كتاب الزكاة
هي في اللغة: النمو والبركة وزيادة الخير, يقال: زكا الورع: إذا نما, وزكن النفقة: إذا بورك فيها, وفلان زاك أي: كثير الخير, وتطلق على التطهير قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ أي: طهرها من الأدناس.
وفي الشرع: اسم لقدر من المال يخرجه المسلم في وقت مخصوص لطائفة مخصوصة بالنية, سميت بذلك؛ لأن المال ينمو ببركة إخراجها, ومؤديها يتزكى عند الله.
وأنكر داوود أن لها موضوعًا لغويًا وقال: ما عرف اسمها إلا بالشرع.
والأصل في وجوبها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلى أن قال: ﴿ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾.
ومن السنة: الحديث المشهور: (بني الإسلام على خمس) , وغير ذلك مما يأتي في الباب.
واختلف الأصحاب في آية الزكاة فقيل: مجملة لعدم بيان المأخوذ والمأخوذ منه, وهذا هو المذهب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: عامة, حتى يستدل بها في كل مختلف فيه, إلا ما خرج بدليل.
وقيل: مطلقة دالة على ما ينطق عليه الاسم, والزيادة عليه مأخوذ من السنة.
وفرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر قاله الحافظ شرف الدين الدمياطي؛ بدليل قول قيس بن يعد بن عبادة: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة).
وقيل: قبل الهجرة, وبينت بعدها.
وعن (تاريخ ابن جرير الطبري): أنها في السنة الرابعة.
وهي واجبة في ثمانية أصناف من أجناس المال: الذهب والفضة, والإبل والبقر والغنم, والزرع, والنخل والكرم, ولذلك وجبت لثمانية أصناف من طبقات الناس.
باب زكاة الحيوان
إنَّمَا تَجِبُ مِنهُ فِي النَّعَمِ - وَهِيَ: الإِبِلُ وَالبَقَرُ وَالغَنَمُ -
باب زكاة الحيوان
بدأ المصنف به وبالإبل اقتداء بكتاب رضي الله عنه الآتي قريبًا.
و (الحيوان): جنس الحي.
قال: (إنما تجب منه النعم) بالنص والإجماع.
وسمي نعمًا؛ لكثرة نعم الله فيه على خلقه من النمو وعموم الانتفاع مع كونها مأكولة, فلذلك وجبت الزكاة فيها لاحتمالها المواساة.
قال: (وهي: الإبل والبقر والغنم) هذا عرف شرعي, ونقل الواحدي الاتفاق عليه, وبه جزم المصنف في (باب إحياء الموات) من (التحرير).
وخصه ابن دريد والهروي بالإبل لقول حسان [من الوافر]:
وكانت لا يزال بها أنيس .... خلال بيوتها نعم وشاء
وقيل: يطلق على كل من الإبل والبقر ولا يطلق على الغنم.
و (الأنعام) يشمل الثلاث, وهو جمع: نعم, يذكر ويؤنث, قال الله تعالى: ﴿نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ , وفي موضع: ﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهَ﴾ , وجمع الجمع: أناعم.
ولما كان لفظ (النعم) يذكر ويؤنث عند الجمهور .. أتى المصنف بضميره مؤنثًا.
وقال الفراء: لا يؤنث, تقول: هذا نعم وارد.
فإن قيل: لو حذف المصنف لفظة (النعم) كان أخضر وأسلم .. فالجواب: أفاد بذكرها تسمية الثلاث نعمًا.
و (الإبل): اسم جمع لا واحد له من لفظه, ويجوز تسكين بائه للتخفيف, ويجمع على آبال كجمل وأجمال.
و (البقر): اسم جنس واحدة: بقرة, سمي بذلك؛ لأنه يبقر الأرض أي:
لاَ الخَيلُ والرَّقِيقُ, والمُتَولِّدُ مِنَ الغَنَمِ والظِبَاءِ
يشقها, ومنه قيل [لابن] زين العابدين: الباقر؛ لأنه بقر العلم؛ أي: شقه وتوسع فيه, قال الشاعر [من السريع]:
يا بقر العلم لأهل التقى .... وخير من يمشي على الأخيل
و (الغنم): اسم جنس لا واحد له من لفظة, يطلق على الذكر والأنثى, والجمع: أغنام وغنوم.
قال: (لا الخيل والرقيق)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) [خ 1464 _ م 1982] , وقوله صلى الله عليه وسلم: (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) متفق عليهما, ولأنها تقتنى للزينة والاستعمال لا النماء فأشبهت العقار.
وأوجبها أبو حنيفة في إناثها المفردة والمجتمعة مع الذكور, إن شاء مالكها أعطى عن كل فرس دينارًا, وإن شاء قومها بالدراهم وأخرج زكاتها.
ومحل ذلك إذا لم يكونا للتجارة.
و (الخيل): اسم جمع لا واحد له من لفظه, يطلق على الذكر والأنثى.
وفي (باب الأطعمة) من (التحرير): أن واحده: خايل كركب وراكب, وهو مؤنث.
قال الواحدي: سميت خيلًا؛ لاختيالها في مشيها.
و (الرقيق) يطلق على الواحد والجمع.
قال: (والمتولد من الغنم والظباء)؛ لأنه لا يسمى غنمًا, وكذا ما تولد من البقر الوحشية والأهلية, كما لا يجزئ في الأضحية, وكما لا يسهم للبغل.
وإنما وجب الجزاء على المحرم بإتلافه لتعديه وتغليب التحريم؛ لأن الإحرام مبني على التغليظ والزكاة على التخفيف.
وَلاَ شَيءَ فِي الِإبِلِ حَتَّى تَبلُغَ خَمسًا, فَفِيهَا شَاةٌ, وَفِي عَشرٍ: شَاتَانِ, وَخَمسَ عَشرَةَ: ثَلاَثٌ, وَعِشرِينَ: أَربَعٌ, وَخَمسٍ وَعِشرِينَ: بِنتُ مَخَاضٍ, وسِتِّ وَثَلاِثينَ: بِنتُ لَبُونٍ, وَسِتَّ وَأرَبَعِينَ: حِقَّةٌ, وَإحدَى وَسِتِّينَ: جَذعَةٌ, وَسِتِّ وَسَبعِينَ: بِنتَا لَبُونٍ, وَإحدَى وَتِسعِيَن: حِقَّتَانِ, وِمِئَةٍ وَإحدَى وَعِشرِينَ: ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ, ثُمَّ فِي كُلِّ أَربَعِينَ: بِنتُ لَبُونٍ, وَفِي كُلِّ خَمسِينَ: حِقَّةٌ
وقال أحمد: تجب الزكاة في المتولد مطلقًا.
وأبو حنيفة: إن كانت الإناث غنمًا .. وجبت.
و (الظباء) بالمد, جمع, ظبي, وهو: الغزال.
قال: (ولا شيء في الإبل حتى تبلغ خمسًا, ففيها: شاة)؛ لما روى الشيخان [خ 1405 _ م 980]: (ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة) , وفي رواية [م 980]: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة).
و (الذود) – بإعجام الذال الأولى- الإبل.
وإنما بدأ بافبل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بها في أكثر كتبه التي كتبها للسعاة؛ بسبب أنها كانت أعم أمواله وضبطها يصعب فبدأ بها ليعتني بحكمها.
قال: (وفي عشر: شاتان, وخمس عشرة: ثلاث, وعشرين: أربع, وخمس وعشرين: بنت مخاض, وست وثلاثين: بنت لبون, وست وأربعين: حقة, وإحدى وستين: جذعة, وست وسبعين: بنتا لبون, وإحدى وتسعين: حقتان, ومئة وإحدى وعشرين: ثلاث بنات لبون, ثم في كل أربعين: بنت لبون, وفي كل خمسين: حقة)؛ لما روى البخاري عن أنس بن مالك: أن أبا بكر رضي الله عنهما كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: (بسم الله الرحمن الرحيم, هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فمن سئلها من المسلمين على وجهها .. فليعطها, ومن سئل فوقها .. فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شاة, فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين .. ففيها بنت مخاض أنثى, فإن لم تكن بنت مخاض .. فأبن لبون ذكر, فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين .. ففيها بنت لبون أنثى, فإذا بلغت واحدة وستون إلى خمس وسبعين .. ففيها جذعة, فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين .. ففيها بنتا لبون, فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة .. ففيها حقتان طروقتا الجمل, فإذا زادت على عشرين ومئة .. ففي كل أربعين بنت لبون, وفي كل خمسين حقة) رواه البخارس مقطعًا في عشرة مواضع, وأبو داوود [1561] بكماله.
وقدمه الشافعي على غيره؛ لأنه أصح ومتفق على العمل بجميعه.
وقوله: (وفي أربع وعشرين فما دونها) وقوله: (إلى خمس وثلاثين .. إلى خمس وأربعين .. إلى ستين) كل ذلك دليل على أن الأوقاص ليست بعفو وأن الفرص يتعلق بالجميع, وهو نص (الإملاء) , واختاره ابن سريج ونص في أكثر كتبه على أنها: عفو.
وهو الأظهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (في خمس من الإبل
وَبِنتُ المَخَاضِ: لهَا سَنَةٌ,
شاة, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرًا) وستأتي فائدة الخلاف في ذلك في كلام المصنف في آخر (كتاب الزكاة).
وقول المصنف: (ومئة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون) يعني: أنه لا يتغير الفرص قبل ذلك وهو الصحيح المنصوص.
وقال الإصطخري: إذا زادت على مئة وعشرين ولو بعض واحدة .. وجبت ثلاث بنات لبون محتجًا بقوله في الحديث: (فإذا زادت) ولم يقيد.
واحتج الجمهور بالقياس على سائر النصب؛ فإنها لا تتغير إلا بواحد كامل, وبأنه السابق إلى الفهم من الزيادة, وبقولنا قال الأئمة الثلاثة إلى مئة وعشرين ففيها جقتان بالاتفاق.
ثم عند أبي حنيفة يستأنف الحساب؛ ففي كل خمس يزيد شاة مع الحقتين, فإذا بلغت مئة وخمسًا وأربعين .. ففيها بنت تخاض مع الحقتين, فإذا بلغت مئة وخمسين .. ففيها ثلاث حقاق, ثم يستأنف الحساب في كل خمس زادت شاة مع الحقاق الثلاث إلى أن تبلغ مئة وخمسًا وسبعين .. ففيها بنت مخاض وثلاث حقاق, وقي مئة وست وثمانين بنت لبون وثلاث حقاق, وفي مئتين أربع حقاق.
وحكي الإمام الغزالي عن ابن خيران: أنه خير بعد المئة والعشرين بين مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة.
والصواب: أنه ابن جرير الطبري لا ابن خيران, وقد اتفق الغزالي نظير ذلك فيما إذا قطعت يده أو رجله أو حلق الشعر الذي مسح عليه في الوضوء كما تقدم التنبيه عليه.
قال: (وبنت المخاض: لها سنة) سميت بذلك؛ لأن أمها لحقت بالمخاض وهي الحوامل، ثم لزمها هذا الاسم وإن لم تحمل أمها، ولا تزال كذلك حتى تدخل في الثالثة.
واللَّبُونِ: سَنَتَانِ, وَالحِقَّةُ: ثَلاَث, ٌ وَالجَذعَةُ: أَربَعٌ.
وَالشَّاةُ الوَاجِبَةُ: جَذعَةُ ضَأنٍ لهَاَ سَنَةٌ – وَقِيلَ: سِتَّةُ أَشهُرٍ – أَو: ثَنِيةُ مَعزٍ لَها سَنَتَانِ, وَقِيلَ: سَنَةٌ
قال: (واللبون: سنتان) سميت بذلك؛ لأن أمها لها أن تكون ذات لبن؛ لأنها تمكث بعد ولادتها سنة ثم تحمل ثم تلد في الثالثة.
قال: (والحقة: ثلاث)؛ لأنها استحقت أن تركب ويحمل عليها وأن يطرقها الفحل – والذكر: حق – ولا تزال كذلك حتى تدخل في الخامسة.
قال: (والجذعة: أربع) هي بالذال المعجمة؛ لأنها تجذع مقدم أسنانها, أي: تسقطها.
وقيل: لتكامل أسنانها.
والذكر: جذع.
وهذا آخر الأسنان المنصوص عليها في الزكاة.
وأول ما يولد البعير يسمى: ربعًا ثم هبعا, ثم فصيلًا, ثم ابن مخاض , ثم ابن لبون , ثم حقًا, فإذا دخل في السادسة .. فهو ثني – وهو أول الأسنان المجزئة في الأضحية – وفي السابعة: رباع, والأنثى: رباعية, وفي الثامنة: سدس وسديس, الذكر والأنثى سواء, وفي التاسعة: بازل, وفي العاشرة: مخلف عامين .. إلى خمس سنين.
فإذا تجاوزها .. فهو عود, والأنثى: عودة, فإذا هرم .. فهو قخم, والأنثى .. ناب وشارف.
قال: (والشاة الواجبة: جذعة ضأن لها سنة – وقيل: ستة أشهر – أو ثنية معز لها سنتان, وقيل: سنة)؛ لإطلاق لفظ الشاة في الأخبار وهي صادقة على الذكر والأنثى
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، وَلاَ يَتَعَيَّنُ غَالِبُ غَنَمِ الْبَلَدِ،
وعلى الضأن والمعز، ومختصة في عرف الشرع بالأضحية ودماء الجبرانات بالجذع من الضأن والثني من المعز فنُزّل هنا على ذلك.
والذي صححه المصنف هو المشهور من أقوال أهل اللغة والفقه.
والقول الثاني ذكره بعض اللغويين، وصححه الجرجاني وصاحب (التنبيه) وابن الفركاح.
وقيل: الجذعة ثمانية والثنية ستة حكاه الرافعي، وأسقطه من (الروضة).
وقال ابن الأعرابي: المتولِّد بين شابين يجذع لستة أشهر إلى سبعة، وبين هرمين يجذع لثمانية.
وقيل) يجذع الربيعي لثمانية والخريفي لعام، حكاه شارح (التعجيز).
كل هذا إذا لم يحصل الإجذاع قبل هذا السن، فإن حصل .. أجزأ كاحتلام الغلام قبل خمسة عشر.
قال: (والأصح: أنه مخير بينهما) أي بين الضأن والمعز؛ لأن اسم يقع عليهما جميعًا.
قال: (ولا يتعين غالب غنم البلد)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (في كل خمس شاة)، واسم الشاة صادق على جميع، فله أن يخرج من أدني النوعين الموجودين في البلد.
والثاني: يتعين غالب غنم البلد كالكفارة، فإن استويا .. تخير.
والثالث: يتعين نوع غنم المزكي إن كان له غنم.
والرابع: يجوز من غير غنم البلد لصدق الاسم، وقواه في (شرح المهذب) من جهة الدليل.
وعلى المذهب: لا يجوز العدول عن غنم البلد.
وتعبيره بـ (الصح) مخالف لتعبير (الروضة) بالصحيح.
وَأَنَّهُ يُجْزِئُ الذَّكَرُ، وَكَذَا بَعِيرُ الزَّكَاةِ عَنْ دُونِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ
قال: (وأنه يجزئ الذكر) كالأضحية، ولو تمحضت إبله إناثًا لصدق اسم الشاة عليه؛ فإن الهاء فيها ليست للتأنيث.
والثاني: لا يجزئ كالشاة المخرجة عن أربعين من الغنم.
وقيل: إن كان بعضها إناثًا .. لم يجزئ الذكر.
قال: (وكذا بعير الزكاة عن دون خمس وعشرين) أي: عوضًا عن الشاة الواحدة أو عن الشياه المتعددة؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين فعما دونه أولى.
والثاني: لا، بل لابد في كل خمس من حيوان، فلابد في العشرين مثلًا من أربعة أبعرة، أو أربع شياه، أو بعيران وشاتان، أو ثلاثة أعبرة وشاة أو بالعكس، ولابد في الخمسة عشر من ثلاثة حيوانات، وفي العشر من حيوانين قياسًا على ما سبق.
ولا فرق في البعير بين أن تزيد قيمته على قيمة الشاة أو تنقص على الصحيح.
والثالث- عن القفال-: لا يجزئه الناقص عن قيمتها في خمس، ولا عن قيمتها في عشر، ولا عن قيمة ثلاث في خمسة عشر، ولا عن أربع في العشرين؛ نظرًا إلى أن الشاة أصل والبعير بدل عنها.
وهذه الوجه هي المقابلة للأصح، ولم يقل أحد من الصحاب: إن البعير لا يجزئ مطلقًا، إنما ذلك مذهب مالك وأحمد.
وأشار المصنف بقوله: (بعير الزكاة) إلى أنه: لا بد أن يكون مجزئًا عن خمس وعشرين كذا في (الروضة)، وزاد في (شرح المهذب): أنه لابد أن يكون أنثى.
وفي (الدقائق): أن سنة إن نقص عن السنة يومًا واحدًا .. لا يجزئ.
وإذا أخرج البعير، فإن كانت إبله صحاحًا .. فصحيح، وإن كانت مراضًا .. فمريض.
وإن أخرج الشاة .. لا تجزئه إلا صحيحة؛ لأنها وجبت في الذمة.
ثم البعير المخرج عن خمس، هل يقع كله فرضًا أو خمسه؟
فَإِنْ عَدِمَ بِنْتَ الْمَخَاضِ .. فَابْنُ لَبُونٍ،
فيه وجهان، أصحهما: الأول، وهما كالوجهين فيما إذا ذبح المتمتع بدنة أو بقرة بدل الشاة هل تقع كلها فرضًا أو سبعها؟ وفيمن مسح جميع الرأس في الوضوء، وإذا أطال الركوع والسجود زيادة على القدر الواجب، واختلف في ذلك الترجيح كما تقدم.
و (البعير) يطلق على الذكر والأنثى، ومنه قول بعض العرب: حلبت بعيري، وجمعه: أبعرة وأباعر وبُعْران.
قال: (فإن عدم بنت المخاض)، بأن لا تكون في ملكه حالة الإخراج، أو كانت في ملكه ولكنها مغصوبة أو مرهونة.
قال: (.. فابن لبون) وإن كان قادرًا على شراء ابنة مخاض، لأنه جاء في رواية أبي داوود [1561]: (فإن لم يكن فيها بنت مخاض .. فابن لبون ذكر)، وروى البخاري معناه [1448].
وقوله: (ذكر) أراد به التأكيد؛ لرفع توهم الغلط، فلو أخرج خنثي من أولاد اللبون .. أجزأه في الأصح؛ لأنه إن كان ذكرًا .. فذاك، وإن كان أنثى .. فقد زاد خيرًا.
وقيل: لا؛ لأن الخنوثة تشوه الخلقة فتشبه سائر العيوب.
ولو أراد إخراج هذا الخنثى مع وجود بنت مخاض .. لم يجزئه؛ لاحتمال أنه ذكر.
فروع:
يجزئ ابن اللبون وإن كان أقل قيمة من بنت مخاض، ولا يكلف شراء بنت مخاض وإن قدر عليها.
ولو مات قبل إخراج ابن اللبون وعند وارثه بنت مخاض .. أجزأه ابن اللبون.
ولو لم يكن في إبله بنت مخاض ولا ابن لبون، فهل يتعين تحصيل بنت مخاض؛ لأنها الأصل، أو له تحصيل ابن لبون وإخراجه؛ لأنه إذا حصّله صار موجودًا؟ فيه وجهان، أصحهما: الثاني.
وَالْمَعِيبَة كَمَعْدُومَةٍ.
وَلاَ يُكَلَّفُ كَرِيمَةً لَكِنْ تَمْنَعُ ابْنَ لَبُونٍ فِي الأّصَحِّ.
وَيُؤْخَذُ الْحِقُّ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ، لاَ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ فِي الأَصَحَّ
قال: (والمعيبة كمعدومة)، فيخرج ابن اللبون مع وجودها؛ لأنها غير مجزئة.
قال: (ولا يكلف كريمة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (إياك وكرائم أموالهم).
وصورة المسألة: أن تكون عنده بنت مخاض كريمة وإبله مهازيل، فإن تطوع بها .. فقد أحسن.
وأفهم: أنه لو كانت إبله كلها كرامًا .. وجب لإخراجها؛ إذ لا تكليف.
و (كرائم الأموال): نفائسها التي تتعلق بها نفس مالكها؛ لعزتها عليه بسبب ما جمعت من جميل الصفات.
قال: (لكن تمنع ابن لبون في الأصح) المراد: أن الكريمة تمنع إخراج ابن اللبون؛ لأنه قادر على بنت مخاض مجزئة.
والثاني: يجوز إخراجه؛ لأن إخراج الكريمة لا يجب فكانت كالمعدومة، وهذا هو المنصوص وصححه الشيخ أبو حامد وصاحب (المهذب) و (التهذيب).
قال: (ويؤخذ الحَق عن بنت المخاض) أي: عند فقدها؛ لأن إخراج ابن اللبون جائز فالحق أولى.
وقيل: لا يجزئ؛ لأنه لا مدخل له في الزكوات.
ومقتضى المذهب: لأنه لا يعطى معه جبران، لأن الجبران مخصوص بالإناث؛ لأن الذكور لا يعلم التفاوت بينها.
قال: (لا عن بنت لبون في الأصح)؛ لأن تفاوت السن بين بنت المخاض وابن اللبون ليس كتفاوته بين بنت اللبون والحق.
وَلَوِ اتَّفَقَ فَرْضَانِ كَمِئَتَيْ بَعِيرٍ .. فالْمَذْهَبُ: لاَ يَتَعَيَّنُ أَرْبَعُ حِقَاٍ، بَلْ هُنَّ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِنْ وَجَدَ بِمَالِهِ أَحَدَهُمَا .. أَخَذَ، وَإِلاَّ .. فَلَهُ تَحْصِيلُ مَا شَاءَ
والثاني: نعم؛ لانجبار فضيلة الأنوثة بزيادة السن، كما يجوز إخراج ابن اللبون بدلًا عن بنت المخاض.
وكان ينبغي للمصنف أن يعبر بـ (الصحيح)؛ لأن الخلاف ضعيف جدًا.
قال: (ولو اتفق فرضان كمئتي بعير .. فالمذهب: لا يتعين أربع حقائق، بل هن أو خمس بنات لبون)؛ لأنها أربع خمسينات وخمس أربعينات.
وفي (سنن أبي داوود) [1564] عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كانت مئتين .. ففيها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون) أي السنين وجدت أخذت.
والقول الثاني- وهو منصوص القديم-: تتعين الحقائق؛ لأن تغيير الفرض بالسن أكثر من تغييره بالعدد فكان الاعتبار بالسن أولى.
والطريق الثاني: القطع بالأول، وتأويل الثاني على ما إذا لم توجد إلا الحقاق.
قال: (فإن وجد بماله أحدهما .. أخذ)، ولا يكلف تحصيل الآخر؛ للحديث المتقدم، ولو كان أنفع للمساكين، لكنه لو حصل المفقود ودفعه .. كان له ذلك، لاسيما إن كان المفقود أغبط، ولا يجوز الصعود والنزول بجبران إذ لا ضرورة إليه.
والمراد بـ (الوجدان في ماله ...): أن يكون كاملًا مجزءًا، وفقد الأخر بماله كله أو بعضه، أو وجد وهو معيب.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يوجد بماله بصفة الأجزاء (.. فله تحصيل ما شاء)؛ فإنه إذا اشترى أحد الصنفين .. صار واجدًا له.
وله أن يصعد مع الحقائق إلى أربع جذاع بجبران، أو ينزل من بنات اللبون إلى خمس بنات مخاض بجبران، وليس له الصعود من بنات اللبون إلى الجذاع، ولا النزول من الحقاق إلى بنات المخاض بتعدد الجيران في الأصح.
وَقِيلَ: يَجِبُ تَحْصِيلُ الأَغْبَطِ لِلْفُقَرَاءِ- وإِنْ وَجَدَهُمُا .. فَالصَّحِيحُ المْنَصُوصُ: تَعَيُّنُ الأَغْبَطِ وَلاَ يُجْزِئُ غَيرُهُ إِنْ دَلَّسَ أَوْ قَصَّرَ السَّاعِي، وَإِلاَّ .. فَيُجْزِئُ.
وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ قَدْرِ التَّفَاوُتَ،
قال: (وقيل: يجب تحصيل الأغبط للفقراء)، كما يجب إخراج الأغبط إذا وجده كما سيأتي.
قال: (وإن وجدهما) أي: بصفة الأجزاء من غير نفاسة (.. فالصحيح المنصوص: تعين الأغبط)؛ لأن مبنى الزكاة على النظر للفقراء- بخلاف الجبران فإنه شرع تخفيفًا على المالك فكانت الخبرة إليه في الصعود والنزول- إلا أن تكون كرائم .. فينبغي أن يكون كالمعدوم حتى غيره ولا يكلف به.
قال: (ولا يجزئ غيره إن دلس) بأن أخفي الأغبط.
قال: (أو قصر الساعي) بأخذه غير الأغبط مع وجوده، أو لم يجتهد وظن أنه الأغبط.
وحيث قلنا: لا يجزئ .. فعليه إخراجها، وعلى الساعي رد ما أخذ إن كان باقيًا، وقيمته إن كان تالفًا.
قال: (وإلا .. فيجزئ) أي: يحسب من الزكاة لانتفاء الأمرين وليس المراد: أنه يكفي، وشرط في
(التهذيب): أن لا يكون باقيًا، فإن كان باقيًا .. لم يقع عن الزكاة، وهذه التفرقة ضعيفة.
وقيل: يجزئ بكل حال.
وقيل: لا يجزئ مطلقًا.
وقيل: إن فرقه على المساكين .. أجزأ لعسر الاسترجاع، وإن .. فلا.
وقيل: إن دفع المالك مع لعلمه بأنه أدنى .. لم يجزئه، وإن كان الساعي هو الذي أخذه .. جاز.
قال: (والأصح: وجوب قدر التفاوت) أي: ‘ذا قلنا: إنه يقع الموقع؛ لأنه لم يدفع الفرض بكماله، فوجب جبر ما نقص باعتبار القيمة، فإذا كانت قيمة الحقاق
وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهُ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ تَحْصِيلُ شِقْصٍ بِهِ
أربع مئة، وقيمة بنات اللبون خمس مئة وأخذ الحقاق .. فالتفاوت مئة.
والثاني: لا يجب شيء، بل يستحب كما إذا أدى اجتهاد الإمام إلى أخذ القيمة فأخذها لا يجب شيء آخر.
قال: (ويجوز إخراجه دراهم)؛ لضرر المشاركة، ولأنه قد يعدل إلى غير الجنس الواجب للضرورة كمن عليه شاة في خمس من الإبل فلم يجد شاة يخرج قيمتها.
ومن لزمته بنت مخاض، فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله بالثمن .. يعدل إلى القيمة.
فعلى هذا: إن أخرج شقصًا .. جاز.
والمراد بـ (الدراهم): نقد البلد، فإن كان نقدها دنانير .. فدنانير.
قال: (وقيل: يتعين تحصيل شقص به)؛ لأن الواجب الإبل والعدول إلى غير الجنس الواجب في الزكاة ممتنع.
فعلى هذا: الأصح: يجب أن يشتري شقصًا من جنس الغبط.
وقيل: من جنس المخرج.
وقيل: يتخير بينهما.
وقيل: يجب شقص من بعير أو شاة، ولا يجزئ جزء بقرة، لأنها لا مدخل لها في زكاة الإبل.
ولو بلغت إبله أربع مئة، فأخرج أربع حقائق وخمس بنات لبون .. جاز خلافًا للإصطخري، لأن المحذور من المئتين إنما هو التشقيص.
ولو أخرج في صورة المئتين ثلاث بنات لبون وحقتين، أو أربع بنات لبون وحقة .. لم يجز.
وحكم البقر إذا بلغت مئة وعشرين حكم المئتين في أربعة أتبعة وثلاث مسنات.
وَمَنْ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَدِمَهَا وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ .. دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماُ، أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ فَعَدِمَهَا .. دَفَعَ بِنْتُ مَخَاضٍ مَعَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماُ، أَوْ حِقَّةً وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماُ.
وَالْخِيَارُ فِي الشَّاتَيْنِ والدَّرَاهِمِ لِدَافِعِهَا، وَفِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ لِلْمَالِكِ فِي الأَصَحِّ
قال: (ومن لزمه بنت مخاض فعدمها وعنده بينت ليون .. دفعها وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا، أو بنت لبون فعدمها .. دفع بنت مخاض مع شاتين أو عشرين درهمًا، أو حقة وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا)، كما كتب به أبو بكر رضي الله عنه لأهل اليمن).
فإن وجدها .. امتنع النزول عنه وكذا الصعود إلا أن يطلب جبرانًا، لأنه خير.
ولو لزمه حقه أو جذعة فأخرج بنتي لبون، أو لزمته جذعة فأخرج حقتين بلا جبران .. فوجهان:
أصحهما: تجزئ؛ لأنهما تجزئان عما فوق إبله فعنها أولى.
والثاني: لا؛ لأن في الواجب معنىً ليس في المخرج.
قال: (والخيار في الشاتين والدراهم) وهو المالك في النزول، والساعي في الصعود؛ للحديث الصحيح.
وقيل: الخيار للساعي مطلقًا وهو ضعيف.
فإذا كان الدافع رب المال .. ندب له أن يختار الأنفع للفقراء، وإن كان الساعي .. وجب ذلك عليه.
قال: (وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح)؛ لأنهما ثبتا رفقًا بالملك؛ لئلا يحتاج إلى الشراء فلا يليق به إلا التخيير.
والثاني: الخيرة في ذلك إلى الساعي مراعاة لحظ المساكين.
ومحل الخلاف: ما إذا عين الساعي الأحظ والمالك خلافه، فلو كان بالعكس ..
إِلاَّ أَنْ تَكُونَ إِبِلُهُ مَعِيبَةً.
وَلَهُ صُعُودُ دَرَجَتَيْنِ وَأَخْذُ جُبْرَانَيْنِ، وَنُزُولُ دَرَجَتَيْنِ مَعَ ُجبْرَانَيْنِ بِشَرْطِ تَعَذُّرِ دَرَجَةٍ في الأَصَحِّ
أجيب المالك قطعًا ولا يلتفت إلى الساعي؛ لأنه خلاف المصلحة، فإن استوى الأمران قال الإمام: الأظهر: إتباع المالك.
قال: (إلا أن تكون إبله معيبة) .. فالخيرة حينئذ للساعي، وكذلك إذا كانت مراضًا؛ لأن التفاوت بين السليمتين أكثر منه بين المعيبتين، وما جبر أعلى التفاوتين لا يؤخذ من الفقراء جبرًا لأدناهما.
قال الإمام: هذا إذا قلنا: الخيار للملك، فإن قلنا: للساعي فرأى المصلحة للفقراء في ذلك .. جاز.
ولو رضي المالك بالنزول ودفع الجبران .. جاز قطعًا؛ لأنه متبرع بالزيادة.
قال: (وله صعود درجتين وأخذ جبرانين) كما أعطى عن بنت اللبون جذعة عند فقدها وفقد الحقة.
قال: (ونزول درجتين مع جبرانين) كما إذا أعطى عن الحقة بنت مخاض.
وكذلك له ثلاث درجات بأن يعطي بدل الجذعة عند فقدها وفقد الحقة وبنت اللبون بنت مخاض مع ثلاث جبرانات.
وهذا لا خلاف فيه عندنا، إلا أن ابن المنذر اختار لنفسه عدم جواز الزيادة على جبران واحد كما ثبت في الحديث).
والصحيح: الأول؛ لأنه في معنى ما ثبت في الحديث.
قال: (بشرط تعذر درجة في الأصح)، فلا يجوز الصعود والنزول بدرجتين مع التمكن من درجة، أو ثلاث مع التمكن من درجتين؛ لأنه ليس في معنى ما ثبت في الحديث، ولأنه متمكن من تقليل الجبران فلا يعدل عنه.
والثاني: يجوز مع القدرة على الدرجة القربى كما إذا وجد الحقة في المثال الأول، أو بنت اللبون في المثال الثاني، لأنها ليست واجب ماله فوجودها كعدمها.
وَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ جُبْرَانٍ مَعَ ثَنِيَّةٍ بَدَلَ جَذَعَة عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ.
قُلْتُ: واللهُ أَعْلَمُ.
وَلاَ تُجْزِئُ وَعَشْرَةُ دَرَاهِمَ، تُجْزِئُ شَاتَانِ وَعِشْرُونَ لِجُبْرَانَيْنِ
ومحل الوجهين في الصعود من بنت اللبون إلى الجذعة: إذا طلب جبرانين، فإن رضي بجبران واحد .. جاز بالاتفاق.
وقوله: (في الأصح) يعود إلى الشرط لا إلى أصل الصعود والنزول بدرجتين.
قال: (ولا يجوز أخذ جبران مع ثنية بدل جذعة على أحسن الوجهين)؛ لأنها ليست من الأسنان المنصوص عليها في الزكاة، ولأن الجذعة والثنية تتقاربان في القوة والمنفعة.
قال: (قلت: الأصح عند الجمهور: الجواز والله أعلم)؛ لأنها أعلى منها بعام فجاز كالجذعة مع الحقة.
ولو أخرجها بلا جبران .. فلا خلاف في الإجزاء كما يقدم.
ولو اخرج فصيلًا- وهو: ما له دون السنة- عن بنت المخاض وأعطى الجبران .. لم يجز بلا خلاف.
قال: (ولا تجزئ شاة وعشرة دراهم) أي: عن جبران واحد؛ لأن الحديث يقتضي التخيير بين شاتين وعشرين درهمًا، فلا تثبت خيرة ثالثة كما أن الكفارة الواحدة لا يجوز فيها أن يطعم خمسة ويكسو خمسة.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما إذا كان المالك هو الآخذ ورضي بالتفريق فإنه يجوز؛ لأنه حقه فله إسقاطه كما لو قنع بشاة وعشرة دراهم.
قال: (وتجزئ شاتان وعشرون لجبرانين) كما لو أطعم في كفارة يمين وكسا في أخرى، ولا فرق في ذلك بين الساعي والملك ويجبر الآخر على قبوله، وكذلك في ثلاث جبرانات يعطي شاتين واربعين درهمًا، أو أربع شياه وعشرين درهمًا.
وَلاَ الْبَقَرِ حَتَّى تَبْلُغَ ثَلاَثِينَ فَفِيهَا: تَبِيعٌ ابْنُ سَنَةٍ، ثُمَّ في كُلِّ ثَلاَثِين: تَبِيعٌ، وَكُلِّ أَرْبَعينَ: مُسِنَّةٌ لَهَا سَنَتانِ
فروع:
لا مدخل للجبران في زكاة البقر والغنم؛ لعدم وروده فيها.
والشاة هنا كالشاة المأخوذة في خمس من الإبل في الذكورة والأنوثة والسن إن كان المخرج المالك، وإن كان المخرج الساعي .. فالاعتبار بما يرضى به رب المال إن كان دون ذلك، وإن حصل تنازع .. فالمعتبر فيهما ما تقدم.
والدراهم شرطها: أن تكون نقرة قطعًا، قال الإمام: وكذا دراهم الشريعة حيث وردت.
قال: (ولا البقر) أي: ولا شيء في البقر (حتى تبلغ ثلاثين ففيها: تبيع ابن سنة، ثم في كل ثلاثين: تبيع، وكل أربعين: مسنة لها سنتان)؛ لما روى مالك [1/ 259] عن طاووس: أن معاذ بن جبل رضي الله عنه أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا، وأربعين مسنة لها سنتان، وأتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منها شيئًا وقال: (لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا حتى أقدم عليه فأسأله) فتوقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم معاذ رضي الله عنه، وطاووس وإن لم يلق معاذًا رضي الله عنه إلا أنه يماني، وسيرة معاذ رضي الله عنه بينهم مشهورة، هكذا قاله الشافعي رضي الله عنه.
وصحح الترميذي [633] والحاكم [1/ 398] حديث معاذ رضي الله عنه: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن آخذ من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة).
وقوله: (ابن سنة) المراد: أنه دخل في الثانية.
وسمي تبيعًا؛ لأنه يتبع أمه في المسرح، أو لأن قرنه يتبع أذنه.
وقيل: التبيع: ما له ستة أشهر، والمسنة: سنة.
ولو أخرج تبيعة .. أجزأت، بل هي أولى للأنوثة.
وسميت: مسنة؛ لتكامل سنها.
وَلاَ الْغَنَمِ حَتَّى تَبْلُغَ فَشَاةٌ جَذَعَةُ ضَانٍ أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْز، وَفي مِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: شَاتَانِ، وَمِئَتيْنِ وَوَاحِدَةٍ: ثَلاَثٌ، وَأَرْبَعِ مِئَةٍ: أَرْبعٌ، ثُمَّ في كُلِّ مِئَةٍ: شَاةٌ.
فَصْلٌ:
إِنِ اتَّحَدَ نَوْعُ الْمِاشِيَةِ .. أَخَذَ الْفَرْضَ مِنْهُ،
فلو أخرج عن أربعين تبيعين .. أجزأ على الصحيح.
وقال البغوي: لا؛ لأن العدد لا يقوم مقام السن كما لو أخرج عن ست وثلاثين بنتي مخاض.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن التبيعين يجزئان عن الستين فعن أربعين أولى، بخلاف بنتي المخاض فإنهما ليسا من فرض نصاب.
قال: (ولا الغنم حتى تبلغ أربعين فشاة جذعة ضأن أو ثنية معز، وفي مئة وإحدى وعشرين: شاتان، ومئتين وواحدة: ثلاث) شياه (وأربع مئة: أربع، ثم في كل مئة) شاة (شاة)؛ لما رواه البخاري [1454] عن أنس رضي الله عنه، ونقل الشافعي رضي الله عنه: أن أهل العلم لا يختلفون في ذلك.
تتمة:
إذا تفرقت ماشية المالك في أماكن .. فهي كالتي في مكان واحد، حتى لو ملك أربعين شاة في بلدين .. لزمته الزكاة.
وإن ملك ثمانين في بلدين، في كل بلد أربعون .. لا تلزمه إلا شاة واحدة تباعدت المسافة أو تقاربت.
وقال أحمد: إذا تباعدت المسافة .. جعلت كملك رجلين، ففي الثمانين في البلدين شاتان.
لنا: الإجماع على أن الدراهم والدنانير إذا كانت ببلدين .. تجب زكاتها فكذلك الماشية.
قال: (
فصل
: إن اتحد نوع الماشية .. أخذ الفرض منه)؛ لأنه المال المشترك فتؤخذ الأرحبية
فَلَوْ أَخَذَ عَنْ ضَانٍ مَعْزاَ أَوْ عَكْسَهُ .. جَازَ في الأَصَحِّ بِشَرْطِ رِعَايَة الْقِيمَةِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ كَضَانٍ وَمَعْزٍ .. فَفِي قَوْلٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الأَكْثَر، فَإِنِ اسْتَوَيَا .. فالأَغْبَطُ.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُخْرِجُ مَا شَاءَ مُقَسَّطًا عَلَيْهِمَا بالْقِيمَةِ، فَإِذَا كَانَ ثَلاَثُونَ عَنْزًا وَعَشْرُ نَعَجَاتٍ .. أَخَذَ عَنْزاَ أَوْ نَعْجَةً بِقِيمَةِ ثلاَثَةِ أَرْبَاعِ عَنْزٍ وَرُبُعِ نَعْجَةٍ
من الأرحبية، والمهرية من المهرية، والضأن من الضأن، والمعز من المعز.
وسُميت ماشية؛ لرعيها وهي تمشي.
قال: (فلو أخذ عن ضأن معزًا أو عكسه .. جاز في الأصح بشرط رعاية القيمة)؛ لاتفاق الجنس، كالأرحبية مع المهرية، ولهذا يكمل نصاب أحدهما بالآخر.
والثاني: لا كالإبل عن الغنم.
والثالث: لا يجوز المعز عن الضأن ويجوز عكسه؛ لأن الضأن خير من المعز.
و (الضأن) جمع ومفرده: ضائن للمذكر، وضائنة للمؤنث.
و (المعز) بقتح العين وسكونها ومفرده: ماعز للمذكر، وماعزة للمؤنث.
قال: (وإن اختلف كضأن ومعز .. ففي قول: يؤخذ من الأكثر)، وإن كان الأحظ خلافة؛ لأن النظر إلى كل نوع مما يشق، فأتبعنا الأقل الأكثر كما نظرنا إلى الغالب في المركب من الحرير وغيره.
قال: (فإن استويا .. فالأغبط) كما في اجتماع الحقاق وبنات اللبون.
وقيل: يتخير المالك.
قال: (والأظهر: أنه يخرج ما شاء مقسطًا عليهما بالقيمة) رعاية للجانبين.
وفي المسألة قول ثالث: إنه يؤخذ من الوسط كما في الثمار.
إلا أنه لا يأتي في النوعين فقط.
وقيل: يؤخذ الواجب من الأجود.
قال: (فإذا كان ثلاثون عنزًا وعشر نعجات .. أخذ عنزًا أو نعجة بقيمة ثلاثة أرباع عنز وربع نعجة) فإذا قيل مثلًا: قيمة عنز مجزئة دينار، وقيمة التعجة المجزئة دينارات .. أخرج عنزًا أو نعجة قيمتها دينار وربع.
وَلاَ تُؤْخَذُ مَرِيَضةٌ، وَلاَ مَعِيبَةٌ إِلاَّ مِنْ مِثْلِهَا،
قال: (ولا تؤخذ مريضة، ولا معيبة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، وفي (البخاري) [1455] في كتاب أبي بكر رضي الله عنه: (ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عَوار ولا تيس الغنم، إلا أن يشاء المصدق).
و (العَوار) بفتح العين: العيب.
و (تيس الغنم): فحلها المعد لضرابها.
و (المُصْدِق) بتخفيف الدال: الساعي، أي: إلا أن يرى الساعي أن ذلك أفضل للمساكن، فيعود الاستثناء إلى الجميع.
كذا قرره المصنف.
وقال الأكثرون: (المصدّق) بتشديد الدال: المالك فيعود الاستثناء إلى الخيرة فقط، فلا تؤخذ الهرمة ولا المعيبة، ويؤخذ تيس الغنم إذا رضي المالك.
وصورته: إذا كانت الغنم كلها ذكرًا بأن ماتت الإناث وبقيت الذكور.
قال: (إلا من مثلها) أي: في الصورتين؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وأيضًا الفقراء ملكوا منها قدر الزكاة كذلك، ولأنا لو كلفنا المالك غيره لجحفنا به.
فإذا كانت كلها مراضًا .. فمرسضة وسط.
والعيب هنا: ما أثبت الرد في البيع على الصحيح.
هذا إذا كانت ماشيته كلها مراضًا، فإن كانت صحاحًا ومراضًا، وكان الواجب حيوانًا واحدًا كأربعين شاةً .. لم يخرج إلا صحيحة، فإن وجب حيوانان، ونصف ماله صحاح ونصفه مراض- كبنتي لبون في ست وسبعين، وشاتين في مئتين- فطريقان، أصحهما: وجوب صحيحتين بالقسط.
وقيل: تجزئ صحيحة ومريضة.
وحاصل المذهب: أنه لا تؤخذ مريضة إلا إذا تمحضت مراضًا، وكذلك المعيبة.
هذا إذا كان يملك من الصحاح قدر الواجب فإن كان لا يملك في مثالنا إلا
وَلاَ ذَكَرٌ إِلاَّ إِذَا وَجَبَ، وَكَذَا لَوْ تَمَحَّضَتْ ذُكُورًا في الأَصَحِّ- وَفي الصِّغَارِ: صَغِيرَةٌ في الْجَدِيدِ-
صحيحة واحدة .. فالأصح: أنه يخرج صحيحة ومريضة، وقيل: صحيحتين.
قال: (ولا ذكر) بالاتفاق؛ لأن النص ورد بالإناث.
قال: (إلات إذا وجب) كابن اللبون والتبيع في مواضع وجوبهما، لكن يرد عليه، الحق عند فقد بنت المخاض .. فإنه يجزئ خلافًا لابن كج، والمسن فإنه يجزئ عن التبيع، والتبيعان يجزئان عن المسنة خلافًا للبغوي كما تقدم.
قال: (وكذا لو تحمضت ذكورًا في الصح) فيؤخذ الذكر كما تؤخذ المريضة من المراض، لأن أمر الزكاة مبني على الرفق وفي تكليفه الشراء مشقة.
فعلى هذا: يؤخذ في ست وثلاثين ابن لبون أكثر من قيمة ابن لبون، ويؤخذ في خمس وعشرين عند فقد بنت المخاض.
والثاني: لا يجزئ الذكر للتنصيص على الإناث وهذا قوي.
والثالث: إن أدى أخذ الذكر إلى التسوية بين نصابين كابن لبون عن ست وثلاثين لم يؤخذ عن خمس وعشرين، وإلا .. أخذ كابن مخاض عن خمس وعشرين وحق عن ست وأربعين وجذع عن إحدى وستين.
قال: (وفي الصغار: صغيرة في الجديد)؛ لقول أبي بكر رضي الله عنه: (والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لقاتلتهم على منعها)، وفيه دلالتان:
إحداهما: روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ: العناق.
والثانية: إجماع الصحابة؛ لموافقتهم إياه.
والقديم: وجوب الكبيرة؛ لعموم لفظ الأحاديث.
والمراد بـ (الصغير) هنا: ما كان دون سن الفرض، فلو كان فيها واحد من سن الفرض .. منعت إخراج الصغيرة.
وَلاَ رُبَّى، وَأَكُولَةٌ، وَحَامِلٌ،
والمصنف صحح في الكتاب طريقة القولين، وفي (الروضة) طريقة الوجهين، وفي (شرح المهذب) طريقة القطع.
وإثبات الخلاف بالنسبة إلى الإبل والبقر صحيح، وأما في الغنم .. فالجمهور قطعوا فيها بالأخذ؛ لأنه يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير؛ لأن الاعتبار فيها بالعدد كما تقدم.
قال: (ولا رُبَّى) وهي: الحديثة العهد بالنتائج؛ لأنها من كرائم الأموال.
وسميت رُبَّى؛ لأنها تربي ولدها.
وجمعها: رباب.
وهذا الاسم يطلق عليها إلى خمسة عشر يومًا من ولادتها قاله الأزهري، وقال الجوهري: إلى تمام شهرين.
ويكون ذلك في الغنم، وربما جاء في الإبل، وقيل: وفي البقر أيضًا.
وحكي الإمام وجهًا: أن الرَّبَّى لا تؤخذ؛ لأنها لقرب عهدها بالولادة مهزولة.
قال: (وأكولة) وهي: المسمنة للأكل.
هذا قول الشافعي وأبي عبيد، وقال غيرهما: هي الخصي.
وإنما لم تؤخذ؛ لقوله رضي الله عنه: (لا تؤخذ الكولة ولا الرُّبَّى).
قال: (وحامل) سواء كان الحمل مأكولًا أم لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أخذ الشافع- وهي: التي في جوفها ولد- رواه أبو داوود [1575] ولم يضعفه.
ولأن في أخذها إجحافًا بالملك؛ لاشتمالها على حيوان آخر لا يجب، ولهذا سميت شافعًا من الشفع الذي هو نقيض الوتر.
وأوجبها- أيضًا- الشارع؛ تغليظًا في قتل العمد.
والتي طرقها الفحل هنا كالمتحققة الحمل؛ لأن الغالب في البهائم العلوق، بخلاف الأمة الموطوءة إذا دفعها في الغرة فإنها تقبل، ولا نجعلها كالحامل؛ لأن علوقها نادر.
وَخِيارٌ إِلاَّ بِرِضَا الْمَالِكِ
فإن قيل: الحمل نقص فكيف قيل هنا: (الحامل) .. قلنا: قال القاضي حسين: إنه في البهائم ليس بنقص بخلاف الآدميات.
وملخص ما في الآدميات وجهان: صحح الرافعي في الرد بالعيب: أنه ليس بعيب، وفي الصداق: أنه عيب.
وفرق المتولي بين إجزاء الحامل هنا وعدم إجزائها في الضحية، بأن المقصود من الضحية: اللحم والغالب أنه ينقص بالحمل، وفي الزكاة منفعة أهل السُّهمان والحامل أنفع لهم، ولهذا أوجب الشارع إفناث في الزكاة.
ولو كانت ماشيته كلها حوامل .. لم يطالب بحامل.
ويعفي عن هذا الوصف كما يعفي عن الوقض؛ لأن في إيجابها إيجاب حيوانين، بخلاف ما إذا كانت ماشيته كلها سمانًا .. فإنه يطالب بسمينة ويجعل ذلك كشرف النوع.
قال: (وخيار)؛ لحديث معاذ رضي الله عنه.
وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص؛ فإن ما ذكر قبلها خيار أيضًا.
قال: (إلا برضا المالك) أي: في جميع ما ذكر؛ لأنه محسن بالزيادة، وقال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
روى أبو داوود [1578] عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقًا، فمررت برجب فلما جمع لى ماله لم أجد عليه إلا ابنة مخاض، فقلت له: أدِّ ابنة مخاض فإنها صدقتك، فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، فقلت له: ما أنا بأخذ مالم أؤمر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي .. فافعل، فإن قبله منك .. قبلته، وإن رده عليك .. رددته، قال: فإني فاعل، فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا نبي الله! أتاني رسولك زعم أن ما علي إلا ابنة مخاض، وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه عظيمة فتية فردها
وَلَوِ اشْتَرَكَ أَهْلُ الرزَّكاةِ في مَاشِيَةٍ .. زَكَّيَا كَرَجُلٍ، وَكَذَا لَوْ خَلَطَا مُجَاوَرَة بِشَرْطِ أَنْ لاَ تَتَمَيَّزَ في الْمَشْرَعِ، وَالمَسْرَحِ،
علي، وها هي ذه فخذها، فقال صلى الله عليه وسلم: (ذاك الذي، فإن تطوعت بخير .. آجرك الله فيه وقبلناه منك)، فقال: ها هي ذه فخذها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبضها ودعا بالبركة، فدل على جواز أخذ ذلك.
وفي وجه: لا تجزئ الكريمة؛ للنهي عن أخذها.
قال: (ولو اشترك أهل الزكاة في ماشية .. زكيا كرجل) واحد؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (في كل خمس شاة، وفي كذا كذا .... (. ولم يفرق بين كونها لمالك أو مالكين.
واحترز ب، (أهل الزكاة) عما إذا كان أحدهما كافرًا أو مكاتبًا؛ فإنه لا اثر للخلطة كما أن المعلوفة لا يتم بها نصاب السائمة.
ويشترط مع ذلك: بلوغ المالين نصابًا، ودوام الخلطة في الحول.
وهذه تسمى: خلطة ملك وخلطة أعيان وخلطة اشتراك، وقد تفيد تخفيفًا كما إذا ملكا ثمانين فتلزمهما شاة، أو تثقيلًا كما إذا ملكا أربعين .. فتلزمهما شاة.
قال: (وكذا لو خلطا مجاورة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) رواه البخاري [1450] من حديث أنس رضي الله عنه.
وقيل: خلطة الجوار لا اثر لها.
وهو ضعيف.
ويشترط أن يكون المخلوط نصابًا كما تقدم، فلو ملك كل منهما عشرين شاة فخلطا تسع عشرة بمثلها وانفرد كل منهما بشاة .. فلا زكاة، فلو خلطا الشاة بالشاة .. زكيا الربعين.
قال: (بشرط أن لا تتميز في المشروع) وهو: الموضوع الذي تشرب منه الماشية من عين أو نهر أو حوض.
قال: (والمسرح) وهو: ما تجتمع فيه ثم تساق إلى المرعى وهو المرتع.
وَالمُرَاحِ، وَمَوْضِعِ الْحَلَبِ، وَكَذَا الرَّاعِي والْفَحْلُ في الأَصَحَّ، لاَ نِيِّةُ الْخُلْطَةِ في الأَصَحَّ
وقيل: المرتع: الذي ترتع فيه، وقيل: طريقها إليه، وقيل: الموضع الذي تجمع فيه لتسرح.
قال: (والمراح) - بضم الميم- وهم: مأواها ليلًا.
قال: (وموضع الحلب)؛ لما سبق.
و (الحلب) بفتح اللام وحكي إسكانها.
ولا خلاف في اشتراط ذلك، وإنما اشترط اتحاد المالين في هذه الأمور؛ لأنه إذا تميز مال كل واحد منهما بشيء مما ذكرنا لم يصر كمال الواحد في المؤن.
قال: (وكذا الراعي والفحل في الصح)؛ لما روى الدارقطني [2/ 104] عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (والخيطان: ما اجتمعا في الفحل والحوض والراعي)، لكن في سنده ابن لهيعة.
ويجوز تعدد الرعاة قطعًا، لكن يشترط أن لا تنفرد هذه عن هذه براع.
والثاني: لا يشترط الاتحاد في الراعي؛ لأن الافتراق فيه لا يرجع إلى نفس المال، والمراد بـ (الاتحاد): أن يكون الفحل أو الفحول مرسلة فيها تنزوا على كل من الماشيتين بحيث لا تختص ماشية بفحل عن ماشية الآخر، إلا إذا اختلف النوع كضأن ومعز .. فلا يضر قطعًا.
وإذا قلنا بالمذهب .. اشترط أن يكون الإنزاء في مكان واحد كالحلب.
قال: (لا نية الخلطة في الأصح)؛ لأن خفة المؤنة واتحاد المرافق لا يختلف بالقصد وعدمه.
والثاني: تشترط؛ لأن الفرض يتغير بها.
وهما كالوجهين في قصد السوم والعلف.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهات:
أحدها: أفهمت عبارته: أنه لا يشترط اتحاد الحالب والمحلب وهو الأصح، كما لا يشترط اتحاد آلة الجز ولا خلط اللبن على الأصح.
الثاني: محل ما تقدم: إذا لم تتقدم للخلطين حالة انفراد، فإن انعقد الحول على الانفراد ثم طرات الخلطة، فإن اتفق حولاهما بأن ملك كل واحد أربعين شاة ثم خلطا في أثناء الحول .. فالجديد: أنه لا تثبت الخلطة في السنة الأولى فتجب على كل واحد عند تمامها شاة، والقديم: تثبت فيجب على كل واحد نصف شاة.
وإن اختلف حولاهما بأن ملك هذا غرة المحرم وهذا غرة صفر وخلطا غرة شهر ربيع .. فعلى كل واحد عند انقضاء حوله شاة على الجديد، ونصف شاة على القديم.
وإذا طرأ الانفراد على الخلطة، فمن بلغ ماله نصابًا .. زكاه.
والانفراد من وقت الملك.
الثالث: أهمل المصنف حكم التراجع، فإذا أخذ الساعي الفرض من نصيب أحدهما .. رجع على خليطه بالحصة، فإذا كان لأحدهما ثلاثون من البقر ولآخر أربعون .. فواجبهما تبيع ومسنة، على صاحب الثلاثين ثلاثة أسباعهما، وعلى صاحب الأربعين أربعة أسباع، فإن أخذهما الساعي من صاحب الربعين .. رجع على الآخر بثلاثة أسباع قيمتها، وإن أخذهما من الآخر .. رجع بأربعة أسباع.
وإن أخذ التبيع من صاحب الأربعين والمسنة من الآخر .. رجع صاحب المسنة بأربعة أسباعها، وصاحب التبيع بثلاثة أسباعه.
وإن أخذ المسنة من صاحب الربعين، والتبيع من الآخر .. قال الرافعي- تبعًا
وَالأَظْهَر: تَاثِيرُ خُلْطَةِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالنَّقْدِ وَعَرْضِ التِّجَارَةِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَمَيَّزَ: النَّاطُورُ، وَالْجَرِينُ، وَالدُّكَّانُ، وَالْحَارِسُ، وِمِكِانُ الْحِفْظِ، وَنَحْوُهَا
للإمام-: يرجع صاحب المسنة بثلاثة أسباعها، وصاحب التبيع بأربعة أسباعه.
ومنصوص الشافعي رضي الله عنه: المعتمد أن لا رجوع لواحد منهما على الآخر؛ لأن كلا منهما لم يؤخذ منه إلا ما عليه).
قال: (والأظهر: تأثير خلطة الثمر والزرع والنقد وعرض التجارة)؛ لأنهما يرتفقان بالخلط فيها كما يرتفقان في المواشي، واحتج له بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يفرق بين مجتمع ....)، هذا هو الجديد.
والثاني: لا تأثير لها في هذه الأمور؛ إذ لا أوقاص فيها بخلاف المواشي.
والثالث: تؤثر خلطة الشركة دون خلطة الجوار.
قال: (بشرط أن لا يتميز: الناطور، والجرين، والدكان، والحارس، ومكان الحفظ، ونحوها)؛ لأن المالين بذلك يصيران كالمال الواحد.
وصفة الخلطة في هذه الأشياء: أن يكون لكل منهما صف نخيل أو زرع في حائط واحد، أو لكل واحد كيس دراهم في صندوق واحد، أو أمتعة تجارة في خزانة واحدة.
(والناطور) - بالمهملة والمعجمية-: حافظ النخل والشجر.
(والجَرين) - بالفتح: موضع تجفيف الثمرة.
(والحارث) معروف.
وأراد بقوله: (ونحوها): الميزان والزان والنقاد والمنادي والحراث وجداد النخيل والكيال والحمال والمتعهد.
و (الدكان) - بضم الدال المهملة واحد الدكاكين- وهو: الحانوت.
وَلِوُجُوبِ زَكاةِ الْمَاشِيَةِ شَرْطَامِ: مُضِيُّ الْحَوْلِ في مِلْكِهِ، لَكِنْ مَا نُتِجَ مِنْ نَصَابٍ يُزَكَّى بِحَوْلَهَ،
ووقع في (الوجيز) في أول (الباب الثالث) من أبواب
(الإجازة): استأجر دكانًا أو حانوتًا، وهو مما أنكر عليه؛ لأنهما شيء واحد.
قال: (ولوجوب زكاة الماشية شرطان) أي: مع ما سلف: من كونها نعمًا نصابًا، ومع ما سيأتي: من دوام الحول وكمال الملك.
قال: (مضى الحول في ملكه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) رواه أبو داود [1567] ولم يضعفه، وبه قال فقهاء المدينة وعلماء الأمصار، ولأنه لا يتكامل نماؤه قبل الحول.
وفي قول: لا يجب حتى يتمكن من الأداء، وسيأتي الإشارة إليه قبيل (كتاب الصيام).
ولنا قول قديم: إن الوارث يبني على حول الموروث فيزكيه عند تمام حول مورثه.
وسمي الحول حولًا، لمضي سنة ومجئ أخرى؛ لأنها تحول ويأتي غيرها، فسبحان من لا يحول ولا يزول.
قال: (لكن ما نتج من نصاب يزكى بحوله) [أي]: بحول الأصل؛ لما روى مالك [1/ 265] والبيهي (4/ 100]: أن ساعيًا لعمر رضي الله عنه قال له: إن هؤلاء يزعمون أنا نظلمهم نعد عليهم السخلة ولا نأخذها منهم! فقال: (اعتد ليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يده ولا تأخذها منهم)، وهذا الساعي: سفيان بن عبد الله الثقفي، ووقع في (الكفاية): أنه سعيد بن رسيم- كوسيم- وهو وهم.
وكان علي رضي الله عنه يعد الصغار مع الكبار ولا مخالف لهما من الصحابة.
ولأن الحول إنما اعتبر للنماء والسخلة نماء في نفسها.
وصورة المسألة: أن يكون النتاج لصاحب الأصل بسبب ملك الأصل؛ ليخرج ما إذا أوصى بشياه لشخص وبالحمل لآخر .. فلا يزكى بحول النصاب.
وكذا لو أوصى الموصى له بالحمل لمالك الأمات به ومات قبل النتاج ثم حصل
وَلاَ يُضَمُّ الْمَمْلُوكُ بِشِرَاءٍ وَغَيْرِهِ في الْحَوْلِ،
النتاج؛ لأنه ملك بطريق مقصود فجعل كالمستفاد بالشراء، حتى لو نتجت قبل الحول بلحظة .. يزكى بحول النصاب وإن ماتت الأمات كلها قبل انقضاء حولها في الأصح.
وقيل: يشترط بقاء نصاب من الأمات؛ ليستتبع.
وقيل: يشترط بقاء شيء منها ولو واحدة.
وفائدة الضم إنما تظهر: إذا بلغت بالنتاج نصابًا آخر، فإن ملك مئة شاة فنتجت إحدى وعشرين .. وجبت شاتان، ولو نتجت عشرين فقط .. لم يفد.
واحترز بقوله: (نتج) عن الحاصل بالشراء وغيره في أثناء الحول؛ فلا يضم كما سيأتي، وبقوله: (من نصاب) عما دونه.
وقوله: (نتج) - بضم النون وكسر التاء المثناة فوق- معناه: ولد، يقال: نتجت الشاة والناقة نتاجًا.
مهمة:
سيأتي: أن السوم يشترط في النتاج في باقي السنة، فحينئذ لا تضم السخال إلى الأمات ما دامت تقتان بألبانها؛ لأنها تقتات بشيء من أموال المالك- والسائمة: هي الراعية في كلأ مباح- ثم إنها إذا استقلت بعد ذلك بالرعي .. لا تضم أيضًا إلا إذا مضى عليها حول من حين الاستقلال؛ لأن حول السخال عند الضم كحول الأمهات، والكات إذا اعتلفت في أثناء الحول .. انقطع حولها فكذلك السخال.
قال: (ولا يضم المملوك بشراء وغيره في الحول)؛ لأنه لم يحدث من نفس النصاب بخلاف النتاج وربع مال التجارة.
واحترز بقوله: (في الحول) عن النصاب؛ فإنه يضم إليه خلافًا لابن سريج.
فإذا اشترى ثلاثين بقرة ثم اشترى عشرة في أثناء الحول .. ضم إلى الأول في
فَلَوِ ادَّعَى النِّتَاجَ بَعْدَ الْحَوْلِ .. صُدِّقَ، فَإِنِ اتُهِمَ .. حُلِّفَ.
وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ في الْحَوْلِ فَعَادّ أَوْ بَادَلَ بِمِثْلهِ .. اسْتانَفَ .....
النصاب على المذهب؛ فيخرج عند حول الثلاثين تبيع وعند حول العشر ربع مسنة، ثم بعد ذلك عند تمام حول الثلاثين ثلاثة أرباع مسنة وعند حول العشر ربع مسنة أبدًا.
قال: (فلو ادعى) أي: الملك (النتاج بعد الحول .. صدق)؛ لأنه أمين.
قال: (فإن أنهم .. حلف)؛ استظهارًا لحق الفقراء، فإن نكل .. ترك.
وتحليفه مندوب على الأصح، لأن قوله لا يخالف الظاهر، وكذا كل موضع ادعى رب المال ما تسقط به الزكاة وكان الظاهر معه، كما لو ادعى أنه من غير النصاب واتهم.
قال: (ولو زال ملكه في الحول فعاد أو بادل بمثله .. استأنف)؛ لأنه ملك جديد فلا بد من حول.
وشرط المبادلة: أن تكون صحيحة، فالفاسدة لا اثر لها؛ لأنها لم تنقل الملك.
وتعبيره بـ (زوال الملك) يشمل البيع والهبة وغيرهما.
وإتيانه بـ (الفاء) الدالة على التعقيب وبقوله: (بمثله) يؤخذ منه الاستئناف عند طول الزمان وعند الاختلاف في النوع من باب أولى.
وسواء قصد الفرار من الزكاة أم لا، لكن يكره الفرار كراهة تنزيه على الأصح.
وقال في (الوجيز): يحرم، وزاد في (الإحياء): أنه لا يبرئ الذمة الباطن، وأن أبا يوسف كان يفعله.
ثم قال: والعلم علمان ضار ونافع، قال: وهذا من الفقه الضار.
وقال ابن الصلاح: يكون آثمًا بقصده لا بفعله.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: كان قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني صاحب عشرة آلاف دينار، وكان إذا جاء رأس الحول .. دعا بينه وقال لهم:
وَكَوْنُهَا سَائِمَةً،
كبرت سني وضعت قوتي وهذا ما لا أحتاجه فهو لكم، ثم يخرجه فتحمله الرجال على أعناقهم إلى دور بنيه، فإذا جاء رأس الحول .. أتى بنوه فقالوا: يا أبانا؛ إنا قد أملنا حياتك ولا رغبة لنا في المال مادمت حيًا أنت ومالك لنا فخذه، وتسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه فيرده إلى موضعه، يصنع ذلك لإسقاط الزكاة.
فرع:
الأصح: أن الصيارفة يستأنفون الحول كلما بادلوا؛ ولذلك قال ابن سريج: بشر الصيارفة بأن لا زكاة عليهم.
والثاني: لا يستانفون ولا ينقطع الحول بذلك كمال التجارة.
قال: (وكونها سائمة) أي: راعية في كلأ مباح، وهذا هو الشرط الثاني المشار إليه فيما تقدم وهو السرم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.
ودليل ثبوت في الغنم: حديث أنس رضي الله عنه في (البخاري) [1454]، وفي الإبل: حديث بهز بن حكيم في (أبي داوود) [1569] و (النسائي) [5/ 15] والأكثرون على تصحيح نسخته، وألحقت البقر بهما.
فلو أسميت في كلًا مملوك .. فوجهان في (البيان) لا ترجيح فيهما.
قال الشيخ: وكشفت عن ذلك من عشرين مصنفًا مطولًا فلم أر له ذكرًا، وحكي المصنف الوجهين عن (البيان) ثم قال: أصحهما ولم يذكر بعد ذلك شيئًا وكأنه كان يتطلب التصحيح فلم يجده، ثم قال الشيخ: والسبق إلى الفهم: أنه كالعلف يسقط الزكاة.
فّإِنْ علفت مُعْظَمَ الْحَوْلِ .. فَلاَ زَكَاةَ، وَإِلاَّ .. فَالأَصَحُّ: إِنْ عُلِفَتْ قَدْرًا تَعِشُ بِدُونِهِ بِلاَ ضَرَرٍ بَيِّنٍ .. وَجَبَتْ، وَإلاَّ .. فَلاَ، ....
ولو أسامها في الأرض الخرجية .. وجبت الزكاة، قاله القاضي أبو الطيب.
وفي (فتاوى القفال): لو اسيمت في علف اشتراه .. تكون سائمة، فلو جزَّ المباح وقدمه إليها .. كانت معلوفة.
فروع:
لو غصبت المعلوفة وأسماها الغاصب حولًا وأوجبنا الزكاة في المغصوب .. فالأصح: عدم الوجوب؛ لأن المالك لم يقصد الإسامة.
والوجهان في المسألة ينبنيان على اشتراط النية في السوم أو العلف، ولم يصحح في (الروضة) و (أصلها) واحدًا منهما بل قال: يختلف التصحيح باختلاف الصور.
والصواب: التعبير بالإسامة.
ولو علفت السائمة بعلف معصوب .. ففي الوجوب وجهان في (أسرار الفقه) للقاضي حسين.
والمتولد من السائمة والمعلوفة يلحق بأمه في الحول، فإن كانت هي السائمة .. ضم إليها في الحول، وإلا .. فلا.
قال: (فإن علفت معظم الحول .. فلا زكاة)؛ لكثرة المؤنة وخروجها عن اسم السائمة.
قال: (وإلا) أي لم تعلف المعظم (.. فالأصح: إن علقت قدرًا تعيش بدونه بلا ضرر بين .. وجبت) زكاتها، (وإلا .. فلا)، وإذا علفت الماشية قدرًا يسيرًا .. لا أثر له قطعًا.
وإن أسميت في بعض الحول وعلفت في بعضه- وهي مسألة الكتاب- ففيها خمسة أوجه:
أحدهما: أنه يسقط حكم السوم فينقطع الحول، فإن أسميت بعد ذلك .. استؤنف الحول.
وَلَوْ سَامَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ اعْتُلِفَتِ السَّائِمَةُ, أَوْ كَانَتْ عَوَامِلَ فِيِ حَرْثٍ وَنَضْجٍ وَنَحْوِهِ .. فَلاَ زَكَاةٌ فِي الأَصَحَّ
والثاني: أن ذلك لا أثر له, وإنما ينقطع الحول وتسقط الزكاة بالعلف في أكثر السنة.
والثالث الأصح - وبه قال الأكثرون-: إن علفت قدرًا تعيش بدونه .. لم ينقطع الحول, وإن علفت قدرًا لا يبقى الحيوان بدونه .. لم يجب, حتى لو أسامها نهارًا وعلفها ليلًا .. وجبت, قالوا: والماشية تصبر يومين عن العلف ولا تصبر الثلاثة.
والرابع-وهو الأفقه في (الشرح الصغير): - إن علفت قدرًا يعد مؤنة بالإضافة إلى رفق الماشية .. فلا زكاة, وإن كان حقيرًا بالإضافة إليه .. وجبت.
والخامس: أن قليل العلف يقطع السوم.
هذا إذا لم يقصد بعلفه قطعه, فإن قصده .. فالمنصوص: أنه ينقطع لا محالة, لأن النية قارنت الفعل المسقط للزكاة فسقطت.
قال: (ولو سامت بنفسها, أو اعتلفت السائمة, أو كانت عوامل في حرث ونضج ونحوه .. فلا زكاة في الأصح) أشار بالأول إلى أن السوم إذا لم يكن مقصودًا, فهل يكون معتبرًا في إيجاب الزكاة؟ وفي ذلك وجهان:
أحدهما: نعم, لحصول الرفق.
والأصح: عدم الوجوب, لأن المالك لم يلتزمها.
وأما العاملة .. فلا زكاة فيها, لأنها معدة لاستعمال مباح فأشبهت ثياب البدن, وفي (سنن الدارقطنى) [2/ 103]- بإسناد صحيح-عن علي رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (ليس على البقر العوامل شيء) وفي البيهقي) [4/ 99] نحوه.
وبذلك قال جمهور الأصحاب.
وقال الشيخ أبو محمد وجماعة من الخراسانيين: تجب الزكاة فيها, لتوفر المؤنة وفائدة العمل, سواء عملت للمالك أو بأجرة.
وَإَذَا وَرَدَتْ مَاءً .. أُخِذَتْ زَكَاتُهَا عِنْدَهُ, وَإِلاَّ .. فَعنْدَ بُيُوتِ أهْلِهَا.
وَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ في عَدَدِهَا إِنْ كَانَ ثِقَةُ, وَإِلاَّ .. فَتُعَدُّ عِنْدَ مَضِيقٍ
قال: (وإذا وردت ماءً .. أخذت زكاتها عنده, وإلا .. فعند بيوت أهلها) , لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا جَلَبَ ولا جَنَبَ) , ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم) رواه أبو داوود [1587] عن عمرو بن شعيب بإسناد حسن.
فإذا لم يجدها في هذين الموضعين .. فليس للساعي أن يلزم رب الماشية أن يجلبها له من مرعاها, للمشقة, ولا على الساعي إتباعها.
وقال المتولي: إن كان في زمن الصيف .. أخذت زكاتها عند ورودها الماء, وإن كان في غيره .. فعند بيوت أهلها.
ولو كان له ماشيتان عند مائين .. أمر بجمعهما عند أحدهما, إلا أن يعسر عليه ذلك.
قال: (ويصدّق المالك في عددها إن كان ثقة) , لأنه أمين.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يكن ثقة أو قال: لم أعرف عددها (.. فتعدّ عند مضيق) , لأنه أسهل لضبطها, فتمر واحدة بعد واحدة وبيد المالك أو الساعي أو نائبهما قضيب يصيب به ظهر الشاة أو يشير به إليها, فإن اختلفا في مقدارها بعد العدد وكان الفرض يختلف .. أعيد العدد.
فائدة:
روي ابن ماجة [2206] عن علي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السوم قبل طلوع الشمس).
قال الخطابيّ وابن الأعرابي وغيرهما: أصل هذا أن داء يقع على النبات فلا ينحل حتى تطلع الشمس فيذوب, فإن أكلت منه الماشية قبل ذلك .. هلكت.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال عبد اللطيف البغدادي: إنما نهي عنه, لأن العشب قد ينزل عليه في الليل ندىّ يؤذى الماشية ويعلوه وخم, فإذا طلعت الشمس .. قوى وحمي واعتدل وطاب وصح.
وأيضًا , لأنها إذا رعت ليلًا .. كان غذاؤها الأول لم يكمل هضمه, ولم يتكامل خروج ثفله, ولم تقو الحرارة الغريزية به, فإذا طلعت الشمس .. كمل الهضم وخرجت الفضول فيكون أقبل للغذاء وأصح للجسد وأنشط.
وقال قوم: هو أن يساوم بسلعة في ذلك الوقت, لأنه وقت ذكر الله لا يشتغل فيه بشيء غيره.
تتمة:
إذا كانت الماشية متوحشة وكان في أخذها وإمساكها مشقة .. كان على رب المال أن يأخذ السن الواجب عليه ويسلمه إلى الساعي, فإن كان لا يمكن إمساكها إل بعقال .. كان على المالك ذلك, وعلى هذا حملوا قول أبي بكر رضي الله عنه: (والله لو منعونى عقالًا ..) , لأن العقال ها هنا من تمام التسليم.
خاتمة
يستحب للساعي إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمالك: ترغيبًا له في الخير وتطمينًا لقلبه فيقول: آجرك الله فيما أعطيت, وجعله لك طهورًا وبارك الله لك فيما أبقيت.
ولا يتعين دعاء.
وفي وجه: أن الدعاء واجب, وقيل: إن سأله المالك .. وجب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويكره أن يصلي عليه على الأصح, وقيل: خلاف الأولى, وقيل: يستحب, وقيل: يحرم.
قال الشيخ أبو محمد: والسلام في معنى الصلاة فلا يفرد به غير الأنبياء , وهو سنة في المخاطبة للأحياء والأموات.
قال المصنف: ويستحب لكل من أعطى زكاة أو صدقة أو كفارة أو نذرًا أو نحوها أن يقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
بَابُ زَكَاةِ النَّبَاتِ تَخْتَصُّ بِالْقُوتِ,
باب زكاة النبات
النبات يكون مصدرًا تقول: نبت الشيء نباتًا, واسمًا بمعنى النابت وهو المراد هنا, ويطلق على الشجر وهو: ما له ساق, وعلى غيره وهو: الزرع والحشيش.
والزكاة تجب في النوعين, فلذلك عبر بـ (النبات).
والأصل في وجوب زكاتهما قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ , وهو الزكاة, لأنه لا حق فيما أخرجته الأرض غيرها, وفي (سنن أبى داوود) [1595] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ رضي الله عنه: (خذ الحب من الحب).
قال: (تختص بالقوت) , لأن الاقتيات من الضروريات التي لا حياة بدونه, فلذلك أوجب الشارع فيه حقًا لأرباب الضرورات بخلاف ما يؤكل تنعمًا أو تفكهًا.
و (القوت) أشرف النبات وهو: ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام, قيل: سمى بذلك, لبقاء ثفله في المعدة, ومن أسمائه تعالي (المقيت) وهو: الذي يعطى أقوات الخلائق.
و (دعا) صلى الله عليه وسلم: أن يجعل الله رزق آله قوتًا) أى: بقدر ما يمسك الرمق من الطعام, وقال عليه الصلاة والسلام: (كفي بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت) أى: من يلزمه قوته من أهله وعياله, وقال عليه الصلاة والسلام: (قوتوا طعامكم يُبارَك لكم فيه) ,سئل الأوزاعي عنه فقال: صِغَر الأرغفة.
وَهُوَ مِنَ الثَّمَارِ: الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ, وَمِنَ الحَبَّ: الحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالأَرُزُّ وَالْعَدَسُ وَسَائِرُ الْمُقْتَاتِ اخْتِيارًا
قال: (وهو من الثمار: الرطب والعنب) بالإجماع.
قال: (ومن الحب: الحنطة والشعير والأرز والعدس وسائر المقتات اختيارًا)
كالحِمّص والدخن والذرة والباقلاء والماش واللوبياء والجلبان ويسمى: الهُرطُمان, لأن النبي صلي الله عليه وسلم أخذ الزكاة في كثير منها, وألحق الباقي به قياسًا, وفي (البخاري): (أن معاذًا رضي الله عنه كان يأخذ الزكاة من أهل اليمين في الذرة).
واحتزر عما يقتات في حال الاضطرار كحب الحنظل والغاسول والترمس, فإن الشافعي رضي الله عنه قال: لا أعلم أنه يؤكل إلا تفكهًا أو دواء, وقال ابن الصلاح: يأكله أهل الشام تفكهًا, وأهل العراق تداويًا.
وأما ما ليس بقوت .. فمعظمها لا تجب الزكاة فيه بلا خلاف, كالسفرجل والتفاح والرمان والبطيخ والقثاء والسلق والسمسم وبذر القطونا والكمون والكزبرة والجزر والقرنبيط وبذورها وحب الكتان والحلبة والثفاء – وهى: حب الرشاد – والسماق والجوز واللوز والفلفل والثوم والبصل, ومنها ما فيه خلاف في القديم سيأتي.
ولا فرق بين أن يزرع قصدًا أو اتفاقًا, ولا بين الأرض الخراجية وغيرها خلافًا لأبي حنيفة كما سيأتي في خاتمة الباب.
والمستأجرة تجب فيها الزكاة بالإجماع.
ولو استعار أرضًا وزرعها .. فعشر الزرع على المستعير عند الجمهور.
و (الشعير) بفتح الشين على المشهور, ويقال: بكسرها.
وفي (الأرز) ست لغات أشهرها – كما قال في (الدقائق) – فتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي.
و (الحمص) بكسر الحاء, والبصريون يكسرون ميمه والكوفيون يفتحونها.
وقال الرافعي: إن اللوبياء تسمى الدَّجِرِ, وهو بكسر الدال المهملة والجيم.