النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 87-126
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَلَوْ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَقَبْضٍ وَرَدٍّ بِعَيْبٍ، أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ كَشَرْطِ أَنْ لَا يَاكُلَ إِلَّا كَذَا .. صَحَّ،  قال: (ولو شرط مقتضى العقد كقبض وردٍّ بعيب، أو ما لا غرض فيه كشرط أن لا يأكل إلا كذا .. صح) أما شرط ما يقتضيه العقد .. فلأن اشتراطه تأكيد وتنبيه على ما أوجبه الشارع عليه، وأما ما لا غرض فيه .. فلأن ذكره لا يورث تنازعًا في الغالب.
وقوله: (صح) أي: العقد، أما الشرط .. فلا يجب القيام به، بل ذكره لاغ كما إذا باعه عبدًا بشرط أن لا يأكل إلا الهريسة –مثلًا- أو لا يلبس إلا الحرير.
وأفاد في (المهمات): أن الشافعي رضي الله عنه نص على البطلان في هذه الصورة، لا جرم اختار ابن الأستاذ وابن الصلاح وابن الرفعة أن يقرأ: (لا تأكل إلا كذا) بالتاء ثالثة الحروف خطابًا للمشتري؛ فإنه حينئذ لا غرض فيه البتة، وأما إذا قرئ بالياء آخر الحروف .. فقد ينازع في عدم الغرض ويتخيل فيه الإفساد، لأنه نفع للعبد فأشبه شرط إعتاقه، وهذا ظاهر إذا كان المشروط ينفع العبد، فإن كان لا ينفعه كشرط أكل الخبز البحت أو الشعير .. فلا يظهر، والمسألة أعمُّ من ذلك.
فرع: شرط أن لا يسلم المبيع حتى يقبض الثمن، فإن كان مؤجلًا .. بطل البيع، وإن كان حالًّا .. بُني على أن البداءة في التسليم بمن؟ إن قلنا: بالمشتري .. صح البيع، وإلا .. فسد؛ للمنافاة.
فرع: باع إناء بشرط أن لا يجعل فيه شيئًا محرمًا، أو سيفًا بشرط أن لا يقطع به الطريق، أو عبدًا بشرط أن لا يعاقبه بما لا يجوز .. صح البيع، قاله البغوي، ويقاس به ما يشابهه.

وَلَوْ شَرَطَ وَصْفًا يُقْصَدُ؛ كَكَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوِ الدَّابَّةِ حَامِلًا أَوْ لَبُونًا .. صَحَّ، وَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ أَخْلَفَ، وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الدَّابَّةِ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهَا وَحَمْلَهَا .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ  قال: (ولو شرط وصفًا يقصد، ككون العبد كاتبًا، أو الدابة حاملًا أو لبونًا .. صح)؛ لأنه شرط تعلق بمصلحة العقد، ولا يقتضي إنشاء أمر مستقبل، فلم يدخل في النهي عن بيع وشرط، وإنما هو التزام أمر موجود عند العقد سميناه شرطًا.
وكذلك إذا اشترط أن الأمة حاملًا فيها القولان كالدابة، وهما مبنيان على أن الحمل يعلم، إن قلنا: نعم .. صح، وإلا .. فلا.
واحترز بـ (الوصف المقصود) عما لا يقصد كالزنا والسرقة ونحوهما؛ فإنه لا خيار بفواتهما.
ولو شرط ثيوبتها فخرجت بكرًا .. فالأصح: لا خيار خلافًا لصاحب (الحاوي الصغير).
ولو اشتراه على أنه خصي فبان فحلًا .. كان له الرد.
قال الأصحاب: يكفي أن يوجد في الصفة ما ينطلق عليه الاسم لا النهاية فيها.
نعم؛ لو شرط حسن الخط وكان خطه غير حسن في العرف .. فله الخيار.
و (اللبون): ذات اللبن، فإذا شرط ذلك وكان لها لبن وإن قل .. صح ولا خيار، وهذا الخيار على الفور وكيفيته كما ذكر في (الرد بالعيب).
قال: (وله الخيار إن أخلف)؛ لفوات شرطه.
قال: (وفي قول: يبطل العقد في الدابة)؛ لأنه شرط معها شيئًا مجهولًا فأشبه ما إذا قال: بعتكها وحملها.
وأجاب الأولون: بأن المقصود الوصف به لا إدخاله في العقد، وإلى هذا الجواب أشار المصنف بقوله: (ولو شرط وصفًا يقصد).
قال: (ولو قال: بعتكها وحملها .. بطل في الأصح)؛ لأن ما لا يجوز بيعه

وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَمْلِ وَحْدَهُ، وَلَا الْحَامِلِ دُونَهُ، وَلَا الْحَامِلِ بِحُرٍّ  وحده لا يجوز بيعه مقصودًا مع غيره.
والثاني: يصح، ونقله في (البيان) عن الأكثرين؛ لأنه يدخل عند الإطلاق، فلا يضر التنصيص عليه كما لو قال: بعتك الجدار وأساسه.
ولو قال: بعتك الجبة وحشوها .. فقيل: على الخلاف، وقيل: يصح قطعًا، وصحح المصنف هذه الطريقة في (شرح المهذب)؛ لأن الحشو داخل في مسمى الجبة فذكره تأكيدًا.
قال الشيخ: واستقر رأيي على الفرق بين (الواو) و (الباء) فمع (الواو) يبطل مثل: وحملها وحشوها وأساسها، ومع (الباء) يصح مثل: بحملها وبحشوها وبأساسها، واللغة تقتضيه، وكلام الشافعي والأصحاب لا يخالفه إلا في الأساس، فلعل قائله لم يحرر العبارة.
وقال في (المهمات): الصحة في (مع) و (الباء) أظهر منها في (الواو)، ولأنهما للحال، أي: كائنة بحملها، أو مع حملها، فهو وصف محض، بخلاف (الواو)؛ فإنها ظاهرة في التغاير.
قال: (ولا يصح بيع الحمل وحده)؛ للجهالة، سواء بيع من مالك الأم أم من غيره، وهذه المسألة تقدمت في أول الباب، لكنه ذكرها هنا توطئة لما بعدها.
قال: (ولا الحامل دونه)؛ لأن الحمل لا يجوز إفراده بالعقد فلا يستثنى كأعضاء الحيوان.
وفي (النهاية) وجه: أنه يصح كما لو باع شجرة واستثنى الثمرة قبل بدو الصلاح.
وجوابه: أن الثمرة يجوز إفرادها بالعقد.
قال: (ولا الحامل بحر)؛ إلحاقًا للاستثناء الشرعي بالاستثناء الحسي، ولو

وَلَوْ بَاعَ حَامِلًا مُطْلَقًا .. دَخَلَ الْحَمْلُ فِي الْبَيْعِ.

فَصْلٌ: وَمِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَا لَا يُبْطَلُ؛  وكل صاحب الحمل صاحب الأم فباعهما دفعة .. لم يصح.
قال: (ولو باع حاملًا مطلقًا .. دخل الحمل في البيع)؛ تبعًا لها، وفي كلام الشافعي رضي الله عنه: أن هذا مجمع عليه.
ومحل الجزم بدخوله؛ إذا كان مملوكًا لمالك الأم، فإن لم يكن كذلك .. بطل البيع.
كل هذا إذا بيعت باختيار المالك، فلو وهبها، أو رجعت بفسخ، أو بيعت في حق المرتهن بغير اختياره .. ففي دخوله قولان: الجديد في الهبة: عدم الدخول.
تتمة: كلام المصنف على إطلاقه، ونقل الإمام في أواخر (النهاية) عن النص: أنه لو باعها وقد وضعت أحد توأمين عنده ثم وضعت الآخر عند المشتري .. أنه يكون للبائع؛ لأنه حمل واحد.
قال الإمام: والقياس: أنه للمشتري؛ لانفصاله في ملكه، وبهذا جزم الرافعي والمصنف في (باب الكتابة).
وقال المتولي في (باب بيع الأصول والثمار): إنه ظاهر المذهب، فمن استثنى هذه الصورة من إطلاق الكتاب .. فقد وهم.
قال: (

فصل

: ومن المنهي عنه ما لا يُبطَل) أشار إلى أن البيع المنهي عنه منه ما يكون النهي مبطلًا له وهو ما سبق، ومنه ما لا يبطله، وذلك حيث اقترن بالبيع شيء علمنا أن النهي يعود

لِرُجُوعِهِ إِلَى مَعْنَىً يَقْتَرِنُ بِهِ، كَبَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ؛ بِأَنْ يَقْدَمَ غَرِيبٌ بِمَتَاعٍ تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِيَبِيعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ فَيَقُولُ بَلَدِيٌّ: اتْرُكْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلَى  إليه، كالأمثلة التي ذكرها المصنف.
قال الشيخ: وقوله: (يُبطَل) ضبط بضم الياء، وعلى هذا تكون الطاء مفتوحة والضمير في رجوعه يعود إلى النهي، ولو قرئ بفتح الياء وضم الطاء .. صح، والضمير بحاله.
وأما ضم الياء وكسر الطاء .. فإنما يصح لو قال: ومن المناهي، لكنه أحسن؛ ليندرج فيه ما لا يوصف بالبطلان ولا بعدمه، كتلقي الركبان وشبهه مما هو مذكور في الفصل.
قال: (لرجوعه إلى معنىً يقترن به) هذا هو القسم الثاني من المناهي، وسبب عدم الإبطال فيه: كون النهي ليس للمبيع بخصوصه بل لأمر آخر، كالبيع حال النداء يوم الجمعة.
قال: (كبيع حاضر لباد)؛ ففي (الصحيحين) [خ2140 - م1522]: (لا يبع حاضر لباد)، زاد مسلم: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).
واتفقوا على تحريمه عند وجود الشروط الستة الآتية، والمعنى فيه: ما يتضمنه من التضييق على الناس.
و (البادي): الخارج إلى البادية والنازل فيها، قال تعالى: ﴿يودوا لو أنهم بادون في الأعراب﴾ أي: نازلون.
وروى البيهقي [10/ 101]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بدا .. جفا، ومن اتبع الصيد .. غفل، ومن اقترب من أبواب الملوك .. افتتن، وما ازداد رجل من سلطان قربًا .. إلا ازداد من الله بعدًا).
قال: (بأن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلدي: اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى) التعبير بالغريب جرى على الغالب، كالبادي في لفظ الحديث، وإنما المراد: إنسان كائنًا من كان، وكان الأحسن أن يقول: بأن يقدم شخص؛ لئلا يتوهم أن الغربة قيد.

وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ؛ بِأَنْ يَتَلقَّى طَائِفَةً يَحْمِلُونَ مَتَاعًا إِلَى الْبَلَدِ، فَيَشْتَرِيَهُ قَبْلَ قُدُومِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالسِّعْرِ،  فأحد الشروط: حاجة الناس إليه، ولم يتعرض لعمومها إلا القاضي والبغوي والرافعي، وهو يحتاج إلى دليل، والذي ذكره غيرهم احتياج الناس إليه.
والشرط الثاني: قصد البيع بسعر يومه، فلو قصد صاحبه الإقامة ليبيعه فسأله القروي تفويض ذلك إليه .. فلا بأس.
والثالث: سؤال البلدي له، فلو ابتدأه البدوي .. لم يحرم، ولو استرشده .. فهل يرشده إلى الادخار؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق وغيره: يجب الإرشاد إليه نصحًا.
وقال ابن الوكيل: لا يرشده إليه توسعًا على الناس.
والرابع: أن يتربص بها، فلو سأله بيعها بسعر يومها .. لم يحرم، قاله الروياني، وهذه الشروط في كلام المصنف.
والخامس: أن تظهر ببيع ذلك المتاع سعة في البلد، فإن لم تظهر لقلته أو لكبر البلد أو لعموم وجوده ورخص السعر .. فوجهان: أوفقهما للحديث: التحريم.
والسادس: أن يكون عالمًا بالنهي، وكذا سائر المناهي كما سيأتي في (النجش)، ثم الإثم على البلدي دون البدوي.
قال: (وتلقي الركبان؛ بأن يتلقى طائفة يحملون متاعًا إلى البلد، فيشتريه قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر) روى الشيخان [خ2150 - م1515/ 11] عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلقوا الركبان للبيع).
وفي رواية للبخاري [2165]: (لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق) ولا خلاف في تحريمه إذا علم النهي وقصد التلقي، فلو خرج لشغل فرآهم فاشترى منهم .. فوجهان: الأصح: يعصي؛ لشمول المعنى، وكذلك لو قصد التلقي لغرض آخر فاشترى.

وَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا عَرَفُوا الْغَبْنَ.
وَالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ،  واحترز بقوله: (فيشتريه) عما إذا باعهم ما يريدون شراءه من البلد، والأصح: جواز ذلك.
ولو اشترى بعد قدومهم .. لم يحرم وإن جهلوا السعر؛ لتقصيرهم.
ولو اشترى منهم قبل قدومهم بأكثر من سعره .. حرم أيضًا سواء أخبرهم بالسعر كاذبًا أم لا، فلا حاجة حينئذ لقوله: (ومعرفتهم بالسعر).
و (الطائفة من الشيء): القطعة منه، ولفظها يذكر ويؤنث، ويطلق على الواحد، ولذلك لو تلقى واحدًا .. كان الحكم كذلك.
و (الركبان) –جمع راكب- والمراد هنا: القادمون من السفر وإن كانوا مشاة، ولو تلقى الجالبين إلى الحلة والبادية .. كان الحكم كذلك.
وقوله: (متاعًا) كذا عبر به الرافعي في كتبه، وعبر في (الروضة): بطعام، وليس بجيد؛ لأنه يوهم خلاف الصواب.
قال: (ولهم الخيار إذا عرفوا الغبن)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن تلقاها فاشترى منهم .. فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق).
فلو اشترى منهم بسعر البلد .. فلا خيار في الأصح.
ولو غبنهم ولكن لم يقدموا حتى رخص السعر وصار كما لو باعوه .. ففي ثبوت الخيار لهم وجهان: والأصح: أن الخيار على الفور، وقيل: يمتد ثلاثة أيام من حين العلم.
و (الغبن) بإسكان الباء: في البيع والشراء، وبفتحها: ضعف الرأي.
قال: (والسوم على سوم غيره)؛ لما في (الصحيحين) [خ2727 - م1408/ 38] عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يسوم الرجل على سوم أخيه) والمعنى فيه: أنه يؤدي إلى القطيعة والأذى، ولهذا شرط ابن خيران:

وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ.
وَالْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ قَبْلَ لُزُومِهِ؛ بِأَنْ يَامُرَ الْمُشْتَرِيَ بِالْفَسْخِ لِيَبِيعَهُ مِثْلَهُ  أن يكون الأول مسلمًا، وحمل الجمهور الحديث على أنه خرج مخرج الغالب، وصور الأصحاب المسألة بصورتين: إحداهما: أن يجئ رجل إلى آخر قد أنعم لغيره ببيع سلعة بثمن فيزيده ليبيع منه.
الثانية: أن يأتي إلى المشتري فيعرض عليه مثلها أو أجود منها بأنقص من ذلك الثمن.
قال: (وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) فلو كان يطاف به على من يزيد .. فلا منع من الزيادة؛ لأنه في هذه الحالةلم يقصد رجلًا بعينه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم باع قدحًا وحلسًا فيمن يزيد، رواه الأربعة من حديث أنس رضي الله عنه.
وشرط الاستقرار: أن يكون بصريح اللفظ فلا يكفي التعريض على الأصح، فلو قال: أشاور عليك .. قال ابن الرفعة: كان كالتعريض.
والسكوت لا إشعار له بالرضا فلا يكفي قطعًا، وإن كان في الخطبة .. فيه خلاف عن المراوزة.
والفرق: أن النكاح مما يستحيى من سرعة الإجابة إليه فأقيم السكوت فيه مقام التصريح على قول بخلاف البيع.
قال: (والبيع على بيع غيره)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبع بعضكم على بيع بعض) متفق عليه.
والمعنى فيه ما تقدم من الأذى والقطيعة.
قال: (قبل لزومه) بأن يكون في حالة خيار المجلس أو الشرط؛ لأنه متمكن في هذه الحالة من الفسخ، أما بعد اللزوم .. فلا فائدة فيه.
قال: (بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله)؛ لحصول الضرر بذلك، واشتراط

وَالشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ؛ بِأَنْ يَامُرَ الْبَائِعَ بِالْفَسْخِ لِيَشْتَرِيَهُ.
وَالنَّجَشِ؛  الأمر بالفسخ في هذه الصورة والتي بعدها ذكره الرافعي والمصنف، ولعله على سبيل المثال، فقد ذكر الماوردي: أنه يحرم طلب السلعة من المشتري بزيادة ربح والبائع حاضر؛ لأنه يؤدي إلى الفسخ أو الندم.
ونص الشافعي رضي الله عنه في (اختلاف الحديث) على قريب من ذلك، لكن يشترط للتحريم: أن لا يأذن البائع في البيع، فإن أذن .. ارتفع على الصحيح.
وشرط ابن كج أيضًا: أن لا يكون المشتري مغبونًا غبنًا مفرطًا، فإن كان .. فله أن يعرفه ويبيع على بيعه؛ لأنه ضرب من النصيحة، كذا نقله عن الرافعي وأقره.
وقال المصنف: إنه انفراد به وأن المختار عدم اشتراطه؛ لأن ظاهر الحديث يخالفه.
قال: (والشراء على الشراء؛ بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه)؛ لأنه في معنى البيع على البيع، وفي (صحيح مسلم) [1414]: (لا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه)، والبيع يطلق على الشراء، ولابد أيضًا من كونه قبل اللزوم.
قال: (والنجش)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تناجشوا) رواه الشيخان [خ2140 - م1413/ 52] عن ابن عمر رضي الله عنهما.
والناجش قد يكون البائع وقد يكون أجنبيًا يقصد ضرر المشتري أو نفع البائع.
قال الشافعي رضي الله عنه: فمن نجش .. فهو عاص إن كان عالمًا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يشترط الشافعي رضي الله عنه العلم بالنهي الخاص إلا فيه وفي البيع على البيع.
والتحقيق: أن ما اشتهر تحريمه لا يحتاج فيه إلى معرفة النهي الخاص، والخفي لابد فيه من العلم بالنهي.
و (النجش) مشتق من نجش الشيء .. إذا أثاره، سمي الناجش بذلك؛ لأنه يثير الرغبات فيه.

بِأَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ لَا لِرَغْبَةٍ بَلْ لِيَخْدَعَ غَيْرَهُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ.
وَبَيْعِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ  قال: (بأن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره) سواء كان في النداء أم لا، سواء زاد عن ثمن المثل أم لا.
وقال صاحب (الأحوذي): إذا لم تبلغ السلعة قيمتها .. لا يكون نجشًا، وينبغي إذا كانت السلعة ليتيم ولم تبلغ قيمتها وهناك عارف لا غرض له في شرائها .. لا تحرم عليه الزيادة إلى أن تبلغ قيمتها.
قال: (والأصح: أنه لا خيار)؛ لأن المشتري فرط بترك التأمل وعدم مراجعة أهل الخبرة.
والثاني: له الخيار للتدليس كالتصرية، هذا إذا كان بمواطأة البائع، فإن لم يكن للبائع فيه صنع .. فلا خيار جزمًا؛ إذ لا خداع منه.
وقول البائع: أعطيت فيه كذا، وهو كاذب، فاشتراه منه المقول له على ذلك، ثم تبين كذبه .. على الوجهين.
ولو أخبره عارف: أن الفص عقيق أو فيروزج فاشتراه ثم بان أنه زجاج، فإن كان بمواطأة البائع .. فعلى الوجهين، وإلا .. فلا جزمًا.
قال: (وبيع الرطب والعنب لعاصر الخمر) هو بالكسر معطوف على قوله في أول الفصل: (كبيع حاضر لباد)، ودليل هذا النهي: ما روى ابن حبان في (ضعفائه) [1/ 236] عن بريدة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حبس العنب زمن القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يعلم أنه يتخذه خمرًا فقد أقدم على النار على بصيرة).
وروى أبو داوود [3666] عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن بائع الخمرة ومبتاعها).

وَيَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأُمِّ وَالْوَلَدِ  دل على: أن السبب في المعصية حرام، ولا خلاف عندنا في صحة البيع؛ لأن النهي لأمر خارج عن المعقود عليه.
ويشكل عليه: بيع السلاح للحربي.
وإن لم يتحقق .. لم يحرم، بل يكره، وإن ظنه ظنًا غالبًا .. حرم على الأصح.
والثاني: لا يحرم، وعليه الأكثرون، ونص عليه في (الأم)، وألحق في (الرونق) بذلك: بيع التمر والزبيب ممن يتخذها خمرًا، وبيع الحبوب ممن يتخذها مزرًا، وألحق بها الغزالي: بيع الغلمان ممن عرف بالفاحشة، وكذلك بيع الخشب ممن يتخذها آلة محرمة، وما في معنى ذلك.
قال: (ويحرم التفريق بين الأم والولد)؛ لما روى الترمذي [1283] والحاكم [2/ 55] عن أبي أيوب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من فرق بين والدة وولدها .. فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة).
ولا فرق بين أن يفرق ببيع أو هبة أو قسمة، ولا بين أن يقرضه أو يجعله أجرة ونحو ذلك، وأفتى الغزالي بأنه يمتنع التفريق بالمسافرة أيضًا؛ لعموم الحديث، وطرده في التفريق بين الزوجة وولدها وإن كانت حرة، بخلاف المطلقة؛ لإمكان صحبة الزوجة.
ولو كان له ولد من أمته فأراد انتزاعه منها وإعطاءه لمرضعة غيرها .. فالأصح المنع، وعلله الرافعي قبيل (الجنايات) بتحريم التفريق، لكن يجوز التفريق بالعتق والوصية على الأصح فيهما.
وأما التفريق بالفسخ، فإن كان بالرد بالعيب أو بالرجوع في الفلس أو بالفراق قبل

حَتَّى يُمَيِّزَ، وَفِي قَوْلٍ: حَتَّى يَبْلُغَ،  الدخول .. لم يجز على الأصح، وإن كان برجوع المقرض أو الواهب أو صاحب اللقطة .. ففيه نظر.
وأم الأم عند عدم الأم كالأم، وقيده الماوردي بما إذا كان لها حق الحضانة، ولو بيع مع الجدة مع وجود الأم .. حرم على الصحيح، ولا خلاف أنه يباع مع الأم دون الجدة، ولا يتعدى الحكم إلى غير الأصول من الأقارب.
وإذا كانت الأم رقيقة والولد حرًا أو عكسه .. فلا منع من بيع المملوك قطعًا، ولو كانت الأم لواحد والولد لآخر .. جاز لكل منهما بيع ما في ملكه، والأب كالأم على الأظهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ملعون من فرق بين والد وولده) رواه أبو داوود [2689]. فلو رضيت الأم بالتفريق .. فالأصح: الامتناع أيضًا.
قال: (حتى يميز) فيستغنى عن الحضانة؛ لأنه حينئذ يفهم الخطاب ويرد الجواب، سواء حصل قبل سبع سنين أو بعدها.
وحكم الولد المجنون في ذلك حكم غير المميز، فيمتنع التفريق فيه إلى أن يُفيق.
قال: (وفي قول: حتى يبلغ)؛ لما روى الحاكم [2/ 55] عن حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه –وقال: صحيح الإسناد- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يفرق بين الأم وولدها)، قيل: إلى متى؟ قال: (حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية)، ولأنه قبل البلوغ ناقص التمييز، ولهذا جاز التقاطه مالم يبلغ.
وأجاب الأولون عن الحديث بأن الدارقطني ضعفه.
وأما بعد البلوغ .. فلا يحرم جزمًا، خلافًا لأحمد، لكن عندنا يكره.

وَإِذَا فَرَّقَ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ .. بَطَلَا فِي الأَظْهَرِ.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَرَبُونِ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ وَيُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ لِتَكُونَ مِنَ الثَّمَنِ إِنْ رَضِيَ السِّلْعَةَ، وَإِلَّا .. فَهِبَةً.

 قال: (وإذا فرق ببيع أو هبة .. بطلا في الأظهر)؛ لعدم القدرة على التسليم شرعًا.
وروى أبو داوود [2689] والحاكم [2/ 55] والبيهقي [9/ 126] من حديث ميمون بن أبي شبيب عن علي رضي الله عنه: (أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع).
والثاني –وهو القديم-: يصح؛ لأن التحريم للإضرار لا لخلل في العقد.
وقوله: (بطلا) بعد العطف بـ (أو) معترض كما تقدم غير مرة.
وإذا قلنا: بالصحة لا يقرهما على التفريق، بل إن رضي المتبايعان بضم أحدهما إلى الآخر .. استمر العقد، وإلا .. فسخ.
فرع: يجوز التفريق بين البهيمة وولدها بعد استغنائه عن اللبن، لكن يكره لا لغرض صحيح، وفيه وجه: أنه لا يجوز، وهو مخصوص بالتفرقة بغير الذبح، أما به .. فيجوز قطعًا، قاله المصنف.
قال الشيخ: المراد: ذبح الولد، أما ذبح الأم مع بقاء الولد .. فيظهر أنه كغير الذبح.
قال: (ولا يصح بيع العربون؛ بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة، وإلا .. فهبة)؛ لما روى مالك [2/ 609] وأبو داوود [3496] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان)، ولأنه اشتمل على شرطين فاسدين: أحدهما: شرط الهبة.
والثاني: شرط الرد على تقدير أن لا يرضى.
وصورة المسألة: أن يقع الشرط في صلب العقد، فإن اتفقا عليه قبل ذلك ولم يتلفظا به .. فالبيع صحيح.

فَصْلٌ: بَاعَ خَلًّا وَخَمْرًا، أَوْ عَبْدَهُ وَحُرًّا، أَوْ وعَبْدَ غَيْرهِ، أَوْ مُشْتَرَكًا بِغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ .. صَحَّ فِي مِلْكِهِ فِي الأَظْهَرِ،  و (العربون) أعجمي معرب، وفيه ست لغات: أفصحهن: فتح العين والراء، وضم العين وإسكان الراء، وعُرْبان بالضم والإسكان أيضًا، وإبدال العين همزة مع الثلاثة.
ومن لحن العوام (عَرْبون) بفتح العين وإسكان الراء.
تتمة: يحرم الاحتكار والتسعير على الأصح فيهما.
فـ (الاحتكار): أن يشتري القوت وقت الغلاء ليبيعه فيه بأزيد مما اشتراه به، ولا بأس أن يشتري به وقت رخصه ليبيعه وقت الغلاء، ولا أن يمسك غلة ضيعته ليبيعها وقت الغلاء، لكن الأولى أن يبيع ما فضل عن كفايته، فإن كان بالناس ضرورة وعنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله سنة .. وجب عليه بيع الفضل، فإن لم يفعل .. أجبر عليه.
و (التسعير): بأن يأمر الإمام أو نائبه أهل السوق أن لا يبيعوا بضائعهم إلا بكذا.
وقيل: يكره ذلك.
وقيل: يجوز بزمن الغلاء دون الرخص، ويلحق بالأقوات علف الدواب في الأظهر وإذا سعر فخالف وباع .. عزر، وفي صحة البيع وجهان، حكاهما المتولي.
قال المصنف: قلت: الأصح: صحة البيع.
وإنما لم يذكر المصنف تحريم الاحتكار والتسعير؛ لأن كلامه في العقد المنهي عنه، والنهي فيهما ليس راجعًا إلى العقد.
قال: (

فصل

: باع خلًا وخمرًا، أو عبده وحرًا، أو وعبد غيره، أو مشتركًا بغير إذن الآخر .. صح في ملكه في الأظهر) ضمن المصنف هذا الفصل حكم تفريق الصفقة، وهي اسم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  للعقد، وتفريقها على ثلاثة أقسام: الأول: في الابتداء، ومنه الأمثلة التي ذكرها المصنف.
والثاني: في الدوام، كما إذا تلف أحد العبدين قبل القبض.
والثالث: في اختلاف الأحكام، كالجمع بين البيع والإجارة.
فابتدأ بالتفريق في الابتداء، فإذا باع ما يملكه وما لا يملكه .. صح في ملكه في الأظهر؛ قصرًا للفساد على الفاسد، وهذا هو العدل، كمن باع شقصًا وسيفًا تثبت الشفعة في الشقص إفرادًا لكل واحد بحكمه، وإلى هذا ذهب المزني.
والثاني: يبطل فيهما، والأصح في تعليله: أن اللفظة الواحدة جمعت حرامًا وحلالًا فغلب الحرام، وهذا القول صححه الربيع وقال: إنه آخر قولي الشافعي.
وقال في (المهمات): إنه المعتمد المفتى به، وإن الذي صححه الشيخان من الصحة خلاف مذهب الشافعي.
وصورة المسألة: أن يقول: بعتك هذين الخلين أو العبدين أو هذين، فلو قال: بعتك هذا الخل والخمر أو العبد والحر .. بطل جزمًا، واختار الشيخ أنه لا فرق.
تنبيهات: أحدها: أقرب صور الكتاب إلى الصحة الأخيرة، إذا قيل: يصح فيها قطعًا، ثم التي قبلها، ثم التي قبلها، وأبعدها الأولى: لأن الخمر لا تقوم إلا بتقدير تغيير في خلقها.
وقيل: لا يصح في الأوليين قطعًا، ولهذا رتبها المصنف كذلك.
الثاني: خلاف تفريق الصفقة يجري في كثير من أبواب البياعات والإجارات والأنكحة والشهادات، وغيرها مما ليس مبنيًا على السراية والتعليق، فأما ما كان مبنيًا

فَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إِنْ جَهِلَ، فَإِنْ أَجَازَ .. فَبِحِصَّتِهِ مِنَ الْمُسَمَّى بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِمَا،

 على ذلك كالطلاق والعتق .. فيصح بلا خلاف، فلو طلق امرأته أربعًا أو أعتقها هي وأجنبية .. نفذ في الذي يملكه بالإجماع.
الثالث: يستثنى ما إذا أجر الراهن العين المرهونة مدة تزيد على محل الدين.
وإذا استعار شيئًا ليرهنه بدين فزاد عليه .. فالأصح فيهما: البطلان في الجميع.
وإذا فاضل في الربويات، أو زاد في خيار الشرط على ثلاثة أيام، أو في العريا على القدر الجائز .. بطل في الجميع جزمًا.
وإذا أوصى من لا وارث له بأكثر من الثلث .. صحت في الثلث من غير تخريج على الخلاف.
قال: (فيتخير المشتري إن جهل)؛ لتبعيض الصفقة عليه، وهذا الخيار على الفور؛ لأنه خيار نقص، قاله ابن الرفعة.
واحترز عما إذا كان عالمًا؛ فإنه لا خيار له، وفيما يلزمه القولان الآتيان، وقيل: يجب الجمع قطعًا.
قال: (فإن أجاز .. فبحصته من المسمى باعتبار قيمتهما)؛ لأنه جعل الثمن في مقابلتهما فيقدر الحر عبدًا قطعًا، والخنزير شاة على الأصح، والخمر خلًّا كما صححه في زوائد (الروضة)، وقيل: عصيرًا، وهو الأشهر في (شرح المهذب).
فإن كان المملوك يساوي مئة والآخر يساوي مئتين .. فالمجموع ثلاث مئة، حصة المملوك منها الثلث، فيؤخذ ثلث المسمى في العقد، فإن كان اشتراهما بمئة وخمسين .. أوجبنا خمسين، وإن اشتراهما بست مئة .. أوجبنا مئتين.
وأشار بقوله: (باعتبار قيمتهما) إلى أن المسألة مفروضة فيما إذا كان الذي لا يصح فيه العقد له قيمة عند بعض الناس؛ بأن يكون مقصودًا كالخمر، فإن لم يكن مقصودًا كالدم والحشرات .. كانت الإجازة بالجميع.

وَفِي قَوْلٍ: بِجَمِيِعِهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدَيْهِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ .. لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الآخَرِ عَلَى الْمذْهَبِ، بَلْ يَتَخَيَّرُ  قال: (وفي قول: بجميعه)؛ لأنه لغا ذكر المضموم فيقع في مقابلة الصحيح.
وفي قول ثالث: إن كان المبيع مما يتقسط الثمن على أجزائه كالمشترك .. وجب القسط، وإن تقسط على قيمته كالعبدين .. وجب المسمى.
وفي رابع: إن كان الآخر له قيمة كعبد الغير .. وجب القسط، وإن لم يكن كالخمر .. وجب المسمى؛ لعدم إمكان التوزيع.
تنبيه: أطلق المصنف الخلاف، ومحله في غير الربوي، أما الربوي، فإذا خرج بعض أحد العوضين فيه مستحقًا وصححنا العقد في الباقي .. فالواجب حصته بلا خلاف؛ لأن الفضل بينهما حرام.
قال: (ولا خيار للبائع)؛ لتفريطه حيث باع ما لا يملك وطمع في استحقاق ما لا يستحق، وقيل: يثبت له الخيار إذا أوجبنا القسط.
قال: (ولو باع عبديه فتلف أحدهما قبل قبضه .. لم ينفسخ في الآخر على المذهب) هذا هو القسم الثاني من تفريق الصفقة وهو تفريقها في الدوام، وإنما لم ينفسخ العقد في الثاني؛ لأنه لم يجمع بين حلال وحرام.
والطريق الثاني: يتخرج على القولين فيما إذا باع ما يملكه وما لا يملكه؛ تنزيلًا للطارئ قبل القبض منزلة المقارن للعقد كما سوينا بينهما في الرد بالعيب.
قال: (بل يتخير) كما في الابتداء؛ لفوات مقصوده، وهذا راجع إلى الصور الثلاث.
هذا إذا كان الآخر في يد البائع أو يد المشتري باقيًا، فإن كان في يده تالفًا ..

فَإِنْ أَجازَ .. فَبِالْحِصَّةِ قَطْعًا.
وَلَوْ جَمَعَ فِي صَفْقَةٍ مْخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ كَإِجَارَةٍ وَبَيْعٍ أَوْ سَلَمٍ .. صَحَّا فِي الأَظْهَرِ، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَتِهِمَا،  فالأصح في (تعليق القاضي): أنه لا خيار له.
فعلى هذا: عليه حصته من الثمن.
والثاني: له الفسخ ويرد قيمته.
قال: (فإن أجاز .. فبالحصة قطعًا)؛ لأن الثمن قد يوزع عليهما في الابتداء.
وقوله: (قطعًا) تبع فيه (المحرر)، وكان الصواب: أن يعبر بالمذهب؛ لأن الشيخ أبا إسحاق المروزي طرد فيها القولين في عبده وعبد غيره.
قال: (ولو جمع في صفقة مختلفي الحكم كإجارة وبيع أو سلم .. صحا في الأظهر، ويوزع المسمى على قيمتهما) هذا تفريق الصفقة في اختلاف الأحكام.
مثال الإجارة والبيع: أجرتك داري شهرًا وبعتك عبدي هذا بكذا.
ومثال الإجارة والسلم: أجرتك داري شهرًا وبعتك صاع قمح في ذمتي سلمًا بكذا.
فهذه العقود مختلفة الحكم؛ لأن التأقيت في الإجارة شرط وهو في البيع مبطل، والسلم يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس دون البيع.
ونظير ذلك: البيع والصرف؛ لأن التفرق قبل التقابض يبطل الصرف دون البيع.
وكذلك البيع والنكاح؛ لأن النكاح لا يفسد بفساد العوض بخلاف البيع.
إذا تقرر هذا: فوجه الصحة القياس على ما إذا باع ثوبًا وشقصًا من دار؛ فإنه يجوز وإن اختلفا في حكم الشفعة واحتجنا إلى التقويم بسببها.
ووجه البطلان: أن اختلاف الأحكام قد يعرض بسببه ما يوجب الفسخ فيحوج إلى التوزيع وتلزم منه الجهالة.
وأشار المصنف بـ (الإجارة والسلم) إلى أن شرط العقدين أن يكونا لازمين، فلو

أَوْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ .. صَحَّ النِّكَاحُ، وَفِي الْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ الْقَوْلَانِ.
وَتَتَعَدَّدُ الصَّفْقَةُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَن كَبِعْتُكَ ذَا بِكَذَا، وَذَا بِكَذَا، وَبِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ،  جمع بين بيع وجعالة .. لم يصح قطعًا.
ولم يعبر المصنف بعقدين مختلفي الحكم كما في (المحرر) و (الشرح) و (الروضة) و (التنبيه)؛ لئلا يرد عليه البيع والصرف، وما إذا باع عبدين وشرط الخيار في أحدهما دون الآخر، أو شرط في أحدهما يومًا وفي الآخر يومين؛ فإن ذلك كله عقد واحد، ومع ذلك فيه القولان لاختلاف الحكم.
قال: (أو بيع ونكاح .. صح النكاح)؛ لأنه لا يفسد بفساد الصداق، وهذه مكررة في (الصداق).
وصورتها: أن يتحد المستحق؛ بأن يقول: زوجتك بنتي وبعتك عبدها بكذا، إذا كانت تحت حجره أو وكلته في البيع، أو زوجتك أمتي وبعتك عبدي بكذا، إذا كان ممن تحل له الأمة.
قال: (وفي البيع والصداق القولان) أصحهما: الصحة، فيوزع على قيمة المبيع ومهر المثل كما سيأتي في (الصداق).
وإن قلنا: لا يصحان .. سقط جميع المسمى ووجب في النكاح مهر المثل.
وإن جمع بين بيع وخلع .. صح الخلع، وفي المسمى والبيع القولان.
قال: (وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن، كبعتك ذا بكذا، وذا بكذا) سواء فصل المشتري القبول كذلك أم لا على المذهب، فإن فصل الثمن كتفصيل البائع .. صح قطعًا؛ لانتفاء الجهالة، وإن قال: قبلتهما .. فهي متحدة.
قال: (وبتعدد البائع) كما إذا قالا: بعناك ذا بكذا، فإن قبل نصيبهما جملة .. صح قطعًا، وإن قبل نصيب أحدهما واقتصر عليه .. لم يصح في الأصح عند

وَكَذَا بِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي فِي الأَظْهَرِ.
وَلَوْ وَكَّلَاهُ أَوْ وَكَّلَهُمَا .. فَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْوَكِيلِ  الرافعي؛ لاقتضائه جوابهما، وصحح الشيخ الصحة تبعًا للمتولي، ولم يترددوا في التعدد بتعدد البائع، وحكوا وجهين في أنه: هل لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيء من ثمنه؟ أصحهما: نعم.
ولو اشترى شقصين من اثنين .. فللشفيع أخذ نصيب أحدهما في الأصح.
ولو اشترى في العريا تسعة أوسق من اثنين .. صح في الأصح.
قال: (وكذا بتعدد المشتري في الأظهر) كقوله: بعتكما هذا بكذا، فتتعدد الصفقة قياسًا على تعدد البائع.
والثاني: لا تتعدد، كما ليس لأحدهما إفراد حصته بالرد، فأما إذا قلنا بالتعدد فقبل أحدهما دون الآخر .. لم يصح على الأصح عند الشيخين والبغوي؛ لعدم المطابقة.
والذي جزم به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي والبندنيجي والجرجاني، ورجحه المتولي والإمام والغزالي والروياني وابن الرفعة والشيخ: الصحة؛ لأنه لو توقفت صحة قبول أحدهما على الآخر .. لما صح العقد.
ولو اشترى اثنان من اثنين .. فهو في حكم أربعة عقود.
ولا يخفى: أن الصفقة في العرايا والشفعة تتعدد بتعدد المشتري قطعًا وبتعدد البائع على الأصح، عكس المقرر هنا.
قال: (ولو وكلاه أو وكلهما .. فالأصح: اعتبار الوكيل)؛ لأن أحكام العقد من اشتراط الرؤية وثبوت خيار المجلس وغيرهما تتعلق به لا بالموكل.
والثاني: الاعتبار بالمعقود له؛ لأن مرجع أمر العقد إليه، وهذا هو الأصح في (الوجيز) وبعض نسخ (المحرر).
وقد اعتذر المصنف عنه في (الدقائق).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثالث: أن النظر في جانب الشراء إلى الوكيل، وفي جانب البيع إلى الموكل.
والرابع: عكسه.
كل هذا في غير الشفعة والرهن؛ ففيهما الاعتبار بالموكل لا بالوكيل.
تتمة: من المناهي الداخلة في هذا القسم: مبايعة من في يده الحلال والحرام كالظلمة والمكاسين والمنجمين والذي يضرب بالشعير والحصى والرمل والمشعبذ، فكل ما يأخذه هؤلاء بهذا الفعل حرام.
وتكره مبايعتهم سواء كان الحرام أكثر أم الحلال، فإن استويا .. صح، وإن تحقق أن ما يأخذه حرام .. لم تصح المبايعة، وإن تحقق حله .. لم يكره.
وخصص الشيخ عز الدين الكراهة بما إذا كان ذلك من جنس الحرام الذي يكتسبه، فإن كان من غيره .. فلا بأس به وإن تردد في أنه اشتراه به.
وحرم مالك رضي الله عنه معاملة من أكثر ماله حرام؛ لما في (البيهقي) وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يبال من أين مطعمه ولا من أين مشربه .. لم يبال الله به من أي أبواب جهنم أدخله).
وقال: (ملاك دينكم الورع).
وقال في (الإحياء): يحرم أخذ المال من السلطان إذا كان أكثر ما في بيت المال حرامًا كما هو الغالب.
قال المصنف: وهذا شاذ ليس مذهبنا، بل المذهب الكراهة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خاتمة إذا نهب متاع مخصوص فصادف الشخص من ذلك النوع شيئًا يباع، واحتمل أن يكون من المنهوب .. فتركه ورع.
والورع لمن اشترى شيئًا للأكل أو غيره: أن يشتريه بثمن في ذمته، فإنه يملكه قطعًا، بخلاف ما إذا اشتراه بالعين؛ فإنه لا يقطع بأنه ملكه.


بَابُ الْخِيَارِ يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ:

باب الخيار

هو طلب خير الأمرين، والأصل في البيع اللزوم، إلا أن الشارع أثبت فيه الخيار رفقًا بالمتعاقدين، وهو نوعان: خيار تشه، وخيار نقيصة.
فخيار التشهي: ما يتعاطاه المتعاقدان باختيارهما وشهوتهما من غير توقف على فوات أمر في المبيع، وسببه: المجلس، أو الشرط.
وخيار النقيصة سببه: خلف لفظي، أو تغرير فعلي، أو قضاء عرفي، فمنه خيار العيب، والتصرية، والخلف، والفلس، والمرابحة، والتحالف، واختلاط الثمار، وتلقي الركبان.
قال: (يثبت خيار المجلس في أنواع البيع)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر) متفق عليه [خ2107 - م1531] من رواية ابن عمر رضي الله عنهما.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا اشترى شيئًا يعجبه .. فارق المجلس، وتفسير الراوي مقدم على تفسير غيره.
ورواه مالك ثم قال: وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به.
وقال بعض أصحابه: أشار إلى أن إجماع أهل المدينة على نفيه.
ورد بأن ابن المسيب وابن شهاب من أجل فقهاء المدينة ونصا على العمل به، ولم يرد عن أحد من أهلها قبل مالك تركه إلا عن ربيعة على خلاف عنه.
وكان محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب في عصر مالك ينكر عليه ذلك، وكان محمد المذكور عظيم الشأن يشبه سعيد بن المسيب.
وأنكره أبو حنيفة أيضًا.

كَالصَّرْفِ وَبَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ وَالسَّلَمِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالتَّشْرِيكِ وَصُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ.
وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَوْ مَوْقُوفٌ .. فَلَهُمَا الْخِيَارُ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي .. تَخَييَّرَ الْبَائِعُ دُونَهُ  وتعلق المالكية والحنفية بأمور قال ابن عبد البر: أكثرها تشعب لا حاصل له.
والمعنى فيه: أن البيع من عقود المغابنات فشرع فيه الخيار لدفع الغبن.
ودخل في كلام المصنف الإقالة إذا جعلناها بيعًا، وكذلك بيع الأب ما له من طفله وعكسه.
لكن يرد عليه الحوالة والقسمة؛ فالأصح: لا خيار فيهما وإن جعلناهما بيعًا.
وكذلك بيع العبد من نفسه لا خيار فيه على الأصح في (الشرح الصغير) و (شرح المهذب)؛ لأن الإنسان لا يجهل حال نفسه.
وأما الحوالة فيأتي حكمها في أول بابها إن شاء الله تعالى.
قال: (كالصرف وبيع الطعام بالطعام والسلم والتولية والتشريك وصلح المعاوضة) احترز بـ (المعاوضة) عن صلح الحطيطة فلا خيار فيه؛ لأنه إبراء أو هبة ولا خيار فيهما.
لكن يرد عليه الصلح على المنفعة ولا خيار فيه على الأصح؛ لأنه إجارة، وكذلك الصلح عن دم العمد لا خيار فيه أيضًا، قاله القاضي حسين.
قال: (ولو اشترى من يعتق عليه، فإن قلنا: الملك في زمن الخيار للبائع أو موقوف .. فلهما الخيار)؛ لوجود المقتضي له بلا مانع، وهذه طريقة الأكثرين، ولو اشترى من شهد بحريته .. فثلاثة أوجه: أصحها: يثبت للبائع دون المشتري.
قال: (وإن قلنا: للمشتري .. تخير البائع دونه)؛ تنزيلًا للسراية منزلة إعتاق المشتري الأجنبي في زمن الخيار، وعلى قولنا: (الملك له) يسقط خياره في الأصح ولا يسقط خيار البائع على الأصح.

وَلَا خِيَارَ فِي الإِبْرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالْهِبَةِ بِلَا ثَوَابٍ، وَكَذَا ذَاتُ الثَّوَابِ وَالشُّفْعَةُ وَالإِجَارَةُ  تنبيه: أطلق الشيخان وابن الرفعة: أن الخيار إذا انقضى في شراء القريب .. عتق.
قال الجوري في (باب القراض): إذا لم يوف الثمن لا يعتق وإن انقضى الخيار؛ لبقاء حق الحبس، كما لو ورثه وهو مرهون، وأشار الدارمي هناك إلى خلاف فيه.
قال: (ولا خيار في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب) وهي المقيدة بنفيه والمطلقة إذا قلنا: لا تقتضيه؛ لأن اسم البيع لا يصدق على شيء من الثلاثة.
ولا خيار أيضًا: في الرهن، والوقف، والعتق، والطلاق، والعقود الجائزة.
قال: (وكذا ذات الثواب)؛ لأنها لا تسمى بيعًا، والخبر ورد في البيع، لكن في بابي (الهبة) و (الشفعة) من (الشرحين) و (الروضة) ما حاصله تصحيح الثبوت.
قال: (والشفعة) هذا في حق الشفيع، أما المشتري .. فلا خيار له قطعًا، واستدل لما صححه المصنف بأن المأخوذ منه لا خيار له ويبعد ثبوت خيار المجلس من أحد الجانبين، والذي صححه المصنف هنا وافق فيه (المحرر).
وصحح في (الشرح الكبير) في (الشفعة) ثبوت الخيار فيها للشفيع؛ لأن الأخذ فيها ملحق بالمعاوضات بدليل الرد بالعيب والرجوع بالعهدة، لا جرم استدرك عليه في (الروضة) هناك وصحح عدمه ونقله عن الأكثرين، فإن أثبتناه .. فمعناه: أنه بعد الأخذ يتخير في رد الملك وإمساكه، وهذا هو الأصح.
وقيل: معناه: أنه يتخير في المجلس قبل الأخذ بين الأخذ والترك.
ورجوع المالك في عين ماله بالفلس كالشفعة لا خيار فيه على الأصح.
قال: (والإجارة)؛ لأنها عقد غرر والخيار غرر فلا يضم غرر إلى غرر.

وَالْمُسَاقَاةُ وَالصَّدَاقُ فِي الأَصَحِّ.
ويَنْقَطِعُ بِالتَّخَايُرِ؛ بِأَنْ يَخْتَارَا لُزُومَهُ، فَلَوِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا.
سَقَطَ حَقُّهُ وَبَقِيَ لِلاخَرِ،  والثاني: يثبت فيها الخيار؛ لأنها معاوضة لازمة فأشبهت البيع.
وقيل: يثبت في الواردة على الذمة دون الواردة على العين.
وصحح المصنف في (تصحيحه) ثبوت الخيار في الإجارة المتعلقة بالزمان، ويلزم منه الثبوت فيما عدا ذلك بطريق أولى، لكن الصحيح المعتمد في أكثر كتبه وكتب الرافعي: عدم ثبوته فيها.
قال: (والمساقاة)؛ لأنها كالإجارة على العين، وقيل: أولى بالثبوت، وقيل: أولى بالعدم.
والمسابقة، إن قلنا: لازمة .. فكالإجارة.
قال: (والصداق)؛ لأن المال فيه تبع للنكاح ولا خيار فيه.
فعلى هذا: لو شرطه .. بطل ووجب مهر المثل، ويجري الوجهان في بدل الخلع.
قال: (في الأصح) أي: في المسائل الخمس؛ لأنها لا تسمى بيعًا.
والوجه الثاني: أن الخيار ثابت في الجميع؛ لأنها في معنى البيع لثبوت العوض.
قال: (وينقطع بالتخاير، بأن يختارا لزومه) كقولهما: ألزمناه، أو أجزناه، أو رفعنا الخيار، أو أبطلناه، أو أفسدناه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار) أي: إلا بيعًا شرط فيه الخيار.
وقيل: هو استثناء من المفهوم، أي: إلا ما شرط فيه خيار الثلاث فلا يلزم بالتفرق.
ومحل الاتفاق على اللزوم: إذا كان قول الآخر على الفور.
قال: (فلو اختار أحدهما) أي: اللزوم ولم يختر الآخر على الفور (.. سقط حقه وبقي للآخر) كخيار الشرط.

وَبِالتَّفَرُّقِ بِبَدَنِهِمَا، فَلَوْ طَالَ مُكْثُهُمَا أَوْ قَامَا وَتَمَاشَيَا مَنَازِلَ .. دَامَ خِيَارُهُمَا، وَيُعْتَبَرُ فِي التَّفَرُّقِ الْعُزْفُ  وفيه وجه: يسقط خيار الآخر، لأن خيار المجلس لا يتبعض.
والثالث: يبقى لهما، وصححه الماوردي لما قلناه.
وجوابهما: أنه لا يتبعض ابتداء، أما دوامًا: فممنوع.
ولو التزم أحدهما وفسخ الآخر .. قدم الفسخ، ولو قال أحدهما: اختر، أو خيرتك، فقال: اخترت .. انقطع خيارهما، وإن سكت .. انقطع خيار القائل في الأصح ولا ينقطع خيار الساكت.
وإذا باع مال ولده من نفسه أو عكسه، فإن ألزم البيع لهما .. لزم، أو له .. بقي الولد، كذا قاله الشيخان وغيرهما، ولم يذكروا ما إذا ألزم البيع لولده .. فظن شيخنا أنه يلزمه ويسقط خيار الولي أيضًا، لما في إلزامه الولد دونه من عدم النظر له، وليس كذلك؛ فقد صرح في (البسيط) بأنه إذا بطل خيار أحدهما بقي الآخر، وهو الصواب.
قال: (وبالتفرق ببدنهما)؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولابد في ذلك من وصف الاختيار، فلو حمل أحدهما مكرهًا .. لم يبطل خياره في الأصح، ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر .. بطل خيارهما، الهارب لفعله، والماكث لتمكنه من الفسخ بالقول.
واحترز (بالتفرق بالبدن) عن التفرق بالروح، يعني: عن التفرق بالموت؛ فإنه لا يبطل كما سيأتي.
قال: (فلو طال مكثهما أو قاما وتماشيا منازل .. دام خيارهما)؛ لعدم التفرق، وقيل: لا يزيد على ثلاثة أيام، وقيل: إذا أعرضا عما كانا فيه وطال الفصل .. انقطع، وقيل: ينقطع بانتقالهما إلى مجلس آخر.
قال: (ويعتبر في التفرق العرف) فما عده الناس تفرقًا .. لزم به العقد وما لا ..

وَلَوْ مَاتَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ جُنَّ .. فَالأَصَحُّ: انْتِقَالُهُ إِلَى الْوَارِثِ وَالْوَلِيِّ  فلا، فلو كانا في سفينة أو دار أو مسجد صغار .. فبأن يخرج أحدهما من المكان أو يصعد السطح، وإن كانت الدار كبيرة .. فبأن ينتقل من صحنها إلى صفتها أو بيت من بيوتها، وإن كانا في سوق أو صحراء أو صحن دار .. فبأن يولي أحدهما ظهره الآخر ويمشي قليلًا على الأصح.
والثاني: يبعد بحيث لو كلمه على العادة لم يسمع.
والثالث: لابد أن يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع.
والرابع: يكفي تولية الظهر.
والخامس: بمشي خطوة.
والسادس: خطوتين.
والسابع: خطوات.
ولو بني بينهما جدار أو أرخي ستر أو جرى نهر .. لم يكف على الأصح.
فرع: تبايعا بالمكاتبة وقبل المكتوب إليه إما لفظًا أو بالكتابة .. فله خيار المجلس ما دام في مجلس القبول، ويتمادى خيار الكاتب إلى أن ينقطع خيار المكتوب إليه.
قال: (ولو مات في المجلس أو جن .. فالأصح: انتقاله إلى الوارث والولي) كخيار الشرط والرد بالعيب، كذا نص عليه الشافعي رضي الله عنه هنا، ونص في المكاتب على أنه إذا باع ومات في المجلس يلزم البيع ولا ينتقل الخيار إلى سيده، فقيل بتقريرهما، والأظهر: أنهما على قولين: أصحهما: أن الخيار ينتقل للوارث والسيد، والإغماء كالجنون.
ويقابل الأصح: أنه يسقط، أما في الموت .. فلأن الخيار يسقط بمفارقة المكان فبمفارقة الدنيا أولى، وأما في الجنون .. فلأنه في معنى الموت بدليل إسقاط التكليف

وَلَوْ تَنَازَعَا فِي التَّفَرُّقِ أَوِ الْفَسْخِ قَبْلَهُ .. صُدِّقَ النَّافِي  به، وهذا الخلاف يجري أيضًا في انتقاله إلى الموكل بموت الوكيل، وإلى السيد بموت المأذون.
فروع: حيث قلنا بالانتقال فكان المنتقل إليه غائبًا فبلغه .. هل يكون على الفور أو يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر؟ فيه وجهان: أصحهما: الامتداد.
وإذا ورث الخيار جماعة، فإن كانوا حاضرين في المجلس .. فلهم الخيار إلى أن يفارقوا العاقد الآخر، فإن فارق بعضهم دون بعض .. لم ينقطع خيارهم في الأصح، وإذا فسخ بعضهم وأجاز بعض .. انفسخ في الجميع على الأصح.
وإذا تصرف الولي ثم أفاق المجنون .. لم يكن له نقض ما فعله من فسخ أو إجازة، فإن ادعى: أنه خلاف الحظ .. نظر القاضي، فإن وجده كما ادعى .. نقضه.
وإذا كان الوارث طفلًا أو مجنونًا .. نصب الحاكم من يفعل الأصلح له في فسخ أو إجازة.
وإذا خرس أحدهما في المجلس، فإن كانت له إشارة مفهمة أو كتابة .. فهو على خياره، وإلا .. أقام الحاكم عنه نائبًا.
قال: (ولو تنازعا في التفرق أو الفسخ قبله .. صدق النافي) أي: بيمينه في الأولى قطعًا، وفي الثانية على الأصح؛ لأن الأصل دوام الاجتماع.
والثاني: القول قول مدعي الفسخ؛ لأنه أعلم بتصرفه.
قال الرافعي وابن الأستاذ: إطلاق الأصحاب تصديق النافي ظاهر إن قصرت المدة، أما إذا طالت .. فدوام الاجتماع خلاف الظاهر، فلا يبعد تخريجه على الخلاف في تعارض الأصل والظاهر، وهو حسن.

فَصْلٌ: لَهُمَا وَلِأَحَدِهِمَا شَرْطُ الْخِيَارِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ كَرِبَوِيٍّ وَسَلَمٍ  تتمة: اتفقا على التفرق والفسخ واختلفا في السابق .. فههنا تقابل أصلان، قال الشيخ: (ينبغي أن يقال: من سبق بدعوى الفسخ .. قبل قوله، فإن تساويا أو سبق أحدهما بدعوى التفرق .. صدق النافي للفسخ كما في الرجعة) اهـ والذي قاله وجه محكي في (فروع ابن القطان) رحمه الله.
قال: (

فصل

: لهما ولأحدهما شرط الخيار) بالإجماع كذا قاله الرافعي، وفي كلام الدارمي ما ينازع فيه.
فأما جوازه للمشتري .. فاستدل له بالحديث الآتي، وأما للبائع ولهما .. فبالقياس عليه.
ويجوز أن يشترط لأحدهما خيار يوم وللآخر خيار يومين أو ثلاثة وأن يشترط لأجنبي على الأصح؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى اشتراطه له؛ لكونه أعرف بالمعقود عليه، لكن لا يجوز للوكيل اشتراطه إلا لنفسه أو موكله.
قال: (في أنواع البيع) كبيع الحيوان والعقار وغيرهما وكالصلح حيث جعلناه بيعًا.
واحترز بتقييده بـ (البيع) عن الفسوخ والطلاق والعتاق والإبراء والنكاح والإجارة.
قال: (إلا أن يشترط القبض في المجلس كربوي وسلم)؛ فإنه لا يجوز اشتراطه لهما ولا لأحدهما، لأن الخيار أعظم غررًا من الأجل، فإذا امتنع الأجل .. امتنع الخيار من باب أولى.

وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لَا تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ،  وشمل قوله: (كربوي): الصرف وبيع الطعام بالطعام.
وأشار المصنف بالمثالين إلى: أنه لا فرق بين ما يشترط فيه القبض من الجانبين أو من أحدهما، لكن يرد على حصره: المصراة؛ فإنه يمتنع فيها اشتراط الخيار ثلاثًا للبائع، وإذا اشترى من يعتق عليه .. فإنه يمتنع شرط الخيار فيه للمشتري وحده؛ لأنه يلزم من ثبوته عدم ثبوته، والحوالة إذا جعلناها بيعًا .. فإنه لا خيار فيها، والشفعة لا يثبت فيها خيار الشرط وإن ثبت فيها خيار المجلس دون خيار الشرط في وجه، ولا يثبت في الهبة بثواب، وما عدا هذه المواضع يتلازم الخياران في الوفاق والخلاف.
قال: (وإنما يجوز في مدة معلومة)؛ نفيًا للغرر، فلو شرطه مطلقًا أو قدره بمدة مجهولة كمجيء زيد .. بطل العقد، خلافًا لمالك حيث قال: يصح، ويحمل على ما تقتضيه العادة فيه.
ولو تبايعا نهارًا بشرط الخيار إلى الليل .. لم تدخل الغاية.
قال: (لا تزيد على ثلاثة أيام)؛ لأن الأصل امتناعه لكونه مخالفًا لوضع البيع، لكن وردت السنة بالثلاث في المصراة فاقتصر عليه.
واستدل لأن الثلاث مدة قريبة مغتفرة بقوله تعالى: ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب، فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلثة أيام﴾.
ولخصوص الخيار بما روى البيهقي [5/ 273] وابن ماجه [2355] بإسناد حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رجلًا من الأنصار يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال يغبن في البيع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بايعت .. فقل: لا خلابة، ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال)، ورواه البخاري في (تاريخه) [8/ 17] كذلك مرسلًا.
والحديث إلى قوله: (لا خلابة) رواه الشيخان [خ2117 - م1533]، وما زاد على ذلك مرسل، لكن يحتج به لإجماع الأمة على جواز شرط الخيار ثلاثة أيام فما دونها،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فلو زاد عليها .. بطل العقد جزمًا، ولم يخرجوه على تفريق الصفقة؛ لأن القاعدة في تفريق الصفقة: أن يجمع بين ما يجوز وما لا يجوز فيعقد عليهما، وهنا جمع بينهما في الشرط والشروط الفاسدة مبطلة للعقد كما تقدم.
وقال مالك رضي الله عنه: تجوز الزيادة على الثلاث بحسب الحاجة، حتى لو اشترى ضيعة يحتاج النظر فيها إلى شهر فصاعدًا .. جاز اشتراطه.
وعن أحمد: تجوز الزيادة بغير تحديد.
والرجل الذي كان يخدع في البيع .. قال المصنف في (مبهماته) والبخاري في (تاريخه): إنه منقذ –بالذال المعجمة- والد حبان- بفتح الحاء- وكان قد بلغ مئة وعشرين سنة.
وقال الخطيب البغدادي والبيهقي والمصنف في (شرح مسلم): إنه حبان بن منقذ، وجزم ابن الأثير بهما، وحبان ومنقذ صحابيان أنصاريان.
وقوله: (لا خلابة) هو بكسر الخاء المعجمة، ومعناه: لا غبن ولا خديعة، وهذه اللفظة في الشرع عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثًا، فإذا أطلقاها وكانا عالمين بمعناها .. ثبت، وإن كان جاهلين .. فلا، وكذا إن علمها البائع دون المشتري على الأصح.
ويدخل في الثلاث ما اشتملت عليه من الليالي للضرورة، بخلاف مدة مسح الخف فهي ثلاثة أيام وثلاث ليال.
ويشترط اتصال المدة بالعقد فلو شرط ثلاثًا في آخر الشهر، أو خيار الغد دون اليوم، أو متى شاء .. بطل البيع، ولو شرطا ثلاثًا ثم أسقطا اليوم الأول .. سقط الجميع.
ويشترط أن لا يكون المبيع مما يتسارع إليه الفساد قبل الثلاث، فإن كان كذلك وشرطا فيه المدة .. فوجهان:

وَيُحْسَبُ مِنَ الْعَقْدِ، وَقِيلَ: مِنَ التَّفَرُّقِ.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ .. فَمِلْكُ الْمَبِيعِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي .. فَلَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا .. فَمَوْقوُفٌ، فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ .. بَانَ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَإِلَّا .. فَلِلْبَائِعِ  أصحهما: يبطل أيضًا.
والثاني: يصح ويباع عند الإشراف على الفساد ويقام ثمنه مُقامه.
وحيث حكما بفساد العقد بشرط فاسد فحذفاه في المجلس .. لم ينقلب صحيحًا.
قال: (ويحسب من العقد) أي عند الإطلاق؛ لأن سببه العقد فاستعقبه، فلو شرطاه من التفرق .. بطل في الأصح.
قال: (وقيل: من التفرق)؛ لأنه لا فائدة له من خيار المجلس.
قال: (والأظهر: أنه إن كان الخيار للبائع .. فملك المبيع له، وإن كان للمشتري .. فله، وإن كان لهما .. فموقوف، فإن تم البيع .. بانَ أنه للمشتري من حين العقد، وإلا .. فللبائع) مجموع ما في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: الملك للبائع.
والثاني: للمشتري.
والثالث: موقوف.
والمذكور في الكتاب توسط ذكره جماعة وعليه الفتوى، وهي جارية في خيار المجلس وخيار الشرط، وينبني عليها الملك في الأكساب وما في معناها، كاللبن والبيض والثمرة ومهر الجارية الموطوءة بشبهة وغير ذلك.
وأما النفقة .. فقال الجيلي: إن قلنا: الملك لأحدهما .. فهي عليه، وإن قلنا: موقوف .. فعليهما.
وقال ابن الرفعة: يتجه أن يكون كالكسب ويعضده ما قاله الرافعي في نفقة الموصى به، قال: وحيث حكمنا بالملك في البيع لأحدهما .. حكمنا بملك الثمن للآخر، وحيث قلنا: أنه موقوف .. فالملك في الثمن كذلك.

وَيَحْصُلُ الْفَسْخُ وَالإِجَازَةُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا كَفَسَخْتُ الْبَيْعَ، وَرَفَعْتُهُ، وَاسْتَرْجَعْتُ الْمَبِيعَ، وَفِي الإِجَازَةِ: أَجَزْتُهُ، وَأَمْضَيْتُهُ.
وَوَطْءُ الْبَائِعِ وَإِعْتَاقُهُ فَسْخٌ، وَكَذَا بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ وَتَزْوِيجُهُ فِي الأَصَحِّ  أما إذا شرطا الخيار لأجنبي .. فلم أر من تعرض لمن يكون فيه الملك والذي يظهر: أنه موقوف.
قال: (ويحصل الفسخ والإجازة بلفظ يدل عليهما كفسخت البيع، ورفعته، واسترجعت المبيع، وفي الإجازة: أجزته، وأمضيته)؛ لأنها صريحة في المقصود.
قال: (ووطء البائع وإعتاقه فسخ)؛ لأن الوطء يشعر باختيار الإمساك، والإعتاق يتضمنه، ووطؤه في هذه الحالة حلال وإعتاقه نافذ، وخالف الرجعة حيث لا تحصل بالوطء؛ لأن الملك يحصل بالفعل كالاحتطاب فكذلك تداركه، بخلاف النكاح، ومحل هذا في غير الإيلاج في فرج المشكل؛ فإنه إذا حصل من البائع أو المشتري لا يكون فسخًا ولا إجازة.
وأما مقدمات الوطء كالقبلة ونحوها .. فالأصح: أنها ليست فسخًا عند المصنف، والأشبه في (المطلب): أنها فسخ؛ لأنها لا تباح إلا بالملك.
والركوب والاستخدام ليس فسخًا في الأصل خلافًا للبغوي.
ثم إذا قلنا: وطء البائع فسخ .. فهل هو على إطلاقه، أو محله فيمن يبيح الملك وطأها في حال حتى لو كانت أخته لا يكون فسخًا؟ لا نقل فيه، والذي يظهر: أنه ليس بفسخ كما لو تلوط بالغلام.
قال: (وكذا بيعه وإجارته وتزويجه في الأصح)؛ لدلالتها على ظهور الندم.
والثاني: لا؛ لأن الأصل بقاء العقد فيستصحبه إلى أن يوجد الفسخ صريحًا.
وقال الرافعي: يجري هذا الخلاف في الوقف والهبة والرهن إذا اتصلا بالقبض، فإن جعلنا هذه التصرفات فسخًا.
كانت صحيحة في الأصح؛ قياسًا على العتق.

وَالأَصَحُّ: أَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْمُشْتَرِي إِجَازَةٌ، وَأَنَّ الْعَرْضَ عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّوْكِيلَ فِيهِ لَيْسَ فَسْخًا مِنَ الْبَائِعِ، وَلَا إِجَازَةً منَ الْمُشْتَرِي  قال: (والأصح: أن هذه التصرفات) وهي الوطء وما بعده (من المشتري إجازة)؛ لأن وطء البائع اختيار للمبيع فكذا وطء المشتري.
والثاني: لا؛ لأن الفسخ بالعيب لا يمنعه الوطء فكذا هنا.
ومحل الوجهين في الوطء والعتق: إذا لم يأذن البائع فيهما، فإن أذن .. كان إجازة منهما جزمًا.
وأما البيع وما بعده، فإن لم يأذن فيه البائع .. لم ينفذ، لكنه إجازة من المشتري في الأصح، وإن أذن فيه .. فالأصح: صحته، وهو إجازة قطعًا.
واحترز المصنف بـ (التصرفات) عن الإذن فيها، فمجرد ذلك لا يكون إجازة من البائع، حتى لو رجع قبل التصرف .. كان على خياره، قاله الصيدلاني وغيره.
قال في (شرح المهذب): وفيه نظر؛ لأن الاعتبار بالدلالة على الرضا، وهو حاصل بمجرد الإذن.
قال: (وأن العرض على البيع والتوكيل فيه ليس فسخًا من البائع، ولا إجازة من المشتري)؛ لأنهما لا يقتضيان إزالة ملك.
والثاني: نعم؛ قياسًا على الرجوع عن الوصية.
ويجريان في الرهن والهبة إذا لم يقبضا.
تتمة: الوجهان في التوكيل حكاهما المتولي تفريعًا على قولنا: البيع فسخ.
وفي (الرافعي): أن في العرض على البيع والإذن والتوكيل وجهين في كونهما فسخًا من البائع أو إجازة من المشتري، فإن أراد بالإذن التوكيل .. فهو عطف الشيء

فَصْلٌ: لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِظُهُورِ عَيْبٍ قَدِيمٍ كَخِصَاءِ رَقِيقٍ وَزِنَاهُ وَسَرِقَتِهِ وَإِبَاقِهِ  على نفسه، وإن أراد إذن البائع للمشتري في ذلك .. فهي مسألة الصيدلاني المتقدمة التي قطع فيها بأنه لا يكون بمجرده إجازة.
قال: (

فصل

: للمشتري الخيار بظهور عيب قديم) بالإجماع وبالقياس على المصراة.
وروى أحمد [6/ 80] وأبو داوود [3504] والترمذي [1285] وابن ماجه [2243] والحاكم [2/ 15] عن عائشة رضي الله عنها: (أن رجلًا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله ثم وجد به عيبًا فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه).
والمراد بـ (القديم) ما كان قبل القبض ولو حدث بعد العقد، بدليل قوله بعد ذلك: (سواء قارن العقد أو حدث قبل القبض).
قال: (كخصاء رقيق)؛ لأن الفحل يصلح لما لا يصلح له الخصي.
و (الخصاء) بالمد: سل الأنثيين سواء أقطع الوعاء أم الذكر معهما أم لا.
ولو قال: كالخصاء .. كان أجود؛ لأن ذلك في البهائم أيضًا عيب، ولا نظر في ذلك إلى زيادة القيمة؛ لأن الخلقة التامة قد نقصت.
قال: (وزناه وسرقته وإباقه) ذكرًا كان أو أنثى، أقيم عليه الحد أم لا، ولا يشترط تكرر ذلك، بل لو فعل خصلة من الثلاث مرة واحدة .. كان عيبًا، وقيده الغزالي بالاعتياد، وسواء تاب الزاني وحسنت توبته أم لا، وسواء كان صغيرًا أم كبيرًا وإن كان لا حد على الصغير، لكنه يتعود.
وإذا وقعت المخاصمة حالة الإباق لا رد قطعًا ولا أرش على الأصح خلافًا لمالك.
والخيانة كالسرقة واللواط، وكونه يمكن من نفسه كالزنا.
ولو أبق في يد البائع مرة ثم أبق في يد المشتري أخرى .. فالأصح أن له الرد مميزًا كان أو غيره؛ لأن الإباق الثاني أثر الإباق الأول.

وَبَوْلِهِ فِي الْفِرَاشِ وَبَخَرِهِ وَصِنَانِهِ، وَجِمَاحِ الدَّابَّةِ وَعَضِّهَا،  قال: (وبوله في الفراش) ذكرًا كان أو أنثى إلا أن يكون صغيرًا لا يعد ذلك عيبًا فيه، فهذا له شرطان: الاعتياد في الأصح والكبر.
وقيد البغوي الصغير بما دون سبع سنين، والقاضي أبو الطيب وغيره بأن لا يكون مثله يحترز منه.
قال: (وبخره) أي: الناشئ من المعدة، بخلاف الحاصل من القلح؛ فإنه يزول بتنظيف الفم.
قال: (وصنانه) أي: المستحكم الذي يحتاج في دفعه إلى علاج زائد على المعتاد.
ومن عيوب الرقيق: كونه نمّامًا، أو ساحرًا، أو قاذفًا للمحصنات، أو مقامرًا، أو تاركًا للصلاة، أو شاربًا للمسكر، وكونه أعمى، أو أعور، أو أعرج، أو أصم، أو أخرس، أو مجذومًا، أو أبرص، أو أقرع، أو مجنونًا، أو أبله، أو يأكل الطين، أو أخفش، أو أعشى، أو أخشم، أو أفقم، أو له إصبع زائدة، أو سن شاغية، أو مقلوع بعض الأسنان، أو أبيض الشعر في غير أوانهما، أو به نفخة طحال، وجعل الروياني منها كونه أعسر.
وفصل ابن الصلاح فقال: إن كان (أضبط) وهو: الذي يعمل بيمينه ويساره معًا .. فلا رد؛ لأن ذلك زيادة في القوة، وإن كان يعمل بيساره بدلًا عن يمينه .. فهو عيب.
ومن العيوب: كون الأمة لا تحيض في سن الحيض المعتاد.
قال: (وجماح الدابة وعضها)؛ لأن ذلك يعده الناس عيبًا، وكذلك إذا كانت

وَكُلِّ مَا يَنْقُصُ الْعَيْنَ أَوِ الْقِيمَةَ نَقْصًا يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ إِذَا غَلَبَ فِي جِنْسِ الْمَبِيعِ عَدَمُهُ،  (رموحًا) وهي: التي ترفس من دنا منها، أو خشنة المشي بحيث يخاف منها السقوط.
و (الجماح) بكسر الجيم: امتناع الدابة على راكبها.
وشرط المتولي والروياني فيها: أن لا تنقاد إلا باجتماع الناس عليها.
ومن عيوبها: كونها تشرب لبن نفسها، وقلة أكلها، وكونها ترهب كل شيء تراه، ونحو ذلك.
قال: (وكل ما ينقص العين أو القيمة نقصًا يفوت به غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمه) هذا ضابط يُكتفى به عن تفصيل العيوب، فدخل في نقصان العين الخصاء وقد تقدم.
و (فوات الغرض) قيد في نقصان العين خاصة، واحترز به عما لو قطع قطعة يسيرة من ساقه أو فخذه واندملت بلا شين، وعن الختان إذا اندمل.
ولو اشترى عبدًا فختنه ثم وجد به عيبًا .. كان له الرد؛ لأن الختان زيادة فضيلة ليس بعيب.
وقوله: (ينقص) هو على وزن يخرج، هذا هو الفصيح، قال تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئا﴾، ويجوز فيه التشديد على قلة.
والتقييد بـ (الغلبة) راجع إلى القيمة والعين، فأما في القيمة .. فاحترز به عن الثيابة في الأمة الكبيرة فلا رد بها؛ لأنه ليس الغالب فيهن عدمها، وأما في العين .. فاحترز به عن قلع الأسنان في الكبير؛ فلا رد به كما تقدم.
فروع: من العيوب: كون المكان ثقيل الخراج، أو منزل الجند، أو بقربه قصارون يؤذون بصوت دقهم، وظهور مكتوب قديم يقتضي وقفيته ولم يثبت، وكذلك شيوع الوقفية بين الناس؛ لأنها تقتضي نقص القيمة.

سَوَاءٌ قَارَنَ الْعَقْدَ أَمْ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ،  وشق أذن الشاة إن منع الإجزاء في الأضحية .. كان عيبًا، وإلا .. فلا، وينبغي أن يفرق بين ما يقصد بها الأضحية وغيرها.
والحمل: جزم الشيخان هنا بأنه عيب في الجارية دون سائر الحيوان، وجزمًا في آخر الباب بأنه ليس بعيب فيهما، وقالا في (الصداق): إنه عيب فيهما، وفصلا في (الزكاة)، وفي (كفارة الإحرام) بينهما.
وإذا اختلفا في صفة هل هي عيب .. فالقول قول البائع، فإن قال واحد من أهل الخبرة: إنه عيب .. رد به، قال البغوي والقاضي والفوراني واعتبر المتولي شهادة اثنين، وبه أجاب القفال، وهو القياس، وإذا ادعى البائع علم المشتري بالعيب .. فالقول قول المشتري.
قال: (سواء قارن العقد أم حدث قبل القبض) أما المقارن .. فبالإجماع كما تقدم، وأما الحادث قبل القبض .. فلأن المبيع في تلك الحالة من ضمان البائع فكذا جزؤه وصفته.
هذا إذا كان التعيب بآفة سماوية أو من البائع أو أجنبي، فإن كان من المشتري .. فلا على الأصح كما سيأتي.
فلو حدث قبل القبض بسبب متقدم رضي به المشتري كما لو اشترى بكرًا مزوجة عالمًا فأزال الزوج بكارتها قبل القبض .. قال الشيخ: لم أر فيها نقلًا، والأقرب: القطع بأنه لا يوجب الرد لرضاه به.
قاعدة: العيب سبعة أقسام: في البيع ما تقرر.

وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ .. فَلَا خِيَارَ إِلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَطْعِهِ بِجِنَايَةٍ سَابِقَةٍ فيَثْبُتُ الرَّدُّ فِي الأَصَحِّ،  وفي الكفارة ما أضر بالعمل إضرارًا بينًا.
وفي الأضحية والهدي والعقيقة ما نقص اللحم.
وفي النكاح ما نفر عن الوطء، وهو سبعة أشياء: الجنون، والجذام، والبرص، والجب، والعنة، والقرن، والرتق.
وفي الصداق إذا طلق قبل الدخول ما فات به غرض صحيح سواء كان الغالب في أمثاله عدمه أم لا.
وفي الإجارة ما يؤثر في المنفعة تأثيرًا يظهر به تفاوت في الأجرة.
وعيب الغرة كالمبيع.
وعيب الزكاة قيل: كالأضحية، والأصح: كالبيع والموهوب بعوض.
وينبغي أن يزاد قسم ثامن وهو المرهون، فالظاهر: أن عيبه ما نقص القيمة فقط.
قال: (ولو حدث بعده) أي: بعد القبض (.. فلا خيار)؛ لأنه بالقبض صار من ضمانه، وما رواه الحسن عن عقبة وسمرة رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عهدة الرقيق ثلاث ليال) وفي رواية: (أربع)، فجوابه: أن الحسن لم يسمع من عقبة رضي الله عنه شيئًا ولا من سمرة رضي الله عنه إلا حديث العقيقة، لا جرم قال أحمد: لم يثبت في العهدة حديث، فإن حدث بعض القبض وقبل انقضاء الخيار .. كان الحكم كذلك.
قال: (إلا أن يستند إلى سبب متقدم، كقطعة بجناية سابقة فيثبت الرد في الأصح) نظرًا إلى سببه الذي استند إليه.
والثاني –وهو رأي ابن أبي هريرة-: لا يثبت فيه؛ لأنه قد تسلط على التصرف فيه

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل