النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 7-46
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هو فِعال من النُّكح بضم النون وسكون الكاف، وهو بضع المرأة، يقال: نكحها؛ أي: أصاب نكحها.
وأصله في اللغة: الضم والاجتماع، ومنه: تناكحت الأشجار .. إذا تمايلت وتعانقت، وأطلق على الوطء؛ لإفضائه إلى الضم، والعرب تستعمله بمعنى الوطء والعقد جميعا، لكنهم إذا قالوا، نكح فلان فلانة أو بنت فلان أو أمته أو أخته.
أرادوا: تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح زوجته أو أمته .. لم يريدوا إلا المجامعة.
قال الثعالبي: وله مئة اسم، وقال ابن القطان: ألف اسم، ولأصحابنا في موضوعه الشرعي ثلاثة أوجه: أصحها: انه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وبهذا قال أحمد، وهو أقرب إلى الشرع؛ لأن أكثر ما ورد في القرآن بمعنى العقد، وفي (الترمذي)] 1089 [: (أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد).
والثاني: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وإليه ذهب أبو حنيفة، وهو أقرب إلى اللغة.
والثالث: حقيقة فيهما بالاشتراك كالعين، وإنما ينصرف لأحدهما بقرينة.
ويظهر أثر الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في: أن الوطء بالزنا هل يحرم ما حرمه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النكاح أو لا؟ عندنا: لا يحرمه، وعنده: يحرمه، وإذا علق الطلاق على النكاح عندنا يحمل على العقد؛ لأنه الحقيقة لا الوطء إلا إذا نوى، حكاه الرافعي في آخر (الطلاق) عن البوشنجي.
والأصح في الأصول والضوابط: انه من العقود اللازمة، وقال في (المطلب): إنه المذهب، والذي يظهر أن لزومه من جهة المرأة، وفي الزوج وجهان؛ لقدرته على الطلاق، وهل هو عقد حل أو تمليك؟ وجهان بنى عليهما المتولي ما لو حلف أنه لا ملك له وله زوجة، والمختار في زوائد (الروضة) منها: عدم الحنث إذا لم يكن له نية؛ لأنه لا تفهم منه الزوجية.
والأصل في مشروعيته قبل الإجماع من الكتاب قوله تعالى:} فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ ﴿، وقوله:﴾ وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ ﴿، وقوله:﴾ ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً {الآيات.
ومن السنة أحاديث: منها قوله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم] 1467 [، وقوله صلى الله عليه وسلم: تناكحوا تكثروا) رواه الشافعي بلاغا] أم 5/ 144 [. وفي (سنن النسائي)] سك 8863 [و (البيهقي (] 7/ 78 [و (المستدرك (] 2/ 160 [قوله - صلى الله عليه وسلم -: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء)، وفيه في (كتاب الزهد) لأحمد: (إني أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن).
وقال صلى الله عليه وسلم: (من تزوج .. فقد أحرز ثلثي دينه، فليتق الله في الثلث الباقي) كذا في (الوسيط)، وفي (الإحياء): (فقد أحرز شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني) وكلا اللفظين ليس بثابت، لكن صحح الحاكم] 2/ 161 [: من رزقه الله امرأة صالحة .. فقد أعانه على شطر دينه).
فالفرج واللسان لما استويا في إفساد الدين جعل كلا شطرا، ومن روى: (للفرج هُوَ مُسْتَحَبٌ لِمُحْتَاج إِلَيْهِ يَجِدُ ُأهْبَتَهُ،  الثلثين) ... فلأن مفسدته أعظم؛ لأنها تسري إلى غيره، إذ لا يمكن الطاعة به والمعصية إلا باجتماع فرج آخر، بخلاف اللسان، فلذلك قوبل بالثلثين؛ لاحتياجه إلى غيره، بخلاف اللسان.
وروى أحمد] 5/ 163 [وابن أبي شيبة وابن عبد البر عن عكاف بن وداعة أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (ألك زوجة يا عكاف؟) قال: لا، قال: (ولا جارية؟) قال: لا، قال: (وأنت صحيح موسر؟) قال: نعم والحمد لله، قال: (فأنت إذن من إخوان الشياطين، إن كنت من رهبان النصارى .. فالحق بهم، وإن كنت منا .. فاصنع كما نصنع؛ فإن من سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل موتاكم عزابكم، ويحك يا عكاف .. تزوج) فقال عكاف: يا رسول الله؛ لا أتزوج حتى تزوجني من شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: (زوجتك على اسم الله والبركة كريمة بنت كلثوم الحميري).
قال: (هو مستحب)؛ لما روى أبو يعلي الموصلي] 2748 [عن ابن عباس بإسناد حسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (النكاح سنتي، فمن أحب فطرتي .. فليستن بسنتي).
وروى أبو منصور الديلمي عن أبي سعيد، والداري والبغوي، وأبو داوود في (المراسيل): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك التزويج مخافة العيلة .. فليس منا).
قال: (لمحتاج إليه يجد أهبته)؛ تحصينا لدينه وفرجه، وغضا لبصره، ولما فيه من بقاء النسل وحفظ النسب، والاستعانة على المصالح.
وفي (الصحيحين)] خ 5065 - 1400م [: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة .. فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع ... فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).
و (الباءة) بالمد: مؤن النكاح، وبالقصر: نفس النكاح.
و (الوجاء): قطع الشهوة.

فَإِنْ فَقَدَهَا .. اُسْتُحِبَّ تَرْكُهُ، وَيَكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ  والمراد ب (المحتاج إليه): الذي تتوق نفسه إليه وإن كان خصيا كما سيأتي عن (الإحياء)؛ فإنه استحبه للعنين ونحوه.
و (الأهبة): مؤن النكاح، وأهبة الحرب: عدته، وسواء كان الواجد للأهبة متعبدا أم لا.
ووجه عدم الوجوب قوله تعالى:} فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴿علقه بالاستطابة، والواجب ليس كذلك، لكن يستحب أن لا يزيد على امرأة واحدة، إلا أن يحتاج إلى أكثر منها .. فيستحب ما يحتاج إليه؛ ليتحصن به.
قال: (فإن فقدها .. استحب تركه)؛ لقوله تعالى:﴾ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله {. وفي (صحيح مسلم)] 2742 [: (اتقوا الله واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، وليس المراد تركهن، إنما المراد: التقوى فيهن؛ فإنهن مما لا بد منه.
وعبارة المصنف هنا وفي (التصحيح) تقتضي: أن الترك مطلوب، والحديث اقتضى عدم طلب الفعل وهو أعم من طلب الترك، ولا يلزم من الأعم الأخص، وعبارة (المحرر) و (الشرح): (الأولى أن لا ينكح) فلو قال المصنف: فإن فقدها لم يستحب .. كان أحسن، لكنه قال في (شرح مسلم): (يكره له) وهي أبلغ من طلب الترك.
قال: (ويكسر شهوته بالصوم)؛ للحديث المذكور، والأمر فيه بالصوم للإرشاد، ولأن فيه التزام مؤن وكلف لا يستطيعها، والله تعالى ما جعل علينا في الدين من حرج.
وخص الصوم بالذكر؛ ليخرج الكافور وقد صرح الأصحاب بالمنع منه، لكن قال الخطابي والروياني والبغوي في (شرح السنة): إنه يؤخذ من الحديث جواز المعالجة لقطع الباه بالأدوية، فإن لم ينقطع توقانه بالصوم لشدة غلمته .. تزوج.

فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ ... كُرِهَ إِنْ فَقَدَ الأُهْبَةَ، وَإِلاَّ .. فَلَا، لَكِنِ الْعِباَدَةُ أَفْضَلُ  قال: (فإن لم يحتج ... كره إن فقد الأهبة)؛ لقوله تعالى:} وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ﴿، ولأنه يلتزم به ما لا يقدر على القيام بمقتضاه من غير ضرورة، وعليه حمل ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: (خيركم بعد المئتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد) رواه أبو يعلى والخطابي في (كتاب العزلة).
وعدم الحاجة: إما لعدم توقان نفسه، وإما لمرض أو عجز أو غير ذلك.
قال: (وإلا ... فلا) أي: إذا لم يفقد غير المحتاج الأهبة .. لم يكره؛ لقدرته عليه، ومقاصد النكاح لا تنحصر في الجماع.
قال: (لكن العبادة أفضل)؛ اهتماما بها، قال الشافعي رضي الله عنه وذكر الله تعالى عبدا أكرمه فقال:﴾ وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين {و (الحصور): الذي لا يأتي النساء، ولم يندبه إلى النكاح، وهذه مسألة خلاف بيننا وبين الحنفية، فعنده النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ لأنه يراه من العبادات لما فيه من تكثير النسل، وعندنا وجه مثله.
ومذهبنا: أن التخلي للنوافل أفضل؛ لأنه عندنا من المباحات، والعبادة عارضة له بالقصد بدليل صحته من الكافر.
وفي (فتاوي المصنف): إن قصد به طاعة من ولد صالح أو الإعفاف .. فهو من عمل الآخرة ويثاب عليه، وإلا .. فهو مباح، ويؤيده قول الماوردي في (كتاب النذر): ولو نذر التزوج فإن قصد به غض الطرف وتحصين الفرج .. كان قربة، وإن

قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ .. فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ الأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائمٍ أَو تَعْنِينٍ .. كُرِهَ، وَاللهُ أَعْلَمُ  أراد التلذذ والاستمتاع .. كان مباحا ولم يلزم قطعا.
وكان ينبغي للمصنف أن يقابل الاستمتاع بالتخلي للعبادة لا بالعبادة نفسها، هذا في حق الأمة، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فكان في حقه من العبادات قطعا؛ لنقل الشريعة التي لا يطلع عليها إلا النساء، ولإظهار محاسنه الباطنة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم مكمل الظاهر والباطن.
وفسر الماوردي التخلي للعبادة بالاشتغال بالعلم.
قال: (قلت: فإن لم يتعبد .. فالنكاح أفضل في الأصح)؛ لأن البطالة قد تفضي إلى الفواحش.
والثاني: تركه أفضل؛ لما فيه من الخطر بالقيام بواجباته.
ولنا وجه في الأصل: أنه إن خاف الزنا .. وجب عليه النكاح، قال المصنف: أو التسري، ووجه أنه فرض كفاية، وسيأتي في (السير) بيان معناه.
وأوجب داوود العقد فقط مرة في العمر.
قال: (فإن وجد الأهبة وبه علة كهرم أو مرض دائم أو تعنين .. كره والله أعلم)؛ لما فيه من التزام الخطر وعدم القدرة على الوطء فلا تحصل به فائدة من إقامة سنة النكاح، كذا جزما به، وفيه نظر؛ لأنه لم يرد فيه نهي يخصه، وعموم أدلة الترغيب تشمله.
وجزم في (الإحياء) باستحبابه للعنين؛ فإن نهضات الشهوة قوية، قال: والمسموح لا ينقطع الاستحباب في حقه، بل يؤمر به كما يؤمر الأصلع بإمرار الموسى على رأسه، قال: ومن اجتمع له فوائد النكاح من النسل والتحصين وغيرهما وانتفت عنه آفاته من تخليط في الكسب وتقصير في حقهن .. استحب له، وعكسه العزوبة له أفضل، فإن اجتمعا .. اجتهد وعمل بالأحوط.

وَتُسْتَحَبُّ دَيِّنَهُ بِكِرٌ  تذنيب: قال الزنجاني في (شرح الوجيز): سكت الأصحاب عن حكم النساء، ويغلب على الظن أن النكاح لهن أولى مطلقا؛ لأنهن يحتجن إلى القيام بأمورهن والستر عن الرجال ولا يجب عليهن المهر والنفقة.
وقال في (التنبيه): ومن جاز لها النكاح من النساء، فإن كانت لا تحتاج إليه ... كره، وإن احتاجت إليه .. استحب، ولم يقيد الجمهور تبعا ل (المختصر) الاستحباب لهما بجواز تصرفهما، وقيده في (التنبيه) تبعا للإمام؛ ليخرج غيره، فالكراهة له عند عدم الحاجة ظاهرة، بل لا يجوز؛ لأن الولي إنما يتصرف له بالمصلحة.
قال: (وتستحب دينة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) متفق عليه] خ 5090 - م 1466 [. قال الرافعي في (الأمالي): المراد ههنا ب (الدين) الطاعات والأعمال الصالحات والعفة عن المحرمات، وهذا مراد الفقهاء بقولهم: إن الدين من خصال الكفاءة.
ومعنى (تربت): استغنت إن فعلت، أو افتقرت إن لم تفعل.
قال (بكر)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لجابر: (هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك) متفق عليه من روايته، وهذا إذا لم يكن عذر، وفي الحديث: (عليكم بالأبكار؛ فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاما، وأرضى باليسير) رواه ابن ماجه] 1861 [. ومعنى (أطيب أفواها): ألين كلمة، و (أنتق أرحاما): أكثر أولادا.

نَسِيبَةٌ  فائدتان: الأولى: قال في (الإحياء): كما يستحب نكاح البكر يستحب أن لا يزوج ابنته إلا من بكر لم يتزوج قط؛ لأن النفوس جبلت على الإيناس بأول مألوف، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خديجة: (إنها أول نسائي).
ولذلك زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب أكبر بناته بابن خالتها أبي العاص بن الربيع، واسمه لقيط بن عبد العزى وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة، ولم يكن تزوج قبلها غيرها، وقال عنه صلى الله عليه وسلم: (حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي).
وزوج فاطمة بابن عم أبيها علي ولم يكن تزوج قبلها غيرها.
وزوج رقية عتبة بن أبي لهب لوم يكن تزوج غيرها، ثم فارقها قبل الدخول لما أنزل الله تعالى:} تبت يدا أبي لهب وتب { ، ثم تزوجها عثمان ولم يكن تزوج قبلها غيرها، فلما ماتت زوجه النبي صلى الله عليه وسلم أم كلثوم؛ ليبين للناس حل تزوج الأختين.
الثانية: روى أبو نعيم عن شجاع بن الوليد قال: كان فيمن كان قبلكم رجل حلف لا يتزوج امرأة حتى يستشير مئة نفس، وأنه استشار تسعة وتسعين رجلا فاختلفوا عليه، فقال: بقي واحد وهو أول من يطلع من هذا الفج فآخذ بقوله ولا أعدوه، فبينا هو كذلك ... إذ طلع عليه رجل يركب قصبة فأخبره بقصته فقال له: النساء ثلاثة: واحدة لك وواحدة عليك وواحدة لا لك ولا عليك، فالبكر لك، وذات الولد عليك، والثيب لا لك ولا عليك، ثم قال: أطلق الجواد، فقال له: أخبرني بقصتك، فقال: أنا رجل من علماء بني إسرائيل، مات قاضينا فركبت هذه القصبة وتبالهت؛ لأخلص من القضاء.
قال: (نسيبة) فتكره بنت الفاسق ومن لا يعرف لها أب؛ لقوله صلى الله عليه

لَيْسَتْ قَرَابَةٌ قَرِيبَةً  وسلك: (تخيروا لنطفكم) رواه ابن ماجه] 1968 [والبيهقي] 7/ 133 [، وصححه الحاكم] 2/ 163 [. وروى الواقدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم وخضراء الدمن).
قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: (المرأة الحسناء في المنبت السوء).
وقال أكثم بن صيفي: المناكح الكريمة مدارج الشرف.
وقال ابن عبد البر: ينبغي أن تكون من بيت معروف بالدين والقناعة.
قال: (ليست قرابة قريبة)؛ لأن مقصود النكاح اتصال القبائل لأجل التعاضد والمعاونة واجتماع الكلمة، وهو مفقود في نكاح القريبة، واستدل الرافعي له تبعا (للوسيط) بقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تنكحوا القرابة القريبة؛ فإن الولد يخلق ضاويا) أي: نحيفا، وذلك لضعف الشهوة غير أنه يجئ كريما على طبع قومه، والحديث المذكور قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلا معتمدا.
قال الشيخ: فينبغي أن لا يثبت هذا الحكم؛ لعدم الدليل، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم عليا فاطمة رضي الله عنهما، وأنشد الزمخشري في (الفائق) على ذلك] من الطويل [: فتى لم تلده بنت عم قريبة .... فيضوى وقد يضوى رديد القرائب.
وأنشدني له بعض فقهاء اليمن في سنة ستين وسبع مئة] من الخفيف [: إن أردت الإنجاب فانكح غريبا .... وإلى بعض الأقربين لا تتوصل.
فانتقاء الثمار طيبا وحسنا .... ثمر غصنه غريب موصل.
فجملة الأوصاف التي ذكرها المصنف أربعة وبقي منها:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أن تكون حسنة؛ لما روى الحاكم] 2/ 161 [عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير النساء من تسر إذا نظرت، وتطيع إذا أمرت، ولا تخالف في نفسها ومالها).
قال الماوردي: لكنهم كرهوا ذات الجمال البارع؛ فإنها تزهو بجمالها، أو كما قال بعض الأعراب] من البسيط [: ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا .... إلا وجدت به آثار منتجع وأن لا يكون لها ولد من غيره إلا لمصلحة، كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة ومعها ولد أبي سلمة للمصلحة.
وأن تكون وافرة العقل.
وأن لا يكون لها مطلق يرغب فيها ويخشى من الفتنة.
وأن لا تكون شقراء ذكره صاحب (الترغيب) أبو المفاخر سعيد بن أسعد من متأخري المراوزة في المئة السادسة، وقد أمر الشافعي رضي الله عنه الربيع أن يرد الغلام الأشقر الذي اشتراه له وقال: ما لقيت من أشقر خيرا، ذكره الآبري في (مناقبه) وقصته مع الأشقر الذي أضافه في عوده من اليمن مشهورة.
ويستحب أن تكون ولودا، ذات خلق حسن، وأن تكون خفيفة المهر؛ لما روى الحاكم] 2/ 178 [عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا).
وقال عروة: أول شؤم المرأة أن يكثر صداقها.
ويستحب أن تكون بالغة، نص عليه، إلا أن تدعو إلى ذلك مصلحة أو حاجة كتزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة.
ويستحب العقد في شوال، قال في (الأحياء): وكذلك يستحب له الدخول

وَإِذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا .. سُنَّ نَظَرُةُ إِلَيْهَا قَبْلَ الخِطْبَةِ وَإِنْ لَمْ تَاذَنْ،  فيه، وأن يكون العقد في المسجد، وأن يكون أول النهار؛ لحديث: (اللهم؛ بارك لأمتي في بكورها).
قال: (وإذا قصد نكاحها .. سن نظره إليها قبل الخطبة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأة: (انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) حسنه الترمذي] 1087 [وصححه الحاكم] 2/ 165 [. قيل معنى (يؤدم): يدوم، فقدم الواو على الدال.
وقيل: هو من الأدم؛ فإن الطعام لا يطيب إلا به، حكى الماوردي الأول عن المحدثين والثاني عن اللغويين.
وفي (سنن أبي داوود)] 2075 [و (ابن حبان)] 4042 [عن محمد بن مسلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ألقى الله في قلب رجل خطبة امرأة ... فلا بأس أن ينظر إليها) واستدل له البخاري] 2438 [بقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: (رأيتك في المنام في سرقة من حرير).
وقيل: هذا الأمر مباح؛ لأنه أمر بعد الحظر وهو للإباحة، ومال إليه ابن الصلاح، وتؤيده رواية أبي داوود: (لا بأس أن ينظر إليها).
وقال داوود: هذا النظر واجب؛ لأن الأمر بعد الحظر عنده للوجوب.
وقيل: لا يحل له أن ينظر إلا حين تحرم الخطبة على خطبته بالركون إليه أو إجابته، وقيده الشيخ عز الدين بمن يرجو رجاء مؤكدا أن يجاب.
قال: (وإن لم تأذن)؛ اكتفاء بإذن الشارع خلافا لمالك.

وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ، وَلَا يَنْظُرُ غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ  لنا: ما روى البزار] 3714 [والطبراني] طس 915 [وأحمد] 5/ 424 [: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حرج أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها وإن كانت لا تعلم).
ولأنها إذا علمت .. ربما تصنعت وتجملت بما ليس فيها، ففيه نوع غرور.
قال: (وله تكرير نظره) إليها؛ ليتبين هيئتها، ولئلا يندم بعد النكاح، وإنما يكرر النظر حيث احتاج إليه، والظاهر أن ذلك مقيد بثلاث؛ لأن بها تندفع الحاجة، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: (أريتك في ثلاث ليال) وسواء خشي الفتنة من ذلك أم لا كما قاله الروياني والإمام.
وقال الجويني في (مختصره) والغزالي في (الخلاصة): لا يتأمل عند خوف الفتنة.
قال: (ولا ينظر غير الوجه والكفين)؛ لأن غيرهما عورة، ولأنها المواضع التي تظهر من الزينة المشار إليها بقوله تعالى:} ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها {، وعلله الماوردي بأن في الوجه ما يستدل به على الجمال، وفي اليدين ما يستدل به على خصب البدن ونعومته.
ويعم بالنظر ظاهر الكفين وباطنهما، وقيل: ومفصل اليدين.
وقيل: إنما ينظر الوجه فقط، وهو الذي يفهمه كلام (الوجيز)، ولم يقمه الرافعي وجها، بل أوله وليس كذلك، بل هو مقتضى كلام جماعة من العراقيين.
وقيل: ينظر ما ينظره الرجل من الرجل، ولا يجوز أن ينظر إليها حاسرة بإذنها ولا بغيره.
ويستحب للمرأة أيضا أن تراه إذا أرادت نكاحه؛ لأنها يعجبها منه ما يعجبه منها.
وجوز أبو حنيفة ومالك النظر إلى الوجه والكفين والقدمين.
وقال الأوزاعي: ينظر منها المواضع التي هي سبب رغبته فيها.
وقال داوود: ينظر جميع البدن إلا الفرج؛ لإطلاق الأحاديث.

وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبيرةٍ أَجْنَبِيةٍ، وَكَذَا وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ، وَكَذَا عِنْدَ الأَمْنِ عَلَى الصًحِيحِ،  وإذا كانت المخطوبة أمة .. قال ابن الرفعة: مفهوم كلامهم أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.
وإذا تعذر النظر عليه .. ينبغي أن يبعث امرأة تنظرها وتصفها له، وهو مستثنى من النهي عن ذلك للحاجة.
قال: (ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة كبيرة أجنبية) هذا لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى:} قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم {. والمراد ب (العورة) ههنا: عورة الصلاة، وهو ما عدا الوجه والكفين، ولا فرق في ذلك بين العنين والخصي والمجبوب وغيرهم.
قال: (وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة) بالإجماع، وقيل: إنما ينظر باطن الكف فقط.
وليس المراد ب (الفتنة) المخوفة الجماع، بل ما يدعو إليه، أو إلى ما دونه من خلوة ونحوها مما يشق احتماله.
قال: (وكذا عند الأمن على الصحيح)؛ لأن النظر إليهن مظنة الفتنة، وأجمع المسلمون على منعهن من أن يخرجن سافرات الوجوه، واللائق بمحاسن الشريعة الإعراض عن مواضع التهم.
والثاني: لا يحرم ولكن يكره، واختاره الشيخ أبو حامد، وهو المنقول عن أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمين، ولعل من هذا دخول سفيان على رابعة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد نقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن المرأة لا يلزمها ستر وجهها في طريقها، بل يندب، وعلى الرجل غض البصر للآية.
واعترض على المصنف في تعبيره ب (الصحيح)؛ فإن الذي في (المحرر): أنه أولى الوجهين، ومراده أولى من حيث أن فيه حما للباب، لا أنه الصحيح في المذهب.
وظاهر عبارة الكتاب و (الروضة) و (أصليهما): أن وجهها وكفيها غير عورة، بل ملحق بها في تحريم النظر، وهو محتمل، ويحتمل أن يكون ذلك عورة في النظر لا في الصلاة.
وقال الماوردي: عورتها مع غير الزوج كبرى وصغرى، فالكبرى: ما عدا الوجه والكفين، والصغرى: ما بين السرة والركبة، فيجب ستر الكبرى في الصلاة والصغرى عن النساء وعن رجال المحارم.
وشملت عبارة المصنف: الشابة والعجوز وهو كذلك، فما من ساقطة .. إلا ولها لاقطة، ولهذا ينتقض الوضوء بلمسها.
وبنى الماوردي في (الشهادات) الخلاف على اختلاف العلماء في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتبع النظرة النظرة) قيل: لا تتبع نظر عينك نظر قلبك.
فعلى هذا: لا يأثم بالنظر بغير شهوة ويبقى على عدالته، وهو قول جمهور المتقدمين.
وقيل: لا تتبع النظرة الأولى التي وقعت اتفاقا نظرة أخرى عمدا، فعلى متعمد النظر إثم يخرج به عن العدالة.

وَلَا يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمِهِ بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ  فروع: ما لا يجوز النظر إليه وهو متصل كالذكر وساعد الحرة وشعرها وظفرها وشعر العانة .. في تحريم النظر إليه بعد الانفصال وجهان: أحدهما: لا؛ لأن النظر إليه بعد الانفصال لا يخاف منه فتنة.
وأصحهما: استمرار التحريم، وبه أجاب أبو علي الشبوي، ومفتي مرو، وفيما يحكى: أن أبا عبد الله الخضري سئل عن النظر إلى قلامة ظفر المرأة، فأطرق الشيخ متفكرا، وكانت تحته بنت أبي علي فقالت: سمعت أبي يقول: إن كانت قلامة يدها فله النظر إليها وإن كانت قلامة الرجل فلا.
قال الرافعي: والتفصيل مبني على أن يدها ليست بعورة.
وقال القاضي حسين: دم الفصد والحجامة من المرأة عورة.
وفي (طبقات العبادي) عن بعض الأصحاب: أن المرأة إذا وصلت شعرها بشعر حرة .. يجب ستره، أو بشعر أمة ... فلا.
وفي (فتاوي البغوي): لو أبين شعر الأمة أو ظفرها ثم عتقت .. ينبغي أن يجوز النظر إليه؛ لأنه حين الانفصال لم يكن عورة، والعتق لا يتعدى إلى المنفصل.
وصوتها ليس بعورة على الأصح، لكن يحرم الإصغاء إليه عند خوف الفتنة، وإذا قرع بابها فينبغي أن لا تجيب بصوت رخيم، بل تغلظ صوتها بأن تجعل ظهر كفها بفيها وتجيب كذلك، وقال القاضي: إن كان لها نغمة .. فهو عورة يحرم على الرجال استماعه، وهذا يوافق ما نقله صاحب (عوارف المعارف) عن أصحابنا عن اتفاقهم على تحريم سماع الغناء من الأجنبية.
قال: (ولا ينظر من محرمه بين سرة وركبة) بالاتفاق، وهذا يعم المحرم من النسب والرضاع والمصاهرة.
وقيل: لا ينظر بالمصاهرة والرضاع إلا إلى البادي في المهنة.
و (المحرم) هنا: من حرمت مؤبدا بسبب مباح لحرمتها كما تقدم في (نواقض الوضوء).

وَيَحِلُّ مَا سِوَاهُ، وَقِيلَ: مَا يَبْدُو فِي الْمَهْنَةِ فَقَطْ.
وَالأَصَحُّ: حَلُّ النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ إِلَى الْأَمَةِ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ َوركْبَةٍ،  قال: (ويحل ما سواه) أي: ما سوى المذكور؛ لقوله تعالى:} ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ءابائهن {الآية، ولأن المحرمية معنى يوجب حرمة المناكحة أبدا فيكونا كالرجلين أو المرأتين.
قال: (وقيل: ما يبدو في المهنة فقط)؛ لأنه لا حاجة إلى ما سواه.
فتلخص أن النظر إلى ما يبدو في المهنة جائز بالاتفاق، وإلى ما بين السرة والركبة غير جائز بلا خلاف، وفيما بينهما وجهان: أصحهما: الجواز، وهل الثدي زمن الرضاع مما يبدو عند المهنة؟ فيه وجهان.
ويجوز للمحرم الخلوة والمسافرة بها.
و (المهنة) بفتح الميم: الخدمة، وحكى أبو ثور والكسائي كسرها، وأنكره الأصمعي وقال: لم يسمع إلا مفتوح الميم.
قال: (والأصح: حل النظر بلا شهوة إلى الأمة إلا ما بين سرة وركبة)؛ لما روى ابن أبي شيبة] 2/ 135 [وغيره عن عمر رضي الله عنه: انه رأى أمة وعليها جلباب مقنعة به، فسألها: أعتقت؟ قالت: لا، قال: فما بال الجلباب؟! ضعيه عن رأسك، إنما الجلباب على الحرائر، فتلكأت فقام إليها بالدرة يضرب رأسها حتى ألقته قال البيهقي: والآثار فيه عن عمر رضي الله عنه صحيحة، وعلى هذا: يكره النظر إليها.
والثاني: يحرم إلا ما يبدو في حال المهنة؛ إذ لا حاجة إليه دون غيره.
والثالث: أنها كالحرة، وهو أرجح دليلا، واختاره الشيخ، وسيأتي في كلام المصنف ترجيحه ونسبته إلى المحققين، وقال ابن أبي عصرون: إنه المذهب.
وإنما صحت صلاتها مكشوفة الرأس؛ لأن الشارع جعل عورتها في الصلاة كعورة الرجل، وأما تحريم النظر ... فلخوف الفتنة.

وَإِلَى صَغِيرَةٍ إِلَّا الْفَرْجَ، وَأَنَّ نَظَرَ الْعَبْدِ إِلَى سَيِّدَتِهِ وَنَظَرَ مَمْسُوحٍ كَالْنِّظَرِ إِلَى مَحْرَمٍ،  ولا فرق في الأمة بين القنة وأم الولد، والتي عرض لها مانع من الوطء قريب الزوال أم لا كالحائض والمرهونة والمزوجة، وفي المبعضة خلاف تقدم في (شروط الصلاة).
قال: (وإلى صغيرة)؛ لأنها ليست في مظنة الشهوة ولم يزل السلف على ذلك.
ومقابله: لا يحل؛ لأنها من جنس الإناث، حكاه في (الوسيط)، قال ابن الصلاح: ولم أره إلا فيه، وقائله يكاد أن يخرق الإجماع؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل أمامة في الصلاة بين الناس وهم ينظرون إليها.
قال: (إلا الفرج)؛ لما روى الحاكم] 3/ 257 [بسنده إلى محمد بن عياض قال: رفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صغري وعلى خرقة وقد كشفت عورتي،، فقال: (غطوا عورته؛ فإن حرمة عورة الصغير كحرمة عورة الكبير، ولا ينظر الله إلى كاشف عورته) وبهذا حزم الرافعي، ورد عليه في (الروضة) بأن القاضي جزم بجواره في الصغير، وصححه المتولي، والمسألة تقدمت في (شروط الصلاة).
قال: (وأن نظر العبد إلى سيدته ونظر ممسوح كالنظر إلى محرم)، أما نظر العبد .. فلقوله تعالى:} أو ما ملكت أيمانهم {. وفي (سنن أبي داود)] 4103 [بإسناد جيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على فاطمة ومعه عبد قد وهبه لها وعليها ثوب لا يستر جميع بدنها، فقال صلى الله عليه ويلم: (ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك) وهذا هو المنصوص، وظاهر الكتاب والسنة، وقيد البغوي في (تفسيره) الجواز بكون العبد عفيفا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والثاني: أنه كالأجنبي، لأن المحرمية لو ثبتت .. لاستمرت كما في الرضاع، وبهذا قال أبو إسحاق المروزي والإصطرخي والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن أبي عصرون، وصححه المصنف في مسودة له على (المهذب)، وحمل حديث فاطمة على أن العبد كان صغيرا، واختاره الشيخ، وكلام ابن الرفعة وابن الصلاح مائل إليه، وهو قول سعيد بن المسيب وطاووس ومجاهد والشعبي وأبي حنيفة.
والخلوة في جميع كذلك كالنظر، وعلى الوجهين لا بد من استئذان العبد على سيدته في الأوقات الثلاثة؛ لقوله تعالى:} ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم {الآية.
كل هذا في كامل الرق لها، فو كانت تملك بعضه ... فالظاهر: أنه كالاجنبي؛ تغليبا لجانب الحرية، وقد صرح الماوردي بذلك في (شروط الصلاة) فقال: لا يختلف أصحابنا في أنه كالأجنبي مع سيدته، وذكر الرافعي في الأمة المشتركة نحوه.
وشملت عبارة المصنف: المدبر ومعلق العتق بصفة والمكاتب، فأما المدبر ومعلق العتق ... فهما كذلك بلا خلاف، وأما المكاتب .. ففي (المهمات): انه كالأجنبي كما صرح به الرافعي في عكسه؛ وهو ما إذا كاتب الرجل أمته فقال: لا يحل له النظر إليها، وبه صرح القاضي حسين، كما نقله عنه ابن الصلاح والمصنف في زوائد (الروضة)، ورأى ابن الرفعة في (المطلب) تخريج وجهين فيه.
وذد ذهب إلى جواز نظره إليها أبو نصر ولد الأستاذ أبي القاسم القشيري، وهو المنقول عن النص.
وأما حديث أم سلمة الذي رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي: (إذا كان وَأَنَّ الْمُرَاهِقَ كَالْبَالِغِ  لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي ... فلتحتجب منه) فقال الشافعي رضي الله عنه: ذلك مما عظم الله به أمهات المؤمنين وخصهن به دون غيرهن.
وأما المسموح الذي ليس بعبد للمرأة سواء كان عبدا لغيرها أم حرا .. ففي جواز نظره لها وجهان: أحدهما: أنه كنظر الفحل إلى المحارم؛ لأنه من غير أولي الإربة، وإلى هذا ذهب الأكثرون، ولهذا صححه المصنف.
والثاني: أنه كنظر الفحل إلى الأجنبية؛ لأنه يحل له أن يتزوج بها، وأما غير أولي الإربة .. فاختار المصنف: أنه المغفل في عقله الذي لا يشتهي النساء، وكذا فسره ابن عباس وغيره.
و (الممسوح): هو الذي ليس له ذكر ولا انثيان، وهو محل الوجهين، أما الخصي الذي سلت أنثياه وبقي ذكره .. فهو كالفحل، وقال القاضي حسين: لا خلاف أنه لا يدخل على النساء من غير حجاب؛ لأن ضرره أكثر من ضرر الفحل.
و (المجبوب): الذي ذهب ذكره وبقيت أنثياه كالفحل أيضا، قال الشيخ: لا نعلم خلافا في ذلك إلا ما يوهمه كلام ابن أبي عصرون وليس مرادا.
والعنين والمخنث- وهو المتشبه بالنساء- والشيخ الهم كالفحل عند الأكثرين.
وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: لا يحل للخصي النظر إلا أن يكبر ويهرم وتذهب شهوته، وكذا المخنث.
قال: (وأن المراهق كالبالغ)؛ لقوله تعالى:} أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء {فلا جوز لها أن تبدي له زينتها كما لا يجوز لها أن تبديها للبالغ، وهذا معنى قوله: (المراهق كالبالغ) أنها مأمورة بالاحتجاب عنه، وأما هو .. فليس بمكلف لكن يؤمر أمر تأديب.

وَيَحِلُّ نَظَرُ رَجُلٍ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ.
وَيَحْرُمُ نَظَرُ أَمْرَدَ بَشَهْوَةٍ  والثاني- وهو اختيار القفال وأبي عبد الله الزبيري-: أن له النظر كما يجوز له الدخول من غير استئذان إلا في الأوقات الثلاثة المشار إليها بقوله تعالى:} ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ﴿الآية.
ولأن الحل ثبت فلا يرتفع إلا بسبب ظاهر وهو البلوغ، والأصحاب ألحقوه هنا بالبالغ كما ألحقوه به في جواز رميه إذا نظر إلى حرمة الغير، وفيما إذا صاح عليه فمات لا يضمن إذا كان متيقظا، ولم يلحقوه به في غالب الأبواب.
ويجب على المرأة الاحتجاب عن المجنون قطعا؛ لأنه بالغ ذو شهوة، وقد يكون الخوف منه أكثر.
وخرج ب (المراهق) غيره من الصبيان، فلا حجاب عنهم؛ لقوله تعالى﴾ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء {، قيل: لم يبلغوا أن يصفوا العورات.
قال: (ويحل نظر رجل إلى رجل) أي: عند أمن الفتنة بلا شهوة وهذا لا خلاف فيه.
قال: (إلا ما بين سرة وركبة)؛ فإنه عورة كما تقدم.
قال: (ويحرم نظر أمرد بشهوة) بالإجماع، قال في (الكافي): وهو أعظم إثما من الأجنبية؛ إذ لا سبيل إلى حله، ولا يختص ذلك بالأمرد، بل النظر إلى الرجل والمحارم وإلى كل من تقدم ممن يجوز النظر إليه شرطه عدم الشهوة، ومع الشهوة حرام، ولا فرق عند الشهوة أن يكون معها خوف فتنة أو لا.

قُلْتُ: وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ،  والمراد ب (الشهوة): أن ينظر لقضاء وطر في الشهوة، أما من يحب النظر إلى الوجه الجميل فنظر ليتلذ به .. فهو حرام، وليس المراد به زيادة على ذلك من وقاع وغيره فلذلك زيادة في الفسق.
ووقع في (البحر) و (الحاوي): أن المحبة لاستحسان الصورة: إن كانت تفضي إلى ريبة .. كرهت، وإن كانت لاستحسان صنع الله تعالى وبديع خلقه .. لم تكره، وكانت بالاستحباب أشبه.
أه ووهذا لا يعتمد.
قال: (قلت: وكذا بغيرها في الأصح المنصوص)؛ لأنه مظنة الافتتان.
وفي (كامل ابن عدي)] 7/ 96 [: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد).
والثاني- وهو اختيار الإمام-: أنه لا يحرم، وإلا ... لأمر بالاحتجاب كالنسوة، واستدل له الرافعي وغيره بأن وفدا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم غلام حسن الوجه .. فأجلسه من ورائه وقال: (أنا أخشى ما أصاب أخي داوود) وكان ذلك بمرأى من الحاضرين، فدل على أنه لا يحرم، وهذا الحديث رواه أبو حفص بن شاهين بإسناد مجهول، قال الشيخ: وهو موضوع لا أصل له.
وقوله (أخشى ما أصاب أخي داوود) معاذ الله أن يكون ذلك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى يقول:} واذكر عبدنا داوود ذا الأيد {فوصفه بالقوة في الدين ولم يحصل من داوود عليه الصلاة والسلام شيء من ذلك، وما يتوهمه العامة

وَالْأصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَّ الْأمَةَ كَالحُرَّةِ، وَالْلهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَرْأَةُ مَعَ الْمرْأَةِ كَرَجُلٍ وَرَجُلٍ،  وينقله بعض المفسرين والقصاص كذب، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن داوود عليه الصلاة والسلام كان أعبد البشر).
والنص الذي أشار إليه المصنف نقله الداركي، لكنه مقيد بحالة الشهوة، وهو يقتضي أن لا يحرم مطلقا لا كما ادعاه المصنف.
وقيده القاضي حسين والمتولي والمصنف في (رياض الصالحين) و (التبيان) و (رؤوس المسائل) بكونه حسنا، ولم يقيدوا به النساء.
و (الأمرد): الشاب الذي طر شاربه ولم تبد لحيته، ولا يقال لمن أسن ولا شعر بوجهه أمرد، ولا يقال جارية مرداء.
قال: (والأصح عند المحققين: أن الأمة كالحرة والله أعلم)؛ لعموم} قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ﴿فيحرم النظر إليها مطلقا، ورب أمة أجمل من حرائر.
قال في (الروضة): وهذا أرجح دليلا، واختاره الشيخ أبو حامد والجرجاني والقاضي أبو الطيب وابن أبي عصرون والشيخ.
قال: (والمرأة مع المرأة كرجل ورجل)؛ لقوله تعالى﴾ أو نسائهن {فيجوز لها عند أمن الفتنة أن تنظر إلى ما فوق السرة ودون الركبة، وعند الشهوة يحرم ذلك، وعند خوف الفتنة الوجهان اللذان ذكرهما الإمام في الرجل مع الرجل.

وَالْأَصَحُّ: تَحْرِيمُ نَظَرِ ذِمِّيِّةٍ إِلَى مُسْلِمَةٍ،  قال: (والأصح: تحريم نظر ذمية إلى مسلمة)؛ لقوله تعالى:} أو نسائهن {والذمية ليست من نسائهن.
وصح عن عمر رضي الله عنه أنه منع الذميات من دخول الحمامات مع المسلمات.
والثاني: أنها كالمسلمة؛ لأن الجنس واحد فكانتا كالرجلين المسلم والذمي، وصححه الغزالي، وقال ابن القشيري إنه القياس، ويدل له ما رواه الشيخان] خ 1050 - م 903 [وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها: أن يهودية جاءت تسألها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فأخبرت عائشة رضي الله عنها بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليها.
وإذا قلنا بالتحريم .. فهل تكون معها كالرجل الأجنبي أو ترى منها ما يبدو عند المهنة؟ وجهان: أشبههما عند الشيخين: الثاني.
وإطلاق المصنف (النظر) يقتضي ترجيح الأول، وبه جزم القاضي والبغوي والمتولي وغيرهم، وعلى الأصح: لا تدخل الذمية الحمام مع المسلمات، ويحرم أيضا على المسلمة التكشف بحضرتها.
وسائر الكافرات كالذمية، لكن لكن يستثنى ما إذا كانت الكافرة مملوكة للمسلمة .. فلا يحرم التكشف بحضرتها للحاجة كما أفتى به المصنف، وينبغي أن يلحق بها محارمها.

وَجَوَازُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى بَدَنِ أَجْنْبِيِّ سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ إِنْ لَمْ تَخَفْ فِتْنَةً.
قٌلْتُ: الْأَصَحُّ: الْتَّحْرِيمُ كَهُوَ إِلْيْهَا، وَالْلَّهُ أَعْلَمُ  وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إن الفاسقة مع العفيفة كالذمية مع المسلمة، وبه صرح صاحب (الترغيب) من متأخري المراوزة، وقال المتولي: إن التي تميل إلى النساء بالمساحقة لا يجوز لها أن تنظر إليهن.
قال: (وجواز نظر المرأة إلى بدن أجنبي سوى ما بين سرته وركبته إن لم تخف فتنة)؛ لان عائشة رضي الله عنها نظرت إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، وأذن صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس أن تعتد عن ابن أم مكتوم، رواهما الشيخان] م 1480 - 36 [، وهذا صححه الغزالي والرافعي هنا في (الشرح) و (المحرر)، وليس كنظر الرجل إلى المرأة؛ لأن بدنها عورة في نفسه، ولذلك يجب ستره في الصلاة، لكن صرح المتولي بكراهة نظرها إلى وجهه وبدنه.
قال: (قلت: الأصح: التحريم كهو إليها والله أعلم)؛ لقوله تعالى} وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن {. وفي (سنن أبي داوود)] 4109 [و (الترمذي)] 2778 [و (النسائي)] سك 9197 [عن أم سلمة: أنها كانت في بيت ميمونة ودخل عليهما النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن ابن أم مكتوم الأعمى فقال: (احتجبا منه) قالت: فقلنا يا رسول الله؛ إنه أعمى لا يبصرنا! قال: (أفعمياوان أنتما.؟! ألستما تبصرانه؟!) لكن قال أبو داوود: هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
وأجاب في (شرح مسلم) عن حديث عائشة بأنها لم تنظر إلى وجوه الحبشة ولا إلى أبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم منه تعمد النظر إلى البدن.

وَنَظَرُهَا إِلَى مَحْرَمِهَا كَعَكْسِهِ.
ومتى حَرُمَ الْنَّظَرُ .. حَرُمَ الْمَسُّ،  وفي المسالة وجه ثالث: أنها تنظر إلى ما يبدو في المهنة فقط.
كل هذا إذا لم تخش الفتنة، فإن خافتها ... لم يجز قطعا، لكن يستثنى من ذلك ما إذا قصدت نكاحه .. فلها النظر إليه لا محالة.
ومرادهم بالمرأة: البالغة، وينبغي أن تكون المعصر على الخلاف في نظر المراهق إليها.
قال: (ونظرها إلى محرمها كعكسه) أي: كنظر الرجل إلى محرمه، وقد تقدم، والخنثى على الأصح يؤخذ فيه بالاحتياط، فيجعل مع النساء رجلا ومع الرجال امرأة، وعن القفال: يحكم فيه بالجواز؛ استصحابا لما كان في الصغر حتى يظهر خلافه، وبهذا قطع جماعة، قال الشيخ والمختار الأول، لكن جزم المصنف في (شرح المهذب) بأنه يحرم على الرجال والنساء النظر إليه إذا كان في سن يحرم فيه النظر إلى الواضح.
قال: (ومتى حرم النظر .. حرم المس) بل أولى؛ لأنه أبلغ في إثارة الشهوة بدليل أنه لو لمس فأنزل .. بطل صومه، ولو أنزل بالنظر .. لم يفطر، وينتقض الوضوء بالمس دون النظر، فيحرم مس الأمرد كما يحرم نظره، ويحرم على الرجل ذلك فخذ الرجل بلا حائل كما يحرم النظر إليه، وهذا الضابط يرد عليه: العضو المبان من الأجنبية يحرم النظر إليه لا لمسه.
وحلقة دبر الزوجة والأمة يحرم نظرهما لا مسهما كما صرح به الدارمي في (الإستذكار)، وفرج الزوجة يحرم نظره على وجه، ويجوز مسه بلا خلاف.
وكان الأحسن أن يقول: وحيث حرم النظر .. حرم المس كعبارة (المحور) و (الروضة)؛ لأن (حيث) اسم مكان، والمقصود أن المكان الذي يحرم نظره ..

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يحرم مسه، و (متى) اسم زمان لا يلزم منها المكان.
ومفهوم عبارة الكتاب: أنه حيث جاز النظر .. جاز المس، وهو غير مطرد، فلا يجوز للرجل مس وجه الأجنبية وإن جوزنا نظره، ولا مس كل ما يجوز نظره من المحارم.
مهمة: حاصل ما في (الروضة): أن جميع ما يجوز النظر إليه من المحارم .. يحرم مسه، حتى يحرم مس وجه الأم ويدها ورجلها، وهو غلط مخالف للإجماع؛ فهو في (شرح مسلم) في (باب غزو البحر) نقل الإجماع على حل ذلك، ونقل فيه الاتفاق على أن أم حرام كانت محرما للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد بين الشيخ شرف الدين الدمياطي أنها لم تكن محرما له بالاتفاق.
وحمل الشيخ ما في (الروضة) على الشهوة، والذي في (شرح مسلم) على الحاجة والشفقة، والسلف الصالح لم يزالوا على إباحة ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل ابنته فاطمة، والصديق قبل الصديقة.
فرع: لا يجوز أن يضاجع الرجل الرجل ولا المرأة المرأة وإن كان كل واحد منهما في جانب الفراش؛ لما روى مسلم] 338 [: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يفضي وَيُبَاحَانِ لِفَصْدٍ وَحِجَامةٍ وَعِلَاجٍ.
قُلْتُ: وَيُبَاحُ نَظَرُ لِمُعَامَلَةٍ  الرجل إلى الرجل في الثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب).
وهذا مشروط بما إذا كانا عاريين كما ذكره في (شرح مسلم)، وصرح به القاضي حسين والخوارزمي، فإن كانا لابسين أو أحدهما .. فلا بأس.
وإذا بلغ الصبي أو الصبية عشر سنين .. وجب التفريق بينه وبين أمه وأبيه وأخته وأخيه في المضجع؛ لعموم الأمر بذلك.
قال: (ويباحان) يعني: النظر والمس (لفصد وحجامة وعلاج) وكذلك الختان والتوليد للحاجة الملجئة إلى ذلك، لكن يشترط حضور زوج أو محرم أو امرأة أخرى معها.
والأصح في (الروضة): اشتراط فقد امرأة تداويها ورجل يداويه، وقال القاضي والمتولي: لا يجوز أن يكون ذميا مع وجود مسلم، وأقره في (الروضة)، وقيد في (الكافي) الطبيب بالأمانة .. فلا يعدل إلى غير الأمين مع وجوده.
ثم أصل الحاجة كاف في نظر الوجه والكفين، ويعتبر في غير ذلك تأكدها وهو مبيح التيمم، وفي الفرج مزيد تأكد وهو ما لا يعد التكشف له هتكا للمروءة.
قال: (قلت: ويباح نظر لمعاملة)؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك بسبب العهدة

وَشَهَادَةٍ وَتَعْلِيم  والمطالبة بالثمن وغير ذلك، وكذلك الإجارات وسائر المعاملات، وكذلك عكسه، ولا ينظر في المعاملة والشهادة والتعليم إلا الوجه فقط.
قال: (وشهادة)؛ لأنه يحتاج إلى ذلك، ويلزمها الكشف عند الأداء أيضا إذا قلنا: لا بد في الشهادة عليها من المعاينة كما هو المذهب، فإن اكتفينا بتعريف عدلين – وهو الذي عليه العمل كما سيأتي في (الشهادات) - امتنع النظر حينئذ، وكذلك إذا عرفها في النقاب .. فإنه لا يفتقر إلى الكشف كما قاله الماوردي، وحكاه الرافعي في (الشهادات) عن صاحب (العدة).
ومن الحاجة النظر إلى الفرج للشهادة على الولادة والزنا، والثدي للشهادة على الرضاع.
وقيل: لا يجوز إلا في الزنا فقط؛ لأنه هتك حرمة نفسه، وقيل: عكسه؛ طلبا للستر والذي ذهب إليه الجمهور: أنه يستوعب الوجه بالنظر.
وصحح الماوردي أنه ينظر إلى ما يعرفها به، قال: ولا يزيد على النظرة الواحدة إلا أن يحتاج إلى ثانية للتحقق .. فيجوز.
كل هذا إذا لم يخف الفتنة، فإن خالفها .. امتنع عليه النظر، إلا أن تكون الشهادة متعينة عليه .. فإنه يضبط نفسه وينظر.
قال: (وتعليم)، المراد: تعليم ما يجب تعليمه كقراءة (الفاتحة) وما يجب تعلمه من الصنائع المحتاج إليها.
وإباحة النظر للتعليم انفرد به المصنف، وذكره في (شرح مسلم) أيضا في أحاديث الإسراء وهو مشكل؛ لأن تعليم (الفاتحة) وإن كان واجبا يمكن أن تعلمه من وراء حجاب، ويشترط مع ذلك فقد الجنس كما تقدم في العلاج، وإن كان لتعليم القطن والغزل ونحو ذلك .. فالنساء أعلم به.
ويمكن أن يحمل كلام المصنف على ما إذا تعذر التعليم من وراء حجاب.

وَنَحْوِهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالْلّهُ أَعْلَمُ.
وَلِلزَّوْجِ الْنَّظَرُ إِلَى كُلِّ بَدَنِهَا  قال: (ونحوها) كأمة يريد شراءها .. فينظر إلى ما تشترط رؤيته على الأصح، وهو ما عدا ما بين السرة والركبة، وكل ما جاز للرجل نظره من المرأة للحاجة .. جاز لها منه أيضا إذا تحققت حاجتها، كما إذا باعته أو اشترت منه أو استأجرت منه أو آجرته؛ لأنها تحتاج إلى معرفته لتطالبه وغير ذلك.
قال: (بقدر الحاجة والله أعلم)؛ لأن ما جاز للضرورة .. يتقدر بقدرها، وهي متفاوتة كما تقد.
قال: (وللزوج النظر إلى كل بدنها)؛ لأنه محل استمتاعه، وكذلك عكسه، وكذلك السيد مع الأمة المباحة له؛ لما روى الأربعة والحاكم] 4/ 180 [أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو أمتك) وإذا لم يحفظ عورته منها .. لم تحفظ عورتها منه.
فإن كانت الأمة مرتدة أو مجوسية أو وثنية أو مزوجة أو مكاتبة أو مشتركة بينه وبين غيره .. حرم نظره إلى ما بين سرتها وركبتها، ولا يحرم ما زاد على ذلك على الصحيح.
وجوز أصبغ بن الفرج من أصحاب مالك للزوج أن يلحس فرج زوجته بلسانه، لكن يستثنى حلقة الدبر كما تقدم.
ويكره النظر إلى فرج نفسه وغيره بلا حاجة، وإلى باطنه أشد كراهة، وقيل: يحرم، حكاه الماوردي وغيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (النظر إلى الفرج يورث العمى) رواه ابن عدي] 2/ 75 [والبيهقي بإسناد ضعيف] 7/ 94 [. قال في (العدة): معناه أن الولد يولد أعمى، فعلى هذا: يخرج المموح، وقيل: الناظر يعمى فيعم المموح، وصحح هذا ابن الصلاح، وحسن إسناد الحديث، قال: وأخطأ من نسبه إلى الوضع، أشار بذلك إلى ابن الجوزي؛ فإنه ذكره في (الموضوعات).

فَصْلٌ: تَحِلُّ خِطْبَةُ خَلِيَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ،  وقيل: يورث عمى القلب.
وفي وجه ثالث في (شرح مسلم): أنه حرام على الرجل مكروه للمرأة، وخص الفارقي الخلاف بغير حالة الجماع فجوز النظر عند ذلك قطعا، والمعروف إطلاقه.
تتمة: جميع ما تقرر محله إذا لم يكن بالزوجة مانع، كما إذا كانت معتدة من وطء شبهة .. فإنه يحرم عليه أن ينظر إلى ما بين سرتها وركبتها، ولا يحرم ما زاد على الأصح، وقال المتولي: يحرم عليه الخلوة بها.
وكل هذا بالنسبة إلى الحياة، فإن ماتت .. صار الزوج كالمحرم في النظر كما أفاده في (شرح المهذب)، وأفاد الشيخ هنا عن أبي عبد الله ابن الحاج- وكان رجلا صالحا عالما- أنه كان يذكر: أن السنة العري عند النوم وينكر النوم في الثياب.
قال: (فصل: تحل خطبة خلية عن نكاح وعدة) تصريحا وتعريضا بالإجماع.
وتعبيره ب (الحل) يقتضي أنها غير مستحبة، وعزاه الرافعي للجمهور، وقال الغزالي: إنها مستحبة؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم والسلف والخلف.
وفي (صحيح ابن حبان)] 4065 [عن أم سلمة قالت: (لما وضعت زينب .. جاءني النبي صلى الله عليه وسلم يخطبني).

لَا تَصْرِيحٌ لِمُعْتَدَّةِ،  ويشبه أن يفصل بين من يستحب له النكاح فتستحب له الخطبة، ومن لا .. فلا؛ لأن حكم الوسيلة حكم المقاصد؛ ولا يكفي في الحل خلوها عما ذكر، بل لا بد من انتفاء موانع النكاح، وأن لا يسبقه غيره بخطبتها ويجاب.
ولو كان تحته أربع .. حرم عليه أن يخطب، قال الماوردي في (الإقناع)، وقياسه: تحريم خطبة من يحرم الجمع بينها وبين زوجته، وكذلك ثانية السفيه، وثالثة العبد، لكن يرد على إطلاقه المطلقة ثلاثا؛ فلا يجوز لمطلقها أن يخطبها حتى تنكح زوجا غيره وتعتد منه.
و (الخطبة) بكسر الخاء: التماس التزويج، وكانت عادة العرب إذا أرادوا تزويج امرأة .. أتوا إليها أو إلى أهلها يخطبون بكلام مشجع، واشتقاقها من الخطب وهو الشأن كبر أو صغر، وكسرت الخاء منه؛ لتدل على الهيئة.
قال: (لا تصريح لمعتدة) سواء كانت عن وفاة أو طلاق، بائن أو رجعي أو شبهة أو وفاة بالإجماع، ولأن الله تعالى أباح التعريض فدل على تحريم التصريح، والمعنى فيه: أن في المرأة من غلبة الشهوة والرغبة في الأزواج ما قد يدعوها إلى الإخبار بانقضاء عدتها كاذبة، فلذلك حرم الله تعالى التصريح بخطبتها.
والمواعدة سرا في الآية: الخطبة على الصحيح، قال الشافعي: ولم يرد ب (السر) ضد الجهر، إنما أراد الجماع، ومن قال من الظاهرية بجواز الخطبة علانية لا سرا .. فقد جاوز الحد، لكن يستثنى من إطلاقه صاحب العدة الذي يحل له نكاحها فيها؛ فله التصريح.
وفي زوائد (الروضة) في (كتاب الحج) المحرم يستحب له ترك الخطبة، وفي (الكفاية) وجه بالتحريم حتى تجوز خطبة غيره عليه، واحتج في (شرح المهذب)

وَلَا تَعْرِيضٌ لِرَجْعِيَّةٍ، وَيَحِلُّ تَعْرِيضٌ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَكَذَا لِبَائِنٍ فِي الْأَظْهَرِ  للكراهة بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح المحرم ولا يخطب)، قال: وعطف الخطبة على النكاح في الحديث عطف للمكروه على الحرام، وهو جائز.
قال: وقول الفارقي: المراد خطبة العقد وهي الحمد لله ... إلى آخرها خطأ فاحش، ووافق الفارقي على ذلك صاحب (الانتصار)، ووجه بأنه مقدمة العقد، فكأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الإنكاح وما يتقدمه وإن كان المتعاطي له غيره كما يكره أن يخطب لغيره.
ويكره أيضا للحلال خطبة المحرمة ولا يحرم، بخلاف خطبة المعتدة حيث حرمت؛ لأنها ربما كذبت في انقضاء عدتها إذ لا يعرف إلا من جهتها، بخلاف الإحرام؛ فإنه مشاهد مضبوط.
قال: (ولا تعريض لرجعية)؛ لأن الرجعية زوجة أو في حكم الزوجة، وعلم من هذا أن التصريح من باب أولى، وهذا في غير صاحب العدة كما تقدم.
قال: (ويحل تعريض في عدة وفاة)؛ لقوله تعالى:} ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴿؛ لأنها من تتمة قوله:﴾ والذين يتوفون منكم {. والفرق بينه وبين التصريح: أن التصريح تتحقق به الرغبة والتعريض لا تتحقق به، وحكى وجه: أنها إن كانت بالحمل .. لم تخطب خشية من تكلف إلقائه.
قال: (وكا لبائن في الأظهر)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: (فإذا حللت .. فآذيني) متفق عليه] م 1480/ 36 [، ولأن سلطنة الزوج عنها قد انقطعت.
والثاني: يحرم؛ لأن لصاحب العدة أن يتزوجها فأشبهت الرجعية، وسواء في ذلك البائن بدون الثلاث أو بفسخ.
وقيل: إن كانت هي الفاسخة .. امتنع قطعا؛ لظهور كراهتها له فقد تكذب في العدة.

وَتَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ مَنْ صُرِّحَ بِإِجَابَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.،  أما البائن بالثلاث أو بثنتين من العبد وكل من ليس لصاحب العدة نكاحها كاللعان والرضاع.
الأصح: أنها كالمتوفى عنها.
وقيل: كالفسخ، فكان ينبغي أن يميز البائن باستيفاء العدد، ويعبر عنها بالمذهب؛ فإن الأصح: الجزم فيها بالجواز.
والتعريض كقوله: رب راغب فيك، ومن يجد مثلك، وأنت جميلة، وإذا حللت فآذيني، والتصريح كقوله: أريد أن أتزوجك.
وسواء الأقراء والأشهر، وقيل: يحرم في الأقراء قطعا.
ثم من التعريض ما يحرم كقوله: عندي جماع يرضي من جومعت، ومباح وهو ما تقدم، وقيل: التعريض بالجماع تصريح بالخطبة.
وحكم الجواب تصريحا وتلويحا كالخطبة إن حرمت .. حرم، وإلا .. فلا، قال الشيخ: ذكر الأصحاب التصريح بالخطبة والتعريض، ولم يذكروا الكناية وهي رتبة متوسطة بينه وبين التصريح، قال: والذي يظهر أنها ملحقة بالتصريح، فتحرم حيث يحرم؛ لأنها أبلغ من التعريض.
قال: (وتحرم خطبة على خطبة من صرح بإجابته إلا بإذنه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه إلا بإذنه) متفق عليه] خ 5142 - م 1408/ 38 [، ولما فيه من الإيذاء والتقاطع، وسواء كان الأول كفءا أو غير كفء، مسلما أو ذميا، وذكر الأخ في الحديث خرج مخرج الغالب.
وقال ابن حربوبه: يختص التحريم بالخطبة على خطبة المسلم، وبه قال الأوزاعي، وبمثله أجابا في السوم على السوم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والمصرح بالإجابة: المجبر أو السيد، أو هي إن انتفى الإجبار والرق، أو السلطان في المجنونة، أما من عرض بإجابته كلا رغبة عنك .. فالجديد: الكراهة، والقديم: التحريم، ويحكى عن أبي حنيفة ومالك.
فإذا أذن في الخطبة على خطبته .. جاز، ولنا وجه في السوم على السوم: أنه يحرم وإن أذن لا يأتي هنا؛ لأن هناك البيع موجود بعد الترك وهنا الخطبة بعده غير موجودة.
واقتصاره على استثناء الإذن ليس للحصر، بل لو ترك أو طال الزمان بعد إجابته بحيث يعد معرضا .. لم تحرم؛ لان تركه يدل على إعراضه، وكذلك لو غاب مدة يحصل لها الضرر بها، أو رجعوا عن إجابته أو نكح من يحرم الجمع بينها وبين المخطوبة.
ولا يخفى أن شرط الخطبة الأولى أن تكون جائزة، فإن كانت محرمة كالواقعة في العدة .. لم تحرم الخطبة عليها، قاله في (البحر)، لكن في زوائد (الروضة) عن الصيمري: أنه لو خطب خمس نسوة دفعة فأذن .. لم يحل لأحد خطبة واحدة منهن حتى يتركها الأول، أو يعقد على أربع فتحل الخامسة، وإن خطب كل واحدة وحدها فأذن .. حلت الخامسة دون غيرها، قال المصنف: والمختار: تحريم الجميع؛ إذ قد يرغب في الخامسة.
وشرط الإذن المحرم أن يكون من معين، فلو أذنت لوليها أن يزوجها ممن شاء .. صح وحل لكل أحد أن يخطبها على خطبة الغير، نقله في (البحر) عن نص (الأم)،

فَإِنْ لَمْ يُجِبْ وَلَمْ يُرَدَّ .. لَمْ تَحْرُمْ فِي الْأَظْهَرِ.
وَمَنِ اسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ .. ذَكَرَ مَساوِئَه بِصِدْقٍ  واشترط القاضي في التحريم: أن يكون عالما بالنهي، فلو جهل .. جاز الهجوم.
وإذا خطب من حرمت عليه الخطبة وتزوج .. آثم وصح النكاح؛ لأن المحرم الخطبة لا العقد، وقال مالك وداوود لا يصح النكاح؛ للنهي عنه.
ويجوز أن يخطب من لم يعلم هل خطبت أم لا، ومن لم يعلم هل أجيب خاطبها أم لا، وهو قريب من العمل بالعام قبل البحث عن المخصص.
قال: (فإن لم يجب ولم يرد .. لم تحرم في الأظهر)؛ لأنه لم يبطل حقا تقرر بينهما، ولأن فاطمة بنت قيس قالت: يا رسول الله؛ إن معاوية وأبا جهم خطباني، فقال لها: (انكحي أسامة)؛ لأنها لم تجب واحدا من الأولين ولا ردته.
والثاني: تحرم؛ لإطلاق حديث النهي.
قال: (ومن استشير في خاطب .. ذكر مساوئه بصدق) بدليل خبر فاطمة بنت قيس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تعرض للخاطبين بما يكرهانه فقال: (أما أبو جهم .. فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية.
فصعلوك لا مال له) والمراد: أن أبا جهم كثير الضرب للنساء كما جاء مصرحا به في رواية مسلم] 1480/ 47 [. وقيل: كنى به سوء الخلق، وقيل: عن كثرة السفر، وعن أبي بكر الصيرفي: أنه كنى به عن كثرة الجماع، واستبعد ذلك؛ لبعد اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هذه الحالة من غيره، ثم لبعد ذكره عن خلقه وأدبه، ثم لأن المرأة لا ترغب عن الخاطب بذلك.
ومعاوية المذكور في الحديث: هو ابن أبي سفيان على المشهور، وقيل: بل غيره.
وليس ذكر هذا من باب الغيبة، بل من النصيحة، ولهذا قال في (الإحياء): يشترط قصد النصيحة لا الوقيعة، وإليه أشار المصنف بقوله (بصدق)، وقد روى البخاري تعليقا بصيغة جزم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استنصح أحدكم أخاه .. فلينصح له).
فإن حصل الغرض بذكر بعض المساوئ كقوله: لا خير لك فيه ونحوه .. لم يحل تعيينها، قاله في (الأذكار) و (الإحياء) وابن عبد السلام في (قواعده).
تنبيهات: أحدها: لم يبين المصنف هل ذكر هذا واجب على المستشار أو مستحب، وبالوجوب صرح صاحب (الترغيب) والقفال في (الفتاوى) وابن عبد السلام وابن الصلاح وغيرهم، وفي (الإحياء) و (الرياض) ما ظاهره الوجوب أيضا، واختاره الشيخ، وحمل عليه كلام (المنهاج)، وعبارة (الشرح) و (الروضة): يجوز أن يصدق، وفي (المحرر): عليه أن يصدق، والمعتمد الوجوب، كمن علم بالمبيع عيبا .. فإنه يجب عليه ذكره.
وحكم الاستشارة في المخطوبة كذلك.
وأفهمت عبارة المصنف: أنه إذا لم يستشره .. لا يذكر ذلك، ومقتضى كلام ابن الصلاح: وجوب الذكر ابتداء من غير استشارة، ولا يبعد ذلك؛ فإنه قياس من يعلم

وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ خُطْبَةٍ قَبْلَ الْخِطْبَةِ وَقَبْلَ الْعَقْدِ  بالمبيع عيبا، وقد يفرق بأن الأعراض أشد حرمة من الأموال.
الثاني: لو استشير في عيوب نفسه هل يجب عليه أن يذكرها، أو لا، أو يستحب؟ فيه نظر، وعموم كلام الشيخين يقتضي الذكر.
الثالث: قال المصنف وغيره: الغيبة تباح بستة أسباب: التظلم، والاستفتاء، والاستعانة على إزالة المنكر، ولتحذير الناس من الشر، وأن يكون متجاهرا بالفسق أو البدعة، وللتعريف- إذا لم يعرف إلا بذلك- كقول المحدثين: سليمان الأحول، وواصل الأحدب، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وسليمان بن مهران الأعمش، وسلمة بن الفضل الأبرش، ومالك بن الحارث الأشتر، ونحو ذلك مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد الاستخفاف والأذى، وقد قال عبد الله بن مسعود لعلقمة: (أو تقول ذلك يا أعور).
قال: (ويستحب تقديم خطبة قبل الخطبة) فيحمد الله تعالى ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويوصي بتقوى الله ثم يقول: جئتكم خاطبا كريمتكم، ويخطب الولي كذلك ثم يقول: لست مرغوب عنه أو ما في معناه، وهذا متفق على استحبابها.
قال: (وقبل العقد) أي: وأخرى قبل العقد؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (كل أمر ذي بال لا يبدأ بحمد الله .. فهو أبتر).
و (الأبتر): الناقص، وهذه آكد استحبابا من التي تقدمت.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام وداوود: لا يصح العقد إلا بها، وهما محجوجان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنكحتها بما معك من القرآن) ومل يذكر خطبة، وقال: (انكحي أسامة) ولم يذكر خطبة.
وسواء خطب الزوج أو الولي أو أجنبي .. حصل الاستحباب.
وتبرك الأئمة لخطبة النكاح بما روى الأربعة والحاكم] 2/ 182 [عن عبد الله بن مسعود قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: (الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله .. فلا مضل له، ومن يضلل .. فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،} يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ﴿،﴾ يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴿،﴾ يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا {) الآية.
وكان أحمد إذا لم تذكر هذه الخطبة في عقد .. انصرف.
وكان القفال يقول بعدها: أما بعد: فإن الأمور كلها بيد الله يقضي فيها ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا مؤخر لما قدم، ولا مقدم لما أخر، ولا يجتمع اثنان ولا يفترقان إلا بقضاء وقدر وكتاب قد سبق، وإن مما قضى الله وقدر أن خطب فلان ابن فلان فلانة بنت فلان على صداق كذا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم أجمعين.
واستحب الشافعي للولي أن يقول ما قال ابن عمر: (أزوجك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) فإن قاله قبل العقد ... فذاك، وإن قيد به الولي الإيجاب وقبل الزوج مطلقا أو ذاكرا له .. صح في الأصح.

وَلَوْ خَطَبَ الْوَلِيُّ، فَقَالَ الْزَّوْجُ: الْحَمْدُ لِلّهِ وَالْصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اَللهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبِلْتُ .. صَحَّ الْنِّكَاحُ عَلَى الْصَّحِيحِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ.
قُلْتُ: الْصَّحِيح: لَا يُسْتَحَبُّ، وَالْلهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ طَالَ الْذِّكْرُ الْفاصِلُ .. لَمْ يَصِحَّ  قال: (ولو خطب الولي، فقال الزوج: الحمد لله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبلت .. صح النكاح على الصحيح)؛ لأن المتخلل من متعلقات الصيغة ومصالح العقد فلا يقطع الموالاة كالإقامة بين صلاتي الجمع.
والثاني: لا يصح؛ لأنه تخلل بينهما ما ليس من العقد، وصححه الماوردي، وقواه الشيخ وقال: إنه قول جميع الأصحاب، ونسب الأول إلى الشيخ أبي حامد وخطأه فيه، وأما الرافعي .. فنسب الأول إلى المعظم.
وقوله: (قبلت) مراده إذا قال: قبلت نكاحها؛ لأنه سيأتي أن الاقتصار على قبلت لا ينعقد به على الأصح.
قال: (بل يستحب)؛ لأنه أمر ذو بال.
قال: (قلت: الصحيح: لا يستحب والله أعلم)؛ لأنه لم يرد فيه توقيف، والخروج من الخلاف أولى، وهذا التصحيح مخالف لما في (الشرحين) و (الروضة)، فحاصل ما فيها استحباب ذلك، واقتصاره على الحمد لله والصلاة يقتضي أنه لو ضم إليه الوصية .. ضر؛ للطول، وهو مقتضى تصوير (الشرحين) و (الروضة)، لكن ذكرا بعد ذلك في (الشرحين) و (الروضة) استحبابه وهو بعيد.
قال: (فإن طال الذكر الفاصل .. لم يصح)؛ لإشعاره بالإعراض.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وضبط القفال الطول بقدر ما لو كانا ساكتين فيه .. لخرج الجواب عن كونه جوابا.
وأفهم قول المصنف: (الذكر): أن غيره من الكلام الأجنبي يبطل مطلقا ولو كان يسيرا وهو الأصح هنا، لكن صحح الشيخان في (باب الخلع): أنه لا يضر اليسير، ونقلاه في (الاستثناء في الطلاق) عن تصحيح الإمام.
فائدة: روى الشيخ محب الدين الطبري والحسن بن عبد الله بن سهل العسكري أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في نكاح فاطمة رضي الله عنها: (الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب عقابه وسطواته، المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، ودبرهم بحكمته، وأمرهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة نسبا لاحقا وأمرا مفترضا، أوشح بها الأرحام، وأزال بها الآثام، وأكرم بها الأنام فقال عز من قائل:} وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا {، فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكن قضاء قدر، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي، وقد أوجبته على أربع مئة مثقال من فضة إن رضي بذلك علي) فقال علي: رضيته عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (جمع الله

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل