كتاب المساقاة
سميت بذلك لأن السقي أنفع أعمالها لاسيما بالحجاز.
وقيل: من السقي بكسر القاف وتشديد الياء وهي: صغار النخل.
وهي: أن يدفع الإنسان نخلاً أو شجر عنب إلى من يحسن العمل فيها مدة معلومة ليقوم بسقيها وتعهدها على أن له جزءاً معلوماً من ثمرتها.
واتفق جمهور العلماء على جوازها، ولم يخالف فيها إلا أبو حنيفة وزفر، وحجة الجمهور: القياس على القراض المجمع عليه.
وقيل: إن القراض أصله المساقاة لثبوتها بالسنة.
والأصل فيها- قبل اتفاق الصحابة والتابعين-: ما في (الصحيحين) [خ2328 - م1551]: عن ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) ومن جهة المعنى: أن مالك الأشجار قد لا يحسن تعهدها أو لا يتفرغ لها، ومن يحسن ذلك قد لا تكون له أشجار.
ولو تعاقدا عقد الإجارة .. للزم المالك غرم الأجرة في الحال، وربما لم يحصل من الأشجار شيء، ولتهاون العامل فدعت الحاجة إلى تجويز عقدها.
قال: (تصح من جائز التصرف)؛ لأنها معاملة على المال فاعتبر في عاملها ذلك كالقراض والإجارة.
قال: (ولصبي ومجنون بالولاية) أي: عند المصلحة للاحتياج إلى ذلك، وحكم السفينة كذلك، فلو قال: ولمحجور .. لعم.
وفي معنى الولي: الإمام في بساتين بيت المال وناظر الوقف، فلو أجر الولي بياض أرض الصبي بأجرة على مقدار منفعة الأرض وقيمة الثمرة، ثم ساقاه على الشجر
وَمَوْرِدُهَا: النَّخْلُ وَالْعِنَبُ،
على سهم من ألف سهم والباقي للمستأجر كما جرت به العادة .. أفتى ابن الصلاح بصحته إذا كان ذلك لا يعد في العرف غبناً فاحشاً في عقدها.
ونظير ذلك قول الرافعي في (الفلس): إن الولي إذا وجد ما اشتراه للصبي معيباً وكانت الغبطة في إبقائه .. لا يرده ولا يثبت له الأرش.
قال: (وموردها: النخل) بإجماع القائلين بها، وشرط الليث بن سعد رحمه الله أن يكون سقوياً ومنع في البعل، ويدل لجوازه في عموم النخل حديث ابن عمر المتقدم، وسواء في ذلك الفحول وغيرها كما صرح به الخفاف في (الخصال).
قال: (والعنب) خلافاً لداوود، واختلف الأصحاب هل قال الشافعي بذلك نصاً أو قياساً؟ والأشبه الثاني بجامع وجوب الزكاة وإمكان الخرص.
وقيل: أخذه من النص وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على الشطر مما يخرج من النخل والكرم) وادعى قائلوه أن خيبر كان فيها عنب.
قال الشيخ: وقد تتبعت الروايات فلم أجد فيها ذلك، وإنما في رواية الدراقطني الرافعي بالكرم موافقة للفظ القرآن، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسموا العنب كرماً، إنما الكرم الرجل المسلم) رواه مسلم [2247/ 8].
قيل: سمي كرماً من الكرم بفتح الراء؛ لأن الخمرة المتخذة منه تحمل عليه فكره أن يسمى به، وجعل المؤمن أحق بما يشتق من الكرم، ويقال: رجل كرم بإسكان الراء وفتحها، أي: كريم.
وقال الزمخشري: أراد أن يقرر ما في قوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ بطريق لطيف.
وإطلاق المصنف يقتضي المنع في شجر المقل، وهو الذي صرح به في زيادات
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(الروضة)، والرافعي أطلق وجهين، والمنصوص المفتى به: الجواز لشبهه بالنخل.
فائدة:
ثمرات النخيل والأعناب أفضل الثمار، وشجرها أفضل الأشجار بالاتفاق، واختلفوا أيهما أفضل على قولين، وقد ورد: (أكرموا عماتكم النخل المطعمات في المحل فإنها خلقت من طينة آدم عليه السلام)، وسبق في (زكاة الفطر) أن التمر خير من الزبيب.
والنخل مقدم على العنب في جميع القرآن.
وشبه النبي صلى الله عليه وسلم النخلة بالمؤمن؛ لأنها تشرب برأسها وإذا قطع ماتت، وينتفع بجميع أجزائها، وليس في الشجر شيء فيه ذكر وأنثى سواها، وهي الشجرة الطيبة المذكورة في القرآن فكانت أفضل.
وقال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
وقال: (بيت لا تمر فيه جياع أهله).
وقال: (من أفطر على سبع تمرات من عجوة العالية .. لا يصيبه في يومه ذلك سم ولا سحر).
وَجَوَّزَهَا الْقَدِيمُ فِي سَاِرِ الأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ.
وَلاَ تَصِحُّ الْمُخَابَرَةُ،
وشبه صلى الله عليه وسلم عين الدجال بحبة العنب؛ لأنها أصل الخمرة وهي أم الخبائث.
قال: (وجوزها القديم في سائر الأشجار المثمرة) كالتين والجوز واللوز والمشمش والتفاح والخوخ والكمثرى؛ لعموم الحاجة إلى ذلك كما في النخل والعنب، وبهذا قال مالك وأحمد لرواية الدارقطني المتقدمة، واختاره المصنف في (التصحيح)، وسبقه إلى تصحيحه الخفاف.
ومحل المنع إذا أفردت هذه الأشياء بالمساقاة، فإن كانت تابعة للنخل أو العنب .. فوجهان: أصحهما في زوائد (الروضة) في آخر (باب المزارعة): الجواز قياساً على المزارعة، لكن قيده الماوردي بما إذا كانت قليلة تابعة للنخل أو العنب.
والجديد: المنع؛ لأنها رخصة فخصت بموردها، وإنما جوزت فيما فيه الزكاة رفقاً بالمالك والفقراء وهذه لا زكاة فيها.
فأما ما لا ساق له كالزرع وقصب السكر والبطيخ والباذنجان والقثاء والبقول، فما ثبتت أصوله في الأرض ويجز مرة بعد أخرى .. ففي جواز المساقاة عليه وجهان: أصحهما: المنع، وما لا تثبت أصوله في الأرض ويجز مرة بعد أخرى .. لا تجوز المساقاة عليه قطعاً، وذلك هو المزارعة والمخابرة الآتي ذكرهما.
واحترز بـ (المثمرة) عما لا ثمرة له كالتوت الذكر والصنوبر وشجر الخلاف فيمتنع فيها على القديم أيضاً على الصحيح.
وقال الشافعي: لا تجوز المساقاة على الموز؛ لأن ساقه يقطع ثم يخلف.
ويشترط في الأشجار المساقى عليها أن تكون معينة مرئية.
قال: (ولا تصح المخابرة)؛ لما روى مسلم [1547] عن ابن عمر قال: (كنا وَهِيَ: عَمَلُ الأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ.
وَلاَ الْمُزَارَعَةُ،.
لا نرى بالخبر بأساً حتى كان عام أول، فزعم رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه).
و (الخبر) بإسكان الباء هو: المخابرة.
وفي (سنن أبي داوود) [3399]: عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يذر المخابرة .. فليؤذن بحرب من الله ورسوله) وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة.
وهي مشتقة من الخبير وهو الأكار، أو من الخبار وهي الأرض الرخوة، أو من خيبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهلها.
قال: (وهي: عمل الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل) في هذا التفسير نظر؛ فإن العمل من وظيفة العامل فلا يفسر العقد به، ولذلك عبر في (المحرر) بالمعاملة على الأرض.
قال: (ولا المزارعة)؛ لما روى مسلم [1549] عن ثابت بن الضحاك الصحابي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها) وبهذا قال مالك وأبو حنيفة خلافاً لأحمد.
وقال أكثر العلماء ببطلان المزارعة والمخابرة جميعاً إذا لم يكونا تابعين لمساقاة.
وقالت طائفة بجوازهما.
وقالت طائفة بجواز المزارعة دون المخابرة، ولم يقل أحد بجواز المخابرة دون المزارعة.
فممن قال ببطلانها رافع بن خديج وجابر وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وأبو حنيفة ومالك والشافعي.
وجوزهما أحمد واختاره المصنف من جهة الدليل، ونقله عن ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي، وعمل الناس على ذلك في جميع الأعصار وأجابوا عن الأحاديث الصحيحة فيها، وقال أحمد: حديث النهي عنهما مضطرب كثير الألوان.
وقال ابن سريج والجوري: تجوز المزارعة دون المخابرة، وهو المشهور عن أحمد.
وَهِيَ: هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ، وَالْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ.
واختلف الناس في كراء الأرض؛ فعن الحسن وطاووس: منعه مطلقاً، والأكثرون: على جوازه بالذهب والفضة ونحوهما، ونقل بعضهم فيه الإجماع؛ ولعل ما يحكى عن الحسن لم يصح عنه، ومنع مالك كراءها بالطعام، والحق في مسألة الكراء الجواز إذا لم يكن شرط مفسد ولا جهالة، وحمل النهي على ما تضمن أحدهما أو على التنزيه.
قال: (وهي: هذه المعاملة، والبذر من المالك) فلم يدخل في النهي عن كراء الأرض، وما جزم به المصنف من كون المزارعة غير المخابرة هو الصواب.
وقال جماعة منهم الماوردي والنبدنيجي والخطابي: معناهما واحد وهو: المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، ونسبة صاحب (البيان) إلى الأكثرين، وكذلك صاحب (رفع التمويه) وغلطا في ذلك، وكذا فسرهما الجوهري في (صحاحه) وابن الأثير في (جامعه).
فروع:
الأول: المناصبة التي تفعل بالشام وهي: أن يسلم إليه أرضاً ليغرسها من عنده ويكون الشجر بينهما .. قال الشيخ من منع المخابرة منعها، ومن أجازها .. ففي تجويزه هذه نظر.
الثاني: قال الشيخ: كل من زرع أرضاً ببذره .. فالزرع له إلا أن يكون فلاحاً يزرع بالمقاسمة بينه وبين صاحب الأرض كعادة الشام، فإن الزرع يكون على حكم المقاسمة على ما عليه عملهم.
قال: وأنا أراه وأرى وجهه من جهة الفقه أن الفلاح كأنه خرج عن البذر لصاحب
فَلَوْ كَانَ بَيْنَ النَّخْلِ بَيَاضٌ .. صَحَّتِ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ بِشَرْطِ: اتِّحَادِ الْعَامِلِ، وَعُسْرِ إِفْرَادِ النَّخْلِ بِالسَّقْيِ، وَالْبَيَاضِ بِالْعِمَارَةِ.
الأرض، وصاحب الأرض خرج عن الأرض لصاحب البذر بالشرط المعلوم بينهما فيثبت على ذلك.
قال: فإذا تعدى شخص على الأرض وغصبها وهي في يد الفلاح فزرعها على عادته .. لا نقول الزرع للغاصب، بل للمغصوب منه على حكم المقاسمة، قال: وهذه فائدة تنفع في الأحكام.
الثالث: زراعة على أرض بجزء من الغلة معلوم، فعطل العامل الأرض .. أفتى المصنف بأنه: إن كان قد تسلمها من المالك .. فعليه أجرة ما عطله منها، وغلطه في ذلك الشيخ تاج الدين الفزاري، والذي قاله المصنف هو القياس الموافق لكلام الروياني في (البحر).
قال: فلو كان بين النخل بياض) وهي: الأرض الخالية عن الزرع والشجر (... صحت المزارعة عليه من المساقاة على النخل) لعسر الإفراد، وعليه حملوا معاملة أهل خيبر على شطر التمر والزرع.
واقتصار المصنف على النخل ليس بجيد؛ فإن العنب كذلك، وهو قد استدركه على (التنبيه) بقوله: والصواب أن المزارعة تصح على الأرض التي بين العنب أيضاً، وينبغي أن يلتحق بهما غيرهما من الأشجار إذا جوزنا المساقاة عليها.
قال: (بشرط: اتحاد العامل)؛ لأن إفراد المزارعة بعامل يخرجها عن كونها تابعة، ويؤدي إلى اختلاط العمل، والمراد: أن لا يكون من ساقاه غير من زارعه لا أن يكون شخصاً واحداً، فلو ساقى عشرة وزارعهم بعقد واحد .. صح.
قال: (وعسر إفراد النخل بالسقي، والبياض بالعمارة) لانتفاع النخل بسقي الأرض وتقليبها، فإن أمكن الإفراد .. لم تجز المزارعة على الأصح؛ لانتفاء
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ لاَ يُقَدِّمَ الْمُزَارَعَةَ، وَأَنَّ كَثِيرَ الْبَيَاضِ كَقَلِيِلهِ،
الحاجة، وعبارة (الشرحين) و (الروضة): التعذر، وهي أوفق لعبارة الجمهور.
قال: (والأصح: أنه يشترط أن لا يفصل بينهما) أي: بين المساقاة والمزارعة التابعة، بل يأتي بهما على الاتصال لتحصيل التبعية، فإذا قال: ساقيتك على النخل وزارعتك على الأرض بالنصف مثلاً .. صح قطعاً، فلو قال: ساقيتك على النخل بالنصف وزارعتك على الأرض بالنصف، فقال: قبلت المساقاة وقبلت المزارعة .. صح في الأصح، ولو قال: قبلتهما .. صح على الصحيح.
أما لو قال: ساقيتك على النخل بالنصف فقبل ثم بعد ذلك قال: زارعتك على الأرض بالنصف .. لم يصح في الأصح لفوات التبعية.
والثاني: يصح لحصولهما لشخص واحد، ولو لم يأت بلفظ المساقاة والمزارعة بل قال: عاملتك عليهما بالنصف .. كفى.
وموضع الخلاف إذا بقي من مد المساقاة ما يمكن فيه الزرع، وإلا .. فيمتنع قطعاً، كذا نص عليه الدارمي وغيره.
قال: (وأن لا يقدم المزارعة)؛ لأنها تابعة والتابع لا يتقدم على متبوعه.
والثاني: يكون العقد موقوفاً، فإن ساقاه بعدها .. بانت صحتها، وإلا .. فلا، وإذا قلنا بهذا .. قال ابن الرفعة: فالأشبه اختصاصه بما قبل التفرق.
قال: (وأن كثير البياض كقليله)؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك.
والثاني: لا؛ لأن الأكثر لا يتبع الأقل، ولأن بياض خيبر كان أقل بدليل أن الشعير كان أقل من التمر، وهل النظر في الكثرة إلى النماء أو إلى مساحة الأرض؟ فيه خلاف، الأظهر عند الغزالي: الأول، وعند المصنف: الثاني.
وَأَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُخَابِرَ تَبَعاً لِلْمُسَاقَاةَ.
وَإِذَا أُفْرِدَتِ الأَرْضُ بِالزِّرَاعَةِ .. فَالْمَغَلُّ لَلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ وَدَوَابِّهِ وَآلاَتِهِ،
قال: (وأنه لا يشترط تساوي الجزء المشروط من الثمر والزرع) فيصح بنصف من أحدهما وربع من الآخر.
والثاني: يشترط التساوي؛ لأن التفصيل يزيل التبعية ويصيرهما عقدين، وصححه المصنف في (نكت التنبيه).
قال: (وأنه لا يجوز أن يخابر تبعاً للمساقاة)؛ لأن الوارد في قصة خيبر المزارعة لا المخابرة.
والثاني: يجوز كالمزارعة بجامع الحاجة.
كل هذا تفريع على ما تقدم من الفرق بين المزارعة والمخابرة، أما من جعلهما واحداً .. فلا يمنع ذلك.
ولو شرط البذر من المالك والثور من العامل أو عكسه .. فوجهان: أصحهما في الأولى: الجواز، وفي الثاني: المنع.
قال: (وإذا أفردت الأرض بالزراعة .. فالمغل للمالك، وعليه للعامل أجرة عمله ودوابه وآلاته)؛ لبطلان العقد، وعمله لا يحبط مجاناً، وتكون الأجرة من نقد البلد كما صرح به القاضي حسين.
هذا إذا كانت من عند العامل، فإن أفردت بالمخابرة .. فالغلة للعامل وعليه لمالك الأرض أجرة مثلها، فلو زرع البياض بلا إذن .. لزمه كل الأجرة ويقلع مجاناً، ولو كان البذر منهما .. فالغلة لهما ولكل على الآخر أجرة ما انصرف من منافعه على حصة صاحبه.
ومحل ما ذكره المصنف إذا سلم الزرع، فإن أصابته آفة ولم يحصل من الغلة شيء .. فنقل الرافعي في نظيره من الشركة الفاسدة عن المتولي أنه لا شيء للعامل؛
وَطَرِيقُ جَعْلِ الْغَلَّةِ لَهُمَا وَلاَ أُجْرَةَ: أَنْ يَسْتَاجِرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْرِ لِيَزْرَعَ لَهُ النِّصْفَ الآخَرَ ويُعِيرَهُ نِصْفَ الأَرْضِ، أَوْ يَسْتَاجِرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَنِصْفِ مَنْفَعَةِ الأَرْضِ لِيَزْرَعَ لَهُ النِّصْفَ فِي النِّصْفِ الآخَرِ مِنَ الأَرْضِ.
لأنه لم يخلص للمالك شيء، وصوبه المصنف وفيه نظر، فإنه في القراض الفاسد إذا لم يربح العامل شيئاً .. له أجرة المثل.
قال: (وطريق جعل الغلة لهما ولا أجرة: أن يستأجر بنصف البذر ليزرع له النصف الآخر ويعيره نصف الأرض)؛ لأن العامل استحق من منفعة الأرض نصيبه من الزرع، والمالك من منفعته بقدر نصيبه من الزرع، وهذه الطريقة ذكرها الشافعي رحمه الله.
وأفاد المصنف بقوله: (ويعيره) أنه يجوز إعارة المشاع، وفائدته إسقاط الأجرة؛ لأنه لو استأجره على زراعة نصف البدر ولم يعره نصف الأرض فزرع الجميع .. لزمه نصف أجرة الأرض.
قال: (أو يستأجره بنصف البذر ونصف منفعة الأرض ليزرع له النصف في النصف الآخر من الأرض) وهذه قالها المزني.
واحترز المصنف بذلك عما إذا استأجره كذلك ليزرع في النصف من أرض أخرى.
والفرق بين الطريقة الأولى والثانية: أنه في الأولى جعل الأجرة عيناً وفي الثانية عيناً ومنفعة، وأنه في الأولى يتمكن من الرجوع بعد الزراعة في نصف الأرض وأخذ الأجرة وفي الثانية لا يتمكن، وأنه لو فسد منبت الأرض في المدة .. لزمه قيمة نصفها في الأولى دون الثانية؛ لأن العارية مضمونة.
وذكر الأصحاب طريقة ثالثة وهي: أن يقرضه نصف البذر ويؤجره نصف الأرض بنصف عمله ونصف منافع آلاته، وهذه أحوطها.
تتمة:
كل هذا إذا كان البذر لمالك الأرض، فإن كان من العامل .. فطريقه: أن يستأجر
فَصْلٌ:
يُشْتَرَطُ تَخْصِيصُ الثَّمَرِ بِهِمَا، وَاشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ، وَالْعِلْمُ بِالنَّصِيبَيْنِ بِالْجُزْئِيَّةِ كَالْقِرَاضِ.
وَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْمُسَاقَاةِ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ،
نصف الأرض بنصف البذر ونصف عمله ونصف منافع الآلات.
وإن كان منهما .. فيستأجر العامل نصف الأرض بنصف منافعه ومنافع آلاته المصروفة إلى الزراعة.
ولابد في هذه الإجارات من رعاية الرؤية وتقدير المدة وغيرهما من شروط الإجارة.
قال: (
فصل
:
يشترط تخصيص الثمر بهما، واشتراكهما فيه) فلو شرط بعض الثمار لثالث أو كلها لأحدهما .. فسدت المساقاة، ولا يجوز أن يكون العوض غير الثمر بلا خلاف، فلو ساقى بدراهم أو غيرها .. لم ينعقد مساقاة قطعاً، ولا إجارة إلا إذا فصل الأعمال وكانت معلومة، ولا تكاد تعلم.
وعبارة المصنف مقلوبة وصوابها: تخصيصها بالثمر كما عبر به في (القراض).
وعلم من ذكر الثمر أن الجريد والليف والكرناف لا يكون مشتركاً، بل يختص بالمالك، وهو كذلك كما سيأتي في خاتمة الباب.
قال: (والعلم بالنصيبين بالجزئية) كالنصف والثلث نفياً للجهالة وقطعاً للنزاع.
قال: (كالقراض) أي: كالربح في القراض في جميع ما تقدم، فيصح فيما إذا قال: بيننا، وإذا قال: على أن لك النصف وإن قال: على أن النصف لي .. لم يصح.
قال: (والأظهر: صحة المساقاة بعد ظهور الثمرة)؛ لأنه أبعد عن الغرر، وبه قال مالك وأحمد.
لَكِنْ قَبْلَ بَدُوِّ الصَّلاَحِ.
وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ لِيَغْرِسَهُ وَيَكْونَ الشَّجَرْ بَيْنَهُمَا .. لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ كَانَ مَغْرُوسً وَشَرَطَ لَهُ جُزْءاً مِنَ الثَّمَرَةِ عَلَى الْعَمَلِ؛ فَإِنْ قَدَّرَ مُدَّةً يُثْمِرُ فِيهَا غَالِباً .. صَحَّ،
والثاني: لا تصح؛ لأنها ملك صاحب البستان، فشرط شيء منها كشرط شيء من الشجر.
ولأنه صلى الله عليه وسلم (ساقى أهل خيبر على شطر ما يخرج منها).
قال الماوردي: وهذا مشهور مذهب الشافعي.
وقال ابن الرفعة: للخلاف التفات إلى أن العامل يملك حصته بالظهور أو بالقسمة، ونسب الغزالي المنع إلى القديم، والبندنيجي الجواز إلى القديم.
قال ابن الرفعة: وهو الحق؛ إذ كيف يمكن القول بالصحة على الجديد وعنده أن العامل يملك حصته من الثمرة بالظهور.
قال: (لكن قبل بدو الصلاح)؛ لبقاء معظم الأعمال، أما بعده .. فممنوع قطعاً لفوات المعظم، وحكي أن ابن عبد البر الإجماع عليه، وهذه أصح الطرق.
وقيل بجريان القولين في الحالين ما لم يتناه النضج.
قال: (ولو ساقاه على ودي ليغرسه ويكون الشجر بينهما .. لم يصح)؛ لأن المساقاة لم ترد إلا على أصل ثابت، وهي رخصة لا تتعدى موردها.
وقيل: تصح للحاجة، وكذلك لو كان يغرسه ويتعهده والثمرة بينهما فعلى الصحيح: إذا عمل .. فله أجرة المثل إن توقعت الثمرة في المدة، وإلا .. فلا في الأصح.
و (الودي) بفتح الواو وكسر الدال المهملة وتشديد الياء: صغار النخل، وتسمى الفسيل.
قال: (ولو كان) أي: الودي (مغروساً وشرط له جزءاً من الثمرة على العمل؛ فإن قدر مدة يثمر فيها غالباً .. صح)؛ لأنها مدة واحدة، وتجعل السنين كالأشهر من السنة الواحدة، فإن لم يثمر .. حبط عمله على المشهور كما لو قارضه فلم يربح.
وَإِلاَّ .. فَلاَ، وَقِيلَ: إِنْ تَعَارَضَ الاِحْتِمَالُ .. صَحَّ.
وَلَهُ مُسَاقَاةُ شَرِيكِهِ فِي الشَّجَرِ إِذَا شَرَطَ لَهُ زِيَادَةً عَلَى حِصَّتِهِ.
قال: (وإلا .. فلا)؛ لخلوها عن العوض كالمساقاة على الأشجار التي لا تثمر، ولهذا لا يستحق أجرة على الأصح إذا كان عالماً بأنها لا تثمر، فإن كان جاهلاً .. استحق قطعاً.
وقيل: بطرد الوجهين في الحالين.
قال: (وقيل: إن تعارض الاحتمال .. صح) كالقراض، ولأن الثمرة مرجوة، فإن أثمرت .. استحق، وإلا .. فلا شيء له.
والأصح: المنع؛ لأنه عقد على عوض غير موجود ولا ظاهر وجوده، فأشبه السليم لا يوجد غالباً، وهذه طريقة الجمهور.
وقيل: إن غلب وجودها .. صح، وإلا .. فوجهان.
وقيل: إن غلب عدمها .. لم يصح، وإلا .. فوجهان.
والمرجع في المدة إلى أهل الخبرة بالشجر في تلك الناحية.
قال: (وله مساقاة شريكه في الشجر إذا شرط له زيادة على حصته) قلت الحصة أم كثرت كالأجنبي، فإن شرط له مقدار نصيبه أو دونه .. لم يصح؛ إذ لا عوض لاستحقاقه ذلك بالملك، فإن عمل .. فلا أجرة له في الأصح.
وأفهم تعبيره بـ (الزيادة) أنه لو شرط له كل الثمرة .. فسد، لكن الأصح أن له الأجرة، ومحل ما ذكره المصنف إذا استقل بالعمل.
واستشكل الشيخ جواز مساقاة الشريط بأن عمل الأجير يجب أن يكون في خاص ملك المستأجر، ثم قال: والخلاص منه أن يساقي على نصيبه فقط حتى لا يكون العمل المعقود عليه واقعاً في المشترك.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَشْرِطَ عَلَى الْعَامِلِ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَعْمَالهَا، وَأَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَمَلِ وَبِالْيَدِ فِي الْحَدِيقَةِ.
فرع:
حديقة لستة أسداساً، ساقوا واحداً على أن له من نصيب أحدهم- وعينوه- النصف ومن الثاني الربع والثالث الثمن والرابع الثلثين والخامس الثلث والسادس السدس .. فيضرب وفق مخرج الثمن أو السدس في الآخر يبلغ أربعة وعشرين، يضربها في عدد الشركاء يبلغ مئة وأربعة وأربعين، يأخذ العامل من نصيب صاحب النصف اثني عشر ومن الثاني ستة ومن الثالث ثلاثة ومن الرابع ستة عشر ومن الخامس ثمانية ومن السادس أربعة.
قال: (ويشترط أن لا يشرط على العامل ما ليس من جنس أعمالها) كما إذا شرط أن يبني له جدار الحائط أو يحفر بئراً جديداً؛ لأنه شرط إدخال عقد في عقد.
وقيل: يبطل الشرط دون العقد كالشروط الفاسدة في الرهن.
وقال مالك: يجوز أن يشترط كل ما كان من مصلحة الحائط.
تنبيه:
المصنف لم يتقدم له ذكر أعمالها حتى يحكم عليه، بخلاف القراض؛ فإنه ذكر وظيفة العامل ثم قال: (لو قارضه ليشتري حنطة) إلى آخره فبين ما عليه، ثم بين أن اشتراط غيره مفسد وهو أحسن مما صنع ههنا.
قال: (وأن ينفرد بالعمل وباليد في الحديقة) كما في القراض، فلو شرط أن يعمل معه المالك .. فسد العقد، وإن شرط أن يعمل معه غلامه .. فقيل كالقراض، والأصح هنا: القطع بالجواز، والفرق أن بعض الأعمال هنا على المالك، هذا إذا شرط أن يعاونه ويكون تحت يده، فإن جعل للغلام رأياً .. لم يجز قطعاً.
وَمَعْرِفَةُ الْعَمَلِ بِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ كَسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ،
ثم إذا شرطا نفقته على العامل .. جاز على الأصح، وإن شرطاها على المالك .. جاز خلافاً لمالك، وإن شرطاها في الثمار .. لم يجز في الأصح للجهالة، وإن لم يعرضا لها .. فهي على المالك، وقيل: على العامل، وقيل: في الثمرة، وقيل: يفسد العقد.
وليس للعامل استخدام الغلام في شغل نفسه، ول شرطه .. بطل العقد، ولو كان برسم الحديقة غلمان يعملون فيها .. لم يدخلوا في مطلق المساقاة.
قال: (ومعرفة العمل)؛ لأنه المعقود عليه، ويحمل المطلق في كل ناحية على العرف الغالب.
قال: (بتقدير المدة)؛ لأنها عقد لازم فاشترط فيها التوقيت، فلا تجوز مؤبدة ولا مطلقة كالإجارة، ولأن لحصول الثمار غاية منتظرة بخلاف الربح في القراض.
وقال أحمد: تصح غير مؤقتة كالقراض.
قال الشيخ: وكنت أود لو قال به أحد من أصحابنا حتى أوافقه، فإني لا أعرف لاشتراط التوقيت دليلاً قوياً، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (أقركم على ما أقركم الله) .. فإنما عقدها على هذا لإمكن النسخ في زمانه؛ لأن ذلك راجع إلى عقد الصلح دون المساقاة.
قال: (كسنة أو أكثر) والمراد: مدة تبقى فيها العين.
وقيل: لا تجوز أكثر من سنة.
وقيل: لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة كالأقوال في الإجارة.
ولو فات في المشروط بين السنين .. جاز.
وقيل: كالسلم في جنس إلى أجلين.
وعلم من اشتراط تأقيت المدة أنها لا تجوز مؤبدة ولا مطلقة كالإجارة، وإنما ذكر
وَلاَ يَجُوزُ بِإِدْرَاكِ الثَّمَرِ فِي الأَصَحِّ.
وَصِيغَتُهَا: سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذاَ النَّخْلِ بِكَذَا، أَوْ سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ لِتَتَعَهَّدَهُ،
السنة توطئة لما بعدها؛ فإن فيه خلافاً والسنة متفق عليها، وأقل مدتها ما يطلع فيه الثمر ويستغنى عن العمل.
وتصح بسني العرب وغيرها إن عرفها، والمطلق محمول على العربية.
ولو ساقاه سنين وشرط له ثمرة سنة بعينها والأشجار بحيث تثمر كل سنة .. لم يصح؛ لأنها ربما لا تثمر في تلك السنة فلا يكون للعامل شيء، أو إلا تلك السنة .. فلا يكون للمالك شيء، ويخالف ما لو ساقاه على ودي عشر سنين والثمرة لا تتوقع إلا في العاشرة لتكون هي بينهما؛ لأنه شرط له سهماً من جميع الثمرة، ولو أنه أثمر قبل سنة التوقع .. لم يستحق العامل منها شيئاً.
وإذا أقت بمدة فأدركت الثمار قبل فراغها .. وجب عليه أن يعمل بقيتها بغير أجرة، وإن انقضت المدة وعلى الأشجار طلع .. فله نصيبه منه وعلى المالك التعهد إلى الإدراك، وإن حدث الطلع بعد المدة .. فلا حق للعامل فيه.
قال: (ولا يجوز التوقيت بإدراك الثمر في الأصح)؛ لأنه يتقدم ويتأخر.
والثاني: يجوز؛ لأنه المقصود من هذا العقد، وصححه الغزالي مع موافقته في السلم على امتناع تأجيله بإدراك الثمرة أو الحصاد؛ لقبول المساقاة من الغرر ما لا يقبله السلم.
والمراد بـ (إدراك الثمرة) ههنا الجذاذ.
قال: وصيغتها: ساقيتك على هذا النخل بكذا) هذه أصرح الألفاظ، وهي أم الباب.
وأفهمت عبارته أنه لابد من ذكر العوض، فلو عقدها من غير تعرض لما يستحقه العامل .. لم تصح، وفي استحقاقه الأجرة وجهان كالقراض.
قال: (أو سلمته إليك لتتعهده) ومثله: اعمل على هذا النخل، أو تعهد نخيلي
وَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ دُونَ تَفْصِيلِ الأَعْمَالِ، بَلْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ.
وَعَلَى الْعَامِلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِصَلاَحِ الثَّمَرِ وَاسْتِزَادَتِهِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ، كَسَقْيٍ
بكذا، وهذه الألفاظ كناية فيجوز كونه مفرعاً على الانعقاد بها، ويعلم منه أنه لابد من الصيغة، وفيه الوجه المكتفي بالمعاطاة، وإشارة الأخرس المفهمة كافية في ذلك.
قال: (ويشترط القبول)؛ لأنها عقد لازم، ولا يأتي فيها الخلاف السابق في الوكالة والقراض، فلو ساقاه بلفظ الإجارة أو عكس .. فالأصح عدم الصحة، والخلاف فيها ينبني على أن العبرة بصيغ العقود أم بمعانيها.
قال: (دون تفصيل الأعمال) فإنه لا يشترط التعرض له (بل يحمل المطلق في كل ناحية على العرف الغالب) كما تقدم.
وقيل: يجب تفصيلها؛ لأن العرف في ذلك مضطرب.
هذا إذا عرف العاقدان العرف المحمول عليه، فإن جهله أحدهما .. وجب التفصيل قطعاً، بل قيل بوجوبه وإن عرفاه.
وقيل: يجب في عاملتك دون ساقيتك.
قال: (وعلى العامل ما يحتاج إليه لصلاح الثمر واستزادته)؛ لأنه مقصود المساقاة.
قال: (مما يتكرر كل سنة)؛ لأن ما لا يكون كذلك تكليف العامل به إجحاف.
قال: (كسقي)؛ لأنه المقصود الأعظم منها، ولا خلاف في وجوبه على العامل عند الإطلاق، فلو شرطه على المالك .. بطل العقد، وكذا ما يجب على المالك لو
وَتَنْقِيَةِ نَهْرِ وَإِصْلاَحِ الأَجَاجِينِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الْمَاءُ وَتلْقِيحٍ وَتَنْحِيَةِ حَشِيشٍ وَالقُضْبَانِ الْمُضِرَّةِ، وَتَعْرِيشٍ جَرَتْ بِهِ الْعَادةُ،
شرطه على العامل .. أبطل العقد، ولو فعله العامل بغير إذن .. لم يستحق أجرة، وإن فعله بإذن المالك .. استحق الأجرة.
وإنما يلزم العامل السقي إذا كانت الأشجار لا تشرب بعروقها من النهر كنخل البصرة، فإن كانت كذلك .. لم يلزم سقيها.
قال: (وتنقية نهر) للعرف، والمراد تنقيته من الطين ونحوه، هذا هو الأصح، وفيه وجهان آخران:
أحدهما: أنها على المالك.
والثاني: على من شرطت عليه من المتعاقدين، فإن لم يذكراها .. فسد العقد.
وكذلك يلزمه تكريب الأرض وهو قلبها للحرث، وألحق المتولي بذلك تقوية الأرض بالزبل وذلك بحسب العادة.
قال: (وإصلاح الأجاجين التي يثبت فيها الماء) وهي: ما حول المغارس محوط عليه يشبه الإجانة التي يغسل فيها.
قال: (وتلقيح) وهو: وضع طلع الذكور في إناث النخل ويسمى التأبير، وقد يستغنى عنه في بعض النخيل بأن يكون تحت ريح الذكور فتكتفي بحمل الهواء ريحه إليها، والطلع الذي يلقح به على المالك؛ لأنه عين ماله، وإنما على العامل العمل.
قال: (وتنحية حشيش و) كذلك (القضبان المضرة) لاقتضاء العرف ذلك.
و (الحشيش): اليابس من الكلأ دون الرطب، وعن بعضهم إطلاقه على الرطب حكاه الأزهري، وكلام الفقهاء محمول على الثاني، لكن لو عبر بالكلأ .. لكان أعم؛ لأنه يعمهما.
قال: (وتعريش) حيث (جرت به العادة) عملاً بها، وهذا قيد في التعريش فقط، وكذلك يلزمه وضع الحشيش فوق العناقيد صوناً لها عن الشمس عند الحاجة.
وَكَذَا حِفْظُ الثَّمَرِ وَجَذَاذُهُ وَتَجْفِيفُهُ فِي الأَصَحِّ.
وَمَا قُصِدَ بِهِ حِفْظُ الأَصْلِ، وَلاَ يَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ كَبِنَاءِ الْحِيطَانِ وَحَفْرِ نَهْرٍ جَدِيدٍ .. فَعَلى الْمَالِكِ.
يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وشيئاً تنعطف عليه القضبان، قال تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت﴾.
قال: (وكذا حفظ الثمر وجذاذه وتجفيفه في الأصح) أراد أنه يجب على العامل حفظ الثمر عن الطير والزنبور والسارق، كما يجب حفظ مال القراض سواء كانت على النخل أم في الجرين، فإن لم يفعل .. فمؤنته عليه.
والثاني- وهو الأقيس في (الشرح) و (الروضة) -: أنها على المالك والعامل جميعاً بحسب اشتراكهما في الثمرة، وفي جذاذ الثمار أيضاً وجهان:
أحدهما: أنها لا تجب على العامل؛ لوقوعه بعد كمال الثمار.
وأصحهما: الوجوب؛ لأن الصلاح به يحصل.
والوجهان في وجوب التجفيف أيضاً، والأصح: الوجوب؛ لما قلناه، وإذا ألزمناه التجفيف .. لزمه تهيئة موضعه وتسويته، ونقل الثمار إليه وتقليبها في الشمس من وجه إلى وجه بحسب العادة، وأما أجرة مكان التجفيف .. فيحتمل أنها كمؤنة الحفظ، ويحتمل أن تلزم العامل.
قال: (وما قصد به حفظ الأصل، ولا يتكرر كل سنة كبناء الحيطان وحفر نهر جديد .. فعلى المالك)؛ لاقتضاء العرف ذلك، وكذلك عليه خراج الأرض الخراجية.
وقد يفهم قوله: (جديد) أن إصلاح ما انهار من ذلك على العامل وليس كذلك، بل هو على المالك.
ومما على المالك أيضاً: نصب الأبواب والدولاب وتحصيل ذلك.
وَالْمُسَاقَاةُ لاَزِمَةٌ، فَلَوْ هَرَبَ الْعَامِلُ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَأَتَمَّهُ الْمَالِكُ مُتَبَرِّعاً .. بَقِيَ اسْتِحْقَاقُ الْعَامِلِ،
والأصح: أن الآلات التي يوافى بها العمل كالفأس والمعول والمنجل والمسحاة والأبقار على المالك للعرف، وقيل: على من شرطت عليه منهما، فإن لم يشرط .. بطل العقد.
وفي سد الثلم اليسيرة التي تبقى في الجدار وجهان: قال الشيخ: الصحيح المنصوص في (الأم): أنه على المالك، وقال الرافعي: الأشبه إتباع العرف فيها كتنقية الأنهار، واعترض عليه بأن تنقية الأنهار سبق أنها على العامل، ووضع الشوك على رؤوس الجدران كسد الثلم اليسيرة.
قال: (والمساقاة لازمة) أي: من الجانبين كالإجارة؛ لأنها لو كانت جائزة .. لتمكن المالك من الفسخ قبل مضي المدة فيضيع عمل العامل، بخلاف المضاربة فإنه ليس للربح وقت معلوم، والفسخ فيه قبل التصرف لا يضر، وبعده لا يمنع البيع المحصل لنصيب العامل.
وحكى ابن كج وجهاً: أنها قبل العمل جائزة كالقراض، ولم يقل أحد من الأصحاب بجوازها مطلقاً، والدليل يقتضيه فإنه صلى الله عليه وسلم عقدها مع اليهود من غير تقدير مدة، ولو كانت لازمة .. لم تجز كذلك وهي جائزة على الذمة قطعاً، وكذا على العين على الأصح، واقتصر الرافعي على نقله عن المتولي.
قال: (فلو هرب العامل قبل الفراغ وأتمه المالك متبرعاً .. بقي استحقاق العامل)؛ لأن العقد لا ينفسخ به كما لا ينفسخ بصريح فسخه، وكذلك لو أتمه أجنبي متبرعاً من غير شعور المالك.
وتعبيره بـ (الإتمام) ليس بقيد، بل لو تبرع المالك بجميع العمل .. كان الحكم كذلك، ثم إن الحكم لا يختص بالهرب، بل العجز بمرض وما يسلب القدرة كالجنون ونحوه كذلك.
وَلَهُ أَنْ يُتِمَّ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ.
وَلَوْ ثَبَتَتْ خِيَانَةُ عَامِلٍ .. ضُمَّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَفَّظْ بِهِ .. اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ عَامِلٌ.
قال: (وله أن يتم العمل بنفسه أو بماله) سواء خلف تركة أم لا؛ لأنه لا يجب عليه الوفاء من التركة المخلفة، فلو كان الميت هو المالك .. فالعقد باق بحاله، ويستمر العامل ويأخذ نصيبه في إجارة العين والذمة، وإنما يلزم المالك تمكين الوارث من العمل بنفسه إذا كان أميناً مهتدياً إلى أعمال المساقاة.
قال: (ولو ثبتت خيانة عامل .. ضم إليه مشرف)؛ لأنه مستحق للعمل ويمكن استيفاؤه منه بهذه الطريقة فتعين جمعاً بين الحقين، ويعرف ذلك بالإقرار أو البينة أو بيمين المدعي بعد النكول.
وقول المصنف: (استؤجر من ماله) صريح في أن أجرة الأجير على العامل، ولا خلاف فيه؛ لأن العمل مستحق عليه، وأما أجرة المشرف .. فالأصح: أنها عليه أيضاً؛ لأنه الذي أحوج إلى ذلك بخيانته.
وقيل: عليهما، فلو ادعى المالك الخيانة من غير ذلك .. فالقول قول العامل مع يمينه.
وإذا ادعى عليه أنه سرق وقصد تغريمه .. لم تسمع الدعوى إلا معلومة، وإن قصد رفع يده عن الثمرة .. سمعت مجهولة وليس هذا من المواضع المستثناة من سماع الدعوى بالمجهول؛ لأن هذا إنما هو دعوى خيانة وهي أمر معلوم فيحلف عليه أو تقام البينة، لكنه يشارك الدعوى بالمجهول في الصورة، ثم إن الأصحاب اتفقوا على أن عامل المساقاة أمين وإن ترددوا في الأجير المشترك والوكيل بجعل.
وفرق ابن الرفعة بأن الجعل لهما محقق فغلب غرضهما، وهنا لم يتحقق الغرض للعامل فغلب غرض المالك؛ لحصول تنمية شجره.
قال: (فإن لم يتحفظ به .. استؤجر من ماله عامل)؛ لتعذر استيفاء العمل الواجب عليه منه والقدرة عليه بهذه الطريق.
وَلَوْ خَرَجَ الثَّمَرُ مُسْتَحَقّاً .. فَلِلْعَامِلِ عَلَى الْمُسَاقِي أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
قال: (ولو خرج الثمر مستحقاً) كما إذا كانت الأشجار موصى بثمرتها وهو أحسن من قول غيره: ولو خرج الشجر مستحقاً.
قال: (.. فللعامل على المساقي أجرة المثل) كما لو غصب نقرة واستأجر رجلاً فضربها .. يأخذها المالك ويرجع الضراب بالأجرة على الغاصب.
وقيل: لا أجرة؛ لأنه الذي أتلف منفعة نفسه، وكما لو فاتت الثمار بجائحة.
وإذا اختلفا في القدر المشروط للعامل ولا بينة .. تحالفا كما في القراض، وله أجرة مثله إن كان بعد العمل.
مهمة:
بيع الأشجار المساقى عليها جائز، وخرجه الرافعي على بيع المستأجر، وأفسد ابن الرفعة التخريج وقال: إنها ملحقة ببيع الثوب عند القصار المستأجر على قصارته قبل العمل، والمفتى به: الصحة مطلقاً خرجت الثمرة أم لا، وأن للمشتري الخيار إذا لم يعلم، هذا منصوص (البويطي) وهو المعتمد.
تتمة:
إذا لم تثمر الأشجار وتلفت كلها بجائحة أو غصب .. فعلى العامل إتمام العمل وإن تضرر به، كما أن عامل القراض يكلف التنضيض مع الخسران، قاله المتولي والفوراني.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الرافعي: وهو أصح مما ذكره البغوي أنه إذا تلفت الثمار كلها بالجائحة .. ينفسخ العقد إلا أن يزيد بعد تمام العمل وتكامل الثمار، وإذا هلك بعضها فإن شاء العامل .. فسخ، وإن شاء .. أتم العمل وأخذ نصيبه.
خاتمة
سواقط الأشجار- وهي السعف والكرناف ونحوها- للمالك فإن شرطها للعامل .. بطل العقد قطعاً، والشماريخ مشتركة بينهما، وفي دخول العرجون وجهان في (البحر).
وفي (فتاوى القاضي خان) وغيره من الحنفية: يجوز وضع الجماجم على الزروع خوفاً من العين؛ لما روي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا نبي الله: إنا أهل زرع، وإنا نخاف العين، فأمرها رسول الله صلى الله عليه سولم أن تضع الجماجم على الزرع).
والله سبحانه وتعالى أعلم
كِتَابُ الإِجَارَةِ