ قُلْنَا .. إِنَّهُ يُجْبَرُ.
وَلَوِ اَسْتَمْهَلَتْ لِتَنَظًّفِ وَنَحْوِهِ .. أُمْهِلَتْ مَا يَرَاهُ فَاضٍ  هذا إذا وطئها مطاوعة، فإن أكرهها .. فلها الامتناع بعده على الأصح، كما لو غصب المشتري المبيع قبل تسليم الثمن .. يجوز للبائع رده إلى حبسه.
والثاني: لا؛ لأن البضع بالوطء كالتالف، فأشبه ما إذا غصب المشتري المبيع قبل تسليم الثمن وتلف عنده.
قال: (ولو بادر وسلم .. فلتمكن)؛ لأنه فعل ما عيليه.
قال: (فإن امتنعت بلا عذر .. استرد إن قلنا: إنه يجبر)؛ لأن الإجبار شرطه التمكين؛ فإن قلنا: لا يجبر .. فوجهان: أحصهما: لا يسترد؛ لأنه تبرع بالمبادرة وسلم، فلا يتمكن من الرجوع كما لو عجل المال المؤجل.
والثاني: له الاسترداد؛ لأنه لم يحصل على العوض.
قال: (ولو استمهل لتنظف ونحوه .. أمهلت)؛ لأن ذلك من المعاشرة بالمعروف، وهذا الإمهال واجب على الأصح، وقيل: مندوب؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (لا تطرقوا النساء ليلاً، حتى تمشط الشعثة، وتستحد المغيبة) متفق عليه [خ 5246 - م 715/ 181]:، فإن امتنع الزوج الغائب من طروق امرأته معافصة مع تقدم الصحبة .. فلأن يمتنع ذلك في ابتداء الحال أولى.
والثاني: لا تمهل، كما لو سلم المشتري الثمن لا يمهل البائع.
وقيل: تمهل قطعًا، قاله العراقيون.
قال: (ما يراه قاض) من يوم أو يومين أو أقل؛ لأنه أمر مجتهد فيه.

وَلاَ يُجِاوِزُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، لاَ لِيَنْقَطِع حَيْضٌ.
ولاَ تُسَلَّمُ صَغِيرَةٌ وَلاَ مِرِيضَةٌ حَتَّى يَزْولَ مَانِعُ وَطْءٍ  قال: (ولا يجاوز ثلاثة أيام)؛ لأنها أقل الكثير وأكثر القليل، ولأن الحاجة تحصل بها، ومنهم من قدرة بما يحتاج إليه عادة؛ لأنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
وتدخل فيها الليالي المشتملة عليها كخيار الثلاث، ولا نقول ثلاثة أيام وثلاث ليال كمسح الخف؛ فهي بالخيار أشبه.
ولا خلاف أنها لا تمهل لتهيئة الجهاز والتسمين ونحو ذلك.
هذا إذا لم يظهر تعنتها في الاستمهال، فإن ظهر ذلك .. فيشبه عدم إجابتها، وتأثم بذلك.
قال: (لا لينقطع حيض)؛ لأنه يستمتع بها من فوق الإزار من غير وطء كالقرناء والرتقاء، وتردد الإمام فيه إذا خشيت المواقعة، وقال المتولي: إن كان زمن حيضها لا يزيد على ثلاثة أيام .. أمهلت، وقال الغزالي: إذا علمت من عادته أن يغشاها في الحيض .. فلها الامتناع من مضاجعته والنفاس كالحيض.
قال: (ولا تسلم صغيرة ولا مريضة حتى يزول مانع وطء)؛ لأن العادة لم تجر بتسليم مثلها.
ومقتضى عبارته: أن التسليم في هذه الحال حرام، والمجزوم به الكراهة في الصغيرة، ولا يجوز للزوج وطؤها إلا إلى الاحتمال، فلو قال الزوج: سلموا إلى الصغيرة أو المريضة ولا أقربها إلى أن يزول ما بها .. قال الغزالي: لا يجاب، وقال البغوي: يجاب في المريضة دون الطفلة.
لكن تستثنى المرأة النحيفة الجبلة، فليس لها أن تمتنع بهذا العذر؛ لأنه لا شيء يتوقع زواله، فكانت كالرتقاء.

وَيَسْتَقِرُّ اَلْمَهْرُ بِوَطْءٍ وَإِنْ حَرُمَ كَحَائِضٍ،  فروع: لم يذكر المصنف محل التسليم، وهو منزل الزوج كما قال في (التنبيه) في آخر (كتاب النكاح)، هذا إذا لم ينتقل إلى بلد آخر، فإن انتقل .. لم يجب عليها التسليم، بلم الواجب عليها في هذه الحالة التمكين، فلو تزوج ببغداد امرأة بالكوفة، ثم انتقل إلى الموصل وطلب إحضارها .. فمؤنة التسليم من الكوفة إلى بغداد عليها، ومن بغداد إلى الموصل عليه كما نقله الشيخان عن (مجرد الحناطي) وأقراه.
وللزوج أن يمتنع من تسلم الصغيرة؛ لأنه تزوج للاستمتاع لا للحضانة، وليس له في المريضة الامتناع على أقيس الوجهين.
ولو اختلف الزوج وأبو الزوجة فقال أحدهما: هي صغيرة لا تحتمل الجماع، وقال الآخر: تحتمله .. فهل القول قول منكر الاحتمال أو تعرض على أربع نسوة أو رجلين من المحارم؟ وجهان: أصحهما في زوائد (الروضة): الثاني.
وقيل: يكتفى بقول امرأة واحدة سلوكًا به مسلك الخبر، حكاه في (الكفاية).
ولو قال الزوج: زوجتي حية فسلمها إلى، وقال الأب: ماتت .. فالقول قول الزوج.
قال: (ويستقر المهر بوطء وإن حرم كحائض)، وكذلك النفساء والوطء في

وَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا  الإحرام ونهار رمضان؛ لأن وطء الشبهة يوجب المهر ابتداء، فالوطء في النكاح أولى أن يقرر المهر الواجب، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن أصابها .. فلها المهر بما استحل من فرجها).
وكذا يتقرر بالوطء في الدبر على الأصح، لا بالمباشرة فيما دون الفرج، ولا باستدخال المني على الصحيح فيهما.
فرع: اشترت الحرة زوجها بعد الدخول والصداق باق .. سقط على الصحيح؛ إذ لا يجب للسيد على عبده شيء، وبهذا أجاب القفال لما سئل في المنام عن هذه المسألة، فهذا يستثنى، وكذا إذا كان الواطئ أو الموطوءة خنثى مشكلاً؛ لاحتمال زيادة العضو، قاله البغوي، لكن تقدم أنه لا يصح نكاح الخنثى المشكل.
قال: (وبموت أحدهما)؛ لإجماع الصحابة على ذلك، ولأنها نهاية النكاح فكانت كآخر مدة الإجارة، وانتهاء العقد كاستيفاء المعقود عليه في إيجاب البدل، وما جزم به المصنف هو المعروف.

لاَ بِخَلْوَةٍ فِي اَلْجَدِيدِ  وحكى الرافعي عن صاحب (التتمة) وجهين فيه أسقطهما من (الروضة).
ويستثنى من كون الموت مقررًا: ما إذا قتل السيد الأمة، أو قتلت نفسها قبل الدخول كما تقدم في الباب قبله، ثم إن الموت إنما يقرر إذا كان النكاح صحيحًا، فإن كان فاسدًا .. لم يقرر مهرًا إجماعًا.
قال: (لا بخلوه في الجديد) سواء استمتع بها معانقة أو تقبيلاً أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ولا مسيس، ولقوله تعالى: ﴿وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾، وقال ابن عباس: الإفضاء هنا: الوطء، وقول الفراء: إنه الخلوة .. مردود بقول ابن عباس.
والقديم .. وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد-: أن الخلوة كالوطء في تقرير المهر وإيجاب العدة؛ لما روي عن عمر وعلي أنهما قالا: (إذا أغلق بابًا وأرخى سترًا .. فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة).
ومحل القولين في النكاح الصحيح، أما الفاسد .. فلا تقرر الخلوة فيه مهرًا إجماعًا كما تقدم.

فصل: نَكَحَهَا بِخَمْرِ أَوْ حُرِّ أَوْ مَغْصُوبٍ .. وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ،  تتمة: على القديم: هل يشترط في تقرير المهر بالخلوة أن لا يكون هناك مانع شرعي بهما أو بأحدهما كالحيض والنفاس وصوم الفرض والإحرام؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه يشترط، وجزم المتولي بمقابلة، ويشترط أن لا يكون مانع حسي كرتق أو قرن فيها، أو جب أو عنة فيه قطعًا.
وعلى الجديد: ولو اتفقا على الخلوة وادعت الإصابة .. لم يرجح جانبها، وكان القول قوله مع يمينه، فلو أقامت بينه على إقراره بالوطء .. سمعت، ويقبل فيها شاهد وامرأتان، ولا خلاف أنها لو أتت بولد .. لحقه.
قال: (فصل) عقده للصداق الفاسد وله أسباب: عدم المالية، وتفريق الصفقة، والشرط، وتفريط الولي، والمخالفة.
وقد تقدم: أن إخلاء النكاح عن تسمية المهر صحيح بلا خلاف، أما إذا عقده على مهر فاسد .. ففي انعقاده خلاف: الجديد: الصحيح الانعقاد، ويجعل كأنه أخلاه عنه.
والقديم: يفسد النكاح بفساد الصداق؛ لأنه لما ذكره .. جعله ركنًا فيه فيفسد بفساده.
قال: (نكحها بخمر أو حر أو مغصوب .. وجب مهر مثل)؛ لأنها لم ترض بإتلاف بضعها من غير بدل، ولم يسلم لها .. فوجب بدله.
وذكر المصنف ثلاثة أمثلة: الخمر والحر وهما ليسا بمال، والمغصوب مال، ولكنه لا يمكنه تصحيح العقد فيه؛ لعدم ملك الزوج له، وعجزه عن نقله إلى غيره، ونبه به على أن ما لا يقدر على تسليمه كالآبق والمرهون في معناه.

وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُ، أَوْ بِمَمْلْوكٍ وَمَغْصُوبٍ .. بَطَلَ فِيهِ وَصَحَّ فِي اَلْمَمْلُوكِ فِي اَلأَظْهَرِ  والقول بوجوب المهر جديد، وبه قال أبو حنيفة، والقول بوجوب بدل الصداق الفاسد قديم، وبه قال أحمد.
قال: (وفي قول: قيمته)؛ لأن ذكر العوض يقتضي قصده.
والمراد بـ (القيمة): التقدير، فيقدر الرق في الحر، والعصير في الخمر، والخلاف ينبني على أنه مضمون في يد الزوج ضمان عقد أو ضمان يد.
واختلفوا في محل القولين في الحر فقيل: مطلقًا، والأصح: أنهما فيما إذا قال: أصدقتك هذا العبد على ظن أنه رقيق، أو مع العلم بأنه حر، أما إذا قال: أصدقتك هذا الحر .. فالعبارة فاسدة، ويجب مهر المثل قطعًا.
والتعبير بـ (القيمة) فيه تساهل؛ فإن الخمر لا قيمة لها، والمغصوب قد يكون مثليًا، فلو عبر بالبدل .. كان أولى، والعجب أن الرافعي أنكر على الغزالي تعبيره بـ (القيمة) ثم وقع فيه في (المحرر) فوافقه المصنف.
وتصويرهم المسألة بالخمر أو الخنزير يقتضي أن محلها فيما كان مقصودًا، فأما غير المقصود كالدم والحشرات .. فلا يأتي ذلك فيه، وينبغي أن تكون كالمفوضة، وهو قياس ما ذكروه في (الخلع): أنه إذا خالعها على ذلك .. يقع رجعيًا؛ لأنه لا يقصد بحال، فكأنه لم يطمع في شيء، لكنهم صرحوا هنا بأنه لا فرق، وعلى هذا: يحتاج للفرق بينه وين الخلع.
وحيث وجب مهر المثل لفساد التسمية .. استقر بالموت أو الدخول.
هذا كله في غير أنكحة الكفار، فأما في أنكحتهم .. فهو صحيح إذا اعتقدوه صحيحًا كما تقدم.
قال: (أو بمملوك ومغصوب .. بطل فيه وح في المملوك في الأظهر) كما إذا باع خلاً وخمرًا، أو عبده حرًا، وقد تقدم في (البيع) بيانه.

وَتَتَخيَّرُ؛ فَإِنْ فَسَخَتْ .. فَمَهْر مِثْلٍ، وَفِي قَوْلِ: قِيمَتُهُمَا، وَإِنْ أَجَازَتْ .. فَلَهَا مَعَ اَلْمَمْلُوكِ حِصَّةُ اَلْمَغْصُوبِ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ بِحَسَبِ قِيمَتِهِمَا، وَفِي قَوْلٍ: تَقْنَعُ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَبِعْتُكَ ثَوْبَهَا بِهَذَا اَلْعَبْدِ .. صَحَّ اَلْنَكَاحُ، وَكَذَا اَلْمَهْرُ وَالْبَيْعُ فِي اَلأَظْهَرِ،  قال: (وتتخير) هي؛ لأن المسمى بتمامه لم يسلم لها.
قال: (فإن فسخت.
فمهر مثل، وفي قول: قيمتها) هما القولان المتقدمان، وكذلك يأتي هذان القولان إذا قلنا بمقابل الأظهر وهو: عدم الصحة في المملوك أيضًا.
قال: (وإن أجازت .. فلها مع المملوك حصة المغصوب من مهر مثل بحسب قيمتهما، وفي قول: تقنع به) ولا شيء لها غيره، وهما القولان في أن الإجازة عند تفريق الصفقة بالقسط أو بالجميع، وقد تقدما في (البيع).
فرع: أصدقها عبدًا أو ثوبًا ولو يصفه .. فالتسمية فاسدة والواجب مهر المثل.
وقال الأئمة الثلاثة: يجب عبد أو ثوب وسط وتصح، وإن وصف العبد والثوب .. صحت التسمية ووجب المسمى.
قال: (ولو قال: زوجتك بنتي وبعتك ثوبها بهذا العبد .. صح النكاح)؛ لأنه لا يفسد بفساد الصداق.
قال: (وكذا المهر والبيع في الأظهر) هما القولان السابقان في تفريق الصفقة في الحكم، والمسألة تقدمت في آخر (المناهي) حيث قال: (أو بيع ونكاح .. صح النكاح، وفي اليوم والصداق القولان).

وَيُوَزَّعُ اَلْعَبْدُ عَلَى اَلْثَّوْبِ وَمَهْرِ اَلْمِثْلِ.
وَلَوْ نَكَحَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لِأّبِيهَا أَلْفًا أَوْ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفا .. فَالْمَذْهَبُ: فَسَادُ اَلصَّدَاقِ وَوُجُوبُ مَهْرِ اَلْمِثْلِ  وصورة المسألة: أن يكون وليًا على مالها أو وكيلاً، وأن يكون الثوب معينًا.
وأفهمت عبارة المصنف أن صورة المسألة: أن يكون من أحد الطرفين عرض ومن الآخر نقد، فلو كانا نقدين كما لو كان لها مئة درهم فقال: زوجتك بنتي وملكتك هذه الدراهم بهاتين المئتين .. فالعقد والصداق باطلان على النص؛ لأنه من قاعدة: (مد عجوة ودرهم)، وأن كان من أحدهما ذهب .. فهو جمع بين بيع وصرف.
وكلام المصنف هنا وفي (البيع) يقتضي أن النكاح صحيح بلا خلاف، وليس كذلك، بل فيه وجه بناء على القول المخرج: أنه يفسد بفساد الصداق.
قال: (ويوزع العبد على الثوب ومهر المثل) فإذا كان مهر المثل ألفًا والثوب يساوي ألفًا والعبد يساوي ألفًا .. فنصف العبد صداق ونصفه ثمن مبيع، فإن طلقها قبل الدخول .. رجع إليه نصف الصداق وهو ربع العبد، وإن فرضت ردة أو فسخ .. رجع إليه جميع الصداق وهو نصف العبد.
ولو نلف العبد قبل القبض .. يسترد الثوب ولها مهر المثل في الأظهر، ونصف قيمة العبد في القول الآخر.
ولو وجد الزوج بالثوب عيبًا ورده .. استرد نصف العبد.
ولو وجدت العبد معيبًا وردته .. استردت الثوب وترجع بمهر المثل في الأصح، وينصف القيمة في الثاني.
وإذا قلنا بالتوزيع .. فشرطه: أن تكون حصة النكاح مهر المثل، فإن كانت أقل ... وجب مهر المثل بلا خلاف كما ذكره في (شرح المهذب) في (باب تفريق الصفقة).
قال: (ولو نكح بألف على أن لأبيها ألفًا أو أن يعطيه ألفًا .. فالمذهب: فساد الصداق ووجوب مهر المثل) نقل المزني عن الشافعي:: أنه نص في الأولى على فساد

وَلَوْ شَرَطَ خِيَارًا فِي اَلْنَّكَاحُ .. بَطَلَ اَلْنَّكَاحُ، أَوْ فِي اَلْمَهْرِ .. فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ اَلْنَّكَاحُ  الصداق، وفي الثانية على صحته، فاختلف الأصحاب فيهما في ذلك على طرق: المذهب منها: فساد الصداق في الصورتين، ويجب مهر المثل كما يفسد بشرط الاستحقاق، وعلى هذا: مهم من غلط المزني في نقله الصورة الثانية، ومنهم من تأوله.
والطريق الثاني: فساد الصداق في الأولى دون الثانية، جريًا على ظاهر النص.
والفرق: أن قوله: (على أن لأبيها ألفًا) فيه شرط عقد في عقد، فأشبه ما إذا قال: بعتك بكذا على أن تهب لفلان كذا، وفي الصورة الثانية المشروط الإعطاء معطوفًا على الألف الأول، فيشعر بأن الصداق ألفان، والزوج نائب عنها في دفع أحد الألفين إلى الأب، أو الأب نائب عنها في القبض.
والطريق الثالث: أن الصورتين على قولين، وجه الفساد فيهما ما تبين، ووجه الصحة: أن الألفين ملتزمان في مقابلة البضع، وهي المالكة له فتستحقهما، وتلغو الإضافة إلى الأب.
وقيل: إن شرطة الزوج .. فسد، أو هي ... فلا.
هذا إذا قرئ (يعطيه) بالياء آخر الحروف، فإن قرئ بالتاء ثالثة الحروف .. فهو وعد هبة منها لأبيها.
قال: (ولو شرط خيرا في النكاح .. بطل النكاح)؛ لأن مبناه على اللزوم، فشرط ما يخالف مقتضاه يمنع صحته، وقال أبو حنيفة: يصح النكاح ويلغو الشرط.
قال: (أو في المهر، فالأظهر: صحة النكاح)؛ لأن فساد الصداق لا يؤثر فيه.
والثاني: يبطل النكاح، وفي سببه وجهان: أحدهما: فساد الشرط وتأثيره في فساد العوض، وهذا القائل يقول بفساد النكاح بجميع الشروط الفاسد والأعواض الفاسدة.

