النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 167-206
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لاَ مِلْكُهُمَا، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً .. حَرُمَتِ الأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الأُولَى كَبَيْعِ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ  فالوطء من باب أولى.
وفي (الموطأ) عن عثمان رضي الله عنه: أنه سئل عن ذلك فقال: (أحلتهما آية وحرمتهما آية) يعني: قوله تعالى: ﴿لَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، (قوله): ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾، وكأنه توقف في ذلك، لكن انعقد عليه الإجماع.
وذكر المصنف (ملك اليمين) ليس بقيد؛ فإنه لو كانت إحداهما بملك والأخرى بزوجية .. حرم أيضًا.
قال: (لا ملكهما) فيجوز بالإجماع؛ لأنه قد يقصد بالملك غير الوطء، ولهذا يملك من لا تحل له كالأخت وغيرها.
قال: (فإن وطىء واحدة .. حرمت الأخرى حتى يحرم الأولى)؛ لئلا يحصل الجمع المنهي عنه.
والمراد بـ (تحريم الأولى): أن يحرمها كما سيأتي، فلو اقتصر على قوله: حرمتها .. لم تحرم، وغلَّط أبو حامد من قال: تحرم بذلك، فلو خالف ووطىء قبل تحريم الأولى .. أثم ولا حد، والثانية مستمرة على تحريمها كما كانت، والأولى مستمرة على حلها، ولا يحرم الحرام الحلال.
وعن أبي منصور بن مهران أستاذ الأودني: أنه إذا أحبل الثانية .. حلت وحرمت الموطوءة؛ لأن الثانية بذلك ترجح جانبها صيانة للولد، ولذلك قال الأصحاب: يستحب أن لا يطأ الأولى حتى يستبرىء الثانية، وكان ذلك للخروج من خلافه.
واستغرب ابن الرفعة قول أبي منصور المذكور.
قال: (كبيع)؛ لإزالة الملك، هذا إذا لزم، فإن كان في زمن الخيار .. ففيه خلاف منشؤه زوال الملك أم لا، واختار الإمام الاكتفاء به؛ لأنه لم يبق للبائع مستدرك، وإن كان الخيار للبائع .. لم يكف؛ لأن المذهب أنه يحل له الوطء وسواء باعها كلها أو بعضها؛ لأن المقصود شيء تحصل به حرمة الوطء.
قال: (أو نكاح أو كتابة)؛ لإزالة الحل.

لاَ حَيْضٍ وَإِحْرَامٍ، وَكَذَا رَهْنٌ فِي الأَصَحِّ  وأشار المصنف بكاف التشبيه إلى أن الأسباب لا تنحصر في الثلاثة التي ذكرها، بل كذلك الوقف والإعتاق والهبة المقبوضة؛ لأنها تحرم الوطء.
ولو قلنا ببقاء الملك للواقف أيضًا .. حصل التحريم، والإقراض أيضًا إزالة ملك؛ لأنه لو لم يفعل ذلك .. كان جامعًا بين أختين.
قال: (لا حيض وإحرام) وكذا عدة عن وطء شبهة؛ لأنها أسباب عارضة لا تزيل الملك ولا الاستحقاق.
قال: (وكذا رهن في الأصح)؛ لأن الراهن يملك الوطء بإذن المرتهن فدل على بقاء الحل.
والثاني: يكفي؛ لأنه يمنع الاستمتاع، والخلاف في الرهن المقبوض، أما غير المقبوض .. فلا يكفي جزمًا.

فروع: الأول: إذا حرمها بالأسباب المؤثرة فعاد الحل بأن باعها فردت عليه بعيب أو إقالة، أو زوجها فطلقت، أو كاتبها فعجزت .. لم يجز له وطؤها حتى يستبرئها؛ لحدوث الملك، فإذا استبرأها فإن لم يكن وطىء الثانية بعد تحريم الأولى .. فله الآن وطء أيتهما شاء، وإن كان وطئها .. لم يجز وطء العائدة حتى يحرم الأخرى.
الثاني: الوطء في الدبر كالقبل، فتحرم الأخرى به، وفي اللمس والقبلة والنظر بشهوة مثل الخلاف السابق في حرمة المصاهرة.
الثالث: ملك أختين إحداهما مجوسية، أو أخته برضاع فوطئها بشبهة .. جاز وطء الأخرى؛ لأن الأولى محرمة.
ولو ملك أمًا وبنتها ووطىء إحداهما .. حرمت الأخرى أبدًا، فلو وطىء الأخرى بعد ذلك جاهلاً بالتحريم .. حرمت الأولى أيضًا أبدًا، وإن كان عالمًا .. ففي وجوب الحد قولان: إن قلنا: لا .. حرمت الأولى أيضًا أبدًا، وإلا .. فلا.

وَلَوْ مَلَكَهَا ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا أوْ عَكَسَ .. حَلَّتِ الْمَنْكُوحَةُ دُونَهَا.
وَلِلْعَبْدِ امْرَأَتَانِ، وِلِلْحُرِّ أَرْبَعٌ فَقَطْ،  قال: (ولو ملكها ثم نكح أختها أو عكس .. حلت المنكوحة دونها)؛ لأن فراش النكاح أقوى من ملك اليمين، لأنه يملك به حقوقًا لا يملكها بفراش المملوكة كالطلاق والظهار والإيلاء واللعان وسائر الأحكام، وذلك دليل القوة، وسواء كانت أختها حرة أو أمة، وكذلك عمتها وخالتها.
فإن قيل: لو اشترى زوجته .. انفسخ النكاح فهو أقوى؟ فالجواب: أن الملك نفسه أقوى من نفس النكاح، ولكن استفراش النكاح أقوى من استفراش الملك، وأيضًا الترجيح هناك في عينين وهنا في عين واحدة فلا تناقض.
قال: (وللعبد امرأتان)، ومثله المدبر والمكاتب ومعلق العتق بصفة والمبعض؛ لما روى البيهقي عن الليث عن الحكم بن عتيبة: أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا ينكح العبد أكثر من اثنتين.
وعن مالك ينكح أربعًا؛ لعموم الآية.
وقال أحمد: مبعض النصف ينكح ثلاثًا، والنقل فيه عندنا عزيز، والصواب: أنه كالقن، صرح به أصحاب (الكافي) و (الحاوي) و (الرونق) و (اللباب).
قال: (وللحر أربع فقط)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لغيلان: (أمسك أربعًا) صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، ولم يخالف في هذا إلا القاسمية أتباع القاسم بن إبراهيم والشيعة والزيدية فأجازوا له تسعًا؛ فإن مثنى وثلاث ورباع تسع، والنبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع، وقال تعالى: ﴿لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
وعن بعض الظاهرية ثمانية عشر، وكلاهما شاذ؛ فقد أجمع أهل اللغة على أن من قال: جاء الناس مثنى وثلاث ورباع .. أن معناه: جاؤوا على أفراد هذه الأعداد، وقد تتعين الواحدة للحر، وذلك في كل نكاح توقف على الحاجة كنكاح الحر الأمة، ونكاح السفيه والمجنون.

فَإِنْ نَكَحَ خَمْسًا مَعًا .. بَطَلْنَ، أَوْ مُرَتِّبًا .. فَالْخَامِسَةُ.
وَتَحِلُ الأُخْتُ، وَالْخَامِسَةُ فِي عِدَةِ بَائِنٍ لاَ رَجْعِيَّةٍ  قال: (فإن نكح خمسًا معًا .. بطلن) وكذلك العبد إذا نكح ثلاثًا كما لو جمع بين أختين؛ لأنه ليست واحدة أولى من الأخرى، هذا هو المشهور، وفي (الذخائر): يبطل في واحدة وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، فإن صححنا .. فله التعيين، قال الشيخ: وأظنه غلطًا.
ويستثنى من إطلاق المصنف ما إذا كان فيهن أختان .. فيبطل نكاحهما، وفي الثلاث البواقي قولا تفريق الصفقة، والأظهر الصحة.
ولو نكح سبعًا فيهن أختان .. بطل نكاح الجميع، وكذا لو نكح أربعًا أختين وأختين.
قال: (أو مرتبًا .. فالخامسة)؛ لزيادتهم على العدد الشرعي.
قال: (وتحل الأخت، والخامسة في عدة بائن)؛ لأنها أجنبية، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز له نكاحها ما داما في العدة؛ لبقاء علقة النكاح.
قال: (لا رجعية)؛ لأنها في حكم الزوجات.

ملغزة: امرأة لها زوجان ويحل لها أن تتزوج، صورتها: امرأة تملك عبدًا وأمة زوجتهما فهما زوجان قد ملكتهما وهي تريد أن تتزوج.
وامرأة اجتمع في عصمتها ثلاثة أزواج في ساعة واحدة ودخل بها منهم اثنان، صورتها: أنها طلقت وهي حامل فوضعت وعقب الطلاق، ثم تزوجت بثان فطلقها قبل الدخول، فتزوجت بثالث وأصابها.

فائدتان: الأولى: قال الشيخ عز الدين: كان في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام: يجوز للإنسان أن يتزوج من غير حصر؛ تغليبًا لمصلحة الرجال، وفي شريعة عيسى

وَإِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ ثَلاَثًا أَوِ الْعَبْدُ طَلْقَتَيْنِ .. لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ،  عليه الصلاة والسلام لا يتزوج غير واحدة؛ تغليبًا لمصلحة النساء من عدم الشحناء، فراعت هذه الشريعة مصلحة النوعين بالعدد المخصوص.
الثانية: كان الشيخ عماد الدين ابن يونس يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس ويقول: لا يجوز للآدمي أن يتزوج الجنية، وبه أفتى البارزي؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ وقال: ﴿وَمِنْءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةًّ﴾.
وفي (الفتاوى السراجية) للحنفية: لا تجوز المناكحة بين الإنس والجن وإنسان الماء لاختلاف الجنس.
وفي (الغنية): سئل الحسن البصري عن التزويج بجنية فقال: يجوز بحضرة شاهدين.
وفي مسائل جرت عن الحسن وقتادة كراهتها، ثم روي عن ابن لهيعة عن يونس عن الزهري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح الجن).
وعن زيد العمي أنه كان يقول: اللهم؛ ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كنت.
وفي المنع من تزويجها نظر؛ لأن التكليف يعمنا.
قال القمولي: رأيت شيخًا كبيرًا وكان صالحًا يقول: إنه تزوج جنية.
اهـ ورأيت أنا آخر من أهل الخير والدين أخبرني أنه تزوج منهم عشرًا، واحدة بعد أخرى.
قال: (وإذا طلق الحر ثلاثًا أو العبد طلقتين .. لم تحل له حتى تنكح) زوجًا غيره.
أما الحر .. فلقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والمراد بالنكاح هنا:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الوطء؛ لما روى الشيخان وغيرهما: أن تميمة بنت وهب جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن رفاعة القرظي طلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، فقال صلى الله عليه وسلم: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) سمى الوطء عسيلة؛ تشبيهًا له بالعسل بجامع اللذة.
وقيس العبد على الحر؛ لأنه استوفى العدد الذي يملكه من الطلاق، ولو عرضت الحرية بعد ذلك .. لم تؤثر.
وروى مالك أن نفيعًا طلق امرأته طلقتين، فجاء إلى عثمان وعنده زيد بن ثابت فسأله فقالا: حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، ونفيع كان مكاتبًا لأم سلمة.
قال العلماء: والمعنى في مشروعية التحليل: التنفير من الطلقات الثلاث.
وشملت عبارته: ما لو طلق زوجته الأمة ثلاثًا ثم اشتراها .. فلا تحل له بملك اليمين على الصحيح؛ لظاهر الآية، حتى يطأها زوج غيره، فلو وطئها السيد بعد انقضاء عدة المطلق ثم اشتراها أو أرادت الرجوع إلى مطلقها .. لا تحل له؛ لأنها لم تنكح زوجًا غيره.
ولو حكم حاكم بصحة نكاح المطلق ثلاثًا من غير تحليل .. نقض على الصحيح، قاله الروياني وغيره.

فرع: لا فرق بين أن يكون الطلاق الثلاث مجموعًا أو مفرقًا، فأما وقوع المفرقة .. فمجمع عليه، وكذلك المجموعة عند الجمهور، وخالف في ذلك من المتقدمين الحجاج بن أرطاة وطائفة من الشيعة، ومن المتأخرين من لا يعبأ به فقالوا: لا يقع

وَتَغِيبَ بِقُبُلِهَا حَشَفَتُهُ  منها إلا واحدة؛ لما روى مسلم عن ابن عباس قال: (كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيته عليهم، فأمضاه عليهم).
فأخذ بظاهرة طاووس وبعض أهل الظاهر وقالوا: إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثًا .. لا تقع إلا واحدة.
وأجاب الجمهور عنه بأجوبة أصحها: أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ولم ينو تأكيدًا ولا استئنافًا .. يحكم بوقوع واحدة؛ لعدم إرادة الاستئناف بذلك، فحمل على الغالب وهو إرادة التأكيد، فلما كان زمن عمر وكثر استعمال الناس هذه الصيغة، وغلبت إرادة الاستئناف بها .. حمل عند الإطلاق على الثلاث؛ عملاً بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر.
ولا فرق في وقوع الثلاث بين أن يكون ذلك تنجيزًا أو تعليقًا وقد وجدت صفته، حلفًا كان أو غير حلف.
قال الشيخ: وابتدع بعض الناس في زماننا فقال: إن كان التعليق على وجه اليمين لا يقع به الطلاق وتجب به كفارة اليمين، وهذه بدعة في الإسلام لم يقلها أحد منذ بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا.
ثم إن التحريم المضاف إلى الثلاث إذا وجدت متفرقة هل تضاف إلى الجميع أو إلى الأخيرة فقط؟ فيه خلاف حكاه المتولي، والذي أورده ابن داوود: الثاني.
قال في (المطلب) في (كتاب الطلاق): وفائدته تظهر فيما إذا شهد عليه بالطلقة الثالثة فقط ثم رجع هل يجب عليه ثلث الغرم أو كله؟ وفيه في (الحاوي) وجهان، وستأتي الإشارة إلى هذا في (كتاب الرضاع).
قال: (وتغيب بقبلها حشفته) يعني: أنه لا يكفي نكاحها زوجًا غيره حتى يدخل بها؛ لما تقدم في الحديث، ولم يخالف في ذلك إلا سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير فإنهما قالا: لا تحل بالعقد إذا لم يكن قصد به التحليل، وعكس الحسن البصري

أَوْ قَدْرُهَا،  فقال: لابد من الإنزال فيها؛ لأن العسيلة لا تحصل إلا بذلك.
والجمهور قالوا: هي اللذة الحاصلة بالجماع، والمعتبر في ذلك تغييب الحشفة؛ فإن به تناط الأحكام لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانان .. فقد وجب الغسل) ويلتحق بالغسل سائر أحكام الوطء.
وقال البغوي: إن كانت بكرًا .. فلابد من إزالة البكارة، ونقله المحاملي عن النص، وأقره الشيخان عليه.
قال في (المطلب): الذي فهمته من كلام الشافعي والأصحاب: أنه لا فرق بين البكر والثيب.
وقوله: (بقبلها) ليست في (المحرر) وهي زيادة لابد منها؛ فإن وطء الدبر لا يحلل.
قال: (أو قدرها) فيقوم ذلك من المقطوع مقام الحشفة كما يقوم مقدار (الفاتحة) من القرآن مقامها عند العجز.
قال الإمام: وعلى هذا .. فالمعتبر الحشفة التي كانت لهذا العضو المخصوص، فإن كان الباقي أقل من قدر الحشفة .. لم يحل, وإن بقي أكثر من قدرها .. كفى تغييب قدرها من هذا الشخص على الصحيح، وقيل: يشترط تغييب جميع الباقي.
واستدخال ذكر النائم يحلل، واستدخال الماء لا يحلل، ولو لف على ذكره خرقة وأولج حلل على الصحيح.
فإن قيل: مع النكاح والوطء لا يحصل الحل للأول حتى يطلق الثاني وتنقضي عدتها منه فكيف لم ينص على ذلك لا في الآية الكريمة ولا في الحديث ولا في كلام المصنف وغيره من الفقهاء؟ فالجواب: أن بالنكاح والوطء يرتفع التحريم من الطلاق الثلاث، ويخلفه التحريم إلى الطلاق لكونها زوجة الغير، ومن الطلاق إلى انقضاء

بِشَرْطِ: الاِنْتِشِارِ، وَصِحَّةِ الْنِكَاحِ، وَكَوْنِهِ مِمَّنْ يُمْكِنُ جِمَاعُهُ، لاَ طِفْلاً  العدة كسائر المعتدات عن غيره، فهما تحريمان غير تحريم الطلاق الثلاث لا يحتاج إلى النص عليهما.
قال: (بشرط: الانتشار)؛ لأن ذوق العسيلة لا يكون إلا بذلك، وعن الشيخ أبي محمد وغيره: أنه لا يشترط، والمراد: سلامة العضو من العنة والشلل، وأن تكون له قوة الانتشار، وأما الانتشار بالفعل .. فلم يشترطه أحد.
ولا فرق بين أن يكون قوي الانتشار أو ضعيفه فاستعان بإصبعه أو بإصبعها.
قال: (وصحة النكاح) وفي الوطء في النكاح الفاسد قولان: أحدهما - وهو الصحيح -: أنه لا يفيد، وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لأن إطلاق اسم النكاح ينصرف إلى الصحيح، والناكح نكاحًا فاسدًا لا يسمى زوجًا فلا يحصل به الحل.
والثاني - ويحكى عن القديم -: أنه يحل كما يوجب المهر والعدة.
وعلم من هذا الشرط: أن وطء الشبهة من غير عقد لا يحصل به الإحلال؛ لأنه لم يصدر عن عقد النكاح، وأنها لا تحل بوطء السيد، وهذا لا خلاف فيه.
قال: (وكونه ممن يمكن جماعه، لا طفلاً)؛ لأنه لا يتأتى منه ذوق العسيلة.
وفي وجه يحكى عن القفال: أنه يكتفى بوطء الطفل، قال المصنف: وهو كالغلط المنابذ لقواعد الباب، قال الرافعي: وهما كالوجهين في اشتراط الانتشار، بل هما هما.
واحترز بـ (الطفل) عن المراهق الذي يتأتى منه الجماع، فهو كالبالغ خلافًا لمالك، وفي (التتمة): أن للشافعي رضي الله عنه قولاً مثله، وهو بعيد جدًا.

عَلَى الْمَذْهَبِ فَيهِنَّ  ولا فرق في البالغ بين أن يكون عاقلاً أو مجنونًا، حرًا أو عبدًا، فحلاً أو مسلول الأنثيين، مسلمًا أو ذميًا إذا كانت المطلقة ذمية.
قال في (الروضة): ولا يشترط في تحليل الذمية للمسلم وطء ذمي، بل المجوسي والوثني يحللانها أيضًا للمسلم كما يحصنانها، صرح به إبراهيم المروروذي، ونازعه الشيخ في ذلك بأن الكتابي لا يحل له أن يتزوج وثنية، ومقتضاه: أن الوثني لا يتزوج كتابية فلا يحلها ولا يحصنها، قال: ولعل الذي قاله المروروذي على الوجه الضعيف.
قال: (على المذهب فيهن) هو راجع إلى قوله: (بشرط الانتشار وصحة النكاح ونكاح الطفل) وقد تقدمت الإشارة إلى الخلاف في ذلك.

فرعان: أحدهما: وطء الزوج الثاني في إحرامه أو إحرامها أو حيضها أو في نهار رمضان أو على ظن أنه يطأ أجنبية .. يفيد الحل، وأما وطؤه لها بعد ارتدادها أو ارتداده .. فالصواب المنصوص الذي عليه الجمهور: أنه لا يفيد الحل؛ لاختلال النكاح وإن فرض الرجوع إلى الإسلام.
الثاني: قال جماعة من الأصحاب منهم الماوردي والغزالي: من لطائف الحيل الرافعة للغيرة والعار المحصلة للمقصود: أن يشتري عبدًا صغيرًا ويزوجها منه، ثم

وَلَوْ نَكَحَ بِشَرْطٍ إِذَا وّطِئَ طَلَّقَ أَوْ بَانَتْ أَوْ فَلاَ نِكَاحَ .. بَطَلَ، وَفِي الْتَطْلِيقِ قَوْلٌ  تستدخل حشفة الصغير ولو مع حائل من ثوب أو غيره، ثم يملكها العبد ببيع أو هبة فينفسخ النكاح ويحصل التحليل.
وهذا مبني على أصول مختلف فيها منها: حصول التحليل بوطء الصغير، ومنها: جواز إجبار العبد على التزويج، فإن لم نجوزه .. امتنع ذلك.
قال: (ولو نكح بشرط إذا وطىء طلق أو بانت أو فلا نكاح .. بطل)؛ لأنه ضرب من نكاح المتعة، قال الشافعي في (الأم): ونكاح المحلل الذي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنه - والله سبحانه وتعالى أعلم - ضرب من نكاح المتعة.
وفي (سنن النسائي) و (الترمذي) من حديث ابن مسعود - وقال حسن صحيح -: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله المحلل والمحلل له) وسماه محللاً وإن لم يحله؛ لأنه يعتقده ويطلب الحل منه، وأما طلب الحل من طريقه .. فلا يستحق اللعنة.
قيل: ولم يذكر المرأة في اللعنة؛ لأن الغالب جهلها بذلك، قال في (المطلب): فإن علمت بذلك وفعلت .. لُعنت، وقال داوود: لا أبعد أن يكون المحلل مأجورًا إذا نوى بذلك حلها للأول؛ لأنه قصد إرفاق أخيه وإدخال السرور عليه، وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد.
قال: (وفي التطليق قول): إنه يصح ويبطل الشرط ويجب مهر المثل؛ لأنه شرط فاسد قارن العقد فلم يبطل به كما لو نكحها بشرط أن لا يتزوج عليها، وإن لم يجر شرط ولكن كان في عزمه أن يطلقها إذا وطئها .. كره وصح العقد خلافًا لمالك وأحمد.
ولو نكحها على أن لا يطأها إلا مرة أو على أن لا يطأها نهارًا .. فللشافعي في بطلان النكاح وصحته نصان، وقيل قولان، والمذهب: أنها على حالين، فالبطلان إذا شرطته الزوجة، والصحة إذا شرطه الزوج؛ لأنه حقه فله تركه، والتمكين حق عليها فليس لها تركه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجميع ما ذكرناه إذا شرطه في نفس العقد، فلو تواطا على شيء من ذلك قبل العقد وعقدا على هذا القصد بلا شرط .. فليس كالمشروط على الصحيح، وعن مالك وأحمد: أنه كالمشروط في العقد؛ لما يروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (لا أوتى بمحلل إلا رجمته) وهذا لم يصح عن عمر، ولا خلاف أنه لا يرجم، وما يروى عن عثمان وغيره: (لا نكاح إلا نكاح رغبة) لم يصح، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم موضوع.
وقد كان عروة ابن الزبير لا يرى بأسًا بالتحليل إذا لم يعلم به الزوج، وهو قول القاسم وسالم وعطاء والشعبي، واستدل الشافعي لصحة نكاحه بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل).
وروى هو والبيهقي عن ابن سيرين: أن امرأة طلقها زوجها ثلاثًا، وكان مسكين أعرابي يقعد بباب المسجد، فجاءته امرأة فقالت: هل لك في امرأة تنكحها فتبيت معها الليلة وتصبح فتفارقها؟ فقال: نعم، فكان ذلك، فقالت له امرأته: إنك إذا أصبحت .. فإنهم سيقولون لك: فارقها، فلا تفعل ذلك فإني مقيمة لك ما ترى فاذهب إلى عمر.
فلما أصبح أتوه وأتوها فقالت: كلموه فأنتم جئتم به، فكلموه فأبى أن يطلقها، فمضى إلى عمر رضي الله عنه فقال: (الزم امرأتك، فإن رابوك بريب .. فائتني) وأرسل إلى المرأة التي مشت بذلك فنكل بها، ثم كان يغدو على عمر رضي الله عنه ويروح في حلة فيقول: (الحمد لله الذي كساك يا ذا الرقعتين حلة تغدو فيها وتروح) وأما حديث: (ألا أخبركم بالتيس المستعار)؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: (هو المحلل) فرواه الدارقطني من طريق مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن حبان: كان يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها، والصواب: ترك ما انفرد به، ورواه ابن عدي في (كامله) في ترجمة أبي صالح كاتب الليث بن سعد، واسمه عبد الله بن صالح، وقال الشيخ: إسناده حسن.
ولما كانت إعارة التيس للضراب تدل على الدناءة والرذالة .. عيرت بها العرب، قال الشاعر (من الوافر): وشر منيحة تيس معار فلذلك شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

تتمة: إذا قالت المطلقة ثلاثًا: نكحني زوج آخر ووطئني وفارقني وانقضت عدتي منه .. قبل قولها عند الاحتمال وإن أنكر الزوج الثاني وصدق في أنه لا يلزمه إلا نصف المهر، وذلك لأنها مؤتمنة في انقضاء العدة، والوطء يعسر إقامة البينة عليه، ثم إن ظن صدقها .. فله نكاحها بلا كراهة، وإن لم يظنه .. استحب أن لا يتزوجها، وإن قال: هي كاذبة .. لم يكن له نكاحها، فإن قال بعده: تبينت صدقها .. فله نكاحها.
قال الإمام: واتفق الأصحاب على أنها تحل له وإن غلب على ظنه كذبها إذا كان الصدق ممكنًا، فإن كذبها الزوج والولي والشهود .. لم تحل على الأصح.

فَصْلٌ: لاَ يَنْكِحُ مَنْ يَمْلِكُهَا أَوْ بَعْضَهَا، فَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا .. بَطَلَ نِكَاحُهُ.
وَلاَ تَنْكِحُ مَنْ تَمْلِكُهُ أَوْ بَعْضَهُ.
وَلاَ الْحُرُّ أَمَةَ غَيْرِهِ إِلاَ بِشُرُوطٍ:  قال: (فصل: لا ينكح من يملكها أو بعضها) هذا هو السبب الثالث من الموانع، وهو رق المرأة، وهو ضربان: رقيقة يملكها ورقيقة لا يملكها.
الضرب الأول: مملوكته، فليس له نكاح من يملكها أو بعضها؛ لتناقض الأحكام، إذ الملك لا يوجب القسم، ولا تصح فيه أحكام النكاح من طلاق وظهار وإيلاء وغيرها، والنكاح يقتضي ذلك، وإذا تناقضت الأحكام .. لم يمكن الجمع.
قال: (فلو ملك زوجته أو بعضها .. بطل نكاحه)؛ لأن ملك اليمين أقوى من ملك النكاح، لأنه يملك به الرقبة والمنفعة، والنكاح لا يملك به إلا ضربًا من المنفعة، فسقط الأضعف بالأقوى، وهذا بخلاف ما لو استأجر شيئًا ثم اشتراه .. فإن الإجارة لا تنفسخ في الأصح؛ لأنه لا مناقضة بين ملك العين والمنفعة.
قال: (ولا تنكح من تملكه أو بعضه)؛ لتضاد أحكام النكاح والملك، لأنها تطالبه بالسفر معها إلى الشرق؛ لأنه عبدها، وهو يطالبها بالسفر معه إلى الغرب؛ لأنها زوجته.
قال: (ولا الحر أمة غيره إلا بشروط) هذا هو الضرب الثاني، فلا يتزوج الحر أمة غيره إلا بشروط ثلاثة فيه: فقد حرة تحته، وفقد طولها، وخوف العنت.
وواحد في الأمة: أن تكون مسلمة.

أَنْ لاَ تَكُونَ تَحْتَهُ حُرَةٌ تَصْلُحُ لِلاسْتِمْتَاعِ، قِيلَ: وَلاَ غَيْرُ صَالِحَةٍ  والأصل في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحَصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِن فَتَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فقوله تعالى: (منكم) خطاب للأحرار، أما العبد .. فله نكاح الأمة كذلك، ولكونه غير واجد للطول، ولكون إرقاق ولده ليس عيبًا له، فلذلك قال المصنف: (ولا الحر)؛ ليخرج العبد.
قال: (أن لا تكون تحته حرة تصلح للاستمتاع)؛ لأنه إذا كان كذلك .. لم يخش العنت، وروى البيهقي عن الحسن مرسلاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة) ورواه أيضًا عن علي وجابر موقوفًا.
وإطلاق المصنف (الحرة) يشمل المسلمة والكتابية، وهو كذلك على الأصح، فإذا كانت تحته حرة .. منعت جواز الأمة؛ لأنه مستغن بها عن إرقاق ولده وهو غير خائف، وروى ابن ماجه عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أراد أن يلقى الله طاهرًا مطهرًا .. فليتزوج الحرائر).
وقيل: إن الحرة الكتابية لا تمنع نكاح الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾.
والجواب: أن ذكر المؤمنات في الآية جرى على الأعم؛ فإن الغالب أن المسلم إنما يرغب في المؤمنات، وأيضًا فالغالب أن من لا يقدر على طول المؤمنة .. لا يقدر على طول الكتابية.
ومن هذا يعلم: أن المنع فيما إذا كانت تحته أقوى من المنع فيما إذا قدر عليها، فكلام المصنف على عمومه، لكن يستثنى من إطلاق المصنف أمة مكاتبه؛ فإنها ممتنعة عليه قطعًا، وقد ذكره المصنف في (باب الخيار والإعفاف) وعبارته: (وليس له نكاح أمة مكاتبه، فإن ملك مكاتب زوجة سيده .. انفسخ النكاح في الأصح).
قال: (قيل: ولا غير صالحة) كما إذا كانت صغيرة أو هرمة، أو مجنونة أو مجذومة أو برصاء أو رتقاء، أو مفضاة لا تحتمل الجماع، أو بها عيب من العيوب

وَأَنْ يَعْجَزَ عَنْ حُرَّةٍ تَصْلُحُ، قِيلَ: أَوْ لاَ تَصْلُحُ.
فَلَوْ قَدَرَ عَلَى غَائِبَةٍ .. حَلَّتْ أَمَةٌ إِنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي قَصْدِهَا، أَوْ خَافَ زِنًا مُدَّتَهُ،  المثبتة للخيار، أو غائبة عنه .. فيمتنع نكاح الأمة على هذا حتى تبين الحرة بأن يطلقها طلاقًا بائنًا أو رجعيًا وتنقضي عدتها؛ لعموم الحديث المرسل المعتضد بأقوال الصحابة وغيرهم.
وذكر الرافعي في (المحرر) أن هذا الوجه هو الأحوط.
والوجه الثاني: أنه يحل له نكاح الأمة؛ لأنه لا يستغني بالحرة التي تحته، فوجودها كالعدم، وهذا هو الأصح عند القاضي أبي الطيب وتلميذيه صاحبي (المهذب) و (الشامل)، وليس في (الشرحين) ولا في (الروضة) ترجيح.
قال: (وأن يعجز عن حرة تصلح) أي: للاستمتاع بها؛ لأنه يصبر بذلك غير خائف.
والعجز إما لفقدها، أو لفقد صداقها، أو لم يرض به لقصور نسب ونحوه؛ لأن الطول في الآية فسره ابن عباس بالسعة والفضل، والمحصنات فيها هن الحرائر، والجمع فيهن في مقابلة الجمع في قوله: ﴿مِنكُمْ﴾.
ولم يعتبر أبو حنيفة هذا الشرط؛ لأنه لا يقول بالمفهوم.
قال: (قيل: أو لا تصلح) كما إذا كانت صغيرة أو رتقاء أو مجذومة.
قال: (فلو قدر على غائبة .. حلت أمة إن لحقه مشقة ظاهرة في قصدها، أو خاف زنًا مدته)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِينِ مِنْ حَرَج﴾، والمشقة الظاهرة: أن

وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ .. فَالأَصَحُّ: حِلُّ أَمَةٍ فِي الأَولَى دُونَ الْثَانِيَةِ  ينسب متحملها في طلب زوجة إلى الإسراف ومجاوزة الحد، وكذلك الحكم لو كانت الحرة التي قدر على نكاحها معتدة عن الغير.
قال: (ولو وجد حرة بمؤجل أو بدون مهر المثل .. فالأصح: حل أمة في الأولى)؛ لأن ذمته تصير مشغولة في الحال.
والثاني: لا؛ للقدرة على نكاح حرة.
وقيد في (الشرح) و (الروضة) الخلاف بمن يتوقع القدرة على الوفاء، ومقتضاه: أنه إن لم يتوقعه .. حلت له بلا خلاف، وإطلاق المصنف يقتضي الخلاف في الحالين.
قال: (دون الثانية)؛ لقدرته على الحرة كما لا يتيمم إذا وجد الماء بثمن بخس.
والثاني: يجوز؛ لما فيه من المنة وهو بعيد، لأن المهر مما يتسامح به.
وفهم من كلامه: أنها لو رضيت بلا مهر .. لا تحل له الأمة؛ لأنها إذا رضيت بالدون منعت الأمة ففي العدم أولى.

فروع: لو وجد حرة لا ترضى إلا بأكثر من مهر مثلها .. فالأصح: أنه ينكح الأمة كما لو وجد المكفر الرقبة بثمن غال، وكما لو وجد الماء بأكثر من ثمن مثله .. تيمم.

وَأَنْ يَخَافَ زِنَاً،  والثاني: لا يحل له نكاح الأمة؛ لأنه لا يعد بذلك فاقدًا، وتوسط الإمام والغزالي فقالا: إن كانت الزيادة يعد بذلها إسرافًا .. جاز، وإلا .. فلا.
ولو كان له مال غائب، فإن خاف العنت في الحال أو لحقه مشقة ظاهرة في الخروج إليه .. فله نكاح الأمة، وإلا .. فلا، كذا قاله الغزالي، وأطلق الرافعي القول بأن له ذلك كما له أخذ الزكاة.
ولو كان قادرًا بوجوب الإعفاف على ولده .. فالصحيح في (الروضة) هنا وفي (باب الخيار) في (الشرح): لا يتزوج الأمة، وإن كان لا يستطيع إلا ببيع مسكنه وخادمه .. فالأصح: جواز نكاح الأمة.
ولو أقرض مهرها .. لم يجب القبول على المذهب؛ لاحتمال المطالبة في الحال، وكذا لو وهب له مال أو أمة .. لم يلزمه القبول، وحلت له الأمة.
قال: (وأن يخاف زنًا)؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ والعنت: المشقة الشديدة، والمراد به هنا: الزنا؛ لأنه سبب المشقة والهلاك بالحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة، وليس المراد بالخوف منه أن يغلب على الظن وقوعه، بل أن يتوقع لا على سبيل الندور.
قال الإمام: إنما يتحقق خوف العنت بغلبة الشهوة وضعف عصام التقوى، فإن غلبت الشهوة ورقت التقوى .. فخائف، وإن ضعفت وله دين أو حياء يمنعه .. فلا، وإن غلبت شهوته وقوي تقواه .. ففيه احتمالان للإمام: أصحهما: لا يجوز نكاح الأمة، وبه قطع الغزالي؛ لأنه لا يخاف الوقوع في الزنا، وإن كان ترك الوقاع يجر ضررًا أو مرضًا .. فله نكاح الأمة.
ونكر المصنف (الزنا)؛ إعلامًا بأن المرعي فيه عموم العنت لا خصوصه، فلو خاف الزنا بأمة لقوة ميله إليها وحبه لها .. فليس له أن يتزوج بها إذا كان واجدًا للطول، خلافًا لما ذهب إليه بعض علماء المدينة؛ لأن العشق لا معنى لاعتباره هنا

فَلَوْ أَمْكَنَهُ تَسَرِّ .. فَلاَ خَوْفَ فِي الأَصَحِّ.
وَإِسْلاَمُهَا  لأنه داء يهيج من البطالة وإدامة الفكر، وكم من إنسان ابتلي به وسلاه، وهذا الشرط يقتضي: أن المجبوب لا تحل له الأمة مطلقًا؛ إذ لا يمكنه الزنا، وبه صرح الإمام وغيره، وخالف الروياني فجوزها له، وللخصي عند خوف الوقوع في الإثم؛ لأن العنت هو المشقة.
وأما الممسوح .. فصرح الشيخ عز الدين بأنه ينكح الأمة؛ بناء على أن الولد لا يلحقه، والعنين ليس له نكاحها جزمًا.
قال: (فلو أمكنه تسر .. فلا خوف في الأصح)؛ لأمنه العنت.
وصورة المسألة: أن يكون معه من المال ما لا يمكن أن يتزوج به حرة ويمكن أن يتسرى به.
والثاني: يحل له نكاحها؛ لأنه لا يستطيع طول حرة.
والثالث: يفرق بين أن تكون الأمة ملكه أم لا، وعبارة (المحرر): (فإن أمكنه تسر .. لم ينكح الأمة) وهي أحسن؛ فإنه لا يحسن جعل الوجهين في الخوف، فإن التسري المقدور عليه يمنع منه قطعًا.
قال: (وإسلامها) فلا تحل للحر المسلم الأمة الكتابية، خلافًا لأبي حنيفة.
احتج الأصحاب بأن الله تعالى شرط في نكاح الأمة الإسلام حيث قال: ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِن فَتَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾، ولأنه اجتمع فيها نقصان لكل منهما تأثير في المنع من النكاح، فامتنع على المسلم نكاحها كالحرة المجوسية والوثنية، وبهذا قال ابن عمر وابن مسعود والحسن ومجاهد والزهري ومالك والليث والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق.
وهل يجوز أن تنكح أمة مسلمة لكافر؟ فيه وجهان:

وَتَحِلُّ لِحُرٍّ وَعبْدٍ كِتَابِيَّيْنِ أَمَةٌ كِتَابيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ،  أصحهما: الجواز؛ لحصول صفة الإسلام للمنكوحة.
والثاني: المنع؛ لما فيه من إرقاق الولد المسلم للكافر، واستغنى المصنف عن هذا الوجه بإطلاقه، ويأتي وجه ثالث: إن كان الناكح عربيًا .. جاز؛ بناء على قول: إن العربي لا يرق فيؤمن المحذور.
وبقي من الشروط: كونها غير موقوفة عليه، ولا موصىً له بخدمتها، ولا أمة مكاتبه كما تقدم، ولا أمة ولده كما سيأتي في تتمة الفصل التنبيه عليه.
وقد تقدم أنه إذا أوصى بحمل دائمًا أو مطلقًا وحمل على العموم - وهو الظاهر - فإذا أعتق الوارث هذه الأمة .. امتنع على الحر الذي لا يخاف العنت أن يتزوج بها؛ لأجل إرقاق الولد، فإذا تزوج بها معسر خائف للعنت .. تصور فيها ولد رقيق بين حرين والحر بين رقيقين.
صورته: إذا وطئ العبد جارية ولده .. ففي حرية الولد وجهان، كلام الرافعي يشعر بترجيح الحرية، ويتصور أيضًا فيما إذا وطئ العبد زوجته الأمة أو أمة لغيره على ظن أنها زوجته الحرة .. يكون الولد حرًا؛ مراعاة لظنه.

فرع: من استجمع شروط نكاح الأمة ليس له نكاح أمة صغيرة لا توطأ على الأصح؛ لأنه لا يأمن بها العنت.
قال: (وتحل لحر وعبد كتابيين أمة كتابية على الصحيح)؛ لتساويهما في الدين.
والثاني: لا تحل له، كما لا ينكحها الحر المسلم، ومحل الوجهين إذا كان الحر الكتابي يخاف العنت ولم يجد طول حرة، وإلا .. فيمتنع عليه نكاح الأمة كما يمتنع على المسلم نكاح الأمة المسلمة، ولذلك يشترط في عقد الذمي ما يشترط في عقد

لاَ لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ في الْمَشْهُورِ.
وَمَنْ بَعْضُهَا رَقِيقٌ كَرَقِيقَةٍ.
وَلوْ نَكَحَ حُرٌّ أَمَةً بِشَرْطِهِ ثُمَّ أَيْسَرَ، أَوْ نَكَحَ حُرَّةً .. لَمْ تَنْفَسِخِ الأَمَةُ  المسلم من الولي المرشد في دينه، وشهادة عدلين مسلمين، وانتفاء الموانع إلا في نكاحه الأمة الكتابية.
قال: (لا لعبد مسلم في المشهور)؛ لأن المنع من نكاحها لكفرها، فيستوي فيه العبد والحر كالمرتدة والمجوسية.
وفي قول: له نكاحها؛ لأنه لا تفاوت بينهما في الرق والحرية، وإنما يتفاوتان في الدين، وهو لا يمنع النكاح؛ لأن الحر المسلم ينكح الحرة الكتابية.
قال: (ومن بعضها رقيق كرقيقة) فلا ينكحها الحر إلا عند اجتماع الشروط الأربعة المتقدمة؛ لأن إرقاق بعض الولد محذور كما أن إرقاق كله محذور.
وإذا قدر على نكاحها هل له نكاح التي تمحضت رقيقة؟ تردد فيه الإمام؛ لأن إرقاق بعض الولد أهون من إرقاق كله، وهذا ظاهر على القول بأن ولد المبعضة ينعقد مبعضًا، أما إذا قلنا: ينعقد حرًا .. فيحتمل أن يقطع بالمنع.
وحكى الرافعي عن بعض الأصحاب: أن المبعض كالرقيق ينكح الأمة مع القدرة على الحرة، ويجمع بينهما، وتبعه في (الوسيط) و (الحاوي الصغير)؛ لأن الذي فيه من الرق أخرجه عن الولاية والنظر للولد.

فرع: أفتى القاضي حسين بأن من زوج أمته بواجد طول حرة فأولدها .. كانت أولادها أرقاء؛ لأن شبهة النكاح كالنكاح الصحيح.
قال: (ولو نكح أمة بشرطه ثم أيسر، أو نكح حرة .. لم تنفسخ الأمة) أشار بهذا إلى أن الشروط الثلاثة الأول المعتبرة في نكاح الأمة إنما تعتبر في ابتداء النكاح دون دوامه، فلو نكح أمة ثم أيسر أو تزوج عليها حرة .. صح ولم ينفسخ نكاح الأمة؛

وَلَوْ جَمَعَ مَنْ لاَ تَحِلُّ لَهُ أَمَةٌ حُرَّةً وَأَمَةً بِعَقْدٍ .. بَطَلَتِ الأَمَةُ، لاَ الْحُرَّةُ فِي الأَظْهَرِ  لقوة الدوام، كما أن خوف العنت يشترط في الابتداء دون الدوام، وكذلك ابتداء الإسلام يمنع ابتداء السبي دون الدوام، وكذلك الإحرام والعدة والردة تمنع ابتداء النكاح دون دوامه.
وعن علي وابن عباس رضي الله عنهما: إذا تزوج حرة على أمة .. لم ينفسخ نكاح الأمة، وقال المزني: ينفسخ في الصورتين، وخالف أحمد في الثانية، وقال النخعي: إن كان له من الأمة ولد .. لم يفارقها، وإلا .. فارقها.
قال: (ولو جمع من لا تحل له أمةٌ حرةً وأمةً بعقد .. بطلت الأمة) بلا خلاف؛ لفوات شرطه، فإن كان ممن يحل له نكاح الأمة .. فنكاح الأمة باطل قطعًا؛ لاستغنائه عنه، وفي نكاح الحرة طريقتان: أظهرهما عند الإمام: أنه على القولين، وصححه في (الشرح الصغير).
وثانيهما: القطع بالبطلان؛ لأنه جمع بين امرأتين يجوز إفراد كل منهما دون الجمع، فأشبه الأختين، ومن قال بالأول .. فرق بأن الأختين ليس فيهما أقوى، والحرة أقوى.
وفي (المعاياة) للجرجاني: يصح النكاحان، وغلطه ابن الصلاح، وقد سبق الجرجاني إليه القاضي أبو الطيب.
قال: (لا الحرة في الأظهر) هما القولان في تفريق الصفقة، والجمع بين مسلمة ووثنية أو مُحَلَّة ومُحَرَّمة أو أجنبية ومحرَم كذلك، وإذا صح .. فبمهر المثل في الأصح.
وصورة مسألة الكتاب أن يقول: زوجتك بنتي وأمتي بكذا، فيقول: قبلت نكاحهما، فلو قال: زوجتك بنتي بألف وزوجتك أمتي بمئة فقبل البنت ثم الأمة أو

فَصْلٌ: يَحْرُمُ نِكَاحُ مَنْ لاَ كِتَابَ لَهَا كَوَثَنِيَةٍ وَمَجُوسِيَّةٍ  قبل البنت فقط .. صحت البنت قطعًا، ولو قدم الأمة في تفصيلهما إيجابًا وقبولاً .. صحتا حيث جازت الأمة؛ لقبول الحرة بعد صحة نكاح الأمة، ولو فصل الإيجاب وجمع القبول أو عكسه .. فكتفصيلهما، وقيل: كجمعهما.

تتمة: لو جمع من تحل له الأمة بين أختين وأمة .. بطل نكاح الأختين، وفي الأمة الخلاف، ولو تزوج أمتين في عقد .. بطل نكاحهما قطعًا كالأختين.
وجميع ما ذكرناه في أمة غيره أردنا به غير أمة ولده، وأما أمة ولده .. ففيها خلاف وتفصيل يأتي في (باب الخيار والإعفاف)، وأما أمة الأب .. فكأمة غيره؛ لأن الابن لا يجب له على أبيه حق الإعفاف، ولو استولدها .. لا تصير أم ولد كجارية الأجنبي، إلا أنها إذا ولدت منه كان الولد حر الأصل.
وقيل: ينعقد رقيقًا ثم يعتق.
قال: (فصل: يحرم نكاح من لا كتاب لها كوثنية ومجوسية) هذا هو الجنس الرابع من الموانع وهو الكفر، والكفار ثلاثة أصناف: صنف ليس لهم كتاب ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان والشمس والقمر والنجوم، والصور التي ينحتونها، وعباد البقر والخيل البلق، والمعطلة الذين لا يثبتون الخالق، والدهرية الذين ينسبون الأمور إلى الدهر، والزنادقة الذين يظهرون الدين وهم في الباطن معطلة كمن يقول بتدبير الطبائع الأربعة، والمانوية الذين يعتقدون أن النور يفعل الخير والظلمة تفعل الشر، الذين عناهم الشاعر بقوله (من الطويل): وكم لظلام الليل عندك من يد .... تخبر أن المانوية تكذب فهؤلاء لا تحل مناكحتهم بالاتفاق؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والوثنية: عابدة الوثن، وهو الصنم، وقيل: الوثن والصنم شيء واحد، وقيل: الصنم ما كان مصورًا والوثن غير مصور.
هذا بالنسبة إلى اللغة، أما في الحكم .. فلا يختلف، وكذا كل من يعبد صورة من دون الله تعالى لا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم.
أما تحريم الوثنية على الكتابي .. ففيه وجهان في (الكفاية)، قال الشيخ: ينبغي إن قلنا إنهم مخاطبون بالفروع أن يحرم، وإلا .. فلا حل ولا حرمة، فعلى التحريم يأثم بوطئها.
الصنف الثاني: أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وسيأتي حكمهم.
والثالث: المجوس، فيحرم على المسلم نكاح المجوسية؛ لأن الأصل في الكافرات تحريمهن لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، ثم خص الله منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواالْكِتَبَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وفي المجوس للشافعي رضي الله عنه قولان: أشبههما: أن لهم كتابًا غير التوراة والإنجيل وقد نسوه وبدلوه، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخذ الجزية منهم.
والثاني: أنهم لا كتاب لهم، وقد روى البخاري: أن أمرهم أشكل على عمر رضي الله عنه حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين فأتى بجزيتها، وكان النبي صلى الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  عليه وسلم صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال البحرين).
قال الشيخ: وأهل البحرين مجوس، فلذلك اتفق العلماء على أخذ الجزية من المجوس وتقريرهم بها، وروي عن علي أنه قال: (كانوا أهل كتاب، فأراد ملكهم أن ينكح أخته، فسأل بعض علمائهم أن يجعل له في نكاحها شبهة، فقال: هذا دين أبينا آدم فنحن أحق به أن نحيي سنته، فنكح الملك أخته وأمسكوا عن الإنكار عليه خوفًا من سطوته، فأصبحوا وقد أسري بكتابهم).
وهم لا يؤمنون بأحد من الأنبياء غير دوارست يدعون نبوته وينقلون عنه معجزات.
ففي جانب الدم أقررناهم بالجزية حتى لا نبيح دماءهم بالشك، وهذا مجمع عليه، وفي النكاح والذبيحة حرمناهما؛ لأن أصلهما التحريم فلا يستباحان بالشك، وبهذا قال سبعة عشر صحابيًا، وعليه أكثر العلماء عملاً بالاحتياط، وبما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) رواه إلى هنا الشافعي في (مسنده) وأبو عبيد في (الأموال).
وأما زيادة: (غير مناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم) فمشهورة بين الفقهاء، وهي في (طبقات ابن سعد) في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر، وممن قال تحل ذبيحتهم ومناكحتهم الشيخ أبو إسحاق المروزي، ونقله في كتاب (التوسط) عن المزني وهو غريب عنه، وقال به أبو عبيد بن حربويه والشيخ أبو حامد: وهذا ضعيف عند الأصحاب.
وظاهر عبارة المصنف موافقة من قال: لا كتاب لهم، وأن المجوسية كالوثنية لا كتاب لها، وعبارة (المحرر): لا تحل مناكحة الكفار الذين لا كتاب لهم كعبدة الأوثان والشمس والزنادقة، وكذا مناكحة المجوس، فقوله: (وكذا مناكحة المجوس) يعني: لا تحل مناكحتهم، ولا يقتضي أنهم لا كتاب لهم.

وَتَحِلُّ كِتَابِيَّةٌ، لَكِنْ تُكْرَهُ حَرْبِيَّةٌ، وَكَذَا ذِمِّيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ  قال: (وتحل كتابية)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ولا فرق بين أن تكون حربية أو ذمية، ولم يخالف في ذلك إلا ابن عباس وابن عمر؛ فإنهما حرماها، وقال ابن عمر لما سئل عنها: إن الله حرم المشركات، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله.
وقال الإمامية والشيعة: لا يحل نكاحها إلا عند عدم المسلمة.
لكن يستثنى النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الكتابية حرامًا عليه على الصحيح، وبه قطع العراقيون؛ تنزيهًا له عن المحال المشركة النجسة.
قال: (لكن تكره حربية) أي: الكتابية الحربية؛ خوفًا من استرقاق الولد حيث لا يعلم أنه ولد مسلم، وهذه العلة نص عليها في (سير الواقدي) من (الأم)، ولما في الميل إليها من خوف الفتنة، بل نص في (الأم) على كراهة نكاح المسلمة المقيمة في بلاد الكفر؛ لأنها قد تسترق، وذكر في موضع آخر كراهة التسري أيضًا.
وأغرب صاحب (الذخائر) وتبعه ابن الرفعة فنقلا عن (حلية الشاشي) وجهًا عن بعض العراقيين: أن الحربية لا تحل للمسلم، وهو وهم؛ فإن الشاشي إنما أخذه من (الحاوي)، وهو قال: وأبطل العراقيون نكاحها، وهذا الكلام إذا وقع في كتب العراقيين .. لا يريدون به إلا أصحاب أبي حنيفة كما نبه عليه الماوردي وغيره، فليس ذلك وجهًا في المذهب أصلاً، وسيأتي له نظير في (كتاب الخلع) في قوله: (وإن بدأ بصيغة تعليق كمتى أو متى ما أعطيتني .. فتعليق).
قال: (وكذا ذمية على الصحيح)؛ لئلا تفتنه أو ولده، والكراهة فيها أخف من الكراهة في الحربية، وإلى هذا ذهب مالك وأبو حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾.
والوجه الثاني: لا يكره نكاحها، وهو بعيد وإن قاله الإمام والمتولي، اللهم إلا أن يكون ذلك طريقًا لإسلامها فيستحب؛ لأن عثمان بن عفان رضي الله عنه نكح نائلة بنت الفرافصة - بفتح الفاء الأولى وكسر الثانية - الكلبية وهي نصرانية فأسلمت وحسن إسلامها، وكانت أحظى نسائه.
رواه البيهقي.

وَالْكِتَابِيَّةُ: يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَةٌ، لاَ مُتَمَسِّكَةٌ بِالزَّبُورِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْكِتَابِيَّةُ إِسْرَائِيلِيَّةً .. فَالأَظْهَرُ: حِلُّهَا إِنْ عُلِمَ دُخُولُ قَوْمِهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ نَسْخِهِ وَتَحْرِيفِهِ،  وروى أن طلحة تزوج يهودية، وأن عبد الرحمن بن عوف تزوج يهودية، وتزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر أن يفارقها، قال: وهذا من عمر على سبيل التنزيه والكراهة.
وقال القفال في (محاسن الشريعة): الحكمة في حل الكتابية للمسلم ما يرجى من ميلها إلى دين الزوج؛ فإن الغالب على النساء الميل إلى أزواجهن وإيثارهم على الآباء والأمهات.
قال: (والكتابية: يهودية أو نصرانية) بالاتفاق، وهما الطائفتان المشهورتان عند العرب المشار إليهما بقوله تعالى: ﴿أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾، ولم يدخل المجوس فيهم وإن قلنا: إنَّ لهم كتابًا؛ لأنه غير مشهور.
قال: (لا متمسكة بالزبور وغيره) يعني: من كتب سائر الأنبياء كصحف شيث وإبراهيم وإدريس عليهم الصلاة والسلام، فلا تحل مناكحتهم، واختلفوا في سببه، فقيل: لأنها لم تنزل عليهم بنظم يدرس ويتلى، وإنما أوحي إليهم معانيها.
وقيل: لأنها كانت حكمًا ومواعظ من غير أحكام وشرائع، والأصح - وهو قول أبي إسحاق المروزي -: تقريرهم بالجزية كالمجوس.
و (الزبور): كتاب داوود عليه الصلاة والسلام.
وصحف شيث كانت خمسين صحيفة، وهو ابن آدم لصلبه، وكان من أجمل ولده وأفضلهم وأشبههم بأبيه وأحبهم إليه، وكان وصي آدم وولي عهده، وهو الذي ولد البشر كلهم، وإليه انتهت الأنساب، وهو الذي بنى الكعبة بالطين والحجارة، وعاش تسع مئة واثنتي عشرة سنة.
قال: (فإن لم تكن الكتابية إسرائيلية .. فالأظهر: حلها إن علم دخول قومها في ذلك الدين قبل نسخه وتحريفه)؛ اكتفاء بتمسكهم بذلك الدين لما كان حقًا كما يقرون بالجزية بلا خلاف.

وَقِيلَ: يَكْفِي قَبْلَ نَسْخِهِ  والقول الثاني: المنع مطلقًا؛ لفقد نسب إسرائيل، بناء على أن الإسرائيلية أبيحت لفضيلتي النسب والدين، والأصح: أن إباحتها لفضيلة الدين فقط.
فإذا لم يعلم أنهم دخلوا قبل التحريف أم بعده أو قبل النسخ أو بعده .. فيؤخذ فيهم بالاحتياط، فيقرون بالجزية وتحرم مناكحتهم وذبائحهم تغليبًا لحقن الدم، وبذلك حكمت الصحابة في نصارى العرب.
قال الشيخ: وذكروا في (كتاب الجزية): أن اليهود والنصارى إذا ادعوا أنهم من بني إسرائيل يقرون؛ لأنه لا يعلم إلا من جهتهم، وقياسه اعتمادهم هنا أيضًا، وقد يمنع؛ لتشوف الشارع إلى حقن الدماء، بخلاف الأبضاع؛ لبنائها على الاحتياط.
فعلى هذا: يمتنع الآن نكاح الذميات إلا أن يسلم منهم اثنان ويشهدان بصحة ما يوافق دعواهم ذلك.
و (الإسرائيلية) منسوبة إلى إسرائيل الله، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وهو اسم أعجمي يقال فيه: إسرائل وإسرائيل، وتميم تقول: إسرائين بالنون، و (إسرا) بالعبرانية: عبد، و (إيل): اسم الله تعالى، فمعناه عبد الله.
قال: (وقيل: يكفي قبل نسخه) أي: وبعد التحريف وإن دخلوا في المحرف؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم تزوجوا منهم ولم يبحثوا.
والصحيح: المنع؛ لأن الفضيلة التي لهم بطلت بالتحريف، وهل يُقر هؤلاء بالجزية؟ قال البغوي: لا، وقال غيره: نعم كالمجوس، قال الرافعي: وهو أولى للشبهة.

وَالْكِتَابِيَّةُ الْمَنْكُوحَةُ كَمُسْلِمَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَقَسْمٍ وَطَلاَقٍ، وَتُجْبَرُ عَلَى غُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ،  قال الشيخ: ومراده: أن قول غير البغوي أولى من قول البغوي.
وقال في (الروضة): ويقرون بالجزية على الأصح، وأولى للشبهة، وكأنه حمله على أن هؤلاء أولى بالتقرير بالجزية من المجوس، وهذا غير متجه؛ لأن المجوس لا خلاف في تقريرهم، ولأن الشبهة شاملة لهم.
وصورة المسألة: إذا دخلوا في المحرف، فإن دخلوا في الحق منه .. فكما قبل التحريف، فيحل جزمًا على هذا القول، وأما الذين دخلوا بعد التحريف والنسخ كالداخلين بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - وقيل: بعد نزول القرآن - فلا يناكحون، وفي المتهودين بعد بعثة عيسى عليه الصلاة والسلام وجهان: أصحهما: أن الحكم كذلك، ومن قال بالثاني .. بناه على أن شريعة عيسى هل نسخت جميع شريعة موسى أو بعضها؟ فالقائل بالبعض يحتج بقوله تعالى: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾.
والمشهور: أن عيسى عليه الصلاة والسلام مقرر لشريعة التوراة إلا ما نسخ منها؛ لأنه من أنبياء بني إسرائيل.
وقال الشافعي رضي الله عنه: كل شريعة نسخت التي قبلها، فشريعة عيسى نسخت شريعة موسى، وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسخت جميع الشرائع.
قال: (والكتابية المنكوحة كمسلمة في نفقة وقسم وطلاق)، وكذلك الظهار والإيلاء والعدة والسكنى والكسوة والإحداد والرجعة وغيرها؛ لأنها زوجة إلا أنه لا توارث بينهما، ولا تغسل الزوج إذا اعتبرنا النية في الغسل، ولا يحد قاذفها بل يعزر.
قال: (وتجبر على غسل حيض ونفاس) المراد: أنها إذا طهرت من الحيض أو النفاس .. لم يكن له أن يطأها قبل الغسل، وله أن يأمرها بالاغتسال إن أمكن، وإن

وَكَذَا جَنَابَةٌ وَتَرْكُ أَكْلِ خِنْزيرٍ فِي الأَظْهَرِ،  لم يمكن .. فبالتيمم، وإن امتنعت .. أجبرها الزوج عليه؛ لأنه به يصل إلى حقه، والزوج ينوب عنها في النية، وهذا لا يختص بالذمية، بل الزوجة المسلمة والأمة كذلك؛ لأن التمكين من الوطء واجب عليهن، وهو متوقف على ذلك.
وخرج الحليمي من نص الشافعي على إجبارها على الغسل أن للسيد إجبار أمته المجوسية والوثنية على الإسلام؛ لأن حل الاستمتاع يتوقف عليه، والمذهب خلافه؛ لأن الرق أفادها الأمان من القتل فلا تجبر كالمستأمنة، وليس كالاغتسال؛ فإنه لا يعظم الأمر فيه ولا يعسر عسر تبديل الدين.
وقطع المتولي في غسل الذمية بأنه لابد من نيتها إباحة الاستمتاع، ورجحه في (التحقيق)، فإن لم تفعل .. غسلها الزوج، واستفاد ذلك وإن لم توجد منها النية للضرورة كما تجبر المسلمة المجنونة عليه.
قال: (وكذا جنابة وترك أكل خنزير في الأظهر)، كما يجبرها على إزالة النجاسة ويمنعها من السكر.
والثاني: لا إجبار، وصححه ابن المنذر في الذمية؛ لأن الجنابة لا تمنع الاستمتاع، وأطلق الجمهور القولين.
وقيل: إن طال الزمن في الجنابة بحيث تعافها النفس .. أجبرت، وإلا .. فلا، وبهذا يحصل في المسألة ثلاثة أقوال.
وفي إجبار المسلمة على الغسل من الجنابة القولان إذا لم يدخل وقت صلاة، فإن دخل .. أجبرت إن كانت بالغة، وأطلق البغوي القول بالإجبار.
وله المنع من أكل ما يتأذى برائحته كالثوم والبصل والكراث غير المطبوخ على الأظهر، وقيل: قطعًا.
وله المنع من شرب ما تسكر به، وفي القدر الذي لا يسكر القولان، ويجريان في منع المسلمة من هذا القدر من النبيذ إذا كانت تعتقد إباحته.

وَتُجْبَرُ هِيَ وَمُسْلِمَةٌ عَلَى غَسْلِ مَا نَجُسَ مِنْ أَعْضَائِهَا  وقيل: يمنعها قطعًا؛ لأن ذلك القدر لا ينضبط، ويختلف باختلاف الأشخاص.
وما ذكره المصنف من منع الذمية من لحم الخنزير محله فيمن تعتقد حله كالنصرانية، فإن كانت ترى تحريمه كاليهودية .. منعها منه قطعًا كالمسلمة، كذا جزم به الماوردي والروياني، وهو الصواب.
وسيأتي في (باب الخيار والإعفاف): أن الزوج إذا وطىء زوجته المسلمة ليلاً وعلم أنها لا تغتسل وقت صلاة الصبح وتفوتها الصلاة .. عن الشيخ عز الدين: أنه لا يحرم عليه وطؤها، بل يطؤها ويأمرها بالاغتسال وقت الصلاة.
قال: (وتجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها)؛ ليتمكن من الاستمتاع، قال في (الروضة) و (المحرر): (وهذا لا خلاف فيه) وليس كذلك؛ ففي (التنبيه) فيه القولان، وينبغي أن يكونا في غير النجاسة المغلظة؛ فإنه يجبرها على أن تغسل ذلك سبعًا وتتربه على الأصح، وقيل: على غسله مرة واحدة بغير تراب.
وكذلك تجبران على التنظيف بالاستحداد وقلم الظفر وغسل الأوساخ وإزالة شعر الإبط إذا تفاحش شيء من ذلك؛ حتى يكسر التوقان، فإن كان لا يمنع إلا كمال الاستمتاع .. فقولان: أصحهما الإجبار.
وله منعها من أكل سائر السموم قطعًا، ومن تعاطي ما يخاف منه مرض على الأصح، وله منعها من لبس جلد الميتة قبل الدباغ، وليس له منعها من لبس الحرير ولا الديباج ولا الحلي المباح لها، وللزوج منع زوجته الكتابية من البِيَع والكنائس.
قال الرافعي: كما تمنع المسلمة من المسجد والجماعات، وقال القاضي حسين: له منعها من المساجد ومصلى الأعياد، وتأول قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) على أنه أراد المسجد الحرام، يعني: لا تمنعوهن الحج إذا أردنه، أو أراد ما إذا كانت عجوزًا شوهاء.

وَتَحْرُمُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ وَثَنِيٍّ وَكِتَابِيَّةٍ، وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الأَظْهَرِ.
وَإِنْ خَالَفَتِ السَّامِرَةُ الْيَهُودَ، وَالصَّابِئُونَ النَّصَارَى فِي أَصْلِ دِينِهِمْ .. حَرُمْنَ، وَإِلاَّ .. فَلاَ  قال: (وتحرم متولدة من وثني وكتابية)؛ لأنها ليست من أهل الكتاب، وهذا متفق عليه عندنا، وبه قال أحمد.
قال: (وكذا عكسه في الأظهر)؛ تغليبًا للتحريم كالمتولد بين المأكول وغيره.
والثاني - وبه قال مالك -: أنها تحل؛ لأن الانتساب إلى الأب والأب كتابي.
وقال أبو حنيفة: يحل الولد سواء كان الأب كتابيًا أو الأم تبعًا لخير الأبوين دينًا، كما لو كان أحد الأبوين مسلمًا يحكم بإسلام الولد.
وفرق الأصحاب بأن الإسلام يعلو ويغلب سائر الأديان، وسائر الأديان تتقاوم، ولا يغلب بعضها بعضًا، والكفر كله ملة واحدة، وجميع ما تقدم من المنع جزمًا إذا كانت الأم كتابية، وعلى أحد القولين إذا كان الأب كتابيًا محله في الصغير المتولد منهما، أما إذا بلغ وتدين بدين الكتابي من الأبوين .. فنص الشافعي رضي الله عنه على أنه تحل مناكحته وذبيحته.

فائدة: قال الشيخ في قوله صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى قيصر: (أسلم .. تسلم، وأسلم .. يؤتك الله أجرك مرتين) هذا يدل على أن قيصر كان على دين عيسى عليه الصلاة والسلام حين كان حقًا قبل التبديل والنسخ، وإلا .. لم يكن له أجره مرتين لو أسلم، ويدل على أنه وأصحابه أهل كتاب؛ لأنه خاطبهم بـ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية.
قال: (وإن خالفت السامرة اليهود، والصابئون النصارى في أصل دينهم .. حرمن، وإلا .. فلا)، السامرة طائفة من اليهود الذين أضلهم السامري واسمه:

وَلَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيُّ أّوْ عَكْسُهُ .. لَمْ يُقَرَّ فِي الأَظْهَرِ،  موسى بن ظفر، فعبدوا العجل لما غاب عنهم موسى عليه الصلاة والسلام العشرة أيام التي بعد الثلاثين، وهم ينكرون نبوة كل نبي بعد موسى، ويرون أنه يحرم عليهم الخروج من أرض الأردن وفلسطين، وبيدهم توراة مخالفة لتوراة اليهود، ويعظمون نابلس، وهم الآن مخالفون لليهود في أشياء كثيرة، فلذلك قال الشيخ: الذي يظهر وينبغي أن يفتى به تحريم مناكحتهم كالمجوس، واختلف قول الشافعي رضي الله عنه فيهم، وهو محمول على التفصيل الذي ذكره المصنف.
وأما الصابئون فقسمان: أحدهما: يعتقدون الكواكب، وهم أقدم من النصارى بكثير، كانوا في زمن إبراهيم عليه السلام.
والثانية: طائفة من النصارى نسبتهم إليه كنسبة السامرة إلى اليهود، والكلام في هؤلاء كالكلام في السامرة، وأما القسم الأول .. فبعيدون من النصارى؛ لأنهم يقولون: إن الفلك حي ناطق، وإن الكواكب السبعة هي المدبرة، واستفتى القادر بالله الفقهاءَ فيهم، فأفتاه الإصطخري بقتلهم، فبذلوا للقادر أموالاً عظيمة فتركهم، وكان القادر سيء السيرة في خلافته، ولم تطل مدته.
وفصل المقال أن الصابئة إن وافقوا النصارى في أصولهم ولم يخالفوهم إلا في الفروع وقد دخلوا في دينهم قبل التبديل .. أقروا بالجزية، وحلت ذبيحتهم ومناكحتهم، وإلا .. فلا.
وأما المبتدعة من أهل الإسلام إذا كفرناهم .. فالذي يظهر أن أولادهم مسلمون ما لم يعتقدوا بعد بلوغهم ذلك الاعتقاد؛ لأنهم ولدوا على الإسلام بين المسلمين ظاهرًا، وحكم اعتقاد الآباء لا يسري إليهم.
قال: (ولو تهود نصراني أو عكسه .. لم يقر في الأظهر)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، ولأنه أحدث دينًا باطلاً بعد اعترافه ببطلانه فلم يقر

فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً .. لَمْ تَحِلَّ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَتَهُ .. فَكَرِدَّةِ مُسْلِمَةٍ.
وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُ إِلاَّ الإِسْلاَمُ، وَفِي قَوْلٍ: أَوْ دِيْنُهُ الأَوَّلُ  عليه كردة المسلم، وفي (معجم الطبراني) بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما نصراني أسلم ثم تنصر .. فاضربوا عنقه).
والثاني: يقر بالجزية على ما انتقل إليه؛ لتساوي الدينين في التقرير بالجزية، وليس كالمسلم يرتد؛ لأنه ترك دين الحق، وصحح هذا في (الشرح الصغير) تبعًا للشيخ أبي حامد والبغوي، وهو نصه في (المختصر).
وبنى المتولي وغيره القولين على أن الكفر ملة واحدة أو ملل، إن قلنا: ملل .. لم يقر، وإن قلنا: ملة واحدة .. أقر كما يقر المسلم إذا انتقل من مذهب إلى مذهب.
قال: (فإن كانت امرأة .. لم تحل لمسلم) كالمسلمة إذا ارتدت تفريعًا على أنها لا تقر، وكذا لا تحل ذبيحتها ولا ذبيحته لو كان رجلاً، أما إذا قلنا: بالتقرير .. فتحل الذبيحة والمناكحة.
قال: (فإن كانت منكوحته .. فكردة مسلمة) فتنجز الفرقة قبل الدخول، وتتوقف على انقضاء العدة بعده.
قال: (ولا يقبل منه إلا الإسلام)؛ لظاهر الآية.
قال: (وفي قول: أو دينه الأول)؛ لأنه كان مقرًا عليه، فنأمره بالإسلام فإن أبى ورجع إلى الأول .. ترك، لا أنا نخيره بينهما.
وقيل: يجوز أن يدعى إلى أحدهما، ولا يكون ذلك أمرًا بالكفر، بل إجبار على حكم الله تعالى كالدعاء إلى الإسلام أو الجزية، فإن أبى الإسلام على الأول أو الإسلام وما كان عليه على الثاني .. فالأشبه في (الروضة) و (أصلها): أنه يلحق بالمأمن.
وقيل: يقتل في الحال كالمسلم يرتد، وقال صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه .. فاقتلوه) وصححه في (الذخائر)، وجزم به الماوردي في (السرقة) وقواه الشيخ.

وَلَوْ تَوَثَّنَ .. لَمْ يُقَرَّ، وَفِيمَا يُقْبَلُ الْقَوْلاَنِ.
وَلَوْ تَهَوَّدَ وَثَنِيٌّ أَوْ تَنَصَّرَ .. لَمْ يُقَرَّ، وَيَتَعَيَّنُ الإِسْلاَمُ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ.
وَلاَ تَحِلُّ مُرْتَدَّةٌ لأَحَدٍ،  قال: (ولو توثن .. لم يقر) هذا لا خلاف فيه؛ لأن أهله لا يقرون عليه، سواء كان المتوثن يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا.
قال: (وفيما يقبل القولان): أحدهما: الإسلام وهو الصحيح؛ لأن فضيلة الدين الذي كان عليه قد بطلت بالانتقال عنه فلا يرجع إليه، والذي انتقل إليه لا يمكن التقرير عليه فلم يبق إلا الإسلام.
والثاني: الإسلام أو الدين الذي كان عليه، وهنا قول ثالث: إنه يقنع منه بالإنتقال إلى دين يساوي الأول الذي انتقل عنه كما لو كان يهوديًا فتنصر الآن، أو نصرانيًا فتهود الآن.
وإذا قلنا بالأصح - وهو أنه لا يقبل منه إلا الإسلام فامتنع منه - فعلى ما اختاره الشيخ: ليس إلا السيف، وعلى ما قال الرافعي والمصنف: الأشبه أنه يبلغ المأمن.
وإذا توثن مجوسي .. لم يقر على التوثن جزمًا، وفي القناعة منه بالعود إلى التمجس القولان، وقياس القول الثالث أنه يقنع منه بالتهود أو التنصر؛ لأن كلاً منهما خير من التمجس، قاله الرافعي تفقهًا، وجزم به في (الروضة).
قال: (ولو تهود وثني أو تنصر .. لم يقر)؛ لأنه دخل فيه بعد التبديل والنسخ.
قال: (ويتعين الإسلام كمسلم ارتد)؛ لأنه كان غير مقرر فلم يزدد بالانتقال تقريرًا وتشبيهه بالانتقال ناطق بأنه إذا امتنع من الإسلام بعد الاستتابة .. قتل في الحال.
قال: (ولا تحل مرتدة لأحد) لا لمسلم؛ لأنها كافرة غير مقرة، ولا لكافر؛ لبقاء علقة الإسلام فيها، ولأنها أسوأ حالاً من الوثنية؛ لعدم تقريرها على دينها،

وَلَوِ ارْتَدَّ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ دُخُولٍ .. تَنجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ .. وُقِفَتْ؛ فَإِنْ جَمَعَهُمَا الإِسْلاَمُ فِي الْعِدَّةِ .. دَامَ النِّكَاحُ، وَإِلاَّ .. فَالْفُرْقَةُ مِنَ الرِّدَّةِ،  ومنهم من علل ذلك بأن القصد من النكاح الدوام، وهذه العلة يرد عليها من تحتم قتله؛ فإن نكاحه يصح.
قال: (ولو ارتد زوجان أو أحدهما قبل دخول .. تنجزت الفرقة)؛ لأنه انتقال من دين إلى دين يمنع ابتداء النكاح، فأشبه إسلام أحد الزوجين غير الذميين، ولا فرق بين أن يرتدا معًا أو أحدهما قبل الدخول.
وردة السكران كردة المفيق، وردة المغلوب على عقله بغير السكر لا تفسخ نكاحًا.
قال: (أو بعده .. وقفت؛ فإن جمعهما الإسلام في العدة .. دام النكاح، وإلا فالفرقة من الردة)؛ لأنه اختلاف دين طرأ بعد المسيس فلا يوجب الفسخ في الحال كإسلام أحد الزوجين الكافرين.
وحكى ابن المنذر عن مالك وأبي حنيفة الانفساخ بمجرد الردة.
قال الشيخ: والذي يقتضيه الدليل عدم الانفساخ ولو بعد العدة؛ فقد ارتد خلق في خلافة الصديق رضي الله عنه، وعادوا إلى الإسلام ونساؤهم معهم ولم ينقل أن أحدًا منهم أمر بتجديد النكاح، ولا استفصل النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه أحدًا ارتد وعاد إلى الإسلام هل عاد بعد انقضاء العدة أو قبلها، لا جرم قال داوود: لا يقطع الارتداد النكاح مطلقًا، لكن رد عليه الأصحاب بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ وهذه كافرة، ولأن المسلمة لا تقر على نكاح الذمي، فلأن لا يجوز تقريرها على نكاح المرتد أولى.

فرع: هرب الزوج المرتد واعتدت المرأة فجاء مسلمًا وادعى أن إسلامه كان قبل إتيانه

وَيَحْرُمُ الْوطْءُ فِي التَّوَقُّفِ وَلاَ حَدَّ  بشهر، وذلك الوقت قبل مضي عدة زوجته وقد انقضت عدتها، فأنكرت إسلامه إلا في وقت خرجت فيه من العدة .. فالقول قولها مع يمينها، وعليه البينة، نقله البيهقي في (المبسوط) عن (النص).
قال: (ويحرم الوطء في التوقف)؛ لاحتمال انقضاء العدة قبل اجتماعهما في الإسلام.
قال: (ولا حد)؛ لأنه يدرأ بالشبهة، وتجب العدة، وهما عدتان من شخص واحد، فهو كما لو طلق امرأته ثم وطئها في العدة، واجتماعهما في الإسلام هنا بمثابة الرجعة هناك، يستمر النكاح إذا جمعهما الإسلام في الحالات التي يحكم فيها بثيوت الرجعة هناك.

تتمة: إذا طلقها في زمن التوقف أو ظاهر منها أو آلى .. توقفنا، فإن جمعهما الإسلام قبل انقضائها .. تبينا صحتها، وإلا .. فلا، وليس للزوج أن ينكح أختها ولا أربعًا سواها في زمن التوقف، ولا أن ينكح أمة؛ لاحتمال إسلامها.
ولو طلقها ثلاثًا في مدة التوقف أو خالعها .. جاز له ذلك؛ لأنها إن لم تعد إلى الإسلام .. فقد بانت بالردة، وإلا .. فبالطلاق أو الخلع.

  • ... * ... * خاتمة في (فتاوى القفال): إذا قال لامرأته: يا كافرة، فإن أراد شتمها .. لم تبن منه، وإن لم يكن على وجه الشتم ونوى فراقه منها لأنها كافرة .. بانت منه، كذا قاله، وفيه نظر.
    وفي (الشرح) و (الروضة) قبيل (الصداق) عن (فتاوى البغوي): أنه إذا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كان تحته مسلمة وذمية لم يدخل بهما فقال للذمية: أسلمت وللمسلمة تنصرت، فأنكرتا، فإن كان قبل الدخول .. ارتفع نكاحهما بزعم الزوج؛ لأن المسلمة بزعمه مرتدة، والذمية بإنكارها الإسلام كذلك، فإن صدقتاه وقالت المسلمة: عدت إلى الإسلام .. استمر النكاح بعد الدخول والله أعلم.

بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ أَسْلَمَ كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ وَتَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ .. دَامَ نِكَاحُهُ، أَوْ وَثَنِيَّةٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ فَتَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ .. تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ وَأَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ .. دَامَ النِّكَاحُ، وَإِلاَّ .. فَالْفُرْقَةُ مِنْ إِسْلاَمِهِ  باب نكاح المشرك (المشرك): الكافر على أي ملة كان، وهو المراد هنا، فكل مشرك كافر، وكل كافر مشرك.
وقد يطلق المشرك على الكافر الذي ليس بكتابي، فيكون أخص من الكافر، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾.
قال: (أسلم كتابي أو غيره وتحته كتابية .. دام نكاحه) بالإجماع، ولأنه يجوز له نكاح الكتابية في الإسلام ابتداء فدوامه أولى، سواء أسلم استقلالاً أو تبعًا، ولا فرق بين اليهودي والنصراني والمجوسي والوثني.
قال: (أو وثنية أو مجوسية فتخلفت قبل دخول .. تنجزت الفرقة) المراد: إذا أسلم وتحته مجوسية أو وثنية أو غيرهما ممن لا يجوز نكاحها من الكافرات وتخلفت هي، فإن كان قبل المسيس .. تنجزت الفرقة؛ إذ لا عدة، فتصير كما لو تأخر إسلام المدخول بها حتى انقضت عدتها.
قال: (أو بعده وأسلمت في العدة .. دام النكاح)؛ لاجتماعهما على الإسلام في العدة.
قال: (وإلا .. فالفرقة من إسلامه) قال الشافعي: لا نعلم في ذلك خلافًا، وقال

وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَأَصَرَّ .. فَكَعَكْسِهِ.
وَلَوْ أَسْلَمَا مَعاً .. دَامَ النِّكَاحُ، وَالْمَعِيَّةُ بِآخِرِ اللَّفْظِ  عبد الله بن شبرمة: إن الناس كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم الرجل قبل المرأة والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة الآخر .. فهي امرأته، وإن أسلم بعد انقضاء العدة .. فلا نكاح بينهما، كذا أورده صاحب (المهذب) وغيره.
قال في (المطلب): ولا يحضرني من خرجه، ورواه في (الكفاية) عن عبد الله سمرة، وهذه الفرقة فرقة فسخ لا طلاق.
قال: (ولو أسلمت وأصر .. فكعكسه) إن كان قبل الدخول .. تنجزت الفرقة، حكى ابن المنذر فيه الإجماع، أو بعده وأسلم في العدة .. دام النكاح، وإلا .. فالفرقة من إسلامها، ولا فرق هنا بين الكتابي وغيره، ولهذا لم يقيده بخلاف الزوجة.
قال: (ولو أسلما معًا .. دام النكاح) على أي كفر كانا، سواء بعد الدخول أو قبله، حكى ابن المنذر وابن عبد البر فيه الإجماع.
وروى أحمد وأبو داوود والترمذي: أن رجلاً جاء مسلمًا، ثم جاءت امرأته مسلمة، فقال: يا رسول الله؛ إنها أسلمت معي، فردها عليه صلى الله عليه وسلم.
قال: (والمعية بآخر اللفظ) أي: بآخر كلمة الإسلام؛ لأن بها يحصل الإسلام، وإذا طلقها زمن التوقف في العدة .. فهو موقوف، ومثله الظهار والإيلاء، وإن قذفها .. وقف إسقاط الحد أو التعزيز باللعان، ولو نكح أختها المسلمة أو أربعًا سواها .. لم يصح، وقيل بقولي وقف العقود.
وإن وطئها في العدة ولم يسلم الثاني .. وجب المهر، وإن أسلم .. فالأصح: لا يجب، هذا ملخص مذهب الشافعي، وهو أظهر الروايتين عن أحمد.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل