وَلَوْ صَلَّوْا لِسَوَادٍ ظَنُّوهُ عَدُوّا فَبَانَ غَيْرُهُ .. قَضَوْا فِي الأَظَهَرِ
فيه إلى عرفات فاتته الصلاة .. فالأصح: أنه لا يجوز له أن يصلي صلاة شدة الخوف؛ لأن الصلاة أفضل من الحج، ولأن وقتها مضيق ووقت الحج موسع.
والثاني: يجوز أن يصليها، ورجحه ابن عبد السلام في (قواعده)؛ لأن الضرر الذي يلحقه بفوات الحج قد يعظم على ضرر الحبس أياما في حق المعسر.
وإذا قلنا بالأول .. ففي جواز تأخير العشاء وجهان:
رجح الرافعي: المنع.
والثاني- وصوبه المصنف- يؤخرها.
وإذا قلنا بهذا .. فهل التأخير على سبيل الإيجاب أو الجواز؟ صرح في (الكفاية) في أوائل (الصلاة) بأنه على سبيل الوجوب.
والوجهان الأخيران يقربان من الوجهين الآتيين فيمن أصبح صائما وفي فيه طرف خيط، هل يحافظ على الصلاة أو الصوم؟ ونقل ابن الصلاح في (رحلته) قولا رابعا: أنه إن كان آفاقيا .. قدم الحج، أو مكيا .. قدم الصلاة، لكنه نسبه إلى أصحاب مالك رضي الله عنه.
قال: (ولو صلوا لسواد ظنوه عدوا فبان غيره) أي: ظهر السواد (.. قضوا في الأظهر)؛ لعدم الخوف في نفس الأمر.
والثاني: لا؛ لوجود الخوف في نفس الأمر.
والثالث: إن كانوا في دار الحرب .. لم يجب لغلبة الخوف، وإلا .. وجب.
والرابع: إن استند الظن إلى إخبار ثقة فتبين غلطه .. لم يجب، وإلا .. وجب.
وقيد في (المحرر) المسألة بصلاة شدة الخوف.
فإن صلوا صلاة الخوف .. فلا قضاء قطعا وبه صرح الماوردي؛ لأنهم لم يسقطوا فرضا ولا غيروا ركنا.
ويجري القولان الأولان فيما إذا هربوا ظنا منهم أن في العدو كثرة ثم تبين أنهم
فَصَلٌ:
يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الحَرِيرِ بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ،
قليل، وفيما إذا هربوا ولم يعلموا أن بقربهم مددا، وفيما إذا لم يعلموا أن بالقرب منهم حصنا أو نهرا ثم تبين.
تتمة:
صلاة شدة الخوف تجوز للمنفرد، كمن قصده ثلاثة من الكفار وضاق الوقت، أو قاطع طريق يريد دمه أو حريمه، وكذا ماله في الأصح.
واشترط ابن الصباغ وقوع صلاة الخوف في السفر، والصواب: صحتها سفرا وحضرا.
قال: (
فصل
:
يحرم على الرجل استعمال الحرير بفرش وغيره).
ختم الشافعي رضي الله عنه هذا الباب ببيان ما يجوز لبسه وما لا يجوز، فاقتدى به الأكثرون فأوردوا أحكام الملابس هنا، وذكرها بعضهم في (صلاة العيدين) وهو مناسب أيضا، وأورد الغزالي بعضها هنا وبعضها هناك.
فالتزين بالحرير والديباج حرام على الرجال؛ لما روى أبو داوود] 4054 [والنسائي] 8/ 160 [وابن ماجه] 3595 [عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما وفي يمينه قطعة حرير، وفي شماله قطعة ذهب، فقال: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم)، قال علي بن المديني: إنه حديث حسن.
وروى الشيخان] خ 886 - م 2068 [: (إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة)، (ومن لبسه في الدنيا .. لم يلبسه في الآخرة)] خ 5833 - م 2073 [.
وفي (البخاري)] 5837 [عن حذيفة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ليس الحرير والديباج، وأن يجلس عليه)، وقيس على ذلك باقي الاستعمال.
والمعنى في تحريمه على الرجال: ما في لبسه من الخنوثة التي لا تليق بهم،
وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا، وَأَنْ لِلْوَلِيِّ إِلْبَاسَهُ الصَّبِيَّ
واستشكل الرافعي هذه العلة بأن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال في (الأم): ولا أكره اللؤلؤ إلا أنه من زي النساء.
وفي وجه ضعيف: لا يحرم الجلوس عليه؛ لأنه لا يسمى لبسا.
وشمل قوله: (بفرش وغيره) لبسه، والتغطية به، والاستناد إليه، وجعله سترا، أو بطانة أو ظهارة.
قال: (ويحل للمرأة لبسه) انعقد الإجماع على ذلك بعد عبد الله بن الزبير.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها) رواه أحمد] 4/ 392 [، وقال الترمذي] 1720 [: حسن صحيح، ولأن تزيين المرأة بذلك يدعو إلى الميل إليها وإلا وطئها، فيؤدي إلى ما طلبه الشارع من كثرة النسل.
وفي (الصحيح)] م 2071 [أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه أكيدر دومة ثوب حرير فأعطاه عليا وقال: (شققه خمرا بين الفواطم) أراد: فاطمة بنت أسد أمه، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجته، وفاطمة بنت عمه حمزة.
وذكر الحافظان عبد الغني وابن عبد البر بإسنادهما أن عليا قسمه بين الفواطم الأربع، قال القاضي عياض: الرابعة: فاطمة بنت شيبة بن ربيعة زوجة أخيه عقيل.
ولم يذكر المصنف حكم الخنثى، والمجزوم به في (الروضة): أنه كالرجل لاحتمال الذكورة.
وفي وجه حكاه المحب الطبري، وأشار إليه الرافعي: أنه كالمرأة؛ تغليبا لجانب الإباحة.
قال: (والأصح: تحريم افتراشها)؛ للسرف والخيلاء، كما قلنا: يجوز لها لبس الذهب دون الأكل في إنائه.
والثاني: لا؛ لعموم الحديث المتقدم.
قال: (وأن للولي إلباسه الصبي)؛ لأنه غير مكلف.
قَلْتُ: الأَصَحُّ: حِلُّ افْتِرَاشِهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ
والثاني: لا كما يمنعه من شرب الخمر وغيره، ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (ذكور أمتي) ولم يقل: رجالهم.
والثالث: يحل قبل سبع سنين لا بعدها وهو الراجح في (الشرحين) كيلا يعتاده.
وهذه الأوجه جارية في الحلي أيضا.
ومحل الخلاف: في غير يومي العيد، فأما فيهما .. فيجوز إلباسه الحرير والحلي بلا خلاف؛ لأنه يوم زينة، لكن قال الشيخ عز الدين: الأولى اجتنابه، قال: وعمل ذلك من مال الصبي أقبح من عمله من مال الولي.
قال: (قلت: الأصح: حل افتراشها، وبه قطع العراقيون وغيرهم والله أعلم)؛ لما تقدم.
وقوله: (وغيرهم) فيه نظر.
فروع:
سئل قاضي القضاة ابن رزين عمن يفصل الكلوتات والأقباع الحرير، ويشتري القماش الحرير مفصلا ويبيعه للرجال، فقال: يأثم بتفصيله لهم وبخياطته، وبيعه وشرائه، كما يأثم من يصوغ الذهب للبسهم.
قال: وكذلك خلع الحرير يحرم بيعها والتجارة فيها، وأما الكتابة فيه فإن كان مما ينتفع به الرجال كالمراسلات .. حرم، وغن كان للنساء كصدقاتهن .. فهو كافتراشهن الحرير، بل هو أبلغ في الإسراف؛ إذ لا حاجة إليه ولا يتزين به، وأفتى المصنف بتحريم ذلك.
وقال الشيخ شرف الدين البارززي: كتابة الكاتب والشاهد والقاضي على الصداق الحرير جائزة، وبه أفتى شيخه ابن عساكر مفتي الشام، وعليه عمل القضاة في
وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرِّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ، أَوْ فَجْأَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ،
الأمصار في سائر الأعصار.
وقال الشيخ أبو حامد، والزاهد الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي: يحرم تعليق ستر الحرير وفرش البيوت بها، ووافقهما في (الروضة) هنا على ذلك، ولذلك كان ابن الرفعة أيام زينة المحمل لا ينظر إليها، لكن كلام (الشرح) و (الروضة) في (باب الوليمة) يشعر بالجواز، وكلام الرافعي في (باب النذر) صريح في جوازه.
وقال الغزالي: تزيين الحيطان بالحرير لا ينتهي إلى التحريم، ولو حرم .. لحرم تزيين الكعبة به، والأولى إباحته .. وأجاب الشيخ عز الدين بقريب منه- قال- ولم تزل الكعبة تستر بالحرير، فلا يبعد إلحاق غيرها بها.
وسيأتي هذا مع سترها بغير الحرير في (باب الوليمة).
قال: (ويحل للرجل لبسه للضرورة كحر وبرد مهلكين)؛ حفظا للنفس المحرمة.
والتقييد بكونهما (مهلكين) ذكره في (المحرر) و (الشرحين)، فتبعه المصنف وليس كذلك؛ فإن الخوف على العضو والمنفعة ومن المرض الشديد مبيح أيضا.
والمتجه: إلحاق الألم الشديد بذلك؛ لأنه أبلغ من المشقة الحاصلة لصاحب الجرب، ولأجل ذلك لم يذكر هذا التقييد في (الروضة) ولا في (شرح المهذب).
قال: (أو فجأة حرب ولم يجد غيره)؛ للضرورة.
و (الفجاءة) بضم الفاء وفتح الجيم والمد: البغتة، وفيها لغة أخرى: فتح الفاء وسكون الجيم، وبهذا ضبطها المصنف بخطه، لكنه في (الوصايا) ضبطها باللغة الأولى فجمع بين اللغتين.
وكذلك يحل له لبسه إذا كان في خلوة أو في صلاة ولم يجد ما يستتر به غيره، بل يجب على الأصح فيهما.
وَلِحَاجَةٍ كَجَرَبٍ وَحِكَّةٍ وَدَفْعِ قَمْلٍ،
قال: (ولحاجة كجرب وحكة) أي: إذا آذاه لبس غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبسه لحكة بهما، متفق عليه] خ 2919 - م 2076 [، زاد أبو داوود] 4053 [: (في السفر).
ووقع في (الوسيط) أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في ذلك لحمزة، والصواب ما تقدم.
وفي وجه – وإليه ذهب مالك-: أنه لا يجوز؛ لعموم الأخبار السابقة.
وهذا الوجه لم يحكه الرافعي إلا عن (التنبيه).
وفي وجه: يجوز ذلك في السفر دون الحضر؛ لأن الرخصة وردت فيه؛ إذ المقيم يمكنه المداواة.
والصحيح: لا فرق.
و (الحكة) بكسر الحاء: الجرب اليابس وهو الحصف، فلذلك غاير المصنف بينهما، والجوهري جعل الجرب والحكة واحدا.
فإن قيل: هل من شرط جوازه لذلك أن لا يجد ما يغني عنه من دواء ولباس، كما في التداوي بالنجاسة؟ .. فالجواب: أنهم أطلقوا ذلك والقياس عدم التسوية؛ لأن جنس الحرير مما أبيح لغير ذلك فكان أخف من النجاسة.
قال: (ودفع قمل)؛ لأنه لا يقمل بالخاصة.
وفي (الصحيح)] خ 2920 - م 2076 [: (أن الزبير وعبد الرحمن بن عوف شكيا القمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرخص لهما في قميص الحرير).
والصحيح: أن هذا أيضا لا يختص بالسفر.
وقيل: يختص- واختاره الشيخ أبو حامد وابن الصلاح، وإليه ذهب مالك- لأن الرواية مقيدة به، وسببه أن كثرة التعب والعرق تولده.
واعترض في (المهمات) على المصنف في حكاية هذا الوجه في القمل وغلطه فيه وقال: إنه مخصوص بالجرب.
و (القمل): جمع قملة، وهو القمل المرسل على بني إسرائيل في قول عطاء،
وَلِقِتَالٍ كَدِيبَاجٍ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَيَحْرُمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ إِبْرِيسَمٍ وَغَيْرِهِ إِنْ زَادَ وَزْنُ الإِبْرِيسَمِ، وَيَحِلُّ عَكْسُهُ
وقيل: البراغيث قاله أبو زيد، وقيل: السوس، وقيل غير ذلك.
قال: (ولقتال كديباج لا يقوم غيره مقامه) في دفع السلاح صيانة لنفسه، وذلك في حكم الضرورة.
فلو وجد ما يقوم مقامه .. فالأصح: التحريم.
وقيل: يجوز مع الكراهة، كالتضبيب بالفضة للحاجة مع وجود النحاس.
وجوز ابن كج اتخاذ القباء ونحوه مما يصلح في الحرب من الحرير، ولبسه فيهما على الإطلاق؛ لما فيه من حسن الهيئة وزينة الإسلام؛ لينكسر قلب الكفار منه كتحلية السيف ونحوه.
والمشهور الأول.
و (الديباج) بكسر الدال وفتحها: فارسي معرب، مأخوذ من التدبيج وهو: النقش والتزين، وجمعه: دبابيج وديابيج.
وقوله: (مقامه) هو بفتح الميم؛ لأنه من ثلاثي تقول: قام هذا مقام ذاك بالفتح، وأقمته مقامه بالضم.
قال: (ويحرم المركب من إبريسم وغيره إن زاد وزن الإبريسم، ويحل عكسه) تغليبا لجانب الأكثر، وروى أحمد] 1/ 313 [وأبو داوود] 4052 [- بإسناد صحيح- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير)، فأما العلم وسدى الثوب .. فلا بأس به.
و (المصمت): الخالص، و (العلم) بفتح اللام: الطراز ونحوه.
واعتبار الكثرة بالوزن هو الأصح.
وقيل: إن ظهر الحرير .. حرم وإن قل وزنه، وإن خفي واستتر .. حل وإن كثر وزنه.
و (الإبريسم) بكسر الهمزة والراء، وبفتحهما، وبكسر الهمزة وفتح الراء.
وَكَذَا إِنْ اسْتَوَيَا فِي الأَصَحِّ.
وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ
قال: (وكذا إن استويا في الأصح)؛ لأنه لا يسمى ثوب حرير، والأصل في المنافع الإباحة.
والثاني- واختاره الماوردي-: يحرم؛ تغليبا لجانب الحرمة.
فرع:
الذي قطع به الجمهور: أن القز من الحرير يحرم على الرجال استعماله، وفي وجه: لا يحرم؛ لأنه ليس من الزينة.
و (القز): ما قطعته الدودة وخرجت منه حية، فلا يمكن حله وغزله كالكتان، وهو كمد اللون.
و (الحرير) ما حل عن الدود بعد موته.
وقد يطلق الإبريسم عليهما، وهو معرب.
قال: (ويحل ما طرز أو طرف بحرير).
(المطرز): ما جعل له طراز وهو العلم، ودليله: حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والمراد: أن يكون الطراز كله حريرا مركبا على الثوب.
أما التطريز الذي يجعل في الثوب بالإبرة، فهل هو مثله لأنه زائد على الثوب، أو مثل المعمول من أصل النسج حتى يكون حكمه حكم المركب من الحرير وغيره؟ .. قال الشيخ: لم أر فيه نقلا، والأقرب: أنه كالمنسوج.
و (المطرف): هو المسجف، مأخوذ من الطرف، ودليله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له جبة مكفوفة الفرجين بالديباج) رواه مسلم] 2069 [. وفي (النسائي) بسند صحيح: (الفرجين والكمين والجيب).
وروى مسلم] 2069 [عن عمر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير، إلا موضع إصبع أو إصبعين أو ثلاث أو أربع).
قَدْرَ الْعَادَةِ،
واحترز بقوله: (بحرير) عن التطريز والتطريف بالذهب، فإنه حرام؛ لشدة السرف فيه.
وشذ ضياء الدين الحسين بن محمد الهروي في (لباب التهذيب) فجعله كالحرير في جواز قد أربع أصابع، وفي (الكافي) قريب منه.
وترقيع الثوب بالديباج كتطريزه.
ولو خاط ثوبا بإبريسم .. جاز لبسه قطعا، بخلاف الدرع المنسوجة بالذهب، فإنه حرام وإن قل، ولا يخرج على التفصيل في الإناء المضبب.
وفي (فتاوى ابن عبد السلام): لا بأس باستعمال العمامة التي في طرفها من الحرير قدر شبر إذا كان- بين كل قدر إصبع- أربع أصابع منها فرق من كتان أو غيره.
قال: (قدر العادة) هكذا قدره الشيخ أبو محمد، وقدره صاحب (التهذيب) بأربع أصابع فما دونها وهو الأصح.
والمصنف ضبط التطريف بالعادة، والتطريز بأربع أصابع فما دونها، قال الشيخ: ولا معنى لذلك.
والصحيح: ضبطهما بأربع أصابع؛ للحديث، وصاحب (التهذيب) لم يتعرض للتطريف، فلو تعرض له .. لقال فيه كما قال في التطريز.
فروع:
يجوز حشو الجبة والمخدة منه، والجلوس عليه إذا بسط فوقه ثوب.
ولو نظم سبحة في خيط حرير .. لم يحرم استعمالها، ولا يجوز لبس جبة بطانتها حرير.
وَلُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا،
ويحرم إطالة الثوب والإزار والسراويل للخيلاء، ويجوز للمرأة إسباله على الأرض.
ويستحب تقصير الكم، ويجوز لبس العمامة بإرسال طرفها ودونه، ولا كراهة في واحد منهما.
ويكره المشي في نعل واحدة أو خف واحدة ونحوه لغير عذر، وإذا انقطع شسع نعله .. ينبغي أن يخلع الآخر.
ويكره الانتعال قائما، ويستحب أن يبدأ باليمين لبسا وباليسار خلعا.
ويستحب غسل الثوب إذا توسخ، وإصلاح الشعر إذا تشعث.
ولا يحرم استعمال النشاء في الثياب، والأولى اجتنابه، قاله ابن عبد السلام.
قال: وإفراط توسعة الأكمام بدعة وسرف وتضييع مال، ولا بأس بلبس شعار العلماء؛ ليعرفوا بذلك فيسألوا.
ويحرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة- في اللباس وغيره- وعلى المرأة أن تتشبه بالرجل، وقيل: يكره في اللباس وغيره.
قال: (ولبس الثوب النجس) أي: المتنجس مع طهارة عينه (في غير الصلاة ونحوها) أي: مما شرط فيه طهارة الملبوس، كالطواف وخطبة الجمعة وسجود التلاوة والشكر؛ لأن تكليف إدامة طهارته تشق خصوصا على الفقير وبالليل.
لَا جِلْدِ كَلْبٍ وَخَنْزِيرٍ إِلَّا لِضَرُورَة كَفَجْأَةِ قِتَالٍ، وَكّذّا جِلْدُ الْمِيْتَةِ فِي الأَصَحِّ.
وَيَحِلُّ الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ عَلَى الْمَشْهُورِ
قال: (لا جلد كلب ولا خنزير) وفرع أحددهما، فلا يجوز لبسه؛ لأنه لا يجوز الانتفاع بالخنزير في حال حياته ولا بالكلب إلا في أشياء مخصوصة؛ فبعد موتهما أولى، وفرع أحدهما مما يلحق بهما.
قال: (إلا لضرورة كفجأة قتال)، أو خوف على نفسه من حر أو برد أو غيرهما، ولم يجد غيره فيجوز.
قال: (وكذا جلد الميتة في الأصح) أي: لا يحل عند عدم الضرورة لنجاسته.
والثاني: يحل؛ لأن جلد الكلب إنما حرم لغلظ نجاسته.
ولا فرق في ذلك بين الثوب والبدن، ويجوز إلباس دابته الجلد النجس سوى جلد الكلب والخنزير؛ إذ لا تعبد على الدواب.
فرع:
الامتشاط بمشط العاج رطبا ويابسا:
صرح الرافعي بالمنع منه، وصرح في (شرح المهذب) بالجواز، فظنه في (المهمات) تناقضا وليس كذلك، بل (العاج) هو: الذبل، وهو مراده في (شرح المهذب)، وأما عظم الفيل .. فهو الذي أراده الرافعي.
قال: (ويحل الاستصباح بالدهن النجس على المشهور) سواء تنجس بعارض، او كان نجس العين كودك الميتة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن فأرة وقعت في سمن .. فقال: (إن كان ذائبا .. فاستصبحوا به) رواه الطحاوي، ولكنه يكره.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: لا يجوز؛ لقوله تعالى:} والرجز فاهجر {وذلك يقتضي: الاجتناب من كل وجه، ولأجل دخان النجاسة.
وصحح في (شرح المهذب) القطع بالأول.
ويحل دهن السفن به، وان يتخذ صابونا يستعمله ولا يبيعه، ولمالك رضي الله عنه فيه قولان.
تتمة:
استثنى صاحب (البيان) والمتولي ودك الكلب والخنزير، والقياس في (المهمات): منعه.
ولا شك أن تستثنى المساجد، وعن مالك رضي الله عنه قولان في جواز الاستصباح به فيها.\
وقد سها ابن الرفعة في (كتاب البيع) في نقله عن الرافعي: أن الظاهر عند الأصحاب منع الاستصباح بالدهن النجس، وهو إنما نقله عنهم في منع البيع.
ولا بأس أن يطعم ما عجن بماء نجس ناضحه وبهيمته، وأن يطعم النحل العسل المتنجس، والكلب وطيور الصيد الميتة.
وإذا سجر التنور بالسرجين، فإن قلنا بتنجس دخان النجاسة .. ففي العفو عنه وجهان:
أحدهما: نعم، فيجعل الخبز فيه من غير مسح.
وثانيهما: لا.
فعلى هذا: لو تدخن به ثوبه .. لزمه غسله، ويجب مسح التنور قبل جعل الخبز فيه بخرقة، فإن خبز قبله .. نجس ظاهره، والقياس: نجاسة جميعه؛ لرطوبته.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خاتمة
يباح لبس الكتان والقطن والصوف والوبر والشعر ونحوها وإن كثرت قيمتها؛ لأن نفاستها بالصنعة.
ولا يكره لبس الناعم منه، ولبس الخشن مكروه إلا لغرض شرعي مع الاستغناء عنه؛ لأنه تعذيب للنفس.
وسواء غير المصبوغ والمصبوغ، وسواء الأخضر والأحمر والأسود، وسواء صبغ قبل النسج أم بعده، ففي (الصحيحين)] خ 3551 - م 503 [: (أنه صلى الله عليه وسلم لبس حلة حمراء).
وفيهما] خ 5812 - م 2079 [: (كان أعجب اللباس إليه صلى الله عليه وسلم الحبرة)، وهي: شملة فيها بياض وحمرة.
وروى الترمذي] 2812 [وأبو داوود] 4062 [: (أنه صلى الله عليه وسلم لبس بردين أخضرين).
وروى مسلم] 1358 [: (أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء)، و (لبسها على المنبر أيضا)، ومن ثم كان شعار بني العباس في الخطبة لبس الأسود.
وأما الأصفر .. فكان ابن عمر رضي الله عنهما يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه منها ويقول: (هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل).
لكن المنصوص: أن المزعفر حرام على الرجال، وأما المعصفر .. فالمذهب: كراهته.
وقال ابن الرفعة: الصواب تحريمه كما قاله الحليمي للأحاديث الصحيحة الواردة فيه التي لو بلغت الإمام الشافعي رضي الله عنه .. لقال بها؛ لأن مذهبه: إتباع الحديث الصحيح.
بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ هِيَ سُنَّةٌ،
باب صلاة العيدين
(العيد): مشتق من العود.
سمي بذلك، لأنه يتكرر بتكرر السنين.
وقيل: من عود السرور بعوده.
وقيل: من كثرة عوائد الله تعالى على عباده.
والأصل في مشروعية الصلاة فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: (
فصل
لربك وانحر)، وما روى أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: (ما هذان اليومان؟) فقالوا: كنا نلعب فيهما بالجاهلية، فقال: (إن الله تعالى أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى)، وهو يوم الحج الأكبر، و (أول عيد صلاه النبي صلى الله عليه وسلم عيد الفطر، من السنة الثانية من الهجرة)، ثم (لم يزل يواظب على صلاة العيدين حتى فارق الدنيا).
قال: (هي سنة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات كتبهن الله تعالى على عباده)، قال له السائل: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع).
وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَتُشْرَعُ جَمَاعَةٌ، وَلِلمُنْفَرِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ
فعلى هذا: لو اتفق أهل بلد على تركها .. لم يقاتلوا- خلافا لأبي إسحاق- واختاره الروياني وابن أبي عصرون، وهما كالوجهين في الأذان.
قال: (وقيل: فرض كفاية) قاله الإصطخري؛ لأنها صلاة يتوالى فيها التكبير من قيام فأشبهت صلاة الجنازة، وأجمع المسلمون: على أنها ليست فرض عين.
قال: (وتشرع جماعة) بالإجماع.
قال: (وللمنفرد والعبد والمرأة والمسافر) كسائر النوافل، إلا أن المرأة الجميلة وذات الهيئة يكره لها أن تحضرها، والعجوز يستحب لها الحضور لكن في ثياب بيتها بلا طيب كما سيأتي، والخنثى في هذا كالمرأة.
ونقل عن القديم: أنها كالجمعة في الشروط، حتى لا تصح للمنفرد ونحوه، إلا أنه يستثنى - على هذا القول- إقامتها في خطة، الأبنية، وتقديم الخطبتين، والعدد.
وإذا قلنا: يصلي المنفرد .. لا يخطب على الأصح.
وإذا اجتمع مسافرون .. صلى بهم واحد منهم وخطب، وكذلك من لا جمعة عليهم إذا اجتمعوا.
فرعان:
أحدهما: الحاج بمنى لا تستحب له صلاة العيد على النص، وفي (التجربة النظامية) للإمام: أنها تستحب لهم، وكلام المتولي يقتضي: أنها تصلى فرادى.
الثاني: إذا وافق يوم العيد يوم جمعة، وحضر أهل القرى الذين يبلغهم النداء لصلاة العيد، وعلموا أنهم لو انصرفوا فاتتهم الجمعة .. فلهم أن ينصرفوا ويتركوها نص عليه في القديم والجديد.
وَوَقْتُهَا: بَيْنَ طُلُوِعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَيُسَنُّ تَاخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ
ويدل له ما روى أحمد] 4/ 372 [وأبو داوود] 1066 [والنسائي] 3/ 194 [وابن ماجة] 1310 [والحاكم] 1/ 288 [عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن أحب أن يشهد معنا الجمعة .. فليفعل، ومن أحب أن ينصرف .. فليفعل).
وصح عن عمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز: أنهم خطبوا بمثل ذلك.
قال: (ووقتها: بين طلوع الشمس وزوالها)، أما خروج وقتها بالزوال .. فمتفق عليه، وأما أول وقتها .. فالأصح: أنه: - كما قال المصنف- يدخل بطلوع الشمس؛ لأن به يخرج وقت الصبح فدخل وقت غيرها، ثم فرع المصنف على هذا فقال:
(ويسن تأخيرها لترتفع كرمح)؛ لخروج وقت الكراهة وإن كان لها سبب.
وقال الماوردي: يدخل وقتها بتمام الطلوع.
وقيل: لا يدخل حتى ترتفع: واختاره الشيخ لعدم الدليل على فعلها قبل ذلك.
وقال ابن الرفعة: لا يتم القول بأن وقتها يدخل بالطلوع إلا إذا قلنا: إن الصلاة في الأوقات المكروهة لا تحرم وتصح، أما إذا قلنا: لا تصح أو تحرم- كما هو الأصح- فلا؛ إذ يستحيل أن نقول بعدم دخول الوقت وعدم الصحة أو التحريم.
ومقتضى عبارة المصنف .. أنها تفوت إذا شهدوا بالرؤية بعد الزوال يوم الثلاثين، وعدلوا بعد الغروب وقلنا العبرة بالتعديل وهو الأصح، وليس كذلك بل يصلوا من الغد أداء كما سيأتي.
وإذا خرج وقتها .. ففي استحباب قضائها القولان السابقان في صلاة التطوع، والأصح: الاستحباب: وهما مفرعان على الجديد:
الصحيح: أنه لا يشترط فيها شروط الجمعة، أما على القديم .. فلا تقضى قطعا.
وقال الماوردي: ليس لمن ولي الصلوات الخمس حق في إقامة العيدين والخسوف والاستسقاء، إلا أن يقلد جميع الصلوات، ويأمر الإمام الناس بصلاة العيد.
وَهِيَ رَكْعَتَانِ يُحْرِمُ بِهِمَا، ثُمَّ يَاتِي بِدُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ، ثُمَّ بِسَبْعِ تَكْبِيرِاتٍ يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كَآَيِةٍ مُعْتَدِلَةٍ يُهَلِّلُ وَيَكَبِّرُ وَيُمَجِّدُ
وهل الأمر واجب أو مستحب؟ وجهان، قال المصنف في (سير) (الروضة): قلت: الأصح الوجوب وإن قلنا: إنها سنة؛ لأن الأمر بالمعروف وهو الطاعة واجب، لا سيما إذا كان شعارا ظاهرا.
قال: (وهي ركعتان) بالإجماع.
قال: (يحرم بهما) بنية صلاة العيد.
هذا أقلها.
قال: (ثم يأتي بدعاء الافتتاح) كسائر الصلوات.
قال: (ثم بسبع تكبيرات)؛ لما روى الدارقطني] 2/ 48 [وابن ماجه] 1279 [والترمذي] 536 [: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الثانية خمسا)، قال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: ليس في الباب أصح منه.
وعلم من عبارة المصنف .. أن تكبيرة الإحرام ليست من السبعة، وجعلها منها مالك والمزني وأبو ثور.
لنا: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة الإحرام) رواه أبو داوود] 1145 [، وهو حجة على أبي حنيفة أيضا حيث قال: يكبر ثلاثا.
وتكره الزيادة والنقص عن هذا العدد، فلو صلى خلف من كبر ثلاثا أو ستا .. تابعه في الأظهر؛ لئلا يخالفه.
قال: (يقف بين كل ثنتين كآية معتدلة يهلل ويكبر ويمجد) روى الطبراني] 9/ 303 [والبيهقي] 3/ 292 [ذلك عن ابن مسعود قولا وفعلا، وأيضا فإن سائر التكبيرات المشروعة في الصلاة يعقبها ذكر مسنون فكذلك هذه التكبيرات.
و (التهليل): قول: لا إله إلا الله.
وَيَحْسُنُ: (سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ)، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسَا قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَيِرْفَعُ يَدْيْهِ فِي الْجَمِيعِ، وَلَسْنَ فرْضًا وَلَا بَعْضاً،
و (التمجيد): التسبيح والتشريف والتعظيم، وفي حديث قراءة (الفاتحة): (.. مجدني عبدي ..).
ومن أسمائه تعالى: المجيد والماجد وهو: الشريف الذات، الكريم الفعال.
وقالت عائشة رضي الله عنها: (ناوليني المجيد) أرادت: المصحف، قال تعالى:} بل هو قرءان مجيد {.
قال: (ويحسن: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))؛ لأن هذه الكلمات هي الباقيات الصالحات، وهي لائقة بالحال.
وقال ابن الصباغ: لو قال ما اعتاده الناس وهو: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا .. كان حسنا أيضا.
وقال المسعودي: يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، وجل ثناؤك ولا إله غيرك.
قال: (ثم يتعوذ) لاستفتاح القراءة، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: يتعوذ قبل التكبير.
قال: (ويقرأ) أي: الفاتحة؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بها.
قال: (ويكبر في الثانية خمسا قبل القراءة)؛ للحديث السابق.
قال: (ويرفع يديه في الجميع)؛ قياسا على غيرها من تكبيرات الصلاة.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: فإن تركه في بعضها أو كلها .. كرهت له ذلك ويستحب أن يضع يمينه على يساره بين كل تكبيرتين.
قال: (ولسن فرضا ولا بعضا)، فلا تبطل الصلاة بتركهن، ولا يجبرن بالسجود، بل هن من الهيئات كالتعوذ ودعاء الاستفتاح.
وَلَوْ نَسِيَهَا وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءِةِ .. فَاتَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: يُكَبِّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ.
وَيَقْرَأُ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ) فِي الأُولَى (قَ)، وَفِي الْثّانِيَةِ (اقْتَرَبَتْ) بِكَمَالِهِمَا
وأجمعوا: على أنه يجهر بالتكبير، ويسر الذكر.
ولا يأتي بالذكر بعد السابعة والخامسة ولا قبل السبع اتفاقا.
قال: (ولو نسيها وشرع في القراءة .. فاتت)؛ لفوات محلها.
والتعبير ب (النسيان) يعلم منه: الفوات في العمد من باب أولى- فلو عاد .. لم تبطل صلاته، لكن لو عبر بقوله: لم يتدارك .. كان أولى؛ لأن الفائت قد يقضى.
قال: (وفي القديم: يكبر ما لم يركع)؛ لأن محله القيام وهو باق.
وإذا أدرك الإمام في أثناء (الفاتحة)، أو بعض التكبيرات، فعلى الجديد .. لا يكبر ما فاته، وعلى القديم .. يكبر.
ولو أدركه راكعا .. لم يكبر اتفاقا، ولو أدركه في الثانية .. كبر معه فيها خمسا، ويكبر بعده إذا قام في الثانية خمسا.
ولو قضى صلاة العيد .. فقال العجلي: لا يكبر؛ لأن التكبيرات من شعار الوقت وقد فات.
ويظهر: أن يأتي فيه الخلاف الآتي عن القاضي فيما إذا فاتته صلاة في أيام التشريق، فقضاها في غيرها، هل يكبر خلفها.
ولو شك في عدد التكبيرات .. أخذ بالأقل.
قال: (ويقرأ بعد (الفاتحة) في الأولى (ق)، وفي الثانية (اقتربت) بكمالهما)؛
جَهْراً، وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بهما فيهما، رواه مسلم] 891 [من حديث أبي واقد الليثي.
وفيه] 878 [أيضا من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ب (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية)، وكلاهما سنة.
قال: (جهرا) بالإجماع.
قال: (ويسن بعدها خطبتان) اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين؛ ففي (الصحيحين)] خ 963 - م 888 [عن ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد قبل الخطبة).
فلو خطب قبلها .. أساء ولا يعتد بها، وكذا قبل طلوع الشمس قطعا.
أَرْكَانُهُمَا كَهِيَ فِي الْجُمُعَةِ،
قال: (أركانهما كهي في الجمعة) فيحمد لله ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويوصي بالتقوى، ويقرأ، ويدعو فيهما، وكذلك في السنن؛ لما روى ابن ماجه] 1298 [عن جابر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم فطر أو أضحى إلى المصلى فخطب قائما، ثم قعد بعده، ثم قام).
واقتصاره على ذكر الأركان يشعر بأنه يجوز القعود فيهما وهو كذلك على الأصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب على بعيره)، وكذلك فعل علي وعثمان والمغيرة رضي الله عنهم.
وقيل: لا بد فيهما من القيام كخطبتي الجمعة.
وأفهمت عبارته: أنه لا يشترط فيهما شروط خطبة الجمعة كالطهارة والستر، وقل من تعرض لذلك من الأصحاب، لكنه جزم في آخر (الوضوء) من (شرح المهذب) و (التحقيق) باستحباب الوضوء لخطبة غير الجمعة.
وأفهمت عبارة المتولي: اشتراط ذلك؛ فإنه قال: صفتهما في الشرائط كخطبتي الجمعة إلا في القيام.
فيؤخذ منه اشتراط الطهارة والستر.
ومما يسن أيضا: الجلوس بينهما، والسلام عند صعود المنبر كالجمعة.
وهل يجلس قبل الأولى؟ فيه وجهان:
الصحيح المنصوص: يجلس كما في خطبة الجمعة، وعن بعضهم: أنه يجلس قدر ما يؤذن المؤذن يوم الجمعة وهو غلط، وإنما هي جلسة خفيفة بقدر ما يستريح.
والثاني: لا يجلس؛ لأنه إنما يجلس في الجمعة ليؤذن المؤذن وذلك مفقود هاهنا.
وينبغي: أن يحث في الخطبة على الصدقة؛ إتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم، ويفصل بين الخطبتين بالتكبير، ويكثر منه في فصول الخطبة.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه] أم 1/ 239 [: أخبرني الثقة من أهل المدينة: أنه
وَيُعَلِّمُهُمْ فِي الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ، وَفِي الأَضْحَى الأُضْحِيَةَ، يَفْتَتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ
أثبت له كتاب عن أبي هريرة فيه: يكبر الإمام في الخطبة الأولى يوم الفطر ويوم الأضحى إحدى أو ثلاثا وخمسين تكبيرة بين ظهراني الكلام.
وقوله: (كهي) كثيرا ما يستعمله المصنف وغيره من الفقهاء، وهو قليل؛ فإن الكاف لا تجر إلا الظاهر فقط وجرها ضمير الغائب قليل، وسيأتي هذا في (باب الصيال) أيضا، وغيره.
قال: (ويعلمهم في الفطر الفطرة، وفي الأضحى الأضحية) تعليما واضحا يفهمونه، فيذكر من أحكامهما ما تعم الحاجة إليه؛ لأن ذلك لائق بالحال.
وخطب صلى الله عليه وسلم يوم النحر ثم قال: (من صلى صلاتنا ونسك نسكنا .. فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة .. فلا نسك له).
قال: (يفتتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع)؛ لقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: إنه من السنة.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وبقوله نقول.
لكنه ضعيف، ومع ضعفه، لا دلالة فيه؛ لأن عبيد الله تابعي، والتابعي إذا قال: (من السنة) .. فيه وجهان:
أشهرهما: أنه موقوف.
والثاني: مرفوع مرسل.
فإن قلنا بالأول .. فهو قول صحابي لم ينشر فلا حجة فيه على الصحيح، وإن قلنا بالثاني .. فهو مرسل لا يحتج به.
وهذه التكبيرات مقدمة للخطبة لا منها- كذا نص عليه- لأن افتتاح الشيء قد يكون بمقدمته التي ليست منه.
وَلَاءَ.
وَيُنْدَبُ: الْغُسْلُ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلِ: بِالفَجْرِ.
والتَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُنُ كَالْجُمُعَةِ
ولو خطب واحدة، أو ترك الخطبة، أو شيئا منها .. أساء ولا إعادة عليه.
قال: (ولاء) كذا عبر في (الروضة) أيضا، وقال في (شرح المهذب): نسقا، وقال الرافعي: تترى، والجميع متقارب.
قال الشيخ: والتنبيه على الموالاة لا بد منه، وإلا لفات المقصود عند السكوت الطويل.
ولو أدخل بينهما الحمد والتهليل والثناء .. كان حسنا.
قال: (ويندب: الغسل) أي: كالجمعة؛ لما صح في (الموطأ)] 1/ 177 [أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يغتسل، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة من الصحابة بإسناد ضعيف.
قال: (ويدخل وقته بنصف الليل) كما في الأذان للصبح.
قال: (وفي قول: بالفجر) كالجمعة.
وقيل: يجوز في جميع الليل.
قال (والتطيب والتزين كالجمعة)؛ لأنه يوم زينة وإظهار سرور بنعمة الله تعالى.
وأشار المصنف بالتشبيه إلى قوله هناك: (وأن يتزين بأحسن ثيابه، وطيب، وإزالة الظفر والريح).
وروى الحاكم] 4/ 230 [: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يلبسوا في وَفِعْلُهَا بِالمَسْجِدِ أَفْضَلُ،
العيد أجود ما يجدون، وأن يتطيبوا بأجود ما يجدون)، لكن في سنده رجل مجهول.
و (كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس في العيدين برد حبرة ويتعمم).
ويستوي- في استحباب الطيب والزينة، وإزالة الشعر والظفر والرائحة الكريهة- الخارج إلى الصلاة، والقاعد في بيته، والمسافر.
وأفضل الألوان البياض، قال ابن الصلاح: وفي جعل الأبيض من الزينة نظر.
فإن استوى اثنان في الحسن والنفاسة .. فالأبيض أفضل، فإن كان الحسن ليس بأبيض .. فهو أفضل من الأبيض، فإن لم يجد إلا ثوبا .. استحب أن يغسله للجمعة والعيد، واستحباب ذلك للإمام أكثر؛ لأنه منظور إليه ومقتدى به.
وهذا في غير النساء، فهن يلبسن ثيابا قصدا من البياض أو غيره، ويكره لهن ثياب الزينة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات) - أي: غير عطرات- رواه مسلم] 442 [.
ويكره لهن الشهرة من الثياب والتطيب.
قال: (وفعلها بالمسجد أفضل)؛ لأن المساجد خير البقاع وأشرفها وأنظفها، ولأن الأئمة لم يزالوا يصلون العيد بمكة في المسجد الحرام، وهذا إذا اتسع كالمسجد الحرام وبيت المقدس، وإلا .. فالصحراء أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الصحراء لضيق مسجده، فلو صلى الإمام بهم في هذه الحالة في المسجد .. كره للمشقة عليهم.
وَقِيلَ: بِالصَّحْرَاءِ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ.
وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقِ وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى
قال: (وقيل: بالصحراء)؛ تأسيا به صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا: يستثنى المسجد الحرام؛ لأنه حاز شرف البقعة مع سعة الخطة، وألحق به الأكثرون بيت المقدس للفضل والسعة.
قال: (إلا لعذر) كوحل أو مطر أو خوف وشبهه، فعند ذلك لا خلاف أن المسجد أفضل؛ لما روى أبو داوود] 1153 [والترمذي والحاكم] 1/ 295 [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد).
قال: (ويستخلف من يصلي بالضعفة) كالزمنى والمرضى؛ لأن عليا رضي الله عنه استخلف أبا مسعود الأنصاري ليصلي بالضعفة من الناس في المسجد، رواه الإمام الشافعي رضي الله عنه بإسناد صحيح، ولأن فيه حيازة فضيلة الصلاة بهم.
وقال في (الأم): يأمره أن يخطب بهم، فإن لم يأمره .. لم يخطب.
وكذلك في الكسوف تكره الخطبة بغير أمره.
فرع:
قال في (الأم): أكره للمساكين إذا حضروا العيد المسألة في حال الخطبتين، بل يكفوا عنها حتى يفرغ الإمام، فإن سألوا .. فلا شيء عليهم إلا ترك الأفضل في الاستماع.
قال: (ويذهب في طريق ويرجع في أخرى)؛ لقول جابر رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في العيد) رواه البخاري] 986 [وغيره.
واختلف في سبب ذلك على أقوال:
أظهرها: أنه كان يتوخى أطول الطريقين في الذهاب؛ تكثيرا للأجر.
وقيل: ليتبرك به أهل الطريقين، وقيل: ليستفتى فيهما، وقيل: ليتصدق على
وَيُبَكِّرُ النَّاسُ.
وَيَحْضُرُ الإِمَامُ وَقْتَ صَلَاتِهِ وَيُعَجِّلُ فِي الأَضْحَى
فقرائهما، وقيل: ليزور قبور أقاربه فيهما، وقيل: ليشهد له الطريقان، وقيل: ليزداد غيظ المنافقين به، وقيل: خوفا من مكائدهم، وقيل: ما من طريق مر بها إلا فاحت فيها رائحة المسك، وقيل: ليساوي بين الأوس والخزرج في المرور؛ لأنهم كانوا يتفاخرون بمروره عليهم، وقيل: تفاؤلا بتغير الحال إلى المغفرة والرضا كما حول رداءه في الاستسقاء، وقيل: فعل ذلك ليخف الزحام، واختاره الشيخ أو حامد وابن الصلاح؛ لوروده في رواية.
ويستوي في هذه السنة الإمام وغيره، قاله في (الأم).
وإذا لم يعلم السبب .. استحب التأسي قطعا.
وقال المصنف في (رياض الصالحين): إن ذلك يجري في الجمعة والحج وعبادة المريض وسائر العبادات.
وقول الإمام: أن الرجوع ليس بقربة غلط، بل الأجر حاصل في الذهاب والإياب؛ لما تقدم في (صلاة الجمعة) عند قول المصنف: (والتبكير إليها ماشيا بسكينة).
قال: (ويبكر الناس)؛ ليحصل لهم القرب من الإمام، وفضيلة انتظار الصلاة.
قال: (ويحضر الإمام وقت صلاته)؛ لما روى الإمام الشافعي رضي الله عنه] أم 1/ 232 [عن الثقة: أن الحسن رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو إلى العيدين في الأضحى والفكر حين تطلع الشمس ويتم طلوعها، فأول شيء يبدأ به الصلاة).
قال: (ويعجل في الأضحى)؛ ليتسع الوقت للتضحية والتفرقة، بخلاف عيد الفطر فإنه يؤخر فيه؛ توسعا لوقت الاستحباب في زكاة الفطر، فإن المستحب إخراجها قبل الصلاة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم حين ولاه البحرين: (أن عجل الأضحى وأخر الفطر)، إلا أنه مرسل كما قاله البيهقي] 3/ 282 [.
قُلْتُ: وِيَاكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيُمْسِكُ فِي الأَضْحَى.
وَيَذْهَبُ مَاشِيَاً بِسَكِينَةٍ، وَلَا يُكْرَهُ النَّفْلُ قَبْلَهَا لِغَيْرِ الإِمَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
قال: (قلت: ويأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، ويمسك في الأضحى)؛ لما روى البخاري] 953 [عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل ثمرات، ويأكلهن وترا).
وروى الترمذي] 542 [وابن ماجه] 1756 [والحاكم] 1/ 294 [عن بريدة بن الحصيب قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ويوم النحر لا يأكل حتى يرجع فيأكل من نسكه).
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: فإن لم يطعم في بيته .. ففي الطريق أو المصلى إن أمكن.
والحكمة في ذلك: أن يتميز يوم الفطر عما قبله الذي يحرم فيه الأكل.
قال: (ويذهب ماشيا بسكينة)، ففي ابن ماجة] 1294: [(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد ماشيا).
ولا باس أن يركب في الرجوع- إذا لم يتضرر به أحد- لأن الرجوع وإن كان يثاب عليه إلا أنه ليس في تلك الحال قاصدا إلى قربة.
قال: (ولا يكره النفل قبلها لغير الإمام والله أعلم)؛ لانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة، وروى البيهقي] 3/ 303 [عن أنس وغيره: (أنهم كانوا يتنفلون قبل خروج الإمام).
وكذا لا يكره بعدها إذا لم يسمع الخطبة.
أما الإمام فيكره له التنفل قبل وبعد؛ لما روى الشيخان] خ 964 - م 884/ 13 [: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يفعل ذلك).
والسبب فيه: أن وظيفته بعد الحضور صلاة العيد، وبعد الصلاة الخطبة.
فرع:
إذا فرغ من الخطبة، ثم علم أن قوما فاتهم سماع الخطبة .. استحب أن يعيدها لهم؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى
فَصْلٌ:
يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَيِ الْعِيدِ فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ
وخطب، فلما فرغ .. رأى أنه لم يسمع النساء، فجاء إليهن ومعه بلال فذكرهن ووعظهن وأمرهن بالصدقة)، وليس ذلك متأكدا فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مرة وتركه أكثر.
تتمة:
قال القمولي: لم أر لأحد من أصحابنا كلاما في التهنئة بالعيد والأعوام والأشهر كما يفعله الناس، لكن نقل الحافظ المنذري عن الحافظ المقدسي: أنه سئل عن ذلك، فأجاب بأن الناس لن يزالوا مختلفين فيه، والذي أراه: أنه مباح لا سنة فيه ولا بدعة.
وفي (جامع البيان والتحصيل) عن مالك أنه قال: لا يكره.
وقال ابن حبيب في (الموضحة): لا أعرفه ولا أنكره.
قال: (
فصل
:
يندب التكبير بغروب الشمس ليلتي العيد في المنازل والطرق والمساجد والأسواق) هذا يسمى التكبير المرسل والمطلق، ودليل استحبابه في عيد الفطر قوله تعالى:} ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم {.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: سمعت من أرضاه من العلماء بالقرآن يقول: المراد ب (العدة) عدة الصوم، و (التكبير) عند الإكمال.
قال المحب الطبري: حمل (الواو) هنا على الترتيب متفق عليه.
قال البيهقي] 3/ 279 [: وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يكبر ليلة الفطر حتى يغدو إلى المصلى.
بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وِالأَظْهَرُ: إِدَامَتُهُ حَتَّى يُحْرِمَ الإِمَامُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الأَضْحَى، بَلْ يُلَبِّي، وَلَا يُسَنُّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الأَصَحِّ.
وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ،
وأما عيد الأضحى .. فبالقياس عليه.
والجديد: أن تكبير ليلة الفطر آكد من ليلة الأضحى؛ لأنه منصوص عليه، والقديم: عكسه.
قال: (برفع الصوت) قياسا على التلبية للحاج والمعتمر، واستثنى الرافعي المرأة، وغيره الخنثى أيضا.
ويتأكد عند ازدحام الناس ليوافقوه إذا سمعوه.
و (الأسواق): جمع سوق يذكر ويؤنث.
سميت سوقا؛ لقيام الناس فيها على سوقهم، وهي أبغض البقاع إلى الله، وبها ينصب الشيطان رايته، وبها باض وفرخ، وسيأتي فيه أثر آخر في (كتاب الشهادات).
قال: (والأظهر: إدامته حتى يحرم الإمام بصلاة العيد)؛ لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية، وذكر الله أولى ما يقع به الاشتغال فإنه ذكر الله وشعار اليوم.
والثاني: إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة.
والثالث: إلى فراغه من الصلاة.
والرابع: إلى فراغ الخطبة.
والأخيران قديمان.
قال: (ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى، بل يلبى)؛ لأنها ذكره.
قال: (ولا يسن ليلة الفطر عقب الصلوات في الأصح)؛ لأنه لم ينقل.
وهذا النوع يسمى: التكبير المقيد؛ لأنه يقتصر به على أدبار الصلوات.
والثاني: يسن كالأضحى، فيكبر خلف المغرب والعشاء والصبح، واختاره المصنف في (الأذكار)، وهو مذهب أهل العراق، وعليه العمل بالاتفاق.
قال: (ويكبر الحاج من ظهر النحر)؛ لقوله تعالى:} فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله {، والمناسك تقضى يوم النحر ضحوة، وأول صلاة تلقاهم الظهر.
وَيَخْتِمُ بَصُبْحِ آَخِرِ التَّشْرِيقِ، وَغَيْرُهُ كَهُوَ فِي الأَظْهَرِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ صُبْحِ عَرَفَةَ وَيَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ التَّشْرِيقِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا
قال: (ويختم بصبح آخر التشريق)؛ لأنه آخر صلاة يصليها الحاج بمنى، والناس تبع لهم.
والسنة لهم: أن يرموا في اليوم الثالث بعد الزوال وهم ركبان، ولا يصلون الظهر بمنى بل بعد نفرهم منها.
و (أيام التشريق): الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة.
سميت بذلك لتشريق اللحم بها- وهو: نشره- وقيل: من قولهم: أشرق ثبير كيما نغير، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.
قال: (وغيره كهو في الأظهر)؛ لأن الناس تبع للحجيج وهم يكبرون من الظهر كما تقرر، ولإطلاق حديث مسلم] 1142 [: (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله).
وقوله: (كهو) تقدم الكلام عليه قريبا.
قال: (وفي قول: من مغرب ليلة النحر، وفي قول: من صبح) يوم (عرفة ويختم بعصر آخر) أيام (التشريق، والعمل على هذا)؛ لما روى الحاكم] 1/ 299 [عن علي وعثمان قالا: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر في المكتوبات بـ} بسم الله الرحمن الرحيم {ويقنت في صلاة الفجر، وكان يكبر يوم عرفة من صلاة الصبح، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق) قال: وهذا حديث صحيح الإسناد، لا أعلم في رواته منسوبا إلى الجرح.
وصح من فعل عمر وعلي، فلذلك اختاره المصنف في (شرح المهذب) و (التصحيح)، وصححه في (الأذكار)، ونسبه في زوائد (الروضة) إلى المحققين.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ لِلفَائِتَةِ وَالرَّاتِبَةِ وَالنَّافِلَةِ.
وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ
قال: (والأظهر: أنه يكبر في هذه الأيام للفائتة والراتبة والنافلة)؛ لأن التكبير شعار للوقت، والنافلة تشبه الفريضة.
والقول الثاني- وبه قال الأئمة الثلاثة-: يختص التكبير بالفرائض المفعولة في هذه الأيام، سواء كانت مؤداة أو فائتة، كالأذان والإقامة.
والثالث: بفرائضها فقط.
والرابع: بفرائضها وسننها الراتبة؛ لتآكدها.
واحترز بقوله: (هذه الأيام) عما لو فاتته صلاة منها فقضاها في غيرها .. فإنه لا يكبر عقبها بالاتفاق.
والمنذورة كالنافلة، وكذلك العيد والكسوف والاستسقاء.
والأصح: أنه يكبر خلف الجنازة، وقيل: لا؛ لأن مبناها على التخفيف.
ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، والحاضر والمسافر، والمنفرد والمصلي جماعة.
فلو نسي التكبيرات .. أتى بها إن قرب الفصل، وكذا إن طال في الأصح.
كل هذا في التكبير الذي يرفع به الصوت ويجعله شعارا، ما لو استغرق عمره بالتكبير في نفسه .. فلا منع.
فلو كبر الإمام على خلاف اعتقاد المأموم .. فالأصح: اعتبار اعتقاد نفسه، بخلاف تكبير نفس الصلاة.
قال: (وصيغته المحبوبة: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)) كذا ورد عن جابر وابن عباس رضي الله عنهما.
وفي القديم: يكبر مرتين.
لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الحَمْدُ).
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ: (كَبِيراً، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).
وَلَوْ شَهِدُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ .. أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ.
وَإِنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ .. لَمْ تُقْبَلِ الشَّهَادَةُ،
قال: (... لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)؛ اتباعا للسلف الصالح.
قال: (ويستحب أن يزيد: (كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا)) كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا.
والصواب زيادة التكبير أيضا، فيكون التكبير أربعا.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وما زاد من ذكر الله فهو حسن- قال- ويستحب أن يقول: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
قال في (شرح مسلم): قوله عليه الصلاة والسلام: (الله أكبر كبيرا) قيل: هو على إضمار فعل؛ أي: كبرت تكبيرا، وقيل: على القطع، وقيل: على التمييز.
و (البكرة): الغدوة: والجمع: بكر.
و (الأصيل): من العصر إلى المغرب، وجمعه: أصل وآصال وأصلان.
قال: (لو شهدوا يوم الثلاثين قبل الزوال برؤية الهلال الليلة الماضية).
لو قال: (شهدا) بالتثنية ... كان أولى من (واو) الجمع.
قال: (.. أفطرنا وصلينا العيد) أداء؛ لبقاء الوقت.
هذا إذا بقي ما يمكن جمع الناس فيه وإقامة الصلاة، وإلا .. فكما لو شهدوا بعد الزوال.
قال: (وإن شهدوا بعد الغروب .. لم تقبل الشهادة)؛ لأن شوالا قد دخل وصوم ثلاثين قد تم، فلا فائدة في شهادتهم إلا المنع من صلاة العيد.
هذا بالنسبة إلى الصلاة خاصة، أما الحقوق والأحكام المتعلقة بالهلال كالتعليق
أَوْ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالغُرُوبِ .. أَفْطَرْنَا وَفَاتَتِ الصَّلَاةُ، وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الأَظْهَرِ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: تُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءٌ
والعدوة والإجارة والعتق وغيرها .. فتثبت قطعا.
أما بالنسبة إلى الصلاة .. فلا تثبت وتصلى من الغد أداء بلا خلاف؛ لما روى الترمذي] 802 [- بإسناد صحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس).
قال الأصحاب: ليس يوم الفطر أول شوال مطلقا، إنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس، وكذلك يوم النحر.
ويوم عرفة هو اليوم الذي يظهر للناس؛ لأن العباد إنما كلفوا بالظاهر، لا بما في نفس الأمر.
قال: (أو بين الزوال والغروب .. أفطرنا وفاتت الصلاة)؛ لخروج وقتها بالزوال.
هذا هو المذهب ويقابله قوله: (وقيل في قول: تصلى من الغد أداء) ففيه طريقان:
أصحهما: القطع بالفوات.
والثاني: قولان.
وفي (سنن أبي داوود)] 1150 [و (ابن حبان)] 3456 [: (أن ركبا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا .. يغدون إلى مصلاهم).
وحكى قول: أنها لا تفوت ويصلون من الغد أداء لظاهر الحديث.
قال: (ويشرع قضاؤها متى شاء في الأظهر) هذه مكررة تقدمت في قوله: (ولو فات النقل المؤقت .. ندب قضاؤه في الأظهر)؛ والقضاء في باقي اليوم أولى على الأصح مبادرة إلى العبادة وتقريبا لها من وقتها.
والثاني: الأولى التأخير إلى الغد؛ لأن اجتماع الناس فيه أسهل.
قال: (وقيل: في قول: تصلى من الغد أداء)؛ لأن الغلط في الهلال كثير، فلا يفوت به هذا الشعار العظيم، ويؤيده صحة الوقوف في العاشر غلطا.
وأشار بقوله: (وقيل: في قول) إلى الطريقتين المتقدمتين في قوله: (وفاتت الصلاة)، ولو ذكره عقبه .. كان أولى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تتمة:
شهد شاهدان قبل الغروب ولكن عدلا بعده .. فالعبرة بوقت التعديل في الأظهر؛ لأنه وقت جواز الحكم.
وعلى هذا: فيصلون من الغد أداء كما تقدم.
والثاني: أن الاعتبار بوقت الشهادة؛ لأن التعديل مستند إليها.
...
خاتمة
يستحب إحياء ليلتي العيد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا ليلتي العيد .. أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب) رواه الدارقطني في (علله) قال: والمحفوظ وقفه على مكحول، ورواه ابن ماجه] 1782 [عن أبي أمامة مرفوعا بعنعنة بقية.
واختلفوا في معناه.
فقيل: لا يشغف بحب الدنيا؛ لأنه موت قال عليه الصلاة والسلام: (لا تدخلوا على هؤلاء الموتى، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الأغنياء).
وقيل: يأمن من سوء الخاتمة، قال الله تعالى:} أو من كان ميتا فأحييناه {أي: كافرا فهديناه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في (الروضة): ويحصل ذلك بمعظم الليل.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنه يحصل بأن يصلي العشاء والصبح في جماعة).
وروى ابن ماجه في (سننه)] 1302 [من حديث عياض الأشعري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالتقليس في العيدين) وهو: الضرب بالطبل والدف ونحوهما؛ لأنه من شعار الإسلام.
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ
هِيَ سُنَّةٌ،
باب صلاة الكسوف
(الكسوف والخسوف) قيل: مترادفان، يقال: كسفت الشمس والقمر إذا ذهب ضوءهما، وانكسفا وانخسفا وخسفا.
وقيل: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وصححه الجوهري.
فعلى هذا: يكون التبويب لأحدهما، وخص بالشمس؛ لأنها أشهرهما، أو لأن المصنف يرى أنه يطلق عليهما.
وقيل: الكسوف أول ذهاب الضوء، والخسوف آخره، واللفظان مأخوذان من قولهم: فلان كاسف الحال أي: متغيره.
وأصل الباب قبل الإجماع: قوله تعالى:} لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن {، أي: عند كسوفهما؛ لأنه أرجح من احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما؛ لأنهم كانوا يعبدون غيرهما أيضا، فلا معنى لتخصيصهما بالنهي.
قال: (هي سنة) سواء وقع ذلك في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أو غيرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك .. فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم).
ويكره تركها، وإنما لم تجب لقوله صلى الله عليه وسلم لما سأله الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع).
وفي (الحاوي) في صلاة التطوع وجه: أنها فرض كفاية، وجزم به الخفاف في (الخصال) قبيل (الزكاة).
فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ (الفَاتِحةَ) وِيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ)، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثُمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رِكْعَةٌ، ثُمَّ يُصَلَّي ثَانِيَةٌ كَذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ لِتَمَادِي الكُسُوفِ، وَلَا نَقْصُهُ لِلانْجِلَاءِ فِي الأَصَحِّ
والمخاطب بها: المخاطب بالصلوات الخمس.
وتستحب للنساء ذوات الهيئات في بيوتهن، وغير ذوات الهيئات مع الإمام، وإذا صلين في بيوتهن .. لا يستحب لهن الخطبة، فلو ذكرتهن إحداهن .. كان حسنا.
قال: (فيحرم بنية صلاة الكسوف، ويقرأ (الفاتحة) ويركع، ثم يرفع ثم يقرأ (الفاتحة) ثم يركع ثم يعتدل ثم يسجد، فهذه ركعة، ثم يصلي ثانية كذلك) أي: ثم يسلم فهذه ركعتان، في كل ركعة قيامان وركوعان، ويقرأ (الفاتحة) في كل قيام، ويسجد سجدتين في كل ركعة كغيرها من الصلوات.
وهذه الكيفية رواها البخاري] 1052 [ومسلم] 907 [من رواية ابن عمر إلا أنهما لم يصرحا بقراءة (الفاتحة) في كل ركعة.
لكن في ذكره النية نوع تكرار؛ لأنه ذكرها في (صفة الصلاة)، ولهذا أهمل ذكرها في (صلاة العيد) و (الاستسقاء).
والذي ذكره المصنف هو الأقل في كيفيتها، ومقتضاه: أنه لا يجوز الاقتصار على ركوع واحد في كل ركعة كصلاة الصبح، وهذا هو الصحيح في (الروضة) و (المهمات).
والذي وقع في (شرح المهذب) من استحباب الركوع الثاني، وأنه لو اقتصر على ركوع واحد كسنة الظهر .. صحت وكان تاركا للأفضل .. خلاف الصحيح.
قال: (ولا يجوز زيادة ركوع ثالث لتمادي الكسوف، ولا نقصه للانجلاء في الأصح) كغيرها من الصلوات لا يزاد على أركانها ولا ينقص منها.
والثاني- وبه قال أحمد وابن خزيمة وابن المنذر والخطابي والصبغي-: تجوز الزيادة حتى تنجلي؛ جمعا بين الأحاديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، في كل ركعة ثلاث ركوعات، وروى: (أربعة) أخرجهما مسلم] 901/ 6 [] 908 [، وروى: (خمسة) أخرجها أحمد] 5/ 134 [وأبو داوود] 1175 [والحاكم] 1/ 333 [.
وَالأَكْمَلُ: أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ (الفَاتِحَةِ): (الْبَقَرَةَ)، وَفِي الثَّانِي كَمِئَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا، وفَي الثَّالِثِ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابعِ: مِئةٍ تَقْرِيباً
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: إذا صح الحديث .. فهو مذهبي، واعتذر جمهور الأصحاب عن ذلك بأن أحاديث الركوعين أشهر وأصح، وهي في (الصحيحين).
قال الشيخ: ولا يصح الاعتذار بذلك إلا إذا كانت الواقعة واحدة واختلف الرواة فيها، أما إذا كانت وقائع فلا تعارض.
والوجهان في النقص للانجلاء بنوهما على الوجهين في الزيادة.
وقول المصنف: (ولا نقصه) أي: ولا نقص الركوع الثاني، ولا يمكن عوده على المذكور في الكلام فإنه الثالث، ولو حذف لفظة (ثالث) .. كان أخصر وأصوب، ثم إن الخلاف لا يختص بزيادة الثالث، بل الرابع والخامس كذلك، أما الزائد على الخامس .. فممنوع جزما؛ لأن المروي في الأحاديث زيادة الرابع والخامس فقط.
قال: (والأكمل: أن يقرأ في القيام الأول بعد (الفاتحة) (البقرة))؛ لما روى مسلم] 907 [: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الأولى قياما طويلا قدر (سورة البقرة)، وقالت عائشة رضي الله عنها: (حرزت قيامه الأول بقدر (سورة البقرة)).
والمراد: إذا كان يحسنها، فإن لم يحسنها .. قرأ قدرها.
قال: (وفي الثاني كمئتي آية منها، وفي الثالث مئة وخمسين، و) في (الرابع مئة تقريبا)؛ لما روى البخاري] 1052 [عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طول الأول على الثاني، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع).
والذي ذكره المصنف هو نص (الأم) و (البويطي)، ونص في موضع آخر منه: أنه يقرأ في الثاني نحو (آل عمران)، وفي الثالث نحو (سورة النساء)، وفي الرابع
وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكوعِ الأَوَّلِ قَدْرَ مِئَةٍ مِنْ (الْبَقَرَةِ)، وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ، وَالثَّالِثِ سَبْعِينَ، وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تَقْرِيباً،
نحو (سورة المائدة)، وليس ذلك باختلاف وإنما هو للتقريب.
والمعتبر في الآيات: الوسط، لا الطول كآية الدين.
فائدة:
(سورة البقرة) فساط القرآن وسنامه ولبابه، تعلمها عمر رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة، وابنه عبد الله في ثمان سنين.
قال ابن العربي: فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر، أخذها بركة، وتركها حسرة، لا تستطيعها البطلة- وهم: السحرة- لمجيئهم بالباطل، إذا قرئت في بيت .. لم تدخله مردة الشياطين ثلاثة أيام.
قال: (ويسبح في الركوع الأول قدر مئة) آية (من (البقرة)، وفي الثاني) قدر (ثمانين، و) في (الثالث سبعين، والرابع خمسين تقريبا)؛ لما روى مسلم] 901/ 3 [عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قام وكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر وركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر وركع ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، ثم سجد، ثم فعل في الركعة الأخيرة مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف).
وإنما كانت تقريبا؛ لعدم ورود تقدير فيه من الشارع.
وقوله: (سبعين) هو بتقديم السين، ووقع في (التنبيه) بتقديم التاء على السين، وقيل: بقدر ثمانين، وقيل: خمس وثمانين، وقيل: ما بين الثمانين إلى التسعين.
والصواب: أنه يقول في الاعتدال عن كل ركوع: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، كما في حديث عائشة المتقدم، وبه صرح في (الشرح) و (الروضة).
وَلَا يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الأَصَحِّ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: تَطْوِيلُهَا ثَبَتَ فِي (الصَحِيحَيْنِ) وَنَصَّ فِي (الْبُوَيْطِيِّ): أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ
وقال الماوردي: لا يقول ذلك في الرفع الأول، بل يرفع مكبرا؛ لأنه ليس باعتدال، ونقله عن النص، ولهذا عبر في (المنهاج) عنه بالرفع، وفي الثاني بالاعتدال.
قال: (ولا يطول السجدات في الأصح)، كما لا يطول الاعتدال من الركوع الثاني والجلوس بين السجدتين والتشهد، ولو عبر بالأظهر كما في (الروضة) .. كان أحسن.
قال: (قلت: الصحيح: تطويلها ثبت في (الصحيحين)] خ 1051 - م 910 [) من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما.
قال: (ونص في (البويطي): أنه يطولها نحو الركوع الذي قبلها والله أعلم) هو كما قال، وبه قال ابن سريج وابن المنذر والخطابي وقال: إنه مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه والبندنيجي والبغوي، ولا يعرف للشافعي نص يخالفه وينبغي القطع به.
و (البويطي): نسبة إلى بويط قرية من صعيد مصر الأدنى، وهو أبو يعقوب، يوسف بن يحيى، وكان من أجل أصحاب الإمام الشافعي رضي الله عنه وخليفته بعده في حلقته، مات في السجن والقيد ببغداد، سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وقيل: سنة إحدى، وامتحن ليقول بخلق القرآن فثبته الله بالقول الثابت، وكان لسانه لا يزال رطبا بذكر الله عز وجل.
تنبيهان:
أحدهما: ظاهر عبارته: أنه لا يطيل الجلوس بين السجدتين، وبه جزم البغوي والغزالي.