لاَ اَلْمَهْرِ.
وَسَائِرُ اَلْشُّرُوطِ إَنْ وَافَقَ مُقْتَضَى اَلْنِّكَاحِ أَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ .. لَغَا، وَصَحَّ اَلْنِّكَاحُ وَاَلْمَهْرُ.
وَإِنْ خَالَفَ وَلَمْ يُخِل َّبَمَقْصُودِهِ اَلأَصْلِيِّ كَشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ لاَ نَفَقَةَ لَهَا .. صَحَّ اَلْنِّكَاحِ وَفَسَدَ اَلْشَّرْطُ  والثاني: أن سبب الفساد: أن الصداق أحد العوضين، والخيار في احد العوضين يتداعى إلى الثاني، فكأنه شرط الخيار في المنكوحة.
قال: (لا المهر)؛ فإن الأصح أنه يفسد ويجب مهر المثل؛ لأن الصداق لا يتمحض عوضًا، بل فيه معنى النحلة فلا يليق به الخيار، والمرأة لم ترض بالمسمى إلا بشرط الخيار.
والثاني: يصح ويثبت فيه الخيار؛ لأن الصداق عقد مستقل بنفسه فالمقصود منه المال، فلا يبطل بشرط الخيار كالبيع، وعلى هذا: ففي ثبوت الخيار وجهان: أصحهما: الثبوت، وبه قال أبو حنيفة.
قال: (وسائر الشروط) أي: باقيها (إن وافق مقتضى النكاح أو لم يتعلق به غرض .. لغًا، وصح النكاح والمهر) الشرط في النكاح إن لم يتعلق به غرض .. فهو لغو محض كنظيره من البيع، وإن وافق مقتضى العقد .. لم يؤثر في النكاح ولا في الصداق كما إذا شرط أن يقسم لها أو ينفق عليها، أو يسترى أو يتزوج عليها إن شاء، أو يسافر بها، أو لا تخرج إلا بإذنه، فهذا لا يؤثر في صحة النكاح، ولأنه غير مناف له، بل هو مؤكد له، ويصح المهر؛ الصحة الشرط.
قال: (وإن خالف ولم يخل بمقصوده الأصلي كشرط أن لا يتزوج عليها أو لا نفقة لها .. صح النكاح)؛ لأنه لا يمنع المقصود وهو الاستمتاع، ولأن فساد العوض لا يؤثر فيه، ففساد الشرط أولى، وقيل: يبطل بناء على البطلان بفساد الصداق.
قال: (وفسد الشرط)؛ لأنه مخالف لموجب العقد، وقال أحمد: إن شرط ما ينفعها .. صح الشرط، فإن لم يف .. فلها الخيار.

وَاَلْمَهْرُ، وَإِنْ أَخَلَّ كَأَنْ لاَ يَطَأَ أَوْ يُطَلِّقَ .. بَطَلَ اَلنِّكَاحُ  واحتج الأصحاب بقوله صلي الله عليه وسلم: (وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) متفق عليه [خ 251 - م 1504/ 8]. وأما صحة النكاح .. فهو المشهور؛ لأن فساد العوض لا يؤثر فيه، ففساد الشرط أولى، وحكي وجه أو قول: أنه يبطل النكاح وأغرب الترمذي فحكى في (جامعة) [3/ 434] عن الشافعي: أن من تزوج امرأة بشرط أن لا يخرج بها من بلدها ... أنه يلزمه الشرط كمذهب أحمد.
قال: (والمهر)؛ لبطلان ما شرطه، وهو يقتضي سقوط ما يقابله إن كان الشرط له وهو مجهول، والمجهول إذا أسقط من المعلوم .. يصير الباقي مجهولاً، أو ضم ما يقابله إن كان الشرط لها ولا قيمة له، والمجهور إذا ضم إلى المعلوم يصير الكل مجهولاً، وإذا فسد .. وجب مهر المثل؛ دفعًا للضرر، سواء زاد على ما في العقد أو نقص، ولأنه يتاثر بالشرط الفاسد فيكون الواجب مهر المثل.
وقال ابن خيران: إن زاد المسمى والشرط لها كأن لا يتزوج عليها أولا يتسرى أو لا يطلق أن تخرج متى شاءت، أو نقص والشرط عليها كترك النفقة والقسم .. وجب المسمى، كذا نقل الرافعي هذا الوجه، وعكسه في (الروضة) وهو وهم لا يساعده عليه المعنى.
قال: (وإن أخل كأن لا يطأ أو يطلق ... بطل النكاح).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أما الأول .. فملنافاته لمقصود العقدز وأما الثاني: فسبق في (التحليل)، ومثلها إذا شرط أن لا يطأ في السنة إلا مرة.
ويستثنى من الأول: الميؤوس من احتمالها الوطء إذا شرط الزوج تركه في صلب العقد .. لا يضر كما أفنى به البغوي، وقياسه: لو كان الزوج ممسوحًا وشرط ذلك .. لا يضر، وإذا صححنا النكاح .. أثر الشرط في الصداق كسائر الشروط الفاسدة.
فروع: نكحها على ألف إن لم يخرجها في البلد، وعلى ألفين إن أخرجها .. فالصداق فاسد، والواجب مهر المثل أخرجها أو لم يخرجها.
وإن تزوجها على أن لا ترث منه، أو على أن لا يرث منها، أ, على أن لا يتوارثا، أو على أن النفقة على غير الزوج .. بطل النكاح على المشهور.
ولو زوج أمته عبد غيره بشرط أن يكون الأولاد بين السيدين .. صح النكاح وبطل

وَلَوْ نَكَحَ نِسْوَةَ بِمَهْرٍ .. فَاَلأَظْهَرُ: فَسَادُ اَلْمَهْرِ، وَلِكُلِّ مَهْرُ مِثْلٍ  الشرط، نص عليه في (الإملاء)، وفي قول: يبطل النكاح.
قال: (ولو نكح نسوة بمهر) هذا يتصور عند اتحاد الولي بأن يكون له بنات بنين، أو إخوة أو أعمام أو معتقات، ويتصور مع تعدد الولي بأن وكل أولياء نسوة رجلاً .. فالنكاح صحيح جزمًا.
قال: (فالأظهر: فساد المهر)؛ لأن كل واحدة تجهل ما يخصها في الحال فلم يصح.
والثاني - وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أن الصداق يصح؛ لأن الجملة معلومة، والتفصيل يعلم بالتوزيع، وإذا علمت الجملة والتفصيل .. كفى ذلك لصحة العقد، كما لو باع عبيدًا له أو شقصًا وعبدًا .. يجوز وإن كانت حصة كل واحد مجهولة.
ولو قال: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم .. يصح وإن كانت الجملة مجهولة.
وجوابه: أن المالك هناك واحد وهو عقد واحد، وهنا المالك متعدد، والزوجات كالعاقدين، وتعد العاقد يوجب تعدد العقد، والصداق مجهول في كل عقد فيفسد، وعلى هذا: فيوزع المسمى على مهر أمثالهن، وقيل: على عدد رؤوسهن، وضعفه الإمام.
ويجري القولان فيما لو خالع نسوة على عوض واحد .. هل يفسد العوض؟ وأما البينونة .. فتحصل قطعًا.
وقال: (ولكل مهر مثل)؛ لجهالة المذكور، هذا هو الصحيح.
وقيل: يوزع المسمى على مهور أمثالهن، ولكل واحدة ما يقتضيه التوزيع،

وَلَوْ نَكَحَ لِطِفْلٍ بِفَوْقَ مَهْرِ مِثْلٍ، أَوْ نَكَحَ بِنْتًا لاَ رَشِيدَةً، أَوْ رَشِيدَةً بِكْرًا بِلاَ إِذْنٍ بِدْوِنِه .. فَسَدَ اَلْمُسَمَّىَ،  ويكون الحاصل لهن على هذا القول كالحاصل إذا قلنا بصحة المسمى.
ويستثنى من جريان الخلاف ما لو زوج امتيه بعبد على صداق واحد .. فإنه يصح الصداق جزمًا؛ لاتحاد المستحق فكان ذلك كبيع عبدين بثمن.
ونظير المسالة: ما إذا كاتب عبيدًا بعوض واحد، والنص فيها الصحة.
ولو اشترى عبيدًا لملاك لكل عبد بثمن واحد صفقة .. فالنص فيها: البطلان.
والأصح: طرد القولين فيهما، وقيل بتقرير النصين.
والفرق: أن البيع معاوضة محضة، وفساد العوض يلغيه بالكلية، وفي الكتابة شائبة التعليق، ففساد العوض لا يلغيها بالكلية، بل إذا أدى المسمى .. عتق بالصفة، وقد تقدمت مسألة البيع فيه ومسألة الكتابة تأتي في بابها.
قال: (ولو نكح لطفل بفوق مهر مثل، أو نكح بنتًا لا رشيدة، أو رشيدة بكرًا بلا إذن بدونه .. فسد المسمى)؛ لأن تصرف الأب بخلاف الغبطة لا يصح، وهو بالزيادة في الأول والنقص في الثاني، والمجنون في ذلك كالطفل، وقال الأئمة الثلاثة: يصح بالمسمى.

وَاَلأَظْهَرُ: صِحَّةُ اَلْنِّكَاحِ بِمَهْرِ مِثْلٍ  لنا: القياس على ما لو باع مالهما بدون ثمن المثل.
وقوله: (بنتًا) ضبطه المصنف بخطه بالباء الموحدة ثم بالنون ثم بالتاء المثناة من فوق، وعبارة (المحرر): ابنته الصغيرة أو المجنونة، فعبر عنه في الكتاب بقوله: (لا رشيدة)، وهو يشمل البالغة العاقلة غير الرشيدة؛ فإن إذنها بدون مهر المثل غير معتبر، غير أن هذا التركيب لا يستقيم من جهة العربية؛ فإن من قواعدهم: أن (لا) إذا دخلت على مفرد وهو صفة لسابق .. يجب تكرارها نحو: ﴿إنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾.
ومقتضى كلام المصنف الفساد فيما إذا كانت الزيادة من مال الأب أيضًا، وهو أحد احتمالي الإمام؛ لأنه يدخل في ملك الابن ثم يكون متبرعًا بالزيادة.
والاحتمال الثاني - وبه قطع الغزالي والبغوي، وبه جزم في (الحاوي الصغير) -: أنه لا يفسد الصداق، ويجب المسمى سواء كان عينيًا أو دينًا، والظاهر الأول، وبه قطع المارودي وغيره؛ لأنه يدخل تبعًا لا مقصودًا.
والذي ذكره المصنف هنا من تصحيح بطلان الجميع صحح في (كتاب النكاح) في الكلام على المولى عليه أن الزائد على مهر المثل فقط يبطل، وكذلك وقع الموضعان في (الشرح الصغير) و (الروضة) و (المحرر).
قال: (والأظهر: صحة النكاح بمهر مثل) كما في سائر الأسباب المفسدة للصداق، وفيما إذا أصدقها عينًا وجه: أنه تصح التسمية في قدر مهر المثل.
والثاني: لا يصح النكاح؛ لأنه على خلاف المصلحة كتزويجها من غير كفء.
هذا إذا كان مهر مثلها يليق به، فلو نكح له شريفة يستغرق مهر مثلها ماله .. فقياس ما صححوه في السفينة: أنه لا يصح هنا أيضًا، لأنه على خلاف المصلحة.

وَلَوْ تَوَافَقْوا عَلَى مَهْرِ سِرّاً وَأَعْلَنُوا زِيَادَةَ .. فَاَلْمَذْهَبُ: وُجُوبُ مَا عُقِدَ بِهِ.
وَلَوْ قَالَتْ لِوليِّهَا: زَوِّجْنِي بِأَلْفٍ فَنَقَصَ عَنْهُ .. بَطَلَ اَلْنِّكَاحَ،  فرع: أصدق رشيد زوجة نقدًا في ذمته، فعوضها أبوه عوضًا من غير إذنه .. قال ابن الصلاح: يصح ويقدر انتقال الملك إليه، ثم منه إلى الزوجة، وبمثله أجاب صاحب (البيان).
قال: (ولو توافقوا على مهر سرًا وأعلنوا زيادة .. فالمذهب: وجوب ما عقد به)، لأن الصداق يجب بالعقد فوجب ما عقد به.
روى أحمد [2/ 182] وأبو داوود [2122] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء قبل عصمة النكاح .. فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح .. فهو لمن أعيطه).
والثاني: أن المهر مهر السر اعتبارًا بتراضيهم واصطلاحهم.
وللشافعي في المسألة نصان منزلان على هذا حيث قال: مهر السر، أراد إذا جرى العقد بألف في السر ثم ذكروا في العلن ألفين تجملاً، وحيث قال: مهر العلانية .. أراد ما إذا تواعدوا أن يكون المهر ألفًا ولم يعقدوا في السر، ثم عقدوا في العلانية، فيكون المهر ما عقد به العقد.
وقيل: قولان مطلقًا.
وقيل: يفسد المسمى ويجب مهر المثل، والخلاف كالخلاف في أن الاصطلاح الخاص هل يقضي على الاصطلاح العام.
وقال ابن المنذر: قال الشافعي: المهر مهر العلانية إلا أن يكون شهود المهرين واحدًا .. فيثبتون على أن المهر مهر السر، فتستثنى الصورة من إطلاقهم.
قال: (ولو قالت لوليها: زوجني بألف فنقص عنه ... بطل النكاح) كما لو قالت: زوجني من زيد فزوجها من عمرو، وأفهم البطلان من باب أولى إذا زوجها بلا مهر، أو زوجها مطلقًا وسكت عن المهر، سواء زوجها بنفسه أو بوكيله.

فَلَوْ أَطْلَقَتَ فَنَقَصَ عَنْ مَهْرِ اَلْمِثْلِ .. بَطَلَ، وَفِي قَولٍ: يَصحُّ بِمَهْرِ مِثْلٍ.
قُلْتُ: اَلأَظْهَرُ: صَحَّةُ اَلْنِّكَاحِ فِي الصُّورَتَينِ بِمَهْرِ مِثْلٍ، وَالله أَعْلَمُ  قال: (فلو أطلقت فنقص عن مهر المثل ... بطل)؛ لأن الإطلاق يقتضي مهر المثل عرفًا، فكأنها قيدت به.
قال: (وفي قول: يصح بمهر مثل) كسائر الأسباب المفسدة للمهر، وهذا الوجه صححه في (اصل الروضة) والرافعي لم يصححه، بل حكي قولين.
قال: (قلت: الأظهر: صحة النكاح في الصورتين بمهر مثل والله أعلم) وهذه طريقة العراقيين.
فرع: خطب الصغيرة من أبيها كفآن أحدهما بمهر المثل والثاني بأزيد، فزوجها الولي الأول، فهل يصح على قولنا: إنه لا يصح إذا زوجها بدون مهر المثل؟ فيه وجهان: أصحهما في (البحر): المنع؛ لأن النكاح على هذا القول معتبر بالبيع.
وجزم الإمام بالصحة إذا رأى المصلحة في ذلك، وهو الأظهر.
تتمة: قال الولي للوكيل زوجها من شاءت بكم شاءت، فزوجها برضاها بغير كفء بدون مهر المثل .. صح، ولو قال: زوجها بألف، فزوجها بخمس مئة برضاها .. قال المتولي: الصحيح صحة النكاح؛ لأن المهر حقها، وقيل: لا يصح؛ لأنه باشر غير ما وكل فيه.
ولو جاء رجل وقال: أنا وكيل فلان في قبول نكاح فلانة بكذا، وصدقه الولي والمرأة وجرى النكاح وضمن الوكيل الصداق، ثم إن فلانًا أنكره وصدقناه باليمين ... فهل يطالب الوكيل بشيء من الصداق؟ وجهان:

فَصْلٌ: قَالَتْ رَشِيدَةٌ: زَوِّجْنِي بِلاَ مَهْرٍ، فَزَوَّجَ وَنَفَى اَلْمَهْرَ أَوْ سَكَتَ .. فَهُوَ تَفْوِيضٌ صَحِيحٌ،  أحدهما: لا؛ لأن مطالبة الأصيل سقطت، والضامن فرعه.
وأصحهما - وهو محكي عن نصه في (الإملاء) -: أنه يطالب بنصف الصداق؛ لأن المال ثابت عليهما بزعمه، فصار كما لو قال: لزيد على عمرو ألف وأنا ضامنه، فأنكر عمرو .. يجوز لزيد مطالبة الضامن.
قال: (فصل: قالت رشيدة: زوجني بلا مهر، فزوج ونفى المهر أو سكت .. فهو تفويض صحيح) التفويض: إخلاء النكاح عن المهر، وأصل التفويض: أن يجعل الأمر إلى غيره ويكله إليه، وقيل: هو الإهمال، ومنه: لا يصلح الناس فوضى وسميت مفوضة؛ لتفويضها أمرها إلى غيرها بلا مهر، أو لأنها أهملت المهر، ومفوضة بفتح الواو؛ لأن الولي فوض أمرها إلى الزوج.
والتفويض ضربان: تفويض بضع وتفويض مهر، فتفويض المهر: أن تقول المرأة: زوجني

وَكَذَا لَوْ قَالَ سَيِّدُ أَمَةٍ: زَوَّجْتُكَهَا بِلاَ مَهْرٍ.
وَلاَ يَصِحُّ تَفْوِيضُ غَيْرِ رَشِيدَةٍ  بما شئت، أو على ما يشاء الخاطب أو فلان، والتفويض الصيح أن يكون من المستحق الرشيد كما فرضه المصنف.
وقول قالت الرشيدة: زوجني وسكتت عن المهر .. فوجهان: أحدهما - وبه جزم الإمام -: أن هذا ليس بتفويض؛ لأن النكاح يعقد غالبًا بمهر فيحمل الإذن على العادة، فكأنها قالت: زوجني بمهر المثل، فتستحقه بالعقد، قال في (الشرح الصغير): وهذا هو الظاهر.
والثاني: أنه تفويض صحيح، وهذا هو الصواب المنصوص في (الأم) كما قاله في (المهمات).
قال: (وكذا لو قال سيد أمة: زوجتكها بلا مهر)؛ لأنه المستحق للمهر فأشبه الرشيدة، وكذا لو قال: زوجتكها وسكت عن ذكر المهر كما نص عليه في (الأم) أيضًا.
قال: (ولا يصح تفويض غير رشيدة)؛ لأن التفويض تبرع، فإذا قالت

وَإِذَا جَرَى تَفْوِيضٌ صَحِيحٌ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ شَيءٌ بِنَفْسِ اَلْعَقْدِ، فَإِنْ وَطِئَ .. فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَيُعْتَبَرُ بِحَالِ اَلْعَقْدِ فِي اَلأَصَحِّ  السفيهة لوليها: زوجني بلا مهر .. كان إذنها في عدم المهر غير معتبر، ويستفيد به الولي جواز التزويج، ولو أذنت الحرة لوليها في التزويج على أن لا مهر لها في الحال ولا عند الدخول ولا غيره، فزوجها الولي كذلك .. فوجهان: أحدهما: بطلان النكاح.
وأصحهما: صحته، وعلى هذا: هل هو تفويض فاسد فيجب مهر المثل، أو يلغي النفي في المستقبل ويكون تفويضًا صحيحًا؟ وجهان، وبالأول قال أبو إسحاق؛ لأنه شرط فاسد، والشرط الفاسد في النكاح يوجب مهل المثل.
قال: (وإذا جرى تفويض صحيح .. فالأظهر: أنه لا يجب شيء بنفس العقد)؛ لأنه لو وجب به .. لتنصف بالطلاق، ولأن المهر حقها فإذا رضيت بأن لا يثبت .. وجب أن لا يثبت، كما أنها إذا رضيت بأن لا يبقى .. لا يبقى.
والثاني: يجب لها مهر المثل؛ لأنه لو لم يجب .. لما استقر بالموت.
قال: (فإن وطئ .. فمهر مثل)؛ لأن البضع حق الله تعالى، ولأنه لا يباح، بالإباحة، فيصان عن التصور بصورة المباحات.
وفيه وجه مخرج: أنه لا يجب بالوطء مهر؛ لحصول الإذن من مالك البضع كما إذا أذن الراهن للمرتهن ف يوطء المرهونة.
وهناك قول: إنه لا مهر، لكن هذا الوجه ههنا كان أن يكون خارقًا للإجماع.
والفرق بينه وبين المرهونة: أن وطء المرهونة من غير عقد، وهذا في عقد، لكن يستثنى ما تقدم في آخر الباب الذي قبله ويأتي في تتمة هذا الفصل: أن الكافر لو نكح كافرة تفويضًا ثم أسلما .. فلا شيء لها بالوطء.
قال: (ويعتبر بحال العقد في الأصح)؛ لأن العقد هو الذي يقتضي الوجوب عند الوطء.

وَلَهَا قَبْلَ اَلْوَطْءِ مُطَالَبَةُ اَلْزَّوْجِ بِأَنْ يَفْرِضَ مَهْرًا، وَحَبْسُ نَفْسِهَا لِيَفْرِضَ،  والثاني: يعتبر مهر المثل بحالة الوطء؛ لأنه وقت الوجوب، وهذا صححه في (الروضة) و (الشرح الكبير)، والذي صحه هنا تبع فيه (المحور) و (الشرح الصغير).
قال: (ولها قبل الوطء مطالبة الزوج بأن يفرض مهرًا)؛ لأن خلو النكاح عن المهر خاص بالنبي صلي الله عليه وسلم، ولتكون على ثب مما تسلم نفسها به، وهذا تفريع على أن لا مهر بالعقد، فإن أوجبناه به .. فالأصح: أن لها طل بالفرض؛ ليتقرر الشطر، فلا يسقط لو طلقها قبل المسيس، وخالف هذا المطالبة بوطأة واحدة، حيث لم يكن لها ذلك في الأصح وإن كانت تقرر المهر؛ لأن الزوج يقدر على الفرض متى شاءت، بخلاف الوطء، وكلام الشيخ كالصريح في مطالبته بأي مهر كان لا مهر المثل، وهذا هو القول القديم.
والجديد: الصحيح أنها تملك أن تطالبه بمهر المثل، فلو زاد المصنف لفظه المثل .. لاستقام.
وهنا سؤال وهو: أنا إذا قلنا: يجب مهر المثل بالعقد .. فما معنى المفوضة؟ وإن قلنا: لم يجب شيء .. فكيف تطلب ما لم يجب لها؟ لا جرم استشكله الإمام وقال: من طمع أن يلحق ما وضعه على الإشكال بما هو بين .. طلب مستحيلاً، والمطلع على الحقائق هو الله سبحانه.
قال: (وحبس نفسها ليفرض) فتصل إلى حقها.

وَكَذَا لِتَسْليمِ اَلْمَفْرُوضِ فِي اَلأَصَحِّ.
وَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا بِمَا يَفْرِضُهُ اَلزِّوْجُ لاَ عِلْمُهَا بِقَدْرِ مَهْرِ اَلْمِثْلِ فِي اَلأَظْهَرِ.
وَيَجُوزُ فَرْضُ مُؤَجَّلٍ فِي اَلأَصَحِّ، وَفَوْقَ مَهْرِ مِثْلٍ، وَقِيلَ: لاَ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ  قال: (وكذا لتسليم المفروض في الأصح) كما لها ذلك في المسمى في ابتداء العقد، وكذا صححه في زوائد، (الروضى) تبعًا لـ (المحرر)، وهو الذي أورده الغزالي.
والثاني: لا؛ لأنها سامحت بالمهر فاكيف تليق بها المضايقة؟! قال: (ويشترط رضاها بما يفرضه الزوج)؛ لأن الحق لها، فإذا لم ترض به .. فكأنه لم يفرض، وغذا لم تطلب ففرض لها أقل من مهر مثلها .. ففي (النهاية): لا يثبت، وإن فرض لها مهر مثلها .. احتمل أني ثبت، ويظهر أن يقال: لا يثبت ما لم تطلب؛ لأن طلبها منزل منزلة القبول في العقود.
قال: (لا علمها بقدر مهر المثل في الأظهر) فيصح مع الجهل اكتفاء بالتراضي، وهذا منصوص (الأم).
والثاني: يشترط كالعوض في البيع، فلابد من العلم بالبدل، ورجح القاضي الروياني اعتبار علم الزوجين، والجمهور على خلافه.
هذا فيما قبل الدخول، أما بعده .. فلا يصح إلا مع علمها بقدره قولاً واحدًا، لأنه ههنا قيمة مستهلك، قاله الماوردي.
قال: (ويجوز فرض مؤجل في الأصح) كما يجوز تأجيل المسمى ابتداء.
والثاني: لا؛ لأن الأصل مهر المثل، ولا مدخل للتأجيل فيه فكذلك في بدله.
قال: (وفوق مهر مثل) سواء كان من جنسه أم لا؛ لأن الأمر إلى تراضيهما، أما النقص .. فلا خلاف في صحته، قاله الإمام.
قال: (وقيل: لا إن كان من جنسه)؛ لأن مهر المثل هو الأصل فلا يزاد البدل عليه، وهذا ضعيف.

وَلَوِ اَمْتَنَعَ مِنَ اَلْفَرضِ أَوْ تَنَازَعًا فِيهِ .. فَرَضَ اَلْقَاضِي نَقْدَ اَلْبَلَدِ حَالاًّ.
قَلْتُ: وَيَفْرِضُ مَهْرَ مِثْلٍ وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِهِ، وَالله أَعْلَمُ  قال: (ولو امتنع من الفرض أو تنازعًا فيه ... فرض القاضي)؛ قطعًا للنزاع، وهذا من القاضي نيابة قهرية أثبتها له الشارع استيفاء للحق من الممتنع.
قال: (نقد البلد) كما في قيم المتلفات.
قال: (حالاً)؛ لأن القاضي ليس له أن يفرض مؤجلاً وإن فرعنا على جواز تأجيل الفرض بتراضيهما؛ لأن منصب القاضي إلزام الغير فلا يليق به التأجيل، وليس هذا كبيع القاضي مال الطفل بمؤجل إذا رأى المصلحة فيه؛ لأن هذا إلزام من القاضي كإلزام الممتنع، كذا ذكره الإمام عن المحققين وهو محمول على الغالب، فلو جرت العادة في ناحية بفرض الثياب وغيرها .. فعن الصميري: أنه يفرضها، وقياسه: أنه لو جرت عادة نسائها بالتأجيل .. جاز أن يؤجله، وهو مقتضى كلام صاحب (البحر).
فرع: إذا زوج القاضي امرأة لا ولي لها سواه .. هل له أن يزوجها بمؤجل؟ هذا الفرع يتوقف فيه القضاة، وعمل الناس على الجواز كماي بيه ما لها بالنسيئة للمصلحة، وليس المقصود بالتزويج المهر، بل المؤن، وقد صرح في (البيان) بجواز تزويجها بالعرض.
قال: (قلت: ويفرض مهر مثل)؛ لأنه لا موجب للزيادة عليه ولا ينقص عنه كما في قيم المتلفات.
قال الرافعي: لكن الزيادة والنقص اليسير الذي يقع في محل الاجتهاد لا اعتبار به.
وإذا فرض القاضي .. لم يتوقف لزومه على رضاها؛ فإنه حكم منه، وحكم القاضي لا يفتقر لزومه إلى رضا المتخاصمين.
قال: (ويشترط علمه به والله أعلم)؛ ليتحقق ما يفرضه، فلا يزيد عليه ولا ينقص عنه.

وَلاَ يَصِحُّ فَرْضُ أَجْنَبِيَّ مِنْ مَاِلهِ فِي اَلأَصَحِّ.
وَاَلْفَرْضُ اَلصِّحِيحُ كَمُسَمَّىَ؛ فَيَشَطَّرُ بِطَلاَقٍ قَبْلَ وَطءٍ، َوَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ فَرْضٍ وَوَطءٍ .. فَلاَ شَطْرَ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَهُمَا .. لَمْ يَجِبْ مَهْرُ اَلْمِثْلِ فِي اَلأَظْهَرِ.
قُلْتُ: اَلأَظْهَرُ: وُجُوبُهُ، وَالله أَعْلَمُ  قال: (ولا يصح فرض أجنبي من ماله في الأصح)؛ لأنه تعيين لما يقتضيه العقد وتصرف فيه فلا يليق بغير المتعاقدين، إلا إذا فرضت وكالة أو ولاية.
والثاني: يصح؛ لأن للأجنبي أن يؤدي الصداق عن الزواج بغير إذنه فكذا يجوز أن يفرض، وعلى هذا: لها مطالبة الأجنبي بالمفروض، ويسقط طلبها عن الزوج، ولو طلقها قبل المسيس .. عاد نصف المفروض إلى الزوج على الأصح.
قال: (والفرض الصحيح كمسمى؛ فيتشطر بطلاق قبل وطء) سواء كان الفرض من الحاكم أو الزوجين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
واحترز بـ (الصحيح) عن الفاسد كفرض الخمر؛ فإنه يلغى ولا يؤثر في تشطير مهر المثل، بخلاف التسمية الفاسدة في العقد؛ فإنها تشطره.
وعند أبي حنيفة: يسقط المفروض بالطلاق وتجب المتعة.
قال: (وإن طلق قبل فرض ووطء .. فلا شطر)؛ لمفهوم الآية، وهذا تفريع على الأصح أنه لا يجب بالعقد، فإن قلنا: يجب به .. فقيل: يتشطر به، والأصح يسقط إلى المتعة.
قال: (وإن مات أحدهما قبلهما) أيك قبل الوطء والفرض (... لمي جب مهر المثل في الأظهر)؛ قياسًا على الفرقة بالطلاق، وبهذا قال مالك.
قال: (قلتك الأظهر: وجوبه والله أعلم) وبه قال أحمد؛ لأن الموت بمثابة الوطء في تقرير المسمى، فكذلك في إيجاب المهر في صورة التفويض، وهذا هو الحق، وقيل: إن الشافعي رجع إليه.
وأصل الخلاف: أن النبي صلي الله عليه وسلم قصى في بروع بنت واشق - وقد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  نكحت بلا مهر فمات زوجها - بمهر نسائها وبالميراث، لكن في رواية اضطراب، قيل: معقل بن يسار، وقيل: ابن سنان، وقيل: رجل من أشجع، فلذلك تردد الشافعي، لكنه قال: إن ثبت الحديث .. قلت به.
والحديث في (سنن أبي داوود) [2107] بإسناد مجموع على صحته: أن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم قصى في بروع بنت واشق بذلك، وزوجها هلال بن مروان، وحسنة الترمذي [1145] ورواه بن ماجه [1891]، وصححه ابن حيان [4100] والحاكم [2/ 180] وابن حزم والبيهقي [7/ 244] وغيرهم.
قال الحاكم: لو حضرت الشافعي .. قمت على رؤوس أصحابه وقلت: قد صح الحديث فقل به.
لكن روايته عن معقل بن يسار تصحيف، والصواب: معقل بن سنان الأشجعي، والقصة كانت فيهم.
قال الشيخ: وأنا أدين الله تعالى بأن لها الصداق، ولا أعتقد قولاً سواء.
ووقع في (الكفاية) تبعًا (للوسيط) أن عليًا لم يقبل هذا الحديث وقال: كيف تقبل في ديننا قول أعرابي بوال على عقبيه، ومعاذ الله أن يقول على ذلك، ومعقل شهد مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فتح مكة، وكان يحمل لواء قومه ذلك اليوم، وبعثه النبي صلي الله عليه وسلم ونعيم بن مسعود إلى أشجع يأمرهم بحضور المدينة لغزو مكة.
قال الجوهري: يروع بنت واشق بفتح الياء، وأصحاب الحديث يقولونها بكسرها، والصواب الفتح؛ لأنه ليس في كلام العرب فعول إلا خروع وعتود اسم واد.
أهـ وقد جاء فعول أيضًا في عتور بالراء اسم لواد خشن، وذرود اسم لجبل معروف، ذكرهما في (العباب).

فَصّلٌ: مَهْرُ اَلْمِثْلِ: مَا يُرْغَبُ بِهِ فِي مِثْلِهَا، وَرُكْنُهُ اَلأَعْظَمُ نَسَبٌ؛  تتمة: قال المتولي: لو نكح كافر على أن لا مهر لها وترافعا إلينا .. حكمنا فيه حكمنا بين المسلمين.
وقال أبو حنيفة: إن اعتقدا أن النكاح لا يخلو عن المهر .. فكذلك، وإن جوزا خلوه عن المهر .. فلا مهر لها، لا بالعقد ولا بالدخول.
وإذا أبرأت المفوضة قبل الفرض والدخول من المهر، فإن قلنا بوجوبه بالعقد .. صح الإبراء إن كان مهر المثل معلومًا لها، وإن كان مجهولاً .. فلا في الأصح.
ولو قالت أسقطت حقي من طلب الفرض .. لم يسقط.
ولو أبرأته من المتعة قبل الطلاق .. فهو إبراء عن الشيء قبل وجوبه، وإن أبرأته بعده .. فهو إبراء عن مجهول.
ولو تزوج امرأة على خمر أو خنزير فأبرأه من المسمى .. فهو لغة؛ لأن الواجب غيره، وإن أبرأته عن مهر المثل وهي عاملة به .. صح، ولو تيقنت أن مهرها لا ينقص عن ألف ولا يزيد على ألفين، وترددت فيما بينهما ورغبت في البراءة .. فينبغي أن تبرئه من ألفين.
قال: (فصل: مهر المثل: ما يرغب به في مثلها) لما كانت الحاجة تمس إلى معرفته في المفوضة تفويضًا صحيحًا وتفويضًا فاسدًا، وفي تسمية الصداق الفاسد، وفيما إذا نكح نسوة على صداق واحد .. وذكره وعقب ذلك وأن كان يحتاج إلى معرفته في غير ذلك.
قال: (وركنه الأعظم نسب)؛ لأن المهر تقع به المفاخرة فكان كالكفاءة في النكاح، فأما في العرب .. فيعتبر قطعًا، وأما في الهجم .. فقال القفال والعبادي: النكاح، فأما في العرب .. فيعتبر قطعًا، وأما في العجم .. فقال القفال والعبادي: لا يعتبر فيهم؛ لعدم اعتنائهم بحفظ الأنساب، وظاهر كلام الأكثرين أنه يعتبر هنا وإن لم يعتبر هناك.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل