هي بفتح الواو وكسرها .. التفويض، يقال: وكل أمره إلى فلان، أي: فوضه إليه واكتفى به، ومنه: ﴿توكلت على الله﴾ ويقع على الحفظ أيضًا، ومنه: ﴿ونعم الوكيل﴾ أي: الحافظ.
وهي في الشرع: إقامة الوكيل مقام الموكل في العمل المأذون فيه.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾
وقوله: ﴿اذهبوا بقميصي هذا﴾.
ومن السنة: ما ثبت في (الصحيحين) [خ2303 - م1593] من إرسال السعاة لقبض الصدقات، وحديث عروة رضي الله عنه المتقدم في (بيع الفضولي).
وفي (أبي داوود) [3632]: عن جابر رضي الله عنه أنه قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه وأخبرته بذلك فقال: (إذا أتيت وكيلي .. فخذ منه خمسة عشر وسقًا، فإن ابتغى منك آية .. فضع يدك على ترقوته).
وذكر الفقهاء أن النبي صلى الله عليه وسلم: (وكل عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه في نكاح أم حبيبة رضي الله عنها) والذي ذكره أهل السير: (أنه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة رضي الله عنها وأصدقها أربع مئة دينار، والذي أنكحها خالد بن سعيد بن العاصي رضي الله عنه وهو عم أبيها، وكان أبوها كافرًا ولا ولاية له مع غيبته) وهذا الكلام يحتمل أن يكون الوكيل فيه عمرًا وأن يكون النجاشي.
شَرْطُ الْمُوَكِّلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ مَا وَكَّلَ فِيهِ بِمِلْكٍ أَوْ وِلاَيَةٍ، فَلاَ يَصِحُّ تَوْكِيلُ صَبِيٍّ وَلاَ مَجْنُونٍ، وَلاَ الْمَرْأَةِ وَالْمُحْرِمِ فِي النِّكَاحِ،
وانعقد الإجماع على جوازها، والقياس يقتضيه أيضًا؛ فإن الشخص قد يعجز عن القيام بمصالحه كلها، بل قال القاضي حسين وغيره: إنها مندوب إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾.
قال: (شرط الموكل: صحة مباشرته ما وكل فيه) هو بفتح الواو؛ لأن التصرف الخاص بالإنسان أقوى من تصرفه عن غيره، فإذا لم يقدر على الأقوى .. فعلى الأضعف أولى.
قال: (بملك أو ولاية، فلا يصح توكيل صبي ولا مجنون)؛ لما تقدم، وينبغي أن يأتي في توكيل الصبي في التدبير والوصية الخلاف في صحتهما منه، والمغمى عليه كالمجنون، وكذا الفاسق في تزويج ابنته إذا قلنا: لا يلي.
قال: (ولا المرأة والمحرم في النكاح)؛ لأنهما لا مدخل لهما في ذلك.
والمراد: أن المرأة لا توكل أجنبيًا في تزويجها، فأما إذا أذنت للولي بلفظ التوكيل .. فإنه يصح كما سيأتي في موضعه، كذا قاله شيخنا وهو عجيب؛ لأن إذنها لوليها بلفظ التوكيل ليس مما نحن فيه أصلًا.
وإطلاق المصنف المحرم محمول على ما إذا وكل ليعقد عنه في حال الإحرام، أما إذا قال: ليزوج بعد التحلل.
فقال الرافعي في (كتاب النكاح) يصح؛ لأن الإحرام يمنع الانعقاد دون الإذن، واختار الشيخ أن المحرم لا يصح توكيله في النكاح، سواء قيد بما بعد التحلل أم لا فعلى هذا يبقى كلام المصنف على إطلاقه.
ولو وكل حلال محرمًا ليوكل حلالًا في التزويج .. فالأصح عند الرافعي: الجواز، وعند الشيخ: المنع.
و (المحرم) بضم الميم من تلبس بالإحرام بنسك، أما المحرم بفتح الميم فيجوز توكيله كما سيأتي في (كتاب النكاح).
وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوِليِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ، وَيُسْتَثْنَى تَوْكِيلُ الأَعْمَى فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .. فَيَصِحُّ.
قال: (ويصح توكيل الولي في حق الطفل) في النكاح وغيره؛ لولايته عليه.
والمراد بـ (الولي) الأب والجد وكذا الوصي في الأصح.
وتقييده بـ (الطفل) تبع فيه (المحرر)، وفي (الشرح) لم يقيده بذلك وهو الصواب؛ لأن كل محجور عليه كذلك من سفيه أو مجنون أو صبي، ثم الولي بالخيار إن شاء وكل عن نفسه وإن شاء وكل عن موليه.
ويصح توكيل السفيه والمفلس والعبد فيما يستقلون به من التصرفات، ولا يصح فيما لا يستقلون به إلا بعد إذن الولي والغريم والسيد.
قال: (ويستثنى توكيل الأعمى في البيع والشراء .. فيصح) وإن لم يقدر على مباشرته؛ للضرورة، وكذلك في القبض وفيه سر لطيف وهو: أن الأعمى مالك رشيد فالمقتضي لصحة تصرفه موجود، وقارنه مانع لا لخلل فيه ولكن يرجع إلى المبيع لعدم رؤيته، فإذا وكل قام وكيله مقامه في الرؤية.
والتقييد بـ (البيع والشراء) مضر، فسائر العقود التي تفتقر إلى الرؤية كالإجارة والمساقاة والأخذ بالشفعة ونحوها يصح توكيله فيها أيضًا.
ولم يستثن المصنف سوى هذه المسألة مع أنه يستثنى مسائل طردًا وعكسًا، فمن طرده: الولي غير المجبر إذا نهته عن التوكيل .. لا يوكل كما سيأتي، والظافر بحقه لا يوكل في كسر الباب وأخذ حقه كما صرح به جماعة، ومن العكس الأعمى كما تقرر.
والمحرم ليس له أن يزوج وله أن يوكل فيه، وكذا إذا وكل الولي امرأة أن توكل رجلًا عن الولي، خلافًا للمزني.
وإذا وكل المشتري البائع أو المسلم المسلم إليه أن يوكل من يقبض منه .. صح مع أنه لا يباشر القبض من نفسه، وكذلك إذا علق الطلاق بسبق الثلاث وقلنا
وَشَرْطُ الْوَكِيلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ،
بانسداده .. فإنه يوكل فيه؛ لأن الطلاق مملوك له، وإنما امتنع وقوعه منه لأمر خارج فهو كالأعمى في البيع.
قال الرافعي: سمعت بعضهم في المباحثة يقول: ينبغي أن لا يقع طلاق الوكيل.
ويستثنى استيفاء القصاص في الأطراف؛ فإنه لا يباشره المستحق على الأصح بل يوكل فيه، وكذلك استيفاء حد القذف على الأصح، وإذا قال: كلما عزلتك فأنت وكيلي .. فإنه لا يقدر على عزله، ويصح منه التوكيل فيه.
قال: (وشرط الوكيل: صحة مباشرته التصرف لنفسه)؛ لأن تصرف الشخص لنفسه أقوى من تصرفه لغيره، فإذا لم يقدر على الأقوى .. لا يقدر على الأضعف، فكأنه قال: من صحت مباشرته .. صحت وكالته، ومن لا .. فلا.
ويرده على طرده: ما لو وكل الولي فاسقًا في بيع مال الطفل؛ فإنه لا يجوز، وعلى عكسه مسائل تأتي عقب مسألة العبد الآتية.
ويصح توكيل المرتد وإن لم يصح تصرفه في ماله.
ولا يجوز للمسلم أن يوكل كافرًا في استيفاء قود أو حد من مسلم، ولا للإمام نصبه لإقامة الحدود على المسلمين.
وقال الماوردي والروياني: لا يجوز للزوجة أن تتوكل عن غير زوجها إلا بإذنه، وكأنهما أرادا الحرة أما الأمة إذا أذن لها سيدها .. فلا اعتراض للزوج.
فرع:
يشترط في الوكيل أن يكون معينًا، فلو قال: أذنت لكل من أراد بيع داري أن يبيعها .. لم يصح، أو قال لرجلين: أيكما أراد بيع داري فجائز.
. لم يجز لأحدهما
لاَ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالْمُحْرِمُ فِي النِّكَاحِ،
أن يبيعها، ولو قال: وكلت زيدًا وهو لا يدري من زيد .. لم يصح.
فلو أذنت من لا ولي لها لكل عاقد في البلد في تزويجها .. أفتى الشيخ بصحة إذنها؛ إذ لا غرض لها في أعيان العقاد والقضاة.
وقال ابن الصلاح: إن قام بإذنها قرينة تقتضي التعيين مثل أن تكون أذنت عن قرب له في تزويجها، أو كانت تعتقد أن لا عاقد في البلد سواه .. فإذنها يختص به ولا يعم، وإن لم يكن كذلك .. جاز لكل عاقد تزويجها.
قال: (لا صبي ومجنون)؛ لسلب عبارتهما، ومثله المعتوه والمبرسم والنائم والمغمى عليه ومن شرب ما أزال عقله لحاجة.
قال: وكذا المرأة والمحرم في النكاح) أي: إيجابًا وقبولًا؛ لما سبق، وكذا المرأة في الرجعة لا ترجع نفسها ولا غيرها؛ لأن الفرج لا يستباح بقولها، ولا يصح توكيلها في اختيار الزوجات إذا أسلم على أكثر من أربع أو طلق إحدى امرأتيه، وفي توكيلها باختيار المفارقات وجهان: أصحهما: المنع؛ لأنه يتضمن اختيار الباقيات للنكاح.
وصورة المسألة: أن يعين لها من تختار منهن أو يفارقها، فإن أطلق .. لم يصح لا من الرجل ولا من المرأة.
والخنثى إذا وكل في قبول النكاح أو الطلاق قال في (شرح المهذب): ينبغي أن يكون كالمرأة للشك في أهليته.
وقال الماوردي والروياني: يمتنع على المرأة أن لا تتوكل إلا بإذن الزوج، ولعل هذا في أمر يحوج إلى الخروج.
لَكِنِ الصَّحِيحُ: اعْتِمَادُ قَوْلِ صَبِيٍّ فِي الإِذْنِ فِي دُخُولِ دَارٍ وَإِيصَالِ هَدِيَّةٍ،
قال: (لكن الصحيح: اعتماد قول صبي) أي: المميز (في الإذن في دخول دار وإيصال هدية)؛ لأن السلف كانوا يعتمدونه في ذلك، فإن انضمت إليه قرائن يحصل العلم بصدقه في ذلك .. جاز الدخول والقبول قطعًا، وهو في الحقيقة عمل بالعلم لا بقوله: وإن لم ينضم، فإن كان غير مأمون القول .. لم يعتمد، وإلا .. فطريقان.
أصحهما: القطع بالاعتماد.
والثاني: على الوجهين في قبول روايته، فكلام المصنف محمول على ما إذا لم تكن قرينة ولا تهمة.
قال الشيخ: والعبد الذي يقبل قوله في الهدية لو قال لشخص: سيدي أرسلني إليك .. مقتضى إطلاقهم قبول ذلك منه بالقرائن واستشكله وقال: ينبغي أن لا يقبل قوله في ذلك، ويجوز توكيل الصبي في دفع الزكاة في الأصح.
وقال القفال في (الفتاوى): إذا اشترى طعامًا وبعث صبيًا ليستوفيه وكان الصبي يعقل ذلك .. حل، وكذلك في بابي (الهبة) و (السلم) إذا بعث صبيًا لقبضهما.
ويقبل خبر الصبي أيضًا في كل ما طريقه المشاهدة دون الإخبار، فيقبل في رؤية النجاسة، ودلالة الأعمى على القبلة، وخلو الموضع عن الماء كما تقدم في (باب التيمم)، والإخبار بطلوع الفجر والشمس وغروبها، بخلاف ما طريقة الاجتهاد كالإفتاء والإخبار عما يتعلق بالطب ورواية الأخبار كما نقله في (شرح المهذب) عن الجمهور، وكذلك يقبل خبره بطلب صاحب وليمة الإنسان، قال الماوردي والروياني.
وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيلِ عَبْدٍ فِي قَبُولِ نِكَاحٍ وَمنْعُهُ فِي الإِيجَابِ
قال: (والأصح: صحة توكيل عبد في قبول نكاح)؛ لأنه لا ضرر على السيد فيه.
والثاني: يمتنع بغير إذن السيد، كما لا يقبله لنفسه بغير إذنه.
والثالث: يمتنع مطلقًا؛ لأنه إنما جاز في حق نفسه للحاجة.
فعلى الصحيح: تستثنى هذه الصورة من شرط صحة المباشرة لنفسه.
وحيث جوزنا توكيل العبد استثنى منه الماوردي توكيله على الطفل أو مال اليتيم، فإنه لا يجوز؛ لأنه في معنى الولاية.
ومما استثنوه أيضًا: السفيه لا يصح قبوله النكاح بغير إذن وليه، ويقبله لغيره بغير إذن وليه في الأصح.
ومنها: الكافر لا يتزوج مسلمة ولا يكون وليًا في تزويجها، ويجوز أن يتوكل في تزويجها على الأصح.
ومنها: الكافر لا يشتري المسلم، ويكون وكيلًا في شرائه لمسلم إن صرح بالسفارة، وكذا إن لم يصرح على الأصح.
ومنها: المرأة لا تقدر على الطلاق وتكون وكيلة في تطليق غيرها على الأصح.
وتوكيل شخص في قبول نكاح محرمة كتوكيل الأخ في قبول نكاح أخته، والموسر في قبول نكاح أمه لمعسر، وفي قبول نكاح أخت زوجته ومن تحته أربع نسوة.
قال: (ومنعه في الإيجاب)؛ لأنه إذ لم يزوج بنت نفسه .. فأولى أن لا يزوج بنت غيره.
والثاني- وهو الأصح عند الغزالي-: يصح لصحة عبارته في الجملة، وإنما لم يزوج ابنته؛ لأنه لا يتفرغ للنظر في أمرها، والمبعض أولى بالصحة فيما يصح توكيله، والسفيه كالعبد، قاله الرافعي.
وَشَرْطُ الْمُوَكَّلِ فِيهِ: أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُوَكِّلُ، فَلَوْ وَكَّلَ بِبَيْعِ عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ، وَطَلاَقِ مَنْ سَيَنْكِحُهَا .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ
والمكاتب يوكل غيره فيما يملكه، ويكون وكيلاً بجعل، وأما بغير جعل .. فكتبرعه.
والمحجور عليه بفلس يتوكل فيما لا يلزم ذمته عهدة قطعًا، وفيما يلزمها أيضًا على الأصح، كما يصح شراؤه على الصحيح.
قال: (وشرط الموكل فيه: أن يملكه الموكل، فلو وكل ببيع عبد سيملكه، وطلاق من سينكحها .. بطل في الأصح)؛ لأنه لا يملك مباشرته عند التوكيل.
والثاني: يصح، ويكفي حصول الملك عند التصرف، وبه قال القفال والبغوي، والخلاف عائد إلى أن الاعتبار بحال التوكيل أو بحال التصرف، ويجريان في التوكيل بإعتاق من سيملكه، وقضاء دين سيلزمه، وبتزويج ابنته إذا انقضت عدتها، أو طلقها زوجها وما أشبه ذلك.
فلو قال: وكلتك في مخاصمة كل خصم يتجدد لي .. فوجهان: ذهب البصريون إلى بطلانها والبغداديون إلى صحتها، ونقل ابن الصلاح عن الأصحاب الصحة فيما إذا وكل في بيع ثمرة قبل ظهورها.
تنبيهان:
أحدهما: موضع الخلاف إذا عين العبد أو المرأة بوصف أو أتى بلفظ عموم مثل: كل عبد أو امرأة، فلو أتى بنكرة صرفة .. لم يصح جزمًا كما أفتى به البغوي.
الثاني: لو جعل المجهول تبعًا لمعلوم أو الغائب تبعًا لحاضر كبيع مملوك وما سيملكه .. ففيه احتمالان للرافعي، والمنقول عن أبي حامد وغيره الصحة، ولو وكله في حقوقه كلها ما وجب منها وما سيجب بعد ذلك .. جاز.
وَأَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِلنِّيَابَةِ، فَلاَ يَصِحُّ فِي عِبَادَة إِلاَّ الْحَجَّ، وَتَفْرِقَةَ الزَّكَاةِ، وَذَبْحَ الْهَدَايَا،
ويستثنى القراض، فإنه يصح إذن المالك للعامل في بيع ما سيملكه من العروض؛ إذ لا تتم مصالح العقد إلا بذلك.
وأفتى ابن الصلاح بأنه إذ وكله في المطالبة بحقوقه .. دخل فيها ما يتجدد.
ومنها: إذا قال: وكلتك في بيع كذا وأن تشتري بثمنه كذا .. فالمشهور: صحة التوكيل.
قال: (وأن يكون قابلًا للنيابة)؛ لأن التوكيل إنابة، فما لا يقبلها لا يقبل التوكيل.
قال: (فلا يصح في عبادة)؛ لأن المقصود منها ابتلاء الشخص وامتحانه.
قال: (إلا الحج) أي: عند العجز، وكذلك العمرة (وتفرقة الزكاة) والكفارات وصدقة التطوع (وذبح الهدايا) والعقيقة وشاة الوليمة، وصب الماء على أعضاء المتطهر، والتيمم عند العجز.
ويستثنى: صوم الولي عن الميت كما تقدم، وركعتا الطواف إذا فعلهما الأجير؛ فإنهما تقعان عن المحجوج عنه، والوقف؛ فإنه قربة ويصح التوكيل فيه.
واحترز بـ (العبادة) عن التوكيل في إزالة النجاسة، فإنه جائز؛ لأنها من باب التروك، ولذلك لا تشترط فيها النية على الأصح.
وقال في (البحر): لا يجوز التوكيل في غسل الميت؛ لأنه من فروض الكفايات، فيقع عمن باشره.
وَلاَ فِي شَهَادَةٍ، وَإِيلاَءٍ، ولِعَانٍ، وَسَائِرِ الأَيْمَانِ، وَلاَ فِي ظِهَارٍ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ فِي طَرَفَيْ بَيْعٍ، وَهِبَةٍ، وَسَلَمٍ، وَرَهْنٍ، وَنِكَاحٍ، وَطَلاَقٍ،
قال: (ولا في شهادة، وإيلاء، ولعان، وسائر الأيمان)؛ إلحاقًا لها بالعبادات؛ لما فيها من تعظيم الرب سبحانه وتعالى.
ومراده بـ (سائر الأيمان) باقيها؛ لأن الإيلاء واللعان من الأيمان.
وتعليق الطلاق والعتق: قالوا: لا يجوز التوكيل فيه؛ لأنه يمين يقصد به حث أو منع.
قال الشيخ: وهذا التعليل يقتضي جواز التوكيل في التعليق الذي ليس كذلك كقوله: إن طلعت الشمس أو جاء الحاج ونحوه، قال: وهذا يعني أن يكون هو الصحيح، وهو وجه حكاه المتولي في (كتاب الطلاق).
قال الرافعي: والتدبير وتعليق الطلاق والعتق في معنى الأيمان.
قال: (ولا في ظهار في الأصح)؛ لأنه منكر من القول وزور، وفي الوكالة إعانة عليه.
والثاني: يجوز تغليبًا لشائبة الطلاق، قال المتولي: وهو ظاهر المذهب، والأول مذهب المزني.
وحقيقة الخلاف ترجع إلى أن المغلب في الظهار اليمين أو الطلاق، فإن صححناه .. فالأصح أنه يقول: موكلي يقول: أنت عليه كظهر أمه.
قال: (ويصح في طرفي بيع، وهبة، وسلم، ورهن، ونكاح) أما النكاح .. فبالنص، والباقي مقيس عليه.
قال: (وطلاق)؛ لأنه إذا جاز في العقد .. ففي قطعة أولى، هذا في الطلاق المنجز أما المعلق .. ففيه الأوجه الثلاثة المتقدمة.
وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، وَقَبْضِ الدُّيُونِ وَإِقْبَاضِهَا،
قال: (وسائر العقود) أي: باقيها كالصرف والتولية والصلح والإبراء والحوالة والضمان والكفالة والشركة والمضاربة والإجارة والجعالة والمساقاة والإعارة والإيداع والأخذ بالشفعة والوصية وقبولها، وأبعد من قال: لا يجوز التوكيل في الوصية؛ لأنها قربة.
وصيغة الضمان والوصية والحوالة: جعلت موكلي ضامنًا لك كذا، أو موصيًا لك بكذا، أو أحلتك بما لك على موكلي من كذا بنظيره مما له على فلان، ويجوز في الخلع والإعتاق والكتابة وعقد الذمة من الطرفين، وكذا في الرجعة في الأصح.
قال: (والفسوخ)؛ لأنه إذا جاز في العقود .. ففي حلها أولى، وذلك كالإقالة والرد بالعيب والفسخ بخيار المجلس والشرط، لكن ما هو على الفور قد يكون في التوكيل فيه تأخير فيبطله، إلا أنه يستثنى من ذلك: التوكيل في فسخ نكاح الزائدات على العد الشرعي كما تقدم إذا قلنا: الفرع تحصيل بالاختيار.
قال: (وقبض الديون وإقباضها)؛ لعموم الحاجة إلى ذلك، ومن جملة الديون: الجزية، وسيأتي حكم التوكيل فيها في بابها.
واحترز بـ (الديون) عن الأعيان كالمغضوب والمسروق، فإنها وإن صح التوكيل في قبضها .. فلا يصح في إقباضها؛ إذ ليس له دفعها لغير مالكها، قاله الشيخ عز الدين.
وأغرب من استثنى قبض عوض الصرف في غيبة الموكل؛ إذ لا دين بعد التفرق لبطلان العقد.
فروع:
يجوز توكيل أصناف الزكاة في قبضها لهم.
وَالدَّعْوَى وَالْجَوَابِ، وَكَذَا فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ كَالإِحْيَاءِ وَالاِصْطِيَادِ وَالاِحْتِطَابِ فِي الأَظْهَرِ،
ويجوز أن يوكل الضامن في إبراء المضمون، فإذا أبرأه .. برئا جميعًا، وأن يوكل المضمون، في إبراء الضامن ولا يبرأ به المضمون.
وإذا وكل في صلح الحطيطة .. فهو كالتوكيل في الإبراء عن بعض الدين.
قال: (والدعوى والجواب) سواء كان ذلك لعذر أو غيره، رضي بذلك خصمه أم لم يرض، وليس للخصم الامتناع من مخاصمة الوكيل، وسواء كان المطلوب مالًا أو عقوبة لآدمي.
أما حدود الله تعالى .. فلا يجوز التوكيل في إثباها، وكذلك المعاصي كالقتل والسرقة لا مدخل للتوكيل فيها بل أحكامها تثبت في حق مرتكبها؛ لأن كل أحد بعينه مقصود من الامتناع منها قال تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾.
قال: (وكذا في تملك المباحات كالإحياء والاصطياد والاحتطاب في الأظهر) كسائر أسباب الملك، ولأنه تملك مال بسبب لا يتعين عليه، فجاز أن يوكل فيه كالابتياع والاتهاب.
والثاني: لا؛ لأن وضع اليد وجد منه وهو سبب الملك فلا ينصرف بالنية إلى غيره، وإذا قلنا بالأظهر فاستأجر لذلك .. صح وله الأجرة، والذي حصله للمستأجر.
أما التوكيل في الالتقاط والاغتنام .. فلا يجوز، فإن التقط أو غنم .. كان له دون الموكل على اضطراب فيه في (المهمات).
لاَ فِي إِقْرَارٍ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ فِي اسْتِيفَاءِ عُقُوبَةِ آدَمِيٍّ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ،
قال: (لا في إقرار في الأصح)؛ لأنه إخبار عن حق فلا يقبل التوكيل كالشهادة.
والثاني: يصح كسائر أسباب الالتزام.
فعلى هذا: لا يلزمه شيء قبل إقرار الوكيل، وإن قلنا بالأول .. ففي كونه مقرًا بنفس التوكيل وجهان في (الشرح الكبير) من غير تصحيح، المذكور منهما في (الحاوي الصغير): أنه لا يكون مقرًا، كما أن التوكيل بالإبراء لا يكون إبراء، وحيث جعلناه مقرًا بنفس التوكيل .. فللوكيل أن يشهد عليه إذا سمعه.
وصورة التوكيل بالإقرار أن يقول: وكلتك لتقر عني بكذا، ويعين جنس المقر به وقدره، فإن قال: أقر عني لفلان بشيء، فأقر .. أخذ الموكل بتفسيره، ولو قال أقر عني لفلان بألف له علي .. كان إقرارًا بلا خلاف.
وصورة إقرار الوكيل أن يقول: أقررت عن فلان بكذا، أو جعلت موكلي مقرًا، واختار الشيخ أن يقول: موكلي مقر بكذا.
قال: (ويصح في استيفاء عقوبة آدمي كقصاص وحد قذف)؛ قياسًا على سائر الحقوق، ولأنه قد لا يحسن الاستيفاء، بل يتعين ذلك في حد القذف وقطع الطرف، كما ذكره المصنف في (باب كيفية القصاص).
وكلام المصنف يفهم المنع في حقوق الله تعالى، وهو جائز من الإمام والسيد في حد مملوكه في الحضور والغيبة لقوله صلى الله عليه وسلم: (اغد يا أنيس إلى امرأة هذا ..) كذا استدل به الرافعي، وفيه نظر.
أما التوكيل في إثباتها .. فقد تقدم أنه ممتنع إلا في صورة واحدة وهي دعوى القاذف على المقذوف أنه زنى؛ فإنها مسموعة ويصح التوكيل في إثباتها، قال في (الروضة): ولا يستثنى إلا هذه المسألة.
وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ.
وَلْيَكُنِ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، أَوْ فِي كُلِّ أُمُورِي، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُلَّ شَيْءٍ .. لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَعِتْقِ أَرِقَّائِي .. صَحَّ،
قال: (وقيل: لا يجوز إلا بحضرة الموكل)؛ لاحتمال العفو في الغيبة وبه أفتى البغوي، وهو قول لا وجه، وكان ينبغي أن يقول: (وفي قول) والأظهر: الجواز مطلقاً، واحتمال العفو كاحتمال رجوع الشهود فيما إذا ثبت ببينة؛ فإنه لا يمتنع الاستيفاء في غيبتهم، وسواء جوزنا أم لا، إذا استوفاه الوكيل وقع الموقع، كما لو وكله في البيع توكيلاً فاسدًا فباع .. صح البيع، وإن استوفاه بعد العفو جاهلاً بالعفو .. وجبت الدية في الأصح.
قال: (وليكن الموكل فيه معلومًا من بعض الوجوه)؛ لئلا يعظم الغرر.
قال: (ولا يشترط علمه من كل وجه)؛ لأنها جوزت الحاجة فسومح فيها.
قال: (فلو قال: وكلتك في كل قليل وكثير، أو في كل أموري، أو فوضت إليك كل شيء .. لم يصح)؛ لأنه غرر عظيم، وقال الشيخ نصر المقدسي: لو وكله في شراء ما شاء .. لم يصح؛ لأنه قد يعجز عنه لكثرته.
ويجمع (قليل) على قليل كسرير وسرر وقليب وقلب.
قال: (وإن قال: في بيع أموالي وعتق أرقائي .. صح)؛ لأن الغرر فيه أقل وهكذا استيفاء ديوني واسترداد ودائعي وقضاء ديوني، ولا يشترط أن تكون أمواله معلومة، ولا ديونه، ولا من هي عليه خلافًا للقاضي والبغوي ومجلي.
ولو قال: بع بعض مالي أو طائفة منه أو سهمًا .. لم يصح؛ لجهالته، بخلاف ما لو قال: أبرئ فلانًا عن شيء من مالي فإنه يصح، ويبرئه عن قليل منه كما صرح به المتولي وغيره، فإن قال له: زوجتي امرأة ولم يعينها .. ففيه خلاف واختلاف تصحيح.
وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ .. وَجَبَ بَيَانُ نَوْعِهِ، أَوْ دَارٍ .. وَجَبَ بَيَانُ الْمَحِلَّةِ وَالسَّكَّةِ،
وقال القاضي حسين إذا قال: طلق من نسائي من شئت .. لا يطلق الجميع في اصح الوجهين، ولو قال: طلق من نسائي من شاءت .. فله أن يطلق كل من اختارت الطلاق.
وفرق بما ليس ببين وشبهه بقوله: أي عبيدي ضربك أو ضربته، وهي مسألة مشهورة عند الحنفية، ومذهبنا أنه لا فرق في ذلك.
فرع:
في (الروضة) قال أصحابنا: إذا قال: بع هذا العبد أو هذا .. لم يصح.
قال الشيخ: هذا ظاهر إذا حمل على التردد في التوكيل كأنه قال: وكلتك إما في هذا وإما في هذا، أما إذا أراد بيع أحدهما .. فينبغي أن يصح على الصحيح، كما لو قال: بع من شئت منهما، ولا يبيع المجموع.
قال: (وإن وكله في شراء عبد .. وجب بيان نوعه) كتركي أو هندي تقليلاً للغرر؛ فإن الأغراض تختلف بذلك، ولا يشترط استقصاء الأوصاف التي في السلم ولا ما يقرب منها بالاتفاق، وقيل: لا يجب.
هذا إذا لم يقصد الشراء للتجارة، فإن قصدها .. لم يشترط بيان النوع ولا الجنس، فلو وكله في شراء عبد فاشترى من يعتق على الموكل .. صح ووقع عن الموكل على المذهب، وبه قطع الجمهور؛ لأن اللفظ شامل، بخلاف القراض؛ فإن مقصوده الربح فقط، ونقل الإمام وجهًا: أنه لا يقع للموكل، بل يبطل الشراء إن اشترى بعين المال، ويقع عن الوكيل إن كان في الذمة.
قال: (أو دار .. وجب بيان المحلة والسكة)؛ لاختلاف الغرض بذلك.
و (المحلة): الحارة، و (السكة) بكسر السين: الزقاق.
لاَ قَدْرِ الثَّمَنِ فِي الأَصَحِّ.
وَيُشْتَرَطُ مِنَ الْمُوَكِّلِ لَفْظٌ يَقْتَضِي رِضَاهُ؛ كَوَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ فَوَّضْتُهُ إِلَيْكَ، أَوْ أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْ أَوْ أَعْتِقْ .. حَصَلَ الإِذْنُ.
وفهم من (المحلة) البلد بالضرورة، ويعين في الحانوت السوق.
قال: (لا قدر الثمن في الأصح) أي: في هذه المسألة والتي قبلها؛ لأن غرضه قد يتعلق بواحد ما من ذلك النوع نفسيًا كان أو خسيسًا.
والثاني: يشترط بيان قدره أو غايته بأن يقول: من مئة إلى ألف.
كل هذا إذا قصد القنية، فإن قصد التجارة .. لم يشترط بيان شيء من ذلك كما تقدم، بل يكفي أن يقول: اشتر بهذا ما شئت من العروض، أو ما رأيته مصلحة.
فرع:
قال: اشتر لي عبدًا تركيًا صفته كذا بما شئت، قال الشيخ: ينبغي تقييده بثمن المثل؛ لأن تجويز الزيادة على ذلك غرر كالوكالة العامة، وكذا لو قال: بما شئت من ثمن المثل وأكثر .. لا يسمع منه.
قال: وينبغي التنبه لذلك؛ فإنه يقع كثيرًا في الوكالة ويثبتها القضاة ولا ينتبهون لذلك، أما لو قال: بع هذا العبد بما شئت من الأثمان قليلها وكثيرها .. فإنه يصح، وكأنه وطن نفسه على أقل شيء فلا غرر فيه، أما فساد الوكالة بالكلية .. فلا يظهر.
قال: (ويشترط من الموكل لفظ يقتضي رضاه؛ كوكلتك في كذا، أو فوضته إليك، أو أنت وكيلي فيه) كما يشترط الإيجاب في سائر العقود، ولأن الشخص ممنوع من التصرف في ملك غيره حتى يأذن له.
قال: (فلو قال: بع أو أعتق .. حصل الإذن) قال الرافعي: ولا يكاد هذا يسمى إيجابًا، بل قائم مقام الإيجاب، ولا يكفي قوله: عولت عليك أو اعتمدت.
ولو أكرهة على بيع ماله ففعل .. صح؛ لحصول الإذن كما تقدم في (البيع).
وَلاَ يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ كَوَكَّلْتُكَ، دُونَ صِيغِ الأَمْرِ كَبعْ وَأَعْتِقْ.
وَلاَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ فِي الأَصَحِّ
وإذا قلنا بالأصح- وهو عدم اشتراط القبول- فوكله والوكيل لا يعلم .. ثبتت وكالته في الأصح.
فعلى هذا: إذا تصرف .. كان كبيع مال أبيه على ظن حياته، وفي انعقاد الوكالة بالإيجاب والاستيجاب خلاف البيع، ولو قيل: إنها أولى بالانعقاد .. لم يبعد؛ لنه يحتمل فيها ما لا يحتمل في البيع.
قال: (ولا يشترط القبول لفظًا)؛ لأنها إباحة كإباحة الطعام لا تفتقر إلى قبول لفظي.
واحترز بقوله: (لفظًا) عن الرضا فلابد منه، صرح به الرافعي، حتى لو رد .. بطلت، وهو ينافي ما تقدم من عدم اشتراط العلم، فإن الرضا يستلزم العلم، فالمشروط إذن في دوام الوكالة عدم الرد لا الرضا.
قال: (وقيل: يشترط)؛ لأنها إثبات سلطنة للوكيل.
قال: (وقيل: يشترط في صيغ العقود كوكلتك، دون صيغ الأمر كبع وأعتق) نظرًا إلى الصيغة.
وقال الغزالي: إنه أعدل الوجوه، فإن قلنا باشتراط اللفظ .. لم يجب الفور، وقيل: يجب، وقيل: يكفي المجلس، وسيأتي في (كتاب الطلاق): إذا قلنا التفويض إليها توكيل .. لا يشترط الفور في الأصح، فمسألة الفور تؤخذ من هناك.
وقال الروياني: تستثنى ثلاث صور يكون القبول فيها على الفور:
أحدها: أن يعين الموكل زمان العمل ويخاف فوته.
الثانية: أن يعرضها الحاكم عليه بعد ثبوتها عنده.
الثانية: أن يوكله في إبراء نفسه.
قال: (ولا يصح تعليقها بشرط في الأصح) كالقراض وسائر العقود.
والثاني: يصح كالوصية والإمارة فإنه يصح تعليقهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم
فَإِنْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ لِلتَّصَرُّفِ شَرْطًا .. جَازَ، وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ وَمَتَى عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي .. صَحَّتْ فِي الْحَالِ فِي الأَصَحِّ،
في أمراء: مؤتة (.. إن قتل زيد .. فجعفر، فإن قتل جعفر .. فعبد الله بن رواحة).
ووقع في (الرافعي) هنا: إن قتل جعفر .. فزيد، وذكرها في (الوصية) على الصواب، أجاب الأصحاب بأن الوصية جوزت بالمجهول والإمارة اغتفر فيها ذلك؛ للحاجة كما جعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بين ستة، فإذا أفسدناها .. لم ينفذ تصرفه قبل الشرط قطعًا، وينفذ بعد وجوده للإذن فيه.
فرع:
تصح الوكالة المؤقتة في الأصح كقوله: وكلتك في كذا إلى شهر كذا، وإذا قال الناظر: إذا مات فلان .. ففلان مكانه في وظيفته قال الشيخ: مقتضى المذهب أن ذلك في الوجهان، والأصح المنع، وكذلك إذا قال: يكون نائبًا عن في حياته مستقلًا بعد وفاته .. فإنه أولى بعدم الجواز، فإن الثاني جعل تبعًا للأول، اللهم إلا أن يصدر مثل ذلك عن الإمام الأعظم، فيمتثل إذا لم يخالف الشرع إتباعًا للأمر لا لصحة الولاية.
قال: (فإن نجزها وشرط للتصرف شرطًا .. جاز) قال الرافعي: بالاتفاق؛ لأنه إنما علق التصرف فقط، وفيه وجه حكاه في (التعجيز).
وصورته أن يقول: وكلتك الآن ببيع هذا ولا تبعه إلا بعد شهر، فالآن ظرف للتوكيل، وبعد شهر ظرف للتصرف، فإذا قال: إن شئت زينب فقد وكلتك في طلاقها .. لم يجز، ولو قال: وقد وكلتك في طلاق هند إن شاءت .. جاز.
قال الماوردي: لأن الأول تعليق وكالة، والثاني تنجيزها وتعليق التصرف.
قال: (ولو قال: وكلتك ومتى عزلتك فأنت وكيلي .. صحت في الحال في الصح)، لأن الإذن قد وجد منجزًا.
وَفِي عَوْدِهِ وَكِيلاً بَعْدَ الْعَزْلِ الْوَجْهَانِ فِي تَعْلِيقِهَا، وَيَجْرِيانِ فِي تَعْلِيقِ الْعَزْلِ
والثاني: لا يصح؛ لاشتمالها على شرط التأبيد وهو: إلزام العقد الجائز، وللخلاف شروط:
أحدها: أن يأتي بصيغة الشرط مثل: على أني كلما، أو بشرط أني كلما.
الثاني: أن يصل التعليق بالتولية، فلو فصله .. صحت الوكالة قطعًا.
الثالث: أن يعلق بما يقتضي التكرار كـ (كلما) بخلاف (متى) التي عبر بها المصنف و (مهما) التي عبر بها في (المحرر) و (الشرحين)، وسيأتي في (كتاب الخلع) كلام حسن يتعلق بلفظة (مهما).
الرابع: أن يقول: وكلما عزلتك بنفسي أو بغيري؛ لإمكان العزل بتكرر الصيغة أو التوكيل.
قال: (وفي عوده وكيلًا بعد العزل الوجهان في تعليها) والأصح: أنه لا يعود؛ لأن الأصح فساد التعليق.
والثاني: يعود إذا قلنا بصحة تعليقها.
ومحل الخلاف: إذا عزله وعلم بعزله، أو قلنا: إنه ينعزل قبل أن يعلم، وإلا .. فهو باق على وكالته الأولى.
قال: (ويجريان في تعليق العزل) وأولى بالقبول؛ لأنه لا يشترط فيه قبول قطعًا، ومراده الوجهان في صحة تعليق الوكالة في قوله: (ولا يصح تعيلقها بشرط في الأصح).
تتمة:
إذا علق الوكالة على العزل فعزله وقلنا بعود الوكالة .. فالطريق في عزله أن يوكل من يعزله، فإن كان تعليقه شاملًا للتوكيل أيضًا، فإن كان بصيغة لا تقتضي التكرار .. فلعزله طريقان:
فَصْلٌ:
الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ،
أحدهما: أن يكرر العزل فيقول: عزلتك عزلتك، فإنه ينعزل بالأولى ويعود وينعزل بالثانية ولا يعود.
والثاني: أن يعلق العزل على عود الوكالة فيقول: كلما عدت وكيلي فأنت معزول، فإذا صدر هذا التعليق .. انعزل؛ لأن تعليق العزل صار معارضًا لتعليق الوكالة، والعزل معتضد بالأصل وهو الحجر في حق الغير فقدمناه.
وإن كان بصيغة تقتضي التكرار نحو (كلما) .. فله طريق واحد وهو: أن يعلق العزل، فلا يفيد التكرار؛ لأنه كلما عزله عاد وكيلًا.
واستشكل الشيخ هذا بأنه تعليق قبل لملك؛ إذ لا يملك العزل قبل الوكالة التي لم تصدر منه فهو كقوله: إن ملكت عبدًا فهو حر.
وأيضًا ما تقدم من الحيلة في عزله قد خصه الرافعي بالوجه الضعيف، وهو تصحيح الوكالة المعلقة، وصاحب (الحاوي الصغير) فرع على هذا الوجه الضعيف أيضًا، فإنه قال: وإن أدارها .. أدار العزل، أو كرر .. لا، في (كلما) يعني: أن له في الصيغ التي لا تقتضي التكرار طريقين: التكرار للعزل وإدارته في (كلما) فهو تفريع على الضعيف.
قال: (
فصل
: الوكيل بالبيع مطلقًا ليس له البيع بغير نقد البلد)، لدلالة القرينة العرفية عليه، وهل المراد بلد البيع أو التوكيل؟ الظاهر: أن المراد الأول.
وَلاَ بِنَسِيئَةٍ، وَلاَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، وَهُوَ: مَا لاَ يُحْتَمَلُ غَالِبًا
ولو لم ينص له على بلد .. وجب بيعه في بلد التوكيل، إلا أن تقتضي قرينة غير ذلك.
ولو كان بالبلد نقدان .. لزم البيع بأغلبهما، فإن استويا في المعاملة .. باع بأنفعهما للموكل، فإن استويا .. تخير.
وقيل: يشترط البيان، أما إذا كان غرض الموكل الاسترباح لا غير كما يعتاده التجار في بضائعهم، إذا جرت العادة بالمبادلة بالسلع دون البيع بالنقد .. فالأشبه جوازه، لاسيما إذا كان نقد تلك البلد لا يروج بغير، ولا شك في جوازه في ناحية لا أثمان فيه كبعض بلاد الخطا والترك.
والفلوس وإن راجت رواج النقود لها حكم العروض لا يجوز البيع بها.
قال: (ولا بنسيئة) وإن كان قدر ثمن المثل؛ لأن الإطلاق يقتضي الحلول.
قال: (ولا بغبن فاحش، وهو: ما لا يحتمل غالبًا) كالوصي والوكيل بالشراء أيضًا ليس له أن يشتري بالغبن الفاحش، أما اليسير .. فيغتفر كالدرهم من العشرة، والصواب: الرجوع في ذلك إلى العرف.
واحترز بقوله: (مطلقًا) عما إذا نص عليه الموكل فإنه يجوز؛ لأن المنع كان لأجله فزال بإذنه.
وقوله: (ليس له) صريح في المنع، فلو فعل .. بطل على المذهب، وفي قول: يصح موقوفًا على إجازة الموكل.
وجوز أبو حنيفة جميع ذلك إقامة للوكيل مقام الموكل.
لنا: القياس على ما سلمه وهو الوصي والوكيل بالشراء.
فرع:
لو باع بثمن المثل وثم راغب بزيادة .. لم يصح، ولو وجد الراغب في زمن
فَلَوْ بَاعَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الأَنْوَاعِ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ .. ضَمِنَ، فَإِنْ وَكَّلَهُ لِيَبِيعَ مُؤَجَّلًا وَقَدَّرَ لَهُ الأَجَلَ .. فَذَاكَ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ، وَحُمِلَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِي مِثْلِهِ
الخيار .. فالأصح: أنه يلزمه الفسخ، فإن لم يفعل .. انفسخ.
قال: (فلو باع على أحد هذه الأنواع وسلم المبيع .. ضمن)؛ لأنه متعد بالتسليم، وكيفية ضمانه على ما سبق في عدل الرهن، وإن لم يسلم .. لم يضمن؛ لعدم تعديه، ثم إذا سلم وكان باقيًا .. استرده، وله بيعه بالإذن السابق، وإن تلف .. كان للمالك أن يغرم من شاء منهما، والقرار على المشتري.
قال: (فإن وكله للبيع مؤجلًا وقدر له الأجل .. فذاك) أي: فيجوز أن يبيعه إلى ذلك الأجل، ولا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان إن نص على المشتري؛ لظهور قصد المحاباة.
قال: (وإن أطلق .. صح في الأصح)؛ لصحة اللفظ.
والثاني: يبطل التوكيل؛ لاختلاف الأغراض باختلاف الآجال.
قال: (وحمل على المتعارف في مثله) حملًا للمطلق على المعهود، وسكوت المصنف عما إذا لم يكن عرف يوهم البطلان حيث لا عرف، وليس كذلك، بل يراعي الأنفع للموكل.
وقيل: يؤجل بما شاء.
وقيل: لا يزيد على سنة؛ لأنه الأجل الشرعي في الزكاة والدية والجزية وغيرها.
ويلزمه إذا باع بمؤجل بيان الغريم حتى لا يكون مضيعًا لحق الموكل، فإن امتنع .. كان متعديًا، وإن نسيه أو اشتبه عليه .. ففيه كلام يأتي في (الوديعة) إن شاء الله تعالى.
والظاهر: أنه يجب عليه الإشهاد؛ صيانة لحق موكله، خصوصًا إذا طال الأجل، وسيأتي في تتمة الفصل ماله تعلق بهذا.
وَلاَ يَبِيعُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ لِأَبِيهِ وَابْنِهِ الْبَالِغِ،
فرع:
إذا باع بمؤجل حيث يجوز السلم .. صح على المذهب، وإذا حل الأجل .. لم يكن له قبض الثمن إلا بإذن جديد.
قال: (ولا يبيع لنفسه وولده الصغير)؛ لأنه حريص بطبعه على الاسترخاص لهما، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة، فيتنافى الغرضان.
وقيل: إن نص له الموكل على ذلك .. جاز، وإلا .. فلا.
وقيل: يبيع لنفسه مطلقًا.
وعلى الصحيح: لو صرح بالإذن بالبيع من نفسه .. قال ابن سريج: يصح، وقال الأكثرون: لا يصح.
وكذلك لو صرح بالإذن في البيع لولده الصغير، فلو نص له على البيع من نفسه وقدر الثمن ونهاه عن الزيادة .. فقال ابن الرفعة: ينبغي أن يجوز؛ لعدم التهمة، وحكم الشراء في جميع ذلك كالبيع.
قال: (والأصح: أن له أن يبيع لأبيه وابنه البالغ) وكذا سائر أصوله وفروعه ومكاتبه، كما يجوز أن يبيع من صديقه، وكما يجوز للعم أن يزوج موليته من ابنه البالغ إذا أطلقت الإذن وقلنا: لا يشترط تعيين الزوج.
والثاني: لا؛ لأنه متهم، فأشبه ما إذا فوض إليه الإمام أن يولي القضاء من شاء، فإنه لا يجوز له أن يفوضه إلى أصله ولا إلى فرعه كما قاله الرافعي في (كتاب القضاء)، ولعل الفرق أن لنا هنا مردًا ظاهرًا.
وَأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمُ الْمَبِيعٍ، وَلاَ يُسَلِّمُهُ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، فَإِنْ خَالَفَ .. ضَمِنَ.
وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءٍ .. لاَ يَشْتَرِي مَعِيبًا،
وهو ثمن المثل، أما إذا صرح له بالبيع منهما .. فيجوز بلا خلاف.
والمراد بأبيه وابنه: المستقلان؛ لئلا يرد السفيه والبالغ المجنون، فإنهما كالصغير.
قال: (وأن الوكيل بالبيع) أي: الناجز (له قبض الثمن وتسليم المبيع) فإنهما من توابع البيع، فالإذن في اليبع إذن فيهما.
والثاني: لا؛ لعدم الإذن فيهما، وقيل: له تسليم المبيع دون قبض الثمن.
أما الوكيل بالشراء .. فسيأتي في كلام المصنف القطع بأن له تسليم الثمن.
ويستثنى من موضع الخلاف:
ما إذا كان الثمن مؤجلًا .. فإنه لا يقبضه قطعًا.
وما إذا كان قبضه شرطًا في صحة العقد .. فله قبضه قطعًا، وذلك في الصرف والسلم.
وما إذا منعه من قبضه .. فليس له قبضه قطعًا، وإن نهاه عن التسليم .. امتنع على الأصح.
قال: (ولا يسلمه حتى يقبض الثمن)؛ للخطر الظاهر في التسليم قبله.
قال: (فإن خالف .. ضمن)؛ لتقصيره، هذا إذا سلمه مختارًا، فلو ألزمه الحاكم بتسليم المبيع قبل قبض الثمن، وكان الحاكم يرى ذلك مذهبًا بدليل أو تقليد .. فلا ضمان، وإن ألزمه جهلًا أو عدوانًا، أو أكرهه المشتري أو غيره على تسليمه .. فيظهر أنه كتسليم الوديعة كرهًا فيضمن على الأصح.
قال: (وإذا وكله في شراء .. لا يشتري معيبًا) أي: أنه لا يجوز له شراؤه إذا علم
فإِنِ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ يُسَاوِي مَعَ الْعَيْبِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ .. وقَعَ عَنِ الْمُوَكِّلِ إِنْ جَهِلَ الْعَيْبَ، وَإِنْ عَلِمَهُ .. فَلاَ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يُسَاوِهِ .. لَمْ يَقَعْ عَنْهُ إِنْ عَلِمَهُ،
بعيبه؛ لأن عليه نصح موكله، اللهم إلا أن يكون غرض الموكل التجارة، فإنه يصح كعامل القراض وشريك التجارة والعبد المأذون له فيها؛ لأن الغرض الربح، وقد يكون الربح في المعيب أكثر منه في غيره، لاسيما العيب الخفيف.
قال: (فإن اشتراه في الذمة وهو يساوي مع العيب ما اشتراه به .. وقع عن الموكل إن جهل العيب)؛ لأنه يمكن استدراكه بالرد فلا ضرر عليه فيه، ولا ينسب الوكيل إلى مخالفة لجهله؛ لأن الواجب عليه أن يشتري ما ظن سلامته، لا ما هو سليم في نفس الأمر، أما إذا قال: اشتر لي عبدًا سليمًا.
فالوجه أن لا يقع للموكل إذا اشترى معيبًا علم عيبه أو جهله؛ لأنه غير المأذون فيه.
وقوله: (في الذمة) قد يوهم أنه إذا اشترى بعين مال الموكل لا يقع له وليس كذلك، بل يقع له أيضًا إذا أوقعناه له هناك، لكن ليس للوكيل الرد في الأصح، وإنما أتى بهذا القيد؛ ليحترز به عما يقتضيه كلامه بعد من الرد.
قال: (وإن علمه .. فلا في الأصح) أي: وإن ساوى ما اشتراه به؛ لأن الإطلاق يقتضي سليمًا.
والثاني: يقع عنه؛ لعدم النقصان في المالية.
والثالث: إن كان للتجارة .. وقع له، وإن كان للقنية .. فلا، واستحسنه الإمام.
والرابع: إن كان العيب يمنع الإجزاء في الكفارة والمبيع رقيق .. لم يقع، وإلا .. وقع.
قال الإمام: وصاحب هذا الوجه يستثنى الكفر، فإنه يمنع الإجزاء في الكفارة ويجوز للوكيل شراؤه.
قال: (فإن لم يساوه .. لم يقع عنه) أي: عن الموكل (إن علمه)؛ لأنه يورطه في الغرم مع العلم، فهو مخالف.
وَإِنْ جَهِلَهُ .. وقَعَ فِي الأَصَحِّ.
وَإِذَا وقَعَ عَنِ الْمُوَكِّلِ .. فَلِكُلٍّ مِنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ الرِّدُّ.
وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ أَنْ يُوَكِّلَ بِلاَ إِذْنٍ إِنْ تَأَتَّى مِنْهُ مَا وُكِّلَ فِيهِ،
قال: (وإن جهله .. وقع في الأصح) أي: للموكل، كما لو اشتراه بنفسه جاهلًا.
والثاني- وصححه الإمام-: لا يقع؛ لأن مجرد الغبن الفاحش يمنع الوقوع عن الموكل مع السلامة فمع العيب أولى، وأجاب الأصحاب بأن الغبن الفاحش لا يثبت الخيار، وهنا يثبت الخيار بالعيب فلا ضرر.
قال: (وإذا وقع عن الموكل .. فلكل من الوكيل والموكل الرد) أما الموكل في حالة الجهل .. فلا خلاف فيه؛ لأنه المالك، والضرر لاحق به، وأما الوكيل .. فلأنا لو لم نجوز له ذلك .. لكان المالك ربما لا يرضى به، وحينئذ يتعذر الرد؛ لأنه على الفور، وعن ابن سريج أنه لا يملك الرد إلا بإذن موكله.
والعيب الطارئ قبل القبض حكمه حكم العيب المقارن.
ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين التوكيل في شراء معين أو موصوف؛ لأن الظاهر أنه إنما يريده بشرط السلامة.
ولو رضي الموكل بالعيب سقط خيار الوكيل إجماعًا، ولا يسقط خيار الموكل بتأخير الوكيل ورضاه وتقصيره.
وإذا أراد الوكيل الرد بالعيب فقال البائع: أخر حتى يحضر الموكل .. لم تلزمه إجابته، وإذا رد فحضر الموكل ورضي .. احتاج إلى استئناف شراء، وإن لم يرد حتى حضر الموكل .. فللموكل الرد إن كان قد سماه، أو صدقه البائع على نيته.
قال: (وليس لوكيل أن يوكل بلا إذن إن تأتى منه ما وكل فيه)؛ لأنه إنما رضى به وهو كالوصي ليس له أن يوصي لكن قال الجوري: لو وكله في قبض دين فقبضه وأرسله مع بعض غلمانه إلى موكله .. لم يضمن، أو مع غيرهم ضمن.
وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ لِكَوْنِهِ لاَ يُحْسِنُهُ أَوْ لاَ يَلِيقُ بِهِ .. فَلَهُ التَّوْكِيلُ، وَلَوْ كَثُرَ وَعَجَزَ عَنِ الإِتْيَانِ بكُلِّهِ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُوَكِّلُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُمْكِنِ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي التَّوْكِيلِ وَقَالَ: وَكِّلْ عَنْ نَفْسِكَ، فَفَعَلَ .. فَالثَّانِي وَكِيلُ الْوَكِيلِ،
فائدة:
قال الشيخ: قولهم: (ليس لوكيل أن يوكل بلا إذن) هذا إذا قال: وكلتك أن تبيع، أما إذا قال: في بيعه .. فيشمل بيعه توكيله، ففرق بين صريح الفعل و (أن) والفعل؛ لأن (أن) والفعل تدل على الحدوث وهو معنى تصديقي، بخلاف المصدر الصرح؛ فدلالته على المعنى التصوري فقط، ويؤيده تفرقة الفقهاء في بابي (العارية) و (الإجارة) بين مالك المنفعة وأن ينتفع.
قال: (وإن لم يتأت لكونه لا يحسنه أو لا يليق به .. فله التوكيل) أي: على الأصح عملًا بالعرف؛ إذ المقصود الاستنابة.
وقيل: لا؛ لقصور اللفظ.
قال: (ولو كثر وعجز عن الإتيان بكله .. فالمذهب: أنه يوكل فيما زاد على الممكن)؛ لأن الضرورة تدعو إلى ذلك.
والثاني: لا يوكل في الممكن، وفي الزائد وجهان.
والثالث: إطلاق الوجهين، أما الممكن .. ففيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأنه لا ضرورة إليه، وحيث وكل في صورة سكوت الموكل ينبغي أن يوكل عن موكله، فلو وكل عن نفسه .. ففيه وجهان، قال المصنف: الأصح: أنه لا يجوز.
ولو وكله في تصرف يطيقه فعجز عنه لمرض أو سفر .. لم يكن له التوكيل فيه، وقال الجوري: ينبغي أن يأتي فيه الخلاف السابق فيما إذا كان التصرف لا يطيقه.
قال: (ولو أذن في التوكيل وقال: وكل عن نفسك، ففعل .. فالثاني وكيل الوكيل)؛ لأنه مقتضى الإذن.
فعلى هذا: ينعزل بعزل الوكيل الأول إياه، وبموت الأول وجنونه.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَانْعِزَالِهِ، وَإِنْ قَالَ: عَنِّي .. فَالثَّانِي وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ، وَكذَا لَوْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ.
قُلْتُ: وَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لاَ يَعْزِلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، وَلاَ يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ، وَحَيْثُ جَوَّزْنَا لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلَ .. يُشْتَرَطُ أَنْ يُوَكِّلَ أَمِينًا
وقيل: إنه وكيل الموكل، وكأنه قال: أقم غيرك مقامك، فلا ينعزل بعزل الأول له وانعزاله.
قال: (والأصح: أنه ينعزل بعزله وانعزاله) هذا من ثمرة كونه وكيل الوكيل.
وقيل: لا ينعزل إلا بعزل موكله وهو الوكيل.
قال: (وإن قال: عني .. فالثاني وكيل الموكل)؛ لأن الموكل أذن بهذا الشرط.
قال: (وكذا لو أطلق في الأصح)؛ لأنه تصرف تعاطاه بإذن الموكل فوجب أن يقع عنه.
والثاني: أنه وكيل الوكيل؛ لأن المقصود من الوكيل المعاونة وتسهيل الأمر، ولو وكله في تصرف وقال: افعل ما شئت .. لم يكن ذلك إذنًا في التوكيل في الأصح المنصوص، وكذا الحكم فيما لو قال: كل ما تصنعه جائز، وهل يتضمن ذلك الإذن بالبيع نسيئة أو بغير نقد البلد؟ لم أره مصرحًا به، والأقرب المنع.
قال: (قلت: وفي هاتين الصورتين) وهما إذا قال: عني أو أطلق (لا يعزل أحدهما الآخر، ولا ينعزل بانعزاله) أما الأولى .. فقطعًا، وأما الثانية .. فعلى الأصح؛ لأنه ليس وكيلًا عنه، ولو سكت المصنف عن هذا .. لعلم من التفريغ الذي قرره، ولكنه أراد زيادة إيضاح.
قال: (وحيث جوزنا للوكيل التوكيل .. يشترط أن يوكل أمينًا) رعاية لمصلحة الموكل.
وفي (البحر) في (كتاب الوصية) وجه: أنه يجوز أن يوكل فاسقًا، ولو وكل
إِلاَّ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُوَكِّلُ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَكَّلَ أَمِينًا فَفُسِّقَ .. لَمْ يَمْلِكِ الْوَكِيلُ عَزْلَهُ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
خائنًا .. لم ينعزل؛ لأنه قول لا أثر له إلا أن يسلم المال إليه ففيه الخلاف الآتي في انعزاله بالتعدي، وظاهر كلامه: عدم جواز توكيل الخائن وإن كان الموكل عين الثمن والمبيع منه؛ لأنها استنابه عن الغير وهو أحد احتمالي صاحب (المطلب).
قال: (إلا أن يعين الموكل غيره) فيتبع تعيينه.
والمراد: إلا أن يعين الموكل عن نفسه غير الأمين، أما إذا عين الولي ونحوه لوكيله غير الأمين .. فإنه لا يجوز للوكيل توكيله قطعًا، ولا توكيل غيره؛ لأنه لم يأذن فيه.
وظاهر كلامه: أنه لو قال: وكل من شئت لا يوكل غير الأمين؛ لأنه إنما استثنى المعين والتعميم.
ليس بتعيين، لكن قالوا في النكاح: إنها لو قالت: زوجني ممن شئت .. جاز تزويجها من الأكفاء وغيرهم على الصحيح، فقياسه ههنا: الجواز من الأمين وغيره، ويمكن الفرق بأن المقصود الأعظم من الأموال الحفظ وحسن التصرف، فإذا لم يكن الوكيل أهلًا .. كان تضييعًا محضًا، فتبعد إرادته، أو حمل الإطلاق عليه، بخلاف الكفاءة؛ فإنها صفة كمال، فقد يتسامح بتركها، وقد يكون غير الكفء أصلح لها من وجوه، وحينئذ فلا يصح الإلحاق.
قال: (ولو وكل أمينًا ففسق .. لم يملك الوكيل عزله في الأصح والله أعلم)؛ لأنه أذن له في التوكيل دون العزل.
والثاني: نعم؛ لأن الإذن في التوكيل يقتضي توكيل الأمناء، فإذا فسق .. لم يجز استعماله فيملك عزله ولم يصح الرافعي في المسألة شيئًا.
وقال في زوائد (الروضة): أقيسهما المنع، ثم يتعين أن يتصور ذلك بما إذا قال: وكل عني وبه صور في (الوسيط)، وفي معناه الإطلاق، وحينئذ فمنع العزل واضح؛ لأنه ليس وكيلًا له.
فَصْلٌ:
قَالَ: بِعْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، أوْ فِي زَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّن .. تَعَيَّنَ،
تتمة:
قال: بعه بكم شئت .. كان له البيع بالغبن الفاحش، ولا يجوز بالنسيئة ولا بغير نقد البلد.
ولو قال: بما شئت .. فله البيع بغير نقد البلد، ولا يجوز بالغبن ولا بالنسيئة؛ لأن (ما) للجنس.
ولو قال: كيف شئت .. فله البيع بالنسيئة، ولا يجوز بالغبن ولا بغير نقد البلد.
ولو قال: بعه بما عز وهان .. قال المتولي: هو كقوله: بكم شئت، وقال العبادي: له البيع بالعرض والغبن ولا يجوز بالنسيئة، قال الرافعي: وهو أولى.
قال: (
فصل
:
قال: بع لشخص معين، أو في زمن أو مكان معين .. تعين) هذا الفصل في الوكالة المقيدة، وما مضى في المطلقة، فإذا نص له على شخص أو زمان معين .. تعين قطعًا، وكذا في المكان إن ظهر غرض بأن كان الراغبون فهي أكثر أو النقد فيه أجود رعاية لغرض الموكل، حتى لو قال: أنفق هذه الدراهم على أهلي في رمضان فأنفقها عليهم في شوال .. ضمن.
وإذا نص له على شخص معين فباع من وكيله .. لم يصح، بخلاف قوله: زوجها من زيد، فزوجها من وكيله؛ لأنه لا يقبل النقل بخلاف البيع، هذا هو المنقول.
وقال في (المطلب): إن تقدم قبول الوكيل وصرح بالسفارة كاشتريت هذا منك لزيد فقال: بعتك .. صح، وإن تقدم الإيجاب ثم قبل الوكيل .. لم يصح صرح بالسفارة أم لا؛ لأن الإيجاب فاسد .. اهـ
وَفِي الْمَكَانِ وَجْهٌ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ
ولم أر من فرق بين أن يكون المعين ممن جرت عادته أن يبتاع ذلك الشيء بنفسه أم بوكيله، ولو قيل بذلك لم يبعد.
ومعى تعيين الزمان: أنه لا يجوز قبله ولا بعده، وذلك متفق عليه في البيع والعتق، وأما الطلاق .. فعن الداركي أنه يقع بعده لا قبله، قال المصنف: ولم أره لغيره، وفيه نظر.
قال الشيخ: والقياس طرده في العتق، فلو قال: بعه يوم الجمعة مثلًا فهل ينحصر في أول جمعة يستقبلها أو له بيعه في جمعة أخرى؟ فيه نظر.
قال شيخنا: والمتجه الأول، ومحل المنع ما إذا لم يقدر الثمن، فإن قدره بأن قال: بع في سوق كذا بمئة فباع بها في غيرها .. صح.
قال الشيخ: وهو ظاهر إذا جوزنا البيع بها مع راغب بأزيد، أما إذا منعنا وهو الأصح كما سيأتي .. فينبغي التعيين؛ للنص عليه، ولاحتمال زيادة فيه، فإن الشيء يقصد في سوقه وتثور فيه الرغبات كثيرًا، فلو باع الوكيل في المكان المعين ليلًا .. قال القاضي حسين: إن كان الراغبون فيه مثل النهار .. صح، وإلا .. فلا.
قال: (وفي المكان وجه): أنه لا يتعين، فيجوز في غيره (إذا لم يتعلق به غرض)؛ لأن المقصود إنما هو البيع، وهذا الوجه جزم به صاحب (التنبيه) وهو المنصوص واختاره الشيخ، وممن جزم به الغزالي والمتولي والروياني، ولم يصحح
وَإِنْ قَالَ: بِعْ بِمِئَةٍ .. لَمْ يَبِعْ بِأَقَلَّ، وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ
الرافعي في (الشرحين) شيئًا، ومحل هذا الوجه إذا لم ينهه عن غيره، فإن نهاه .. لم يصح جزمًا.
فإن قيل: لو قال للمودع: احفظه في هذا المكان، فنقله إلى مثله .. جاز ولم يضمن إن تلف فما الفرق؟ فالجواب: أن المقصود في الوديعة الحفظ، وهو حاصل فيهما، بخلاف البيع فإن المقصود منه كثرة الرغبات، وهي مختلفة باعتبار الأمكنة.
فرع:
قال: اشتر لي عبد فلان، وكان فلان قد باعه، فللوكيل شراؤه من المشتري، قاله القاضي حسين.
قال: (وإن قال: بع بمئة .. لم يبع بأقل) ولو بدانق؛ لأنه مخالف للإذن، بخلاف النقص عن ثمن المثل بما يتغابن به عرفًا فيما إذا أطلق فإنه يسمى ثمن مثل، ودون المئة لا يسمى مئة، وهل له البيع بمئة وهناك راغب بزيادة؟ وجهان في زوائد (الروضة) و (الشرح الصغير) أصحهما: المنع؛ لأنه مأمور بالاحتياط.
والشراء كالبيع في جميع ما ذكرناه، فإذا وكله في شراء عبد بمئة فاشتراه بأكثر .. لم يجز، سواء ساواها أم لا.
وعن ابن سريج: يصح للموكل بالقدر المأذون فيه، والوكيل ضامن للزيادة.
قال: (وله أن يزيد)؛ لأنه زيادة خير، ولأن المفهوم من ذلك عرفاً منع النقصان.
وقيل: لا يزيد؛ لأن المالك لم يرض بعهدة الزيادة، وربما كان له غرض من إبرار قسم ونحوه.
هذا كله إذا لم يعين المشتري، فإن عينه .. لم يزد قطعًا؛ لأنه ربما قصد إرفاقه، إلا إذا علم خلافه بالقرينة، ولو قال: اشتر عبد فلان بمئة فاشتراه بأقل منها .. صح.
إِلاَّ أَنْ يُصَرَّحَ بِالنَّهْيِ.
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ بِهّذَا الدِّينَارِ شَاةً وَوَصَفَهَا، فَاشْتَرَىَ بِهِ شَاتَيْنِ بِالصِّفَةِ، فَإِنْ لَمْ تُسَاوِ وَاحِدَةٌ دِينَارًا .. لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاء لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ سَاوَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ .. فَالأَظْهَرُ: الصِّحَّةُ وَحُصُولُ الْمِلْكِ فِيهِمَا لِلْمُوَكِّلِ
قال: (إلا أن يصرح بالنهي) فحينئذ تمتنع الزيادة لمنع المالك منها، ولو قال: بع بمئة ولا تبع بمئة وخمسين .. فله البيع بما فوق ودون المئة والخمسين.
فإن قيل: إذا قال له: خالع فلانة بكذا فلا أن يزيد .. فجوابه: أن الخلع غالبًا يقع عن شقاق، وهو قرينة دالة على إرادة عدم المحاباة.
قال: (ولو قال: اشتر بهذا الدينار شاة ووصفها، فاشترى به شاتين بالصفة، فإن لم تساو واحدة دينارًا .. لم يصح الشراء للموكل)؛ لأنه لم يحصل مقصوده، أما إذا لم يصفها .. فإن التوكيل لا يصح، والمعتبر في الوصف ما تقدم في التوكيل بشراء عبد وإن كان الأصح: أنه لا يشترط الوصف، لكنه لأجل امتثال الشرط.
قال: (وإن ساوته كل واحدة .. فالأظهر: الصحة وحصول الملك فيهما للموكل) سواء اشتراهما بعين الدينار أم في الذمة؛ لحديث عروة رضي الله عنه المتقدم في بيع الفضولي.
لَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِمُعَيَّنٍ فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ .. لَمْ يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ،
والثاني: لا تقع الشاتان معًا للموكل؛ لأنه لم يأذن إلا في شراء واحدة، ثم ينظر: فإن اشتراهما في الذمة .. فللموكل واحدة بنصف دينار والأخرى للوكيل ويرد على الموكل نصف دينار، وللموكل أن ينتزع الثانية منه ويقرر العقد فيهما؛ لأنه عقد العقد له.
وإن اشتراهما بعين الدينار فكأنه اشترى واحدة له بإذنه وأخرى بغير إذنه .. فيبطل العقد فيهما على المذهب.
وفي قول ثالث: إنهما يقعان للوكيل إذا وقع الشراء على الذمة.
وأهمل المصنف تبعًا للرافعي قسمًا ثالثًا وهو: أن تساوي واحدة منهما دينارًا والأخرى دونه، والأصح في زوائد (الروضة): أنهما كما لو ساوت كل واحدة منهما دينارًا، فالشرط أن تكون إحداهما فقط تساوي دينارًا.
ومقتضى عبارة (الحاوي الصغير): إلحاق هذه الصورة بما إذا نقصت كل واحدة عن الدينار.
قال: (ولو أمره بالشراء بمعين) أي: قال: اشتر بعينه، كما هو في (الروضة) و (أصلها) أما إذا قال: اشتر به أو بهذا .. ففي (الإفصاح) و (النهاية): أن مقتضاه الشراء بالعين، لكن كلام الرافعي فيما إذا قال: اشتر به أو بهذا الدينار شاة يقتضي التخيير بينه وبين الذمة، وعبارة (المحرر) تقتضيه أيضًا.
ولو سلم إليه ألفًا وقال: اشتر كذا ولم يقل: بعينه ولا في الذمة .. فوجهان:
أصحهما: التخيير.
والثاني: يتعين الشراء بالعين؛ لأن قرينة التسليم تشعر به.
قال: (فاشترى في الذمة .. لم يقع للموكل) في الأصح، بل يقع للوكيل وإن صرح بالسفارة في الأصح؛ لأنه أمره بعقد ينفسخ بتلف المدفوع، حتى لا يطالب الموكل بغيره، وقد خالفه الوكيل فأتى بعقد لا ينفسخ بالتلف ويقتضي مطالبة الموكل.
وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الأَصَحِّ.
وَمَتَى خَالَفَ الْمْوَكِّلَ فِي بَيْعِ مَالِهِ أَوِ الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ .. فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ.
وَلَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمِّةِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ .. وَقَعَ لِلْوَكِيلِ، وَإِنْ سَمَّاهُ فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ لِفُلاَنٍ .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ مُوَكِّلَكَ زَيْدًا، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ لَهُ .. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلاَنُهُ.
قال: (وكذا عكسه في الأصح) بأن قال: اشتر في الذمة وانقذه فيه فاشترى بعينه، فالأصح أنه لا يقع لواحد منهما؛ لأنه قد يقصد شراءه على وجه يسلم له وإن تلف الثمن.
والثاني: يصح للموكل؛ لأنه أقل غررًا، ولأنه زاد خيرًا حيث لم يلزم ذمته شيئًا.
قال: (ومتى خالف الموكل في بيع ماله أو الشراء بعينه .. فتصرفه باطل)؛ لأنه فعل غير المأذون فيه.
قال: (ولو اشترى في الذمة ولم يسم الموكل .. وقع للوكيل)؛ لأن الخطاب وقع معه.
قال: (وإن سماه فقال البائع: بعتك، فقال: اشتريت لفلان .. فكذا في الأصح) فيقع العقد للوكيل؛ لأن تسمية الموكل غير معتبرة في الشراء، فإذا سماه ولم يمكن صرف العقد إليه .. صار كأنه لم يسمه.
والثاني: لا يصح العقد؛ لأنه أضافه إلى الموكل وامتنع إيقاعه عنه فيلغو، وهما القولان في أنه إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم أو لا؟ ولهما فروع كثيرة هذا منها.
قال: (ولو قال: بعت موكلك زيدًا، فقال: اشتريت له .. فالمذهب: بطلانه)؛ لأن البائع لم يخاطب المشتري بالبيع، والمخاطبة بين المتعاقدين معتبرة؛ لأن الأحكام تتعلق بهما من الخيار وغيره، بخلاف النكاح فإنه يصبح من الولي ووكيل الزوج على هذه الصيغة، بل لا يصح إلا بها؛ لأن التزويج للموكل لا للوكيل، وقد تقدم أنه لو وكله في بيع عبده لزيد فباعه لوكيله .. لم يصح؛ لما ذكرناه.
وَيَدُ الْوكِيلِ يَدُ أَمَانَةٍ وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَإِنْ تَعَدَّى .. ضَمِنَ
وصيغة الخطاب المتفق على صحته في البيع أن يقول البائع: بعتك لموكلك، فيقول: اشتريت أو قبلت له، أو يقول الوكيل: اشتريت لموكلي فيقول: بعتك.
فروع:
الأول: لابد في وكيل المتهب من التصريح باسم الموكل، وإلا .. فيقع عنه لجريان الخطاب معه، ولا ينصرف بالنية إلى الموكل؛ لأن الواهب قد يقصد بتبرعه المخاطب خاصة، بخلاف الشراء فإن المقصود منه حصول العوض.
الثاني: قال: بعتك لنفسك، فإن كنت تشتريه للغير .. فلا أبيعه لك، فاشتراه للغير لم يصح بلا خلاف، فإن وجد هذا الشرط قبل العقد ثم قال: بعتك فقبل ونوى موكله .. صح على الأصح.
الثالث: قال الماوردي في (كتاب الأيمان): لو وكله في شراء الخبز، وعادته أكل البر فاشترى له خبز الأرز .. لم يقع للموكل، ولو حلف لا يأكل الخبز حنث بخبز الأرز؛ لأنه لا يعتبر في الأيمان عادة الحالف، وتعتبر في الوكالة عادة الموكل دون غيره، وهذا حسن تتقيد به إطلاقات كثيرة.
قال: (ويد الوكيل يد أمانة وإن كان بجعل)؛ لأنه نائب عن المالك فإذا تلف في يده بغير تفريط .. لم يضمن، كما لو تلف في يد المالك.
قال: (فإن تعدى .. ضمن) كسائر الأمناء، والتعدي يكون بالركوب واللبس والتفريط في الحفظ ونحو ذلك، وهل يضمن بتأخير بيع ما وكل في بيعه؟ وجهان: أظهرهما عند القاضي: لا يضمن؛ لأنه لا يجب عليه امتثال أمره.
وَلاَ يَنْعَزِلُ فِي الأَصَحِّ.
فرع:
في (فتاوى البغوي): لو دفع ثوبًا إلى دلال ليبيعه فضاع ولم يدر أنه سرق أو سقط منه أو نسيه في موضع أو سلمه للمشتري .. ضمنه؛ لأن الغفلة عن حفظ الأمانة حتى تضيع مضمن، وكذلك لو وضعه في موضع فنسيه، وإنما لم يجب الضمان إذا وقع الخسران لا من جهته.
قال: (ولا ينعزل في الأصح)؛ لأن الوكالة إذن في التصرف، والأمانة حكم مترتب عليها، ولا يلزم من ارتفاع هذا الحكم بطلان أصل العقد، بخلاف الوديعة فإنها ائتمان محض فيزول بالتعدي.
والثاني: ينعزل؛ لأنها أمانة ترتفع بالتعدي كالوديعة، فعلى الأولى: يصح تصرفه.
ولو باع وسلم الثمن .. زال الضمان، فلو رد عليه بعيب .. قال المتولي: عاد الضمان.
ومحل الوجهين: إذا تعدى بالفعل، كما إذا باع بغبن فاحش وسلم المبيع، فإن لم يسلم .. لم ينعزل جزمًا؛ لأنه لم يتعد فيما وكل فيه، قاله في (البحر).
وَإَحْكَامُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دْنَ الْمُوَكِّلِ، فَتُعْتَبَرُ فِي الرُّؤْيَةِ، وَلُزُومِ الْعَقْدِ بِمُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ وَالتَّقَابُضِ فِيهِ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ الْوَكِيلُ دُونَ الْمُوَكِّلِ.
وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ .. طَالَبَهُ الْبَائِعُ بِالَّمَنِ إِنْ كَانَ دَفَعَهُ إِلَيهِ الْمُوَكِّلُ، وَإِلاَّ .. فَلاَ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنَاً، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ .. طَالَبَهُ إِنْ أَنْكَرَ وَكَالَتَهُ أَوْ قَالَ: لاَ أَعْلَمُهَا، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا .. طَالَبَهُ أَيْضًا فِي الأَصَحِّ كَمَا يُطَالِبُ الْمُوَكِّلَ،
قال: (وأحكام العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل، فيعتبر في الرؤية، ولزوم العقد بمفارقة المجلس والتقابض فيه، حيث يشترط الوكيل دون الموكل)؛ لأنه العاقد الحقيقي، لو أجازه الموكل .. فللوكيل الفسخ، وكذا خيار الرؤية إن جوزنا بيع الغائب، بخلاف الرد بالعيب، ومتى طالب الموكل الوكيل برد ماله .. لزمه أن يخلي بيه وبينه، فإن امتنع .. صار ضامنًا كالمودع.
والمراد: أنه إذا امتنع بلا عذر، أما لو أخر بعذر .. فلا ضمان، والعذر هنا كعذر الرد بالعيب وأزيد من ذلك.
قال: (وإذا اشترى الوكيل .. طالبه البائع بالثمن إن كان دفعه إليه الموكل) سواء اشترى بعينه أم في الذمة؛ لتعلق أحكام العقد به وقضاء العرف بذلك، وهذا هو الفارق بين جزم المصنف هنا بالتسليم وحكايته الخلاف في وكيل البائع هل يسلم المبيع ويقبض الثمن أو لا؟
قال: (وإلا .. فلا إن كان الثمن معينًا)؛ لأنه ليس في يده.
قال: (وإن كان في الذمة .. طالبه إن أنكر وكالته)؛ لأن العقد وقع معه، فالظاهر أنه يشتري لنفسه.
قال: (أو قال: لا أعلمها) فكذلك الحكم، وهذه ليست في (المحرر)، لكنها في (الروضة).
قال: (وإن اعترف بها .. طالبه أيضًا في الأصح كما يطالب الموكل)؛ لأن العقد
وَيَكُونُ الْوَكِيلُ كَضَامنٍ وَالْمُوَكِّلُ كَأَصِيلٍ.
وَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ وَخَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقّاً .. رَجَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي وَإِنِ اعْتَرَفَ بِوَكَالَتِهِ فِي الأَصَحِّ،
للموكل، والوكيل قابل، فخيرنا البائع في مطالبة من شاء منهما.
والثاني: أن المطالب الموكل لا غير؛ لأن الوكيل سفير.
والثالث: المطالب الوكيل لا غير؛ لأن أحكام العقد تتعلق به، والعهدة من جملة الأحكام.
قال: (ويكون الوكيل كضامن) أي: في المطالبة والرجوع وغيرهما.
قال: (والموكل كأصيل) فيتعلق به ما يتعلق به، وملخص ما قاله المصنف هنا وفي (الروضة) تبعًا (للشرحين) أن البائع لا يطالب الموكل إذا كان قد سلم الثمن إلى الوكيل، وليس كذلك، بل في المسألة طريقان:
أحدهما: القطع بمطالبته.
وأقيسهما: وجهان أصحهما: أن له ذلك أيضًا، كما ذكره الرافعي في معاملات العبيد.
فرع:
الوكيل إذا اشترى شراء فاسدًا وقبض المبيع وتلف في يده أو في يد الموكل .. فللمالك مطالبه بضمانه، وهو يرجع على الموكل.
قال: (وإذا قبض الوكيل بالبيع الثمن وتلف في يده وخرج المبيع مستحقًا .. رجع عليه المشتري وإن اعترف بوكالته في الأصح)؛ لحصول التلف عنده.
والثاني: يرجع به على الموكل؛ لأنه سفيره ويده كيده، ونسبه القاضي إلى عامة الأصحاب.
والثالث: يرجع به على من شاء منهما للمعنيين، وهذه الأوجه هي الأوجه السابقة.
ثُمَّ يَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
قُلْتُ: وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
قال: (ثم يرجع الوكيل على الموكل) أي: بعد الغرم؛ لأنه غره.
قال: (قلت: وللمشتري الرجوع على الموكل ابتداء في الأصح والله أعلم)؛ لأن الوكيل مأمور من جهته ويده كيده، وصوره الشيخ بما إذا قبض الثمن بإذن صريح، أو بمقتضى الإذن في البيع إن جوزناه، فإن قبضه بغير إذن وقلنا: ليس له قبضه .. فلا رجوع على الموكل؛ إذ لم يصل إلى يده ولا أذن فيه.
والوجه الثاني: لا رجوع له عليه؛ لتلفه في يد الوكيل.
وجزم المصنف في نظيره من الرهن بتخيير المشتري بين رجوعه على العدل وبين رجوعه على الراهن والقرار عليه، وإذا قلنا بالتخيير .. فقرار الضمان على الموكل، والخلاف جميعه يأتي في وكيل المشتري إذا تلف المبيع في يده، ثم ظهر استحقاقه وله مطالبة البائع قطعًا؛ لأنه غاصب ومن يده خرج المبيع.
فرع:
قال الماوردي: أبو الطفل وولي اليتيم إذا لم يذكرا في العقد اسم الطفل .. ضمنا الثمن، ولا يضمنه الطفل في ذمته ولا ينقدان ذلك من ماله، وإن ذكراه في العقد .. لم يلزمهما ضمان الثمن، بخلاف الوكيل في أحد الوجهين؛ لأن شراءهما لازم للمولى عليه بغير إذنه فلم يلزم الولي ضمانه، بخلاف الوكيل.
تتمة:
أرسل رسولاً يستقرض له فهو كوكيل المشتري، والظاهر: أنه يطالبه، ثم إذا غرم .. رجع على الموكل، قاله الرافعي ووافقه الشيخ.
وقال ابن الرفعة: إن صرح بالسفارة .. لم يطالب، والمطالب الموكل، وإن لم