النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 253-281
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَهِيَ الَّتي لاَ يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكَّرُ إِلَى مَوْضِعِهِ لَيْلًا, وَقِيلَ: مَسَافَةُ قَصْرٍ, وَمَنْ بِقَرِيَبِه كَحَاضِرٍ ... فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنُتُهُ وَيَحْكُمُ بِغَيِر حُضُوِرِهِ إِلَّا لِتَوَارِيِه أَوْ تَعَزُّزِهِ,  قال: (وهي التي لا يرجع منها مبكر إلى موضعه ليلًا) , لما في إيجاب الحضور عليه منها من المشقة الحاصلة بمفارقة الأهل والوطن في الليل.
هذا كله إذا كان الخصم الخارج عن البلد في محل ولاية القاضي, فإن كان خارجها ... فيجوز أن يسمع الدعوى عليه, ويحكم ويكاتب, قاله الماوردي وغيره.
قال: (وقيل: مسافة قصر) , لأن الشارع اعتبرها في مواضع, والقريبة ما دونها.
قال: (ومن بقريبة كحاضر .. فلا تسمع بينته ويحكم بغيرحضوره) , لأن القضاء مبني على الفصل بأقرب الطرق, ولو حضر ربما أقر فأغنى عن سماع البينة والنظر فيها.
قال الرافعي وغيره: ويجري الخلاف فيما إذا كان بالبلد وتأتى إحضاره, والأشبه تخصيصه بما إذا كان جميع البلد في محل ولاية القاضي, فإن كان موضع الخصم في غير محل ولايته .. فكما لوكان خارج البلد.
وإذا قلنا: تسمع البينة على الحاضر .. لم يحكم عليه بها في الأصح إلى أن يأتي فيبدي مطعنًا إن أمكنه, بخلاف الغائب عن البلد, فإن انتظاره يطول.
قال: (إلا لتواريه أو تعززه) فحينئذ يجوز سماع الدعوى والبينة والحكم عليه, لتعذر الوصول إليه كالغائب, وإلا ... لا تخذ الناس ذلك ذريعة إلى إبطال الحق.
وقيل: لا يجوز ولا يلتحق الامتناع بالعجز, وفي حلف المدعي كما يحلف في القضاء علي الغائب وجهان: قطع بعضهم بالمنع لتفريط الخصم.

وَالأَظْهَرُ: جَوَازُ اَلقَضَاءِ عَلَى اَلغَائِبٍ فِي ِقَصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ, وَمَنَعُهُ فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالى.
وَلَوْ سَمِعَ بَيِّنَهُ عَلَى غَائِبٍ فَقَدِمَ قَبْل اَلْحُكْمِ .... لَمْ يَستَعِدْهَا,  قال: (والأظهر: جواز القضاء علي الغائب في قصاص وحد قذف, ومنعه في حدود الله تعالى) كحد الزنا والشرب وقطع الطريق إذا اعترف بها عند القاضي الكاتب, أو قامت عليه البينة بها ثم هرب.
والفرق: أن المقصود بالكتاب الاستيثاق, وحق الله تعالى مبني على المسامحه والدرء, بخلاف حق الآدمي.
والثاني: الجواز مطلقًا كالأموال.
والثالث: المنع مطلقًا؛ لخطر الدماء.
وما اجتمع فيه حق الله وحق الآدمي كالسرقة .. يقضى فيها علي الغائب بالمال دون القطع, وحقوق الله تعالى الماليه كحقوق الآدميين علي المذهب, فلهذا عبر المصنف بالحدود دون الحقوق.
فرع: لا تسمع الدعوى والبينة على الغائب بإسقاط حق له, كما لو قال: له علي ألف قضيته إياها, أو أبرأني منه ولي بينة به, ولا آمن إن خرجت إليه أن يطالبني ويجحد القبض أو الإبراء, فاسمع بينتي واكتب بذلك إلى قاضي بلده ... لم يجبه؛ لأن الدعوى بذلك والبينة لا تسمع إلا بعد المطالبة بالحق.
قال ابن الصلاح: وطريقه في ذلك أن يدعي إنسان أن رب الدين أحاله به, فيعترف المدعى عليه بالدين لربه وبالحوالة, ويدعي أنه أبرأه منه أو أقبضه, فتسمع الدعوى بذلك والبينة وإن كان رب الدين حاضرًا بالبلد.
قال: (ولو سمع بينة علي غائب فقدم قبل الحكم .. ولم يستعدها) , بخلاف شهود الأصل إذا حضروا بعدما شهد شهود الفرع قبل الحكم .. لا يقضي بشهادتهم؛ لأنهم بدل, ولا حكم للبدل مع وجود الأصل.
وأفهم قوله: (قبل الحكم) عدم الاستعادة بعده من باب أولى, بل على حجته.

بَلَ يُخْبِرُهُ وَيُمَكَّنُهُ مِنَ الجَرَحِ, وَلَوْ عُزِلَ بَعْدَ سَمَاعِ بَيِّنَهٍ ثُمَّ وُلِّىَ .. وَجَبَتِ الِاسْتِعَادَهُ.
وَإِذَا اَسَتُعِدَى عَلَى حَاضِرٍ بِاَلبَلَدِ .. أَحَضَرَهُ  في إقامه البينة بالأبراء وجرح الشهود.
قال: (بل يخبره ويمكنه من الجرح) , وكذلك كل ما أشبهه مما يمنع شهادتهم عليه من عداوة, وتقدم على بينة التعديل.
قال الرافعي: ويشترط أن يؤرخ الجارح فسقه يوم الشهادة؛ لأنه إذا أطلق .. أمكن حدوثه بعد الحكم.
أھ ولا معني لاشتراطه يوم الشهادة, بل لو جرحه قبلها ولم يمض زمن الاستبراء .. فكذلك, فإن مضت .. ولم يؤثر الجرح كما صرح به الماوردي.
فرع: حكم علي بناء علي أنه بمسافة بعيدة, فبان أنه كان قد قدم البلد, أو صار على مسافة قريبة, فهل نقول: الحكم صحيح بناء علي ظاهر الحال؟ أو فاسد بناء على ما في نفس الأمر؟ تقدم في (النكاح) عن القفال: أنه لو زوج امرأة بحكم غيبة وليها, ثم بان_ كما ذكرنا أن النكاح لا يصح .. فنظيره هنا أن لا يصح الحكم, وهو متجه, ولكن الفرق بين البابين ظاهر.
قال: ولو (عزل بعد سماع بينة ثم ولي .. وجبت الاستعادة) بلا خلاف؛ لأن السماع الأول بطل بالعزل, فلو خرج عن محل ولايته ثم عاد .. فله الحكم بالسماع الأول علي الصحيح, وقيل: لا؛ لعروض ما يمنع من الحكم, وهذه المسألة لا تعلق لها بهذا الباب بخصوصه, وإنما ذكرها استطرادًا, وكذا التي بعدها؛ لأن الباب معقود للغائب.
قال: (وإذا استعدي على حاضر بالبلد) أي: متأهل لسماع الدعوى والجواب عنها (.. أحضره) أي: وجوبًا؛ إقامه لشعار الأحكام, ورعاية لمراتب الحكام

بِدَفْعِ خَتْمِ طِين رَطْبٍ أَوْ غَيْرِهِ  وقال مالك: إن كان من أهل المروءات .. لم يحضره إلا أن تعرف بينهما معاملة؛ صيانة له عن الابتذال.
وعن ابن سريج: أنه يحضر ذوي المروءات في داره لا في مجلس الحكم, والمذهب: أنه لا فرق, ولكن استثني الشيخ من ذلك في (باب الفلس) حاضرًا وقعت الإجارة على عينه وكان يتعطل بحضوره مجلس الحكم حق المستأجر.
ومقتضي إيجاب الإحضار وجوب الحضور, وهو كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إَنَّمَا كَا، قَولَ الَمُؤمِنِيِنَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُوِلِهِ لِيَحكُمَ بَيَنهُم أَن يَقُوِلُوا سَمِعنَا وَأَطَعنَاَ﴾ قال الإمام: وذلك لأجل إجابه القاضي, فلو لم يطلبه القاضي وطلبه الخصم .. لم يجب الحضور, بل الواجب الأداء إن كان عليه, لكن المذكور في (الحاوي) و (المهذب) و (البيان) وجوب الحضور مطلقًا؛ لظاهر الآية.
ويوم الجمعة كغيره, إلا إذا صعد الخطيب المنبر .. فلا يحضر أحد إلي الفراغ من الصلاة كما قاله الرفعي في آخر (باب الدعاوى).
واليهودي يحضر يوم السبت, ويكثرعليه سبته.
والاستعداء: من أعدى عليه الحاكم يعدي إذا ترك العدوان, وهو الظلم, كقولهم أشكاه؛ أي: ازال شكواه.
قال: (بدفع ختم طين رطب)؛ ليعرضه علي الخصم, وليكن مكتوبًا عليه أجب القاضي فلانًا, وقد هجر هذا في هذا الأعصار, فالأولي ما اعتيد من الكتابة في كأغد.
قال: (أو غيره)؛ لما روى البزار [768] وأبو يعلى [294] وأحمد [1/ 151] عن علي ابن أبي طالب: أن امرأة الوليد بن عقبة جاءت إلى رسول الله عليه وسلم تشكو إليه الوليد فقال لها: (ارجعي فقولي له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجارني (ثم جاءت فقالت: يا رسول الله؛ ما أقلع عني, قالت: فقطع رسول الله صلي الله عليه وسلم هدبة من ثوبه وقال: اذهبي بهذه وقولي له: إن رسول الله

أَوْ بِمُرَتَّبُ لِذَلِكَ¸فَإِنِ أمَتَنَع بِلَا عُذْرٍ .. أَحْضَرَهُ بِأَعْوَانِ الَسُّلْطَانِ  صلي الله عليه وسلم قال: هذه هدبة من ثوبه, وقولي له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجارني, قال: فلم تلبث إلا يسيرًا حتي رجعت فقالت: ما زادني إلا ضربًا, فرفع صلي الله عليه وسلم يديه وقال: (اللهم, عليك بالوليد بن عقبة أثم بي مرتين).
قال البزار: وفي هذا الحديث من الفقه إباحه العدوى علي الخصم إذا لم يحضر مع خصمه, لأن الهدبه من الثواب إعداد عليه ليحضر مثل الخاتم, وهذه السنة باقية إلي اليوم بالحجاز.
قال: (أو بمرتب لذلك) من الأعوان علي أبواب الحكام؛ صيانة للحقوق, وتكون مؤنة المحضر حينئذ علي الطالب إن لم يكن رزق من بيت المال, وإذا بعث بالختم فلم يجب .. بعث العون إليه.
ويلزم المطلوب الحضور, إلا أن يعلم أن القاضي المطلوب إليه يقضي عليه بالجور برشوة أو غيرها .. فيسعه باطنًا أن من الحضور, وأما في الظاهر .. فلا يسوغ.
قال: (فإن امتنع بلا عذر) كما إذا امتنع لسوء أدب (.. أحضره بأعوان السلطان) , توصلًا إلى إقامة الأحكام علي أربابها, وتكون المؤنة في هذه الحالة علي المطلوب علي الصحيح, لامتناعه, وقيل: علي الداعي.
فإن كان عذر كمرض أو حبس أو خوف من ظالم ... بعث إليه من يحكم بينهما, أو يأمره بالتوكيل, فإن وجب تحليفه .. بعث إليه من يحلفه, فإن اختفى .. نودي علي بابه إن لم يحضر إلي ثلاث .. سُمَّر بابه أو ختم, فإن لم يحضر فيها .. سُمِّر أو ختم بطلب المدعي إذا ثبت عنده أنها داره, فإن عرف موضعه .. بعث نسوة وصبيانًا وخصيانًا يهجمون عليه.
وإذا امتنع بعد وقوفه على أماره الطلب .. أشهد عليه الخصم شاهدين أنه امتنع, فإذا ثبت عند القاضي امتناعه .. بعث إلى صاحب الشرطة ليحضره, ولا يبالغ القاضي في طلب تزكية الشاهدين بالامتناع, وينبغي الاكتفاء بإخبار عدل واحد.

وَعَزَّرَهُ, أَوْ غَائِبٍ فِي غَيِر مَحَلِّ وَلاَيَتِهِ .. فَلَيسَ لَهُ إِحْضَارُهُ, أَو فِيهَا وَلَهُ هُنَاَك نَائِبُ .. لَم يُحضِرهُ, بَلْ يَسْمَعُ بَيّنةً وَيَكْتُب إِلَيِه, أَوْ لَا نَائِبَ .. فَالأَصَحُّ: ُيحضرهُ مِنْ مَسَافةِ العَدوَى فقَط, وَهِيَ الَّتي يَرْجِعً مِنْهَا المُبَكِّرُ لَيلًا,  قال القفال: ولا يجوز أن يبعث إليه عون السلطان في أول وهلة حتى يشهد عدلان أنه أبي المجيء.
قال: (وعزره)؛ لامتناعه نت طاعة أولي الأمر, وليس التعزير بحتم, بل إن شاء .. عفا عنه, وإن شاء .. عزره بالكلام أو غيره.
قال: (أو غائب في غير محل ولايته .. فليس له إحضاره) , لعدم ولايته عليه.
قال: (أو فيها وله هناك نائب .. لم يحضره, بل يسمع بينة ويكتب إليه)؛ لأن في إحضاره مشقة مع إمكان الحكم في ذلك الموضع الذي هو فيه, وقيل: يحضره بطلب الخصم, وقيل: يتخير.
قال: (أو لا نائب .. فالأصح: يحضره من مسافة العدوى فقط, وهي التي يرجع منها المبكر ليلًا) أي: إلي موضعه, فإن كان أكثر من ذلك .. لم يحضره.
والثاني: يحضره من دون مسافة القصر لا منها.
والثالث_ وبه قطع العراقيون_: يحضره وإن بعدت المسافة؛ لأن عمر استحضر من نيف وعشرين يومًا, واستحضر قومًا من قنسرين إلى المدينة.
وقيل: يحضره من دون ثلاثة أيام, حكاه القاضي شريح, والذي رجحه المصنف تبع فيه (المحرر) , ومقتضى كلام (الروضة (و (الشرح) موافقة العراقين, لأن عمر استدعى المغيرة بن شعبة في القصة المشهورة من البصرة إلى المدينة, وإذا كان هذا في حق الله تعالى .. ففي حق الآدمي أولى.
وإذا استعدي علي امرأه خارجة عن البلد .. فالأصح: أنه يبعث إليها محرمًا أو نسوة ثقات كما في الحج.
تنبيه: أطلق المصنف الإحضار, وشرطه بعد تحرير الدعوى وصحة سماعها, وبهذا

وَأَنَّ اَلمُخدَّرَةَ لَا تُحْضَرُ,  صرح العراقيون ومنهم الماوردي والجرجاني وغيرهما, وجزم به في (البيان) و (الإستقصاء).
وعبارة (التنبيه): لم يحضره حتى يحقق المدعي دعواه, فإن حقق الدعوى .. أحضره, وأقره المصنف عليه في (التصحيح) , وجزم به صاحب (الإشراف) و (الكافي) وغيرهما من المراوزه.
وقال الإمام والغزالي وصاحب (العدة): لا يحضره حتي يقيم البينة, وأشار الرافعي إلى تفردهم بذلك, وقال في (المطلب): إنه تعطيل للحقوق؛ إذ ليس لكل خصم بينة.
وقال العراقيون: لا يتعين الإحضار, بل إن أراد أن يرسل إليه من يحكم بينهما .. فعل, واستأنسوا له بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم أنيسًا للمرأه المقذوفة.
هذا إذا لم يكن هنال من يتوسط بينهما, فإن كان وهو صالح للقضاء .. فهو بمنزلة خليفة القاضي, فيكتب إيه, وإلا .. فيحضره .. فائدة: قيل للمدة التي تقطع في اليوم عدوى؛ لأن القاضي يعدي فيها إذا استعدي علي الغائب, والإعداء: الإعانة, وتطلق العدوى علي مجاوزة المرض من صاحبه إلى غيره, فإنهم كانوا يعتقدون أن المرض بنفسه يتعدى, فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس الأمر كذلك, بل الله هو الذي يمرض وينزل الداء.
قال علي لطلحة يوم الجمل: (عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق, فما, عدى فيما بدى)؛ لأنه بايعه بالمدينة بعد ما ظهر منك من الطاعة والمبايعة.
قال: (وأن المخدرة لا تحضر)؛ دفعًا للمشقة عنها, وسبيل القاضي معها كسبيله مع المريض ونحوه, لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم الغامدية جهرًا, وقال

وَهِيَ مَنْ لَا يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِحَاجَاتٍ  في الأخرى: (اغد يا أنيس إلى امرأه هذا, فإن اعترفت .. فأرجمها) قالوا: وكانت الغامدية برزة والأخرى بالضد؛ لأن الغامدية حضرت بنفسها, وإرسال أنيس إنما كان لإعلامها بالقذف.
والثاني: تحضر كغيرها, وبه أفتى القفال, وقال: لا معني للتخدر عندي، وليس له أصل في الشرع.
فعلي الصحيح: إذا وجب عليها اليمين أرسل إليها من يحلفها, وإذا اقتضى الحال تغليظ اليمين بالمكان .. فالأصح: أنها تكلف الحضور إليه كما تقدم في (اللعان).
و (المخدرة): الملازمة للخدر وهو الستر, ويقال لها: الخفرة من الخفر وهو شدة الحياء, وقوله: (لا تحضر) بضم أوله وفتح ثالثه, مضارع أحضر.
قال: (وهي من لا يكثر خروجها لحاجات) كشراء الخبز والقطن وبيع الغزل, فإن كانت لا تخرج نادرًا لزيارة أو حمام .. فمخدرة.
وقال الإمام: المخدرة: من لا تخرج اصلًا.
وقال ابن أبي الدم: الأمر في ذلك إلى العرف.
وقال ابن الرفعة: هي من لا تخرج لحوائجها, وإن خرجت ... استخفت.
وأفهمت عبارة المصنف أن كونها في عدة أو اعتكاف لا يكون مانعًا من حضور مجلس الحكم, وبه صرح الصيمري في (الإيضاح) , لكن المريضة في حكم المخدرة.
تتمة: لو كانت برزة ثم لازمت الخدر .. قال القاضي حسين في (الفتاوى): حكمها حكم الفاسق يتوب, فلا بد من مضي سنة وفي قول نصفها.
ولو اختلفا في كونها مخدرة .. قال الماوردي والروياني: إن كانت من قوم الغالب

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  علي نسائهم التخدر .. صدقت فيه بيمينها, وإلا .. صدق هو بيمينه.
وقال القاضي: عليها البينة, وتمهل لإقامتها.
... خاتمة تصرف القاضي في مال الغائب مقيمًا كان أو غيره يكون بالحفظ والتعهد, فإذا أشرف على الهلاك .. أتى بما يقتضيه الحال بشرط الغبطة الائقة, فإن كان حيوانًا وخيف علي الهلاك .. باعه, وإن حصلت الحصانة بالإجارة .. اقتصر عليها، وله إيجار ملك الغائب وإقراض ماله, فإن كان للغائب دين .. لم يكن للحاكم استقضاؤه, إلا أن يكون موروثًا وأوصى الموروث باستقضائه .. فإن الحاكم ينصب له أمينًا يتقاضاه ويحفظه حتى يحضر صاحبه.
وقد ذكر الرفعي المسألة في أبواب بينها في (المهمات) , وأما ما لم يتعين له مالك وحصل اليأس من معرفته .. فيبيعه ويصرف ثمنه في المصالح, وله أن يحفظه.


بًابُ الْقِسْمَةِ قَدْ يَقْسِمُ الشُّرَكَاءُ أَوْ مَنْصوُبُهُمْ ًاوْ مَنْصُوبُ الإِمَامِ,  باب القسمة هي تمييز بعض الأنصباء من بعض.
والقسام: الذي يقسم الأشياء بين الناس, قال لبيد [من الكامل]: فارضى بما قسم المليك فإنما ... قسم المعيشة بيننا قسَّامُها ولم يبوب لها في (المحرر) أيضًا.
وهي بكسر القاف: الاسم من قسم يقسم.
وهي عند العراقيين نوعان: قسمة رد, وقسمة لا رد فيها, وعند المراوزة ثلاثة أنواع: قسمة رد, وقسمة إفراز, وقسمة تعديل.
ووجه ذكرها في خلال القضاء: أن القاضي لا يستغني عن القسام للحاجة إلى قسمه المشتركات, بل القاسم كالحاكم فحسن الكلام في القسمة مع الأقضية.
والأصل في جوازها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَأِذَا حَضَرَ اَلِقْسمَةَ﴾ الآية, وقوله: ﴿وَنَبِتٌهٌمْ أنَّ المَاءَ قِسَمةٌ بَيَنَهُمْ﴾.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (الشفعة فيما لم يقسم).
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون الغنائم, وكان له قسام.
ولا خلاف بين المسلمين في جوازها ووجوبها, فالحاجة داعية إليها, لأنه قد يتبرم الشركاء أو بعضهم بالمشاركة, ويريدون الاستبداد بالتصرف, ولهذا نقل في (التهذيب) و (الكافي) عن الأصحاب أنه لا يجوز للإمام أن يخلي نواحي الإسلام من قسام تحصل بهم الكفاية.
قال: (قد يقسم الشركاء أومنصوبهم أو منصوب الإمام) , لحصول الغرض بكل

وَشَرْطً مَنْصُوِبهِ: ذَكَرُ, حًرُّ, عَدْلُ, يَعْلَمُ الِمسًاحَةَ وَالحِسَابَ, فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ .. وَجَبَ قَاسِمَانِ, وَإِلَّا .. فَقَاسِمٌ, .....

 ذلك, وفي قول: لا يجوز أن يحكموا رجلًا في القرعة.
قال: (وشرط منصوبه: ذكر, حر, عدل)؛ لأنها ولاية, ومن لا يتصرف بذلك ليس أهلًا للولايات, ولأنه يلزم كالحكام, ولأن القسام أعوان الحكام, فيلزم الحاكم أن يختار من القاسمين من تكاملت فيه شروط القسمة.
وذكر في (المحرر) مع هذه الشروط التكليف, وحذفه المصنف, لدخوله في وصف العدالة.
قال: (يعلم المساحة والحساب) لأنهما آله القسمة, والمساحة: ذرع الأرض, وأعتبر الماوردي والبغوي مع ذلك أن يكون نزهًا قليل الطمع, وهل تشترط معرفة التقويم؟ فيه وجهان؛ لأن في أنواع القسمة ما يحتاج إليه, ومقتضى كلام الجمهور: أنه ليس بشرط.
وبه صرح البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ فجعلوه مستحبًا, فإن جهلها .. جاز, ويرجع إلي إخبار عدلين.
وخرج ب (منصوب الإمام) منصوب الشركاء إذا لم يكن فيهم طفل ولا مجنون؛ فإنه لا يشترط فيه العدالة ولا الحرية, لأنه وكيل لهم, قال الرافعي: كذا أطلقوه.
وينبغي أن يكون في توكيل العبد في القسمة الخلاف في توكيله في البيع والشراء.
فإذا كان فيهم محجور عليه لصغر أو جنون أو سفه .. فلا بد في قاسمهم من العدالة.
واعتبر شريح الروياني إذن الإمام في ذلك, ولو حكموا رجلًا فيها .. جاء خلاف التحكيم, فإن جوزناه .. فهو كمنصوب القاضي.
قال: (فإن كان فيها تقويم .. وجب قاسمان)؛ لأنها شهادة بالقيمة, وظاهر كلام المصنف أنه لا خلاف فيه, وبه صرح في (البسيط).
قال: (وإلا .. فقاسم) أي: إذا لم يكن فيها تقويم .. ففي الأصح: يكفي قاسم، لأن قسمته تلزم بنفس قوله فأشبه الحاكم, وحيث اكتفينا به ... قبل الحاكم قوله وحده؛ لأنه نائبه, وحيث اشترطنا اثنين .. قبل قولهما دون أحدهما

وَفِي قَوْلٍ: اثْنَانِ وَلِلإمَامِ جَعْلُ الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَقْوِيمِ فَيَعْمَلُ فِيهِ بِعَدْلَيْنِ, وَيَقْسِمُ ......

