وَإِذَا فَرَغَ .. شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإقَامَةِ، وَبَادَرَ الْإِمَامُ لَيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ.
وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى (الْجُمُعَةَ)، وَفِي الْثَّانِيِةِ (الْمُنَافِقِينَ)
] 2803 [: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في جلوسه من كتاب الله)، وقال القاضي حسين: الدعاء فيه مستجاب.
قال: (وإذا فرغ ... شرع المؤذن في الإقامة، وبادر الإمام ليبلغ المحراب مع فراغه) تحقيقا للموالاة، وتخفيفا على الحاضرين، ويستحب أن يختم الخطبة بالاستغفار.
قال: (ويقرأ في الأولى (الجمعة)، وفي الثانية (المنافقين)) رواه مسلم] 877 [من حديث ابن عباس وأبي هريرة وفيه: أن عليا وأبا هريرة فعلا ذلك، وفي بعض طرفه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على ذلك).
وفيه] 878 [أيضا عن النعمان بن بشير: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين والجمعة بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية).
قال الشافعي: فلو قرأ بذلك .. كان حسنا.
وجعل ذلك بعضهم قولا قديما وجعل المسألة على قولين، وليس كذلك بل كل منهما سنة، فلو قرأ سورة (المنافقون) في الأولى .. قرأ (الجمعة) في الثانية.
قال الشيخ عز الدين: وقراءة سورة كاملة أفضل من بعض (الجمعة) و (المنافقون)، وقراءة بعضهما أفضل من قراءة مثلهما من غيرهما، إلا أن يكون غيرهما مشتملا على الثناء كآية الكرسي وأول سورة (الحديد) وآخر سورة (الحشر).
جَهْراً.
فَصْل:
يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضرِهَا،
قال: (جهرا) بالإجماع، وهذا من زياداته على (المحرر).
تتمة:
روى الحافظ المنذري في جزء جمعه في (غفران ما تقدم من الذنوب وما تأخر) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجله (فاتحة الكتاب)، (قل هو الله أحد)، و (المعوذتين) سبعا سبعا .. غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطى من الأجر بعدد كل من آمن بالله ورسوله).
وروى ابن السني] 375 [من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ بعد صلاة الجمعة (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) سبع مرات .. أعاذه الله من السوء إلى الجمعة الأخرى).
قال أبو طالب المكي: ويستحب له بعد الجمعة أن يقول: يا غني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود؛ أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، يقال: من واظب على هذا الدعاء .. أغناه الله تعالى عن خلفه، ورزقه من حيث لا يحتسب.
قال: (
فصل
: يسن الغسل لحاضرها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء أحدكم الجمعة .. فليغتسل) متفق عليه] خ 877 - م 844 [من رواية ابن عمر.
وَقِيلَ: لِكُلِّ أَحَدٍ،
ولا فرق في الحاضر بين الرجل والمرأة والصبي والعبد والمسافر، وقيل: لمن حضرها من أهلها؛ لأن الخطاب كان لهم.
قال: (وقيل: لكل أحد) حضر أو لم يحضر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) - أي: بالغ- رواه الشيخان] خ858 - م 846 [.
وفيهما] خ 898 - م 849 [أيضا: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما) زاد النسائي] 3/ 93 [بإسناد صحيح: (هو يوم الجمعة).
وإنما صرفه عن الوجوب ما رواه أحمد] 5/ 15 [وأبو داوود] 358 [والترمذي] 497 [والنسائي] 3/ 94 [من رواية الحسن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ يوم الجمعة .. فيها ونعمت، ومن اغتسل .. فالغسل أفضل) قيل: معناه فبالسنة، وقيل: بالرخصة أخذ ونعمت الفعلة.
وهو وإن كان مرسلا كما قال الترمذي، لكن يقوى بما روى مسلم] 845 [عن أبي هريرة قال: بينما عمر يخطب يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان فعرض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون عن النداء؟! فقال: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت، فقال عمر: والوضوء أيضا! ألم تسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا جاء أحدكم الجمعة .. فليغتسل).
وذكر الطبراني] طس 7997 [ذلك مرفوعا من رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب فدخل رجل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يبطئ أحدكم ثم يتخطى رقاب الناس ويؤذيهم)، فقال: ما زدت على أن سمعت النداء فتوضأت، فقال: (أو يوم وضوء هو؟!).
وهذه القصة تدل على أن الأمر به ندب، وعليه حمل الشافعي قول عليه الصلاة والسلام: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) أراد: وجوب الاختيار.
لكن في (شرح غنية ابن سريج) لبعض أصحاب القفال عن القديم: أنه واجب.
وفي (الرسالة) للشافعي في وجوبه احتمالان، واحتمالات الشافعي أقوال.
وفي كراهة ترك الغسل وجهان: أصحهما: نعم.
وَوَقْتُهُ: مِنّ الْفَجْرِ، وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلُ، فَإِنْ عَجَزَ ... تَيَمَّمَ فِي الأَصَحِّ
قال الإمام: وهذا عندي جار في كل مسنون صح الأمر به مقصودا.
ولا يبطل الغسل للجمعة بالحدث ولو كان أكبر.
قال: (ووقته: من الفجر)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علقه باليوم في الحديث المتقدم وفي قوله: (من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى .. فكأنما قرب بدنة ..) الحديث.
وقيل: من نصف الليل كغسل العيد، وهو ضعيف جدا.
قال: (وتقريبه من ذهابه أفضل)؛ لأنه أقرب إلى تحصيل المقصود منه، وهو: دفع الروائح الكريهة.
فلو كان لا يقدر على الغسل إلا بأن يتأخر عن التبكير، فأي الشيئين أولى بالمراعاة؟ .. فيه نظر، والظاهر: أن مراعاة الغسل أولى؛ للاختلاف في وجوبه.
قال: (فإن عجز ... تيمم في الأصح) كما في سائر الأغسال؛ لأن الشرع أقامه مقامه.
والثاني: لا؛ لأن المقصود منه التنظيف، والتيمم ينافيه، وهذا احتمال للإمام أثبته الغزالي وجها.
وسلم الغزالي: أن الحاج يتيمم إذا لم يجد ماء يغتسل به؛ لان التيمم يلائم الحاج فإنه أشعث أغبر.
وفي (فتاوى ابن الصلاح): أن الإمام والغزالي من أصحاب الوجوه وقد رقم الغزالي بـ (الواو) بخلاف الإمام كثيرا.
وقول ابن الرفعة في (المطلب) في (صفة الصلاة): إنهما ليسا من أصحاب الوجوه، لا يوافق عليه بل ابن الرفعة نفسه ينبغي أن يكون منهم.
وَمِنْ الْمَسْنُونِ: غُسْلُ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَلِغَاسِلِ الْمَيِّتِ، وَالْمَجْنُونِ والْمُغْمَى عَلَيْهِ إَذَا أَفَاقَا
وقد وقع في (المنهاج) مواضع كثيرة عد فيها خلاف الإمام وجها، منها هذا.
ومنها قوله في (اللقيط): (وغن أخذ ليعرف ويتملك .. فأمانة مدة التعريف، وكذا بعدها ما لم يختر التملك في الأصح).
وفي (اللعان) في قوله: (ولو وطئ وعزل .. حرم على الصحيح).
وفي (العدد) في الإحداد: (وكذا اللؤلؤ في الأصح).
وفي (كيفية القصاص): (والصحيح: قطع ذاهبة الأظفار بسليمتها دون عكسه)، ليس في عكسه إلا احتمال للإمام.
وفي (الزنا) في قوله: (ويحد الرقيق سيده أو الإمام، فإن تنازعا .. فالأصح: الإمام)، فالأوجه الثلاثة احتمالات للإمام.
قال: (ومن المسنون: غسل العيد والكسوف والاستسقاء)؛ لأن الناس تجتمع لها.
قال: (ولغاسل الميت) سواء كان كبيرا أو صغيرا، ذكرا أم أنثى، مسلما أم كافرا؛ لعموم قوله: (من غسل ميتا .. فليغتسل) حسنه الترمذي] 993 [، وصححه ابن حبان] 1161 [، لكن قال أحمد والبخاري: إنه موقوف على أبي هريرة.
وصرفنا عن الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه) قال الحاكم] 1/ 386 [: إنه على شرط البخاري، وبهذا قال المزني، لكنه يستحب أيضا وقواه في (شرح المهذب).
وقال في القديم: إنه واجب؛ لظاهر الأمر به.
ثم اختلفوا فيه فقيل: إنه تعبد، وقيل: لنجاسة الميت عند القائل به.
قال: (والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا)؛ لأنه قل من جن إلا وينزل، وإنما لم نوجبه؛ لأن أثر الإنزال يظهر بوجود المني.
وأما المغمى عليه .. فدليل استحباب الغسل له حديث مرض النبي صلى الله عليه
وَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَأَغْسَالُ الْحَجِّ
وسلم وفيه: فأغمى عليه ثم أفاق فقال: (أصلى الناس؟) قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله؛ فقال: (ضعوا لي ماء في المخضب)، ففعلنا فاغتسل منه، متفق عليه] خ 687 - م418 [.
و (المخضب) بالكسر: شبه المركن، وهو: إجانة تغسل فيها الثياب.
قال: (والكافر إذا أسلم)؛ تعظيما للإسلام، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به قيس بن عاصم، كما رواه أبو داوود] 359 [والترمذي] 605 [، وصححه ابن خزيمة] 254 [وابن حبان] 1240 [، وصححا أيضا] خز 253 - حب 1238 [: (أنه صلى الله عليه وسلم أمر به ثمامة بن أثال الحنفي)، وأصله في (الصحيحين)] خ 4372 - م 1764 [وإن قلنا: لا يجب؛ لأنه توبة من معصية فأشبه غيره، ولأن جماعة أسلموا فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به.
ثم الأصح: أنه بعد الإسلام إذ لا سبيل إلى تأخير الإسلام الواجب.
وقيل: قبيله، وهو غلط.
كل هذا إذا لم يعرض له في حال الكفر ما يوجب الغسل من حيض أو جنابة، فإن عرض له ذلك .. لزمه الغسل بعد الإسلام.
وقال الإصطخري: يسقط بالإسلام؛ لأنه يهدم ما قبله.
وقيل: إن اغتسل في الكفر .. كفاه، وإلا ... لزمه، وعلى المذهب ... تلزمه الإعادة.
ويستحب له أيضا حلق رأسه بعد الغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به رواه أبو داوود] 360 [ولم يضعفه.
قال: (وأغسال الحج)؛ لما سيأتي فيه.
وَآَكَدُهَا: غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ ثُمَّ الْجُمْعَةِ، وَعَكَسَهُ: الْقَدِيمُ.
قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ الأَكْثَرُونَ، وَأَحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثِيرةُ وَلَيْسَ لِلجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ
قال: (وآكدها: غسل غاسل الميت ثم الجمعة) استدل له الرافعي والمصنف وابن الرفعة بأن غسل الغاسل اختلفوا في وجوبه بخلاف غسل الجمعة، وما ذكروه من نفس الخلاف في الجمعة مردود بما تقدم.
وقيل: هما سواء؛ لتعارض الأدلة.
قال: (وعكسه: القديم) فقال: إن غسل الجمعة آكد؛ لأن الأخبار فيه أصح وأثبت.
قال: (قلت: القديم هنا أظهر، ورجحه الأكثرون، وأحاديثه صحيحة كثيرة، وليس للجديد حديث صحيح والله أعلم).
قال الشيخ: هو كما قال، لكن اعترض عليه بما تقدم من تحسين الترمذي] 993 [وتصحيح ابن حبان] 1161 [حديث الأمر به، وروى من عدة طرق صحيحة.
قال الماوردي: خرج بعض أصحاب الحديث لصحته مئة وعشرين طريقا.
وتظهر فائدة القولين فيما إذا أوصى بماء لأحق الناس به، فحضر مريد الجمعة ومن غسل ميتا.
تنبيهان:
أحدهما: بقي من الأغسال المسنونة الغسل للاعتكاف نقله ابن خيران عن الشافعي، ولكل ليلة من شهر رمضان قاله الحليمي، ولحلق العانة ولبلوغ الصبي بالسن قالهما في (الرونق)، ولدخول حرم مكة قاله الخفاف، ولدخول مدينة النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في بابه- ونقل الإمام وابن الرفعة عن صاحب (التلخيص): أنه يستحب لدخول الكعبة أيضا، وبين شيخنا في (أوهام الكفاية) وهمهما في ذلك- وللحجامة والخروج من الحمام نص عليهما في (جمع الجوامع)، وفي (سنن أبي داوود)] 352 [و (البيهقي)] 1/ 300 [دليل ذلك.
وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا
قال ابن الصلاح: والمراد الغسل عند إرادة الخروج منه، وهو الذي اعتاده الخارجون من صب الماء على أجسادهم عند الخروج.
وفي (سنن البيهقي)] 1/ 300 [: أن ابن عمر كان يغتسل منهما، ومن نتف الإبط أيضا.
ويستحب لكل اجتماع، وفي كل حال تتغير فيه رائحة البدن كما سيأتي.
الثاني: سئل الشيخ عن الأغسال المسنونة: هل تقضى؟ فقال: لم أر فيها نقلا، والظاهر: لا؛ لأنها إن كانت للوقت .. فقد فات، أو للسبب .. فقد زال.
قال: (والتبكير إليها) أي: من المأموم؛ لقوله تعالى:} أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون {وقال صلى الله عليه وسلم: (على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول) رواه الشيخان] خ 3211 - م 850/ 24 [.
وفيهما] خ 881 - م 850 [: (من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى .. فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية .. فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة .. فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة .. فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة .. فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام .. حضرت الملائكة يستمعون الذكر) زاد النسائي] 3/ 98 [في الخامسة: (كالذي يهدي عصفورا)، وفي
مَاشِياّ
(مسند أحمد)] 2/ 259 [: (بطة أو إوزة).
والساعة معتبرة: من طلوع الفجر، وقيل: من طلوع الشمس، وقيل: من الزوال ويكون أطلقها على اللحظات، ويبعده قوله صلى الله عليه وسلم: (يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيه ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله عز وجل شيئا إلا آتاه الله عز وجل، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر) رواه أبو داوود] 1041 [، وقال الحاكم] 1/ 279 [: صحيح على شرط مسلم.
ويستحب الدنو من الإمام لما روى أبو داوود] 1101 [أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احضروا الذكر وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها).
وينبغي أن ينوي- في سعيه- الاعتكاف في المسجد إلى انقضاء الصلاة.
قال: (ماشيا)، ففي الصحيح: (ما ركب النبي صلى الله عليه وسلم في عيد ولا جنازة)، ولم يذكر الجمعة؛ لأن باب حجرته كان في المسجد.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ .. كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها) حسنه الترمذي] 496 [، وصححه الحاكم] 1/ 282 [وابن حبان] 2781 [.
يروى: (غسل) بالتخفيف؛ أي: غسل أعضاء الوضوء، واغتسل في جميع بدنه، واختاره ابن الصلاح.
ويروى بالتشديد؛ أي: جامع فأوجب الغسل على غيره.
ويروى بعين مهملة وبالتشديد، ومعناه كالذي قبله.
ومعنى (بكر وابتكر): جاء في أول الوقت وأدرك أول الخطبة، وقيل: بكر في الزمان وابتكر في المكان.
ومعنى (مشى ولم يركب): أمكنه الركوب فتركه ابتغاء الثواب.
بِسَكِينَةٍ
وقيل: أول بدعة ظهرت: ترك التبكير إلى الجامع يوم الجمعة.
غير أنه يستثنى من ذلك الإمام، فلا يستحب له التبكير بل: (يأتي حين يصعد المنبر كما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم).
ويستثنى من له عذر من مرض ونحوه، فلا يكره له الركوب إليها.
هذا في الذهاب إليها، أما العود منها .. فصرح الرافعي وغيره بأن المشي فيه لا يستحب، بل يكون مخيرا فيه إذا لم يحصل من الركوب ضرر، مستدلين بأن العبادة قد انقضت.
والصواب: أن الذهاب كالعود، وهو وجه حكاه شارح (التعجيز)؛ لما روى مسلم] 663 [عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رجلا من الأنصار كان بيته في أقصى المدينة، ومات لا تخطئه الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فتوجعنا له فقلت له: يا فلان، لو أنك اشتريت حمارا تركبه في الظلماء ويقيك من الرمضاء ويقيك هوام الأرض؟ فقال: إني أحب أن يكتب لي ممشاي في ذهابي وعودي، فقال صلى الله عليه وسلم: (قد فعل الله لك ذلك).
لكن روى أحمد في (مسنده) عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فضل البيت القريب من المسجد على البعيد منه كفضل المجاهد على القاعد عن الجهاد).
قال: (بسكينة) هذا مستحب في الجمعة وغيرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الصلاة .. فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة) رواه الشيخان] خ 908 - م 602 [.
هذا إذا لم يضق الوقت، فإن ضاق .. ففي (الشرح) و (الروضة): لا يبعد القول بوجوب السعي، وقالا في (باب الصيد والذبائح): إنه لا يكلف في هذه الحالة زيادة على طبعه.
وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ بِقرَاءةٍ أَوْ ذِكْرٍ.
وَلَا يَتَخَطَّى
وقال الماوردي في (الإقناع): يمشي بالسكينة وإن ضاق الوقت.
قال: (وأن يشتغل في طريقه وحضوره) أي: قبل الخطبة (بقراءة أو ذكر)، وكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الملائكة تصلى على أحدكم ما دام في مجلسه تقول: اللهم؛ اغفر له، اللهم؛ ارحمه ما لم يحدث، وإن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه).
ولفظ (الطريق) من زيادة الكتاب وهي حسنة، لكن في كراهة القراءة في الطريق خلاف والمختار: أنه لا كراهة فيها ما لم يلته صاحبها، فإن التهى .. كرهت.
قال: (ولا يتخطى)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتخطى رقاب الناس فقال له: (اجلس؛ فقد آذيت) رواه الحاكم] 1/ 288 [وابن حبان] 2790 [.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة .. اتخذ جسرا إلى جهنم) رواه الترمذي] 513 [.
وقال القفال: إذا كان له موضع يألفه وهو معظم عند الناس .. لم يكره؛ لأن عثمان تخطى الرقاب إلى موضعه وعمر يخطب فلم ينكر عليه.
واستثنى في (الشرح) و (الروضة) و (الكفاية) ما إذا كان إماما، أو بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، وقد تقدم أنه مقيد بما بعد صف أو صفين، فإن زاد على ذلك .. كره.
وقال ابن المنذر: التخطي حرام، وعده صاحب (العدة) من الصغائر.
فروع:
لا يجوز لأحد أن يقيم أحدا من مجلسه ويقعد فيه إلا الذي قعد في موضع الإمام، أو في الطريق بحيث يمنع الناس من الاجتياز، أو بين الصفين مستدبر القبلة والمكان ضيق.
وَأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ
ولو بعث إنسانا يجلس في مكان حتى إذا جاء يقوم له ويجلس هو فيه .. لم يكره؛ لأن محمد بن سيرين كان يرسل غلامه يوم الجمعة يشغل له موضعا، فإذا جاء .. قام وجلس هو فيه.
ولو بعث شيئا يفرش له حتى إذا جاء جلس فيه .. قال في (الأم): ليس لغيره أن يصلي عليه؛ لأن ملك غيره.
وقال الشيخ أبو محمد: له أن ينحيه ويجلس في المكان؛ لأن الحرمة للإنسان دون فرشه.
قال: (وأن يتزين بأحسن ثيابه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته .. كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها) رواه ابن حبان] 2778 [، والحاكم] 1/ 238 [وقال: على شرط الشيخين.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أيعجز أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته) رواه النسائي وأبو داوود] 1071 [.
ويستحب للإمام أن يزيد على سائر الناس في الزينة؛ لأنه المنظور إليه والمقتدى له، وينبغي: (أن يعتم ويرتدي كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل).
وأفضل الثياب: البياض لقوله صلى الله عليه وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) رواه الترمذي] 994 [.
فإن لبس مصبوغا .. فلا بأس.
وَطِيبٌ.
وَإِزَالَةُ الْظُّفْرِ] والْرِّيحِ [
وفي (الإحياء): يكره له لبس السواد، وفي (باب الأمر بالمعروف): لا يكره ولا يستحب.
وقال في (الأحكام السلطانية): ينبغي له لبس السواد، والظاهر: أنه أراد في زمنه وهي الدولة العباسية؛ فإنه كان شعارهم.
قال المصنف: والصحيح أنه لا يلبسه إلا أن يظن ترتب مفسده على تركه.
وقال الشيخ عز الدين: المواظبة على لبس السواد بدعة، فإن منع أن يخطب إلا به .. فليفعل.
قال: (وطيب)؛ لما تقدم، وروى مسلم] 846/ 7 [عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غسل الجمعة على كل محتلم، وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه)، وفي رواية] 846 [: (ولو من طيب المرأة).
ويستوي في استحباب الطيب كل من أراد حضور الجمعة من الرجال والصبيان والعبيد إلا النساء، فيكره لمن أرادت منهن الحضور الطيب والزينة وفاخر الثياب، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة.
قال: (وإزالة الظفر] والريح [) وكذا الشعر إن طال؛ لما روى البزار] كشف 1/ 299 [: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة).
يقال: قلمت ظفري، وقلمت أظفاري شدد للكثرة، و (القلامة): ما سقط منه.
فروع:
يستحب حلق العانة.
قال المصنف: والمستحب للمرأة النتف، ويجب عليها إذا أمرها به زوجها على الأصح، فإن تفاحش ... وجب قطعا.
قُلْتُ: وَأَنْ يَقْرَأَ (الْكَهْفَ) يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا،
ويقوم مقام الحلق القص والنتف، ويكره أن يوليه غيره إلا زوجته وجاريته التي يباح لها النظر إلى عورته فيجوز مع الكراهة.
و (العانة): الشعر النابت حوالي ذكر الرجل وقبل المرأة.
وفي (ودائع ابن سريج): أنها الشعر المستدير حول الدبر.
قال المصنف: والأولى حلق الجميع.
ويستحب دفن ما يزيله من شعر وظفر ودم؛ لما روى الدارقطني والبيهقي في (الشعب)] 6487 [عن ميل بنت مشرح الأشعري: أن أباها مشرحا- وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- قص أظفاره فجمعها ثم دفنها ثم قال: (هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل)، وفي رواية] هب 6488 [: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بدفن الشعر والأظفار)، لكن إسناده ضعيف.
والتوقيت في إزالة الشعور والظفر: بالطول ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، وقد صح عن أنس أنه قال: (أقت لنا في ذلك أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة)، وذلك مرفوع على الصحيح.
وقد نص الشافعي على استحباب ذلك في أيام الجمع، لكن يستثنى منه ما سيأتي في (باب الأضحية): أن من أراد أن يضحي .. يكره له فعل ذلك في عشر ذي الحجة.
ثم استحباب الغسل والتطيب، وإزالة الشعر والظفر والروائح الكريهة، ولبس أحسن الثياب ليس مختصا بالجمعة، بل هو مستحب لكل من أراد حضور مجمع من مجامع الناس، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب وغيرهم، ولكنها في الجمعة أشد استحبابا.
قال: (قلت: وأن يقرأ (الكهف) يومها وليلتها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ الكهف في يوم الجمعة .. أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه الحاكم] 2/ 368 [وقال: صحيح الإسناد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وروى الدارمي] 3450 [والبيهقي] 3/ 249 [: (لأن من قرأها ليلة الجمعة .. أضاء له نور ما بينه وبين البيت العتيق).
وفي بعض طرقه: (وغفر له إلى الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام، وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وعوفي من الداء والدبيلة، وذات الجنب والبرص، والجذام وفتنة الدجال).
وفي (شعب البيهقي)] 2448 [عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سورة الكهف) تدعى في التوراة: الحائلة؛ تحول بين قارئها وبين النار).
وفي (الذخائر): أن وقت قراءة (الكهف) قبل طلوع الشمس، وقيل: بعد العصر، وقال بعض المتأخرين: عند الخروج من المسجد.
وعبارة المصنف تقتضي: أن يقرأها مرة في الليل ومرة في النهار وفيه نظر؛ فقد نص الإمام الشافعي رضي الله عنه على استحباب الإكثار من قراءتها ليلا ونهارا من غير ضبط بعدد.
أما إذا اقتصر على قراءتها مرة .. فالنهار أولى من الليل.
والحكمة في قراءتها يوم الجمعة: أن الله تعالى ذكر فيها أهوال يوم القيامة، والجمعة تشبهها لما فيها من اجتماع الخلق وقيام الخطيب، ولأن القيامة تقوم يوم الجمعة فإذا قرئت في النهار .. تذكر بها ذلك، وإذا قرئت في ليلتها .. ذكر بها ليلة ليس بعدها إلا يوم القيامة.
وفي (الدارمي)] 3446 [أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقرؤوا (سورة هود) يوم الجمعة).
وفي (الترمذي)] 2889 [: (من قرأ (سورة الدخان) ليلة الجمعة .. غفر له).
وفي (تفسير الثعلبي)] 3/ 5 [عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ (سورة آل عمران) يوم جمعة .. صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس).
وفي (الطبراني): (من قرأها يوم جمعة .. غربت الشمس بذنوبه).
والظاهر أن الحكمة في ذلك: أن الله تعالى ذكر فيها خلق آدم عليه الصلاة والسلام
وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ
في قوله تعالى:} إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ﴿، وآدم خلق يوم الجمعة.
قال: (ويكثر من الدعاء) رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، وصوب المصنف: أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، وقيل: من الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: ما بين الزوال إلى دخول الإمام في الصلاة، وقيل: بعد العصر إلى الغروب.
والأصل في ساعة الإجابة: ما رواه البخاري] 935 [ومسلم] 757 [وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله شيئا .. إلا أعطاه إياه)، وقال بيده يقللها.
والمراد بكونه قائما يصلي أي: ينتظر الصلاة.
وأراد بالقيام: الملازمة كقوله تعالى:﴾ إلا ما دمت عليه قائما {.
ويستحب كثرة الصدقة وفعل الخير في ليلتها ويومها.
قال (والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه) رواه أحمد] 4/ 8 [وأبو داوود] 1040 [والحاكم] 1/ 278 [وابن حبان] 910 [عن أوس بن أوس.
وفي (سنن البيهقي)] 3/ 249 [- بإسناد جيد- عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة؛ ويوم الجمعة فمن صلى علي صلاة .. صلى الله عليه بها عشرا) صلى الله عليه وسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أقربكم مني في الجنة أكثركم علي صلاة، فأكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر).
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: (الليلة الغراء): ليلة الجمعة، و (اليوم الأزهر): يومها.
قال أبو طالب المكي: وأقل ذلك ثلاث مئة مرة.
وَيَحْزُمُ عَلَى ذِي الْجُمْعَة التَّشَاغُلُ بِالبَيْعِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ،
وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة .. غفر الله له ذنوب ثمانين سنة، قيل: يا رسول الله؛ كيف الصلاة عليك؟ قال: (تقول: اللهم؛ صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وتعقد واحدة)).
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن النعمان: إنه حديث حسن.
قال: (ويحرم على ذي الجمعة التشاغل بالبيع وغيره) أي: من العقود والصنائع (بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب)؛ لقوله تعالى:} إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع {.
والمراد بـ (ذي الجمعة): من يلزمه السعي إليها.
تنبيه:
احترز بقوله: (ذي الجمعة) عمن لا تلزمه، فإذا تبايع اثنان لا تلزمهما .. لا إثم عليهما، فلو لزمت أحدهما فقط .. اختص التحريم بالمخاطب بها دون الآخر على المنصوص وقول الأكثرين.
وفي (الرافعي): أنهما يأثمان؛ لأن الذي ليس من أهلها أعان على معصية.
وأشار بـ (التشاغل) إلى جوازه في الطريق وفي المسجد، وهو كذلك؛ لعدم منافاته السعي.
وقوله: (بين يدي الخطيب) أشار به إلى أنه الأذان الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر كما تقدم.
فَإِنْ بَاعَ .. صَحَّ، وَيُكْرَهُ قَبْلَ الأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ،
قال: (فإن باع .. صح)؛ لأن النهي لمعنى خارج عن العقد، ولم يمنع الصحة كالصلاة في الدار المغصوبة.
قال: (ويكره قبل الأذان بعد الزوال والله أعلم)؛ لأن وقتها قد دخل، فلا يليق الاشتغال بغيرها.
قال الشيخ جمال الدين: ينبغي أن لا يكره في بلد يؤخرون فيها الصلاة تأخيرا كثيرا كمكة لما فيه من الضرر.
أما قبل الزوال .. فلا يكره بحال.
فرع:
يستحب إذا أتى المسجد أن يقدم رجله اليمنى في الدخول قائلا: (بسم الله، اللهم؛ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك).
قال المزني: ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (اللهم؛ اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك وتضرع إليك، وأربح من سألك وطلب إليك).
تتمة:
اتفق الأصحاب وغيرهم على كراهة تشبيك الأصابع في طريقه إلى المسجد وفي المسجد يوم الجمعة وغيره، وسائر أنواع العبث ما دام قاعدا في الصلاة أو منتظرها؛ لأنه في صلاة، واحتجوا بحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى المسجد .. فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة) رواه أبو داوود] 563 [والترمذي] 386 [بإسناد ضعيف.
فَصْلٌ:
مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ ... أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُصَلِّي بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ رَكْعَةً، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ .. فَاتَتْهُ
والاعتماد على ما رواه مسلم] 602 [عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة)، ولا يخالف هذا ما رواه البخاري] 482 [وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم شبك أصابعه في المسجد بعد ما سلم من الصلاة عن ركعتين في قصة ذي اليدين)، و (شبك في غيره)؛ لأن الكراهة إنما هي في حق المصلي وقاصد الصلاة، وهذا كان منه صلى الله عليه وسلم بعدها.
قال: (
فصل
:
من أدرك ركوع الثانية .. أدرك الجمعة، فيصلي بعد سلام الإمام ركعة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها) متفق عليه] خ 580 - م 607 [.
وفي (المستدرك)] 1/ 291 [: (من أدرك من الجمعة ركعة .. فليصل إليها أخرى).
هذا إذا أكملها الإمام، أما لو خرج منها قبل السلام .. فلا، ويرشد إليه قوله: (فيصلي بعد سلام الإمام ركعة) والمراد: الركوع المحسوب للإمام.
وعبارته توهم: أن الركوع المحسوب للإمام وحده كاف، فيجوز لمن أدركه إخراج نفسه وإتمامها منفردا وليس كذلك، وعبارة (المحرر): من أدرك مع الإمام ركعة وهي أصوب.
ويجهر المسبوق في هذه الركعة بالقراءة، ذكره في (الشامل) في (صلاة الخوف) ناقلا له عن النص وهو القياس.
قال: (وإن أدركه بعده .. فاتته)؛ لمفهوم الحديث المذكور.
فَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ ظُهْراً أَرْبَعاً، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ الجُمْعَةَ.
وَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ مِنْ الجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ .... جَازَ الاِسْتِخْلَافُ فِي الأَظْهَرِ
قال: (فيتم بعد سلام الإمام ظهرا أربعا) سواء كان عالما بالحال أو جاهلا؛ لزوال شرطها هذا قول أكثر العلماء.
وقال أبو حنيفة: تدرك الجمعة بالتشهد كغيرها من الصلوات.
وأشار بقوله: (فيتم) إلى أنه لا يحتاج إلى استئناف نية.
قال: (والأصح: أنه ينوي في اقتدائه الجمعة)؛ موافقة للإمام، ولأنه لا يحصل اليأس إلا بالسلام؛ لاحتمال أن يتذكر الإمام ترك ركن فيجب الإتيان بركعة، فيكون مدركا للجمعة.
والثاني: ينوي الظهر؛ لأنها الحاصلة له.
والظاهر: مضي الجمعة على الصحة.
قال: (وإذا خرج الإمام من الجمعة أو غيرها بحدث أو غيره .. جاز الاستخلاف في الأظهر) سواء غلبه ذلك أم فعله مختارا، عالما بالصلاة أو جاهلا، ففي (الصحيحين)] خ 1201 - م 421 [عن سهل بن سعد: (أن أبا بكر رضي الله عنه صلى بالناس لغيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إصلاحه بين الطائفتين من الأنصار، ثم رجع صلى الله عليه وسلم في أثناء الصلاة فتقدم وتأخر أبو بكر، وائتموا برسول الله صلى الله عليه وسلم في بقية الصلاة).
والثاني- وهو القديم-: لا يجوز؛ لأنها صلاة واحدة، فيمتنع فيها ذلك كما لو اقتدى بإمامين دفعة واحدة، ويكون ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم لعلو منصبه] فلا [يتقدمه أحد.
والصحيح الأول، ومنهم من قطع به في غير الجمعة وخص القولين بالجمعة- وقواه في (شرح المهذب) - لكن في الاستدلال بالحديث نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليه أن يثبت، وإنما فعل ذلك أبو بكر رضي الله عنه أدبا، وإنما ينبغي
وَلَا يَسْتَخْلِفُ لِلجُمُعَةِ إِلاَّ مُقْتَدِياً بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهً حَضَرَ الخُطْبَةَ وَلَا الرَّكْعَةَ الأُولَى فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا
الاستدلال باستخلاف عمر رضي الله عنه عبد الرحمن بن عوف لما طعن، كما رواه البيهقي] 3/ 113 [وغيره.
ويشترط أهلية الخليفة لإمامتهم، فلو استخلف امرأة لرجال ... لغا.
ولو لم يستخلف الإمام وكان خروجه من الصلاة في الركعة الأولى من الجمعة .. وجب على القوم تقديم واحد، وإن كان في الثانية أو في غير الجمعة .. جاز ولم يجب.
قال: (ولا يستخلف للجمعة إلا مقتديا به قبل حدثه)؛ لأنه لا يجوز افتتاح جمعة بعد انعقاد جمعة أخرى، وهذا لا خلاف فيه، فلو خالف وفعل، فهل تبطل صلاة هذا الخليفة، أو تكون ظهرا؟ .. فيها القولان في صحة الظهر قبل فوات الجمعة، والمشهور: عدم الصحة، وفي انعقادها نقلا القولان في نظائره.
قال: (ولا يشترط كونه حضر الخطبة)؛ لأنه صار بالاقتداء في حكم من حضرها، ولهذا تصح جمعته كما تصح جمعة الحاضرين السامعين.
وقيل: يشترط ذلك كما لو استخلف بعد الخطبة من لم يحضرها .. فإنه لا يصح.
والخلاف في مجرد حضور الخطبة، ولا يشترط سماعها بالاتفاق.
قال: (ولا الركعة الأولى)؛ لما تقدم، إلا أن الخليفة لا يصلي الجمعة في هذه الحالة كما سيأتي.
قال: (في الأصح فيهما) أي: إن قلنا: يشترط حضور الخطبة .. اشترط حضور الركعة الأولى، وإلا .. فلا في الأصح.
والخلاف في الثانية مرتب على الخلاف في الأولى وأولى بالمنع، لكنه عبر في الثانية في (الروضة) و (شرح المهذب) بالأظهر، فهو مخالف لتعبير الكتاب.
ولو استخلف في أثناء الخطبة .. فالأصح: جوازه، وكذلك بين الخطبة والصلاة وشرطه: أن يكون الخليفة سمع الخطبة على المذهب؛ لأن من لم يسمع .. ليس من أهل الجمعة.
ثُمَّ إِنْ كَانَ أَدْرَكَ الأُولَى .. تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ، وَإِلاَّ .. فَتتِمُّ لَهُمْ دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ نَظْمَ الْمُسْتَخْلِفِ، فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً .. تَشَهَّدَ وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُفَارِقُوهُ أَوْ يَنْتَظِرُوا،
وكذلك لو بادر أربعون من السامعين بعد الخطبة فعقدوا الجمعة .. انعقدت لهم بخلاف غيرهم.
وإنما يصير غير السامع من أهل الجمعة إذا دخل في الصلاة.
قال الشيخ: فإذا تأملت هذا الكلام .. ظهر لك: أن الشرط هنا حقيقة السماع، ولا يكفي الحضور بخلاف المسألة المتقدمة، وهو مما يرشد إلى أن سماع الأربعين حقيقة لا بد منه في أصل الباب.
قال: (ثم إن كان أدرك الأولى .. تمت جمعتهم) أي: جمعة الجميع، سواء كان حدث الإمام في الأولى أو الثانية.
وقيل: إن الخليفة يصلي الظهر، والقوم يصلون الجمعة.
قال: (وإلا .. فتتم لهم دونه في الأصح) فيهما؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، فيتمها ظهرا، بخلاف ما إذا استمر مأموما إلى آخر الصلاة؛ فإنه إذا أدرك ركعة .. جعل تبعا للإمام في إدراك الركعة، والخليفة إمام لا يمكن جعله تبعا للمأمومين.
والثاني: يتمها الإمام جمعة أيضا؛ لأنه صلى ركعة في جماعة فأشبه المسبوق.
والثالث: أن القوم أيضا يتمونها ظهرا لا جمعة تبعا للإمام.
وتعبيره ب (الأصح) يقتضي: قوة الخلاف وهو عكس عبارة (الروضة).
ولك أن تقول جواز تقديم المأموم نفسه في هذه الحالة مشكل؛ لأن من فرضه الجمعة لا يجوز له أن يصلي الظهر مع إمكان الجمعة، فهو بتقديم نفسه مفوت للجمعة، فينبغي أن لا يجوز له أن يصير نفسه إماما.
قال: (ويراعي المسبوق نظم المستخلف) أي: وجوبا (فإذا صلى ركعة .. تشهد وأشار إليهم ليفارقوه أو ينتظروا)؛ لأنه قائم مقامه.
وأشار ب (المراعاة) إلى أن استخلاف المسبوق محله: إذا عرف نظم صلاة
وَلَا يَلْزَمُهُمُ اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ القُدْوَةِ فِي الأَصَحِّ.
وَمَنْ زُوحِمَ عَنْ السُّجُودِ فَأَمْكَنَهُ عَلَى إِنْسَانٍ ... فَعَلَ،
إمامه، فإن لم يعرفها .. لم يصح، وهذا هو الأشبه في (الروضة).
والثاني: يصح ويراقب القوم، فإن قعدوا ... قعد، وإن هموا بالقيام ... قام، ورجحه في (التحقيق) في (صلاة الجماعة).
وتعبيره بـ (النظم) يفهم: أنه لا يجب عليه قراءة التشهد وهو كذلك، وقياس ما تقدم في (صلاة الجماعة) .. أن يكون انتظاره أفضل.
قال: (ولا يلزمهم استئناف نية القدوة في الأصح)؛ لأن الأول لو استمر ... لم يحتج القوم إلى تجديد النية، فكذلك عند الاستخلاف.
والثاني: يلزمهم استئنافها؛ لأنهم بعد خروج الإمام من الصلاة قد انفردوا، بدليل أنهم يسجدون لسهوهم في تلك الحالة.
قال: (ومن زحم عن السجود فأمكنه على إنسان .. فعل) هذه مسألة الزحام وهي موصوفة بالإشكال، فإذا منعته الزحمة أن يسجد إلا على ظهر إنسان أو رجله .. لزمه ذلك؛ لأنه متمكن منه فلزمه، فإن لم يفعل .. كان متخلفا بغير عذر.
وروى البيهقي] 3/ 183 [عن عمر أنه قال: (إذا اشتد الزحام .. فليسجد أحدكم على ظهر أخيه)، ولا يعرف له مخالف، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: يصبر ولا يسجد على غيره.
ونقل المحاملي وغيره وجها أنه: يتخير بين أن يسجد على الغير متابعة للإمام، وبين أن يصبر ليفعله على الأرض.
ثم على المذهب .. يشترط أن ترتفع أسافله على أعاليه في الأصح، كما في سائر الصلوات.
وصورته: أن يكون الساجد على شاخص، والمسجود عليه في وهدة.
وقيل: لا يضر عدم التنكيس هنا وإن ضر في باقي الصلوات؛ لمكان العذر.
وحكم ظهر البهيمة كالإنسان، وعبر في (التنبيه) بظهر إنسان.
وَإِلَّا .. فَالصَحِيحُ: أَنَّهُ يَنْتَظِرُ، ولَا يُومئ بِهِ، ثُمَّ إِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ .. سَجَدَ، فَإِنْ رَفَعَ وَالإِمَامُ قَائِمٌ .. قَرَأَ،
قال في (التحرير): ولو حذف لفظ: إنسان .. لعم، وقد وقع هو هنا فيه، فلو قال: على شيء .. لعم.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يمكنه السجود (.. فالصحيح: أنه ينتظر، ولا يومئ به) حتى يزول الزحام؛ لأن ذلك نهاية قدرته.
والثاني: يومئ كالمريض؛ لمكان العذر.
والثالث: يتخير بينهما.
وهما ضعيفان.
وقيل: يجوز له الخروج من متابعة الإمام لهذا العذر ويتمها ظهرا؛ بناء على صحة الظهر قبل فوات الجمعة.
ومقتضى إطلاق المصنف: أنه لا يجوز له إخراج نفسه من الجماعة، والمشهور في المذهب المنصوص: أنه يجوز له إبطال الصلاة وينتظر الجمعة إن زال الزحام.
هذا كله في الركعة الأولى؛ فإن كان في الثانية .. سجد متى تمكن قبل سلام الإمام أو بعده.
قال: (ثم إن تمكن قبل ركوع إمامه .. سجد) تداركا عند زوال العذر، ولا يضر تخلفه بالسجدتين؛ لأنه معذور.
قال: (فإن رفع والإمام قائم .. قرأ)، فإن لم يتم قراءته حتى ركع الإمام .. فكما تقدم في (صلاة الجماعة) في الأصح، وهذا تخلف بعذر كما في (صلاة عسفان)، وهي العمدة في جواز ذلك.
أَوْ رَاكِعٌ .. فَالأَصَحُّ: يَرْكَعُ وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، فَإِنْ كَانَ إِمَامُهُ فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُسَلِّمْ .. وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ .. فَاتتِ الجُمُعَةُ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ .. فَفِي قَوْلِ: يُرَاعِي نَظْمَ نَفْسِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ، وَيُحْسَبُ رُكُوعُهُ الأَوَّلُ فِي الأَصَحِّ، فَرِكْعِتُهُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَتُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ فِي الأَصَحِّ،
قال: (أو راكع .. فالأصح) أنه (يركع وهو كمسبوق).
والثاني: لا؛ لأنه مؤتم بالإمام حال قراءته، فيقرأ ويسعى خلفه؛ لتخلفه بعذر.
قال: (فإن كان إمامه فرغ من الركوع ولم يسلم .. وافقه فيما هو فيه ثم يصلي ركعة بعده)؛ لأنه فاتته ركعة كالمسبوق.
وصرحوا هنا بأنه: لو سلم الإمام، كما رفع هو من السجود .. أنه يتم الجمعة.
قال: (وإن كان سلم .. فاتت الجمعة)؛ لأنه لم يدرك معه ركعة.
قال: (وإن لم يمكنه السجود حتى ركع الإمام) أي: في الثانية (.. ففي قول: يراعي نظم نفسه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سجد .. فاسجدوا)، وقد سجد الإمام في الأولى فيسجد هو.
وعلى هذا: فالوجه: أن يقتصر على الأركان، ويحتمل أن يأتي بالسنن أيضا، كذا نقله الرافعي عن الإمام.
قال: (والأظهر: أنه يركع معه)؛ لحديث: (وإذا ركع .. فاركعوا)، ولأن متابعة الإمام آكد، ولهذا يتبعه المسبوق إذا أدركه راكعا، ويترك القراءة والقيام.
قال: (وبحسب ركوعه الأول في الأصح)؛ لأنه أتى به وقت الاعتداد به، وركوعه الثاني كان للمتابعة.
والثاني: المحسوب هو الثاني؛ لإفراط التخلف وكأنه مسبوق لحق الآن.
قال: (فركعته ملفقة من ركوع الأولى وسجود الثانية، وتدرك بها الجمعة في الأصح)؛
فَلَوْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ عَالِماً بَأَنَّ وَاجِبَهُ المُتَابَعَةُ .. بَطَلَت} صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ أَو} جَهِلَ .. لَمْ يُحْسَبْ سُجُودُهُ الأَوَّلُ، فَإِذَا سَجَدَ ثَانِياً .. حَسِبَ، وَالأَصَحُّ: إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ إِذَا كَمُلَتِ السَّجْدَتَانِ قَبْلَ سَلَامِ الإِمَامِ،
لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الجمعة .. فليصل إليها أخرى).
والثاني: لا تدرك بها لنقصانها بالتلفيق، والجمعة تعتبر فيها صفات الكمال.
قال: (فلو سجد على ترتيب نفسه عالما بأن واجبه المتابعة .. بطلت صلاته)؛ لتلاعبه بسجوده في موضع الركوع عالما بتحريمه، ويلزمه الإحرام بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الركوع هذا إذا لم ينو مفارقته، فإن نواها .. فقد أخرج نفسه من المتابعة بغير عذر.
قال: (وإن نسي أو جهل .. لم يحسب سجوده الأول)، وهذا هو الذي أتى به على ترتيب صلاة نفسه؛ لأنه أتى به في غير موضعه.
قال: (فإذا سجد ثانيا .. حسب) قاله الصيدلاني والإمام والغزالي، واستشكله الرافعي وأشار إليه في (المحرر) بقوله حيث قال: المنقول أنه يحسب.
وصورة مسألة الكتاب: أن يستمر النسيان والجهل حتى يسجد ثانيا، فلو زال قبل ذلك .. فعلى ما فهمه الرافعي عن الأكثرين ينبغي: أن يمتنع، وتجب المتابعة في التشهد، وإن كان الإمام في السجود .. تابعه.
قال: (والأصح: إدراك الجمعة بهذه الركعة إذا كملت السجدتان قبل سلام الإمام)؛ لما سبق في الركعة الملفقة.
والثاني: لا وإن قلنا بالإدراك بالملفقة؛ لأن الملفقة فيها نقصان واحد، وهذه فيها نقصانان.
وَلَوْ تَخَلَّفَ بِالسُجُودِ نَاسِياً حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ .. رَكَعَ مَعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ
قال: (ولو تخلف بالسجود ناسيا حتى ركع الإمام للثانية .. ركع معه على المذهب)؛ لأنه مفرط بالنسيان، فلا يجوز له ترك المتابعة.
ويقابله: أنه يراعي ترتيب نفسه ويسعى خلفه.
والطريقة الثانية: فيه القولان في المزحوم: هل يتبع الإمام، أو يشتغل بما عليه؟ وصحح هذه الطريقة في (الشرح الصغير) و (المحرر)، وفي (الروضة) تفصيل حاصله: إطلاق خلاف بلا تصحيح.
تتمة:
إذا لم يزل الزحام حتى تشهد الإمام .. قال المتولي: يسجد، ثم إن رفع قبل السلام .. أدرك الجمعة، وإلا .. فلا.
قال ابن الرفعة: ولا شك أن الركعة ملفقة، كملت في قدوة حكمية.
ولو استمر نسيانه حتى سجد الإمام في الثانية .. قال الشيخ: الذي ينبغي أن لا تبطل الصلاة، وتحصل له ركعة ملفقة إذا سجد مع الإمام وإن كان قد حصل التخلف بأربعة أركان.
...
خاتمة
ختم الله لكتابه بخير
الزحام كما يفرض في الجمعة يفرض في سائر الصلوات، وإنما ذكر في الجمعة؛ لأن الزحام فيها أكثر، ولأنه يجتمع فيها وجوه من الإشكال لا تأتي في غيرها، كالتردد في الإدراك بالملفقة والحكمية واشتراط الجماعة المانع من المفارقة، وفي غيرها عند الزحمة يمكنه أن يفارق والله أعلم.
بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
باب صلاة الخوف
نسأل الله الأمن من أعدائه وعذابه وعقابه.
الخوف والخيفة: ضد الأمن، وليس المراد: أن للخو
ف صل
اة كالعيد ونحوه، وغنما المراد: أن الخوف يقتضي احتمال أمور في الصلاة لا تحتمل عند انتفائه، ولا يؤثر في قدرها.
وعن محمد بن نصر المروزي: أن الصبح تصلى في الخوف ركعة؛ لما تقدم من حديث عائشة رضي الله عنها، وتقدم جوابه.
وهي مشروعة في حقنا إلى يوم القيامة.
وقال أبو يوسف وغيره: إنها مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى:} وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴿الآية، والمراد بها: صلاة الخوف إجماعا.
ودليلنا: أنها إذا ثبتت في حقه صلى الله عليه وسلم ... ثبتت في حقنا؛ لقوله تعالى:﴾ فاتبعوه ﴿، وقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهو قد يخاطب بالشيء وتشركه فيه أمته؛ لقوله تعالى:﴾ خذ من أموالهم صدقة {وغيره مثله في ذلك اتفاقا.
وروى البيهقي] 3/ 252 [: أن سعيد بن العاصي صلاها بطبرستان، وأبا موسى ببعض بلاد فارس، وعليا بصفين ليلة الهرير ولم ينكره أحد.
: أن سعيد بن العاصي صلاها بطبرستان، وأبا موسى ببعض بلاد فارس، وعليا بصفين ليلة الهرير ولم ينكره أحد.
هِيَ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَيُرَتِّبَ الإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ وَيُصَلِّي بَهِمْ، فّإِذَا سَجَدَ .. سَجَدَ مَعَهُ صَفٌ سَجْدَتَيْهِ، وَحَرَسَ صَفٌ، فَإِذَا قَامُوا .. سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَلَحَقُوهُ، وَسَجَدَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوْلاً، وَحَرَسَ الآَخَرُونَ، فَإِذَا جَلَسَ .. سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَتَشَهَّدَ بِالصَّفَّيْنِ وَسِلَّمَ، وَهَذِهِ صَلَاة رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ،
و (ليلة الهرير): حرب كانت بينه وبين الخوارج، وكان بعضهم يهر على بعض فسميت بذلك.
وقيل: هي ليلة صفين بين علي ومعاوية.
وقال المزني: إنها نسخت؛ فإنه صلى الله عليه وسلم أخر يوم الخندق أربع صلوات، ولم يصل صلاة الخوف.
وجوابه: أن ذلك كان قبل مشروعيتها، كما جاء مبينا في رواياتهم، و (أنه صلى الله عليه وسلم صلاها بذات الرقاع)، وهي بعد الخندق.
قال: (هي أنواع) ذكر المصنف منها ثلاثة، وعد ابن حبان منها تسعة، ومجموعها ستة عشر نوعا، بعضها في (صحيح مسلم)، ومعظمها في (سنن أبي داوود)، واختار الشافعي منها الثلاثة الأنواع المذكورة في الكتاب.
وتجوز عندنا في الحضر خلافا لمالك.
وفي جعل المصنف هذه الأحوال أنواعا نظر، إنما أنواعها الصلاة المفعولة في هذه الأحوال التي تفعل فيها هذه الصلاة.
قال: (الأول: أن يكون العدو في جهة القبلة، فيرتب الإمام القوم صفين ويصلي بهم، فإذا سجد .. سجد مع صف سجدتيه، وحرس صف، فإذا قاموا .. سجد من حرس ولحقوه، وسجد معه في الثانية من حرس أولا، وحرس الآخرون، فإذا جلس ... سجد من حرس وتشهد بالصفين وسلم، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و (عسفان): بين مكة والمدينة، كانت قرية جامعة، بينها وبين مكة أربعة برد، سميت بذلك لعسف السيول فيها.
وهذه الصلاة رواها أبو عياش الزرقي: أحد الصحابة، أخرج حديثه أبو داوود] 1229 [والنسائي] 3/ 176 [وغيرهما وهو حسن.
وروى مسلم] 840 [عن جابر نحوه، لكن فيه: (أن الصف الأول سجد معه في الركعة الأولى، والثاني في الثانية)، وذكر الإمام الشافعي رضي الله عنه في (المختصر) عكس ذلك، وكلاهما جائز، والأفضل ما ثبت في السنة.
وإنما تستحب هذه الصلاة بثلاثة شروط:
أن يكون العدو في جهة القبلة.
وأن يشاهد المسلمون عدوهم في الصلاة ليأمنوا كيدهم.
وأن يكون في المسلمين كثرة، بحيث تسجد طائفة وتحرس طائفة أخرى.
وفي هذه الصلاة يتخلف المأموم عن الإمام بثلاثة أركان: السجدتين والجلسة بينهما، وإنما احتمل للحاجة، فلو كان في حالة الأمن .. لم يجز؛ لأنه تخلف بغير عذر.
ولفظ المصنف محتمل لثلاث كيفيات:
إحداها: (أنه في الركعة الأولى يسجد الصف المقدم ثم المؤخر، وفي الركعة الثانية يتأخر الصف المقدم ويتقدم المؤخر، ثم يسجد المقدم الذي كان مؤخرا، ثم المؤخر الذي كان متقدما)، والحديث كذلك في (صحيح مسلم)] 840 [و (أبي داوود)] 1230 [.
والثانية: أن يثبت كل صف في مكانه، ويتقدم الصف الأول بالسجود في الأولى ويتأخر في الثانية.
والثالثة: أن يسجد الصف المؤخر أولا في الركعة الأولى ويحرس المقدم، وفي الثانية بالعكس.
وَلَوْ حَرَسٍ فِيهِمَا فِرْقَتَا صَفٍّ .. جَازَ، وّكَذَا فِرْقَةٌ فِي الأَصَحِّ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهَا، فَيُصَلِّي مَرَّتَيْنِ، كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وَهّذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ
والكيفيات الثلاثة جائزة، وأفضلها ما جاء في الحديث، وحكمته: تفضيل الصف الأول بتقديمه في السجود، ويشترط أن لا يزيدوا على خطوتين.
والحراسة مختصة بالسجود؛ لأن الراكع يمكنه المشاهدة.
وقيل: يحرسون في الركوع أيضا، وفي بعض الروايات ما يدل له.
قال: (ولو حرس فيهما فرقتا صف .. جاز)؛ لحصول المقصود، وهو الحراسة.
قال: (وكذا فرقة في الأصح)؛ لأنه قد لا يتأهل للحراسة غيرهم.
والثاني: إذا حرست طائفة واحدة في الركعتين .. لم تصح الصلاة؛ لأن الخبر ورد في ذلك القدر من التخلف، فلا يحتمل الزيادة عليه.
ويجوز أيضا جعلهم صفوفا كثيرة، ويحرس في كل مرة منها صفان فصاعدا.
قال: (الثاني: أن يكون في غيرها، فيصلي مرتين، كل مرة بفرقة، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة) وهي: موضع من نجد، ونخل من أرض غطفان، غير نخلة الموضع الذي بقرب مكة: (الذي جاء صلى الله عليه وسلم إليه فيه وفد الجن)، وهذه الكيفية رواها الشيخان] خ 4137 - م 843 [، ولفظهما: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتان، وهو محمول على ما قلناه وكانت الصلاة مقصورة).
وإنما تندب هذه الصلاة بثلاثة شروط:
أن يكون العدو في غير جهة القبلة.
وان يكون في المسلمين كثرة والعدو قليل.
وأن يخافوا هجوم العدو عليهم في الصلاة.
أَوْ تَقِفَ فِرْقَةٌ فِي وَجْهِهِ وَيُصَلِّي بّفِرْقَةٍ رَكْعَةً، فَإِذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ ... فَارَقَتْهُ وَأَتَمَّتْ وّذَهَبَتْ إِلَى وَجْهِهِ، وَجَاءَ الْوَاقِفُونَ فَاقْتَدُوْا بِهِ فَصَلَّى بِهِمُ الثَّانِيَةَ، فّإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ .. قَامُوا فَأَتَمُّوا ثَانِيَتَهُمْ وَلَحِقُوهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَاتِ الرِّقَاعِ،
قال الرافعي: وهذه الأمور ليست شروطا للصحة، بل الصلاة على هذا الوجه تجوز بغير خوف.
واعترضه في (المهمات) بأن المستحب للمفترض أن لا يصلي خلف المتنفل، وفيما قاله نظر.
قال: (أو تقف فرقة في وجهه ويصلي بفرقة ركعة، فإذا قام للثانية .. فارقته وأتمت وذهبت إلى وجهه، وجاء الواقفون فاقتدوا به فصلى بهم الثانية، فإذا جلس للتشهد .. قاموا فأتموا ثانيتهم ولحقوه وسلم بهم، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع).
هذه الكيفية في (الصحيحين)] خ 4131 - م 841 [من حديث صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
و (ذات الرقاع) أيضا من أرض غطفان، قيل: سميت بذلك؛ لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: شجرة تعرف بذات الرقاع، وقيل: لترقيع صلاتهم فيها.
قال ابن الرفعة: والأصح ما ثبت في (الصحيحين)] خ 4128 - م 1816 [عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال فيها: (نَقِبَتْ أقدامنا- أي: تقرحت وتقطعت جلودها- فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع بذلك).
قال الدمياطي: وفيه نظر؛ لأن أبا موسى قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر مع أصحاب السفينتين، فكيف حضر هذه الغزاة، وهي قبل خيبر بثلاث سنين؟!.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ،
وفي (صحيح مسلم)] 843 [عن جابر رضي الله عنه: (حتى إذا كنا بذات الرقاع)، فلذلك قال بعضهم من أجل هذا: الأصح: أنه اسم موضع.
وجمع ابن الصلاح بينهما بأن البقعة سميت بذات الرقاع؛ لما قاله أبو موسى.
ووقع في (الوسيط): أن ذات الرقاع آخر الغزوات وهو غير صحيح، بل آخرها تبوك.
وما ذكره المصنف من الكيفية هو الأولى، ويجوز لها أن تفارقه بعد رفع رأسه من السجود.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وأكره أن تصلى هذه الأنواع بأقل من ثلاثة، ويقف في وجه العدو ثلاثة؛ لقوله تعالى:} وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم {.
وفي قول: تفارقه الطائفة الثانية بعد التشهد.
ولفظ الحديث محتمل للقولين.
وفي القديم: قول بعد السلام كالمسبوق، وهو مخالف للحديث.
قال: (والأصح: أنها أفضل من بطن نخل)؛ لأنها أخف وأعدل بين الطائفتين، ولا يأتي فيها الخلاف في صلاة المفترض خلف المتنفل.
وقال أبو إسحاق: صلاة بطن نخل أفضل؛ ليحصل لكل فضيلة جماعة تامة.
وَيَقْرَأُ الإِمَامُ فِي انْتِظَارِهِ الثَّانِيَةَ وَيَتَشَهَّدُ، وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ لِتَلْحَقَهُ.
فَإِنْ صَلَّى مَغْرِبًا .. فَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ فِي الأَظْهَرِ،
قال: (ويقرأ الإمام في انتظاره الثانية ويتشهد) أي: يقرأ في انتظاره فراغ الأولى ومجيء الثانية.
أما القيام .. فلأنه ركن تجب فيه القراءة، فلا يجوز فيه السكوت ولا الاشتغال بذكر آخر.
وأما التشهد .. ففيه طريقان.
إحداهما: فيه القولان كالقراءة.
والثانية: يتشهد قطعا وهي الأصح؛ لئلا تختص الثانية بالتشهد.
والخلاف في الصورتين في الاستحباب قطعا.
وعلى الأصح: يقرأ (الفاتحة) وسورة طويلة يطيل فيها القراءة حتى تجيء الطائفة الثانية، فيقرأ من السورة بقدر (الفاتحة) وسورة قصيرة؛ لتحصل لهم القراءة.
ودليله: أن الصلاة مبنية على أن لا سكوت فيها، والقيام لا يشرع فيه إلا القراءة.
قال: (وفي قول: يؤخر لتلحقه)؛ لأنه قرأ مع الأولى (الفاتحة) فينبغي أن يقرأها أيضا مع الثانية، ولا يشرع غير (الفاتحة) قبلها فيشتغل بالذكر والتسبيح حتى يأتوا؛ طلبا للتسوية.
قال: (فإن صلى مغربا .. فبفرقة ركعتين، وبالثانية ركعة)؛ لأنه لا يمكن فيها التسوية بين الطائفتين فيما يصلونه مع الإمام، فجاز أن يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة، وبالعكس، وفي الأولى منهما طرق أشار إليها المصنف فقال:
(وهو أفضل من عكسه في الأظهر)؛ لأن الأولى امتازت بحق السبق، فخصت بركعتين معه، ولأنه أقرب إلى المساواة، إذ كل منهما يتشهد تشهدين، ولأنه لو عكس .. لزاد في صلاة الطائفة الثانية تشهدا غير محسوب لها؛ لوقوعه في ركعتها الأولى، واللائق بالحال التخفيف دون التطويل.
والقول الثاني- وهو نصه في (الإملاء) -: يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين؛
وَيَنْتَظِرُ فِي تَشَهُّدِهِ، أَوْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ وَهُوَ أفْضَلُ فِي الأَصَحِّ.
أَوْ رُبَاعِيَّةٌ .. فَبِكُلَّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً .. صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ فِي الأَظْهَرِ،
لأن عليا رضي الله عنه كذا صلاها ليلة الهرير، لكنه أثر ضعيف.
وعلى هذا: يكون الانتظار في قيام الثانية.
قال: (وينتظر في تشهده، أو قيام الثالثة وهو أفضل في الأصح) هذا تفريع على الأظهر، فينتظر الثانية في تشهده الأول، أو في قيامه للركعة الثالثة؛ لحصول المقصود بكل منهما، لكن انتظارهم في القيام أفضل في الأصح؛ لأنه محل التطويل، والتشهد الأول مبني على التخفيف.
والثاني: في التشهد أولى ليدركوا معه الركعة من أولها.
والخلاف في (الشرح) و (الروضة) وغيرهما قولان، فكان الصواب التعبير بالأظهر.
قال: (أو رباعية .. فبكل ركعتين)؛ طلبا للمساواة، ويتشهد بكل طائفة تشهدا قطعا، وهذا إذا قضى في السفر رباعية، أو وقع الخوف في الحضر، وفيما دون ثلاثة أيام؛ لأن الإتمام أفضل، وإلا .. فالقصر أفضل لا سيما وهو أليق بحالة الخوف، وهل يستحب انتظار الثانية جالسا أو قائما؟ .. فيه القولان.
قال: (فلو صلى بكل فرقة ركعة) أي: وفارقته وصلت لنفسها ثلاثا، وهو ينتظر فراغها ومجيء الأخرى، وانتظر الرابعة في التشهد حتى أتموا وسلم بهم.
قال: (.. صحت صلاة الجميع في الأظهر)؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، بأن يكون المسلمون مثلا أربع مئة، والعدو ست مئة، فيحتاج أن يقف بإزاء العدو ثلاث مئة، ويصلي بمئة مئة، ولأن الانتظار الثالث والرابع بالقيام والقراءة وذلك لا يبطل الصلاة.
وتفصيل الخلاف: أن في الإمام قولين:
وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ مَحْمُولٌ فِي أُولَاهُمْ،
أصحهما: صحة صلاته؛ لأن المخالفة هنا بتطويل قيامه وتشهده وذلك لا يضر، ولأن انتظار الداخل في الركوع لا يبطل فكذلك هنا.
وعلى هذا: في المأمومين قولان:
أصحهما: صحة صلاتهم.
والثاني: تصح صلاة الفرقة الرابعة فقط، وتبطل صلاة الباقين لأجل المفارقة.
والقول الثاني في الإمام: بطلان صلاته؛ لأن الرخصة وردت بانتظارين فلا يزاد عليهما، كما أن العمل القليل لا يبطل الصلاة ويبطلها الكثير.
فعلى هذا: تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية؛ لانهم فارقوه قبل بطلان صلاته، كذا جزم به الرافعي.
وقال المصنف: فيهم قولا المفارقة بغير عذر، وتبطل صلة الفرقة الرابعة إن عملت بطلان صلاته، وكذا الثالثة في الأصح بناء على أن صلاة الإمام بطلت بالانتظار في الثالثة.
ويشترط في جواز هذه الصلاة الحاجة إلى ذلك كما جزم به في (المحرر)، وحذف المصنف هنا؛ لأنه صحح في (شرح المهذب) عدمها.
ولو فرقهم فرقتين فصلى بفرقة ركعة وبفرقة ثلاثا، أو عكسه .. فالصواب الذي نص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه والجمهور: أن صلاة الجميع صحيحة.
ولو فرقهم في المغرب ثلاث فرق .. صحت صلاتهم على المنصوص.
قال: (وسهو كل فرقة) أي: من فرق هذه الصلاة، وهي صلاة (ذات الرقاع) إذا فرقهم فرقتين، كما صرح به في (المحرر).
قال: (محمول في أولاهم)؛ لأنهم فيها مقتدون.
وَكَذّا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، لَا ثَانِيَةُ الأُولَى.
وَسَهْوُهُ فِي الأُولَى يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يَلْحَقُ الأَوَّلِينِ.
وَيُسَنُّ حَمْلُ السِّلَاحِ فِي هَذِهِ الأَنْوَاعِ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ
قال: (وكذا ثانية الثانية في الأصح)؛ لان حكم القدوة مستمر في حقهم.
والثاني: لا؛ لأنهم منفردون حسا.
قال: (لا ثانية الأولى): لانفرادهم حسا وحكما، وهذا لا خلاف فيه.
أما إذا فرقهم أربع فرق وقلنا بالصحة .. فسهو كل فرقة محمول في أولاهم فيصح أن يدرج في كلامه: وكذا باقي الرابعة في الأصح لا باقي البواقي.
قال: (وسهوه في الأولى يلحق الجميع)، فيسجد المفارقون عند تمام صلاتهم للنقصان الحاصل في صلاة الإمام، سواء كان قبل اقتدائهم أو حال القدوة.
قال: (وفي الثانية لا يلحق الأولين)؛ لأنهم فارقوه قبل السهو، وتسجد الثانية معه آخر صلاته، ولو سها في حال انتظارهم .. لحقهم في الأصح.
وهذه الأنواع الأربعة جائزة في الجمعة على الأصح إلا صلاة بطن نخل؛ إذ لا جمعة بعد جمعة.
قال: (ويسن حمل السلاح في هذه الأنواع)؛ لأن وضعه لا يفسد الصلاة، فلا يجب كسائر ما لا يفسد تركه.
قال: (وفي قول: يجب)؛ لقوله تعالى:} وليأخذوا أسلحتهم {.
وقيل: ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين .. يجب حمله، وما يدفع به عن غيره كالرمح والقوس .. لا يجب حمله.
قال الإمام: ولو غلب على ظنه الهلاك بتركه .. وجب قطعا- قال- ووضعه بين يديه إذا سهل تناوله كالحمل.
الرَّابِعُ: أَنْ يَلْتَحِمَ القِتَالُ أَوْ يَشْتَدَّ الخَوْفُ فَيُصَلِّي كَيْفَ أَمْكَنَ رَاكِبَاً وَمَاشِياً، وَيَعْذَرُ فِي تَرْكِ الْقِبْلَةِ،
والخلاف له شروط:
أحدها: أن يكون السلاح طاهرا، فإن كان نجسا .. حرم حمله قطعا.
الثاني: أن لا يكون مانعا لبعض الأركان، كالبيضة المانعة من السجود.
ومحل هذين الشرطين: إذا لم يخف ضررا من تركهما.
الثالث: أن لا يتأذى به الغير، فإن تأذى به كالرمح في وسط الصف .. كره حمله، كذا قاله الرافعي والمصنف.
والصواب: أنه يحرم إذا تحقق ذلك، أو غلب على ظنه.
قال: (الرابع: أن يلتحم القتال أو يشتد الخوف)، وذلك بأن يلتحم القتال فلم يأمنوا أن يتركوهم إذا انقسموا فرقتين.
و (التحام القتال): أن يقطع بعضهم لحم بعض، و (الملحمة): المقتلة.
و (اشتد الخوف): من الشدة، يقال: عن الشدة إذا تتابعت .. انفرجت، وإذا توالت .. تولت، وفي الحديث: (اشتدي أزمة انفرجي).
قال: (فيصلي كيف أمكن راكبا وماشيا)؛ لقوله تعالى:} فإن خفتم فرجالا أو ركبانا {، قال ابن عمر رضي الله عنهما: (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) رواه البخاري] 4535 [.
وفي هذه الحالة يجوز اقتداء بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة كالمصلين في جوف الكعبة، والجماعة في هذه الحالة أفضل من الانفراد.
وقال أبو حنيفة ومالك/ لا تصح صلاتهم في هذه الحالة جماعة، بل قال أبو حنيفة: إذا التحم القتال .. جاز تأخير الصلاة.
قال: (ويعذر في ترك القبلة)؛ للضرورة وللحديث.
وإنما يعفى عن ترك
وَكَذَا الأَعْمَالُ الكَثِيرَةُ لِحَاجَةٍ فِي الأَصَحِّ، لَا صِيَاحٌ، وَيُلْقِي السِّلَاحَ إذَا دَمِيَ، فَإِنْ عَجَزَ .. أَمْسَكَهُ، وَلَا قّضَاءَ فِي الأَظْهَرِ،
الاستقبال إذا كان بسبب القتال، فلو انحرف عنها لجماع الدابة وطال الزمان .. بطلت صلاته.
قال: (وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح)، وذلك كالضربات المتوالية، والركوب في أثناء الصلاة.
والثاني: لا يعذر؛ لأن النص ورد في هذين فيبقى ما عداهما على الأصل، وهو المنصوص في (الأم).
والثالث: يعذر في أشخاص لا في شخص واحد؛ لندرة الاحتياج إليها.
أما لغير الحاجة .. فلا يعذر قطعا.
قال: (لا صياح)؛ لعدم الحاجة إليه؛ لأن الساكت أهيب.
قال: (ويلقى السلاح إذا دمي) محافظة على صحة الصلاة، قال الإمام: أو يرده سريعا إلى قرابه ويجعله تحت ركابه، وخالفه الروياني.
قال: (فإن عجز .. أمسكه)؛ للمشقة، ولو عبر بقوله: فإن احتاج .. كان أولى.
قال: (ولا قضاء في الأظهر)؛ لأن ذلك عذر عام في المقاتل، فأشبه المستحاضة.
والثاني: يجب القضاء لندوره، وهذا هو المنصوص في (البويطي)، وظاهر كلام جمهور الأصحاب .. القطع به، وهو المفتى به، وبه صرح الرافعي في (باب التيمم)، وحاصل كلامه هنا، وفي (شرح المهذب): ترجيح الأول كما في الكتاب.
فرع:
لو شردت فرسه فتبعها إلى صوب القبلة شيئا يسيرا .. لم تبطل صلاته، وإن تبعها كثيرا .. فسدت، وإن تبعها إلى غير القبلة .. بطلت مطلقا.
فإِنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ .. أَوْمَأَ وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ.
وَلَهُ ذَا النَّوعُ فِي كُلِّ قِتَالٍ وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ، وَهَرَبِ مِنْ حَرِيقٍ أَوْ سَيْلٍ أَوْ سَبْعٍ، وَغَرِيمٍ عِنْدَ إِعْسَارٍ وَخَوْفٍ حَبْسٍ، وَالأَصَحُّ: مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ،
قال: (فإن عجز عن ركوع أو سجود .. أومأ)؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما بعد أن وصف صلاة الخوف التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان خوف أكثر من ذلك .. يصلي راكبا أو قائما يومئ إيماءً)، رواه مسلم] 839 [.
قال: (والسجود أخفض)؛ ليتميز بذلك عن الركوع.
قال: (وله ذا النوع) - أي: صلاة شدة الخوف- للواحد والجمع بلا إعادة أيضا على المشهور.
قال: (في كل قتال وهزيمة مباحين)، فلا يجوز في القتال المحرم بالإجماع.
والمراد ب (المباح) هنا: ما لا إثم فيه ولو كان واجبا كقتال البغاة والكفار وقطاع الطريق، ولا يجوز ذلك للبغاة والقطاع، ويجوز في هزيمة مسلم عن أكثر من كافرين.
قال: (وهرب من حريق أو سيل) إذا لم يجد سبيلا غير ذلك.
قال: (أو سبع) وكذلك الحية- إذا لم يمكنه التحصين بشيء- لدفع الضرر، ولأن الخوف في الجملة عذر عام وإن كان سببه غير معهود، كما أن المرض يبيح الصلاة قاعدا ويبيح الفطر وإن كان من الأمراض ما هو نادر.
قال: (وغريم عند إعسار وخوف حبس)، أما إذا كان معه مال .. فلا يباح له ذلك.
وإذا جوزنا صلاة شدة الخوف لغير القتال .. فالأظهر: لا إعادة، وفي قول مخرج: نعم؛ لندور ذلك.
قال: (والأصح: منعه لمحرم خاف فوت الحج).
صورتها: أن يقرب المحرم من عرفات ولم يبق للفجر إلا قدر الصلاة، وإن سار