وَمَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مَسْكَنُهُ.
وَمَنْ بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ أَرَادَهُ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُه ......
ُ.
قال: (ومن مسكنه بين مكة والميقات .. فيمقاته مسكنه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن كان دون ذلك .. فمن حيث أنشأ) فلو ترك مسكنه وقصد الميقات فأحرم منه .. جاز ولا دم عليه، كالمكي إذا خرج إلى الميقات فأحرم منه.
ولو جاوز مسكنه إلى جهة مكة .. فكمجاوزة الميقات.
فرع:
أهل الصفراء وبدر بين ميقاتين أحدهما أمامهم والآخر وراءهم، والمشهور: أن ميقاتهم الجحفة، صرح به الروياني في (البحر).
قال: (ومن بلغ ميقاتًا غير مريد نسكًا ثم أراده .. فميقاته موضعه) ولا يكلف العود؛ لأنه داخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ.)
ولما روى مالك [1/ 331] والشافعي [أم 2/ 140] والبيهقي [5/ 29]: أن ابن عمر رضي الله عنهما أحرم من الفرع.
قال الشافعي رضي الله عنه: وهذا عندنا محمول على أنه مر بالميقات لا يريد إحرامًا ثم بدا له، أو جاء إلى الفرع من مكة أو غيرها ثم بدل له فأحرم.
و (الفرع) بضم الفاء وإسكان الراء: بلاد بين مكة والمدينة.
وشملت عبارة المصنف مسألتين:
إحداهما: إذا لم يقصد دخول مكة، ولا خلاف أنه لا يأثم بمجاوزة الميقات غير محرم.
والثانية: أن يقصد دخول الحرم، وهو كذلك على الأصح، إلا أن يريد النسك ويتجاوز موضع إرادته.
إِنْ بَلَغَهُ مُرِيدًا لَمْ تَجُزْ مُجَاوَزَتُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ , فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِيُحْرِمَ مِنْهُ إلَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ , أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا , فَإِنْ لَمْ يَعُدْ لَزِمَهُ دَمٌ،
قال: (وإن بلغه مريدًا .. لم تجز مجاوزته بغير إحرام) بالإجماع، قاله المصنف، وهو منازع في ذلك؛ فقد حكى ابن المنذر وابن عبد البر الخلاف فيه.
والمراد: لم تجز مجاوزته إلى جهة الحرم، أما إذا جاوزها يمينً أو شمالًا وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد .. فإنه يجوز، قاله الماوردي.
قال: (فإن فعل) أي: جاوزه بغير إحرام (.. لزمه العود ليحرم منه)؛ لأن الإحرام منه كان واجبًا عليه فتركه، وقد أمكنه تداركه فيأتي به، وإذا عاد .. لا دم عليه.
وقيل: إن عاد بعد مسافة القصر .. لزمه.
وظاهر عبارة المصنف: أن العود إليه محتم، وليس كذلك، بل لو عاد إلى مثل مسافته من ميقات آخر .. جاز بالاتفاق.
وعبارته أيضًا توهم وجوب تأخير الإحرام إليه، وليس كذلك، بل له أن يحرم ثم يعود إلى الميقات محرمًا؛ لأن المقصود قطع المسافة، كالمكي إذا أراد الاعتمار .. فإنه يجوز له أن يحرم من مكة ثم يخرج إلى الحل.
قال: (إلا إذا ضاق الوقت، أو كان الطريق مخوفًا) فإنه يريق دمًا ولا يعود؛ لما في العود من الضرر.
واعترض على حصر المصنف بأنه لو خاف على ماله لو تركه .. كان عذرًا، وكذلك لو كان به مرض شاق، أو خاف الانقطاع عن الرفقة.
فلو عبر المصنف بقوله: إلا لعذر كضيق الوقت وخوف الطريق .. لاستقام.
قال: (فإن لم يعد .. لزمه دم)؛ لما روى مالك [1/ 397] عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (من نسي من نسكه شيئًا أو تركه .. فليهرق دمًا) قال الرافعي: ويروى مرفوعًا.
سواء جاوز عالمًا أو جاهلًا عامدًا أو ناسيًا، على أن مسألة السهو لا تأتي؛
أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ، ,وَلَوْ
لاستحالة كون الناسي قاصدًا للنسك، إلا أن يتصور بمن أنشأ سفره من بلده قاصدًا له، وقصده مستمر فسها عنه حين المجاوزة.
وشرط وجوب الدم إذا لم يعد: أن يحرم إما بالعمرة مطلقًا وإما بالحج في تلك السنة، فإن لم يحرم البتة أو أحرم بالحج بعد انقضاء تلك السنة .. فلا دم؛ لأن إحرام هذه السنة لا يصلح لسنة قابلة، والدم إنما يجب لجبر النسك لا بدلًا عنه، وبهذا يظهر أن المجاوزة وحدها ليست كافية في إيجاب الدم، بل الموجب له النقص الحاصل في النسك بسبب المجاوزة.
ولو مر الصبي أو العبد بالميقات غير محرم ثم بلغ أو عتق قبل الوقوف .. فالصحيح: أنه لا دم عليه، وصورة العبد ترد على لفظ الكتاب.
أما إذا نوى الولي الإحرام بالصبي فجاوز به الميقات ثم عقد له .. فهل يلزم الولي الفدية في مال نفسه أو لا فدية؟ وجهان.
قال: (ولو أحرم ثم عاد .. فالأصح: أنه إن عاد قبل تلبسه بنسك .. سقط الدم) سواء كان ركنًا أو سنة؛ لأنه حصل محرمًا في ميقاته قبل التلبس بشيء من أفعاله فصار كما لو أحرم من دويرة أهله.
والثاني: لا يسقط الدم بالعود، وبه قال مالك؛ لأن الإساءة تأكدت بإنشاء الإحرام من غير موضعه.
وقيل: إن عاد قبل مسافة القصر من الميقات .. لم يجب، وإلا .. وجب.
وقضية كلامه: أن الدم وجب ثم سقط بالعود، وهو وجه في (الحاوي).
والصحيح: أنه لا يجب إلا بفوات العود.
وفي وجه ثالث في (الكفاية) عن البندنيجي: أنه مراعًى؛ إن لم يعد .. تبين وجوبه عليه، وإلا .. تبين عدمه.
وحيث أسقطنا الدم بالعود لا تكون المجاوزة حرامًا كما صرح به المحاملي
وإلا .. فلا،
والروياني والعمراني، لكن شرط ذلك أن تكون المجاوزة بنية العود، كذا قيده المحاملي.
قال: (وإلا .. فلا) أي: وإن لم يعد .. لم يسقط الدم سواء كان عامدًا أم ناسيًا أم جاهلًا؛ لنقص إحرامه.
ولا فرق بين أن يكون ذلك النسك ركنًا كالوقوف، أو سنة كطواف القدوم.
وقيل: لا أثر للتلبس بسنة.
فروع:
الأول: قال العمراني: سمعت الشريف العثماني من أصحابنا يقول: المدني إذا جاوز ذا الحليفة غير محرم وهو مريد للنسك فبلغ مكة من غير إحرام، ثم خرج إلى ميقات بلد آخر كذات عرق أو الجحفة وأحرم منه .. فلا دم عليه لمجاوزة ذي الحليفة، بل لا حكم لإرادته النسك لما بلغ مكة غير محرم، فصار كمن دخل مكة غير محرم لا دم عليه.
قال المصنف: وفيه نظر، وهو محتمل.
الثاني: ذمي أتى الميقات يريد النسك فأحرم .. لم ينعقد، فإذا جاوزه ثم أسلم وحج من سنته، فإن عاد إلى الميقات فأحرم منه أو عاد محرمًا .. فلا دم، وإن لم يعد .. لزمه الدم خلافًا للمزني.
الثالث: الأجير إذا حج عن غيره ثم اعتمر لنفسه أو اعتمر عن غيره، ثم حج لنفسه من مكة .. يلزمه الدم؛ لأن إحرامه عن غيره، فكأنه دخل مكة مريدًا للنسك بغير إحرام ثم أحرم، قاله القاضي أبو الطيب، وعزاه البغوي إلى القديم، وزاد البندنيجي فقال: وهكذا الحكم وإن كان لم يعن له أن يعتمر إلا بعد فراغه من الحج عن الغير، وقال القاضي حسين: القياس أنه لا يجب الدم.
الْأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ الْمِيقَاتِ قُلْت الْمِيقَاتُ أَظْهَرُ , وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
.
قال: (والأفضل: أن يحرم من دويرة أهله) وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه أكثر عملًا، ولأن عمر وعليًا رضي الله عنهما فسرا الإتمام في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ بذلك، رواه البيهقي [4/ 341] مرفوعًا، وصحح الحاكم [2/ 276] وقفه.
قال ابن عبد البر: وأهل ابن عمر رضي الله عنهما من بيت المقدس، وأهل ابن مسعود رضي الله عنه من القادسية، وابن عباس رضي الله عنهما من الشام، وهؤلاء فقهاء الصحابة.
وفي (أبي داوود) [1738] و (ابن ماجه) [3002] عن أم سلمة رضي الله عنها: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام .. غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة).
نعم؛ يستثنى من ذلك الحائض والنفساء؛ فقد نقل صاحب (التقريب) عن النص: أن الأفضل لهما أن يحرما من الميقات.
قال: (وفي قول: من الميقات)؛ اتباعًا لفعله صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا ذهب مالك وأحمد.
قال: (قلت: الميقات أظهر، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة والله أعلم)؛ لأن الأمة أجمعت على أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من ذي الحليفة في حجته وفي عمرة الحديبية مع قرب المدينة من ذلك، بل أطلق جماعة الكراهة في تقديم الإحرام على الميقات، ولو قيل: إنه خلاف الأولى .. لكان أولى.
وقيل: إن أمن محظورات الإحرام .. فمن دويرة أهله، وإلا .. فمن الميقات.
وأطلق المصنف أن الإحرام من الميقات أفضل، ومراده إذا لم يلتزم بالنذر الإحرام مما قبله، فإن التزمه .. لزمه من موضع التزامه، فإن جاوزه وأحرم .. فكمن جاوز
وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الْحَرَمِ مِيقَاتُ الْحَجِّ، وَمَنْ بِالْحَرَمِ، يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَأَتَى بِأَفْعَال الْعُمْرَةِ
ِ.
الميقات ثم أحرم في وجوب العود والدم، قاله المصنف وغيره.
قال الشيخ: والقياس أنه كمن نذر الحج ماشيًا .. فحج راكبًا، بل إذا قلنا بالكراهة .. فينبغي أن لا ينعقد نذره.
نعم؛ يستثنى من إطلاق عبارة المصنف: ما لو شك في الميقات لخراب مكانه ونحوه .. فالأفضل أنه يستظهر، وقيل: يجب.
وأفهمت عبارة المصنف: جواز تقديم الإحرام على الميقات المكاني قطعًا، وخالف الميقات الزماني، فإنه لا ينعقد؛ لأن المكاني مبني على الاختلاف في حق الناس فأبيح فيه التقديم، بخلاف الزماني.
ويشكل على الرافعي أنه راعى طول الإحرام هنا، ولم يراعه فيمن أراد الإحرام بالعمرة وهو بمكة كما سيأتي.
ويشكل على المصنف: أن من نذر الإحرام من دويرة أهله أنه وافق على أنه يلزمه، وأن من نذر الحج ماشيًا .. لزمه، وصحح أن الميقات والركوب هنا أفضل.
قال: (وميقات العمرة لمن هو خارج الحرم: ميقات الحج)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ممن أراد الحج والعمرة).
قال: (ومن بالحرم: يلزمه الخروج إلى أدنى الحل ولو بخطوة) أي: أو أقل منها؛ لأن عائشة رضي الله عنها خرج بها عبد الرحمن رضي الله عنه إلى التنعيم، فلو لم يكن الخروج واجبًا .. لأحرمت من موضعها؛ لضيق الوقت.
والمرد بـ (الخطوة): القدر اليسير مطلقًا، أما إذا أراد القران .. فالأصح أنه يكفيه الإحرام من مكة تغليبًا للحج.
قال: (فإن لم يخرج وأتى بأفعال العمرة) أي: بعد أن أحرم بها من الحرم
أَجْزَأَتْهُ فِي الْأَظْهَرِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.، فَلَوْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ بَعْدَ إحْرَامِهِ سَقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
.. وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ الْجِعْرَانَةُ،
(.. أجزأته في الأظهر)؛ لأن الإساءة بترك الميقات إنما تقتضي لزوم الدم، لا عدم الإجزاء.
والثاني: لا تجزئه؛ لأن العمرة أحد النسكين، فيشترط فيها الجمع بين الحل والحرم كالحج.
فعلى هذا: يبقى محرمًا حتى يخرج إلى الحل، ثم يعود فيطوف ويسعى ويحلق، وعلى القولين إحرامه منعقد.
وفي (الإبانة): طرد القولين فيه.
قال: (وعليه دم)؛ لترك الإحرام من الميقات.
قال: (فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه .. سقط الدم على المذهب)؛ لأن المسيء هو الذي ينتهي إلى الميقات على قصد النسك ثم يجاوزه؛ وهذا المعنى لم يوجد هنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، ويقابله أنه على الخلاف فيما إذا جاوز الميقات مسيئًا ثم عاد إليه محرمًا.
والفرق على المذهب: أن ذاك أساء بالمجاوزة، وهذا يشبه من أحرم قبل الميقات من دويرة أهله.
وعبارة المصنف تفهم جواز ذلك له وهو كذلك، بل قال المحاملي في (المجموع) والجرجاني في (التحرير): إن ذلك يستحب لطول مسافة الإحرام.
قال: (وأفضل بقاع الحل الجعرانة) هذا لا خلاف فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم منها رواه الشيخان [خ 1780 - م 1253].
وكان ذلك في رجوعه من غزوة حنين والطائف سنة ثمان، وهي بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، وهي من الحل بلا خلاف.
وفي (فضائل مكة) للجندي: قال يوسف بن ماهك: اعتمر منها ثلاث مئة نبي، وهي على ستة فراسخ.
ثُمَّ التَّنْعِيمِ ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةِ
قال: (ثم التنعيم)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة رضي الله عنها أن تعتمر منه، وهو أقرب المواقيت إلى مكة، بينه وبينها ثلاثة أميال.
وقول الشيخ في (التنبيه): (الأفضل أن يحرم بها من التنعيم) منكر لا يعد من المذهب، ويتأول على أنه أراد أفضل أدنى الحل التنعيم.
قيل: سمي بذلك؛ لأن على يمينه جبلًا يقال له: نعيم، وعلى يساره جبل يقال له: ناعم، والوادي نعمان.
قال: (ثم الحديبية)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بأصحابه بها ليدخل إلى مكة بعمرته التي أحرم بها من ذي الحليفة، فتميزت بذلك عن البقاع التي لم يوجد فيها مثل ذلك، فقدم الشافعي رضي الله عنه والأصحاب ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما أمر به، ثم ما هي به من سلوك تلك الطريق.
وقول الغزالي في (البسيط): وقول غيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم هم بالإحرام منها بالعمرة فصد .. لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرم من ذي الحليفة كما رواه البخاري [1780].
وكانت في ذي القعدة من السنة السادسة، وفيها بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بيعة الرضوان تحت الشجرة –وهم ألف وأربع مئة- فبايعوه خلا الجد بن قيس، فإنه استتر تحت بطن ناقته.
فلما تم الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة .. أمرهم فنحروا الهدي، وحلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي رضي الله عنه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونحر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحلقوا غير عثمان وأبي قتادة رضي الله عنهما، واستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين واحدة، وبعث الله تعالى ريحًا عاصفة فاحتملت شعورهم فألقتها في الحرم.
وأقام بها بضعة عشر يومًا، ثم رجع صلى الله عليه وسلم، فلما كان بين مكة والمدينة .. نزلت عليه (سورة الفتح) جميعها، وكانت الشجرة سمرة، وكان الناس بعد ذلك يأتونها يصلون عندها، فأمر عمر رضي الله عنه بقطعها، خشي أن يفضي تعظيمها إلى أن تعبد.
وقيل: ذهبت بنفسها.
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الإخلاص وصدق الضمائر.
﴿
{فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ الطمأنينة والأمن بسبب الصلح؛ فإنهم كانوا وجلت قلوبهم واضطربت من عدم دخولهم مكة.
V﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ فتح خيبر، وكان في المحرم سنة سبع في قول ابن إسحاق، وفي جمادى في قول غيره، وهي ذات المغانم الكثيرة التي أخذوها وعجلها الله تعالى لهم.
﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ﴾ أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان.
﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ وهي فارس والروم في قول الجمهور.
وقال جماعة: هي مكة قد أحاط الله بها، حفظها الله لكم، ومنعها من غيركم حتى يفتحها لكم فتأخذونها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تتمة:
قال الرافعي: الجعرانة على ستة فراسخ من مكة، والحديبية كذلك، وهي بين طريق جدة وطريق المدينة في منعطف بين جبلين، وبها مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
والتنعيم على طريق المدينة، وفيه مسجد عائشة رضي الله عنها.
و (الجعرانة) بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء.
و (الحديبية) بتخفيف الياء، هذا قول الشافعي رضي الله عنه وأهل اللغة والأدب وبعض المحدثين، وهو الصحيح.
وقال أكثر المحدثين: هما بالتشديد، وهما لغتان، والتخفيف أفصح، وهي من الحل بلا خلاف.
والحديبية اختلف الناس هل هي من الحل أو الحرم، فقال مالك: هي من الحرم، وكان عطاء يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نحر في الحرم، وهو قول ابن إسحاق.
وقال الأكثرون: من الحل.
وقال الشافعي رضي الله عنه في (الأم) في (باب الإحصار بالعدو): والحديبية موضع من الأرض منه ما هو من الحل، ومنه ما هو من الحرم، وإنما نحر النبي صلى الله عليه وسلم عندنا في الحل، وفيه مسجده صلى الله عليه وسلم الذي بويع فيه تحت الشجرة.
قال: ولا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن نازلًا في الحل، وإنما الخلاف في مكان النحر.
والصحيح: أنه في الحل.
قال: وبين الحديبية والحرم أزيد من ميل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خاتمة
قال أثرم: سألت أحمد: في أي سنة أقت النبي صلى الله عليه وسلم مواقيت الإحرام؟ قال: عام حج.
وقال البندنيجي: يجوز أن يقيم على إحرامه بالعمرة أبدًا، ويكملها متى شاء، وفيما قاله نظر؛ لأنه لم يؤثر، ولما في مصابرة الإحرام من المشقة.
بَابُ الْإِحْرَامِ يَنْعَقِدُ مُعَيَّنًا بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ كِلَيْهِمَا، وَمُطْلَقًا بِأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى نَفْسِ الْإِحْرَامِ
باب الإحرام
هو: الدخول في النسك حج أو عمرة، أو مجموعهما، أو مطلقًا، سمي بذلك؛ لمنعه من المحظورات، وإيجابه إتيان الحرم، وإنما يكون الدخول فيه بالنية.
وقول من قال: الإحرام نية الدخول معناه: أن بها يحصل الدخول، وعلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: (تحريمها التكبير) أي: به يحصل التحريم.
وحقيقة الإحرام مشكلة قل من أوضحها؛ فإن النية اعتقاد وعزم، والقول ليس بنية، وكان الشيخ عز الدين يستشكل ذلك، فإن قيل له: إنه النية .. اعترض بأنها شرط فيه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على أنه التلبية بأنها من سننه، ولذلك قال القرافي: أقمت عشر سنين لم أعرف حقيقة الإحرام.
قال: (ينعقد معينًا: بأن ينوي حجًا أو عمرة أو كليهما)؛ لما روى مسلم [1211] عن عائشة رضي الله عنها قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة .. فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج .. فليهل، من أراد أن يهل بعمرة .. فليهل) وانعقد الإجماع على ذلك.
قال: (ومطلقًا: بأن لا يزيد على نفس الإحرام)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم
التَّعْيِينِ أَفْضَلُ، وَفِي قَوْلٍ ُ: الْإِطْلَاق فَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إلَى مَا شَاءَ مِنْ النُّسُكَيْنِ أَوْ إلَيْهِمَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْأَعْمَالِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ عُمْرَةً فَلَا يَصْرِفُهُ إلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِه
ِ
وأصحابه أهلوا كذلك، وأحرم علي وأبو موسى رضي الله عنهما كإحرامه صلى الله عليه وسلم، وإذا جاز الإبهام .. جاز الإطلاق.
قال: (والتعيين أفضل)؛ ليعرف ما دخل فيه، ولأنه أقرب إلى الإخلاص، ولأن جابرًا رضي الله عنه روى: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج) وبهذا قال أبو حنيفة.
قال: (وفي قول: الإطلاق)؛ لرواية من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إحرامه مبهمًا، ولأنه ربما عرض له مرض أو إحصار فيصرفه إلى ما لا يخاف فواته.
قال: (فإن أحرم مطلقًا في أشهر الحج .. صرفه بالنية إلى ما شاء من النسكين أو إليهما ثم اشتغل بالأعمال)؛ لأن الاعتبار بالقلب لا باللفظ.
ودلت عبارة المصنف على أنه لا يجوز العمل قبل الصرف وهو كذلك، وعلى أن جواز الصرف إلى هذه الأمور مشروط ببقاء وقت الحج واتساعه لهذه الأعمال، فلو ضاق أو فات .. امتنع الصرف إلى ذلك، وإذا فات وقت الحج .. صرفه إلى العمرة.
ولو طاف وسعى قبل التعيين .. لم يعتد به؛ لأنه لا في حج ولا في عمرة.
قال: (وإن أطلق في غير أشهره .. فالأصح: انعقاده عمرة، فلا يصرفه إلى الحج في أشهره)؛ لأن الوقت لا يقبل إلا العمرة.
والثاني: ينعقد مبهمًا فيصرفه في أشهر الحج إلى ما شاء من النسكين، أو
وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ،
إليهما، وهذه مقالة الخضري، وهي بعيدة.
وأما قبل ذلك .. فله صرفه إلى العمرة، فإن صرفه إلى الحج .. انعقد عمرة كمن أحرم به قبل أشهره.
قال: (وله أن يحرم كإحرام زيد)؛ لما روى الشيخان [خ 1558 - م 1218]، و [خ 1559 - م 1221]: (أن عليًا وأبا موسى رضي الله عنهما لبيا من اليمن وقالا: إهلالًا كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليهما صلى الله عليه وسلم).
وصورة المسألة: أن يحرم كإحرامه في الحال، أما إذا علق إحرامه فقال: إذا أحرم زيد فأنا محرم، أو إذا جاء رأس الشهر فأنا محرم .. ففيه وجهان، ميل الرافعي إلى الجواز، ونازعه الشيخ فيه.
فروع:
قال: أنا محرم غدًا أو رأس الشهر أو إذا دخل فلان .. جاز؛ لأنه لما صح أن يعلق إحرامه بإحرام زيد .. صح تعليقه بالشروط كالطلاق.
ولو علقه بمشيئة الله تعالى .. قال المصنف: الصواب: أنه كما لو نوى الصوم وعقبه بها، ولو علق إحرامه بطلوع الشمس .. فوجهان:
أحدهما –وبه جزم في (البحر) -: ينعقد كقوله: كإحرام زيد.
وفرع عليه أنه لو قال: أحرمت يومًا أو يومين أو بنصف نسك .. انعقد إحرامه مطلقًا كالعتق والطلاق، قال المصنف: وفيه نظر.
والثاني –وهو الذي أورده القاضي وأتباعه-: لا ينعقد؛ لأنه علق أصل الإحرام، وهناك علق صفته.
ولو قال كإحرام زيد وعمروا .. قال الروياني: إن كانا محرمين بنسك متفق .. كان كأحدهما، وإن كان أحدهما بحج والآخر بعمرة .. كان قارنًا، وكذا إن كان أحدهما قارنًا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَدَّ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ إنْ عَلِمَ عَدَمَ إحْرَامِ زَيْدٍ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ كَإِحْرَامِهِ،
ولو قال: كزيد الكافر وكان قد أتى بصورة الإحرام .. انعقد مطلقًا.
ولو أحرم كإحرام زيد فكان إحرام زيد فاسدًا .. فالأصح الانعقاد.
ولو أخبره زيد بإحرامه ووقع في نفسه خلافه، فهل يعمل بما أخبره أو بما وقع في قلبه؟ فيه وجهان، صحح المصنف الأول.
ولو وقع في قلبه صدقه فمضى عليه فبان كذله، فإن فات الوقت .. تحلل للفوات وأراق دمًا.
وهل هو في ماله أو مال زيدٍ للتغرير؟ فيه وجهان، صحح المصنف الأول.
قال: (فإن لم يكن زيد محرمًا .. انعقد إحرامه مطلقًا)؛ لأنه عقده بصفة بطل خصوصها فبقي عموم الإحرام.
قال: (وقيل: إن علم عدم إحرام زيد .. لم ينعقد) كما لو قال: إن كان زيد محرمًا .. فقد أحرمت، فتبين أنه غير محرم.
قال: (وإن كان زيد محرمًا .. انعقد إحرامه كإحرامه) إن حجًا .. فحج، وإن عمرة .. فعمرة، وإن قرانًا .. فقران.
وإن أحرم زيد بعمرة بنية التمتع فإحرامه بعمرة، ولا يلزمه التمتع، وإن كان إحرامه مطلقًا .. فمطلق، ولا يلزمه الصرف إلى ما يصرف إليه زيد على الصحيح، إلا إذا أراد إحرامًا كإحرام زيد بعد تعيينه، هكذا استثناء في (التهذيب).
قال الشيخ: وفيه نظر؛ لأنه في معنى تعليق الكيفية على مستقبل، ولعله يقول: إن هذا جزم في الحال، أو يغتفر ذلك في الكيفية دون الأصل.
ولو كان إحرام زيد مطلقًا ثم عينه قبل إحرام عمرو .. فالأصح: أن إحرام عمرو يقع مطلقًا، وقيل: معينًا.
ويجري الخلاف فيما لو أحرم زيد بعمرة ثم أدخل عليها الحج هل يكون عمرو معتمرًا أو قارنًا؟ الوجهان فيما إذا خطر بباله التشبيه بإحرام زيد لا في الأول ولا في
فَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ إِحْرَامِهِ بِمَوْتِهِ .. جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا وَعَمِلَ أَعْمَالَ النُّسُكَيْنِ.
فَصْلٌ:
الْمُحْرِمُ يَنْوِي
الحال، فإن خطر له ذلك .. تبعه فيما خطر له بلا خلاف.
قال: (فإن تعذر معرفة إحرامه بموته .. جعل نفسه قارنًا وعمل أعمال النسكين)؛ لأنه لا اطلاع له على الغيب، وهو مأمور بالاحتياط.
والمراد بـ (جعل نفسه قارنًا): أن ينوي القران.
قال الشيخ: وكلام الرافعي والمصنف يشعر بتصوير المسألة بما إذا علم إحرامه وتعذر معرفة عينه، وكلام غيرهما يشعر بجريان ذلك فيما إذا لم يعرف شيئًا من حاله، وهو الصواب.
لكن قول المصنف: (بموته) تقييد مضر؛ فإن التعذر لو حصل بغير الموت كالجنون والغيبة ونحوهما .. كان الحكم كذلك.
تتمة:
هذه المسألة شبهها الرافعي وغيره بما إذا أحرم بنسك معين ثم نسبه وفيها قولان:
القديم: أنه يجوز له التحري، فإذا غلب على ظنه شيء .. عمل به، ويجزئه كالأواني والقبلة، وإن لم يغلب على ظنه شيء .. تعين أن ينوي القران.
والجديد: لا يتحرى؛ لأنه تلبس بالإحرام يقينًا فلا يتحلل إلا بيقين الإتيان بالمشروع فيه، كما لو شك في عدد الركعات .. فإنه لا يجتهد.
والفرق بين هذا وبين الأواني والقبلة: أن العبادة هناك لا تحصل بيقين إلا بفعل محظور، وهو أن يصلي إلى غير القبلة أو يستعمل نجسًا، فلذلك جاز التحري، وهنا يحصل الأداء بيقين من غير فعل محظور.
قال: (
فصل
: المحرم ينوي) أي: الدخول في النسك؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات،
يُلَبِّي فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ، لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ
ويستحب أن ينطق بما نواه فيقول: نويت الحج وأحرمت به لله تعالى لبيك اللهم لبيك.
قال الروياني: ويستحب أن يقول: اللهم؛ أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظمي لا شريك لك، فقد روي ذلك عن بعض السلف.
ولا يجب التعرض لنية الفرضية جزمًا؛ لأنه لو نوى النفل .. وقع فرضًا.
قال: (ويلبي) أي: يعقب النية بالتلبية؛ لنقل الخلف عن السلف، وذلك هو الإهلال بالحج.
ويستحب له استقبال القبلة عند الإحرام.
قال: (فإن لبى بلا نية .. لم ينعقد إحرامه) كما لو غسل المتوضئ أعضاءه من غير قصد.
قال: (وإن نوى ولم يلب .. انعقد على الصحيح) وبه قال مالك وأحمد قياسًا على الطهارة والصوم في عدم اشتراط لفظ مع النية.
والثاني –وهو قول ابن خيران وابن أبي هريرة والزبيري وابن القاص، وحكي عن القديم-: أن التلبية شرط؛ لما روى جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توجهتم إلى منى .. فأهلوا بالحج) رواه مسلم [1568].
و (الإهلال): رفع الصوت بالتلبية.
والثالث –وحكاه الشيخ أبو محمد وغيره قولًا-: إنه يشترط إما التلبية أو سوق الهدي وتقليده والتوجه معه، وبه قال أبو حنيفة.
والرابع –وحكام الحناطي قولًا-: إن التلبية واجبة ليست بشرط للانعقاد، فإن نوى ولم يلب .. انعقد وأثم ولزمه دم.
وقال داوود: لا بد من التلبية ورفع الصوت بها؛ لما روى الشافعي [أم 2/ 156
]
يُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ،
ومالك [1/ 334] والأربعة والحاكم [1/ 450] وابن حبان [3802] عن خلاد بن السائب عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية).
قال: (ويسن الغسل للإحرام)؛ لما روى الترمذي [830] عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل لإحرامه) وقال: حسن صحيح.
ونص في (الأم) على كراهة تركه.
ويستوي في استحبابه الرجل والصبي والمرأة، والطاهر والحائض والنفساء؛ فقد روى مسلم [1218]: أن أسماء بنت عميس رضي الله عنها ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي).
لكن يستحب للحائض والنفساء تأخير الإحرام إلى أن يطهرا.
وحكي قول: إنه لا يسن لهما الغسل، فإن اغتسلتا .. نوتا.
ويندب التنظيف بإزالة الظفر والشعر والوسخ بسدر وسواك ونحوه؛ لقول عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم .. غسل رأسه بأشنان وخطمي).
وروى جابر رضي الله عنه: (أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يتأهبوا للإحرام بحلق شعر العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب والأظافر، وغسل الرأس).
ويندب أن يلبد شعره قبل الإحرام وهو: أن يقعصه ويضرب عليه الخطمي أو الصمغ أو غيرهما، لدفع القمل وغيره كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله
فَإِنْ عَجَزَ .. تَيَمَّمَ, وَلِدُخُولِ مَكَّة
َ,
صلى الله عليه وسلم, ولا فرق في ذلك بين الحج والعمرة.
وغير المميز يغسله وليه ..
ويكره أن يحرم وهو جنب ..
قال: (فإن عجز .. تيمم)؛ لأن التيمم ينوب عن الواجب فعن المندوب أولى, ولأن الغسل يراد للقربة والنظافة, فإن تعذرت النظافة .. بقيت القربة.
قال الرافعي: وقد ذكرنا في غسل الجمعة: أن الإمام أبدى احتمالًا في أنه لا يتيمم إذا لم يجد الماء, وجعله الغزالي وجهًا, واختار أنه لا يتيمم, وذلك الاحتمال عائد هنا بلا شك.
قال ابن الرفعة: قد يفرق بينهما بأن الغسل هنا مخالف لغيره بدليل صحته من الحائض والنفساء, فكذلك بدله.
ولو وجد ماء لا يكفيه فالمنصوص- وقال به جماعة- أنه يتوضأ به.
قال المصنف: إن أرادوا أنه يتوضأ به ثم يتيمم .. فحسن, وإن أريد الاقتصار على الوضوء .. فليس بجيد, لأن المطلوب هو الغسل, والتيمم يقوم مقامه دون الوضوء.
قال الشيخ: والإمر كما قال.
والمراد ب (العجز): ما يبيح التيمم من فقد الماء وغيره كما تقدم, وهو أحسن من قول (المحرر): فإن لم يجد الماء.
قال: (ولدخول مكة)؛ لما روى البخاري [1573] عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان لا يقدَمُ مكة إلا بذي طوى حتى يصبح ويغتسل, ثم يدخل مكة نهارًا,
ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه فعله.
فلو خرج من مكة فأحرم بالعمرة واغتسل لإحرامه ثم أراد دخول مكة, فإن بعد موضع إحرامه كالجعرانة .. اغتسل للدخول, وإن أحرم من أدنى الحل .. فلا, قاله الماوردي.
وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِقَةَ غَدَاَةَ النَّخرِ, وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِقِ لِلرَّمْيِ, وَأَنْ يُطَيَّبَ بَدَنَهُ لِلإحْرَام
ِ
قال ابن الرفعة: ويظهر أن يقال بمثل ذلك في الحج إذا أحرم من أدنى الحل؛ لأنه لم يخطر له ذلك إلا هناك.
قال الشافعي رضي الله عنه: وسواء في ذلك الحلال والمحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل عام الفتح لدخولها وهو حلال, فلم يترك النبي صلى الله عليه وسلم الاغتسال لدخولها.
قال: (وللوقوف بعرفة وبمزدلفة غداة النحر, وفي أيام التشريق للرمي)؛ لأنها مواضع اجتماع الناس فأشبه غسل الجمعة.
والمراد ب (الوقوف بمزدلفة): الوقوف على المشعر الحرام بعد الفجر.
وعلم من كلامه: أنه لا يستحب الغسل للمبيت بمزدلفة وهو كذلك؛ لقربه من غسل عرفة, ولا لرمي جمرة العقبة ولا للحلق والطواف وهو كذلك.
وفي القديم: يندب لطوافي الإفاضة والوداع والحلق, وجزم به المصنف في (مناسكه).
ومقتضى كلام المصنف وغيره إن جميع أغسال الحج لا تصح إلا بنية.
وقال المتولي: الغسل لدخول مكة يصح بدونها, لأن المقصود منه التنظيف لا التعبد, وكلام الإمام يميل إليه.
قال: (وأن يطيب بدنه للإحرام)؛ لأن عائشة رضي الله عنها طيبت رسول الله صلي الله عليه وسلم حين أحرم, متفق عليه
[خ1754 - م 1189] , وسواء في ذلك الرجل والمرأة.
وفي وجه: لا يندب ذلك للنساء, وفي وجه: لا يجوز لهن التطيب بطيب تبقى عينه.
وقيل: لا يجوز للنساء ولا للرجال, والصواب: الأول.
وَكَذَاَ ثَوْبَهُ فِي الأَصَحَّ
,
والصحيح: أنه يستوي في استجابه الشابة والعجوز والخلية والمتزوجة؛ لقول عائشة رضي الله عنها: (كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة, فنضمخ جباهنا بالمسك عند الإحرام, فإذا عرقت إحدانا .. سال على وجهها, فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا) رواه أبو داوود [1826].
والفرق بين استحباب الطيب للمرأة هنا وعدم استحبابه إذا ذهبت للجمعة: أن زمان الجمعة ومكانها ضيق لا يمكنها فيه تجنب الرجال, بخلاف الإحرام, ويستثنى من ذلك المرأة المُحِدَّةُ.
قال: (وكذا ثوبه في الأصح)؛ لعموم حديث عائشة رضي الله عنها.
وملخص ما في تطييب الثوب خمسة أوجه:
قيل: يستحبُّ ..
وقيل: يباح ..
وقيل: يكره ..
وقيل: يحرم, لأنه ينزع ثم يلبس, فلُبْسُهُ ثانيًا حرام, فحرم حسمًا للباب.
وقيل: إن كان عينا .. حرم, وإلا .. فلا.
وصحح المصنف هنا الأول, لأنه عطفه على استحبابه في البدن, وصحح في (شرح المهذب): الثاني ..
وعبارة (الروضة): الأصح: الجواز كالبدن, وهذا هو المعتمد ..
وكأن الذي في الكتاب سبق قلم تبع فيه (المحرر)؛ فإنه قال في (شرح المهذب): لا يندب جزمًا ..
لكن حكى القاضي والمتولي الخلاف في الاستحباب, وعلى الاستحباب اقتصر البندنيجي من العراقيين.
وَلاَ بَاسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ اَلإِحْرَامِ, وَلاَ بِطِيبٍ لَهُ جِزْمٌ, لَكِنْ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ الْمطَيَّبَ ثُمَّ لَبِسَهُ .. لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ فِي للأَصَحَّ ....
قال الإمام: ومحلّ الخلاف فيمن طيب ثوبه قصدًا, أما من طيب بدنه فتعطر ثوب إحرامه تبعًا .. فلا خلاف أنه ليس بحرام ولا فدية.
فإن قيل: روى مسلم [1180] عن يعلى بن أمية رضي الله عنه: أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه جبة وهو متضمخ بالخلوق فقال: يا رسول الله؛ إني أحرمت بالحج وعلي هذه فما أصنع؟ فلم يرد عليه شيئًا حتى نزل عليه الوحي, فلما سُرِّيَ عنه قال: انزع الجبة واغسل عنك أثر الخلوق) فهذا يدل على منع الطيب في البدن والثوب كما قاله مالك .. فالجواب: أنه منسوخ؛ لأنه كان بالجعرانة سنة ثمان, وحديث عائشة رضي الله عنها في حجة الوداع سنة عشر, وأيضًا كان في الجبة خلوق وهو الزعفران وهو محرم على الحلال والمحرم.
قال: (ولا بأس باستدامته بعد الإحرام) بعني حيث جوزناه في البدن أو في الثوب.
ففي) الصحيحين) [خ271 - م 1190] عن عائشة رضي الله عنها: (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق, رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم.
قال: (ولا بأس باستدامته بعد الإحرام) يعني حيث جوزناه في البدن أو في الثوب.
ففي (الصحيحين) [خ271 - م1190] عن عائشة رضي الله عنها: (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم.).
و (الوبيص) البريق, و (المفرق): وسط الرأس ..
ولا فرق في استحباب الطيب بين ما يبقى جرمه بعد الإحرام كالمسك, أو رائحته كالبخور ولذلك قال:
(ولا بطيب له جرم)؛ للحديث المذكور.
قال: (لكن لو نزع ثوبه المطيب) أي: وهو معطر (ثم لبسه .. لزمته الفدية في الأصح) كما لو لبس الثوب المطيب ابتداء .. والثاني: لا؛ لأن العادة في الثوب أن ينزع ويعاد فَجُعِلَ عَفْوًا .. أما لو انتقل من موضع إلي موضع بإسالة العرق .. فلا فدية في الأصح.
وموضع الخلاف إذا كانت رائحة الطيب في الثوب موجودة, وإليه أشاره بقوله: (ثوبه المطيب).
وَأَنْ تَخْضِبَ المَرْأَةُ للِإحْرَامِ يَدَيْهَا, - وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لإِحْرَامِهِ عَنْ مَخِيطِ الثِّيابِ
أما إذا لم يكن عطرًا, فإن كان بحيث إذا ألقي عليه ماء ظهرت رائحته .. امتنع, وإلا .. فلا.
قال: (وأن تخضب المرأة للإحرام يديها)؛ لما روى الدارقطني [2/ 272] عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: (من السنة أن تدلك المرأة بشي من حناء عشية الإحرام).
وسواء في ذلك الخلية والمتزوجة والشابة والعجوز, فتخضب يديها تعميمًا إلى الكوعين ولا تزيد عليه, ولا تطرف الإصابع ولا تنتقش ولا تسود.
ويستحب لها أيضًا أن تمسح وجهها بشيء من الحناء؛ لتستر لون ما يظهرمن بشرتها.
والرجل والخنثى منهيان عن الخضاب وإن كان الخنثى مأمورًا بالتستر كالمرأة.
واحترز بقوله: (للإحرام) عما إذا كانت محرمة, فإن يكره لها الخضاب؛ لأنه زينة للمحرم, والمقصود أن يكون أشعث أغبر, فإن اختضبت في الإحرام .. فلا فدية على المذهب؛ لأنه ليس بطيب على المشهور.
قال: (ويتجرد الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب) هذا من واجبات الإحرام كما سيأتي في (باب محرماته).
وضبط المصنف (يتجرد) بضم الدال إشارة إلى وجوب التجرد؛ لئلا يصير لابسًا بعده, وهو الذي جزم به الرافعي, لكنه صرح بندبه في: المناسك).
واستشكل المحب الطبري والشيخ الوجوب؛ إذ لا يجب عليه قبل الدخول في الأحرام شيء من متعلقاته, ويؤيد ذلك أنهم قالوا في الصيد: لا يجب إرساله بلا خلا ف, وكذلك لو علق الطلاق على الوطء .. لا يحرم عليه الوطء على المشهور.
و (المخيط) بفتح الميم.
والحكم كذلك في كل ما كان في معناه كاللبد والمنسوج ونحوهما مما له استداره المخيط.
وَيَلْبِسِ إِزَارًا وَرِدَاَءً أَيْيَضَيْنِ وَنَعْلَيْينِ
ولو حذف لفظة (الثياب) كما في (الروضة) .. كان أولى؛ فإنه يجب نزع الخف والنعل المخيط.
قال: (ويلبس إزارًا ورداء)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم فيهما وأمر بالإحرام كذلك, رواه البخاري [1545] عن ابن عباس رضي الله عنهما, ورواه مسلم [1179] عن جابر رضي الله عنه.
قال: (أبيضين)؛ لقوله صلى الله وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم) رواه أبو داوود [3874] والترمذي [994] وقال: حسن صحيح.
وجزم الرافعي بكراهة المصبوغ.
ويستحب أن يكونا جديدين؛ لأنه أبعد من الدنس وأنقى من المغسول, وإلا .. فنظيفين.
وكلام الماوردي والروياني يقتضي أنه لا يكره ما صبغ غزله ثم نسج.
قال: (ونعلين)؛ اقتداء بخير من يمشي بنعل فرد أوهبَهُ لنهدة ونهد صلى الله عليه وسلم.
قال زياد بن علاقة: كان بين رجل منا ورجل من الأنصار شيء, فشجه, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال [من الرجز]:
يا خير من يمشي بنعل فرد .... أَوهَبَهُ لنهدة ونهد
لا تُسبَبَنَّ سلبِي وجِلْدِي
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا).
أراد ب (الفرد): السمط, وهي التي لم تُخصَف ولم تُطارَق.
والعرب تمدح برقة النعال, وإنما ينتعل السبتية الرقاق الأسماط ملوكهم وسادتهم فكأنه قال: يا خير الأكابر ..
وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَينِ, ثُمَّ الأَفضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثْت بهِ رَاحلَتُهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَريِقهِ مَاشِيًا
وإنما لم يقل: فردة؛ لأنه أراد بالنعل الِّسبت, كما تقول: فلان يلبس الحضرمي الملسن ..
والتقدير: يا خير ماشٍ فرد في فضله وتقدمه.
(أوهبه) إما أن يكون بدلًا من المنادى, أو منادىً, ثانيًا حذف حرفه.
ونحوه قول النابغة [(أغاني) 11/ 40من الرجز]:
يا أوهب الناس لعين صلبة و (الضمير) و (النهد) في نعت الخيل الجسيم المشرف.
قال: (ويصلي ركعتين) أجمع الناس علي استحباب هذه الصلاة.
وفي (الصحيحين) [خ155 - م 1184/ 21]: (أنه صلى الله عليه وسلم صلاهما بذي الحليفة ثم أحرم).
ويستحب أن يقرأ فيها (سورة الكافرون) و (الإخلاص).
وإذا كان بالميقات مسجد .. استحب أن يصليهما فيه.
وتكره هذه الصلاة في أوقات الكراهة على الأصح؛ لأن سببها وهو الإحرام متأخر.
ولو كان إحرامه في وقت فريضة فصلاها .. أغنته عن ركعتي الإحرام كالتحية.
قال في (شرح المهذب): وفيه نظر؛ لأنها مقصوده فلا تندرج كسنة الصبح.
قال الشيخ: والذي يترجح ما قاله الأصحاب؛ فإن المقصود الإحرام بعد صلاة, ولم يرد دليل على قصد هذه الصلاة بخصوصها.
قال: (ثم الأفضل: أن يحرم إذا انبعثت به راحلته أو توجه لطريقه ماشيًا)؛ لما روى الشيخان [خ166 - م1187] عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته).
وَفِي قَوْلِ: يُحرِمُ عَقِيبَ الصَّلاَةِ.
وَيُستَحَبُّ إِكثَارُ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا فِي دَوَامِ إِحْرَامِه
ِ
والمراد ب (انبعاثها): استواؤها قائمة, هكذا في لفظ الحديث.
ولا فرق في ذلك بين من أحرم من الميقات أو من مكة, لكن يستثنى منه إمام مكة إذا خطب الناس بها يوم السابع؛ فإنه يندب أن يخطب محرمًا, فيتقدم إحرامه مسيره بيوم, قاله الماوردي.
قال: (وفي قول: يحرم عقيب الصلاة) أي: وهو جالس, وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لما روى أبو داوود [1767] والترمذي [819] والنسائي [5/ 162] عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل في دُبُرِ الصلاة) لكن ضعفه البيهقي [5/ 37] , واختار هذا القول طائفة من الأصحاب, وحملوا اختلاف الرواية علي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد التلبية عند انبعاث الدابة فظن من سمع أنه حينئذ لبى.
قال: (ويستجيب إكثار التلبية)؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: (التلبية زينة الحج).
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر منها, بل قال ابن خيران وابن أبي هريرة وأبو علي الطبري: التلبية في أثناء الحج والعمرة واجبة, وزعموا أن للشافعي رضي الله عنه نصًا يدل عليه.
ويندب للحائض والجنب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت).
وقائمًا وقاعدًا؛ لما روى الشافعي رضي الله عنه بسنده: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبي راكبًا وقائمًا وماشيًا وقاعدًا ومضجعًا).
ويكره في الخلاء ومواضع النجاسة؛ تنزيهًا لذكر الله تعالى.
قال: (ورفع صوته بها في دوام لإحرامه)؛ لحديث خلاد بن السائب المتقدم في أول الفصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكان الصحابة لا يبلغون الروحاء حتي تبح حلوقهم من التلبية ..
والمراد ب (رفع الصوت) بحيث لا يجهد نفسه, بل يكره أن يرفع صوته بحيث لو زاد .. انقطع؛ لما روي البخاري [2992] عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فكنا إذا علونا .. كبرنا, فقال صلى الله عليه وسلم: (أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا,
ولكن تدعون سميعًا بصيرًا)
معنى (أربعوا): كفوا.
وتستثنى المرأة؛ فإنها تقتصر على إسماع نفسها, ولو رفعت صوتها .. كره ولم يحرم على الصحيح, والخنثى كالمرأة.
وأستثنى الجويني التلبية المقترنة بالإحرام فقال: لا يجهر بها الرجل, ونازعه المصنف.
ويستثنى من كان في مسجد فلا يرفع صوته بالتلبية, كمسجد مكة ومسجد الخيف ومسجد إبراهيم بنمرة؛ لأنها بنيت للنسك, ونهي عن رفع الأصوات في المساجد ..
أما غير هذه المساجد الثلاثة .. ففيه قولان::
الجديد: تستحب التلبية فيها ..
والقديم: لا؛ لئلا يهوش علي المصلين ..
وجزام ابن حبان [3801] باستحباب وضع الإصبعين في الأذنين عند التلبية, ثم روى: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل ألى وادي الأزرق .. قال: (كأنما أنظر ألى موسى واضعًا إصبعيه في أذنيه له جؤار بالتلبية).
و (وادي الأزرق) في طرف بلاد ساية مما يلي مكة.
و (الجؤار): رفع الصوت بالتلبية والاستغاثة.
وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ كَرُكُوبِ وَنُزُولٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَاخْتِلاَطِ رُفْقَةٍ، وَلاَ تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، وَفِي الْقَدِيمِ: تُسْتَحَبُّ فِيهِ بِلاَ جَهْرٍ
.
قال: (وخاصة عند تغاير الأحوال كركوب ونزول وصعود وهبوط واختلاط رفقة)
ففي هذه الأحوال تتأكد، وكذلك عند الفراغ من الصلاة، وإقبال الليل والنهار ووقت السحر، لأن في هذه المواضع ترتفع الأصوات ويكثر الضجيج، وقد روى الترمذي [827] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الحج العج والثج).
فـ (العج): رفع الصوت، و (الثج): إراقة الدماء.
و (الصعود) و (الهبوط) بضم أولهما مصدران.
و (الرفقة) بضم الراء وكسرها.
وروى الحاكم [1/ 451] عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ملب يلبي .. إلا لبى ما عن يمينه وعن شماله من حجر وشجر حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا، عن يمينه وعن شماله) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وروى البيهقي [5/ 43] عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أضحى مؤمن يلبي حتى غروب الشمس .. إلا غابت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه).
قال: (ولا تستحب في طواف القدوم)، وكذلك السعي بعده؛ لأن فيهما أذكارًا وأدعية تخصهما.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: (لا يلبي الطائف حول البيت).
وقال سفيان: ما رأيت أحدًا يلبي في الطواف إلا عطاء بن السائب.
قال ذلك في معرض الإنكار على مخالفة عطاء الإجماع.
قال: (وفي القديم: تستحب فيه بلا جهر)؛ لعموم الأمر به، لكن يخفض صوته قدر ما يسمع نفسه، والخلاف جارٍ في السعي أيضًا إذا أعقبه به.
وَلَفْظُهَا: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ)
أما طواف الإفاضة وطواف العمرة .. فلا تستحب فيهما بلا خلاف؛ لشروعه في أسباب التحلل، ولا في الوداع من طريق أولى.
قال: (ولفظها:) لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) كذا رواه الشيخان [خ1549 - م1184] عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستحب أن يأتي بالتلبية نسقًا لا يتخللها كلام، فإن سلم عليه رد السلام.
ويندب أن يقف وقفة لطيفة عند قوله: (والملك) ثم يقول: (لا شريك لك) وأن لا يزيد على هذه الكلمات ولا ينقص، فإن زاد .. لم يكره على المشهور؛ لما روى النسائي [5/ 161] بإسناد صحيح: (لبيك إله الحق) في تتمة الحديث.
وكان عبدالله رضي الله عنه يقول مع هذا: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل.
و (الرغباء): الرغبة والمسألة، وفيها لغتان: فتح الراء والمد، وضم الراء والقصر، أي: الطلب والعمل إلى من بيده الخير كله.
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في تلبية: (لبيك حقًا حقًا تعبدًا ورقًا (.
وعن سعد أبي وقاص رضي الله عنه أنه سمع ابن اخيه يقول في تلبية: (لبيك يا ذا المعارج، فقال: هو ذو المعارج، لكن ماهكذا كنا نلبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)
و (ذوالمعارج): من أسماء الله تعالى، ومعناها: المصاعد والدرج، واحدها مِعْرَج، يريد معارج الملائكة إلى السماء.
وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ .. قَالَ: (لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ
فائدة::
معنى (لبيك): أنا مقيم على طاعتك، وزاد الأزهرى: إقامة بعد إقامة، وإجابة بعد إجابة.
و (اللهم) معناه: يا الله، والميم عوض من (يا) النداء، ولا يجمع بينهما إلا في الشعر.
وقيل: معناه: يا الله؛ آمنا منك بخير، وإنما قال: (لا شريك لك) مخالفة للمشركين؛ فإنهم كانوا يقولون: لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
وقوله: (إن الحمد) بكسر همزة إن وفتحها، والكسر أشهر وهو على الاستئناف، والفتح على التعليل.
قال: (وإذا رأى ما يعجبه,, قال: (لبيك، إن العيش عيش الآخرة)) رواه الشافعي [أم 2/ 156] والبيهقي [5/ 45] بسندهما إلى مجاهد قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يُظهِرُ من التلبية: لبيك اللهم لبيك ... فذكر التلبية حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هم فيه .. فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش الآخرة) وهذا مرسل.
قال ابن جريج: وحسبت أن ذلك يوم عرفة.
لكن رواه الحاكم [1/ 465] عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله يوم عرفة، وكذلك رواه سعيد بن منصور في (سننه) عن عكرمة.
قال في (الأم): إنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك في أسرِّ حالة- يعني: في هذا المكان- وأشد حالة- يعني: في حفر الخندق- وقد نهكت أبدانهم واصفرت ألوانهم،
قال::
وَإِذَا فَرغ مِنْ تَلْبِيِتَهِ .. صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَأَلَ الله تَعَالَى الْجَنةَ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنَ النَّارِ
اللهم إن العيش عيش الآخرة .... فارحم الأنصار والمهاجرة
ومعنى (إن العيش عيش الآخرة): أن الحياة المطلوبة الهنية الدائمة هي الدار الآخرة ..
قال: (وإذا فرغ من تلبيته .. صلى على النبي صلى الله عليه وسلم)؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي: لا أذكر إلا وتذكر معي.
ويكون صوته بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبالدعاء أخفض من صوته بالتلبية بحيث يتميز عنها.
وكذا يستحب لكل من صلى وسلم عليه صلى الله عليه وسلم أن يرفع صوته بهما، لكن لا يبالغ في الرفع مبالغة فاحشة.
قال: (وسأل الله تعالى الجنة ورضوانه، واستعاذ به من النار)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته من حج أو عمرة .. سأل الله تعالى رضوانه والجنة، واستعاذه من النار، رواه الشافعي [أم 2/ 157] عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، قال: ولأن هذا أعظم ما يسأل.
تتمة:
من لا يحسن العربية .. لبى بلسانه، وهل يجوز للقادر على العربية؟ وجهان بناهما المتولي على الخلاف في نظيره من تسبيحات الصلاة وتشهدها وأذكارها المأثورة؛ لأنه ذكر مسنون.
ومقتضاه: أنه يترجم العاجز لا القادر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأقوى: جواز التلبية مطلقًا، بخلاف أذكار الصلاة؛ فإن الكلام فيها مفسد من حيث الجملة بخلاف التلبية ..
...
خاتمة
قال: في (الأم): (أَستَحِبُّ أن يلبي ثلاثًا) واختلف في تأويله على ثلاثة أوجه:
أحدهما: يكرر قوله: (لبيك) ثلاث مرات ..
والثاني: يكرر: (لبيك اللهم لبيك) ثلاثًا.
والثالث: يكرر جميع التلبية ثلاثُا.
وذكر بعض الأصحاب أنه إذا لبى في دبر الصلاة .. يلبي ثلاثًا نسقًا، كما يكبر في أيام التشريق بعدها ثلاثًا نسقًا.
بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ
باب دخول مكة
لم يبوب عليه في (المحرر) بل جعله
فصلً
ا.
و (مكة) بالميم والباء، قيل: هما اسم للبلد.
وقيل: بالميم: الحرم كله، وبالباء: المسجد.
وقيل: بالميم: البلد، وبالباء: موضع البيت، قاله مالك.
قال ابن رشد: أخذ ذلك من قوله عز وجل؛ لأنه قال في بكة: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ وهو إنما وضع بموضعه الذي وضع فيه لا فيما سواه من القرية.
وقال تعالى في مكة: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، وذلك إنما كان في قرية لا في موضع البيت.
ولها أسماء: مكة، وبكة، والبلد، والبلد الأمين، والبيت، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والمأمومة، وأم رُحْمٍ، وأم القرى، وصلاح كقطام، والباسَّة، والناسَّة، وكوثى، والعرش، والقادسة، والمقدسة، والحاطمة، والرأس، والبلدة، والبينة، ومعاد.
قال المصنف: ولا نعلم بلدًا أكثر أسماء من مكة والمدينة؛ لكونهما أفضل الأرض، وذلك لكثرة الصفات المقتضية للتسمية، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ولهذا كثرت أسماء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى قيل: إن لله تعالى ألف اسم، ولرسوله صلى الله عليه وسلم كذلك.
ومكة أفضل الأرض إلا الموضع الذي ضم أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل من كل البقاع بالإجماع ..
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــ
جزم الجميع بأن خير الأرض ما ... قد حاط ذات المصطفى وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت .... كالنفس حين زكت زكى مأواها
ويدل لفضل مكة حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على راحلته بالحزورة في سوق مكة يقول: (والله إنك لخير الأرض، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك .. ما خرجت) رواه الدارقطني [العلل9/ 254] والنسائي [سك4238] والترمذي [3925] وقال: حسن صحيح ..
قال البكري: وهو على شرط الشيخين ..
و (الحزورة): موضع بمكة عند باب الحناطين على وزن قسورة.
قال الشافعي والدارقطني::
المحدثون يشددون الحزورة والحديبية وهما مخففان ..
وأما ما روي من قوله: (اللهم؛ إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إلي، فأسكني أحب البلاد إليك) .. فقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم في نكارته ووضعه، وينسبون وضعه إلى محمد بن الحسن بن زبالة المدني، وتركوه لأجله.
وقال ابن دحية في (تنويره): إنه حديث باطل بإجماع أهل العلم.
قال ابن مهدي: سألت عنه مالكًا فقال: أيحل لك أن تنسب الباطل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد بين علته البزار في كتاب (العلل)، والحافظ رشيد الدين وغيرهما.
أما السكنى بالمدينة .. فأفضل؛ لأنه ثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنهما::
الأَفْضَلُ: دُخُولُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَاَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِذِي طَوَىّ،
أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد .. إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة).
ولم يرد في سكني مكة شيء من ذلك، بل كرها جماعة من العلماء.
وثبت: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:) من مات بالمدينة .. كنت له شفيعًا يوم القيامة).
وفي (الترمذي) [3917] عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: (من استطاع أن يموت بالمدينة .. فليمت بها؛ فإني أشفع لمن يموت بها).
وفي (الصحيحين) [خ1889 - م1376] عن عائشة رضي الله عنها: (اللهم؛ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها إلى الجحفة).
وجعل ابن حزم التفضيل الحاصل لمكة ثابتًا لجميع الحرم ولعرفة وإن كانت من الحل.
والصحيح: تحريمها من يوم خلق الله السماوات والأرض.
وقيل: من زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
قال: (الأفضل: دخولها قبل الوقوف)؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكثرة ما يحصل له من السنن الكثيرة التي ستذكر، وترك حجيج العراق لذلك جهل وبدعة.
قال: (وأن يغتسل داخلها من طريق المدينة بذي طوى]؛ لما تقدم من قول ابن عمر رضي الله عنهما: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله) وسواء في ذلك الداخل بحج أو عمرة ..
وَيَدْخُلَهَ مِنْ ثَنِيَّيِة كَدَاءٍ
و (داخلها) مرفوع فاعل (يغتسل)
وقد تقدم عن المتولي أنه قال: المقصود من هذا الغسل التنظيف لا التعبد، ولذلك تؤمر به الحائض.
واحترز المصنف عن الآتي من نحو اليمن؛ فإنه لا يندب له الغسل بها، بل يغتسل من مثل مسافتها.
والغسل مستحب لكل داخل وإن كان حلالًا لكن المحرم آكد ..
و (ذي طوى) مثلث الطاء والفتح أشهر: بئر مطوية بالحجارة، أي: مبنية، وهي بين الثنيتين إلى السفلى أقرب، ويجوز صرفه على إرادة المكان، وعدمه على إرادة البقعة ..
وينبغي إذا دخل الحرم .. أن يستحضر حرمته، ويخضع ويخشع بباطنه وظاهره، ويقول: اللهم؛ هذا حرمك وأمنك فحرمني على النار وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك ..
قال: (ويدخلها من ثنية كَداء) بفتح الكاف والمد، وإذا خرج خرج من ثنية كُدى بالضم والقصر؛ لما روى الشيخان [خ1577 - م1258] عن عائشة رضي الله عنها وابن عمر رضي الله عنهما [خ1575 - م1257]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخلها من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى).
ولأنه قاصد عبادة فاستحب له الدخول من طريق والرجوع من أخرى؛ لتشهد له الطريقان كما تقدم في (صلاة العيد) ,
وقال السهيلي: ولأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ كان في ثنية كداء فلذلك استحب الدخول منها.
وسواء في ذلك الحاج والمعتمر، كان على طريقه أم لا، فيعدل إليها قصدًا على الصحيح.
وقيل: بل دخل صلى الله عليه وسلم منها اتفاقًا ..
وَيَقُولَ إِذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ: (اللهُمَّ؛ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حجه أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا، اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ السَّلاَمُ ومِنْكَ السَّلاَمُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلاَمِ)
و (الثنية): المكان الضيق بين الجبلين، والأصح: أن دخولها نهارًا وماشيًا أفضل ..
والأولى: أن يكون حافيًا إن لم يخف مشقة أو نجاسة رجله؛ فقد روى ابن ماجه [2939] عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كانت الأنبياء يدخلون الحرم مشاة حفاة، ويطوفون بالبيت ويقضون المناسك حفاة مشاة).
قال: (ويقول إذا أبصر البيت) أي: من عند رأس الردم.
والظاهر: أن مراده بالإبصار العلم، حتى يستحب الدعاء المذكور للأعمى والداخل في ظلمة.
قال: (اللهم؛ زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا) وروي ذلك عن الشافعي رضي الله عنه [أم 2/ 169] عن ابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا أبصر البيت رفع يديه وقاله هكذا، ورواه الطبراني [طب3/ 181] عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي ذكره المصنف هو الصواب.
وقع في) المختصر) ذكر المهابة في الموضعين وحذف البر فيهما، ووقع في) الوجيز) ذكر المهابة والبر جميعًا في الأول وذكر البر وحده ثانيًا، وأنكره الرافعي وغيره عليه، وبسطه المصنف في (تهذيبه).
قال: (اللهم؛ أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام)؛ لأن ابن المسيب كان يقوله ويرويه، ويقول إنه سمع عمر رضي الله عنه يقوله.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و (التشريف): الترفع والإعلاء ..
و (التعظيم): التبجيل ..
و (التكريم): التفضيل ..
و (المهابة): التوقير ..
و (البر): الاتساع في الإحسان والزيادة منه؛ وقيل: الطاعة ..
و (السلام) الأول: هو الله عز وجل، والثاني معناه: من أكرمته بالسلام فقد سلم ..
(فحينا ربنا بالسلام) أي: سلمنا بتحيتك من جميع الآفات.
ويستحب رفع اليد عند رؤية البيت؛ لما تقدم قريبًا.
ولما روى ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:) لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: عند رؤية البيت؛ وعلى الصفا والمروة؛ وفي الصلاة؛ وفي الموقف؛ وعند الجمرتين).
ويستحب أن يدعو إذا أبصر البيت؛ لما روى أبو أمامة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تفتح أبواب السماء وتستجاب دعوة المسلم عند رؤية الكعبة) لكنه حديث غريب ..
ثُم? يَدْخُلُ ?لْمَسْجدَ مِنْ بَابِ بِنَي شَيْبَة
وكان البيت يرى من رأس الردم، والآن علت الأبنية فمنعت من ذلك.
وبنيت الكعبة شرفها الله تعالى خمس مرات:
إحداها: بنتها الملائكة وحجوها قبل آدم بألفي عام، وحجها آدم فمن بعده من الأنبياء عليهم السلام.
والثانية / بناها إبراهيم عليه السلام.
والثالثة: بنتها قريش وحضر معهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين سنة.
والرابعة: بناها ابن الزبير زمن يزيد بن معاوية على قواعد إبراهيم، وعلاها وأدخل فيها الحجر.
فلما قتله الحجاج هدمها وبناها كما كانت في زمن قريش، وهي عليها الآن.
وقيل: إنما هدم زيادة ابن الزبير، فكلها بناء ابن الزبير إلا الجدار الذي في الحجر فإنه بناء الحجاج، ثم هم عبد الملك بن مروان بهدمه وإعادته إلى بناء ابن الزبير فقيل له: لا تفعل كيلا تصير ملعبة الملوك.
قال الشافعي رضي الله عنه: أوجب أن تترك على حالها؛ لأن هدمها يذهب جرمتها، وكان ارتفاعها في زمن قريش ثمانية عشر ذراعًا، وهي الآن سبع وعشرون ذراعًا.
قال: (ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دحل منه في عمرة القضاء، رواه البيهقي [5/ 72] بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه.
والمعنى فيه: أن باب الكعبة في جهته، والبيوت تؤتى من أبوابها، وجهة الباب أفضل جهات الكعبة فكان الدخول من الباب الذي يقابله أولى، واتفقوا على استحباب
وَيَبْدَأُ بِطَوَافِ ?لْقُدُوم
ِ
الدخول منه لكل قادم، سواء كان في صواب طريقه أم لا، بخلاف الدخول من الثنية العليا؛ فإن فيه الخلاف المتقدم.
والفرق أن الدوران حول المسجد لا يشق بخلاف الدوران حول البلد، وسكت المصنف عن الباب الذي يخرج منه عند إرادة الرجوع إلى بلده.
ويستحب أن يكون من باب بني سهم، ففي (النوادر) عن ابن حبيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج منه.
و (شيبة) اسم رجل مفتاح الكعبة في يده ولده، وهو شيبة بن عثمان بن [أبي] طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، جعل النبي صلى الله عليه وسلم سدانة الكعبة في يدهم خالدة تالدة إلى يوم القيامة، لا ينزعها منهم إلا ظالم.
قال: (ويبدأ بطواف القدوم)؛ لما روى البخاري [1615] عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أول شيء بدأ به الطواف).
ولأن تحية البيت فبدئ به، ويقدمه على كراء المنزل وتغيير الثياب، ولا يصلي التحية ولا غيرها إلا إذا خاف فوت المكتوبة أو وجد جماعتها قائمة أو خاف فوت سنة مؤكدة أو كان عليه قضاء فريضة ووجد الجماعة المكتوبة، وإن كان وقتها واسعًا ..
فإنه يقدم الصلاة على الطواف، فلو دخل فوجدهم ينتظرون الصلاة ولم يتسع الوقت لطواف السبع قبل الصلاة .. أمرناه أن يطوف حتى تقام الصلاة ثم يدخل فيها فإن تفريق الطواف لا يبطله على الصحيح، لا سيما وهذا بعذر.
ونستثني المرأة الشريفة أو الجميلة التي لا تبرر للرجال
إذا قامت نهارًا؛ فإنه يندب لها تأخيره إلى الليل، وكذلك الخنثى يستحب له الطواف ليلًا، فإن طاف نهارًا .. طاف متباعدًا عن الرجال والنساء.