كتاب قَسم الفيء والغنيمة
(القَسم) بالفتح: مصدر قسمت الشيء.
و (الفيء): مصدر فاء يفيء: إذا رجع؛ لأنه مال راجع من الكفار إلى المسلمين.
قال القفال: سمي فيئًا؛ لأن الله تعالى خلق الدنيا وما فيها للاستعانة على طاعته، فمن خالفه .. فقد أغضبه، وسبيله الرد إلى من يطيعه.
و (الغنيمة) فعيلة بمعنى مفعولة، يقال: غنم الغنم يغنم غُنمًا بالضم من الغنم، وهو: الربح؛ لأنها فائدة محققة، وجمعها: غنائم.
وذكر المسعودي وطائفة: أن اسم كل واحد منهما يقع على الآخر، فهما إذا اتفقا .. افترقا، وإذا افترقا .. اتفقا، كاسمي الفقير والمسكين إذا وصى للفقراء والمساكين .. لا يجوز اختصاصه بواحد منهما، وإن وصى لأحدهما .. جاز أن يعطى للآخر.
والأصح: ما جزم به المصنف.
ثم إنه ذكر هذا الباب في هذا الموضع؛ اقتداء بالمزني وغيره، وافتتحه في (المحرر) بقوله تعالى: ﴿ما أفاء اللهُ على رسُوله من أهلِ القُرَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمتُم من شيءٍ﴾ الآيتين.
وكانت الغنائم قبل الإسلام لا تحل لأحد، بل كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا غنموا مالاً جمعوه فتأتي نار من السماء تأخذه، ثم أحلت للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت في صدر الإسلام له صلى الله عليه وسلم خاصة؛ لأنه كالمقاتلين
(الْفَيْءُ): مَالٌ حَصَلَ مِنْ الْكُفَّارِ بِلاَ قِتَالٍ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ كَجِزْيَةٍ
كلهم؛ فإنه نصر بالرعب مسيرة شهر، والرعب منه وحده لم يَشْرَكْهُ فيه أحد من المسلمين، ولأن قوته وشجاعته صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد فهو قائم مقام جميع المقاتلين، وكذا كانت غنائم بدر، ثم نسخ ذلك واستقر الأمر على أن له منها الصفي، فيعطى من الغنيمة ما شاء.
قال: ((الفيء): مال حصل من الكفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب)، التقييد بـ (المال) تبع فيه (المحرر) و (الروضة) وغيرهما؛ جريًا على الغالب، وإلا .. فيرد عليه ما ليس بمال كالكلاب والخمرة المحترمة، وما ينتفع به من النجاسات؛ فهذه لا تسمى مالاً، والمذهب: أنها غنيمة تجري عليها أحكامها، لكن في بعض النسخ: (الفيء: ما حصل من الكفار)، وعلى هذا لا اعتراض.
و (الإيجاف): الإسراع، وقيل: الإعمال.
و (الركاب): الإبل خاصة، واحدها: راحلة من غير لفظها، واجتماع الخيل والإبل ليس بشرط، بل أحدهما كاف في انتفاء حكم الفيء، ولذلك قال تعالى: ﴿ولا ركابٍ﴾، فـ (الواو) في كلام المصنف بمعنى (أو)، والتي بين القتال وإيجاف محتملة لمعنى (أو) ولمعنى (الواو) الجامعة.
وقد صرح المصنف في كلامه على (التنبيه) بأن القتال شرط، وأما الإيجاف .. فذكره على الغالب؛ لأنه قد يكون القتال في السفن في البحر ومن الرجالة في البر والحاصل من ذلك غنيمة.
قال: (كجزية)؛ لأنهم إنما يعطونها عن خوف، ولكنه ليس خوفًا ناجزًا، بل هو مستقبل، وقصد بها إثبات عصمة مستدامة، فلذلك عدت مما أخذ من غير خوف، وكذلك الخراج المضروب عليهم.
وَعُشْرِ تِجَارَةٍ وَمَا جَلَوْا عَنْهُ خَوْفَاً، وَمَالِ مُرْتَدٍّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ، وَذِمِّيِّ مَاتَ بِلاَ وَارِثٍ .. فَيُخَمَّسُ،
قال: (وعشر تجارة وما جَلَوا عنه خوفًا) هذا يقتضي: أن ما جلوا عنه من غير خوف بل لضُرٍّ أصابهم ليس بفيء، ولم يقل به أحد، أو فيءٌ ولا يخمس، والصحيح خلافه، فلو حذف (خوفًا) .. أمن من الاعتراض.
وجوابه: أنه خرج مخرج الغالب، كما في قوله: (بإيجاف خيل وركاب).
وقيد في (الروضة) (الخوف) من المسلمين، وليس بشرط.
قال: (ومال مرتد قتل أو مات)؛ لأنه لا وارث له كما تقدم في بابه.
قال: (وذمي مات بلا وارث) وكذا ما فضل عن وارث له غير حائز، والمعتبر في الإرث إرث الإسلام كما تقدم.
وهذه الأنواع السبعة لا خلاف في إطلاق اسم الفيء عليها، وإنما الخلاف في التخميس كما سيأتي.
قال: (فيخمس)؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿مَّا أفاءَ اللهُ على رَسُولِهِ﴾ الآية، فيجعل خمسة أسهم متساوية كالغنيمة، وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه في الجديد.
ودليله فيه: ما رواه الشيخان عن عمر رضي الله عنه قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون المسلمين، وكان ينفق منها على أهل بيته، فما فضل منها جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله).
قال الشافعي رضي الله عنه: ومعنى قول عمر رضي الله عنه: (فكانت له خاصة) يريد: ما كان للمؤمنين لو أوجفوا، وهي الأربعة الأخماس، أما الخمس .. فلأهل الخمس بدليل الآيتين.
وقال ابن المنذر: إن هذا شيء انفرد به لا نعلم أحدًا قال به قبله؛ أن الفيء يخمس.
ومذهب الأئمة الثلاثة - وهو القديم -: أنه لا يخمس، بل جميعه لمصالح المسلمين، احتجوا بقوله تعالى: ﴿مَّا أفاءَ اللهُ على رَسُولِهِ﴾ الآية، ولم يخمس.
وَخُمُسُهُ لِخَمْسَةٍ: أَحَدُهَا: مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ كَالْثُّغُورِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ،
قلنا: أطلق هاهنا وقيد في الغنيمة فحمل المطلق على المقيد جمعًا بينهما؛ لاتحاد الحكم، واختلاف السبب، فإن الحكم واحد وهو رجوع المال من المشركين للمسلمين، إلا أنه اختلف سببه بالقتال وعدمه كما حملنا الرقبة في الظهار على المؤمنة في كفارة القتل.
قال: (وخمسه لخمسة) كخمس الغنيمة المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿واعْلمُوا أنَّما غَنِمتُم من شَيءٍ﴾ الآية، فيقسم مال الفيء أولاً على خمسة أقسام متساوية، ثم يؤخذ منها سهم يقسم خمسة أسهم فتكون القسمة من خمسة وعشرين، هكذا كان يقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان له الأخماس الأربعة وخمس الخمس الآخر، فله أحد وعشرون سهمًا ينفق منها على نفسه وعياله ويدخر مؤنة سنة، وما بقي يصرفه في المصالح، كذا قاله الجمهور.
وقال الغزالي وغيره: كان الفيء جميعه له صلى الله عليه وسلم إلى أن مات، وإنما خمس بعد موته، وما جزم به المصنف هو المذهب.
وفي قول: جميع الفيء لخمسة؛ لظاهر آية (الحشر).
وأجاب الأول بأن المراد: يقسم الخمس منه لخمسة كخمس الغنيمة، والباقي لمن أضيف له في صدرها وهو النبي صلى الله عليه وسلم، كما بقيت الأخماس الأربعة للمقاتلين الذين أضيف إليهم في صدر آيتهم بقوله: ﴿غَنِمتُم﴾.
قال: (أحدهما)؛ يعني: أحد الخمسة التي يقسم عليها خمس الفيء (مصالح المسلمين كالثغور)، وهي: مواضع المخافة من أطراف بلاد المسلمين الملاصقة لبلاد المشركين، والمراد: سدها بالرجال والعدد وإصلاحها؛ لأن بها يحفظ المسلمون.
قال: (والقضاة والعلماء)، وكذلك الأئمة والمؤذنون، وكذا كل من يفعل أمراً تعود منفعته على المسلمين ولو اشتغل بالكسب لتعطل عنه، كالمشتغل بالعلوم
يُقَدَّمُ الْأَهَمُّ
الشرعية، والقيام بالحسبة، ونواب القضاة والولاة، ونحوهم.
وأشار بهذا إلى: أن مصرفه مصرف القرب لا مصرف قضاء الشهوات كما يفعله الملوك.
والمراد: قضاة البلاد، وأما الذين يحكمون بين أهل الفيء وهم قضاة العسكر .. فإنما يرزقون من الأخماس الأربعة، قاله الماوردي وغيره، قال: وكذا أئمتهم ومؤذنوهم وعمالهم، وهؤلاء يجوز أن يعطوا مع الغنى، ويختلف بضيق المال وسعته، كذا حكاه المصنف في (البيع) من (شرح المهذب).
وهذا السهم هو المضاف لله ورسوله في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ وللرَّسُولِ﴾ أضيف لله على جهة التبرك والابتداء باسمه؛ لأنا لو لم نصرفه إلى هذه القرب .. لكانت السهام ستة.
وقال أبو العالية: سهم الله تعالى يصرف إلى الكعبة، ومن هذا النوع بناء القناطر التي يجتاز عليها والحصون والمساجد، والمشهور: أن النبي صلى الله عليه وسلم ملك هذا الخمس ولكنه جعل نفسه فيه كغيره تكرمًا، ولا يورث عنه بل هو بعده للمصالح.
وفي وجه: أن سهمه صلى الله عليه وسلم سقط بعد وفاته وبقيت القسمة على أربعة.
وقيل: يصرف إلى خليفة الزمان، حكاه في (الوسيط)، وإنما حكاه إمامه قولاً لبعض العلماء، والنقلان شاذان.
قال: (يقدم الأهم) أي: وجوبًا، وهو سد الثغور؛ لأنه تتعلق به مصلحة عامة.
فلو لم يدفع السلطان إلى المستحقين حقهم من بيت المال .. فهل لأحدهم أخذ شيء منه؟ حكى في (الإحياء) فيه أربعة مذاهب للعلماء:
أحدها: المنع؛ لأنه مشترك ولا يدري نصيبه منه حبة أو دانقًا أو غيرهما، قال: وهذا غلو.
وَالْثَّانِي: بَنُو هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ؛
والثاني: يأخذ قوت يومه فقط.
والثالث: كفاية سنة.
والرابع: ما يعطى وهو حصته والباقون مظلومون، قال: وهو القياس؛ لأن المال ليس مشتركًا كالميراث، ولذلك لو مات لا يصرف إلى ورثته، وبالأول جزم الشيخ عز الدين في (القواعد).
قال: (والثاني: بنو هاشم والمطلب)؛ لقوله تعالى: {وَلذِي القُربى)، وهم: آل النبي صلى الله عليه وسلم دون من في درجتهم من بني عبد شمس وبني نوفل وإن كانا ابني عبد مناف أيضًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أولئك ومنع هؤلاء، فسئل عن ذلك، فقال: (أما بنو هاشم وبنو المطلب فشيء واحد) وشبك بين أصابعه، رواه البخاري.
وروي: (إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام).
فهاشم والمطلب شقيقان، وذووا قربى النبي صلى الله عليه وسلم حقيقةً هم بنو هاشم؛ لأنه جد النبي صلى الله عليه وسلم، فأدخل معهم صلى الله عليه وسلم بني المطلب؛ لأنهم لم يفارقوا بني هاشم في جاهلية ولا إسلام.
ولهما شقيق ثالث، وهو عبدُ شمسَ جدُّ عثمان بن عفان، كان متحداً مع أخيه لأبيه نوفل جد جبير بن مطعم، فلم يدخلا في ذوي القربى وإن شملهما اسمها، أما عبدُ شمسَ .. فواضح، وأما نوفل .. فأخرجه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (نحن وبنو المطلب شيء واحد).
والاعتبار بالانتساب إلى الآباء، أما من انتسب منهم إلى الأمهات .. فلا؛ لأنه عليه الصلاة السلام لم يعط الزبير وعثمان وأم كل منهما هاشمية، لكن يستثنى من ذلك: أولاد بنات النبي صلى الله عليه وسلم كأمامة بنت أبي العاص بن الربيع وعبد الله بن عثمان من بنته رقية، وهما من ذوي القربى بلا شك؛ لأن من خصائص
يَشْتَرِكُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالْنِّسَاءُ، وَيفَضَّلُ الْذَّكَرُ [كَالإِرْثِ]
النبي صلى الله عليه وسلم انتساب أولاد بناته إليه، بخلاف غيره.
وعبارة المصنف موافقة لعبارة (المحرر)، وكأنهما اكتفيا بالعلم بأنه لا يتصور أن يكون بنو أحدهما بني الآخر، والعبارة المستقيمة: بنو هاشم وبنو المطلب.
قال: (يشترك الغني والفقير)؛ للاشتراك في العلة، ولإطلاق الآية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي العباس منه وهو من أيسر قريش.
وفي وجه شاذ: يختص بفقرائهم كاليتامى، وعلى الأصح: يسوى بينهم.
وقال الإمام: إنما يعطى الغني عند سَعة المال؛ فإن كان الحاصل إذا وزع لا يسد مسدًا .. قدم الأحوج، وتكون الحاجة مرجحة، وإن لم تكن معتبرة، ولا فرق بين الصغير والكبير وإن كانت النصرة لا توجد من الصغير.
قال: (والنساء)؛ لأن الزبير كان يأخذ منه سهم أمه صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الصديق يدفع لفاطمة منه.
وفي (النسائي): أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم يوم حنين لصفية من ذوي القربى، ولولا ذلك .. لم يدفع لهن؛ لأن الآية لا تدل إلا على الصرف للذكور، فإن (ذوي) تختص بهم.
قال: (ويفضل الذكر (كالإرث))؛ لأنه عطية من الله تعالى فأشبه الإرث، ولأن معنى النصرة يراعى فيه مع القرابة، ولذلك دخل بنو المطلب؛ لنصرتهم لبني هاشم ودخولهم معهم الشعب، والمرأة فيها نصرة، ولكن نصرة الرجل أكثر ففضل على الأنثى.
وكأنهم عوضوا بذلك عن إرثهم من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يورث.
وقال المزني: لا يفضل الذكر على الأنثى كالوصية للأقارب يسوى فيها بين الذكر والأنثى، وبه قال أبو ثور، وصححه ابن المنذر وجماعة، وقواه الشيخ؛ لأن الجد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يأخذ مع الأب، وابن الابن مع الابن، فدل على أنه ليس كالإرث.
وعلم من قوله: (كالإرث) أنه لا يفضل كبير على صغير، ولا ذكر على ذكر، ولا أنثى على أنثى، لكن يسوى بين من أدلى بجهتين ومن يدلي بجهة، خلافًا للقاضي حسين؛ فإنه فضل المدلي بهما على المدلي بجهة كما يقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب، والصحيح: أنه يعم بالعطاء الحاضر في موضع حصول الفيء والغائب عنه، لأنه يستحق بالقرابة.
وقيل: يدفع ما يحصل في كل إقليم إلى من فيه منهم؛ لما في النقل من المشقة فالتحق بالزكاة.
ويجري مثل هذا الخلاف في اليتامى والمساكين، فيفرق على أيتام جميع البلاد ومساكينهم على الصحيح، لأن صاحب ذلك الوجه - وهو أبو إسحاق - يؤدي قوله إلى حرمان بعضهم، وهو مخالف للآية، وخالف الزكاة؛ فإن المشقة ممنوعة هنا في حق الإمام، فإنه متمكِّن من ضبط ذلك في كل إقليم.
فروع:
للإمام أن يبيع العروض الحاصلة من أموال الفيء ويفرقه إذا رأى فيه مصلحة، إلا نصيب ذوي القربى؛ فإن بيعه يتوقف على إذنهم، لانتقاله إليهم على سبيل الميراث، ولا يعطي من سهم ذوي القربى لمواليهم.
ومن ادعى: أنه منهم .. لا يعطى إلا أن يعرف ذلك باستفاضة أو يثبت ببينة.
وحكى الماوردي في (كتاب العاقلة) عن الأكثرين: أن من ادعى: أنه من قريش .. تسمع دعواه.
وأفهمت عبارة المصنف: أنهم لو أعرضوا عن سهمهم .. لم يسقط، وهو الأصح، وقد ذكره المصنف في (السير).
وَالثِّالِثُ: الْيَتَامَى، وَهوَ: صَغِيرٌ لاَ أَبَ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ فَقْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ
قال: (والثالث: اليتامى)؛ للآية، وإنما يستحق هذا السهم أيتام المسلمين؛ لأنه مال أخذ من الكفار فيختص المسلمون به.
قال: (وهو: صغير لا أب له) ذكرًا كان أو أنثى، سواء كان له جد أم لا، من أولاد المرتزقة أم غيرهم، قتل أبوه في الجهاد أم لا على الصحيح في الجميع، فوصف الصغير لابد منه؛ إذ لا يتم بعد احتلام.
وقوله: (لا أب له) يخالفه ما وقع في (الروضة) في (باب النكاح): أن اليتيمة هي التي لا جد لها، وكأنه سبق قلم، والصواب المذكور هنا.
وقال الغزالي: لا كافل له، وهو محمول على ذلك.
و (اليتم): الانفراد، ومنه: الدرة اليتيمة، وحق هذا الاسم أن يطلق على الكبار والصغار، إلا أنهم نفوه عمن بلغ واستقل؛ لقوله عليه الصلاة السلام: (لا يتم بعد احتلام).
وأما ما روي عن الشعبي: أن امرأة أتت إليه فقالت: إني امرأة يتيمة، فضحك منها أصحابه، فقال: (صدقت؛ النساء كلهن يتيمات) .. فإنما أراد بذلك ضعفهن.
وقال ابن السكيت وغيره: اليتم في الناسِ من قبَل الأب، وفي البهائم من قبل الأم.
قال ابن خالويه: وفي الطير بفقد الأب والأم؛ لأنهما يحضنانه ويرزقانه.
و (اللطيم): الذي يموت أبواه، و (العجي): الذي تموت أمه.
وشملت عبارة المصنف: ولد الزنا؛ فإنه لا أب له، لكن كان من حقه أن يقيده بالمسلم كما تقدم.
قال: (ويشترط فقره على المشهور)؛ لأن لفظ اليتم يشعر بالحاجة، وكأنهم أعطوا بدلاً عما فاتهم من كفالة الآباء.
وَالْرَّابِعُ وَالْخَامِسُ: الْمَسَاكِينُ وَابْنُ الْسَّبِيلِ
وقول المصنف: (يشترط فقره) المراد: في إعطائه لا في تسميته، ولو عبر بالمسكنة .. كان أشمل، ولأنه لو اشترط .. لم يفد التنصيص عليه؛ لدخوله في المساكين، ورد بأن الفائدة عدم الحرمان.
والثاني: لا يشترط فيشترك فيه الفقير والغني كذوي القربى؛ لإطلاق الآية، ولأنه لو اشترط فيهم الفقر .. لدخلوا في جملة المساكين ولم يكن للتنصيص عليهم فائدة.
وأجاب ابن الرفعة بأن الفائدة عدم حرمانهم.
وتعبيره بـ (المشهور) يقتضي ضعف الخلاف، وهو مخالف لقول القاضي حسين: إن الثاني مذهب عامة الأصحاب، وكان ينبغي أن يعبر بالأظهر، والمذهب: أنه يجب استيعابهم.
وقال أبو إسحاق: يجب صرف ما حصل في كل إقليم إلى من فيه منهم كما قاله في الأقارب، ومن ادعى: أنه يتيم .. لم يعط إلا ببينة.
قال: (والرابع والخامس: المساكين وابن السبيل)؛ للآية، وسيأتي في كتاب (قسم الصدقات) بيان حقيقة الفقير والمسكين والفرق بينهما، وذلك عند ذكرهما معًا، فأما عند ذكر أحدهما خاصة .. فيتناول القسمين.
ولا فرق بين أن يكونوا من المرتزقة وغيرهم على المذهب، ولكن يشترط فيهم: أن يكونوا مسلمين، فلا يعطى الكافر من الخمس شيئًا، إلا من سهم المصالح؛ فإنه يعطى منه الكافر عند وجود المصلحة.
قال الماوردي: ويجتهد الإمام رأيه في التسوية والتفضيل بحسب الحاجة، ويجوز له أن يجمع لهم بين سهمهم من الزكاة وسهمهم من الخمس وحقهم من الكفارات، فيصير لهم ثلاثة أموال، وتجب التسوية بينهم حتى بين الذكر والأنثى، وإذا اجتمع في واحد يتم ومسكنة .. أعطي باليتم دون المسكنة؛ لأن اليتم وصف لازم والمسكنة زائلة.
وَيَعُمُّ الأَصْنَافَ الأَرْبَعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالحَاصِلِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ فِيهَا مِنْهُمْ.
وَأَمَّا الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ فالأَظْهَرُ: أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ - وَهُمُ: الأَجْنَادُ الْمُرْصَدُونَ لِلْجِهَادِ-
وقيل: يشترط في ابن السبيل هنا الحاجة بخلاف الزكاة، ومن فقد من الأصناف الأربعة .. فرق نصيبه على الباقين.
قال: (ويعم الأصناف الأربعة المتأخرة)؛ لعموم الآية وصدق الاسم كالميراث، فيعطى الحاضر والغائب عن موضع حصول الفيء؛ إذ لا مشقة في ذلك، لأن الإمام هو الذى يقسم، وهو قادر على ذلك بأمر أمنائه في كل إقليم بضبط من فيه.
قال: (وقيل: يختص بالحاصل في كل ناحية من فيها منهم)؛ لما في النقل من المشقة فالتحق بالزكاة، وهذا قد تقدمت الإشارة إليه.
ولا يجوز الاقتصار على ثلاثة من كل صنف كالزكاة إذا فرق الإمام، ويجوز أن يفاوت بين اليتامى وبين المساكين وأبناء السبيل؛ لأنهم يستحقون بالحاجة فتراعى، بخلاف ذوي القربى؛ فإنهم يستحقون بالقرابة، ومن ادعى فقرًا أو مسكنة .. قبل قوله بلا بينة.
قال: (وأما الأخماس الأربعة) وهي التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته (فالأظهر: أنها للمرتزقة - وهم: الأجناد المرصدون للجهاد-)؛ لأنها كانت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم له لحصول النصرة به كما تقدم، وبعده جند الإسلام هم المرصدون للنصرة وإرعاب الكفار.
والمراد: الذين أرصدوا للجهاد بتعيين الإمام وإثباتهم في الديوان، بخلاف المتطوعة الذين يغزون إذا شاؤوا، ويقعدون إذا شاؤوا، فهؤلاء يعطون من الزكاة لا من الفيء عكس المرتزقة.
نعم؛ إذا لم يف الفيء بحاجتهم وليسوا أغنياء .. فللإمام أن يصرف إليهم من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والقول الثاني: أن هذه الأخماس الأربعة للمصالح كخمس الخمس.
فَيَضَعُ الإِمَامُ دِيوَانًا، وَيَنْصِبُ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ عَرِيفًا،
والثالث: أنها تقسم كما يقسم الخمس، ونسبه الإمام إلى التقديم.
و (الأجناد): الأعوان والأنصار، واحدهم: جندي.
قال: (فيضع الإمام ديوانًا)؛ اقتداء بعمر رضي الله عنه، فهو أول من وضعه في الإسلام.
و (الديوان) بكسر الدال: الدفتر الذي تكتب فيه الأسماء.
وقيل: الكُتّاب الذين يضبطون الأسماء، سمي مكانهم باسمهم، وهو فارسي معرب، وقيل: عربي.
قيل: أول من سماه بذلك كسرى؛ لأنه اطلع يومًا على ديوانه وهم يحسبون مع أنفسهم، فقال: ديوانة؛ أي: مجانين، فسمي موضع قعودهم: ديوانًا.
فإن قيل: هذا لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر رضي الله عنه فهو بدعة وضلالة .. فالجواب: أن هذا أمر دعت الحاجة إليه واستحسن بين المسلمين، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما رآه المسلمون حسنًا .. فهو عند الله حسن).
قال: (وينصب لكل قبيلة أو جماعة عريفًا)؛ ليجمعهم عند الحاجة إليهم، ويسهل عليه ما يريده منهم، ويعرفه بأحوالهم، ويرجع إليه الإمام في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة هوازن: (ارجعوا حتى أسأل عرفاءكم) وكان قد عرف على كل عشرة عريفًا.
وهذا النصب مندوب لا واجب، كما أفاده في زيادات (الروضة)، وبه صرح الإمام.
وروى البيهقي وغيره عن جابر قال: (لما ولي عمر رضي الله عنه الخلافة .. فرض الفرائض، ودوّن الدواوين، وعرف العرفاء).
وَيَبْحَثُ عَنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ وَعِيَالِهِ وَمَا يَكْفِيهِمْ، فَيُعْطِيهِ كِفَايَتَهُمْ
وروى أبو داوود وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العرافة حق ولابد للناس منها، ولكن العرفاء في النار) حذر بذلك عن التعرض للرئاسة؛ لما في ذلك من الفتنة، لأنه إذا لم يقم بحقها .. أثم واستحق النار.
و (العريف) فعيل بمعنى: فاعل، وهو: الذي يعلم دخيلة القوم ويعرف مناقبهم، وجمعه: عرفاء، قال الجوهري: وهو النقيب، وهو دون الرئيس، تقول منه: عَرُف فلان بالضم عرافة.
وقال الماوردي وغيره: النقيب أكبر من العريف، فالنقيب يكون على طائفة من العرفاء.
وفي (مسند الدرامي): قال عطاء بن يسار: حملة القرآن عرفاء أهل الجنة، ومعناه: أنهم رؤساء أهلها.
قال: (ويبحث) أي: الإمام وجوبًا (عن حال كل واحد وعياله وما يكفيهم، فيعطيه كفايتهم)؛ ليتفرغ للجهاد، ويراعي في حاجتهم الزمان والمكان، والرخص والغلاء، وعادة الشخص مروءةً وضدها، ويزداد كلما ازدادت الحاجة؛ بزيادة ولد، وزيادة عدد، وحدوث زوجة ولو إلى أربع، فيكفيه هذه المؤنات؛ ليتفرغ للجهاد، ويدفع ذلك إليه، وفي قول: يتولى الإمام تعهد عياله بنفسه.
ويعطى أيضًا: مؤنة عبد يقاتل معه أو يخدمه، إن كان ممن يخدم ولا يزاد على واحد إن اندفعت الحاجة به، وإلا .. فيزاد، ويعطيه مؤنة فرسه إن كان ممن يركب في الحرب.
وقال ابن الرفعة: أما أمهات الأولاد فلا يعطي إلا لواحدة منهن؛ لأنهن غير محصورات، بخلاف الزوجات، والحاجة تندفع بواحدة.
ثم ما يصرفه إليه لزوجته وولده هل يملكه هو ويصير إليهم من جهته، أو لا يملكه بل الملك حصل لهم من الفيء؟ وجهان: أصحهما: الثاني.
وَيُقَدِّمُ فِي إِثْبَاتِ الاِسْمِ والإِعْطَاءِ قُرَيْشًا-
فرع:
نص الشافعي رضي الله عنه: على أنه يسوي بين المرتزقة، ومعناه: أنه يعطي كل واحد قدر حاجته، ولا يفضل بعضهم على بعض بالسبق إلى الإسلام أو الهجرة له أو لآبائه ولا علم ولا ورع ولا شرف نسب، بل يعطي كل واحد على قدر حاجته، ويسوي بين الشريف وغيره، كما يسوي في الإرث بين البار والعاق، وفي الغنيمة بين الشجاع والجبان؛ لأنهم مرصدون للجهاد.
وكذا حَكَم أبو بكر وعلي رضي الله عنهما.
وإلى التفضيل ذهب عمر وعثمان رضي الله عنهما، ثم رجع عمر إلى قول أبي بكر، وكان عمر رضي الله عنه يقول لأبي بكر رضي الله عنه: (أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم كمن دخل الإسلام كرهًا؟!) فقال أبو بكر رضي الله عنه: (إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ).
فلما آل الأمر إلى عمر رضي الله عنه فاضل بينهم بحسب الفضائل؛ ترغيبًا للناس فيها؛ فأعطى المهاجرين خمسة آلاف، والأنصار أربعة آلاف، وفضل عائشة رضي الله عنها على ابنته حفصة رضي الله عنها، وقال: (إن أباها كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فأعطى عائشة رضي الله عنها اثني عشر ألفًا، وأعطى بقية نسائه العربيات عشرة آلاف درهم لكل واحدة، وأعطى صفية وجويرية ستة ستة؛ لأنهما كانتا معتقتين، وأعطى كلاً من علي والعباس ستة آلاف، وأعطى الحسن والحسين أربعة أربعة، وأسامة بن زيد ألفين، وولده عبد الله ألفًا وخمس مئة فقال: (أتفضل عليَّ أسامة؟!) قال: (نعم؛ لأنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك وأبوه أحب إليه من أبيك).
قال: (ويقدم في إثبات الاسم والإعطاء قريشًا)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:
وَهُمْ وَلَدُ النَّضْرِ بنِ كِنَانَةَ - وَيُقَدِّمُ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ ثُمَّ عَبْدِ شَمَسَ ثُمَّ نَوْفَلٍ ثُمَّ عَبْدِ الْعُزَّى
(قدّموا قريشًا ولا تَقَّدموها) رواه ابن أبي شيبة والطبراني والطيالسي والشافعي، وقال ابن حزم: إسناده صحيح.
ولأنهم تشرفوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.
وسموا قريشًا؛ لتقرشهم، وهو تجمعهم، وقيل: لشدتهم.
قال: (وهم ولد النضر بن كنانة)، هذا قول أكثر النسابين، واسم النضر: قيس.
وقيل: إنهم أولاد إلياس.
وقيل: أولاد مضر بن نزار.
وقيل: ولد فهر بن مالك، قال البيهقي: إنه قول أكثر أهل العلم، واختاره الحافظ الدمياطي والشيخ، قالا: ولا يكاد يظهر تفاوت بين القولين.
قال: (ويقدم منهم بني هاشم)؛ لأن الله تعالى شرفهم بكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، واسم هاشم عمرو، وسمي بذلك؛ لأنه هشم الثريد لقومه، قال الشاعر (من الكامل):
عمرو الذي هشمَ الثريدَ لقومه ... ... ... وبطون مكة مسنتون عجاف
قال: (والمطلب)؛ لتسويته صلى الله عليه وسلم بينهما، وفيه ما سبق.
قال: (ثم عبد شمسَ)؛ لأنه شقيق هاشم والمطلب، والمراد: ثم بني عبد شمس، ويقرأ عبد شمسَ بفتح آخره؛ فإنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث، حكاه في (العباب) عن الفارسي.
قال: (ثم نوفل)؛ لأنه أخوهم لأبيهم عبد مناف.
قال: (ثم عبد العزى)، وهو ابن قصي أخو عبد مناف، ومنهم الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، وأيضًا هو أصهار النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن خديجة بنت خويلد بن عبد العزى.
ثُمَّ سَائِرَ الْبُطُونِ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ الأَنْصَارَ،
ثم بعد عبد العزى بني عبد الدار، وهما ابنا قصي.
قال: (ثم سائر البطون الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ لأن كل الشرف والخير في القرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقدم بعد عبد الدار بني زهرة بن كلاب، وهو أخو قصي، وهم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، ثم بنو تيم، ومنهم أبو بكر وطلحة رضي الله عنهما، وقدموا على بني مخزوم؛ لأن عائشة رضي الله عنها منهم، وهكذا.
قال: (ثم الأنصار) أي: بعد انتهاء قريش يقدم الأنصار من الأوس والخزرج؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والأَنصَارِ﴾، ولأن لهم من الأثر في الإسلام ما ليس لغيرهم؛ فإنهم آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه وآثروه وأصحابه على أنفسهم في المنازل والأموال، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث طويل: (لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، والأنصار شعار والناس دثار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا .. لسلكت وادي الأنصار وشعبها).
وفي (صحيح البخاري) في (كتاب المغازي) عن أنس أنه قال: (قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون).
وفيه أيضًا عن غيلان بن جرير قال: (قلت لأنس بن مالك: أرأيت اسم الأنصار أكنتم تسمون به أم سماكم الله به؟ قال: بل سمانا الله تعالى به).
وروى أحمد عن أنس: أن الأنصار اجتمعوا فقالوا: إلى متى نشرب من هذه الآبار، فلو أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فيدعو لنا أن يفجر الله لنا من هذه الجبال عيونًا، فجاؤوا بجماعته إليه صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم ... قال: (مرحبًا وأهلاً، لقد جاء بكم إلينا حاجة؟) قالوا: إي والله يا رسول الله، قال:
ثُمَّ سَائِرَ الْعَرَبِ،
(فإنكم لن تسألوني اليوم شيئًا إلا أوتيتموه، ولا أسأل الله شيئًا إلا أعطانيه)، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا: الدنيا تريدون! اطلبوا الآخرة، فقالوا بجماعتهم: يا رسول الله؛ ادع الله أن يغفر لنا، فقال: (اللهم؛ اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) قالوا: وأولادنا من غيرنا، قال: (وأولادكم من غيركم) قالوا: يا رسول الله؛ وموالينا، قال: (وموالي الأنصار).
وفي (ابن حبان) مرفوعًا: (اللهم؛ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، ولنساء أبناء الأنصار، ولنساء أبناء أبناء الأنصار).
وفي (الطبراني الكبير) من حديث معاذ بن رفاعة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم؛ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولذراريهم، ولجيرانهم).
وفيه من حديث ابن عباس مرفوعًا: (لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يحب ثقيفًا رجل يؤمن بالله واليوم الآخر).
وفي (ابن حبان): (اللهم؛ اغفر للأنصار، ولذراريهم، ولذراري ذراريهم، ولموالي الأنصار، ولجيرانهم).
فائدة:
في الصحابة ثلاثة مهاجرون أنصاريون: ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب، والعباس بن عبادة بن نضلة، لا رابع لهم.
قال: (ثم سائر العرب)؛ لأنهم أشرف من العجم وأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم.
ثُمَّ الْعَجَمَ
قال الرافعي: كذا رتبوه، وحمله السرخسي على من هم أبعد من الأنصار، فأما من هو أقرب من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم .. فمقدمون.
وفي (الحاوي): يقدم بعد الأنصار مضر، ثم ربيعة، ثم جميع ولد عدنان، ثم قحطان.
قال: (ثم العجم)؛ لتأخرهم عن العرب، والتقديم فيهم بالسن والفضيلة لا بالنسب، وهذا التقديم مستحب لا واجب؛ فإن استوى اثنان في القرب .. قدم أسنهما، فإن استويا فيه .. فأقدمهما إسلامًا وهجرة.
قال: وقد أطلقوا هنا تقديم النسب على السن، بخلاف المرجح في إمام الصلاة، فليتأمل الفرق.
وفرق غيره؛ بأن دعاء الأسن أقرب إلى الإجابة، فقدم لذلك.
وعكس الماوردي ترتيب الرافعي، قال في (الروضة): وهو المختار.
ثم يقدم الشجاعة، ثم ولي الأمر بالخيار بين أن يرتبهم بالقرعة أو برأيه واجتهاده، ونص في (الأم) و (المختصر) على: أن التقديم بالسابقة عند التساوي.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أتقاكم﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى)، وقال يوم فتح مكة: (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بالآباء، إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله) ثم قرأ الآية، فلم فضلتم العرب على العجم .. فالجواب: أن هذا في الزجر عن الازدراء بالناس والتحقير لهم والاستطالة بالنسب على من ليس بنسيب، وأيضًا الأنساب اعتبرت في الدنيا لصلاح أحوال الخلق، وأما في الآخرة .. فينقطع الاحتياج لتلك المصالح
وَلاَ يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ أَعْمَى وَلاَ زَمِنا وَلاَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ.
وَلَوْ مَرِضَ بَعْضُهُمْ أَوْ جُنَّ وَرُجِيَ زَوَالُهُ .. أُعْطِيَ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُعْطَى،
ولا يبقى إلا التقوى، وأشير إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿عند الله﴾.
فإن قيل: التقوى من الأعمال، والعلم أشرف من العمل، فهلا قيل: الأكرم الأعلم؟ .. فالجواب: أن الأعلم هو الأتقى، وإنما ينفع العلم بالعمل، فكان ذكر الأتقى مستلزمًا لذكر الأعلم ومنبهًا لحصول نتيجة العلم ومقصوده من العمل.
قال: (ولا يثبت في الديوان أعمى ولا زمنًا ولا من لا يصلح للغزو)؛ إذ لا كفاية فيهم، ولا يثبت اسم صبي، ولا مجنون ولا امرأة ولا عبد لا ضعيف لا يصلح للغزو، وإنما يثبت الرجال المكلفين المستعدين للغزو، ومن شرطهم الإسلام بالاتفاق، واشترط الماوردي: أن يكون فيهم الإقدام على القتال ومعرفة به، قال: ويثبت الأخرس والأصم والأعرج إن كان يقاتل فارسًا لا راجلاً، ولا يثبت الأقطع، قال: وإذا كتبه في الديوان، فإن كان مشهور الاسم .. لم تحسن تحليته، وإن كان مغمورًا، أي: ليس بمشهور .. وصف وحلي بحيث يتميز عن غيره.
قال: (ولو مرض بعضهم أو جن ورجي زواله .. أعطي) ولو طال مرضه؛ لئلا يرغب الناس عن الجهاد.
قال: (وإن لم يرج .. فالأظهر: أنه يعطى)؛ لما ذكرناه، ولكن يقطع اسمه من الديوان.
والثاني: لا يعطى؛ لأنه ليس من المقاتلين، والمراد: أنه يعطى كفايته وكفاية عياله اللائقة به في الحالة الراهنة.
ويسقط من الديوان اسم من لم يرج زوال عذره، بخلاف المرجو.
قال: (وكذا زوجته وأولاده إذا مات)؛ لئلا يشتغل المجاهدون بالكسب خشية ضياع أولادهم فيتعطل فرض الجهاد.
وفي معنى الأولاد: من تجب نفقته كالوالدين وإن كانوا من أهل الذمة؛ لأن المقاتل هو الذي يأخذ، بخلاف ما سيأتي في زوجته الذمية بعده؛ لأنها عطية لها مبتدأة فمنعت هذا الذي يظهر في المسألتين.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: لا يعطون؛ لأنهم ليسوا مقاتلين، والتابع يزول بزوال المتبوع، ووقع في (الكفاية): أن الرافعي قال: هذا القول أظهر، وهو وهم.
وإفراد المصنف الزوجة وجمع الأولاد يوهم اعتبار الوحدة في الزوجة، والأصح: أنه يعطي الزوجات، بخلاف ما تقدم في العبيد.
وإطلاقه يشمل الزوجة الذمية، ولم يصرحوا بها، والظاهر: أنها لا تعطى، وفيما إذا أسلمت بعد موته نظر، والظاهر: إلحاق أم الولد بالزوجة، وفيها بحث تقدم قريبًا.
والمراد بإعطائهم: أن يعطوا ما يليق بهم في حالتهم تلك، لا جميع ما كان لأبيهم.
فائدة:
أخذ الشيخ من هذه المسألة: أن الفقيه أو المعيد أو المدرس إذا مات .. تعطى زوجته وأولاده مما كان يأخذ ما يقوم بهم، للعلة المذكورة، وهي الترغيب في الجهاد، فإن فضل المال عن كفايتهم .. صرف الباقي لمن يقوم بالوظيفة، فشرط الله في ماله أعظم من شرط الواقف في ماله ... ، وأطال في تقرير ذلك.
ولك أن تفرق بينهما؛ بأن العلم محبوب للنفوس ولا يصد عنه راغب فوكل الناس فيه إلى ميلهم إليه، والجهاد مكروه للنفوس فيحتاج الناس في إرصاد أنفسهم له إلى
وَكَذَا زَوْجَتُهُ وَأَوْلاَدُهُ إِذَا مَاتَ فَتُعْطَى الزَّوْجَةُ حَتَّى تَنْكِحَ، وَالأَوْلاَدُ حَتَّى يَسْتَقِلُّوا
التألف، وإلا .. فمحبة الزوجة والولد قد تصد عنه.
قال: (فتعطى الزوجة حتى تنكح) والمراد: حتى تستغني بزوج أو إرث أو هبة أو وصية، فإن كانت ممن لا يُرغب في نكاحها .. أعطيت إلى أن تموت، وينبغي النظر في أنها لو خطبت ورغب في نكاحها الأكفاء فامتنعت .. هل يسقط بذلك حقها؟ لم أر من تعرض له، فإن كان الزوج الثاني مرتزقًا .. قدر لها قدر كفايتها تبعًا له.
قال: (الأولاد حتى يستقلوا) أي: يبلغوا ويستقلوا بالكسب، فمن أحب إثبات اسمه في الديوان .. أثبت، وإلا .. قطع، فإن بلغوا مستمرين على العجز .. صرف لهم، والبنات يرزقن إلى أن ينكحن كالزوجة.
فروع:
مات بعد جمع المال وانقضاء المدة المضروبة للإعطاء من حول أو دونه فنصيبه لورثته أو بعد الجمع وقبل انقضاء المدة .. فلهم القسط كالإجارة.
وقيل: لا كالجعالة أو عكسه، فظاهر النص - وقال به جماعة -: أنه لا شيء لهم.
وينبغي للإمام أن يفرق أرزاق المجاهدين في كل سنة مرة، ويجعل له وقتًا معينًا، ويختار أن يكون أول المحرم، فلو رأى أن يفرق في كل ستة أشهر أو أربعة أو ثلاثة - قال الماوردي: أو كل شهر - جاز، ولا يبعض النفقة بالتفرقة في كل أسبوع، وفي وجه: لا يجوز أن يفرق إلا مرة واحدة في السنة كالزكاة، وغلَّط الماوردي قائله.
قال: والعطاء يكون لما مضى؛ لأن أرزاقهم تجري مجرى الجعالة، ثم قال: ويقسم المأخوذ سواء كان ذهبًا أو فضة، والورق أخص بالعطاء من الذهب، إلا إذا
فَإِنْ فَضَلَتِ الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ عَنْ حَاجَاتِ الْمُرْتَزِقَةِ .. وُزِّعَ عَلَيْهم عَلَى قَدْرِ مُؤْنَتِهِمْ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ بَعْضُهُ فِي إِصْلاَحِ الثُغُورِ وَالسِّلاَحِ وَالكُرَاعِ
كان الأغلب في مال الفيء أو كان الأغلب في المعاملات، ولا يعطي الفلوس وإن راجت.
وقال الإمام: ذهب المحققون من الأصحاب العارفون بأحكام الإنالة: أنه لو أعد ذخيرة للجند .. لا يعترض عليه، وإذا أمرهم الإمام بالغزو .. وجب؛ لأنهم أخذوا الرزق لذلك، فإن امتنعوا من غير عذر .. سقطت أرزاقهم، وإذا أتى رجل يطلب إثبات اسمه في الديوان .. أجابه الإمام إن وجد في بيت المال سعة وفي الطالب أهلية، وإلا .. فلا، وإذا أراد ولي الأمر إسقاط بعضهم بسبب .. جاز، وبغير سبب .. لا يجوز، وإذا أراد بعضهم إخراج نفسه من الديوان .. جاز إن استغني عنه، ولا يجوز مع الحاجة إلا لعذر.
قال: (فإن فضلت الأخماس الأربعة عن حاجات المرتزقة .. وزع عليهم على قدر مؤنتهم)؛ لأنها مختصة بهم، فيفعل في ذلك كما يفعل في المقرر لهم، فإن كان لواحد نصفه ولآخر ثلثه .. أعطاهم من الفاضل بهذه النسبة.
وقال الإمام: إنه يوزع على عدد رؤوسهم بالسوية؛ لأن الحاجة قد زالت فاستووا فيه، قال: ويختص بذلك رجالهم دون الورثة.
قال: (والأصح: أنه يجوز أن يصرف بعضه في إصلاح الثغور والسلاح والكراع) وهو الخيل؛ فإنهم قاموا في استحقاقه مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
والثاني: المنع، بل يوزع كما تقدم، وصححه في (الكفاية).
كل هذا تفريع على الأصح، وهو: أن الأربعة الأخماس مصروفة للمرتزقة، أما إذا قلنا: إنها للمصالح .. فما فضل يصرف في سائر المصالح، فإن فضل شيء ..
هَذَا حُكْمُ مَنْقُولِ الْفَيْءِ، فَأَمَّا عَقَارُهُ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُجْعَلُ وَقْفاً، وَتُقْسَمُ غَلَّتُهُ كَذَلِكَ
ففي جواز صرفه إليهم وجهان، ويجوز صرفه إليهم عن كفاية السنة القابلة بلا خلاف.
والقصد من هذا كله: أن الإمام لا يُبقي في بيت المال شيئًا من الفيء ما وجد له مصرفًا، فإن لم يجد .. ابتدأ في بناء رباطات ومساجد على حسب الرأي، وتأسى الشافعي رضي الله عنه في ذلك بالشيخين رضي الله عنهما؛ فإنهما ما كانا يدخران، بل كانا يصرفان كل سنة إلى مصارفه ولا يخبئان شيئًا؛ خوفًا من نازلة، فإن ألمت ملمة وتعين القيام بها .. خاطب أصحاب الثروة من المسلمين.
قال: (هذا حكم منقول الفيء، فأما عقاره .. فالمذهب: أنه يجعل وقفًا، وتقسم غلته كذلك) أي: في كل عام أبدًا؛ لأنه أنفع لهم، هذا هو المنصوص، وتقابله أوجه:
أحدها: أنه يصير وقفًا بنفس الحصول، كما ترق النساء والصبيان بنفس الأسر، ورجحه الماوردي.
والثاني: أن المراد بالوقف منع التصرف لا الوقف الشرعي.
والثالث: يقسم كالمنقول، أما ما حصل للمصالح .. فإنه لا تمكن قسمته استدامة للمصلحة، ووقع في (الكفاية): أن المصنف اختار هذا، وهو وهم؛ فإنه صحح في (التصحيح) ما في الكتاب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تتمة:
يجوز أن يكون عامل الفيء وهو الناظر فيه من أولي القربى.
قال الماوردي: عامل الفيء إذا ولي وضع أموال الفيء وتقريرها .. اشترط أن يكون حرًا مسلمًا مجتهدًا عارفًا بالحساب والمساحة، وإن ولي جباية أمواله بعد تقريرها .. سقط الشرط الثالث، وإن ولي جباية نوع خاص من الفيء، فإن لم يستغن فيه عن استنابة .. اشترط إسلامه وحريته ومعرفة الحساب والمساحة؛ لما فيه من معنى الولاية، وإن استغنى عن الاستنابة .. جاز أن يكون عبدًا؛ لأنه كالرسول المأمور.
وأما توليته الذمي، فإن كانت جباية من أهل الذمة كالجزية وعشر التجارة .. جاز، وإن كانت من المسلمين .. فوجهان: فال المصنف: أصحهما: المنع.
وقال الشيخ: تجويز كونه ذميًا في الصورتين منكر، والصواب: أنه لا يجوز كونه ذميًا مطلقًا، وقد كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه غلام نصراني اسمه إسحاق، وكان يقول له: (أسلم حتى أستعملك؛ فإني لا أستعمل على المسلمين إلا مسلمًا).
وروي: (أن أبا موسى الأشعري رفع إلى عمر رضي الله عنهما حسابًا استحسنه فقال: من كتب هذا؟ قال: كاتبي، قال: وأين هو؟ قال: على باب المسجد قال: أجنب هو؟ قال: لا ولكنه نصراني فقال: لا تأتمنوهم وقد خونهم الله، ولا تقرِّبوهم وقد بعدهم الله).
ثم إذا فسدت ولاية العامل وقبض المال مع فسادها بريء الدافع؛ لبقاء الإذن، فلو نهي عن القبض بعد فسادها .. لم يبرأ الدافع إليه إن علم النهي، وإن جهله .. فوجهان كالوكيل.
فَصلٌ: الْغَنِيمَةُ: مَالٌ حَصَلَ مِنَ الكُفَّارِ بِقِتَالٍ وَإِيجَافٍ قال: (
فصل
:
الغنيمة: مال حصل من الكفار بقتال وإيجاف) أي: إيجاف خيل وركاب.
(الغنيمة) من الغنم كما تقدم.
وقوله: (ما حصل) يعم الكاب التي تقتنى، وسيأتي حكمها في (السير) حيث ذكرها المصنف.
وفي بعض النسخ: (مال حصل)، وهي موافقة لقول (المحرر): الغنيمة المال الحاصل من الكفار، فتخرج الكلاب؛ فإنها ليست بغنيمة على الصحيح المنصوص كما سيأتي.
وقال الإمام: ينبغي أن تكون الكلاب للجميع، كما أنَّ من مات وله كلب .. لا يستبد به بعض ورثته، واختاره الشيخ.
وفرق ابن الرفعة بين الغنيمة والإرث؛ بأن الإرث سبب قوي لا يقبل الرد فامتنع الاختصاص، بخلاف الغنيمة، وهو فرق صحيح، لكنه لا يمنع أصل الإلحاق.
وجلد الميتة قد يقال: إنه كالكلب؛ لعدم المالية وقد يقال: لا؛ لإمكان تطهيره.
والمراد بـ (المال): الذي كانوا يملكونه، فإن كانوا أخذوه من المسلمين أو أهل الذمة واستولوا عليه .. وجب رده إلى أصحابه وليس بغنيمة؛ لأنهم لم يملكوه.
ودخل في المال: النساء والصبيان؛ فإنهم يرقون بنفس الأسر كما سيأتي في (السير).
وقوله: (حصل) المراد للمسلمين، أما ما حصل لأهل الذمة من أهل الحرب بقتال .. فالنص: أنه ليس بغنيمة ولا ينزع منهم.
وقوله: (بإيجاف) خيل وركاب جرى فيه على الغالب، وإلا .. فما أخذ بقتال
فَيُقَدَّمُ مِنْهُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ،
الرجالة وفي السفن غنيمة ولا إيجاف فيه، وكذا إذا التقى الصفان فانهزم الكفار قبل شهر السلاح وتركوا مالهم .. فهو غنيمة كما قاله الإمام.
لكن قد يرد ما تركوه بسبب حصول خيلنا وركابنا في بلادهم وضرب معسكرنا فيها .. فالأصح: أنه ليس بغنيمة مع وجود الإيجاف، ثم لا فرق بين أن يكون الغزو بإذن الإمام أم لا على المشهور، وقيل: إن كان بغير إذنه .. لا يخمس.
أما المسروق والمأخوذ اختلاسًا وعلى هيئة اللقطة .. فسيأتي في (كتاب السير) إن شاء الله تعالى: أن الأصح: أنها غنيمة، وينبني على ذلك عدم جواز وطء السراري اللواتي يؤتى بهن من الروم والهند ونحو ذلك؛ لأنهن لا يخمسن وسيأتي حكم ذلك في خاتمة (باب الاستبراء) إن شاء الله تعالى.
فرع:
إذا أهدى الكفار للمسلمين شيئًا، فإن كان ذلك والحرب قائمة .. فهو غنيمة لجماعة المسلمين، وإن كان بعد انقضائها أو قبل الخروج من دار الإسلام .. اختص بها من أهديت له، كذا نصه في (حرملة).
وفي (أبي داوود) وغيره: أن عياض بن حمار أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدية فردها عليه، وقال: (إنا لا نقبل زبد مشرك)، وقد قبل هدية المقوقس والنجاشي وأكيدر دومة.
قال: (فيقدم منه) أي: من أصل المال (السلب للقاتل)، سواء شرطه الإمام أم لا؛ لما روى الشيخان عن أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل قتيلاً له عليه بينة .. فله سلبه).
وروى أبو داوود: أن أبا طلحة قتل يومئذٍ عشرين قتيلاً وأخذ أسلابهم.
وقال مالك وأبو حنيفة - ورواية عن أحمد -: لا يكون السلب للقاتل إلا بنداء الإمام بذلك.
فإن قيل: روى مسلم عن عوف بن مالك: أن رجلاً من حمير قتل رجلاً من
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العدو فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد وكان أميرهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد: (ما منعك أن تعطيه السلب؟) قال: استكثرته يا رسول الله، قال: (ادفعه إليه)، فمرَّ خالد بعوف بن مالك يجر رداءه ويقول: ألم أفِ لك؟ فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستغضب وقال: (لا تعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركوا لي أمرائي!) فلو كان السلب مستحقًا .. لم يقل: لا تعطه .. فالجواب: أن هذا كان على سبيل التأديب.
وقيل: حيث كانت العقوبة بالمال.
وقيل: إن الغنائم كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ملكًا له يعطي منها ما أراد لمن أراد.
ولا فرق في استحقاق السلب بين أن يقتل العدو في المبارزة، أو ينغمس في صف العدو فيقتله.
وضابط مستحق السلب: كل من يستحق السهم في الغنيمة راجلاً كان أو فارسًا، والمذهب: أن العبد والمرأة والصبي يستحقونه، ولا يستحقه الذمي على المذهب، وإذا قلنا: لا تستحق المرأة فكان القاتل خنثى .. وقف السلب حتى يتبين.
وإذا حضر الذمي بغير إذن الإمام .. فلا سلب له قطعًا، ولا سلب للمخذل قطعًا، والتاجر إذا قلنا: لا سهم له كالصبي.
هذا إذا كان المقتول رجلاً، فإن كان امرأة أو صبيًا، فإن لم يقاتل .. فلا سلب؛ للنهي عن قتله، وإن قاتل .. استحق في الأصح، وألحق البغوي العبد بالمرأة، وقال الإمام: يستحق سلبه قطعًا، وليس القتل بشرط؛ لما سنذكره.
وَهُوَ: ثِيَابُ الْقَتِيلِ وَالْخُفُّ والرَّانُ، وآلات الحَرْبِ كَدِرْعٍ وَسِلاَحٍ، وَمَرْكُوبٍ.
قال: (وهو: ثياب القتيل والخف والران، وآلات الحرب كدرع وسلاح، ومركوب)؛ لثبوت يده على ذلك كله، وسواء في المركوب ما كان راكبه أو نزل عنه لحاجة في القتال إذا كان عنانه بيده وهو يقاتل راجلاً إذا نزل، وفيه احتمال للإمام، لكن لو كان لمركوبه مهر يتبعه .. لم يدخل في السلب؛ لأنه منفصل، قاله ابن القطان في (فروعه).
و (الران) براء مهملة ثم ألف ثم نون: خف يلبس للساق خاصة ليس له قدم، وعبارة (الروضة): رانات، قال الشيخ: ولم أره في كتب اللغة.
وفي (تفسير القرطبي) في قوله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾: عن ابن عباس: أنه الران الذي يجعل تحت الخف، وهو غريب.
و (درع الحديد) مؤنثة، قال ابن الأثير: وهي الزردية، وقد تقدم في (باب الرهن) الكلام على درع النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها الدرع التي لبسها داوود حين قتل جالوت، وجمعها في القلة: أدرع وأدراع، فإذا كثرت .. فهي الدروع، وتصغيرها: دريع على غير قياس؛ لأن قياسه بالهاء.
وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى: أن الدرع تذكر وتؤنث، ودرع المرأة قميصها مذكر، والجمع: أدراع.
ومما يدخل في السلب بلا خلاف: المهماز ومرد الدابة.
تنبيه:
عبارته تقتضي: أن الخف والران ليسا من الثياب، وكذلك الدرع إذا كان لابسها، وهذا عكس ما قالوه فيما إذا أوصى بثيابه: أنه يدخل كل ما على بدنه، ومنها الخف والران والطيلسان.
وفي (البيع) صرحوا بحرمة بيع السلاح للحربي وهو أعم من الدرع، وهنا غايروا بينهما، لكنه قال في (شرح مسلم) في حديث رهن الدرع من اليهود: فيه جواز
وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ، وَكَذَا سِوَارٌ وَمِنْطَقَةٌ وَخَاتَمٌ، وَنَفَقَةٌ مَعَهُ، وَجَنِيبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ فِي الأَظْهَرِ،
رهن السلاح من أهل الذمة، فسمى الدرع سلاحًا.
وعد في (الذخائر) (الكبور) من السلاح، وهو: شيء يلبس من الحديد إلى حد السرة.
وفي (المحكم): السلاح اسم جامع لآلة الحرب، وخص بعضهم به الحديد، وبعضهم به السيف وحده.
قال: (وسرج ولجام)؛ لأن يده عليه حسًا؛ لما رواه أبو داوود من حديث عوف بن مالك في الرومي الذي خرج وعلى فرسه سرج مذهب، فاستكثره خالد، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بدفعه إليه، وهذه الأمور لا خلاف فيها.
قال: (وكذا سوار ومنطقة وخاتم، ونفقة معه، وجنيبة تقاد معه في الأظهر)، وكذلك الطوق؛ لأنها منسوبة إليه ومسلوبة بسببه وطمع المقاتل يمتد إليها، ولأن البراء بن مالك حين حمل على المرزبان وقتله .. أخذ منطقته وسواره فبلغت قيمتهما ثلاثين ألفًا، رواه الطبراني.
ولما أتي عمر رضي الله عنه بسواري كسرى ألبسهما سراقة بن مالك وقال له: (استقبل القبلة وكبر، وقل: الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيًا من بني مدلج) فسماه عمر سلبًا.
وسبب إلباسهما سراقة: أنه يوم فتح مكة حسر عن ذراعيه وكان أشعرهما فخجل، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (كأني بك وقد ألبست سواري كسرى) فأراد عمر تحقيق ذلك.
ولأنه قد يحتاج إلى الجنيبة في الكر والفر، وقطع بعضهم فيها بالمنع كذوات الحمل.
والثاني: أنها ليست سلبًا؛ لأنه ليس مقاتلاً بها فهي كثيابه وأمتعته المخلفة في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رحله، ولأن عمر رضي الله عنه منع البراء بن مالك من أخذ المنطقة والسوار.
وإذا جعلنا الجنيبة سلبًا .. ففي السلاح الذي عليها تردد للإمام، وإنما يستحق جنيبة واحدة، قاله أبو الفرج الزاز، قال المصنف: وفيه نظر، فإن تعددت .. قال الرافعي: فعلى هذا: ينبغي أن يرجع إلى تعيين الإمام أو يقرع، قال المصنف: الصواب المختار: أن القاتل يختار.
أهـ
وهذه الاحتمالات الثلاث ذكرها الإمام في (النهاية)، ولم يقف عليها الشيخان.
واحترز بـ (النفقة التي معه) عن التي في خيمته؛ فإنه لا يستحقها كما سيأتي، وبقوله: (تقاد معه) عما أعدت لأن تجنب، وعما يحمل عليها ثقله؛ فإنه لا يستحقها، وهو أحسن من قول (المحرر) و (الشرح) بين يديه.
وظن صاحب (الحاوي الصغير): أن هذا القيد للاحتراز عن الجنيبة التي تقاد خلفه، فقال: وجنيبة أمامه، وهو مردود؛ فلا فرق بين ما خلفه وأمامه، وتعليلهم بالاستعانة بها يوضحه.
أما مملوكه الذي يجنبها .. فجزم القاضي أبو الطيب بأنه ليس سلبًا.
قال الإمام: ولو كان سلاحه يحمله غلامه ويعطيه متى شاء .. كان ذلك السلاح بمنزلة الفرس المجنوب، ويجوز أن لا يكون كذلك.
ولا فرق في السلب بين الجليل والحقير؛ لأن خالدًا باع سلاح الهرمزان بمئة ألف.
قال الشافعي رضي الله عنه: وأما ما روي عن عمر رضي الله عنه: أنه كان يخمس ما استكثر من السلب .. فليس من روايتنا، وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه
لاَ حَقِيبَةٌ مَشْدُودَةٌ عَلَى اَلْفَرَسِ عَلَى اَلْمَذْهَبِ.
وَإِنَّما يَسْتَحِقُ بِرُكُوبِ غَرَرٍ يَكْفِي بِهِ شَرَّ كَافِرٍ فِي حَالِ اَلْحَرْبِ,
وسلم - بأبي هو وأمي - شئ .. لم يجز تركه, ولم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا قلَّ ولا جلَّ.
و (المنطقة): الحياصة, وأصله ما يشد به الوسط.
قال: (لا حقيبة مشدودة على الفرس على المذهب)؛ إذ ليست من لباسه ولا حليته, ولا مشدودة على بدنه, ولا من حلية فرسه, ومراده: مع ما فيها من نقد ومتاع.
والطريق الثاني: طرد القولين كالجنيبة, واختار الشيخ دخول ما فيها؛ لأنه إنما حملها على فرسه لتوقعه الاحتياج إليها.
وهى بفتح الحاء المهملة وكسر القاف: وعاء يجمع فيه المتاع يجعل على حقو البعير, وجمعها: حقائب.
قال نصيب يمدح (سليمان بن) عبد الملك (من الطويل):
أقولُ لركبٍ صادرينَ لقيتُهم .... قِفا ذاتَ أوشال ومولاك قاربُ
قفوا أخبرونى عن سليمانَ إِنني .... لمعروفهِ مِن أهل ودان طالبُ
فعاجوا فأثنوا بالذي أنتَ أهلهُ .... ولو سكتوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ
ومعناه: إذا لم يذكروا إحسانك .. فما زودتهم به من الأمتعة التي وضعوها في الحقائب تثني عليك.
ولو أعرض مستحق السلب عنه .. فسيأتي في (كتاب السير): أن الأصح: أنه لا يسقط حقه.
قال: (وإنما يستحق بركوب غرر يكفي به شر كافر في حال الحرب)؛ لأن ذلك هو الباعث على الهجوم على قتل الكافر.
ولأن عبد الله بن مسعود قتل أبا جهل وكان قد أثخنه شابان من الأنصار يوم بدر,
فَلَوْ رَمَى إِلَى حِصْنِ أَوْ مِنَ اَلْصًفً أَوْ قَتَلَ نَائِمًا أَوْ أَسِيرًا أَوْ قَتَلَهُ وَقَدِ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ .. فَلاَ سَلَبَ
وهما معاذ ومعوِّذ ابنا عفراء, فدفع صلى الله عليه وسلم سلبه إليهما, وقيل: إلى أحدهما كما سيأتي, ولم يدفعه لابن مسعود.
وقوله: (به) يعود على (ركوب) أو (على غرر) وهما سواء, ثم شرع المصنف في بيان ذلك, فقال:
(فلو رمى إلى حصن أو من الصف أو قتل نائمًا أو أسيرًا أو قتله وقد انهزم الكفار .. فلا سلب)؛ لأنه في مقابلة التغرير بالنفس في القتل, ولم يوجد هاهنا من ذلك شيء, وهذا تفسير للقيد الأول من الضابط المتقدم.
وقال أبو ثور: لا يشترط أن تكون الحرب قائمة, واختاره ابن المنذر؛ لحديث سلمة بن الأكوع في اتباعه بعض الكفار في غزوة حنين, وأخذه بخطام ناقته, فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سلبه, قال ابن المنذر: وهذا الحديث لم يبلغ الشافعي رضي الله عنه؛ إذ لو بلغه .. لقال به؛ لما ظهر لنا من مذهبه.
وفي (تعليق القاضي حسين): أن من أغرى كلبًا على مشرك فقتله .. استحق السلب؛ لأنه خاطر بروحه بصبره في مقاتلته حتى عقره الكلب.
قال في (المطلب): وما قاله قد يخالف فيه.
والمراد بـ (الأسير): من أسره غيره, أما من أسره هو .. فسيأتي.
وَكِفَايَةُ شَرِّهِ: أَنْ يُزِيلَ امْتِنَاعَهُ بِأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ
وعبارة (المحرر): أو رمى من حصن أو من وراء الصف, وكذا كتبها المصنف, ثم ضرب على (وراء) , وفي (الروضة) و (الشرحين) الصورتان, فأتى بما ليس في أصله؛ ليفهم منه ما أصله من باب أولى.
وفي معنى (النائم): المشتغل بالأكل, ونحوه.
والمراد بـ (المنهزم): أن يكون غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة, فلو قتله وهو مول ليكر أو ليتحيز إلى فئة .. استحق سلبه؛ لأن الحرب كر وفر.
وفي (التهذيب): إذا قاتله فهرب منه فقتله مدبرًا .. استحق, وصححه الإمام, ونقله الرافعي عن الأصحاب واقتصر عليه.
أما لو قتل هذا المنهزم غير قرنه؛ فإنه لا يستحق سلبه واحد منهما, بخلاف ما لو كان الكافر يقاتل مسلمًا فجاء آخر من ورائه وقتله؛ فإن سلبه له, لأن أبا قتادة هكذا فعل, وقضى له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلب.
قال: (وكفاية شره: أن يزيل امتناعه)؛ لما روى الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف في الغلامين اللذين قتلا أبا جهل, فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيكما قتله؟) فقال كل منهما: أنا قتلته, فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا, فنظر في السيفين وقال: (كلاكما قتله) فأعطى صلى الله عليه وسلم السلب للمثخن مع القاتل, فدل على: أن المناط كفاية الشر, وسيأتى في (كتاب الجنايات) - عند قوله: (وإن أنهاه رجل إلى حركة مذبوح) - وجهُ هذا الحديث والجواب عنه.
والذي قاله المصنف أراد به تفسير القيد الثاني, وعبارة (المحرر): أن يقتله أو يزيل امتناعه, وكذا كتبه المصنف بخطه ثم ضرب عليها, فالذي في الكتاب أخصر, وعبارة (المحرر) أحسن؛ فإنه ذكر محل النص وألحق به ما في معناه.
قال: (بأن يفقأ عينيه) قال الشيخ: كذا ذكره الأصحاب ويحتاج إلى دليل, فكم
أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ, وَكَذَا لَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ في الأَظْهَرِ
من أعمى شرٌّ من بصير, وعبارة (الروضة): بأن يعميه, وهي أحسن؛ لشمولها من بعين واحدة, ومن ضرب رأسه فأذهب ضوء عينيه.
قال: (أويقطع يديه ورجليه) كذا نص عليه في (الأم).
فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلاً .. فله سلبه) , وما ذكرتموه ليس بقتيل .. قيل: الحديث خرج على الغالب؛ فإن الجارح غالبًا هو المذفف, وتؤيده قصة أبي جهل, أما إذا قطع اليد والرجل .. فلا؛ لأنه بعد القطع يمكنه المشي والركوب والقتال.
قال: (وكذا لو أسره أو قطع يديه أو رجليه في الأظهر) , أما الأسر .. فلأنه أبلغ من القتل, والمراد: أنه أسره فقتله الإمام أو غيره؛ فإن سلبه للذي أسره, وأما القطع .. فكما لو فقأ عينيه.
والثاني: لا, أما في الأسير .. فلأن شره كله لا يندفع به, وأما في الباقي .. فلأنه قد يقاتل راكبًا بعد قطع الرجلين بيديه, وبعد قطع اليدين بأن يهرب ويجمع القوم, والخلاف جار أيضًا: فيما لو قطع يدًا ورجلاً, وإذا قتله بعد أسره .. قال الرافعي لا يستحق سلبه, وقال الماوردي: إن كانت الحرب قائمة .. فله سلبه، وإلا .. فوجهان.
فروع:
اشترك اثنان فأكثر في قتله أو إثخانه .. فالسلب مشترك, وقيل: إن وقع بين جمع لا ترجى نجاته منهم .. لم يستحق قاتله سلبه؛ لأنه صار مكفي الشر, ولو أمسكه واحد وقتله آخر .. فالسلب بينهما؛ لأن كفاية شره حصلت بهما, ويخالف القصاص كما سيأتي.
قال الرافعي: وكأن هذا التصوير فيما إذا منعه من أن يذهب لوجهه ولم يضبطه, فأما الإمساك الضابط .. فإنه أسر, وقتل الأسير لا يستحق به السلب.
اهـ
وقد تقدم: أن قتل الأسير على قسمين: أسير أسره غيره وأسير أسره هو,
وَلاَ يُخَمَّسُ السَّلَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَبَعْدَ الْسَّلَبِ تُخْرَجُ مِنْهُ مُؤْنَةُ الْنَّقْلِ وَالْحِفْظِ وَغَيْرِهِمَا, ثُمَّ يُخَمَّسُ الْبَاقِي:
فالأول: لا خلاف أنه لا يستحق القاتل سلبه, والثاني الأظهر: أنه يملك سلبه بنفس الأسر.
وقيل: لا يملك ففي كلام الرافعي إطلاق.
ثم إن القاتل يستحق مع السلب سهمه من الغنيمة في الأصح.
والثاني: إن كان السلب قدر السهم أو أكثر .. فلا شيء له غيره, وإن كان أقل منه .. تمم له قدر السهم.
ولو ادعى رجل أنه قتل هذا القتيل وطلب سلبه .. لم يقبل إلا ببينة.
قال: (ولا يخمس السلب على المشهور)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به للقائل ولم يخمسه, رواه أبو داوود, وصححه ابن حبان, وفي (صحيح مسلم) معناه.
والثاني: يخمس كسائر أموال الغنيمة, فيدفع خمسه إلى أهل الخمس والباقي للقاتل؛ لأن عمر رضي الله عنه فعل ذلك في سلب البراء بن مالك, وهو أول سلب خمس في الإسلام وقد تقدم جوابه.
قال: (وبعد السلب تخرج منه مؤنة النقل والحفظ وغيرهما)؛ لأنها أمور لازمة محتاج إليها, هذا إذا لم يوجد متطوع بذلك, فإن وجد .. لم يجز صرفها, قال الماوردى: ولا يزيد على أجرة المثل.
قال: (ثم يخمس الباقي) هذا لا خلاف فيه, وهذه القسمة حق واجب على الإمام والمسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية.
فإذا أخرج من ماله خمسه .. كان مقسومًا على خمسة, فيقسم المنقول بعد السلب والمؤن خمسة أقسام متساوية, وتؤخذ خمس رقاع يكتب على واحدة لله أو للمصالح وعلى الأربعة للغانمين وتدرج في بنادق من طين أو شمع متساوية ويخفيها ويخرج لكل
فَخُمُسُهُ لِأَهْلِ خُمُسِ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ كَمَا سَبَقَ
سهم رقعة, فما خرج عليه سهم الله .. جعله بين أهل الخمس على خمسة, ويقسم الباقي بين الغانمين كما سيأتي.
ويقدم القسمة بين الغانمين على قسمة الخمس؛ لأنهم حاضرون محصورون.
وعبارة المصنف تفهم أنه ليس للإمام صرف بعضه في الكراع والسلاح, والأظهر في (الشرح) و (الروضة) خلافه.
ولا تكره قسمة الغنائم في دار الحرب, بل يستحب ذلك, بل قال صاحب (المهذب) وغيره: يكره تأخيرها إلى دار الإسلام من غير عذر.
والصواب: استحباب التعجيل بقدر الإمكان لا خصوص القسمة في دار الحرب.
قال: (فخمسه) أي: خمس المال الباقي (لأهل خمس الفيء يقسم كما سبق) أي: في الفيء, فيجعل خمسة أقسام متساوية, واحد منها للمصالح, والثاني لذوي القربى, والثالث لليتامى, والرابع للمساكين, والخامس لابن السبيل كما تقدم.
فإن قيل: المذكور في الآية ستة, فهلا قسم الخمس عليها كما صار إليه بعض العلماء وجعل ما لله مصروفًا إلى رتاج الكعبة؟! قيل: السنة بينت أن المصارف خمسة.
قال ابن عباس وابن عمر: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الخمس على خمسة) , وعلى هذا: اسم الله ذكر للتبرك.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما لي مما أفاء الله إلا الخمس, والخمس مردود فيكم) فلو كان مقسومًا على ستة .. قال: إلا السدس.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ النَّفَلَ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِح إِنْ نَفَلَ مِمَّا سَيُغْنَمُ فِي هَذَا الْقِتَالِ, وَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ الْحَاصِلِ عِنْدَهُ,.
فرع:
لو شرط الإمام للجيش ألا يخمس عليهم .. بطل شرطه ووجب تخميس ما غنموه, سواء شرط ذلك لضرورة أم لا، وقيل: إن شرطه لضرورة .. لم يخمس.
قال: (والأصح: أن النفل يكون من خمس الخمس المرصد للمصالح)؛ لما روى الشافعي رضي الله عنه عن ابن المسيب أنه قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس, أي: خمس الخمس, وعن مالك بن أوس بن الحدثان: ما أدركت الناس ينفلون إلا من الخمس.
والثاني: أنه من أصل الغنيمة, ويجعل ذلك كأجرة الكيال ونحوها, ثم يقسم الباقي.
الثالث: من الأخماس الأربعة, ثم إذا نفل من خمس الخمس .. فلا كلام, وإن نفل من غيره .. فقد حصل النقص على الباقيين.
و (النفل) بفتح النون والفاء مخففة وتسكن أيضًا.
قال: (إن نفل ما سيغنم من هذا القتال)؛ وفاء بالشرط أو الوعد, ويغتفر الجهل به للحاجة, فيشترط الثلث أو الربع أو غيرهما.
قال: (ويجوز أن ينفل من مال المصالح الحاصل عنده) بلا خلاف, وفي هذا لا تغتفر الجهالة, بل لا بد أن يكون معلومًا, وهذا لا يختص بالحاصل عنده, بل يجوز أن يعطي مما يتجدد منه.
وضبط المصنف بخطه (نفل) بتخفيف الفاء؛ لأن معناه جعل النفل, وهو كذلك إذا عديته لواحد, ويجوز فيه التشديد إذا عديته إلى اثنين.
وَ (النَّفَلُ): زِيَادَةٌ يَشْرِطُهَا الإِمَامُ أَوِ الأَمِيرُ لِمَنْ يَفْعَلُ مَا فِيهِ نِكَايَةٌ فِي الْكُفَّارِ, وَيَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ
قال: (و (النفل): زيادة يشرطها الإمام أو الأمير لمن يفعل ما فيه نكاية في الكفار) كالتقدم طليعة, أو الهجوم على قلعة, أو الدلالة عليها, سواء كان ذلك واحدًا أو جماعة, معينًا أو غيره, كمن فعل كذا فله كذا, والمراد: نكاية زائدة على ما يفعله بقية الجيش, وهذا أحد قسمي النفل.
والثاني: ينفل من صدر منه أثر محمود كمبارزة وحسن إقدام, ولكن هنا يتعين من سهم المصالح مما عنده, أو من هذه الغنيمة.
و (النفل) في اللغة: الزيادة, وبذلك سميت النافلة؛ لأنها زيادة على الفريضة.
قال: (ويجتهد في قدره) وذلك بحسب كثرة العمل وقلته وخطره وضده؛ لأنه ليس له حد مضبوط, لكن يجتهد فيه ويجعله على قدر العمل.
روى الترمذي وابن ماجه عن عباده بن الصامت: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البداءة الربع, وفي الرجعة الثلث).
والمراد بـ (البداءة): السرية التي يبعثها الإمام قبل دخول دار الحرب, و (الرجعة): السرية التي يأمرها بالرجوع بعد توجه الجيش إلى دار الإسلام.
وفي (الصحيحين): (أن النبي صلى الله عليه وسلم نفلهم بعيرًا بعيرًا) , والبعير غير مقدر, وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا, وهذا معنى قول ابن عمر: نفلنا نصف السدس أي: نصف سدس السهم, ولذلك قال الرافعي: تجوز الزيادة على الثلث والنقص عن الربع بحسب الإجتهاد.
فلو قال الإمام أو الأمير: من أخذ من الغانمين شيئًا فهو له .. فعن الأئمة الثلاثة: أن ذلك يصح, وللشافعي رضي الله عنه قول بذلك, وصححه ابن الفركاح, والمعروف عندنا: أنه لا يصح.
احتج من أجازه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل ذلك يوم بدر,
وَالأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ عَقَارُهَا وَمَنْقُولُهَا لِلْغَانِمِينَ, وَهُمْ: مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ بِنِيَّةِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ
والجواب: أن غنائم بدر كانت ملكًا له صلى الله عليه وسلم.
قال: (والأخماس الأربعة عقارها ومنقولها للغانمين)؛ للآية, وعملاً بفعله صلى الله عليه وسلم في أرض خيبر.
وروى البيهقي بسند صحيح: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الغنيمة فقال: (لله خمسها, وأربعة أخماسها للجيش؛ فما أحد أولى به من أحد).
وخالف مالك فقال بوقفها.
وقال أبو حنيفة وسفيان وأبو عبيد وغيرهم: يتخير الإمام بين قسمتها على الغانمين ووقفها.
قال: (وهم: من حضر الوقعة بنية القتال وإن لم يقاتل)؛ لما روى الشافعي رضي الله عنه عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا: الغنيمة لمن شهد الوقعة, قال الماوردي ولا مخالف لهما من الصحابة.
والمراد ممن يسهم له, وإلا .. فالعبد والمرأة والصبي والكافر ليسوا منهم وإن شملهم هذا الضابط, ولعل إهماله له؛ لكونه معلومًا.
قال الشيخ: ويحتمل إبقاء كلام المصنف على عمومه, ومن يرضخ لهم هم من جملة الغانمين فلا حاجة إلى إخراجهم؛ لأن الأصح: أن الرضخ من الأخماس الأربعة.
واحترز بقوله: (بنية القتال) عما إذا هرب أسير من أيدي الكفار وحضر الصف لخلاص نفسه لا بنية القتال؛ فإنه لا يستحق إلا إذا قاتل, وكذا الغلمان ونحوهم ممن ينوي القتال وما قاتل, ولكن يرد على المصنف المخذل والمرجف إذا فرضت النية مع ذلك مع أنهما لا يستحقان سهمًا ولا رضخًا كما تقدم, فإن لم تكن نية .. فلا إيراد حينئذ.
وَلاَ شَيْءَ لِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ, وَفِيمَا قَبْلَ حِيَازَةِ الْمَالِ وَجْهٌ.
وَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ وَالْحِيَازَةِ .. فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ,
قال: (ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال)؛ لأن الله تعالى جعل الغنيمة لمن غنم وهذا لم يغنم, ولأن أبان بن سعيد بن العاصي كان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على سرية من المدينة قبل نجد, فقدم هو وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر بعدما افتتحها فلم يقسم لهم بعد ما سأله أبان القسم.
أما أبو هريرة فقسم له النبي صلى الله عليه وسلم منها؛ لأنه حضرها على الأصح كما رواه البخاري وغيره, لكن البخاري رواه بنزول؛ لأنه لم يجد الزيادة التي تدل على ذلك إلا كذلك كما نبه عليه الخطيب والشيخ وغيرهما.
قال: (وفيما قبل حيازة المال وجه)؛ لأنه لحق قبل تمام الاستيلاء فيستحق, كذا في (المحرر): أنه وجه, وفي (الروضة): أنه قول, ولم يرجح في (الشرح) واحدًا منهما.
وفي وجه ثالث: أنه إن خيف رجعة الكفار .. استحق, وإلا .. فلا.
والخلاف الأول راجع إلى أن الغنيمة تملك بانقضاء الحرب أو به وبالحيازة, فعلى الوجه الأول: لا يستحق, وعلى الثاني: يستحق, قاله ابن الرفعة.
و (الحيازة) و (الحوز): الجمع والضم, حازه يحوزه واحتازه.
قال: (ولو مات بعضهم بعد انقضائه والحيازة .. فحقه لوارثه) كسائر الحقوق, وهذا على قولنا: إنه ملك بالانقضاء أو بالحيازة واضح, وأما على قولنا: لا يملك إلا بالقسمة أو باختيار الملك على ما هو الصحيح في (السير) .. فجوابه: تأكد حقه بهما, فانتقل لوارثه ذلك الحق, فقول المصنف والرافعي في كتبهما: (فحقه لوارثه) عبارة مخلصة؛ لشمولها المال وغيره.