 ولا يحتاج القاسم إلى لفظ الشهادة على المشهور, لأنها تستند إلى عمل محسوس.
وفي (الصحيح) في قصة الحمار الوحشي العقير لما قال صاحبه: شأنكم به .. أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق.
قال: (وفي قول اثنان) كالمقومين والحكمين في جزاء الصيد, وادعي القاضي أنه المنصوص, وأن الأول مخرج ومأخذهما أنه حاكم أو شاهد, والراجح الأول, لأنه قسمته تلزم بنفس قوله, ولأنه يستوفي الحقوق لأهلها.
وفي معني التقويم: ما إذا كان فيها خرص, لكن قال المصنف في (تصحيحه): الأصح: الاكتفاء بواحد, وهو نظير ما صححاه في (الزكاة) , ويؤيده ما صح: (أنه صلي الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة خارصًا).
وقال الإمام: القياس أنه لا بد من اثنين, ولا يتجه بين الخرص التقويم فرق, فإن كل واحد منهما مبني قوله علي التخمين والحدس, وفرق الإمام بأن الخارص يعمل بإجتهاده فكان كالحاكم, والمقوم يخبر بقيمة الشيء فهو كالشاهد.
قال: (وللإمام جعل القاسم حاكمًا في التقويم فيعمل فيه بعدلين, ويقسم) هذا كالمستثنى من اشتراط العدد.
وصورة المسأله: أن يفوض إليه سماع البينة فيه, وأن يحكم به, وحينئذ فله اعتماد قوله وحده, فلو فوض إليه أن يحكم باجتهاده في التقويم .. لم يجز كما قاله الإمام والغزالي وإن قلنا إن القاضي يقضي بعلمه, لأنه لا معني له.
فلو لم تكن القسمة بإذن الحاكم بل المفوض لها الشركاء ... ففي (الحاوي).

وَيَجَعَلُ الإِمَامَ رِزْقَ مَنْصُوِبِه مِنْ بَيْتِ المَالِ, فَإَنْ لَمْ يَكُنْ .. فَأُجرَتُهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ, فَإَنِ اسَتَاجَرُوُهُ وَسَمَّى كُلُّ قَدْرًا .. لَزِمَهُ,  و (البحر) أنهم يحملونه في العدد على ما اتفقوا عليه من واحد أو أكثر, ولا يقبل الحاكم قول هذا القاسم, لأنه ليس نائبًا عنه, ولا تسمع شهادته, لأنه يشهد على فعل نفسه.
قال: (ويجعل الإمام رزق منصوبه من بيت المال) , لأنه من المصالح العامة, وكان علي رضي الله عنه يرزق قاسمه عبد الله بن نجي من بيت المال, ولكن ما يرزقه قدر كفايته وكفاية عائلته وغلمانه على ما يليق به من النفقة والكسوة وغيرهما.
وقيل: لا يرزقه من بيت المال, ولأنه لا يحتاج إلى تفريغ النفس لهذا العمل, بخلاف القاضي.
قال: (فإن لم يكن .. فأجرته علي الشركاء) سواء طلب القسمة جميعهم أم بعضهم, لأن العمل لهم, وقيل: علي الطالب وحده.
وخالف القاضي حيث امتنع عليه أن يعتاض علي الحكم, لأن القضاء حق الله تعالى, والقسمة محض حق الآدمي, وأيضًا فللقاسم عمل يباشره فالأجرة في مقابلته, والحاكم مقصور علي الأمر والنهي, ولا ينصب حينئذ قاسمًا معينًا, بل يدع الناس يستأجرون من شاؤوا.
قال: (فإن استأجروا وسمَّى كل قدرًا .. لزمه) قل أوجل, تساووا فيه أو تفاضلوا, ومحل الجزم به إذا استأجروه جميعًا بأن قالوا: استأجرناك لتقسم بيننا كذا بدينار علي فلان ودينار علي فلان مثلًا, أو وكلوا كيلًا عقد لهم كذلك.
فإن استأجروه في عقود مرتبة فعقد واحد لإفراز نصيبه ثم الثاني كذلك ثم الثالث .. جاز عند القاضي حسين, وأنكره الإمام وقال: لا سبيل إلى استقلال بعضهم بالاستئجار لإفراز نصيبه, لأن فيه تصرفًا في نصيب غيره بالتردد والتقدير, قال: فإن انفراد أحدهم برضاهم .. كان أصلًا ووكيلًا , ولا حاجة إلى عقد الباقين.

وَإِلَّا .. فَالأٌجْرَةُ مُوَزَّعَةُ عَلَى الْحِصَصِ, وَفِي قَوْلِ: عَلَى الُّرٌّؤُوسِ.
ثُمَّ مَا عَظُمَ الضُّرًرُ فِي قِسْمَتِهِ كَجَوْهَرَةِ وَثَوْبِ نَفِسَيْنِ وَزَوَجَي خُفّ؛ إِنْ طَلَبَ الُشَرَكَاءُ كُلُّهُمْ قِسْمَتَهٌ .. لَمْ يُجِبُهمُ الْقَاضِي, ......

 قال: (وإلا) أي: وإن لم يسموا له أجرة وأطلقوا التسميةه (. فالأجرة موزعة علي الحصص) لأنها من مؤن الملك فكانت كنفقة المشترك.
قال: (وفي قول: علي الرؤوس)؛ لأن العمل في النصيب القليل كهو في الكثير, بل قد يكون في الجزء القليل أغمض, هذه طريقة المراوزه, وتابعهم المصنف تبعًا ل (المحرر) وجزم العراقيون بالأول, وصححها في (الروضة) , وقال في (الكفاية): إنها أصح باتفاق الأصحاب, وهي الصواب.
هذا في غير قسمة التعديل, أما فيها .. فإنها توزع بحسب الحصص على الأصح؛ لأن العمل في الكثير أكثر.
ولو استأجروه لكتابة صك .. كانت الأجره علي قدر الحصص كما قطع به الرافعي في (كتاب الشفعة) قال: (ثم ما أعظم الضرر في قسمته كجوهرة وثوب نفيسين وزوجي خف؛ إن طلب الشركاء كلهم قسمته .. لم يجبهم القاضي)؛ لأنه سفه, وهذا يفهم المنع إذا طلبها بعضهم من باب أولى.
ومحل الجزم بعدم الإجابه إذا عظم الضرر, وهو أن تبطل المنفعة بالكلية, أما إذا نقصت كسيف يكسر .. فالأصح أنه لا يجيبهم أيضًا.
وقوله: (زوجي خف) يريد به فردتين, يقال: عندي زوجا خف وزوجا نعل, وزوجا حمام الذكرو الأنثى وكذا كل فردين لا يصلح أحدهما إلا بالآخر, والزوج اسم للفرد منهما.

وَلاَ يَمْنَعُهُمْ إِنْ قَسَمُوا بِأنْفُسِهِمْ إِنْ لَم تَبطُلْ مَنْفَعٌتُهُ كَسَيْفٍ يُكسَرُ, وَمَا يَبْطُلُ نَفًعُهُ اَلمَقْصُودُ كَحَمَّامٍ وَطَاَحُونِةٍ صَغِيرَينَ .. لَا يُجَابُ طَاِلبُ قِسْمَتِهِ فِي الأَصَحَّ, فَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَمَّامَيَنِ.
ِ. أُجِيبَ, وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشرُ دَارٍ لَا َيصلُحُ لِلسُّكْنَى وَالبَاقِي لِآخَرَ .. فَالأَصحُّ: إِجْبَاُر صَاحِبَ العُشرِ بِطَلَب صَاحِبِهِ  قال: (ولا يمنعهم إن قسموا بأنفسهم إن لم تبطل منفعه كسيف يكسر)؛ لإضاعه المال.
قال: (ومال يبطل نفعه المقصود كحمام وطاحونة صغيرين .. لا يجاب طالب قسمته) أي: جبرًا (في الأصح)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) رواه مالك [2/ 745] وغيره, وفي رواية: (نهي عن قسمة الضرار).
وقيل: ما لا ينتفع به بعد القسمة بوجه ما.
وقيل: ما ينقص القيمة نقصًا فاحشًا, وعلى هذين الوجهين يخرج مقابل الأصح في كلام المصنف, فيخرج بقوله: (مقصود) الوجه الثاني, وبقوله: (نفعه) الوجه الثالث الناظر للقيمة, والأصح للمنفعة, ونقصان القيمة بتبعها.
ولفظ (الحمام) تقدم أنه مذكر بلا خلاف.
و (الطاحونة): الرحى, فغلب المصنف المذكر في قوله: (صغيرين) , ولم يقل: صغيرتين.
قال: (فإن أمكن جعله حمامين) أو طاحونين (.. أجيب) أي: الطالب؛ لانتفاء الضرر.
ولو اجتاج إلى إحداث بئر ومستوقد .. أجبر أيضًا علي الأصح؛ لتيسر التدارك, وهذا يشبه الخلاف في بيع دار لا ممر لها مع إمكان تحصيله ببيع أوإجازة, لكن الصحيح هناك المنع؛ لأن شرط المبيع أن يكون منتفعًا به في الحال ولم يكن.
قال: (ولو كان له عشر دار لا يصلح للسكنى والباقين لآخر .. فالأصح: إجبار صاحب العشر بطلب صاحبه)؛ لأن الطالب ينتفع بالقسمة, وضرر صاحب العشر

دُونَ عَكسِهِ.
وَمَا لاَ يَعْظُمُ ضَرَرُهُ فُقِسْمَتُهُ أَنَواعٌ: أَحَدُهَا: بِالأَجْزَاءِ كَمِثْليَّ, وَدَارٍ مُتَّفِقِه أَبَنِيةٍ, وَأَرْضِ مُشْتَبِهَةِ الأَجْزَاءِ, فَجُبْرُ الْمُمْتَنِعُ, .....

 لا ينشأ من مجردها, بل سببه قلة نصيبه.
والثاني: المنع؛ للضرر الذي يلحقه.
قال: (دون عكسه)؛ لأنه متعنت مضيع لماله.
والثاني: يجبر؛ ليتميز ملكه.
فرع: لأربعه أرض، لواحد نصفها ولكل من الباقين السدس, ولا ضرر في قسمتها نصفين, وفي قسمتها أسداسًا ضرر بصاحب السدس, فطلب صاحب النصف القسمة .. فالثلاثة إن شاؤوا أخذوا النصف مشاعًا, أو يأخذ كل واحد السدس, فإن شاؤؤا اخذ النصف ثم أراد بعضهم إفراز نصيبه .. لم يجب إليه, ولو طلب الثلاثة القسمة ليأخذوا النصف .. أجبر صاحب النصف النصف, قاله الإمام والروياني.
قال: (وما لا يعظم ضرره فقسمته أنواع: أحدها: بالأجزاء كمثلي) وقد فسره في (كتاب الغصب) , ويشترط في الحبوب كونها سليمة, والنقد كونه خالصًا؛ فإن الحبوب المعيبة معدودة من المتقومات, وكذلك النقد المغشوش, ويظهر أثر ذلك فيما إذا جعلنا القسمة بيعًا.
وفي حكم المثلي: الثوب الغليظ الذي لا تنقص قيمته بقطعه، وكذا كل متساوي الأجزاء حتى اللبن المشترك في قالب واحد الأشكال, وأما المتفاوت القوالب .. ففيه الخلاف الآتي في قسمة التعديل.
قال: (ودار متفقة أبنية, وأرض مشتبهة الأجزاء, فيجبر الممتنع) , سواء كانت الأنصباء متساوية أو متفاوتة؛ لينتفع الطالب بماله على الكمال, ويتلخص من سوء المشاركة مع أنه لا ضرر فيها علي الشريك كما لو اختلط له درهم بعشر.
والمذهب: أنه لا فرق بين أن يكون الشركاء اثنين أو أكثر فلو كانوا سته مستوين فامتنع خمسة .. أفراد للطالب السدس, والباقي مشترك بين الباقين.

فَتُعَدَّلُ السِّهَامُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا ًاوْ ذَرَعًا بِعَدَدِ الأَنْصِبَاءِ إِنِ اسَتوَت, وَيَكْتُبُ فِي كُلَّ رُقْعَةٍ اسْمَ شَرَيكٍ أَو جُزءٍ مُمَيَّزٍ بِحَدٍّ أَو جِهَةٍ, وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ مُستَوِيَةٍ, ثُمَّ يُخْرِجُ مَنْ لمْ يَحضُرْهَا رُقعَةً عَلَى الجُزْءِ الأوَّلِ إِنْ كَتَب الأَسمَاءَ, فَيُعطِي مَنْ خَرَجَ اسْمُهُ, أَوْ عَلَى اسْمِ زَيْدٍ إِنْ كَتَبَ الأَجْزَاءَ, .....

 ولو طلبها اثنان .. قسمت أثلاثًا, لطالبي القسمة مشتركًا بينهما, والباقي مشترك بين الباقين.
ولوطلبها ثلاثة .. قسمت نصفين, وهذه تسمي: قسمة المتشابهات.
قال: (فتعدل السهام كيلًا) أي: في المكيل (أو وزنًا) أي: في الموزونات (أو ذرعًا) أي: في المذروعات كالأرض المتساوية الأجزاء.
قال: (ويكتب في كل رقعة اسم شريك أو جزء مميز بحد أو جهة, وتدرج في بنادق مستوية, ثم يخرج من لم يحضرها) , كذا هو في النسخ بضمير مفرد, وعبارة (الروضة) و (الشرح): من لم يحضر الكتابة والإدراج, فكان ينبغي أن يقول: من لم يحضرهما, أو لم يحضر كما عبر به في (المحرر) , والصبي والأعجمي أولى.
وقوله: (اسم شريك أو جزء) أي: إن شاء .. كتب أسماء الشركاء؛ لاخرج على السهام, وإن شاء .. كتب السهام؛ لتخرج على أسماء الشركاء.
وقوله: (مستوية) أي: وزنًا وشكلًا من الطين مجفف أو شمع, وكما تقسم بالرقاع المذكورة .. تقسم بالحصى والعصي والبعر ونحوها.
قال: (رقعة على الجزء الأول إن كتب الأسماء, فيعطي من خرج اسمه) ثم يؤمر بإخراج أخرى على الجزء الذي يليه, فمن خرج اسمه من الآخرين .. أخذه, وتعين الباقي للثالث.
قال: (أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء) إذا كتب الرقاع أسماء الأجزاء .. أخرجت رقعة باسم زيد, ثم أخرى باسم عمرو, ويتعين الثالث للثالث, وتعيين من

فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الَانْصِبَاءُ كَنِصْفِ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ .. جُزِّئَتِ الأَرضُ عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ وَقُسِّمَت كَمَا سَبَقَ, وَيَحتَرِزُ عَنْ تَفْرِيِق ِ حِصَّةِ وَاحِدٍ ..

 يبدأ به من الشركاء والأجزاء منوط بنظر القاسم, فيقف أولًاعلى أي طرف شاء, ويسمي أي شريك شاء.
ثم إخراج الرقاع على الوجه المذكور لا يختص بقسمة المتشابهات, بل يأتي في قسمة التعديل إذا عدلت الأجزاء بالقيمة.
قال: (فإن اختلفت الأنصباء كنصف وثلث وسدس .. جزئت الأرض على أقل السهام) وهي ستة في مثالنا.
قال: (وقسمت كما سبق) هذا صريح في أنه يكتب اسم الشريك أو الجزء كما سبق, وهو خلاف ما صحح في (الروضة)؛ فإنه حكى في المسألة طريقين: أحداهما: قولان: في قول: يثبت أسماء الشركاء والعبيد في العتق.
وفي قول: يثبت الأجزاء هنا, والرق والحرية هناك.
والطريق الثاني_ وهو المذهب, وبه قطع الجمهور_: الفرق, ففي العتق يسلك ما شاء من الطريقين, وهنا لا يثبت الأجزاء على الرقاع؛ لأنه لو أثبتها وأخرج الرقاع على الأسماء .. ربما خرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس, فيفرق ملك من له النصف أو الثلث.
اھ فصحح أنه لا يكتب في هذه الحالة الأجزاء على الرقاع, والجواب: أنه لا منافاة بين العبارتين؛ لأن الأصح: أن الخلاف في الأولوية, فيجوز سلوك كل من الطريقين.
قال: (ويحترز عن تفريق حصة واحد) فيكتب أسماء الشركاء في ست رقاع, لصاحب السدس رقعة, ولصاحب الثلث رقعتان, ولصاحب النصف ثلاثة, وتخرج على السهام, فإن خرج اسم صاحب السدس .. أعطي السهم الأول, ثم يقرع بين الآخرين, فإن خرج اسم صاحب الثلث .. أعطي السهم الثاني والثالث بلا قرعة, والباقي لصاحب النصف.
وإن خرج اسم صاحب النصف أولًا .. أعطي ثلاثة أسهم الأول وتالييه, ثم يقرع

الثَّانِي: بِالتَّعْدِيلِ كَأَرْضٍ تَخْتَلِفُ قِيمَةُ أَجْزَائِهَا بِحَسَبِ قُوَّةِ إِنْبَاتٍ وَقُرْبِ مَاءٍ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلَوِ اسْتَوَتْ قِيمَةُ دَارَيْنِ أَوْ حَانُوتَيْنِ  بين الآخرين كما تقدم، ولا تخرج السهام على الأجزاء في هذا القسم.
وقيل: يقتصر على ثلاث رقاع.
وفي (الروضة) و (أصلها): قيل: يكتب أسماءهم في ثلاث، وقيل: في ست.
قال: وليس فيه إلا أن اسم صاحب الأكثر أسرع خروجًا، وذلك لا حيف فيه؛ لتساوي السهام، فالوجه تجويز كل من الطريقين.
قال: (الثاني: بالتعديل كأرض تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة إنبات وقرب ماء)، وكذلك اختلاف الجنس كبستان بعضه نخل وبعضه عنب، ودار بعضها حجر وبعضها لبن، فإذا ساوى ثلثها لجودته ثلثيها مثلاً .. جعل الثلث سهمًا والثلثان سهمًا إن كانت بينهما نصفين، فإن اختلفت كنصف وثلث وسدس .. جعلت ستة أسهم بالقيمة لا بالمساحة.
قال: (ويجبر عليها في الأظهر)؛ لأنه لا تمكن قسمتها بلا ضرر إلا كذلك.
والثاني: لا إجبار؛ لاختلاف الأغراض والمنافع، وهذا صححه القاضي حسين والبغوي، فعلى الأول أجرة القسام توزع بحسب المأخوذ قلة وكثرة، لا بحسب الشركة على الأصح كما تقدم؛ لأن العمل في الكثير أكثر.
قال: (ولو استوت قيمة دارين) أشار بهذا إلى ثاني قسمي قسمة التعديل، فإنها تقسم إلى ما يعد شيئًا واحدًا وهو ما سبق، وإلى ما يعد شيئين فصاعدًا وهو هذا، ثم هو ينقسم إلى عقار وغيره.
قال: (أو حانوتين) أي: كبيرين، أما إذا اشتركا في دكاكين صغار متلاصقة لا تحتمل آحادها القسمة وتسمى العضائد، فطلب أحدهما أن يقسم أعيانًا .. فقيل: لا يجبر الممتنع، والأصح: يجبر للحاجة، قال مجلي: ومحلهما إذا لم تنقص بالقسمة، وإلا .. لم يجبر جزمًا.

وَطَلَبَ جَعْلَ كُلٍّ لِوَاحِدٍ .. فَلاَ إِجْبَارَ، أَوْ عَبِيدٍ أَوْ ثِيَابٍ مِنْ نَوْعٍ .. أُجْبِرَ، ..

 قال: (وطلب جعل كل لواحد .. فلا إجبار) سواء تجاور الداران والحانوتان أو تباعدا؛ لشدة اختلاف الأغراض بذلك، وقال مالك: يجبر عند التجاور، وقال أبو حنيفة: يجبر إن كان إحدى الدارين حجرة الأخرى.
ولو كان بينهما رية ذات مساكن، فطلب أحدهما أن يقسم جميع القرية، وطلب الآخر أن يقسم كل مسكن منها .. قسمت القرية بينهما نصفين، لكل منهما نصفها بما اشتمل عليه من مساكنه؛ لأن القرية حاوية لمساكنها كالدار الجامعة لبيوتها.
ولو كان بينهما دار لها علو وسفل، فطلب أحدهما قسمتها علوًا وسفلاً .. أجبر الآخر عند الإمكان، وإن طلب جعل العلو لواحد والسفل لآخر .. لم يجبر عليه؛ لأن العلو تابع والسفل متبوع، ولأن العلو مع السفل كدارين متلاصقين؛ لأن كلاً منهما يصلح اتخاذه مسكنًا.
قال: (أو عبيد أو ثياب من نوع .. أجبر)؛ لقلة الأغراض فيها وانتفاء الضرر، بخلاف الدور، وقيل: هي كالدور.
وقيل: يجبر في العبيد قطعًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جزأ العبيد الستة الذين أعتقهم الرجل في مرضه ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم، وأجيب عنه بأنه إنما فعل ذلك لمزية الحرية، ولا حرية هاهنا.
وعن أبي حنيفة: لا إجبار في العبيد، ولا في الخيل والإبل.
وصورة ما ذكره المصنف: إذا أمكن التسوية عددًا أو قيمة، كما صورها به في (المحرر) و (الروضة) وغيرهما كعبدين متساويي القيمة لاثنين أو ثلاثة، فإن لم تمكن التسوية كثلاثة أعبد لاثنين بالسوية وقيمة أحدهم كقيمة الآخرين، فإن أجبرنا ثّمَّ فهاهنا قولان كقول الأرض المختلفة، وإن لم ترتفع الشركة إلا عن البعض، كما في طلب أحدهما القسمة في مثالنا؛ لتخصيص من خرج له الخسيس به، ويبقى شريكًا

اَوْ نَوْعَيْنِ .. فَلاَ.
الثَّالِثُ: بِالرَّدِّ؛ بِأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِئْرٌ أَوْ شَجَرٌ لاَ تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، فَيَرُدُّ مَنْ يَاخُذُهُ قِسْطَ قِيمَتِهِ، وَلاَ إِجْبَارَ فِيهِ، وَهِيَ بَيْعٌ،  بربع النفيس .. فالمذهب هنا عدم الإجبار.
قال: (أو نوعين) أي: وأكثر (.. فلا) كما إذا كان أحدهما هنديًا والآخر تركيًا؛ لاختلاف الغرض بذلك، وإن امتنع ذلك في النوعين .. ففي الجنسين كعبد وثوب وحنطة وشعير أولى، فينتفي الإجبار، ويقسم ذلك بالتراضي، والذي ذكره المصنف هو المذهب.
وطرد السرخسي الخلاف مع اختلاف النوع، والإمام والغزالي مع اختلاف الجنس أيضًا، وليس بشيء.
قال: (الثالث: بالرد؛ بأن يكون في أحد الجانبين بئر أو شجر لا تمكن قسمته، فيرد من يأخذه قسط قيمته) أي: قيمة البئر فتنضبط قيمة ما اختص به ذلك الطرف، ويردها من يأخذ الطرف المختص به.
مثاله: قيمة كل جانب ألف، وقيمة البئر أو الشجر ألف، فاقتسما ليرد أحدهما ما فيه البئر أو الشجر خمس مئة.
وعبارة المصنف هاهنا صواب، بخلاف عبارة (المحرر) و (الشرحين) و (الروضة)؛ ففيها أنه يضبط قيمة ما اختص به ذلك الطرف، ثم تقسم الأرض على أن يرد من يأخذ ذلك الجانب تلك القيمة، وهي عبارة ظاهرة الخطأ.
قال: (ولا إجبار فيه) أي: في هذا النوع؛ لأن فيه تمليكًا جديدًا فيما ليس مشتركًا بينهما، فكانا كغير الشريكين، ومنهم من طرد فيها خلاف قسمة التعديل.
قال: (وهي بيع) أي: قسمة الرد؛ لوجود حقيقته، وهي مقابلة المال بالمال.
وقيل: بيع في القدر المقابل للمردود فيما سواه، الخلاف في قسمة التعديل، وحيث قلنا: بيع .. تثبت فيها أحكامه من الخيارين والشفعة وغيرهما، إلا أنها لا تفتقر إلى لفظ البيع أو التمليك على الصحيح؛ بل يقوم الرضا مقامهما.

وَكَذَا التَّعْدِيلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِسْمَةُ الأَجْزَاءِ إِفْرَازٌ فِي الأَظْهَرِ  قال: (وكذا التعديل على المذهب)؛ لأنها تقطع النزاع، وإنما دخلها الإجبار للحاجة كما يبيع الحاكم مال المديون.
والطريق الثاني: طرد القولين في قسمة الأجزاء.
قال: (وقسمة الأجزاء إفراز في الأظهر)؛ لأنها لو كانت بيعًا .. لما دخلها الإجبار، ولما جاز الاعتماد على القرعة.
ومعنى قولنا: (إفراز): أن القسمة تبين أن ما خرج لكل واحد منهما هو الذي ملكه.
والثاني: أنها بيع؛ لأنه ما من جزء من المال إلا وكان مشتركًا بينهما، فإذا اقتسما .. ف: انه باع كل منهما ما كان في حصة صاحبه بحصته.
وصحح الرافعي هذا في بابي (الربا) و (الزكاة)، وتبعه المصنف فيهما، وصحح في (تصحيح التنبيه) و (شرح المهذب) في (زكاة الثمار) الأول، وعبارة (المحرر): وذكر أن الفتوى عليه، وأشار بذلك إلى قول صاحب (العدة): إن الفتوى عليه، ثم قيل: القولان فيما إذا جرت بالإجبار، وإلا .. فبيع قطعًا، وصححه البغوي.
وقيل: هما في الحالتين، ثم القول بأنها بيع لا يطلق على الجميع؛ فإن النصف الذي صار بيده كان نصفه له ونصفه لصاحبه، فهي إفراز فيما كان منه له، وبيع فيما كان لصاحبه، فإذا قلنا: هي بيع .. امتنع في الربوي التفرق قبل التقابض وقسمة المكيل وزنًا وعكسه وقسمة الرطب والعنب، ويجوز جميع ذلك على الإفراز، وإنما يشترط في الإفراز إمكان القسمة.

وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّدِّ الرِّضَا بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ  فرع: الزرع لا تجوز قسمته خرصًا، وكذلك الثمار غير الرطب والعنب؛ فالأصح فيهما الجواز.
واختار لشيخ في قسمة الرطب والعنب على الشجر المنع وفاقًا للبغوي والمحاملي، قال: وإن قلنا بالإفراز؛ لأن الخرص ظن لا يعلم به نصيب كل واحد على الحقيقة.
وفي (الزكاة) جوز؛ للحاجة مع كون شركة المساكين ليست بشركة حقيقة بدليل أنه يجوز أداء حقهم من موضع آخر.
فرع: قسمة الوقف عن الملك، إن قلنا: إنها بيع .. لا تجوز، وإن قلنا: إفراز .. جازت، واختاره الروياني والمصنف في زوائد (الروضة)، ومستندهما المصلحة، قال الشيخ: وليس هو الصحيح من مذهب الشافعي، ولا عله الفتوى ولا عمل القضاة الشافعية، وهذا حيث رد أو كان رد من أصحاب الوقف، فإن كان من المالك .. لم يجز، وأما قسمة الوقف بين أربابه .. فلا تجوز على القولين؛ لأن فيها تغير شرط الواقف.
وقيل: يجوز على الإفراز إذا قلنا: الملك في الوقف للموقوف عليه؛ ليرغبوا في العمارة ولا يتواكلوا، فإذا انقرض البطن الأول وصار للبطن الثاني .. انتقضت القسمة.
قال: (ويشترط في الرد الرضا بعد خروج القرعة)؛ لأنها بيع، والبيع لا يخرج بالقرعة، فافتقر إلى التراضي بعد خروجها.
وقال الإصطخري: لا يشترط، ويلزم من خرج له الأكثر بدل ما يقابل الزائد قياسًا على قسمة الإجبار، فإن القرعة فيها ملزمة، وضعفه الأصحاب، وفرقوا بأن هذه القسمة يُعتبر التراضي في ابتدائها، بخلاف الإجبار.

وَلَوْ تَرَاضَيَا بِقِسْمَةِ مَا لاَ إِجْبَارَ فِيهِ .. اشْتُرِطَ الرِّضَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ فِي الأَصَحِّ، كَقَوْلِهِمَا: رَضِينَا بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ، أَوْ بِمَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ.
وَلَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ غَلَطٌ أَوْ حَيْفٌ فِي قِسْمَةِ إِجْيَارٍ .. نُقِضَتْ،  قال: (ولو تراضيا بقسمة ما لا إجبار فيه .. اشترط الرضا بعد القرعة في الأصح) كما لو حكما رجلاً فحكم بينهما، والخلاف هنا كالخلاف هناك.
قال: (كقولهما: رضينا بهذه القسمة، أو بما أخرجته القرعة)، وكذا رضينا بما جرى، ولا يشترط لفظ البيع وإن جعلنا القسمة بيعًا.
وقيل: لا بد من لفظ البيع أو التمليك.
وقيل: لا يكفي قولهما: رضينا بما جرى، أو بهذا، بل لا بد من لفظ القسمة؛ ليؤدي معنى التمليك والتملك.
مهمة: في كلام المصنف نظر من وجوه: منها: أن الخلاف في (الشرحين) قولان.
ومنها: أنه انعكست عليه المسألة فجعل الخلاف فيما لا إجبار فيه، وهو قسمة الرد فقط، والخلاف إنما هو فيما فيه الإجبار، والظاهر أن المصنف أراد أن يكتب ما فيه إجبار فكتب: ما لا إجبار فيه، ويجوز أن تكون عبارة المصنف ما الإجبار فيه بالألف واللام، ثم تصحفت الألف واللام ألفًا.
ومنها: أنه ذكر المسألة بعينها قبل هذا من غير فصل فقال: (ويشترط في الرد الرضا بعد خروج القرعة).
ومنها: أنه مع تكراره غاير في الجواب، فجزم به أولاً، وحكى فيه الخلاف ثانيًا وجعله قويًا، وهو عكس ما في (الروضة)؛ فإنه عبر فيها بالصحيح، والمذكور في (الشرح) و (الروضة) هو الصواب، وهذا نبه عليه الشيخ برهان الدين الفزاري في اعتراضاته على الكتاب.
قال: (ولو ثبت ببينة غلط أو حيف في قسمة إجبار .. نقضت) كغيرها من

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَادَّعَاهُ وَاجِدٌ .. فَلَهُ تَحْلِيفُ شَرِيكِهِ،  الخصومات، فإن المدعي على الحاكم الجور في الحكم إن أقام بينة على ظلمه .. نقض.
قال الشيخ أبو حامد وغيره: وطريقه أن يحضر قاسمين حاذقين؛ لينظرا ويمسحا فيعرفا الحال ويشهدا به.
وأفهم إطلاقه (الغلط) أنه لا فرق بين الفاحض وغيره، أما إذا لم تقم بينة بذلك .. فليس له تحليف القاسم كما لا يحلف القاضي، ويغني عن البينة – كما قال أبو الفرج – ما إذا علم أنه يستحق ألف ذراع وبيده سبع مئة مثلاً.
قال: (فإن لم تكن بينة وادعاه واجد .. فله تحليف شريكه)؛ لأن له فيه غرضًا ظاهرًا، فإن نكل وحلف المدعي .. نقضت القسمة كما لو أقر، وإن حلف .. مضت على الصحة.
فرع: في (فتاوى القفال): لو كان بين الصبي ووليه حنطة مشتركة .. لم يصح أن يقاسمه بنفسه، سواء قلنا القسمة بيع أو إفراز؛ لأنه لا يجوز أن يبيع من نفسه ولا أن يقبض من نفسه.
حادثة: سئل ابن الصلاح عن بستان بين اثنين، أجر أحدهما حصته مشاعًا، ثم أرادا قسمته، هل تصح؟ وإذا صحت .. فكيف حكم المستأجر في انتفاعه؟ أجاب: تصح القسمة على الصحيح، ويبقى حق المستأجر على الإشاعة ولا ينحصر في حصة المؤجر.
اهـ. والذي قاله صحيح، وقضيته: أنه لا يمكن أحدهما من إحداث فواصل بين القسمين قبل انقضاء مدة الإجارة، بل يفضل بعلامة لا ينقص بها انتفاع المستأجر بجزء من الأرض.

وَلَوِ ادَّعَاهُ فِي قِسْمَةِ تَرَاضٍ وَقُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ أَثَرَ لِلْغَلَطِ، فَلاَ فَائِدَةَ لِهذِهِ الدَّعْوَى.
قُلْتُ: وَإِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ .. نُقِضَتْ إِنْ ثَبَتَ، وَإِلاَّ .. فَيَحْلِفُ شَرِيكُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الْمَقْسُومِ شَائِعًا .. بَطَلَتْ فِيهِ، وَفِي الْبَاقِي خِلاَفُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ،  قال: (ولو ادعاه) أي: الغلط وعين قدره (في قسمة تراض وقلنا: هي بيع .. فالأصح: أنه لا أثر للغلط، فلا فائدة لهذه الدعوى) كما لا أثر للغبن في البيع والشراء.
والثاني: أنها تنقض؛ لأنهما تراضيا لاعتقادهما أنها قسمة تعديل.
وقوله: (قسمة تراض) تشمل قسمة الرد وغيرها من الأنواع الثلاثة.
وقوله: (لا أثر للغلط فلا فائدة لهذه الدعوى) يجب أن يكون في غير قسمة الربوي.
قال: (قلت: وإن قلنا: إفراز .. نقضت إن ثبت)؛ لأن الإفراز لا يتحقق مع التفاوت.
وإذا نصبا قاسمًا وقلنا: لا يعتبر الرضا .. فهو الحاكم؛ لوقوع الجبر.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يثبت (.. فيحلف شريكه والله أعلم) هذا كله إذا اعتبرنا الرضا بعد خروج القرعة، فإن لم نعتبره .. فالحكم كما إذا ادعى الغلط في قسمة الإجبار، لكن يستثنى من إطلاقه ما إذا كان المقسوم ربويًا وتحقق الغلط في كيل أو وزن .. فإن القسمة باطلة لا محالة؛ للربا، فإطلاقه محمول على غير الربوي.
قال: (ولو استحق بعض المقسوم شائعًا .. بطلت فيه، وفي الباقي خلاف تفريق الصفقة) فيبطل في قول ويصح في آخر ويثبت الخيار، وهذا هو الأصح.
وقال أبو إسحاق: تبطل القسمة قولاً واحدًا؛ لأن المقصود القسمة تميز الحقوق، وبالاستحقاق يصير المستحق شريك كل واحد، قال في (المهمات): الأصحاب في هذه المسألة على ثلاثة أقسام:

أَوْ مِنَ النَّصِيبَيْنِ مُعَيَّنٌ سَوَاءً بَقِيَتْ، وَإِلاَّ .. بَطَلَتْ  منهم: طائفة لم يتعرضوا لها.
وآخرون: صححوا فيها ما صححه المصنف.
والأكثرون: ذهبوا إلى البطلان، وهو المفتى به في المذهب؛ لأن ما قاله الرافعي والمصنف في تفريق الصفقة.
قال: (أو من النصيبين معين سواء بقيت، وإلا .. بطلت) المراد: إذا استحق شيء معين فينظر: إن اختص المستحق بنصيب أحدهما أو كان المستحق من نصيب أحدهما أكثر .. بطلت القسمة؛ لأن ما يبقى لكل أحد لا يكون قدر حقه، بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر وتعود الإشاعة.
وإن كان المستحقان من نصيبهما سواء .. ثبتت القسمة في الباقي كما جزم به المصنف، وفيه وجه آخر: أنها تبطل لمعنى التفريق.
والمراد: بطلانها في الظاهر، وإلا .. فبالاستحقاق يتبين أن لا قسمة.
لكن يستثنى من الإبطال ما قاله الشيخ عز الدين فيما إذا وقع في الغنيمة عين لمسلم أخذها منه الكفار، ولم يعلم بها إلا بعد القسمة .. فإنها ترد على صاحبها، ويعوض عنها من وقعت في نصيبه من خمس الخمس، ولا تنقض القسمة.
قال: هذا إذا كثر الجند، فإن كانوا قليلاً كعشرة مثلاً .. فينبغي أن تنقض؛ إذ لا عسر في إعادتها.
تتمة: تنازعا بيتًا في دار اقتسماها، فكل يدعي أنه وقع في سهمه، ولا بينة .. تحالفا، ونقضت القسمة كالمتبايعين.
وقال الشيخ أبو حامد: إن اختص أحدما باليد على ما فيه النزاع .. صدق بيمينه، وهذا حكاه الماوردي عن مالك.
وإذا ادعى أحدهما القسمة وأنكرها الباقون، فإن لم تكن متعلقة بقاسم من جهة الحاكم .. فالقول قول الباقي، وإن تعلقت بقاسم القاضي .. فالرجوع إليه؛ لأنه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  حاكم أو شاهد، ولو قسم إجبارًا وهو على ولايته .. قبل قوله: قسمت، كقول الحاكم في حال ولايته: حكمت، وإلا .. لم يسمع قوله ولا شهادته لأحدهما على الأصح.

  • ... * ... * خاتمة تقدم جماعة في أيديهم دار أو أرض أو منقول إلى القاضي، وطلبوا القسمة بغير إقامة بينة .. فالأصح عند الإمام والغزالي: أنه يجيبهم، وعند الشيخ أبي حامد وطبقته: أنه لا يجيبهم، وهذا صححه المصنف في زوائده.
    قال في (المهمات): محل هذا الخلاف إذا لم يكن لهم منازع، فإن كان .. لم يجبهم قطعًا، والمسألة مخرجة على أن تصرفات الحاكم حكم أم لا؟ وقد تقدمت في (النكاح).
    وإذا رهنا شيئًا وانفك نصيب أحدهما فأراد القسمة .. فهذه تقدمت في (الرهن) قبيل (فصل اختلفا في الرهن).
    والمنافع تقسم بالمهايأة مياومة أو مشاهرة أو مساناة ونحو ذلك؛ لأن المنافع كالأعيان، وقد رضي المتأخر منهما بالتأخير، ويخالف المهايأة في لبن البقرة المشتركة؛ فإنه لا يجوز، لأنه ربوي مجهول، وكذلك الشجرة المثمرة لتكون ثمرتها لهذا عامًا ولهذا عامًا؛ لما فيه من الزيادة والنقصان، وطريقهما: أن يبيح كل واحد لصاحبه مدة، ونفقة العين المعتادة على ذي النوبة، وكذا المؤن النادرة كالفطرة والفصد في الأصح، وقيل: عليهما.
  • ... * ... *

كتاب الشهادات

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ شَرْطُ الشَّاهِدِ: مَسْلِمٌ،

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل